نظرية علـم اللغة التقابلي فـي الـتراث العـربي

- علم اللغة التقابلي في القرن العشرين عند علماء اللغة الأمريكيين والأوربيين:

يزعم علماء اللغة الغربيون (Fries, 1945; Lado, 1957) أن التحليل التقابلي طوّر ومُورِس في الخمسينيَّات والستّينيَّات من القرن العشرين كتطبيق لعلم اللغة البنيوي في تعليم اللغة. وظهر نتيجة لتطبيق علم النفس السلوكي (Skinner, 1957) وعلم اللغة البنيوي (Bloomfield, 1933) في تعليم اللغة. ويقصد بعلم اللغة التقابلي أو التحليل التقابلي: هو مقارنة النظام اللغوي بين لغتين مختلفتين، مثلاً النظام الصوتي أو النظام النحوي في اللغة العربية واللغة الماليزية. ويهتم التحليل التقابلي ببيان أوجه التشابه والاختلاف بين اللغة الأولى واللغة الثانية. وإن أكثر الأخطاء تأتي بسبب التدخل من اللغة الأم. ولهذا يدعي بأن الأخطاء ضارة ويجب أن تزال. ولقد كان أكثر نجاحاً في علم الأصوات من المجالات الأخرى من اللغة. ويستند التحليل التقابلي على الفرضيات التالية:

1- إنّ الصعوبات الرئيسة في تعلّم لغة جديدة سببها التدخل أو النقل من اللغة الأولى. والنقل نوعان: إيجابي وسلبي. النقل الإيجابي: يجعل التعلم أسهل، وهو نقل قاعدة لغوية من اللغة الأم إلى اللغة الهدف، ويمكن أن تكون اللغة الأم واللغة الهدف تشتركان في القاعدة نفسها. والنقل السلبي: يُعْرَف عادة بالتدخل. وهو استخدام قاعدة في اللغة الأم تؤدي إلى خطأ أو شكل غير ملائم في اللغة الهدف.

2- هذه الصعوبات يمكن أن يتنبأ بها التحليل التقابلي.

3- يمكن استعمال المواد التعليمية في التحليل التقابلي لتقليل آثار التدخل.

أما آراء العلماء في تعليم اللغة من خلال التحليل التقابلي فتنقسم إلى ثلاثة اتجاهات وهي:

أولاً : المؤيدون. يرون أن التحليل التقابلي يمكن أن يتنبأ الأخطاء. ولقد صرّح

"(Fisiak, 1981) بأنّ التحليل التقابلي ضروري للمعلمين، ومصمّمي المناهج الدراسية ومُعدِّي المواد التعليمية...". و(Nyamasyo, 1994) استنتج من دراسته على الطلاب الكينيين بأنّ "طريقة التحليل التقابلي ستكون مفيدة في إبراز المشكلات الصعبة التي تواجه الطلاب".

ثانياً : المعارضون. يدّعون بأنه لا يستطيع توقّع أو التنبؤ بالأخطاء، وخاصة في النحو. ولكنه يمكن أن يوضّح الأخطاء فقط. ويضع (Van Buren, 1974) التسويغ للتحليل التقابلي بأنه يوجد في قوّته التوضيحية بدلاً من قابليته لتوقّع أو تنبؤ الأخطاء أو الصعوبات في اللغة الثانية. أما (Whitman & Jackson, 1972) فقد أجريا اختبارين في النحو الانجليزي لِـ: 2500 طالب ياباني ليختبرا "نظرية التحليل التقابلي في النحو الانجليزي وإمكانيته في التنبؤ أو توقّع المشكلات التي تواجه الناطقين غير الأصليين في اللغة الانجليزية" فأظهرت نتيجة الاختبار بأن التدخل أو النقل لعب دوراً ضئيلاً في تعلّم اللغة.

ثالثاً : المعتدلون. يرون أن التحليل التقابلي مفيد. لذا لا بد من دمج التحليل التقابلي وتحليل الأخطاء (Jassem, 2000) مع بعضهما بعضاً باعتبارهما أساليب يمكن أن تزود المعلم بالنظر في عملية التعلم. ولقد لخص (James, 1980) هذا بقوله: "...كلّ طريقة (التحليل وتحليل الأخطاء) لها دورها الحيوي في تفسير مشكلات التعلم. ويجب على كل منها أن تتمّم الأخرى بدلاً من كونها منافساً لها.

وبعد هذه المقدمة الوجيزة عن علم اللغة التقابلي في الغرب نعود إلى دراسة جذور وأسس هذا العلم عند العرب القدامى لهذا العلم الأصيل. وسنمهد لهذا العلم بمقدمة ذات صلة بالموضوع عن تعلم ودراسة اللغات قديماً عند العرب.

- تعلم ودراسة اللغات عند العرب في القديم

ذكر خرما والحجاج، 1988: (... أن طرائق التدريس أخذت بالتعدد والتنوع منذ بداية القرن الحالي نتيجة أسباب كثيرة، منها الحاجة لتعلم اللغات المختلفة ودراستها التي لم تكن معروفة سابقاً، والتي قدمتها لنا الدراسات الأنثروبولوجية، وخصوصاً في بداية القرن الحالي والعقود التي تلته.

فهما يؤكدان أن تعلم ودراسة اللغات لم تكن معروفة في السابق، وترانا لا نرى رأيهما، ونؤكد بأن تعلم اللغات ودراستها كان معروفاً منذ العصر الجاهلي، فنجد في شعر امرئ القيس بعض الألفاظ الرومية مثل السجنجل وغيرها... وكذلك نجد في شعر الأعشى بعض الألفاظ الفارسية مثل العظلم والأرندج، حيث يقول:

عيله ديابوذ تشربل تحته     أرندج إسكاف يخالط عظلما

الديابوذ: ثوب ينسج على نيرين. أرندج: جلد أسود. عظلم: نوع من الشجر يخضب به.

ويذكر أبو الفرج الأصبهاني صاحب الأغاني خبراً (ج2، ص 101)، إن عدي بن زيد العبادي وهو شاعر جاهلي معروف، قد تعلم الكتابة والكلام بالفارسية، ويقول: (فلما تحرك عدي بن زيد، وأيفع طرحه أبوه في الكُتاب، حتى إذا حذَقَ أرسله المَرْزُبان مع ابنه (شاهان مَرْدْ) إلى كُتاب الفارسية، فكان يختلف مع ابنه، ويتعلم الكتابة والكلام بالفارسية، حتى خرج من أفهم الناس بها وأفصحهم بالعربية وقال الشعر.

وفي العصر الإسلامي نجد أن الرسول العربي صلى الله عليه وسلم قال: [من تعلم لغة قوم أمن شرهم]. وكذلك فقد أمر زيد بن ثابت بتعلم لغة السريان: رُوي عن زيد أنه أمره الرسول صلى الله عليه وسلم بتعلم لغة السريان (انظر ابن الأثير: ج2، ص 222، ومسند الإمام أحمد: ج 5،ص 182): (قال زيد بن ثابت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: تُحسِن السريانية أنها تأتيني كتب. قال: قلت: لا. قال: فتَعَلَّمْها فتعَلَّمَها في سبعة عشر يوماً.

وأما في العصر العباسي فهو غني عن التعريف فقد فتح المأمون دار الحكمة، وكان فيها قسم للترجمة من وإلىاللغة العربية واللغات الأخرى، ونجد أن ابن المقفع مثلاً قد تعلم لغة الفرس والهنود وترجم الكثير من قصصهم وآدابهم، مثل كليلة ودمنة وغيرها.

وفي العصر الأندلسي (كمال: 1982)، نجد أن العبريين تعلموا اللغة العربية وألفوا كتبهم اللغوية والعلمية والأدبية باللغة العربية. فهذه الدلائل تؤكد بأن تعلم اللغات كان معروفاً منذ القديم وليس وليد القرن الحالي.

ونعود الآن إلى الفرضيتين الأخيرتين الثالثة والرابعة لمناقشتهما وهما:

- الدراسات العربية التي أسهمت في ميدان تعليم الأصوات وتعلّمها.

- والدراسات العربية التقابلية القديمة بين العربية وغيرها من اللغات.

من المعروف إن متعلمي اللغة العربية الأجانب يواجهون صعوبات في نطق الأصوات العربية في أثناء تعلمهم إياها. وهذه الصعوبات الصوتية التي تواجه المتعلمين للغة العربية مشكلتها قديمة وليست ناعمة الأظفار. فقد تحدث عنها القدامى والمحدثون من علماء العربية.

فقد أشار الخليل بن أحمد الفراهيدي إلى ظاهرة اللثغة في كتابه العين. فقال: الثعثعة: حكاية كلام الرجل يغلب عليه الثاء والعين فهي لثغة في كلامه... الذعاق بمنزلة الزعاق. قال الخليل: سمعناه فلا ندري ألغة هي أم لثغة. وقال أيضاً: وليس في شيء من الألسن ظاء غير العربية.

ولقد تناول سيبويه (1983م، ج4، ص305-306) في باب اطراد البدل في الفارسية، مسألة تعلم الفرس للغة العربية. فالفرس عندما يتعلمون اللغة العربية، ويواجهون بحرف جديد، فإنهم يبدلون الحرف الذي لا يوجد في لغتهم إلى أقرب حرف له في المخرج في لغتهم الأم؛ فيقول:

"يبدلون من الحرف الذي بين الكاف والجيم: الجيم، لقربها منها. ولم يكن من إبدالها بد؛ لأنها ليست من حروفهم. وذلك نحو الجريز، والآجر، والجورب. وربما أبدلوا القاف لأنها قريبة أيضاً، قال بعضهم: قربز، وقالوا: كربق، وقربق" ويبدلون مكان آخر الحرف الذي لا يثبت في كلامهم، إذا وصلوا الجيم وذلك نحو: كوسه، وموزه؛ لأن هذه الحروف تبدل وتحذف في كلام الفرس، همزة مرة وياء مرة أخرى. فلما كان هذا الآخر لا يشبه أواخر كلامهم صار بمنزلة حرف ليس من حروفهم. وأبدلوا الجيم، لأن الجيم قريبة من الياء، وهي من حروف البدل. والهاء قد تشبه الياء، ولأن الياء أيضاً قد تقع آخرة. فلما كان كذلك أبدلوها منها كما أبدلوها من الكاف. وجعلوا الجيم أولى لأنها قد أبدلت من الحرف الأعجمي إلى بين الكاف والجيم، فكانوا عليها أمضى. وربما أدخلت القاف عليها كما أدخلت عليها في الأول، فأشرك بينهما، وقال بعضهم: كوسق، وقالوا: كربق، وقالوا قربق... فالبدل مطرد في كل حرف ليس من حروفهم، يبدل منه ما قرب منه من حروف الأعجمية".

فهنا يبين لنا سيبويه: أن متعلم اللغة الثانية يبدل الحرف الذي لا يوجد في لغته الأم إلى أقرب حرف له في المخرج في لغته الأم.

ولقد أسهب الجاحظ أيضاً في حديثه عن مشكلة اللثغة واللكنة وبعض عيوب أمراض اللسان عند بعض الناس. ومن خلال عرضه لهذه المسألة، تحدث عن تعلم الأجانب لأصوات اللغة العربية، وقد قام بشرح اللثغة، وذكر أسبابها، وطريقة علاجها.

ولنستمع لما يقوله عن اللثغة (ج1، ص34-35):

قال أبو عثمان: وهي أربعة أحرف: القاف، والسين، واللام، والراء... فاللثغة التي تعرض للسين تكون ثاء، كقولهم لأبي يكسوم: أبي يكثوم... واللثغة التي تعرض للقاف، فإن صاحبها يجعل القاف طاء، فإذا أراد أن يقول: قلت له، قال: طلت له.. وأما اللثغة التي تقع في اللام فإن من أهلها من يجعل اللام ياء، فيقول بدل قوله: اعتللت: أعتييت... وأما اللثغة التي تقع في الراء، فإن عددها يضعف على عدد لثغة اللام، لأن الذي يعرض لها أربعة أحرف: فمنهم من إذا أراد أن يقول عمرو، قال: عمي، فيجعل الراء ياء، ومنهم من إذا أراد أن يقول عمرو، قال: عمذ، فيجعل الراء ذالاً...، ومنهم من يجعل الراء ظاء معجمة، فإذا أراد أن يقول: مرة قال مظة.

ثم يذكر بعد ذلك أسباب اللثغة وهي (ج1، ص57-61):

1- الزواج من امرأة لثغاء؛ فيقول: (... طلق أبو رمادة امرأته حين وجدها لثغاء، وخاف أن تجيئه بولد ألثغ...). فهذا سبب من الأسباب، والسبب الآخر هو:

2- سقوط بعض الأسنان؛ حيث يقول الجاحظ على لسان سهل بن هارون: "وقال سهل بن هارون: (لو عرف الزنجي فرط حاجته على ثناياه في إقامة الحروف، وتكميل آلة البيان، لما نزع ثناياه".

ويقول أيضاً: (وقد صحت التجربة، وقامت العبرة على أن سقوط جميع الأسنان أصلح في الإبانة عن الحروف، منه إذا سقط أكثرها، وخالف أحد شطريها الشطر الآخر. وقد رأينا تصديق ذلك في أفواه قوم شاهدهم الناس بعد أن سقطت جميع أسنانهم، وبعد أن بقي منها الثلث أو الربع.

هذه هي اللثغة التي تحصل في مخارج الألفاظ، وأسبابها، أما طريقة علاجها كما يبرهن عليها الجاحظ، فهي كالتالي (ج1، ص 36):

"فأما التي على الغين فهي أيسرهن، يقال إن صاحبها لو جَهَدَ نفسه جَهْدَه، وأحدَّ لسانه، وتكلف مخرج الراء على حقها والإفصاح بها، لم يَكُ بعيداً من أن تُجيبه الطبيعة، ويؤثر فيها ذلك التعهد أثراً حسناً".

فالطريقة الناجحة للعلاج برأيه هي كثيرة التمرين والتدريب على النطق. ويبرهن على هذا بالدليل الواقعي العلمي من واقع التجربة التي جربها وشاهدها، مع ذكر اسم الشخص الذي كانت له اللثغة، وكان مشهوراً بها، حيث يقول (ج1، ص36-37):

وقد كانت لثغة محمد بن شبيب المتكلم بالغين، وكان إذا شاء أن يقول: عمرو، ولعمري، وما أشبه ذلك على الصحة قاله، ولكنه كان يستثقل التكلف والتهيؤ لذلك، فقلت له: إذا كان المانع إلا هذا العذر فلست أشك أنك لو احتملت هذا التكلف والتتبع شهراً واحداً أن لسانك كان يستقيم.

وكانت لثغة محمد بن شبيب المتكلم بالغين، فإذا حمل على نفسه وقوَّم لسانه أخرج الراء على الصحة، فتأتّى له ذلك. وكان يدع ذلك استثقالاً... ويقول في موضع آخر (ج1، ص70): (... فبِطول استعمال التكلف ذلّت جوارحه لذلك. ومتى ترك شمائله على حالها، ولسانه على سجيته، كان مقصوراً بعادة المنشأ على الشكل الذي لم يزل فيه. وهذه القضية مقصورة على هذه الجملة من مخارج الألفاظ، وصور الحركات والسكون.

أما اللثغة التي تعرض للحروف فهي مختلفة عن هذه، حيث يقول (ج1، ص70):

"فأما حروف الكلام فإن حكمها إذا تمكنت في الألسنة خلاف هذا الحكم ألا ترى السندي إذا جلب كبيراً فأنه لا يستطيع إلا أن يجعل الجيم زاياً، ولو أقام في عليا تميم، وفي سفلى قيس، وبين عُجَّز هوازن، خمسين عاماً. وكذلك النبطي القح، خلاف المغلاق الذي نشأ في بلاد النبط، لأن النبطي القح يجعل الزاي سيناً، فإذا أراد أن يقول: زورق، قال: سورق، ويجعل العين همزة، فإذا أراد أن يقول: مشمعل، قال: مشمئل".

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الجاحظ يرى أن السندي إذا جلب كبيراً، فإنه لا يستطيع إلا أن ينطق الجيم زاياً... ففي زمنه لم تكن الأجهزة والوسائل الحديثة التي تساعد في تعلم النطق الجيد متوفرة، لعلاج مثل هذه الحالات التي تعترض متعلمي اللغة الثانية، فهذه الأجهزة من معامل لغوية ووسائل تعليمية وأجهزة تسجيل وغيرها تعين كثيراً في التعلم. ويمكن أن تتغلب على العادات اللغوية بالتدريب المستمر والمتواصل.

ثم نراه يُفصِّل القول في حديثه عن ظاهرة عدم إفصاح لسان المتكلم عن البيان، أو أسباب الصعوبة. فنراه يرجئ هذه إلى أمور أهمها، حيث يقول (ج1، ص71-72):

"والذي يعتري اللسان مما يمنع من البيان أمور: منها اللثغة التي تعتري الصبيان إلى أن ينشؤوا، وهو خلاف ما يعتري الشيخ الهرم الماج، المسترخي الحنك، المرتفع اللثة، وخلاف ما يعتري أصحاب اللكن من العجم، ومن ينشأ من العرب مع العجم".

فسبب عدم الإفصاح أو الصعوبة هو اللثغة واللكنة. واللثغة قد ضرب لها من الأمثلة الكثير. أما اللكنة فمنها لكنة الأدباء ومنها لكنة الشعراء الخ... ومنها لكنة العامة، فاما لكنة الشعراء والأدباء، منها ما يلي:

اللكن من كان خطيباً، أو شاعراً، أو كاتباً داهياً زياد بن سلمى أو أمامة، وهو زياد الأعجم. قال أبو عبيدة: كان ينشد قوله (ج1، ص71):

فتى زاده السلطان في الودِّ رفعة         إذا غيَّر السلطان كل خليل

قال: فكان يجعل السين شيناً، والطاء تاء، فيقول: (فتى زاده الشلتان).

ومنهم من يجعل الشين سيناً، فبدل أن يقول: شعرت، يقول: سعرت... فهو هنا يذكر أنواعاً من اللكن، منها ما كانت رومية، ومنها ما كانت فارسية، ومنها ما كانت نبطية، ومنها ما كانت سندية، وغيرها... (ج1، ص72).

فأما لكنة العامة ومن لم يكن له حظ في المنطق. فمنهم من يجعل: الحاء هاء، فبدل أن يقول: حمار وحش، يقول: همار وهش... (ج1، ص73).

ومن اللكن من يجعل القاف كافاً. وقال بعض الشعراء في أم ولد له، يذكر لكنتها (ج1، ص73-74):

أول ما أسمع منها في السحر     تذكيرها الأنثى وتأنيث الذكر   

والسوءة السوآء في ذكر القمر

لأنها كانت إذا أرادت أن تقول القمر، قالت: الكمر ومن خلال هذا نجد أن الجاحظ قد تبين أهمية هذه الظاهرة في تعلم أصوات اللغة وتعليمها، من خلال حديثه عن اللثغة واللكنة وبعض أمراض وعيوب اللسان. كما نجده يقارن بين لثغة العربي ولكنته، مع لثغة الفارسي والنبطي والرومي والصقلبي والسندي ولُكَنِهم... (والصقلبي يجعل الذال المعجمة دالاً في الحروف.

وقال أيضاً (ج1، ص64-65): (ولكل لغة حروف تدور في اكثر كلامها كنحو استعمال الروم للسين، والجرامقة للعين). ونجد اللغوي الأصمعي يقول (انظر، الجاحظ): (ليس للروم ضاد، ولا للفرس ثاء، ولا للسرياني ذال.

هذا وقد كانت دراسة الجاحظ للثغة دراسة ميدانية، اعتمد فيها على عينة من الناس، وكان يبرهن على ما يقوله بالدليل المنطقي الواقعي الملموس.

أما السيوطي فقد تحدث عن مسألة الإبدال في الحروف عند العرب، فقال: (حروف لا تتكلم العرب بها إلا ضرورة، فإذا اضطروا إليها حولوها عند التكلم بها إلى أقرب الحروف من مخارجها: وذلك كالحرف الذي بين الباء والفاء، مثل: بور، إذا اضطروا قالوا: فور.

ويقول في موضع آخر: (انفردت العرب بالهمز في عرض الكلام، مثل: قرأ، ولا يكون في شيء من اللغات إلا ابتداءً. ومما اختصت به لغة العرب الحاء والطاء، وزعم قوم أن الضاد مقصورة على العرب دون سائر الأمم. وقد انفردت العرب بالألف واللام التي للتعريف، كقولنا: الرجل والفرس؛ فلسيتا في شيء من لغات الأمم غير العرب.

ومما يجب التنويه إليه في رأي السيوطي هنا هو قوله: عن انفراد العرب بالهمز في عرض الكلام. فنجد أن الهمزة يمكن أن تأتي في عرض الكلام في اللغات الأخرى. ففي كثير من اللهجات الانكليزية في بريطانيا (جاسم، 1992) "يرد لفظ التاء (T) بطرق مختلفة. ففي أول الكلمة تلفظ تاء، مثل: Tea، فتنطق (تِي)، أما في وسطها ونهايتها، فتلفظ همزة عندما تكون بين العلات (أحرف العلة). مثال ذلك: عندما تأتي التاء في وسط الكلمة (Water) فإنها تنطق همزة (وُأَر)، وكذلك في نهاية الكلمة: But فتنطق: (بأ، أو بتء)، أي أنها تنطق همزة من دون التاء، وتنطق تاء وهمزة معاً".

وفي اللغة الملايوية (الماليزية) تنطق الهمزة في أول الكلمة ووسطها ونهايتها. فمثلاً، في أول الكلمة: (أتَوْك) وتعني: جَدّي... وفي وسط الكلمة: (كِرَاجَأن) وتعني الحكومة. وفي نهاية الكلمة: (تأ) وتعني أداة النفي لا، مثال: تأ أدا، وتعني غير موجود... أو (توء) وتعني جَدّي.

من خلال مراجعة هذه الدراسات العربية القديمة اتضح لنا أنها أسهمت في ميدان علم اللغة التقابلي، وتعليم الأصوات وتعلمها عند غير العرب.

ومن المعلوم أن علم اللغة التقابلي عندما يقوم بدراسة في أي مستوى من مستويات اللغة يبدأ بوصف نظام كل واحدة من اللغتين على حدة، ثم يقابل بينهما، ويقوم بحصر أوجه التشابه والاختلاف بين نظامي اللغتين المدروستين، ثم ينتهي بنتائج البحث فيقول مثلاً: إنه توجد هذه الأصوات في اللغتين، ولا توجد تلك الأصوات في إحداهما. فالأصوات التي لا توجد في اللغة الثانية تسبب صعوبة في أثناء تعلمها، والأصوات الموجودة في اللغتين لا تسبب صعوبة في أثناء تعلمها، ومن ثم اقتراح الطريقة المناسبة للعلاج.

وكما ينص علم اللغة التقابلي أيضاً على تأثير اللغة الأم في تعلم اللغة الثانية، وبالتالي ينقل المتعلم عاداته اللغوية من لغته الأم إلى اللغة الثانية التي يتعلمها (انظر، صيني 1982). ونحن نجد أن سيبويه، والجاحظ، والسيوطي ذكروا ذلك في حديثهم عند تعلم الأجانب والعرب لأصوات اللغة الثانية، ولنستمع إلى ما قاله الجاحظ في هذا الشأن (ج1، ص70).:

"ومتى ترك شمائله على حالها، ولسانه على سجيته، كان مقصوراً بعادة المنشأ على الشكل الذي لم يزل فيه".

فهو هنا يؤكد تأثير اللغة الأم على اللغة الثانية، حيث أن المتعلم ينقل عاداته اللغوية من لغته الأم إلى اللغة الثانية التي يتعلمها. وكما أشار إليه سبويه عندما قال: (يبدلون من الحرف الذي بين الكاف والجيم: الجيم، لقربه منها. ولم يكن من إبدالها بدٌّ؛ لأنها ليست من حروفهم... فالبدل مطرد في كل حرف ليس من حروفهم، يبدل منه ما قرب منه من حروف الأعجمية.

فالمتعلم الذي يتعلم اللغة الثانية يبدل الحروف التي يتعلمها في اللغة الجديدة إلى حروف لغته الأم في حال عدم وجود هذه الحروف في نظام لغته.

ويبحث علم اللغة التقابلي أيضاً في كيفية تعلم الأجانب لأصوات اللغة الهدف، مثلاً الطالب الأجنبي ينطق الحاء هاء، ثم يبحث عن سر هذه المشكلة، لماذا ينطق الحاء هاءً؟ هل هي غير موجودة في لغته الأم؟ أم أن هناك سبباً آخر غير ذلك. كاعتياد أعضاء النطق عند الكبير على النطق بالطبيعة التي تكيفت معها أعضاؤه... فقد وجدنا أن الجاحظ قد تحدث عن هذه القضايا كلها مبيناً كيفية نطق العرب والأجانب للحروف، مع ذكر طريقة العلاج المناسبة لذلك، حسب ما كان سائداً من معارف في عصره. وفي حديثه عن اللثغة بين كل هذا بالتفصيل. وكما أن علم اللغة التقابلي في القرن العشرين يوصي: بكثرة التدريب على الأصوات التي توجد فيها صعوبة نطقية، كوسيلة من وسائل العلاج. فقد تحدث عنها الجاحظ سابقاً، وهي كثرة التمرين والتدريب على الأصوات التي توجد فيها الصعوبة.

ولقد أثبتت الدراسات اللغوية التقابلية الحديثة في دراسة الأصوات، أن المتعلم للغة ثانية يميل إلى استبدال الصوت الذي يتعلمه ولا يوجد في لغته إلى أقرب صوت له في المخرج في لغته الأم وبالأخص علم اللغة التقابلي. وأن الأصوات التي لا توجد في لغته الأم تشكل صعوبة نطقية له في أثناء تعلمها (انظر، جاسم:2001م ).

- الخلاصة:

من خلال هذا العرض الموجز تبين لنا أن دراسات العرب القدماء كانت هي الأساس لنشوء هذا الفرع من علم اللغة، فنجد دراسات سيبويه والجاحظ والسيوطي وغيرهم تعتبر تقدماً كبيراً في ميدان علم اللغة التطبيقي أو علم اللغة التقابلي. فقد وجدنا أن الجاحظ في علاجه لمشكلة اللثغة يشرح أسس هذا العلم، مثل: توصيف المشكلة، وبيان الأسباب، وشرحها، وذكر طريقة العلاج المناسبة لها، وغيرها.

وقد اتضح لنا أيضاً وجود دراسات عربية قديمة في مجال علم اللغة التقابلي، اهتمت بمشكلات تعلم الأصوات وتعليمها، وكانت تلك الدراسات هي النواة الأولى لنشأة هذا الفرع الجديد من فروع علم اللغة التطبيقي، فهذا العلم لم يكن جديداً إلا باسمه، ولكنه موجود من حيث المبدأ والتأسيس منذ أيام الخليل بن أحمد الفراهيدي.

وبناء على ذلك نقول: إن نظرية علم اللغة التقابلي (التحليل التقابلي) ليست جديدة في علم اللغة الحديث، بل هي قديمة منذ زمن سيبويه والجاحظ والسيوطي. وإن كان سيبويه لم يُشِر إلى الطريقة المناسبة لتعليم تلك الأصوات التي توجد فيها صعوبة، وذلك خلاف ما وجدناه عند الجاحظ.

المصادر والمراجع:

1- أسد الغابة في معرفة الصحابة، ابن الأثير، بيروت: دار إحياء التراث العربي، المجلد الثاني، 1377هـ.

2- البيان والتبيين، الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، الطبعة السابعة، مكتبة الخانجي بالقاهرة، 1998م.

3- في طرق تعليم اللغة العربية للأجانب، جاسم، جاسم علي، كوالا لمبور: إيه. إيس. نوردين، ط2، 2001م.

4- المحادثة العربية المعاصرة للناطقين بالانجليزية، جاسم، جاسم علي. العبد، أميرة عبيد. جاسم، زيدان علي. كوالا لمبور: إيه. إيس. نوردين، 199.

5- دراسة في علم اللغة الاجتماعي، جاسم، زيدان علي، مراجعة وتدقيق زيد علي جاسم وجاسم علي جاسم، كوالا لمبور: بوستاك أنتارا، ط1، 1993.

6- علم اللغة الاجتماعي: نشأته وموضوعه، جاسم، زيدان علي، مجلة الدراسات العربية والإسلامية، بروني دار السلام، مج3، ع3، نوفمبر، 1992.

7- سند الإمام أحمد بن حنبل، ابن حنبل، أحمد. دار الفكر.

8- اللغات الأجنبية تعليمها وتعلمها، خرما، نايف. الحجاج، علي. عالم المعرفة، الكويت، 1988.

9- سيبويه، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، بيروت: عالم الكتب، ط3، 1983.

10- المزهر في علوم اللغة وأنواعها، السيوطي، عبد الرحمن جلال الدين. شرحه وضبطه وصححه وعنون موضوعاته وعلق حواشيه محمد أحمد جاد المولى بك وغيره، صيدا -بيروت: المكتبة العصرية. 1986.

11- التقابل اللغوي وتحليل الأخطاء، صيني، محمود إسماعيل، وغيره (تعريب وتحرير). ط1، الرياض، عمادة شؤون المكتبات، جامعة الملك سعود، 1982.

12- الأغاني، أبو الفرج الأصبهاني. مصور عن طبعة دار الكتب، مؤسسة جمال للطباعة والنشر.

13- كتاب العين، الفراهيدي، الخليل بن أحمد. تحقيق: مهدي المخزومي وغيره، دار ومكتبة الهلال.

14- دروس الغة العبرية، كمال، ربحي. بيروت، عالم الكتب، 1984.

15- Bloomfield, L. 1933. Language. New York: Henry Holt and Company.

16- Fisiak, J. 1981. Some introductory notes concerning contrastive linguistics. In Fisiak, J (ed.). Contrastive Linguistics and the Language Teacher, Oxford: Pergamon.

17- Fries, C.C. 1945. Teaching and learning English as a foreign language. An Arbor: Wahr.

18- James, C. 1980. Contrastive analysis. London: Longman.

19- Jassem, J. A. 2000. Study on second language learners of Arabic: an error analysis approach. Kuala Lumpur: A.S. Noordeen.

20- Jassem, Jassem Ali. Jassem, Zaid Ali, and Jassem, Zaidan Ali. (1995) Drills and Exercises in Arabic Writing and Pronunciation for Learners for Arabic as a Foreign/Second language. Kuala Lumpur: Golden Books Centre SDN. BHD.

21- Jassem, Zaidan Ali. 1993. Impact of the Arab-Israeli Wars on Language & Social Change in the Arab World, the Case of Syrian Arabic. Kuala Lumpur: Pustaka Antara.

22- Jassem, Zaidan Ali. 1993. On Malaysian English. Its Implication for the Teaching of English as a Second or Foreign Language (TESL/TEFL). Kuala Lumpur: Pustaka Antara.

23- Jassem, Zaidan Ali. 1984. Word Stress Pattern. A Contrastive study of English & Arabic. M.A. Dissertation, Durham University, UK.

24- Lado, R. 1957. Linguistics across cultures. Ann Arbor: University of Michigan Press.

25- Nyamasyo, E.A. 1994. An analysis of the spelling errors in the written English of Kenyan pre-university students. Language, Culture and Curriculums 7 (1): 79-92.

26- Skinner, B.F. 1957. Verbal behavior. New Jersey: Englewood Cliffs.

27- Van Buren, P. 1974. Contrastive analysis. In Allen, J.P.B. and Corder S. P. (eds.). Techniques in applied linguistics, Oxford: Oxford University Press.

28- Whitman, R. & Jackson, K.L. 1972. The unpredictability of contrastive analysis. Language Learning 22: 29-41.

------------------------------

 

نظرية علـم اللغة التقابلي فـي الـتراث العـربي - أ. د. جاسم علي جاسم  - د. زيدان علي جاسم

 

العدد:83-84 - جمادة الآخر - 1422 هـ أيلول (سبتمبر) - 2001 - السنة الحادية و العشرون |  مجلة التراث العربي بدمشق

 

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: