التجربة العربية في تعريب العلوم وعلوم الطب - د. صـادق الهلالي

وبدأ التعليم العلمي الحديث في مصر، عند مطلع النهضة العلمية الحديثة، وكان من البديهي لكلوت بك، الذي أسس مدرسة الطب في أبي زعبل عام 1827 (والتي انتقلت إلى القصر العيني عام 1837)، أن يختار التعليم باللغة القومية، رغم الاعتراضات الكثيرة التي قاومته، سواء من أولئك المغرضين من المستعمرين، أو من الذين يجهلون إمكانيات لغتنا، أو ممن يعتبرون التعليم والتحدث باللغة الأجنبية علواً وتسامياً، ولكن كلوت بك أصر على التعليم باللغة العربية، لأن الطلاب كانوا من المتعلمين في الجامع الأزهر ولا يعرفون شيئا من اللغات غير العربية. كما كان يعتقد بأن تعلم الطلاب لعلومهم بلغتهم أسهل كثيراً وأعمق فهماً وإدراكاً، كما أنه يزودهم بوسيلة كفؤة للتفكير والتذكر، ولتطوير مفاهيمهم ومداركهم، بينما يضطرهم التعلم بغير لغتهم إلى تعلم لغة جديدة أولاً، ولن تكون هذه واسطة سهلة ومقبولة للتواصل الفكري واللغوي لديهم، مع الآخرين، حتى إلى درجة بسيطة، بالمقارنة مع ما تزودهم به لغتهم العربية القومية، لغة حياتهم وممارساتهم اليومية.
وعلَّموا الطب في هذه المدرسة بكفاءة مقبولة رغم أن الطلاب كانوا من ذوي خلفيات تعليمية محدودة، إذ أنهم كانوا من طلاب جامع الأزهر، ولم تكن لديهم معلومات علمية أساسية، يقتضيها التعليم الطبي، مما اضطر كلوت إلى تدريسهم الرياضيات والهندسة والبيولوجي، عند أول دخولهم مدرسة الطب، كما أنه اضطر إلى تعليمهم اللغة الفرنسية (كلغة ثانية).
وبوجه الاعتراضات المتواصلة، على التعليم بالعربية، بدعوى عدم كفاءتها في التعليم الطبي، جيء بالأستاذ الدكتور باريست (Pariset) من باريس، عام 1830، للإشراف على امتحانات الطلاب، فكان تقريره عنها مشجعاً، وقرر بأن مستوياتهم التعليمية لا تقل عن المستويات الجيدة المقبولة في فرنسا. وعلى الرغم من ذلك، فقد استمرت حملة الاعتراضات التي كان يرأسها الدكتور ميشو (Michaud)، من الأكاديمية الفرنسية لامتحان الطلاب، فكان نجاحهم جيداً. وعند تخرج الدفعة الأولى من المدرسة، اتُهِم كلوت بأنه تساهل معهم في إنجاحهم، مما اضطره، بعد موافقة محمد علي باشا، إلى اصطحاب 12 خريجاً من مدرسته في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 1832 إلى باريس، حيث امتحنتهم هيئة علمية، من أشهر أساتذة الطب آنذاك وباللغة الفرنسية. وألقى البارون دوبيوترين Baron Duputren، بعد انتهاء الامتحان، كلمة امتدح بها الطلاب، وأشاد بمستوى معلوماتهم، وهنأ الدكتور كلوت بك وأساتذة المدرسة على إنجازهم الرائع.
وطلب محمد علي باشا، عند ذلك، بقاء هؤلاء الخريجين في باريس للتدريب، وتخصص كل واحد منهم بأحد علوم الطب، وأشترط عليه ترجمة كتاب علمي، في موضوع اختصاصه، إلى اللغة العربية. وبلغ مجموع الخريجين من هذه المدرسة، أثناء فترة تولي محمد علي باشا مدة 18 عاماً، 1500 خريج، وأُلفت وتُرجمت خلال ذلك حوالي 86 كتاباً (وكان أولها كتاب "القول الصريح في علم التشريح")، وكانت كلها كتباً جيدة، قال عنها الدكتور أحمد شوكت الشطي "...هي كتب ممتازة لا تقل عن أمثالها في ذلك الحين من كتب الغرب، جودة في الطبع وحسناً في التعبير وبراعة في الإيضاح". واشتملت هذه الكتب على آلاف المصطلحات، كان الكثير منها من المصطلحات العربية التراثية الأصيلة، فأحيوا بذلك الكثير من مصطلحات الطب العربي الإسلامي، كما وضعوا العديد من المصطلحات العربية الجديدة، وعربوا الكثير من المصطلحات التي لم يهتدوا إلى إيجاد مقابلات عربية مناسبة لها. واستُحدثت خلال هذه الفترة بعضُ المعجمات الطبية والعلمية، واستعملت مصطلحاتها التراثية الأصيلة هذه في وضع العديد من مصطلحات المعجم الطبي الموحد الحديث.
وفي عام 1849 استدعى إبراهيم باشا الدكتور لاليمان Lallemand، من كلية طب مونبيلية، إلى مصر لتقييم مستوى طلاب مدرسة الطب، فامتدح في تقريره مستوى طلابها وأساتذتها، الذين كان من بينهم ثيودور بلهارز الذي اكتشف طفيلي البلهارزيا فيها عام 1851.كما اكتشف فيها الأستاذ كرايسنجر Greissengerطفيلي الانكلستوما، ونشرت بالإضافة إلى ذلك العديد من البحوث والنشريات العلمية والطبية.
وأُسست، بجانب مدرسة الطب هذه، مدارس التمريض والصيدلة والبيطرة والولادة، وبعض المدارس العلمية والأدبية والإنسانية الأخرى، واستمر التعليم فيها كلها بالعربية، بكل كفاءة واقتدار. واكتملت كل الكتب العلمية الضرورية للتعليم باللغة العربية، إلى أن احتل الإنكليز مصر عام 1882، وفرضوا تحويل لغة التعليم إلى الإنكليزية عام 1887، بحجة عدم توفر المراجع الكافية، فصارت المحاضرات تلقى بالإنكليزية لكن التعليم السريري بقي بالعربية، لفترة قصيرة، حتى تحول كل التعليم تدريجيا إلى اللغة الأجنبية. وكانت من نتائج هذا التعليم بالعربية، تحسن الوضع الصحي في البلد، وبناء كوادر طبية ممتازة، حتى إن العديد من خريجي مدرسة الطب هذه اصبحوا أساتذة بل عمداء لها، مثل محمد بك الشافعي، ومحمد علي باشا البقلي وعيسى باشا حمدي. وتطورت الخدمات والممارسات الطبية، نتيجة تمكن الخريجين من التحدث عن الأمور الصحية بالعربية مع مواطنيهم، فاختلطوا بمجتمعهم، وتمكنوا، مثلاً، من تدريب 2500 حلاق مصري على تطعيم الأطفال، وغيرهم، ضد الجدري، وجعلوا هذا التطعيم إجباريا، فقلت الإصابات بهذا المرض الخطير لدرجة كبيرة.
ولم يكتف المحتل الإنكليزي بتحويل لغة التعليم العلمي فقط إلى الإنكليزية، بل حوّل إليها أيضاً لغة التعليم في المدارس، منذ عام 1889 حتى عام 1908. عندما بُدئ بتحويل التعليم في المدارس الابتدائية إلى العربية، وأصدر سعد زغلول باشا، عام 1923 (عندما كان ناظراً للمعارف والمسؤول التنفيذي الأول عن التعليم)، دستورا يفرض التعليم بالعربية في كل المدارس الحكومية الابتدائية والثانوية.
ثم صدرت لائحة الجامعة المصرية الأولى، عام 1908، التي نصت على أن يكون التعليم بالعربية في تكوينها الأهلي، ثم نصت، في عام 1925، على أن يكون التعليم بالعربية، في تكوينها الحكومي أيضاً، فعرب التعليم في كل الكليات الأدبية والإنسانية تدريجيا، حتى في كلية الزراعة، ولكنه بقي باللغة الإنكليزية في كليات الطب والبيطرة والصيدلة والأسنان والعلوم والهندسة والمعاهد العليا للتمريض والعلاج الطبيعي، بالرغم من ضعف لغة الطلاب والأساتذة بالإنكليزية، ولذلك صار التعليم في هذه الكليات، في الأعوام الأخيرة، مزيجا من الإنكليزية والعربية، الفصحى أحياناً والعامية في الغالب، مع استعمال المصطلحات العربية والأجنبية. وجرت محاولات لتحويل لغة التعليم إلى العربية في كل الجامعات المصرية، ففي عام 1938 حاول الدكتور محمد حسين هيكل باشا وزير المعارف آنذاك تحويل لغة التعليم إلى العربية، ولكن جاءت الحرب العالمية الثانية وأجهضت العملية. وحاول ذلك أيضا الدكتور طه حسين، ثم صدر في عام 1956 قرار كلية طب القصر العيني بتحويل لغة التعليم الطبي فيها إلى العربية ولم يطبق ذلك أيضاً. وجرت في كلية طب جامع الأزهر، التي بدأت تعليمها عام 1963، بعض المحاولات لتعريب التعليم الطبي، فألف أو ترجم فيها العديد من الكتب العلمية، وسمح بتقديم أطروحات الدراسات العليا ( الماجستير والدكتوراه) بالعربية، واشتُرط أن تتضمن جميع الأطروحات، التي تقدم بغير العربية مختصراً شاملاً للأطروحة بالعربية. كما دُرِّست بالعربية بعض العلوم، مثل الطب الشرعي والصحة النفسية وطب المجتمع، مثل ما هو متبع في كليات الطب المصرية الأخرى. وعلى الرغم من أن المحاضرات تلقى الآن بالإنكليزية في معظم العلوم، فإن الشروحات، خصوصا في التعليمين السريري والمختبري، تعطى باللغة العربية (العامية في الغالب).
وخلاصة القول، فإن التعليم العام في مصر، في الدراسات الابتدائية والثانوية والجامعية في العلوم الإنسانية والأدبية والزراعية، يجرى باللغة العربية. أما في الدراسات العلمية الجامعية الأخرى، فإنه يعطى بالإنكليزية، ويشمل ذلك حوالي 25% من طلاب الجامعات المصرية، أما القسم الباقي منهم فإنه يتلقى دراساته بالعربية.
وفي لبنان، افتتحت في بيروت عام 1866 الكلية السورية الإنجيلية (البروتستانتية)، والتي أصبحت فيما بعد الجامعة الأمريكية في بيروت، وراحت تعلم كل علومها بالعربية (بما فيها علوم الطب)، ثم قامت جامعة القديس يوسف في بيروت عام 1882 وعلمت بالعربية أيضاً. ولكن لم يدم ذلك طويلا، فقد تحولت لغة التعليم عام 1884 إلى الإنكليزية، في الكلية الأولى، وإلى الفرنسية، في الثانية، بحجة عدم توفر الأساتذة المتمكنين من تعليم علوم الطب بالعربية.
وعلى الرغم من ذلك، فقد وُضع في الكلية السورية الإنجيلية، وخلال فترة تعريبها القصيرة نسبيا (18 عاما)، اثنا عشر كتابا، وترجمت فيها عدة كتب طبية أخرى، استعمل فيها الكثير من مصطلحات الطب العربي الإسلامي. كما استعملت في هاتين الكليتين الكتب الطبية التي وضعت في مدرسة طب القصر العيني، كما استعملت في التعليم فيها معظم المصطلحات الطبية التي وضعت في مصر، لكن كانت هناك بعض الاختلافات بين مصطلحات المعهدين. ويعود سبب ذلك إلى أن المدرسة المصرية كانت تترجم مصطلحاتها عن الفرنسية، بينما كانت مدرسة بيروت تستمد مصطلحاتها من الأصول الإنكليزية. واستمرت الدراسة بالعربية، طوال هذه الفترة، وأثبتت كفاءتها العالية في تعليم الطب، وكانت نتائجها مشجعة. وتنامت، أثناء تلك الفترة، الدعوة للتعريب الشامل في كل العلوم والدراسات الجامعية، حتى إن اللغة العربية أصبحت آنذاك لغة كل المعاملات الإدارية حتى مع الإدارة التركية الحاكمة والمتشددة.
وبدأ التعليم الطبي في سوريا عام 1903، باللغة التركية، حتى عام 1914 عندما أغلقت مدرسة الطب بدمشق بسبب الحرب العالمية الأولى. وعندما عاد التعليم فيها عام 1919، أصر الأساتذة المؤسسون على أن تكون اللغة العربية هي لغة التعليم فيها، بالرغم من إصرار المحتلين الجدد الفرنسيين الذين أرادوا أن تكون الفرنسية لغة للتعليم العام والجامعي. ولكن الرواد الأوائل علموا بالعربية، وبذلوا جهوداً جبارة في تأليف الكتب الطبية المناسبة، وفي إيجاد المصطلحات الطبية وتطورها، وأصدروا مجموعات عديدة منها، ثم نظموا بعض المعجمات الطبية والعلمية، كما أجروا تدريسهم في كل الكليات العلمية والإنسانية الأخرى، في كل الجامعات السورية، باللغة العربية أيضاً. وتطور مستوى التعليم لدرجة جيدة جداً، حتى وصل إنجاز الأطباء المتخرجين من كلياتهم الطبية درجة تفوق مستوى خريجي بعض الجامعات التي تعلم طبها باللغة الإنكليزية في بعض البلدان العربية الأخرى. ويتمثل ذلك في إنجاز خريجيها في امتحانات الدراسات الطبية العليا، التي تجرى في إنكلترا، أو في الولايات المتحدة. ففي امتحانات الـ ECFMG التي تُجرى في الولايات المتحدة للأطباء الذين يرغبون في مواصلة دراساتهم أو ممارساتهم الطبية فيها، كانت نتائج خريجي الكليات الطبية السورية أحسن من الخريجين الذين يتلقون تعليمهم بالإنكليزية. ففي عام 1983، بلغت نسبة نجاح الأطباء المتخرجين من الكليات السورية42.5%، بينما بلغت نسبة نجاح الأطباء الدارسين بالإنكليزية في البلدان العربية الأخرى 39.6 %. وفي عام 1984 كانت نسبة نجاح السوريين 57.3 %، مقارنة بـ 44.5% للدارسين بالإنكليزية. وزاد الفرق أكثر من ذلك في الأعوام الأخيرة. حصل كل ذلك بالرغم من أن كل هذه الامتحانات تجري باللغة الإنكليزية. ونقل الأستاذ محمد أحمد سليمان نتائج أخرى مشابهة لذلك في مثل هذه الامتحانات. كما أثبتت كل الاختبارات التي أجريت، على طلاب الجامعات السورية الذين يتلقون تدريسهم بالعربية، أنهم يتلقون علومهم بدرجة أعمق وأوسع، وبسهولة كبيرة نسبياً، مقارنة بطلاب جامعات الأقطار العربية الأخرى التي تعلم باللغة الأجنبية.
وقد بلغ عدد الأطباء، المتخرجين من جامعة دمشق والعاملين في ألمانيا، حوالي 1100 طبيب (عام 1980) وهم يمارسون هناك بمستوى علمي رفيع.
وعندما بدأت كليتا طب حلب وتشرين في اللاذقية، بدأتا تعليمهما باللغة الإنكليزية، ولكن بعد ثلاث سنوات من بدئهما، حُوِّل التعليم فيهما إلى العربية، نتيجة شكوى الطلاب بسبب صعوبة تلقي علومهم بالأجنبية، وشكوى الأساتذة من صعوبة إلقائها بغير العربية، وندرة الأساتذة الذين يرغبون، أو يتمكنون من التعليم باللغة الإنكليزية. وكذلك، كان التعليم يتم في كل الكليات العلمية والإنسانية والأدبية باللغة العربية بكل كفاءة واقتدار.
أما في العراق، فإن التعليم العالي في الدراسات الإنسانية والاجتماعية والزراعية والاقتصادية والأدبية وفي كل التعليم العام (الابتدائي والثانوي) هو باللغة العربية بصورة عامة.
ولكن التعليم العالي، في الدراسات العلمية والطبية والهندسية، يتم بالإنكليزية منذ بدء كلياتها، ولكن دُرِّست بعض العلوم فيها باللغة العربية. فقد دُرِّس الطب العدلي (الطب الشرعي) وقوانين وآداب الطب وبعض مواضيع الصحة العامة باللغة العربية منذ إنشاء كلية طب بغداد عام 1927، وفي جميع كليات الطب الأخرى التي افتتحت بعد ذلك.
وفي حزيران من عام 1976، قرر مجلس قيادة الثورة تعريب التعليم الجامعي والعالي تعريباً كاملاً، وأجل تنفيذ القرار في كليات الدراسات الطبية حتى عام 1980، بينما دُرِّست بالعربية بعض العلوم وبعض المواضيع العلمية، في كليات العلوم والهندسة حسب إمكانياتها، وحسب قرار الأساتذة الراغبين والمتمكنين من ذلك.
وصدر عام 1977 قانون الحفاظ على سلامة اللغة العربية بالعراق رقم 64. وصدر على اثره قرار تعريب تدريس العلوم الصرفة والتطبيقية، في كل الجامعات العراقية، ابتداء من السنة الدراسية 77/1978 في صفوف السنة الأولى، على أن يتم التدرج في التعريب سنة بعد أخرى حتى يكتمل التعريب الشامل للمقرر عام 1982.
ثم صدر قرار مجلس وزراة التعليم العالي والبحث العلمي رقم 2 بتاريخ 25/11/1979 الذي أوجب تطبيق التعريب الإلزامي، في الصفوف الأولى من كليات الطب والأسنان، اعتبارا من أيلول (سبتمبر) 1980 "، على أن لايؤجل ذلك بأي حال من الأحوال". وأُلّفت لهذا الغرض لجنة مركزية، لمتابعة تعريب العلوم الطبية، فعقدت عدة اجتماعات درست أثناءها كل جوانب المشروع. وألفت عدة لجان لتأليف أو ترجمة الكتب الطبية، المقررة للصفوف الثلاثة الأولى من كليات الطب، فوضعت أو ترجمت الكتب التالية : الكيمياء العامة والعضوية، كتاب علم البيولوجي الطبي (علم الأحياء الطبية)، كتاب الفيزياء النظري، كتاب الفيزياء العملي، كتاب علم التشريح النظري، كتاب علم التشريح العملي، أطلس التشريح، كتاب علم الأنسجة، كتاب علم الأجنة، كتاب علم الكيمياء الحياتية، كتاب الفسلجة، كتاب ميورز في علم الأمراض، كتاب علم الطفيليات الطبية، كتاب علم الجراثيم، كتاب الطب العدلي (الطب الشرعي)، كتاب جراحة اليد والقدم والعظام والمفاصل والكسور. كما أعدت كتب مماثلة لتعليم طب الأسنان بالعربية، وطُبعت آلاف من هذه الكتب، لا تزال مكدسة في مخازن كليات الطب.
ولكن هذا الحماس للتعريب خف كثيراً وأجل حتى تلاشى بالمرة تقريبا. ولم يعرب تعليم الطب في أي من الكليات الطبية، وبقي التعليم بالإنكليزية إلا في حالات قليلة، كتعليم الطب الشرعي وبعض مواضيع صحة المجتمع والصحة النفسية. كما يدور الكثير من مناقشات التعليم السريري وبعض المناقشات العلمية بالعربية العامية، مع استعمال المصطلحات الأجنبية، إلا في بعض الحالات التي تستعمل فيها بعض المصطلحات الطبية العربية أيضاً.
وبقي التعليم في الكليات العلمية الأخرى (العلوم والهندسة) مزيجا من العربية والإنكليزية حسب رغبة الأساتذة المتمكنين من التدريس بالعربية.
وعندما تأسست الجامعة الأردنية في عمان عام 1962 كان التدريس في كلياتها الأدبية بالعربية، ولكن عندما استكملت الجامعة كلياتها العلمية صار التدريس في هذه المعاهد باللغة الإنكليزية.
ومنذ أن بدأ مجمع اللغة العربية الأردني أعماله في 1/10/1976، راح يسعى بكل جد ونشاط وموضوعية في الدعوة إلى تعريب التعليم الجامعي. وقد ساهم بذلك عمليا، إذ أصدر العديد من الكتب العلمية، وهيأ كتب السنة الأولى من الدراسة العلمية في كلية العلوم، حتى بدأ التعليم فيها بالعربية في العام الدراسي 1980 - 1981. وعند تقويم هذه التجربة وجد أن الرسوب في هذه العلوم قد هبط من 35% إلى 3% فقط.
لكن، بالرغم من هذه النتائج الباهرة، عاد المسؤولون، مع الأسف في العام الجامعي التالي، للتعليم باللغة الإنكليزية. كما بقي التعليم في كليات جامعة اليرموك وجامعة العلوم التكنولوجية بالإنكليزية، ما عدا العلوم الإنسانية والدراسات الأدبية التي تعلم بالعربية.
وبالرغم من ذلك، فقد أصدرت رئاسة الجامعة الأردنية تعميماً، إلى أعضاء الهيئة التدريسية في الجامعة الأردنية، تشجع فيه استعمال اللغة العربية على أوسع نطاق ممكن في البحوث العلمية، لأن ذلك يعتبر معيناً أساسياً لبدء التدريس بهذه اللغة، وصارت البحوث العلمية ورسائل الدراسات العليا التي تكتب بالإنكليزية تلحق بمختصرات باللغة العربية.
كما استمر مجمع اللغة العربية الأردني في ترجمة وتأليف الكتب العلمية والطبية باللغة العربية، إيمانا منه بأن التعريب يؤدي إلى تأصيل العلوم وتفاعلها مع البيئة العربية والمجتمع العربي، وفي ظروف حياة المتعلم وممارساته وعاداته وقيمه ومفاهيمه. وما زال المجمع نشطا في دعوته لتعريب التعليم الجامعي، بل وفي مشاريع التعريب بصورة عامة، حتى إنه أصدر لحد الآن أكثر من 19 كتاباً علمياً منهجياً باللغة العربية وقدم عدة مشاريع تقترح التعريب بصورة عامة والتعليم الجامعي بصورة خاصة.
وتُدرس الآن في كلية الطب في الجامعة الأردنية بعض العلوم بالعربية، ومنها الطب الشرعي والتغذية في الصحة والمرض والصحة العامة والإسعافات الأولية. كما بدأ المركز التعليمي لتنمية القوى البشرية في الحقل الصحي بإنتاج سلسلة من أفلام الفيديو التعليمية والنشرات باللغة العربية.
وعندما ابتدأ التعليم العالي في السودان كان بلغة المحتل الإنكليزي، ماعدا الكليات الأدبية التي بدأت تعليمها بالعربية. أما في كلية طب الخرطوم، التي افتتحت عام 1924، فكان التعليم فيها بالإنكليزية. وابتدأت الكليات العلمية والصحية الأخرى بهذه اللغة الأجنبية أيضاً. واستمر الحال كذلك، حتى بدأت تنمو الدعوة إلى تعريب مناهج التعليم العالي، واشتدت هذه الدعوة خلال عقد الثمانينيات، فأصدرت الدولة السودانية، في فبراير (شباط) 1990، قرارات هامة في شأن إصلاح مسار التعليم العالي وتطويره في السودان، نجم عنها انعقاد ندوة قومية متخصصة حول تدريس المواد العلمية باللغة العربية، في الفترة بين 22-26 يوليو (تموز) 1990، وصدرت عن هذه الندوة توصيات هامة عن التعريب اعتمدها المجلس القومي للتعليم العالي والبحث العلمي.
ثم أصدر وزير التعليم العالي والبحث العلمي قراره رقم 21، بتأسيس هيئة عليا للتعريب في 29 سبتمبر (أيلول) 1990، أُنيطت بها شؤون تعريب تدريس المواد العلمية في كل المعاهد العليا والجامعات، والعناية بشؤون التعريب وتهيئة مستلزماته التعليمية والتقنية والبشرية. وانتظمت وحدات الهيئة وعملت بكل جد ونشاط في جميع حقول التعريب.
وقامت وحدات الهيئة بهذه المهام، بمساعدة الأساتذة السودانيين الذين عملوا على توفير الكتب والمراجع العربية لعلومهم من مصر وسوريا والعراق، وهم جادون الآن في تأليف الكتب العلمية الخاصة بهم بالرغم من الصعوبات التي يلاقونها في اختيار المصطلحات المناسبة لهم، لما يلاحظونه من تباين البعض منها. وهم يحاولون الآن دفع سياسة التعريب وتوحيد المصطلحات والرموز العربية، وإيجاد المقابلات المناسبة للحروف الأجنبية بالعربية و (من العربية للأجنبية) بكل همة ونشاط، ونظموا لذلك منهجيات وندوات واجتماعات عديدة لدراسة كل أمور التعريب.
وابتدأ التعليم بالعربية عام 1990، بالجامعات السودانية والمعاهد العلمية، وفي كلية العلوم التي تعد الطلاب للدخول بعد عام واحد إلى كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان والصحة والعلوم البيطرية والزراعة. كما بدأ التدريس بالعربية في كلية العلوم الرياضية التي تعد الطلاب للدخول لكلية الهندسة. أما التعليم في الكليات الأدبية والقانونية والإنسانية والاجتماعية والزراعية، فما زال بالعربية. ويستمر التعليم العلمي بالعربية بكل كفاءة ونشاط، حتى إنه شمل معظم الفروع والاختصاصات، وستًقيَّم نتائج التعريب ومدى نجاحه عند تخرج الدفعات الأولى من طلابه قريباً.
وتدرس كل العلوم الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والزراعية والأدب بالعربية، في كل كليات دول الخليج العربي، وجرت بعض الجهود والمحاولات لتعريب بعض العلوم، مثل إنشاء مركز التعريب التقني لكلية الهندسة بجامعة الملك عبد العزيز في جدة، لتعريب العلوم الهندسية. وقام هذا المركز بتنفيذ بعض المخططات العلمية لترجمة وتأليف العديد من الكتب الهندسية الأساسية ومعجمات المصطلحات الهندسية، ونظم في عام 1983 المؤتمر الهندسي السعودي الأول في كلية الهندسة على أمل دفع الدعوة لتعريب التعليم الهندسي في جامعته.
كما أُسس، في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية في يونيو (حزيران) من عام 1983، البنك الآلي السعودي للمعلومات (باسم)، للمساهمة في تعريب العلوم والتقنية، وتهيئة وتوحيد المصطلحات العلمية وإيصالها للمستفيدين منها. وجرت بعض المحاولات المماثلة في الكويت، لتطوير الحاسوب لترجمة المصطلحات العلمية وخزنها.
وجرى العديد من النشاطات في الكويت في حقل التعريب، فقد تأسس فيه المركز العربي للوثائق والمطبوعات الصحية عام 1983، الذي قام بالإشراف على ترجمة وتأليف وطبع العديد من الكتب والمطبوعات الصحية، وتهيئة مستلزمات تعريب التعليم الصحي في الوطن العربي. واهتمت النشريات التي تصدر في الكويت، كمجلة عالم الفكر ومجلة العربي بأمور التعريب بصورة عامة، وبالدعوة لتعريب التعليم في الوطن العربي بجميع مراحله.
وصدرت عن مكتب التربية لدول الخليج دراسات علمية متتالية ومتكاملة، تناولت قضايا الترجمة والتأليف بالعربية. وصدر قرار عن مؤتمر قمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، في دورته السادسة في عام 1985، يقضي بالالتزام بتعريب التعليم العالي والجامعي بكل فروعه وتخصصاته "كلما كان ذلك ممكناً". كما صدر قرار رؤساء ومديري الجامعات ومؤسسات التعليم العالي بدول مجلس التعاون، في اجتماعه الأول عام 1986، يؤكد الالتزام بتنفيذ قرار المجلس الأعلى بتعريب التعليم الجامعي، وكلف الأمانة العامة بمتابعة الخطوات والبرامج التنفيذية الزمنية المحددة لذلك. وتم بعد ذلك تشكيل فريق عمل خاص، لوضع برنامج زمني مفصل للتعريب في جامعات مجلس التعاون طالب بتعريب تدريس العلوم الأساسية، كمرحلة أولى ووضع مقررا إجباريا في اللغة العربية العلمية لطلبة الكليات التي تدرس باللغة الأجنبية. وكلف هذا الفريق بمتابعة التخطيط والتنفيذ... ولكن هذا المشروع لم ينفذ، وبقي تعليم العلوم بالجامعات باللغة الإنكليزية، إلا في بعض الفروع والمواضيع المحدودة.
وهناك محاولات محددة، لتعليم العلوم والطب بالعربية، في كل من ليبيا واليمن، حيث تدرس فيهما بعض العلوم باللغة العربية، وهناك مشاريع منتظرة للتعريب الشامل فيهما، متى ما توفرت الكتب العلمية المنهجية والمدرسين الأكفاء المتمكنين من التعليم بالعربية.
أما في المغرب العربي، فقد خطت عملية التعريب خطوات سريعة ترافقت مع التطور السياسي المتعاقب في مختلف أقطاره. فقد عانت العربية في الجزائر معاناة شديدة، منذ أن خنق الاستعمار لغته منذ عام 1830. ثم اصدر مرسومه الشائن يوم 8 مارس (آذار 1938 عندما أعلن بموجبه أن اللغة العربية هي لغة أجنبية في الجزائر. كما أعلنت السلطات الفرنسية عام 1948 أن من ليست لديه شهادة فرنسية جامعية لا يحق له أن يدرس حتى الدروس العربية في الجزائر.. " ثم أعلن يوم 5 مارس (آذار) 1954 عن عدم صلاحية اللغة العربية للتعليم، بحجة أن هناك ثلاث لغات عربية مختلفة وهي :
1 - العربية الكلاسيكية (أي الفصحى التقليدية) وهي لغة قديمة ميتة.
2 - العربية الفصيحة الحديثة، وهي لغة أجنبية معروفة في المشرق العربي وغير معروفة بالمغرب العربي.
3 - العربية الدارجة (العامية) وهي لا تصلح لا للإدارة ولا للتعليم.
وبقي الحال كذلك إلى أن استرجعت الجزائر استقلالها عام 1962، فنصت المادة الثالثة من دستورها على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية الوطنية، وأُدخل التعليم العام بالعربية في المدارس تدريجيا، وبجميع مراحله منذ عام 1964، بأسلوب (التعريب النقطي - نقطة نقطة )، واصبح التعليم بالعربية شاملاً كل مراحل التعليم الأساسي عام 1988؛ أي من السنة الابتدائية الأولى حتى السنة النهائية من الثانوية، وراحت الجامعات تستقبل الطلاب حاملي البكلوريا المعربة الشاملة منذ عام 1989، وصار التعليم العالي، في الحقوق والعلوم الاقتصادية والسياسية والصحافة وعلم النفس وعلوم التربية والاجتماع والإحصاء والتاريخ، بالعربية في كل المستويات، بما فيها دكتوراه الدولة. كما تم الاستعداد للتعليم العلمي بالعربية في كل الفروع العلمية الأخرى. هذا مع العلم بأن تعريب التعليم الجامعي، في الدراسات الإنسانية، كان قد بدأ جزئيا عام 1971، وتم كليا في كليات العلوم الإنسانية والاجتماعية عام 1983. وبدأ تخرج حاملي الليسانس الذين أكملوا كل تعليمهم بالعربية آنذاك. أما في معاهد إعداد المعلمين (المدارس العليا للأساتذة)، فإن التعليم فيها يتم بالعربية فقط بكل الفروع تقريبا، العلمية منها والإنسانية، وتعلم فيها اللغة الفرنسية كلغة أجنبية. وبالرغم من ذلك لم يصل التعريب إلى كليات الطب والهندسة حتى الآن.
وتضافرت الجهود منذ البدء وبكل نجاح على تهيئة كل مستلزمات عملية التعريب. وأُلفت لجنة تربوية، على مستوى وزارة التعليم العالي للعلوم والتخطيط، لبرمجة ولتهيئة أساتذته ومتطلباته، وصدرت مراسيم لتنظيم التعريب في الإدارة والمحيط العام، وأُنشئ المجلس الأعلى للغة الوطنية عام 1982، برئاسة رئيس الجمهورية، لتنسيق عمليات التعريب. كما صدر قانون إنشاء المجمع الجزائري للغة العربية.
ولكن بسبب الظروف السياسية الخاصة التي تمر بها الجزائر، والأقطار العربية الأخرى، بصورة عامة حصلت بعض الانتكاسات في مسيرة تعريب التعليم العالي في هذا البلد، كما هو الحال في العديد من البلدان العربية الأخرى سواء في المغرب العربي أو في مشرقه.
أما في تونس فقد تقرر أن تبدأ خطة تعريب التعليم العام فيه عام 1958، لمدة عشر سنوات، على أن يبدأ التعريب أولاً في الدراسة الابتدائية، وأن يمدد بعد ذلك للدراسة الثانوية. وبدأ التنفيذ بصورة جادة ومخططة وبكل حزم، ولكن لم يكتب لهذه التجربة أن تعمر طويلاً، فقد انتكس التعريب عام 1968. كما أنه سبق وأن انتكس في معاهد ترشيح المعلمين ابتداء من سنة 1964، وعاد عند ذلك التعليم في تونس إلى اللغة الفرنسية، ثم عاد التوجه إلى تعريب التعليم مرة ثانية عام 1976.
ولكن التعريب لم يصل إلى الجامعات التونسية إلا في بعض مواضيع العلوم الإنسانية والاجتماعية والدراسات الأدبية، ولم يصل إلى التعليم العلمي والطبي إلا في حالات فردية محدودة، فقد قام مثلاً الأستاذ الدكتور أحمد ذياب بتدريس علم التشريح في كلية طب صفاقس باللغة العربية، وألف سلسلة من كتب وأطالس هذا العلم (بثلاث لغات العربية والفرنسية واللاتينية أو الفرنسية القديمة)، وأقبل الطلاب على دروسه بكل شوق ورغبة، وتوجهوا نحو التعريب بحماس، ولكنه واجه مقاومة عنيفة من إدارة الجامعة اضطرته مؤخراً إلى ترك التعليم في كلية الطب. وألف الدكتور أحمد مؤخرا معجما طبيا شيقا فرنسي - عربي.
أما في المغرب فقد حافظت جامعة القرويين على اللغة العربية القومية فيه، فقد تردد على هذا الجامع الكثير من رجال الأدب والفكر. كما ظهرت في المغرب المدارس الأهلية العربية منذ عام 1925، فتمكنت من مقاومة تيار الفرنسية لحدٍ ما. وبعد حصول المغرب على استقلاله بدأ يولي اللغة العربية كامل عنايته فأنشأ معهد الدراسات والأبحاث للتعريب عام 1960، ونظم أول مؤتمر للتعريب سنة 1961، انبثق عنه مكتب تنسيق التعريب في العالم العربي برئاسة الدكتور عبد العزيز بنعبد الله. وقام هذا المركز بدوره، خلال عمره الطويل، بأنشطة كبيرة في جمع الكثير من المصطلحات وتنسيقها وتنظيمها في معجمات متخصصة عديدة، وأصبحت مجلته "اللسان العربي"وسطاً حياً فعالاً في مناقشة أمور التعريب ونشر المصطلحات وأمور ومنهجيات وضعها. ونظم المكتب العديد من ندوات التعريب ومؤتمراته واجتماعاته وأشرف عليها ونشر أخبارها وتوصياتها وبحوثها.
كما قام معهد الدراسات والأبحاث للتعريب برئاسة الدكتور أحمد الأخضر غزال، وبواسطة حاسوبه ثنائي الأبجدية، على تخزين مواد البنك العربي للكلمات وقام بطريقته الخاصة على إصلاح المعجم وتنميط وتوحيد المصطلحات مما سهل إنشاء البنك العربي للكلمات وإصدار المعاجم المختلفة.
واتخذ قرار تعريب التعليم الابتدائي في المغرب عام 1967، ولكنه سرعان ما انتكس هذا القرار ولم يعرب إلا تعليم التاريخ والجغرافية والفلسفة فقط، ولم يعرب التعليم العلمي. ولتهيئة الأساتذة المتمكنين من تعليم هذه المواضيع بالعربية، افتتحت كليات الآداب والمدرسة العليا للأساتذة شعباً معربة عام 1962، ولكن لم تفتح مدارس عليا لتكوين أساتذة لتعليم العلوم والرياضيات إلا في عام 1978.
ويدرس العديد من الدراسات الأدبية والإنسانية والاجتماعية في جامعات المغرب بالعربية، ولكن لايزال التعليم في الكليات الطبية باللغة الفرنسية.
وعقدت خلال النصف الأخير من هذا القرن العديد من الاجتماعات والمؤتمرات والندوات لدراسة التعريب وشؤونه، وساهمت في ذلك المنظمات العربية المختلفة، كالجامعة العربية ومنظماتها، ومجلس وزراء الصحة العرب، ومجلس وزراء التعليم العالي والبحث العلمي العرب، ومجلس وزراء التربية العرب، واتحاد الأطباء العرب، واتحاد المهندسين العرب، واتحاد الجامعات العربية، والمجامع اللغوية والعلمية العربية واتحاد المجامع العربية، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ومكتب تنسيق التعريب في الوطن العربي والمجالس العليا للعلوم والآداب والفنون العربية، ومجلس اتحاد البحث العلمي العربي، والمنظمة العربية للمواصفات والمقاييس، والمكتب العربي للتعريب والترجمة والتأليف والنشر بدمشق، والمركز العربي للوثائق والمطبوعات الصحية في الكويت، ومركز دراسات الوحدة العربية، ومعهد الدراسات والأبحاث للتعريب في المغرب، بالإضافة إلى المنظمة الدولية منظمة الصحة العالمية (مكتب شرق البحر الأبيض المتوسط) وهي من انشط المنظمات في حقل تعريب الطب. وتدعو كل هذه الهيئات إلى تعريب التعليم بمختلف مراحله في كل الأقطار العربية، وتعمل على إصدار الكتب العلمية المعربة والدراسات والابحاث والمعجمات والتوصيات، وتنظم الاجتماعات والمؤتمرات والندوات لتدارس أمور التعريب ومشاكله. وكمثال على هذه الأنشطة، نظم مكتب تنسيق التعريب سبعة مؤتمرات للتعريب كان أولها في الرباط (بدعوة من الحكومة المغربية) عام 1961، وآخرها مؤتمر الخرطوم بين 25/1-1/2/1994 درست كلها أمور التعريب المختلفة ومشاريع المعجمات وأمور المصطلحات وغير ذلك.
وأصدر المؤتمر الطبي العربي الرابع والعشرون المنعقد بالقاهرة (19-23/1/1988) قراراً مفصلاً شاملاً يوصي بتعريب التعليم الطبي واعتبار عام 1988 عام بدء التعريب في جميع كليات الطب وكليات العلوم الطبية في الوطن العربي.
وعقدت ندوة تعريب التعليم الصحي في الوطن العربي في دمشق في الفترة (5-7/12/1988) في دمشق بتكليف من جامعة الدول العربية ومنظمة الصحة العالمية، حضرها العديد من وزراء الصحة والتعليم العالي والبحث العلمي العرب، وأربعون عميد كلية طب وعلوم صحية في الوطن العربي، وممثلو المنظمات العربية المختلفة المعنية بشؤون التربية والتعليم، والرئيس الإقليمي بمنظمة الصحة العالمية. وأوصت الندوة بأن تكون السنوات العشر التالية التي تبدأ عام 1989 عقدا عربيا لتعريب التعليمين الطبي والصحي بصورة عامة. وقدمت في هذه الندوة ورقة عمل مفصلة، حول دواعي تعريب تعليم الطب وفوائده ومشاكله وتجاربه في أنحاء الوطن العربي. وأوصت الندوة بضرورة تنظيم مؤتمر موسع لإقرار خطة تنفيذية عامة لهذه العملية.
ونظمت منظمة الصحة العالمية (المكتب الإقليمي لشرق البحر الأبيض المتوسط) مؤتمراً لعمداء كليات الطب في الأقطار العربية، لدراسة هذا الموضوع، فانعقد مؤتمرها في الفترة 17-20 /6/1990 في القاهرة قدمت فيه ورقة عمل شاملة حول التعريب، تضمنت مشروعا لخطة تنفيذية لتطبيق تعريب التعليم الصحي والطبي خلال السنوات العشر التالية.
وشملت الخطة استعراضا لحالة التعريب الراهنة ومتطلبات عملية التعريب، بتفصيل شامل، مع مشروع لخطة تنفيذية عامة للتعريب الكامل، مع منهج زمني لتطبيقها خلال عشر سنوات بمراحل ثلاث، على أن يكمل تعريب التعليم الطبي في كل الكليات الطبية العربية عام 2000. ويعمل المكتب الإقليمي لشرق البحر الأبيض المتوسط لمنظمة الصحة العالمية، بكل جد ونشاط، في حقل التعريب بصورة عامة وفي تهيئة متطلباته. فبعد أن ساهم بفاعلية مرموقة في تهيئة المعجم الطبي الموحد، وخصوصا طبعته الثالثة، يعمل الآن بنشاط على إصدار طبعته الرابعة الموسعة. كما أنه أشرف على إصدار بعض المعجمات الطبية المتخصصة المصورة وذات التعاريف، مثل معجم العين وأمراضها ومعجم الوراثيات والعلوم البيولوجية الجزيئية، وأصدر بعض الكتب الطبية الدراسية، مثل كتاب الطب الشرعي، وهو في طريقه إلى إصدار كتاب الفيزيولوجيا الطبية والصحة النفسية وطب المجتمع والصحة العامة ومعجم الأعصاب وأمراضها، بالإضافة إلى الأعداد الكبيرة من النشرات الطبية في مختلف حقول الطب التي يصدرها البرنامج العربي للمنظمة باللغة العربية مستعملا المصطلحات الطبية التي تضعها لجانه المصطلحية. هذا بالإضافة إلى مساهماته الفعالة في كل اجتماعات ومؤتمرات ولقاءات التعريب التي ينظمها هو أو تنظمها الهيئات الأخرى.
وعقد المجمع اللغوي المصري في آذار الماضي اجتماعه السنوي لعام 1994 (الاجتماع الستون) وبحث في جزء كبير من اجتماعه موضوع تعريب التعليم العلمي العالي، وقدمت فيه عدة بحوث عن تعريب العلوم، كقضية وليس كوسيلة، وعن وضع المصطلحات العلمية وتوحيدها ونشرها، وأوصى بالتأكيد على توصياته السابقة بتعريب التعليم العالي والجامعي، بصورة عامة، وتعريب تدريس العلوم في المراحل الأولى من التعليم من غير تسويف ومن غير تباطؤ، على أن يستمر تطبيقه في المراحل اللاحقة. كما حث المجامع اللغوية على تكوين لجان إعلام وتوزيع فيها، لتوزع نتاجاتها ومنشوراتها ومقرراتها على أوسع نطاق. كما أوصى بحثّ المجامع اللغوية على تهيئة مراجع علمية مناسبة للتعليم العلمي الجامعي. وأيد اجتماع اتحاد المجامع اللغوية العربية الذي تلا ذلك هذه التوصيات وأكد على نشرها والتأكيد عليها.
وهكذا نرى أن جهودا حثيثة تبذل كل يوم في معظم بلداننا ومنظماتنا العربية المختصة، وفي هيئة منظمة الصحة العالمية، تتصدى لتعريب التعليم الطبي والكل مقتنع بضرورته وفوائده ويدعو إليه بحماس وتهيأ له الكثير من متطلباته، وما زلنا نعقد المؤتمرات والاجتماعات والندوات ونقدم مشاريع عملية وواقعية نؤمل أنفسنا بتحقيق التعريب الجزئي أو الكلي والتدريجي في كل الكليات الطبية العربية، ولكن في كل مرة تسود ظروف تطغى على مشاريعنا. وفي هذه المرة الأخيرة أيضاً، سادت ظروف طغت على التعريب وسرعان ما ضاع الحماس مع خضم الأحداث وانتكست معها كل عمليات ومشاريع التعريب في كل بلداننا العربية تقريبا وبدرجات مختلفة وتخاذلت الدعوة له.
وبالرغم من أن كل أنظمة وقوانين جامعاتنا العربية تنص بصراحة على أن لغة التعليم فيها هي العربية "إلا في حالات شاذة" تستحصل فيها موافقة مجالس الجامعات على ممارسة التعليم بغير العربية كحالة شاذة!!!... ولكن للأسف أصبحت هذه الحالات الشاذة هي القاعدة الملزمة المتبعة.
ويؤمن اليوم الكثيرون بضرورة استصدار قرار سياسي ملزم، من أعلى المستويات، ينص على ضرورة تطبيق القاعدة القانونية، وإلغاء الحالة الشاذة، وعلى ضرورة التعريب الإلزامي في كل كلياتنا وبجميع مراحلها، ولهذا فإنهم يعتقدون بأنه لم تعد لهذه الاجتماعات المتكررة، التي تعقدها هذه الهيئات في قاعاتها المغلقة لتكرر نفس القرارات والتوصيات، أية فائدة عملية تذكر في تحقيق أمنيتنا المشروعة. ويُعتقد بدلاً من ذلك أن علينا أن نخرج إلى وسائل الإعلام المختلفة، المكتوبة والمسموعة والمرئية، وإلى أساتذة كلياتنا الطبية والعلمية وطلابها، وإلى الرأي العام بصورة عامة، لنبين لهم بكل حماس وموضوعية ضرورة تعريب التعليم وفوائده، ونطالب بكل إلحاح بإصدار القرار السياسي الإلزامي الشامل لذلك.
وندعو الله أن يحقق أمانينا الخيرة المشروعة، إنه سميع مجيب.

المراجع والمصادر
1.محمد المنجي الصيادي : التعريب وتنسيقه في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1982.
2.عبد الكريم خليفة : اللغة العربية والتعريب في العصر الحديث، مجمع اللغة العربية الأردني 1987.
3.شحادة الخوري : تعريب التعليم الطبي والصيدلي في الوطن العربي، دار الرائد العربي، بيروت 1987.
4.شحادة الخوري : دراسات في الترجمة والمصطلح والتعريب، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق
5.قاسم سارة : التعريب، جهود وآفاق، دار الهجرة للطباعة والنشر، دمشق 1989.
6.المكتب الإقليمي لشرق البحر الأبيض المتوسط لمنظمة الصحة العالمية، تعليم العلوم الصحية والطبية باللغة العربية 1991
7.مجمع اللغة العربية الأردني : المواسم الثقافية للمجمع 1-8، 1983-1990.
8.المركز العربي للتعريب والترجمة والتأليف والنشر، التعريب، الأعداد 1-5، 1990-1993.
9.صبحي الصالح : تقويم تجربة التعريب في المشرق العربي، المستقبل العربي، 39، 71 - 78، 1982.
10.عبد العزيز عاشوري : تقويم تجربة التعريب في تونس، المستقبل العربي، 39، 79-98، 1982.
11.فاطمة الجامعي الحبابي: تقويم تجربة التعريب في المغرب، المستقبل العربي، 39، 99-126، 1982.
12.محمود إبراهيم: تعريب التعليم الجامعي ، بحث مقدم إلى لجنة تنسيق التعريب ونشره المنعقدة في الكويت، شباط 1986.
13.صادق الهلالي: تعليم الطب بالعربية، شؤون عربية 47، 106-123 ، 1986.
14.صادق الهلالي: خطوات عملية على درب تعريب التعليم، شؤون عربية 50،56 - 67، 1987.
15.محمود حافظ : اللغة العربية في مؤسسات التعليم العام والعالي ووسائل النهوض بها في مصر، الموسم الثقافي السادس لمجمع اللغة العربية الأردني 7-30 ، 1988.
16.محمد جابر الأنصاري : التعريب الجامعي وحتمية المقاربة الميدانية، 151-189، 1988.
17.محمود قاسم نايت بلقاسم: اللغة العربية في مؤسسات التعليم العام والعالي وأسلوب النهوض بها في الجزائر، الموسم الثقافي السادس لمجمع اللغة العربية الأردني، 119 - 140 ، 1988.
18.صادق الهلالي: مشاكل تعريب التعليم الطبي وسبل معالجتها، شؤون عربية، 58، 49-59، 1989.
19.مطر الاحمدي: التعريب، خطر أم تطور، مجلة المجلة، جدة، 529، 27-35، 1990.
20.فهمي هويدي: مرثية فشل التعريب، مجلة المجلة، 529 36-37، 1990.
21.المؤتمر الطبي العربي الرابع والعشرون: قرار حول تعريب التعليم الطبي، القاهرة، 19-23/1/1988.
22.ندوة تعريب التعليم الصحي في الوطن العربي: ورقة العمل والقرارات والتوصيات، دمشق 5-7/12/1988.
23.مؤتمر عمداء كليات الطب في الأقطار العربية حول تعريب التعليم الصحي والطبي، ورقة العمل والقرارات والتوصيات، القاهرة 17 - 20 / 6 / 1990.
24.عبد العزيز الطيب إبراهيم: مسيرة التعريب ومشكلة المصطلح العلمي الموحد بجامعة الخرطوم (بحث مقدم إلى ندوة تطوير منهجية وضع المصطلح العربي) عمان 6-9 أيلول 1993.
25.الهيئة العليا للتعريب: وزارة التربية والتعليم والبحث العلمي في السودان، نشرة خاصة، الخرطوم، يناير (كانون الثاني) 1994.
26. Naguib Mahfouz The History of Medical Education in Egypt, Cairo, 1938.
27. Heyworth-Dunne J.: An Introduction to the History of Education in Modern Egypt, Lucaz, London, 1983.
28. Mathews, R.D. & Akrawi, M. : Education in the Arab Countries of The Near East, American Council on Education Washington D.C. , 1950.
---------------------
مجلة اللسان العربي عدد 43 :
http://www.arabization.org.ma/downloads/majalla/43/docs/53.doc

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: