لغتنا والمرض والعلاج

أما العرب المحدَثون ، فمن الواضح أن السليقة تخونهم في نواحي كثيرة من الاستعمالات اللغوية والجوانب المنطقية المتعلقة باللغة العربية، وبخاصة فيما يتعلق بالمترجم منها ، رغم أنهم كثيراً ما يهللون لكل أجنبي يتفوه بكلمات عربية ، وكأن تعلم اللغات أضحى شيئاً غريباً عجيباً على الناطقين بالضاد وإتقانُ أجنبي للعربية معجزةً من معجزات العصر ، تفتر لها ثغور العرب ، لا سيما الإعلاميون منهم، ويسيل لعابهم لرؤية شابة أو شاب يتحدث اللغة العربية بشيء من التمكن والبراعة والطلاقة....

تعاني اللغة العربية الحديثة حالةً من الاستغراب والاستلاب في الأنماط اللغوية والفكرية. ولا نبالغ إلا قليلاً إذا قلنا إن العرب المحدثين ينطقون لغة أجنبية بحروف وأصوات عربية. ولا نحيد عن الحقيقة إذا قلنا إن الجزء الأكبر من اللغة اليومية للمثقفين والمستثقفين العرب غريب ومستورد من اللغات المسيطرة لاسيما اللغة الإنجليزية – وهي بلا منازعٍ لغة التواصل العالمي والتقنية الحديثة والحضارة والسياسة والفكر المعاصر. ولمّا كانت اللغة مرآة أهلها ووعاء فكرها فإن اللغة العربية تعكس حالة التردي الفكري واللغوي...

وتمرُّ الأيام وتتعاقب السنون ومكانة العربية أبداً في نماء وصعود’. فعبد الملك بن مروان أشهر خلفاء بني أمية يخشى اللحن ويتجنَّبُه’, وفي ذلك يقول:"شيبني ارتقاء المنابر واتقاء اللحن" والحجاج يتوخّى ألا يُسمع منه لحن في كلام أبداً فهو أفصح الناس في زمانه’, وعندما يبلغه أن ابن يَعْمَر وقع على لحن له في كتاب الله عزّ وجلّ يعالج الأمر بطريقته الحجاجيّة’! فينفيه من بغداد ويلحقه بخراسان قائلاً:"لا جَرَم’, لا تَسمَعُ لي لحناً أبداً ".
وهكذا بات التمكن في اللغة وامتلاك...

فهذه الأخيرة توصف قدحيا بالعربية »الكلاسيكية«، تبتر بشفرة أوكام، لصالح عربية لهجية تثمن إلى حد العمى، دون استدلال علمي ولا احتساب موضوعي للنتائج الدرامية لهذا الاختيار المائع والسيء القصد. إنك لا تحتاج إلى أن تكون خبيرا لسانيا لتفكك هذا التفكير المخادع، والمتهور والبتري. إنه تفكير بعيد عما نعرفه عن واقع اتصال اللغات، في محيط التعدد اللسني واللغوي في مختلف البلدان، بعيد عن واقع تفاعل اللغات في النمو المعرفي، بعيد عن الواقع المقارن للحلول، أما عما نعرفه عن لغات...

اللغـة العربيـة وتشكيـل الوعـي القومـي - أ. د. يحيى الرخاوي - أستاذ الطب النفسي - كلية الطب- جامعة القاهرة
بحث قيّم جداً يمكنك تنزيله في الملف المرافق.

ولقد بينت في دراسة سابقة الحجج التي يعتمد عليها كل طرف والتي يمكن تلخيصها على النحو التالي:‏

أ­ المؤيدون لاستمرار تدريس اللغة العربية لغير المختصين:

إن الهدف الذي توخاه مرسوم تعميم اللغة العربية في جميع الاختصاصات الجامعية والمعاهد المتوسطة مازال قائماً من حيث المبدأ والأسباب والنتائج.‏

قد يكون هناك نواقص وصعوبات وملاحظات مختلفة في مجال تطبيق هذه التجربة، والمطلوب معالجة...

فالإسراف باستخدام العامية لا يقصد به التهميش والتجهيل فحسب، إنما هو لتكريس حالات التشرذم والقطرية، بالإضافة إلى تصورات خاطئة عن خصائص اللغة العربية باعتبارها الأساس للحضارة العربية والإسلامية، وهذا ما يزعج المتعصبين للعامية، فيدفع بهم إلى نبذ الفصحى وتشجيع العامية، تمشيا مع تعصبهم لإقليميتهم تارة، ولموروثاتهم الخاطئة تارة أخرى، متناسين أن اللهجة العامية التي يعملون جاهدين على شيوعها وانتشارها، ما هي إلا احد روافد اللغة العربية أفسدتها عصور الانحطاط، فأفردت هذا...

ب - من ذلك أيضاً الانسلاخ السلوكي عنها، وهذا أيضاً يختلف من بلد إلى بلد عربي آخر بحسب انفتاح هذا البلد وتشربه للمؤثرات الأجنبية ومحاولة الطبقات المختلفة في المجمع لإحلال اللغات الأجنبية المختلفة محل اللغة العربية، فقد نجد بعض الأسر يتحادث أفرادها فيما بينهم باللغة الأجنبية، وقد يصل التأثر حد الاختلاط الذي لا يستطاع فيه معرفة الأصيل من الدخيل. وقد سمعت مشرفة على روضة للأطفال في إحدى الدول العربية، وهي تدعوهم لدخول الفصل وتقول لهم: "يا لاَّ جُوَّ، جُوَّ"، أي اذهبوا...

ومن هنا اتجهت المدرسة في مرحلة التعليم الأساسي إلى الاهتمام بتعليم فنون اللغة، ومن أهدافها المهمة تزويد التلاميذ بالمهارات الأساسية للغة، مع تنمية هذه المهارات بما يتناسب مع قدراتهم العقلية، بحيث يتمكن في نهاية هذه المرحلة من استخدام اللغة استخدامًا صحيحًا في الاتصال والدراسة؛ لأن مرحلة التعليم الأساسي (6: 15 سنة) قد تكون مرحلة منتهية بالنسبة لعدد من التلاميذ؛ لذلك فهم بحاجة إلى السيطرة على فنون اللغة الأربعة حتى يستطيعوا التعامل مع مجتمعهم بكفاءة، ومن ثَم يمكنهم...

تعتبر اللغة الفصحى -التي تعني معجميًا الأوضح والأكثر قدرة على التعبير- اللغة الموحدة التي يتفاهم بها العرب طوال تاريخهم، ومن النواحي المجهولة الغامضة في تاريخ اللغة العربية نشأتها الأولى، ولكن لا يكاد القرن السابع الميلادي ينتصف حتى يجد مؤرخ اللغة نفسه أمام لغة ناضجة.
وتنتمي هذه اللغة (العربية) إلى الشعبة الجنوبية من أسرة اللغات السامية، وهي تعرف بلغة عدنان في مقابل قحطان، وتعرف كذلك بلغة مضر، ويفضل المتأخرون تسميتها بلغة قريش، وإن كان ذلك لا يتفق مع ما هو...