بعد مطالبته بتجديد اللغة العربية عن طريق إسقاط "سيبويه": شريف الشوباشي يفتح باباً للخلافات النقدية والصراعات السياسية في مصر!

ويوضح الشوباشي أنه بعيد عن ذهنه كل البعد هجر اللغة العربية لحساب اللهجات العامية أو استخدام الحروف اللاتينية وما شابه ذلك من اقتراحات طرحها بعض الذين أدركوا نكوص الفصحى عن التعبير عن واقعنا الحالي، ويقول: "الذين يدعون إلى وأد العربية لا يدركون تبعات مطلبهم، فاللغة العربية انتجت بعضاً من اهم الابداعات الإنسانية، ومن يدرس تاريخ الآداب العالمية لا يسعه إلا أن يقف بإحلال أمام اشعار المتنبي وأبي العلاء وأبي نواس ونثر أبي حيان التوحيدي، كما لا يملك إلا أن ينحني تحية لأدب نجيب محفوظ. وترك اللغة العربية معناه ببساطة محو كل هذا التراث العظيم من الذاكرة الجماعية للشعب العربي. هذا عن التاريخ، أما عن الحاضر فإن معناه تفتيت الامة العربية وشرذمتها إلى كيانات مستقلة وربما متنافرة". ومما يقوله المؤلف بشأن قضايا اللغة العربية الفصحى التي يرمز إليها احياناً بلغة سيبويه: "العربية هي اللغة الوحيدة في العالم اليوم التي لم تتغير قواعدها الاساسية منذ 1500سنة كاملة. وقد يرى البعض في ذلك رسوخاً واستمرارية ودليلاً على رصانة اللغة، لكنني ارى فيه جموداً وتحجراً ينعكس غالباً على العقل العربي. فاللغة كائن حي، يولد وينمو ويتطور ويشب وينضج ثم يشيخ، وكثيراً ما يموت. ودورنا هو اعادة الشباب إلى لغتنا واجراء عمليات تجميل لازالة التجاعيد التي تراكمت بعد قرون من الممارسة الناجحة، فالجمود في اللغة يؤدي حتماً إلى جمود في العقل، والتحجر في اللغة يؤدي إلى تيبس الاذهان".
وقد طرح الشوباشي بعضاً من الافكار المثيرة من اجل (تطوير) اللغة العربية وذلك في مبحث "ضد تحنيط العربية"، ومن بين تلك الافكار: الغاء "المثنى" الذي انقرض واصبح في كل لغات العالم كالديناصور على الأرض!..، الغاء "نون النسوة" و "جمع المؤنث" لنقل: "النساء كلهم اكلوا" بدلاً من "النساء كلهن أكلن"!! ومما يقوله الشوباشي: "لماذا لا نقول: تسع رجال وتسع نساء بدلاً من تسعة رجال وتسع نساء؟! لماذا لا نوحد الارقام حتى نوفر على انفسنا تعقيدات لم تعد تناسب العصر؟!". ويقول في موضوع آخر حول ضرورة التخلص من "المفعول به": "لعل من ابرز اسباب تعقيد اللغة العربية ووقوع الغالبية في شرك الخطأ هو المفعول به. والمشكلة أن المفعول به في العربية لا يعرف من مكانه في الجملة، وإنما من اعرابه، وبالتالي من تشكيله. وأرى من الاقرب إلى المنطق أن نقول مثلاً: (رأيت رجل طويل يأكل خبز) بدلاً من: (رأيت رجلاً طويلاً يأكل خبزاً). فهل إذا قلنا العبارة الأولى يؤدي هذا للقارئ أو المستمع أي التباس في المعنى؟!".
وبمجرد صدور كتاب الشوباشي عن هيئة الكتاب المصرية وتوزيعه في الاسواق بدأت المتابعات وردود الفعل النقدية حول الكتاب تتوالى بين رافض للاثارة، ومتهم بالتسطيح، ومؤيداً للمبدأ مع الاختلاف حول كيفية تحقيقه، وداعٍ إلى الحوار الفكري مع الكاتب،...، إلى آخر هذه الصور من التجادل والاختلاف في الرأي وتعدد وجهات النظر. ويبدو أن المعارك النقدية وحدها لا تكفي لتناول وتقييم ما طرحه الشوباشي في كتابه، فقد تخطى الامر دائرة الثقافة ليصل إلى حدود الصراعات السياسية، وخاصة أن المؤلف ينتمي بحكم منصبه إلى وزارة الثقافة المصرية! ومن ثم فقد تحول النقد إلى اتهامات شخصية للمؤلف بالتغريب والإساءة إلى اللغة العربية (لغة القرآن) وتعمد تنفيذ المخططات التي دعا إليها الاستعمار بشأن تخريب اللغة العربية.
ومن الكتاب الذين تناولوا أفكار كتاب الشوباشي في إطار الجدل الثقافي البناء الكاتب والإذاعي والشاعر فاروق شوشة الذي رأى أن المناداة بأن تحيى اللغة العربية أمر واجب ومشروع ومرحب به، بل هو شعار يجب أن يرفعه كل متكلم بهذه اللغة من اجل المحافظة عليها والعمل على تطويرها، وجعلها قادرة على الوفاء باحتياجات الحاضر ومطالب العصر. أما المناداة بسقوط سيبويه- يقول شوشة- فهو الأمر الذي اختلف فيه اختلافاً كبيراً مع الكاتب والمبدع والمثقف شريف الشوباشي، فالمناداة بسقوط سيبويه معناه الوحيد الدعوة إلى هدم النظام النحوي والتركيبي الذي تقوم عليه اللغة العربية، والذي بدونه لا تكون لغة، ولا يكون لأي كلام بها معنى أو دلالة، ولا أظن أنه سيأتي يوم يصبح فيه الفاعل منصوباً أو المفعول به مرفوعاً، أو يتغير إعراب اسم كان وأخواتها، أو خبر إن وأخواتها على سبيل المثال.
وفرق كبير بين الدعوة إلى سقوط سيبويه وهدم نظام العربية بالتالي تحت دعوى التطوير وبين الدعوة إلى تيسير النحو للدارسين، ووضع المعاجم العصرية الكفيلة باستيعاب المادة اللغوية العصرية التي طرأت على متن اللغة في عصور ما بعد الاستشهاد أي بعد القرنين الهجريين الأول والثاني، وعمل جمع جديد لهذه اللغة على غرار ما صنعه الخليل بن أحمد عندما فكر في وضع أول معجم عربي وهو معجم العين، فيكون هذا الجمع الجديد أساساً لتضمين الذخيرة اللغوية في المعجم جديد، ولا يكون مجرد امتداد للمعاجم القديمة وعالة عليها وتكراراً لكثير من مادتها التي لم تعد لها صلة بالحياة المعاصرة واصبحت تندرج تحت الحوشي والغريب والمهجور من الكلام. وكثير من صور التخلف والتراجع التي جمعها وسجلها شريف الشوباشي في كتابه، تنطبق على صاحب هذه اللغة-أي الإنسان الناطق بها- بأكثر مما تنطبق على اللغة ذاتها. العيب فينا نحن أولاً واخيراً، نحن لم نتعلمها بالصورة التي تقيم بيننا وبينها جسراً من المحبة والانتماء، بل شارك المنهج المدرسي السقيم والمعلم غير المكترث وطرق التدريس التي لم تتطور والجو التعليمي المفتقد في المدرسة في حصة اللغة العربية وفي غيرها في هشاشة علاقتنا مع اللغة، في الوقت الذي ابتكر فيه الآخرون كما نشاهد في معاهدهم التي تعلم لغاتهم الانجليزية والفرنسية والالمانية والاسبانية وغيرها الأساليب السمعية البصرية لتعلم اللغة، يستمع من خلالها المتعلم إلى النطق السليم للغة ثم يشاهد استخدامها الوظيفي في مواقف الحياة، فيصبح لتعلم اللغة معنى من خلال إدراك استخداماتها الواقعية في حياة الناس". ويرى فاروق شوشة أن هذا العنوان المثير الذي وضعه شريف الشوباشي لكتابه "لتحيى اللغة العربية.. يسقط سيبويه" هو عنوان مقصود، فقد نجح في اثارة الاهتمام وجذب الانتباه وصنع مناخ من الحوار في قضية آن أوان طرحها على المستوى القومي!

ومن جهته، وفي اطار الجدل الثقافي ايضاً حول كتاب الشوباشي، توقف الناقد رجاء النقاش فيما كتبه امام قضية مهمة طرحها الشوباشي وهي صعوبة اللغة العربية، ويقول النقاش: "إن لغات العالم كلها فيها صعوبات لا شك فيها، وليس الامر مقتصراً على اللغة العربية وحدها. ولنأخذ اللغة الانجليزية كمثال على ذلك، فقد كان الكاتب الكبير برناردشو (1856-1950) يقول في مقدمة مسرحيته الشهيرة بجماليون والتي قدمتها السينما الامريكية في فيلم غنائي استعراضي جميل معروف باسم سيدتي الجملية: إن الانجليز لا يحترمون لغتهم ولا يهتمون بتعليم أولادهم كيف ينطقون بها، وطريقة هجائهم للغة الانجليزية شنيعة، لدرجة أنه لا يمكن لأحد أن يعلم نفسه كيف يتكلمها، ومن المستحيل على انجليزي أن يفتح فمه دون أن يبعث انجليزياً آخر على كراهيته والاشمئزاز منه، ويمكن للاجنبي أن يتعلم نطق الالمانية والاسبانية، أما اللغة الانجليزية فلا يمكن حتى للانجليزي أن يتعلم بنفسه نطقها السليم. هذا ما يقوله برناردشو عن اللغة الانجليزية في مقدمة مسرحيته بجماليون، والنص هو من الترجمة العربية للمسرحية التي قام بها الاستاذ جرجس الرشيدي في سلسلة المسرح العالمي. فالشكوى إذاً عامة، وكل اللغات فيها صعوبات، والنطق الصحيح يقتضي أن يكون الأسلوب السهل الجميل هو الحل اللغوي السليم، وأن ما يمكن تبسيطه من قواعد اللغة العربية أو أية لغة اخرى لابد من تبسيطه دون تردد". ويرى الناقد رجاء النقاش أن الذي تحدث عنه شريف الشوباشي بشأن صعوبات اللغة العربية وتعقيداتها إنما يرجع في معظمه إلى اساليب اصحاب الاقلام اكثر مما يرجع إلى اللغة العربية نفسها. وحول الاصلاحات اللغوية التي يدعو إليها الشوباشي (الغاء المثنى ونون النسوة وما إلى ذلك) يقول النقاش: "هي كلها في تقديري ليس فيها خطر على اللغة العربية، بل ربما كان بعضها على الاقل نافعاً ومفيداً ومساعداً على تبسيط اللغة العزيزة".
هذا بعض مما دار بين المبدعين والنقاد على صعيد الجدل-أو حتى العراك- الثقافي، أما أن يتحول الكتاب إلى مبرر للصراع السياسي فهذا هوالامر المدهش بالفعل! والذي حدث في هذا السياق قيام بعض المتشددين وانصار بعض التيارات بمحاولة تفجير معركة (يراها البعض معركة وهمية) حول الكتاب، باعتباره كتاباً يكرس إلى الدعوة للتغريب وهدم اللغة العربية والاساءة للإسلام والقرآن الكريم.
وتم تصعيد الامر لدرجة تقديم بعض النواب المصريين استجواباً في مجلس الشعب المصري لوزير الثقافة فاروق حسني حول الكتاب والكاتب شريف الشوباشي المتهم بالتخريب والعمالة وطبع افكاره الهدامة وترويجها على نفقة الدولة. وهنا يثار تساؤل ختامي هو: هل إذا كان الشوباشي خارج مؤسسة وزارة الثقافة المصرية.. كانت هذه المعركة السياسية ستندلع في الاساس أم لا؟!! وبمعنى آخر: هل هو هجوم على افكار كاتب بالفعل، أم أنها معركة موجهة ضد سياسات وزارة الثقافة المصرية التي يشغل الشوباشي منصباً مرموقاً فيها؟!.
--------------
موقع حماسنا http://www.hamasna.com/secularism/yasqut.htm

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: