حوار مع المستشرق الألماني هارتموت بوبتسين - أجراه د. ظافر يوسف

الاستشراق الألماني إلى أين؟ ( حوار مع المستشرق الألماني هارتموت بوبتسين ) -أجراه: د.ظافر يوسف

البروفيسور هارتموت بوبتسين أحد المستشرقين الألمان الذين بدأ نجمهم يلمع كثيراً في الآونة الأخيرة في ألمانيا وفي بعض الدول العربية من خلال نشاطاته العلميّة المتعدّدة، ومشاركاته الدائمة في المؤتمرات والندوات التي تعقد في ألمانيا والدول العربيّة، فقد شارك في الأشهر القليلة الماضية بعدّة مؤتمرات جرت في ألمانيا ومصر والمغرب ولبنان، وساهم في إدارة تحرير مجلّة دراسات اللغة العربية التي تصدر عن جامعة إرلنغن، بالإضافة إلى جهوده الكبيرة التي بذلها في تنظيم العديد من المعارض والمهرجانات حول التراث والمخطوطات العربية وغيرها.‏

ومن الجدير بالذكر أنّ المستشرق بوبتسين يشغل كرسي العلوم الإسلامية في جامعة إرلنغن - نورنبرغ التي تقع في مقاطعة بافاريا في جمهورية ألمانيا الاتحاديّة، وهو معروف باطّلاعه الواسع على التراث العربي وبدراساته الرصينة التي كتبها حول القرآن الكريم والعلوم الإسلاميّة وبإلمامه العميق بتاريخ الاستشراق في أوربا، وبالجهود التي بذلها المستشرقون من أجل إحياء التراث العربي ونشر كنوزه.‏

وانطلاقا من البرنامج الذي وضعناه لمحاورة المستشرقين الألمان وتقديم آرائهم للقارئ العربي، كان لنا هذا اللقاء مع البروفسور بوبتسين الذي تحدّث فيه عن رحلته مع الاستشراق، وواقع الاستشراق الألماني الحالي وتوجّهاته.‏

 

-في البداية لابدّ من طرح السؤال التقليدي: هل لكم أن تحدّثونا عن البدايات والسبب الذي جعلكم تدرسون اللغة العربية؟‏

* نعم، فأنا - وكما تعرفون- درست في البداية اللاهوت وعلم الأديان المقارنة وكذلك اللغة السنسكريتيّة والعلوم الهندية، وكنت أهتمّ بشكل خاص بالعهد القديم وباللغة العبرية القديمة. ومن هذا المنطلق نصحني أستاذي كايزر بتعلّم اللغة العربية التي تغني دراسة العهد القديم وخاصّة من الناحية اللغوية، وقد كانت بدايتي الفعلية مع اللغة العربية بعد أن حصلت على الدكتوراه في اللغات السامية من جامعة ماربورغ، وعنوان الأطروحة هو" الأزمنة الفعلية في سفر أيّوب". حيث قرّرت بعدها أن أتفرّغ لدراسة اللغة العربية فقط لما لهذه اللغة من أهميّة وغزارة في التراث والمصادر التي قلّ وجود نظيرها في اللغات الأخرى، فحصلت على منحة دراسية للتعمّق في دراسة اللغة العربية في دمشق في عام 1975/1976 وبعد ذلك عدت إلى جامعة إرلنغن، حيث عيّنت معيدا في معهد اللغات والدراسات الشرقية التابع لكلّية الفلسفة. وأودّ أن أشير هنا إلى أنّه لم يكن عندي في البداية أيّ اطّلاع على التراث العربي بشقّيه اللغوي والأدبي، لأنّ اهتمامي كان منحصرا بالدرجة الأولى في تعلّم اللغة العربية التي أصبحت فيما بعد المنطلق الأساسي عندي للاطّلاع على التراث العربي والتوغّل فيه.‏

-بما أنّكم من المتخصّصين بصورة أساية في اللاهوت والدراسات القرآنية، كيف تنظرون إلى واقع الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الأوروبية؟ وما هو السبب برأيكم في إقبال الطلبة الألمان على التخصّص في مجال العلوم العربية والإسلامية؟‏

* في البداية لابد من توضيح المعنى المقصود بمصطلح الدراسات الإسلامية لأنّ هذا المصطلح واسع جدّا ويحتمل الكثير من التفسيرات التي قد تعطي انطباعا معكوساً ومخالفا لما هو سائد في العالم الإسلامي. لهذا أبادر منذ البداية إلى القول بأنّ ما يقصد بمصطلح العلوم الإسلامية، لا في ألمانية فحسب وإنّما في أكثر البلدان الأوروبية ، هو الناحية اللغوية فقط أو ما يسمّى بفقه اللغةphilologie وذلك لأنّ إتقان اللغات الشرقيّة بشكل عام، وأعني بها اللغات العربية والتركية والفارسية يساعد على الاطّلاع على التراث الإسلامي عن كثب ويعتبر في نفس الوقت المفتاح الأساسي لفهم الحضارة الإسلامية المتكاملة. أمّا ما يتعلّق بدراسة الدين والعلوم الإسلامية المختلفة كالقرآن الكريم والحديث والتفسير والفقه... إلخ فإنّ ذلك جاء متأخّراً ولم يبدأ بالمعنى التخصصي للكلمة إلاّ في بداية القرن العشرين.‏

ومهما يكن الأمر فإنّ واقع الدراسات العربية في الجامعات الأوروبية يختلف من بلد إلى آخر فقد ازدهرت مثلا دراسة اللغة العربية في كلّ من هولندا وإنكلترا في القرن السابع عشر وكان الدافع لذلك هو تنمية التبادل التجاري والبحث عن أسواق جديدة في الشرق العربي. أمّا في فرنسا فقد كانت الاهتمامات في هذه الفترة منصبّة بالدرجة الأولى على التراث المسيحي العربي وتعاليم الكنيسة الشرقية وخاصّة المارونيّة منها في كلّ من سوريا ولبنان، وقد تضافرت جهودها على طبع الكتاب المقدّس ونصوص الأناجيل والكتب الدينية والأدعية وغي ذلك.‏

أمّا في ألمانية فقد كانت دراسة اللغة العربية في هذه الفترة مرتبطة بدراسة اللغة العبرية القديمة والسريانية في إطار ما كانوا يسمّونه بفقه اللغات المقدّسة(philologie Sacra) لأنّ البروتستانت في ألمانية صبّوا اهتمامهم بالدرجة الأولى على دراسة الكتاب المقدّس وترجماته القديمة المختلفة ومنه العربية والسريانية والقبطية.‏

ومن مقارنة هذه الاتجاهات المختلفة في دراسة اللغة العربية نجد أنّ الاهتمام بدراسة اللغة العربية يختلف تماما من بلد إلى آخر، ولا يمكننا أن نجزم بشكل قاطع بأنّ الاهتمامات الاستعمارية هي السبب الوحيد في دراسة اللغة العربية كما يعتقد البعض.

وقد كانت الطريقة المتّبعة في ألمانية في دراسة اللغات الشرقية أحد الأسباب الأساسية التي أدّت إلى إنشاء علم اللغات المقارن في القرن التاسع عشر.‏

أمّا بالنسبة إلى الشقّ الثاني من هذا السؤال فإن السبب برأيي يعود إلى الاهتمام الإقليمي بهذه المنطقة من العالم، كما أنّ الأحداث التي تقع في هذه المنطقة تجعل الطلبة يهتمّون بمتابعة التطوّرات التي تحدث لمعرفة كل جديد يطرأ على الساحة العربية، طبعا بالإضافة إلى حبّ الاطّلاع على التراث العربي الإسلامي والتعرّف على الثقافة العربية التي لعبت دورا متميّزا في تاريخ الحضارة الإنسانية.‏

ويمكن لي هنا أن استشهد بمثال عملي يبيّن واقع دراسة اللغة العربية في جامعة إرلنغن،فعندما قدمت إلى إرلنغن قبل عشرين سنة كان توجّه الطلاّب منصبّا بالدرجة الأولى على الاهتمام بمصادر اللغة العربية القديمة" الكلاسيكية" بمعناها التقليدي، وكان عدد الطلبة في ذلك الوقت قليلا، وهذا يعود بالطبع إلى صعوبة اللغة العربية. أمّا في السنوات الأخيرة فقد تغيّرت الأمور تماما وأصبح الاهتمام مركّزاً على العالم العربي المعاصر ودراسة اللغة المعاصرة واللهجات العربية الحديثة، وقد أسّست لذلك الغرض مراكز خاصّة بالشرق الأوسط يهتمّ بعضها بالناحية السياسية، وبعضها الآخر بالناحية الاقتصادية أو بالناحية الجغرافية. ولقد لقيت هذه المراكز إقبالا شديدا من الطلبة للدراسة فيها، ولا بدّ من الإشارة هنا إلى الخطر الكبير الذي قد ينجم عن الدراسة في هذه المراكز وهو أن ننسى دراسة التراث العربي والتاريخ القديم لأنّ الواقع الحالي في الشرق الأوسط والبلاد العربية لايمكن فصله عن جذوره الضاربة في التاريخ، فمثلا من لم يقرأ القرآن الكريم بلغته الأصلية لايمكن له أن يفهم الكثير من العادات والمفاهيم السائدة حاليا في الشرق والعالم العربي، ولا يكفي أن نعود إلى الترجمات الألمانية لأنّها لايمكن أن تغني عن العودة إلى الأصول.‏

-متى بدأت الجامعات الألمانية بتدريس اللغة العربية ؟ ومن هم العلماء الذين قاموا بذلك ؟ وماهو الدافع الذي جعلهم يقبلون على ذلك ؟‏

بدأت الجامعات الألمانية بتدريس اللغة العربية في القرن السادس عشر، وكانت البداية مرتبطة بدراسة اللاهوت كما ذكرت قبل قليل، وكان أوّل من حاول أن يدرّس اللغة العربية كمادة مستقلّة عن بقية اللغات السامية الأخرى في ألمانية هو يوهان رايسكه " 1716-1774" في القرن الثامن عشر، حيث اهتمّ بدراسة الأدب العربي والأمثال العربية، وترجم بعض أشعار المتنبي ولكنه لم يلق القبول المناسب عند الجمهور في ذلك الوقت، إذ بعد خمسين سنة من وفاته بدأت الدراسات العربية بالمعنى الصحيح على يدي كل من فيلهلم فرايتاغ" 1788-1861" في مدينة بون وهاينريش فلايشر"1801-1888" في مدينة لايبزيغ اللذين تتلمذا في باريس على يدي دي ساسي" 1758- 1838" الذي يعتبر مؤسس الدراسات الشرقية المعاصرة في أوربا كلها. ويعتبر فلايشر المؤسس الحقيقي للدراسات العربية في ألمانية، حيث تتلمذ على يديه الجيل المعروف من المستشرقين الكبار أمثال نولدكه وغولدتسهير ويعقوب بارت وأوغست مولر و... إلخ.‏

وهناك عدد آخر من المستشرقين الذين لعبوا دورا مهما في تاريخ الاستشراق وفي تكريس تدريس اللغة العربية وإحياء تراثها، فنذكر على سبيل المثال فرديناند فوستنفلد" 1808- 1899" في مدينة غوتنغن، الذي قام بتحقيق الكثير من كتب التراث ونصوصه اللغوية والأدبية كعجائب البلاد للقزويني وسيرة ابن هشام ووفيات الأعيان لابن خلّكان وكتاب المعارف لابن قتيبة والاشتقاق لابن دريد ومعجم البلدان لياقوت الحموي ومعجم ما استعجم للبكري... إلخ ، وكذلك فيلهلم آلورد" 1828-1909" الذي ألّف فهرس المخطوطات العربية الموجودة في مكتبات برلين في عشرة أجزاء كبيرة وحقّق عددا من الدواوين الشعرية مثل خمريات أبي نواس والدواوين الستة وديوان رؤبة بن العجّاج وقصيدة خلف الأحمر.‏

أمّا ما يتعلّق بأهم المسشرقين المتخصّصين باللغة العربية في هذا القرن فهناك عدد كبير منهم، مثل كارل بروكلمان، وأوغست فيشر، وجورج يعقوب، وركندوف، وليتمان، وبرجشتراسر، ويوهان فك، وغيرهم.‏

-للاستشراق الألماني تاريخ طويل ، هل لكم أن تحدّثونا قليلا عن أهم البصمات التي يتميّز بها الاستشراق الألماني عن غيره من البلدان الأوربية؟‏

* إنّ أهمّ ما يتميّز به الاستشراق الألماني عن غيره من البلدان الأوربية هو الاهتمام بالنصوص اللغوية والأدبية بالدرجة الأولى، وخاصّة في القرن التاسع عشر، وكذلك لعدد الكبير من أعمال التحقيق والدراسات النقدية للتراث العربي، حيث اشتهر الألمان في هذا النوع من نشر كتب التراث العربي بإصدار طبعات محقّقة تحقيقا علميا مع إجراء دراسة نقدية وفهرسة دقيقة وشاملة للكتاب. وقد حقّقت الكثير من مخطوطات التراث العربي ومصادره في ألمانية، ممّا لانجده بهذه الغزارة في البلدان الأوربية الأخرى. وهنا أشير إلى الجو العلمي المتكامل في أوربا وإلى التعاون الوثيق بين العلماء والمستشرقين في الجامعات الأوربية، فمثلا ما كان لعدد كبير من الأعمال الضخمة كتاريخ الرسل والملوك للطبري، وطبقات ابن سعد، ودائرة المعارف الإسلامية أن تصدر دون التعاون العلميّ البنّاء بين دي خويي" 1836- 1909" في هولندة وإدوارد ساخاو"1845-1930" في ألمانية وغولدتسهير الهنغاري"1850- 1921" وفيلهاوزن"1844-1918" وغيرهم من المستشرقين.‏

ويتميّز الاستشراق الألماني أيضاً عن غيره من البلدان الأوربية بالاهتمام بالدراسة المقارنة للغات السامية، حيث هناك العديد من الدراسات والأعمال المقارنة بين العربية وغيرها من اللغات السامية الأخرى كالآرامية والعبرية والسبئية . وأهم عمل في هذا المجال هو عمل كارل بروكمان (1868 - 1956 ) الرائد " الأساس الكامل في مقارنة اللغات السامية " الذي لم يكتب مثله حتى الآن بهذا التفصيل الدقيق.‏

وأخيرا أشير إلى أنّ الاستشراق الألماني لم يكن مرتبطا بالاستعمار إلى حدّ كبير كالاستشراق الفرنسي أو الإنكليزي أو الهولندي، فالألمان لم يستعمروا أية دولة عربية، ولم تكن لهم مطامع في البلدان العربية.‏

- كيف تقوّمون واقع الاستشراق الألماني الحالي بالمقارنة مع الجيل القديم من المستشرقين الكبار أمثال ليتمان وبروكلمان ونولدكه وبرجشتراسر؟ وهل تجدون فارقا في طريقة البحث بين هذين الجيلين؟‏

* إنّ واقع الاستشراق الألماني الحالي يختلف تماما عن واقع الاستشراق سابقا، فقد تغيّرت ظروف الحياة واصبح العالم قرية صغيرة بفضل التقدّم التقني الهائل الذي حقّقته وسائل الاتصال والبث الإعلامي والمعلوماتي، وقد انعكس هذا التقدّم على اهتمامات الجيل الجديد من المستشرقين الألمان إذ بدؤوا بمتابعة التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد العربية، ومن هنا فقد كثر هذا النوع من الدراسات الاجتماعية والسكانية والسياسية والجغرافية، أضف إلى ذلك الاهتمام المتزايد بالأدب الحديث وبالدراسات اللغوية المعاصرة ممّا يعرف في يومنا هذا بعلم الألسنية. على العكس من الجيل القديم من المستشرقين الذين كانوا يركّزون بصورة أساسية على الأبحاث التقليدية ودراسة التاريخ وعلوم اللغة العربية وفقهها.‏

أمّا ما يتعلق بطريقة البحث اليوم، فطبعا هناك تطوّرات دائمة في هذا المجال، ويقدّم العلم في كلّ يوم اكتشافا جديدا، وقد أتيح للجيل الجديد من المستشرقين أن يستفيدوا في أبحاثهم من القفزة الهائلة التي حقّقتها استخدامات برامج الكومبيوتر وأجهزة الحاسوب المتطوّرة ونظام الحصول على المعلومات والجداول الإحصائية ممّا لم يكن متاحا للمستشرقين في السابق.‏

ويظهر الاختلاف بوضوح في طريقة البحث بين الجيلين عند معالجة الموضوعات اللغوية، فقد اكتشفت في أيّامنا هذه مناهج جديدة لم تكن معروفة سابقاً، كالبنيوية والتحويلية والكثير من مباحث الألسنية وغيرها.‏

وممّا تجدر الإشارة إليه في هذا المقام ضمور المنهج الشامل المقارن في الدراسات السامية عند الجيل الجديد من المستشرقين، واقتصارهم غالبا في البحث على لغة سامية واحدة، تتمّ دراستها بشكل عميق ومسهب دون إجراء مقارنات موازية مع بقية اللغات السامية الأخرى. وأودّ أن أشير هنا أيضا إلى أنّ عدد المستشرقين المتخصّصين في موضوع نظرية الأدب والنقد الأدبي قليل بشكل عام، وهذه ثغرة آمل أن يتمّ تجاوزها في المستقبل القريب.‏

- ما هي العلوم العربية التي أثّرت برأيكم كثيرا في تاريخ النهضة والحضارة الأوربية؟
وبماذا تفسّرون التطوّر العلمي عند العرب في ذلك الوقت؟‏

* أعتقد أنّ الفلسفة تأتي في المقام الأوّل، وخاصة فلسفة ابن رشد، لأنّ الأوربيين تعرّفوا على هذه الفلسفة في الأندلس، وكان لابن رشد تأثير كبير في تطوّر الفلسفة المسيحية في النصف الثاني من القرون الوسطى. ثمّ يأتي الطبّ في المرتبة الثانية، فقد كان لكتاب ابن سينا / القانون في الطب / الذي ترجم إلى اللغة اللاتينية تأثير مباشر على الطب الأوربي، وعن طريقه أعادت أوربا اكتشاف جالينوس" توفي نحو200 ميلادية" من جديد، الذي يعتبر أهمّ طبيب في العصر القديم، خاصة وأنّ أكثر مؤلفاته التي كتبها باليونانية قد ضاعت، ولولا الترجمات العربية التي وصلتنا لأعماله لما عرفنا شيئا عن جهوده وآرائه الطبية . وقد كان للأطباء العرب بصمات واضحة على مسار الطب الأوربي وتدريسه في الجامعات الأوربية التي بقي بعضها يدرّس الكتب العربية حتى منتصف القرن السابع عشر كجامعة هربون Herborn على سبيل المثال، ولا يفوتني هنا أن أشير إلى الأهمية الكبيرة التي حظي بها الكتاب المنصوري لمؤلفه الرازي الطبيب والفيلسوف المعروف، وإلى الكثير من الكتب الأخرى.‏

وأخيرا يأتي علم الفلك ليحتلّ المرتبة الثالثة في العلوم العربية التي أثّرت بشكل مباشر في تاريخ النهضة والحضارة الأوربية. فمنذ اختراع الطباعة في أوربا أي منذ منتصف القرن الخامس عشر وحتى منتصف القرن السادس عشر تمّ طباعة الكثير من كتب الفلك العربية بالترجمات اللاتينية.‏

أمّا ما يتعلق بالشطر الثاني من سؤالك فأعتقد أنّ الجواب عن هذا السؤال صعب جدا ، وبرأيي أنّ هذا يعود بالدرجة الأولى إلى اهتمام العرب بإنشاء حضارة جديدة، وأعتقد أنّ الجوّ العام في ذلك الوقت كان مهيئا من حيث حياة الاستقرار في البلاد والتماسك الداخلي للمجتمع والابتعاد عن الحروب والفتن الداخلية، بالإضافة إلى وجود الأطباء والمترجمين السريان وروح الانفتاح التي تحلّى بها العرب آنذاك، والتعطّش للاطّلاع على الثقافات الأخرى والابتعاد عن التعصّب والتقوقع وغير ذلك. وأعتقد أنّ هذه الأسباب مجتمعة قد ساهمت في إنشاء حضارة عربية متميّزة، أمدّت الفكر الإنساني بنسغ جديد وثمار يانعة.‏

ولكن ما يلفت النظر في تاريخ الحضارة العربية أنّها لاتواكب السياسة المستقرة دائما، فقد حقّقت دولة بني حمدان الصغيرة في حلب مجدا أدبيّا وازدهارا حضاريا وثقافيا قلّ وجود نظيرهما في تاريخ الحضارة البشرية، وهذا يعود بالطبع إلى التشجيع الكبير والمناخ المناسب الذي قدّمه سيف الدولة في ذلك الوقت. وكذلك فقد كانت مرحلة ملوك الطوائف في الأندلس من أكثر الفترات التي ساد فيها الضعف والفساد والاضطراب السياسي في أرجاء الدولة، ولكنها على صعيد الأدب والثقافة كانت من أكثر الفترات ازدهاراً وخصوبة وعطاء.‏

-كم معهدا للاستشراق يوجد حاليا؟ وما هي أهمّ الاتّجاهات الأساسية التي ينحو الاستشراق الألماني إليها حاليا؟‏

* يوجد في ألمانيا حوالي / 25/ معهدا خاصا بالاستشراق والدراسات العربية والإسلامية، واتّجاهاتها مختلفة بحسب اهتمامات الأساتذة الذين يشغلون كراسي الأستاذية فيها. وأستطيع القول بأنّ الطابع اللغوي يغلب على اتجاهات كلّ من معاهد جامعة إرلنغن، وتوبنغن، وكولن، ولايبزيغ. وتختصّ بعض المعاهد بالاتجاه التاريخي لتصبّ اهتمامها بالدرجة الأولى على تاريخ العالم الإسلامي في العصور السالفة وكذلك في وقتنا الراهن، وأذكر على سبيل المثال معاهد جامعة فرايبورغ وهامبورغ وبرلين وكيل...إلخ.‏

وتهتمّ معاهد أخرى إمّا بالفلسفة الإسلامية والدراسات الدينية التقليدية كمعهد بوخوم وفرانكفورت، وإمّا باللغات السامية والمقارنات اللغوية كمعهد ماربورغ وهايدلبرغ ميونخ وهاله... إلخ . وأودّ أن اشير هنا إلى أنّه في السنوات الأخيرة تمّ إنشاء الكثير من المعاهد الحديثة وكراسي الأستاذية التي تهتمّ إمّا بالوضع الاجتماعي، أو بالحالة السياسية، أو الاقتصادية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل عام، هذا طبعا إلى جانب معاهد الاستشراق التقليدية.‏

- كيف تجدون التواصل حاليا بين معاهد الاستشراق الألمانية وبين الجامعات العربية؟

وكيف يتمّ اطّلاع الطلبة الألمان على الجديد من التطورات الأدبية واللغوية على الساحة العربية؟‏

* إنّ التواصل بين معاهد الاستشراق الألمانية وبين الجامعات العربية ليس مرضيا بالصورة التي يتمنّاها المرء، وأعتقد أنّه قد أخذ في السنوات الأخيرة بالتحسّن بعض الشيء عن طريق منظّمة التبادل الأكاديمي الألماني DAAD التي تنظّم عملية التبادل في الطلبة والأساتذة الزائرين بين الجامعات العربية والجامعات الألمانية. وأشير هنا إلى الثغرة الكبيرة في العلاقات الثقافية بين الجامعات العربية وبين معاهد الاستشراق، فنحن نادرا ما نحصل على النشرات والدوريات العربية الجامعية التي تحمل إلينا آخر الأخبار الثقافية والعلمية في الجامعات العربية. إنّ ما ينقصنا في ألمانية هو وجود مركز ثقافي عربي تكون مهمته التعريف بالعالم العربي وحضارته على نمط معهد العالم العربي IMA الموجود في باريس.‏

أمّا عن كيفية اطّلاع الطلبة الألمان على آخر المستجدات الأدبية واللغوية على الساحة العربية، فإنّ ذلك يتمّ في الغالب بجهود فردية غير منظّمة ، ويلعب الحظّ فيها دورا كبيرا.‏

وغالبا ما نحصل على الكتب والمصادر العربية المنشورة حديثا عن طرق شخصية.‏

- من خلال تجربتكم في دراسة اللغة العربية وتدريسها ، أين تكمن برأيكم الصعوبات التي يعاني منها الدارس الأجنبي لهذه اللغة؟‏

* يعاني الدارس الأجنبي للغة العربية من صعوبات كثيرة، يمكن تلخيصها بالنقاط الآتية:‏

أوّلا: صعوبات في نطق بعض الأصوات العربية غير الموجودة في اللغات الأوربية مثل الصاد والضاد والطاء والظاء والعين..والحاء ...إلخ.‏

ثانيا: مشكلة القراءة والكتابة، فكما هو معروف فإنّ اللغة العربية لاتعمد في الغالب إلى كتابة الحركات ، وإنما تكتفي بكتابة الحروف ، ولهذا فإن عملية القراءة ليست سهلة على الأجنبي ، خاصّة إذا كان الدارس غير متمرّس في القراءة. وأودّ أن اشير هنا إلى أنّ علم الصرف العربي ليس صعبا بشكل عام لأنّه مبنيّ بناء منطقيا، ويستطيع الدارس الأجنبي أن يتقنه ويستوعب مبادئه تماما، على العكس من اللغة الألمانية التي تكثر فيها الاستثناءات غير المنطقية وخاصّة في باب تصريف الأفعال الشاذة.‏

ثالثا: صعوبات في النحو والقواعد، وخاصّة في بعض أبواب النحو التراثي القديم الذي يعتمد نظرية العوامل ولا يحاول أن يفسّر الوظائف النحوية للتراكيب، فمثلا هناك أنواع عديدة من المنصوبات التي لها وظائف مختلفة، وفي أحيان كثيرة يصعب التمييز بينها.

ومن الأمور التي تشكّل صعوبة بالغة أمام الدارس الأجنبي هي مسألة أدوات الربط بين الجمل والتراكيب. أمّا بالنسبة إلى نحو اللغة العربية المعاصرة فأعتقد أنّه متأثر بنحو اللغات الأجنبية، وخاصة الإنكليزية منها، وهذا يعود بصورة أساسية إلى الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام وإلى تأثير الترجمة المباشرة للتراكيب الأجنبية إلى العربية.‏

رابعا: عدم وجود معجم حديث شامل، يستوعب جميع مفردات اللغة ويشرح كلّ المعاني التي تحتملها الكلمة، وخاصة من الناحية المجازية. فالمعروف أنّ المعاجم العربية القديمة غنيّة جدّا في الثروة اللغوية وفي الشروح التي تقدّمها للمفردة، ولكنّها صعبة الاستعمال؛ إذ أنّ الباحث غير المتخصّص في اللغة يواجه صعوبات كبيرة عند استعمال تلك المعاجم القديمة. ولهذا السبب فإنّ ما نحتاج إليه من كلّ بد هو وضع معجم شامل للغة العربية، يأخذ بعين الاعتبار الجهود والنتائج التي وصل إليها علم المعاجم الحديث، من حيث طريقة استخراج الكلمات وترتيبها في المادة اللغوية، لأنّه ليس هناك نظام موحّد في المعاجم العربية لاستخراج الكلمات، فكلّ معجم يتّخذ طريقة تختلف عن الآخر.‏

-ما هي البلاد العربية التي زرتموها ؟ وكيف تجدون الواقع اللغوي فيها؟ وهل تعتقدون أنّ في انتشار العاميّة على هذا النحو خطرا يهدّد اللغة العربية الفصحى؟‏

* لقد زرت كلاّ من سوريا ولبنان والأردن ومصر وتونس والجزائر والمغرب، واطّلعت عن كثب على الواقع اللغوي فيها، ولفت نظري أمران اساسيان؛ أحدهما : الهوّة الواسعة التي تفصل بين اللغة العربية الفصحى وبين اللهجات العامية الموجودة في البلاد العربية. وثانيهما: التنوّع والاختلاف الكبير في اللهجات العامية وطرق التعبير فيها، ممّا يجعل كلّ لهجة تختلف تماما عن اللهجات الأخرى، وخاصة اللهجة المغربية التي تبدو غير مفهومة حتى لعرب المشرق العربي.‏

ومهما يكن الأمر فإنّه لا يمكن لأحد أن ينتقص من الدور الذي يقوم به كلّ منهما ، فكما أنّ للغة الفصحى دورا مهمّا ، كونها اللغة الرسمية لوسائل الإعلام والتعليم في المدارس والجامعات، حيث إنها وسيلة الوحدة الثقافية التي تربط بين البلاد العربية، كذلك الأمر فإنّ للهجات دورا مهمّا، لأنها هي اللغة التي يتكلّمها الناس في حياتهم اليومية، وهي التي يستخدمونها بكل عفوية في عواطفهم وأحاسيسهم دون أيّ تفكير.

لهذا فإنّه ليس من المعقول أن ننكر أهمية اللهجات العامية وأن نقلّل من دورها. وإنّما على العكس من ذلك يجب أن نعطيها حقها بالدراسة والتحليل والمقارنة مع اللغة الفصحى، وعلى الجهات المسؤولة أن تنتبه لهذا الأمر وتشجّع عليه، وخاصّة الجامعات التي يمكن لها أن تقوم بأبحاث جادّة في هذا المجال، تدرس فيها الظواهر اللغوية الموجودة في اللهجات ، وتبيّن فيها العلاقة بين اللغة الفصحى ولهجاتها، لأنّ هذه اللهجات وكما هو معروف تعود في أصولها إلى اللغة الفصحى التي تطوّرت عنها. وهذه الطريقة من البحث هي السائدة في أكثر الدول الأوربية، وأعتقد أنّ الوضع اللغوي في سويسرا يشبه تماما الواقع الموجود في البلاد العربية. وأنا لا أرى أبدا أنّ في انتشار اللهجات المحلّية خطرا يهدّد اللغة الفصحى، لأنّ هذا أمر عامّ في كلّ لغات العالم. فضلا عن أنّ اللغة العربية الفصحى لها من مقوّمات القوّة ما يجعلها تبقى دائما اللغة الأساسية للكتابة والقراءة والتعامل الرسمي، فهي- وكما هو معروف- لغة القرآن والتراث والأدب والشعر القديم. وأنا في الواقع لا أجد أيّ ضرر يمكن أن يلحق باللغة الفصحى من اللهجات ، ولكنّني أشدّد على ضرورة دراسة اللهجات المحلّية ومقارنتها بأصولها التي تطوّرت عنها ، لأنّ في ذلك غنى وفائدة للطرفين معا.‏

-ما هو مدى اطّلاع القارئ الألماني بشكل عام على الأدب العربي؟ وكيف يصل إليه هذا الأدب؟ وهل تجدون أن الأعمال الأدبية العربية المترجمة إلى اللغة الألمانية كافية لإعطاء القارئ الألماني صورة صادقة تعكس الواقع الحقيقي للأدب العربي؟‏

*إنّ اطّلاع القارئ الألماني على الأدب العربي محدود جداً، لأنّ الأعمال المترجمة إلى الألمانية قليلة نسبيا، بالمقارنة بالترجمات عن الآداب العالمية الأخرى، وأعتقد أنّ الوضع قد بدأ في السنوات الأخيرة يتغيّر تدريجيّا، لأن عدد الأعمال المترجمة عن العربية بدأ يزداد، وخاصّة الترجمات عن الأدب العربي الحديث. بالإضافة إلى ذلك فإننا نجد من وقت إلى آخر في الصفحات الأدبية من المجلاّت والجرائد الألمانية المحلّية بعض المقالات التي تدور حول مسائل الثقافة والأدب العربيين، كالحديث عن إميل حبيبي أو ابن جلّون والأدب المغربي، أو رشيد أبو جدرة، أو الضجة التي أثارها موضوع نصر أبو زيد وهكذا.‏
ومهما يكن الأمر فإنّ الأعمال الأدبية العربية المترجمة إلى اللغة الألمانية غير كاقية ولا تعطي القارئ الألماني صورة حقيقية عن الأدب العربي، لأنّ عملية اختيار العمل الأدبي المراد ترجمته تكون خاضعة في أحيان كثيرة للأهواء الشخصية والاعتبارات الماديّة، فمثلا ثلاثية الأديب الكبير نجيب محفوظ لم تكن معروفة في ألمانية قبل منحه جائزة نوبل للآداب، أضف إلى ذلك أنّ ترجمة هذه الثلاثية إشكالية ولاتعطي القارئ الألماني فكرة حقيقة مقنعة عن هذا الأديب الكبير وإمكانياته الأدبية. وبالتأكيد فإنّ الكاتبة اللبنانية حنان الشيخ ليست من عمالقة الكتّاب العرب، ومع ذلك فقد تُرجمت لها ثلاث روايات إلى اللغة الألمانية.‏
وأودّ أن أشير هنا إلى مشكلة أساسية في الموضوع وهي عدم اهتمام دور النشر الألمانية الكبيرة بالترجمات عن الأدب العربي أو الأدب في العالم الثالث بشكل عام، لأنّ هذا الأمر فيه نوع من المغامرة، وقد لا يكون مضمون العواقب بالنسبة لها من الناحية المادية على الأقلّ.‏
وهناك نقطة أخرى تجدر الإشارة إليها، وهي اختلاف الذوق الأدبي، لأنّ المواضيع التي يتناولها بعض الأدباء العرب ربّما لاتهمّ القارئ الأجنبي، ولهذا السبب كان الأدباء المغاربة أقرب إلى ذوق القارئ الألماني من غيرهم، عن طريق الترجمات الفرنسية.‏
---------------
الحياة الشخصية للبروفيسور يوبتسين‏
الاسم الكامل : هارتموت أوتو بوبتسين‏
مكان وتاريخ الولادة : بريمن/ عام 1946‏
الوضع العائلي : متزوج من السيدة كاتارينا فاينل التي تعمل مدرّسة للغة العربية أيضا وله منها ولدان.‏
الوضع الدراسي: حصل على الدكتوراه عام 1974 من جامعة ماربورغ. وعلى شهادة البروفسورية عام 1986 من جامعة إرلنغن.‏
وعلى كرسي أستاذية العلوم الإسلامية في معهد الاستشراق في جامعة إرلنغن عام 1992.‏
من أشهر مؤلّفاته : الأزمنة الفعلية في سفر أيّوب - الدراسات القرآنية في أوربة - الأفعال الشائعة في اللغة العربية المعاصرة - النبيّ العربي محمدّ (ص) وغيرها. بالإضافة إلى عدد كبير من المقالات العلمية المنشورة في مجلاّت مختلفة.‏
---------
- الدكتور ظافر يوسف : مدرّس النحو والصرف في جامعة حلب- سوريا، ومعار حالياً للتدريس في جامعة إرلنغن - نورنبرغ في جمهورية ألمانية الاتحادية.‏
------------------------
مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 68 - السنة السابعة عشرة - آب "أغسطس" 1997 - ربيع الآخر 1418

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: