يسقط سيبويه ... يحيا المتنبي - محمد علي فرحات

المؤكد هو أن العرب في كل مكان هجروا الفصحى ولجأوا إلى أساليب أخرى للتفاهم في ما بينهم. ومن هذا المنطلق علينا أن نبحث في أسباب البعد عن لغة يعشقها العرب وأنتجت أجمل المعاني الشعرية والأدبية التي يدرسونها في المدارس والجامعات. فاللغة التي يختارها الناس للتعامل هي الأقرب إلى العقل والى النفس وليست اللغة التي يتكلف الإنسان جهداً بالغاً للتعبير عن نفسه بواسطتها.
والدارسون لتطور الحضارات أدركوا أن اللغة معاكسة التوازي مع التقدم الحضاري. فكلما وصلت إحدى الحضارات إلى درجة من التعقيد والتطور الراقي كلما شعرت بالاحتياج الفطري إلى لغة سهلة تعبر عنها. وهذا هو سر الجهود المستمرة في تبسيط اللغات الانكليزية والفرنسية والألمانية وغيرها من لغات الدول المتقدمة. وكلما ازداد التقدم ازدادت الحاجة إلى تبسيط اللغة.
وبعيداً من النفاق, فإن علينا أن نطرح على أنفسنا مجموعة من الأسئلة التي نرفض عادة حتى التفكير فيها, ناهيك عن طرحها ومناقشتها على الملأ. وأول هذه الأسئلة هو عدد العرب القادرين على فهم التراث الشعري العربي, حيث إن الشعر هو أهم ما تركه العرب من آثار فنية وثقافية. وبمعنى آخر من يستطيع أن يقرأ قصيدة للمتنبي أو ابن الرومي ويفهم معانيها فهماً معقولاً؟ كم شخصاً قادراً اليوم على القراءة يستطيع أن يمسك بديوان البحتري أو أبي تمام ويتذوق ما به من أشعار؟
وإجابتي عن هذا السؤال هي أن النسبة القادرة على هذا لن تزيد بحال من الأحوال عن واحد في المائة من أبناء الشعوب العربية في أحسن التقديرات. ومن يعترض على هذه النسبة ويرفع شعارات حماسية عليه أن يقوم بتجربة عملية على من حوله من الأشخاص العاديين, أي غير المتخصصين في الأدب أو اللغة العربية. حتى لو شملت هذه التجربة خريجي أفضل الجامعات في الطب أو الهندسة أو التجارة أو حتى كليات الآداب باستثناء قسم اللغة العربية, فـإن النتيجة لن تزيد عن نسبة هزيلة للغاية أؤكد وأنا مطمئن أنها ستقل عن 1 في المائة".
ولن نكرر عناوين سجالات العامية والفصحى التي سئم منها القارئ العربي لأنها تستند إجمالا إلى مواقف أيديولوجية لا علمية ولا لغوية ولا اجتماعية, فاللغات تحتاج دائماً التبسيط لتبقى متصلة بالحياة تتجدد بتجددها فلا تستند إلى نموذج واحد تنوع عليه لكنها تكرره, وتتجلى علامات التجديد الحيوي للغة في مجالين رئيسين : لغة السرد في وسائل الإعلام المطبوعة والمسموعة والمرئية التي تتواصل مع ملايين المتلقين وتنقل إليهم , باللغة طبعاً , أخباراً ومعارف. ويعمل القيّمون على وسائل الإعلام هذه على تطويع اللغة لمادتهم الخبرية والمعرفية فتتخلق عندهم, عفواً أو تقصداً, ألفاظ وصياغات هي المعادِل العربي لنظيراتها الأجنبية أو هي اشتقاقات عربية تلبي الحاجة إلى مفردة جديدة أو أكثر. والمجال الثاني لتجديد حيوية اللغة هو الشعر باعتباره فناً لغوياً بامتياز, وعند الشاعر الحقيقي تلك العلاقة الخاصة بين اللغة الصافية البكر كأنها مولودة الآن وحركة الحياة الداخلية للإنسان المبدع أو حركة الطبيعة يراها من منظار حساس ومتميز.
ولعل ثورة الاتصالات والمعلومات فرصة لتجديد اللغة العربية وتسهيلها لا تعوض , إذ تضيق يوماً بعد يوم زاوية ضلعاها العاميات والفصحى, ويتلقى العرب المعاصرون في بيوتهم, على الأقل, نشرات أخبار بالفصحى يسهل عليهم فهمها, فتساهم في شكل غير مباشر في ألفتهم للفصحى الحديثة وفي إمكان أن يقرؤوا بهذه الفصحى الحديثة جرائد ومجلات وكتباً.
ولا يخضع العالم العربي اليوم إلى شروط كتلك التي خضعت لها أوروبا في نهايات العصور الوسطى وولادة لغات عامية حلّت محل اللاتينية, فالعربية لم تهلك بعد هلاك اللاتينية في تلك العصور والبلاد, والعاميات العربية ليس لها قوام كاف (عدا المصرية) لاعتبارها من الناحية العلمية لغة أو مشروع لغة, بل إن العامية المصرية بسبب مركزية مصر وإنتاجها الثقافي والفني الطاغي أشبه بفصحى ثانية, فما من عربي لا يتقنها إلى جانب عاميته المحلية, والى جانب العربية الفصحى أيضاً لدى فئات المتعلمين وسامعي نشرات الأخبار.
وحتى إذا افترضنا اعتماد إحدى العاميات, لنقل المصرية, بديلاً للفصحى لدى القوم الناطقين بهذه العامية, لا تلبث أن تنشأ مع حركة الحياة المتسارعة عامية أو عاميات جديدة, لأن تقعيد اللغة يجمدها نوعاً ما, فيما إطلاق اللغة من سمات العامية التي لا تعترف بقاعدة أو حدّ, لذلك يبدو التبسيط والتجديد طريقين حتميّين للغة العربية, ولا بد لهما من أن يترافقا مع إطلاق حرية الناس في تجديد حياتهم وفي الانفتاح على متغيرات العالم المتسارعة. فعلاقة اللغة بالحرية واجبة للتبسيط والتجديد, أما بناء جدار عازل أو ستار حديد بين العرب والعالم فهو نهج يحافظ على تقاليد كثيرة من بينها الفصحى التراثية المتخشبة, لكنه يخنق حضارة العرب ويرميهم على هامش العالم المتحضر ويحيلهم إلى مجموعات مستهلكة بائسة.
وبالعودة إلى كلام شريف الشوباشي "من يستطيع أن يقرأ قصيدة للمتنبي أو ابن الرومي ويفهم معانيها فهماً معقولاً؟". نلاحظ أن المتنبي بشخصه الرمزي وبشعره لا يزال حاضراً في كتابات كثير من العرب المعاصرين ومشافهاتهم, وأحدث ما صدر طبعة ثانية من كتاب عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري "في أثر المتنبي بين اليمامة والدهناء" (دار الساقي, بيروت - لندن). وقبل كتاب التويجري وبعده هناك, مثلاً لا حصراً, حضور للمتنبي في "الكتاب أمس المكان الآن" لأدونيس, وكتاب شعر آخر يستلهم المتنبي كتبه الشاعر كمال أبو ديب, ومطالع للمتنبي وضعها الدكتور غازي القصيبي في مقدمات فصول عدد من رواياته, ولا ننسى نصوصاً كتبها الطيب صالح مستلهماً المتنبي, فضلاً عن أن الروائي السوداني الكبير معروف في جلساته الأدبية بأنه من حفظة ديوان المتنبي وعارفي شواهد أبي الطيب التي تطاول مواضع حساسة في الروح العربية.
والمتنبي شعراً ورمزاً هو إحدى الدلالات على حيوية العربية, يخاطبه التويجري في التقديم: "وما أنت يا أبا الطيب في كل ما قلته, وقرأناك في صوره وألوانه, وسورة الغضب فيه والرضى, إلاّ إحساس وشعور لم يهدأ ولم ينم طرفه أو يثوِ على رمال البلادة وأتربة الذات القاحلة. ومن لم يرك هكذا فقد أجبتَه يا أبا الطيب والجواب سقى كل فم مريض جرعة لم تستطع يده أن تردها عن فمه المريض وتريقها على الرمال, بل ظلت سائرة مع السائرات إلينا". وإذ يخفف التويجري من تشاؤم المتنبي, يسأله: ما الذي حملك على الهجر إلى شعب بوان؟ ويجيب عنه: "العروبة اليوم تهشم مرآتها, وتبددها في الفضاء, ولا أدري ماذا يأتي به الغد؟ فحروب داحس والغبراء قد تكون رحيمة بالإنسان العربي, إذا ما قيست بحربه اليوم مع نفسه. وأنت, يا أبا الطيب, بماذا كنت حالماً وعلى ماذا كنت حزيناً يوم تقول:
ومَنْ بالشعبِ أحوجُ من حمامٍ
إذا غنّى وناحَ, إلى البيان؟
نعم لا شيء أجمل من شجرة مورقة يهدل عليها الحمام, ولا أدري, يا أبا الطيب, أشجرة العرب اليوم مورقة أم يابسة؟".
--------------
صحيفة الحياة 14/ 7 / 2004 م
دار الحياة http://www.daralhayat.com/culture/07-2004/20040713-14p18-02.txt/story.html

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: