حوارٌ مع د.محمد عبيد الله ( شاعر وأكاديمي أردني )

د.محمد عبيد الله: الترجمة بصورتها الصحيحة مشروع قومي لابدّ أن يخضع للرقابة الثقافية

شاعر وأكاديمي أردني يرى أن خصوصية الأجناس الأدبية صارت فكرة بالية

عبيدالله: لا أعرف وجوداً واضحاً للنقد خارج الجامعات

حاورته: عزيزة علي

ينتمي د.محمد عبيدالله إلى الجيل الحديث من الشعراء والنقاد الذين رأت كتابتهم النور في تسعينيات القرن الماضي.

يؤمن عبيدالله بأن النقد جزء من الثقافة، ولكي نمتلك خصوصيتنا، فينبغي أن يكون لدينا نقد عربي الوجه واللسان.

ويرى عبيدالله الذي يشغل منصب أستاذ الأدب والنقد بجامعة فيلادلفيا منذ حصوله على درجة الدكتوراة في اللغة العربية وآدابها في العام 1998 ان الحديث عن دور الشعر اليوم يغدو أمراً صعباً في ظل عالم لا يعترف بالشعر ولا يقدّره، مؤكدا بأنه يعيش مآزق متنوعة على اكثر من صعيد.

وقد صدر لعبيدالله في العام 1993 ديوان شعر "مطعونا بالغياب"، ومؤخرا صدر له في العام 2005 ديوان آخر "سحب خرساء"، بالإضافة إلى كثير من المؤلفات منها في النقد "القصة القصيرة في فلسطين والأردن" في العام 2002، و"فلسطين في القصة الأردنية" في العام 2002، و"فن المقالة" 2002، وله تحت الطبع "بلاغة السرد" 2005، وصدر له حديثا "عالم بهاء طاهر" (تحرير وتقديم) 2005، وله مساهمات عديدة ومتنوعة في الحراك الثقافي المحلي.

الغد التقت عبيدالله وكان لها معه هذا الحوار

 

* أنت أستاذ جامعي. وناقد، وشاعر، ألا تأتي هذه الاهتمامات على حساب بعضها بعضا، فأين أنت منهم جميعاً؟

- هذا سؤال مكرر وكلّما جوبهت به أجيب جواباً مختلفاً، أحياناً أجد نفسي أقع في التبرير، أو كما لو كنت ألتمس الأعذار لنفسي، هل أنا كل هؤلاء؛ ولماذا لم أبقَ في الصورة الأولى التي عرفت بها منذ خمس عشرة سنة، عندما كنت لا أتقن إلا شيئين؛ الشعر وإحراق التبغ.

أعود الى سُؤالك كما لو أنني أسمعه لأول مرة، وأفكِّر: هل اخترت أنا شيئاً أو طريقاً؟ وهل سارت سنواتي كما رسمتها؟ أم أنها انفلتت مني وامتلأت بهذه الصور دون أن أدري.. حتى منتصف التسعينات لم أكن ناقداً ولم أنشر إلا مقالات قليلة مما يمكن أن يُسلك في الحقل النقدي، كذلك لم أكن قد دخلت الحقل الأكاديمي.. لكن اسمي كان معروفاً في سياق الشعر الجديد في الأردن ضمن "جماعة أجراس" الشعرية التي شاركت في تأسيسها مع أصدقائي: غازي الذيبة، علي العامري، باسل رفايعة، محمد العامري.. أذكر هؤلاء الأصدقاء الآن، وأذكر طموحاتنا، ورغبتنا في أن يكون الشعر سيد العالم.. كان العالم هو الشعر والشعر هو العالم... الآن أفكر إن كانوا حائرين مثلي في تفسير مصائرهم.. بعدما تفرقت بنا السبل، ومضى كلٌ في طريق.

أحبّ الشعر وأتعلّق به حتى أبعد حَدّ، أرتجف أمام القصيدة الجميلة وما أندرها.. لحظات الكتابة اليوم قليلة، وكثيراً ما تأتي في غير وقتها، وعندما يتيسر الوقت، تكون القصيدة قد رحلت عاتبة علي، لماذا لم أتفرّغ لها وأمنحها كل الوقت؟.. ولكنني مع ذلك أحاول التوفيق بين هذه الطبقات والصفات.. وحاولت وما أزال أن تسير كل واحدة في طريقها.

في الشعر نشرت عملين هما: مطعونا بالغياب، وسحب خرساء.. والشعر نوع لا كمّ، وفي الجامعة أنهض بأعبائي كاملة.. دون ضجر الشعراء وشكواهم.. وفي النقد أنجزت عدة إصدارات أكثرها معروف للمهتمين، وهي في عمومها في حقل السرديات بعيداً عن الشعر وعن هوسي به من موقع الشاعر لا الناقد..

قد يكون اتجاهي الأكاديمي والنقدي نحو القصة القصيرة والرواية والسرد العربي القديم نوعاً من التفرغ للشعر، أو كي لا ينافسه نقد الشعر.. مع إدراكي وتسليمي أن نقد الشعر مهم وحيوي، بل هو إبداع آخر.. يوازي إبداع النّص نفسه أو يتجاوزه.. لكن لكل إنسان إمكانات واستعدادات.. ولكل إنسان خيارات واعية أو لا واعية، أنا كان خياري في اللاوعي أن أبتعد ما أمكن عن نقد الشعر، حتى لا أفسد جمرة الشعر فيّ، فالنقد منطقيّ، فيه نظام وانضباط وقدر عالٍ من الوعي، مما يغاير منظور الشاعر.. وهو يقترب من العالم والأشياء بقانون الحدس لا المنطق.. الحدس الذي يقع في منطقة حرجة بين القلب والعقل.. أما النقد فضمن منطقة أخرى.. يكاد العقل يستغرق معظمها..

الخلاصة أنني كل هؤلاء.. لكل منهم أسبابه، وملابساته، ولكل ضريبته وواجباته.. وما أتمناه.. أن لا يحاسب الناس على تعدد أعمالهم وصفاتهم، بل يحاكم الإنجاز، هل نجحت أنا في الشعر، وهل أضفت في النقد، أو العمل الجامعي؟ كل صفة تعامل حسب سياقها هي مستقلة عن أي قطاع آخر.. أما كيف أوفق بينها فهذا شأني الشخصي، وهذه معادلاتي التي لا تنفصل عن منطق حياتي.

* لنبقى أيضا في أجواء الشعر ونسألك – كشاعر – ما رأيك في تجريد الشعر من أي مضمون، وقطع علاقته مع الخارج ومع المتلقي، والاكتفاء بالرجوع للذات، وبرأيك ما هو دور الشعر؟

- دور الشعر، هو دور الفن عموماً، في الحفاظ على هويّة الإنسان وتلبية حاجاته للجمال، وتطهير روحه من مخاطر العالم وابتذالاته. لكن اليوم يغدو الحديث عن دور الشعر أمراً صعباً في ظل عالم لا يعترف بالشعر ولا يقدّره.. الشعر اليوم يعيش مآزق متنوعة على كل صعيد، مردّ بعضها إلى الشعراء، وأخرى من إفرازات الحقبة الراهنة ومستجداتها الكثيرة..

الشعر أيضاً لا يتحدد بالمضمون، فالمعاني ما تزال مطروحة في الطريق، يعرفها الناس جميعاً، منذ زمن الجاحظ وحتى يومنا هذا.. ولذلك لا يعلو الشعر بمضمونه ولا بالقضايا الكبرى التي يعبّر عنها.. وإنما له معادلاته الصعبة بين العام والخاص.. وللشاعر أن يكتب وأن يعبر كما يشاء.. المهم أن يكون شعره في منطقة خاصّة تجد تجاوباً عند المتلقي.. لكن أغلب الظن أن الصلة مع الجمهور قد انقطعت أو كادت تنقطع، أو هي اليوم في أسوأ حالاتها، بالرغم من أن الشعر فن تاريخي مميز... لكن تاريخه اليوم لا يحميه من الضياع والتبدد.. ومن التنازل تدريجياً عن عرشه لصالح فنون وأنماط أخرى تنافسه.. هناك حالة مؤسفة من الانصراف عن الشعر، جماهيرياً ونخبوياً، لكنه سيظل موجوداً كتمثيل على وجود تاريخي لنوع أدبي عريق..العزلة التي دخلها الشعر العربي ساهمت في هذا التراجع، بمعنى أن الشعر انقطع عن نبض العصر، وقصيدة النثر، التي ارتفعت بشعارات الحداثة قضت على آخر الخيارات.. يقرأ المرء اليوم مئات القصائد والدواوين بحثاً عن قصيدة جميلة فلا يجد إلا الغثاء.. ولذلك يلتمس العذر للقارئ أو المتلقّي. أكثر ما ينتج اليوم باسم الشعر لا علاقة له بالفن أو الجمال.. الشعر اليوم أقرب إلى كائن في طريقة للانقراض، وهو يحتاج إلى محمية خاصة أو جمعية للرفق بالشعراء.. حفاظاً على ما تبقّى..

أما من يتحمل مسؤولية غياب دور الشعر، وانحطاطه وتراجعه فمسألة يصعب القطع بها.. ولكن يمكن التطرق بأن الأجناس والأنواع تتعرض لنوع من التراتبية وإعادة الترتيب.. ومن المرجّح اليوم أن الشعر ليس في مقدمتها. يقول المرء هذا الكلام وهو يشعر بالأسف، لكن الاعتراف به قد يكون مرئياً، بدلاً من التمترس خلف طبقات كاذبة من غرور الشعراء.. وكبريائهم المصطنع.. لنعترف أن الشعر اليوم بلا قارئ وأن الشَّعر اليوم غير صالح للقراءة.. وأن الشعر في آخر قائمة الأنواع الأدبية والفنية، من يحقق الإقبال أكثر، ديوان محمود درويش أم ألبوم نانسي عجرم.. أين هي مساحة الشعر في الإعلام العربي والحياة العربية؟ إنه غائب وبعيد.. في صورة تمثيل لنوع أدبّي آيل للموت...

* تسلل الشعر إلى النص السردي، وصار جزءاً من مكوناته.. هل تؤيد هذه الظاهرة؟ وكيف يحافظ الجنس الأدبي على خصوصيته في ضوء تداخل الأجناس؟

- ميزة السّرد أنه قادر على الإفادة من كل الأجناس الأخرى.. وظاهرة دخول الشعر إلى السرد ظاهرة قديمة جداً، منذ ما يعرف بالشعر القصصي، لكن المعادلة اليوم تغيرت وصار عندنا (السرد الشعري) بمعنى أن السرد هو الأصل والشعر هو الفرع.. أنا أذهب في قبول هذه الظاهرة دون تخوّف.. وأرى أن الشعر الخالص قد تبدّد، أو هو في طريقة إلى التبدد، وهو اليوم يتحول تدريجياً إلى إحدى تقنيات السرد لا أكثر..

لا خوف من تداخل الأجناس، بل إن فكرة التجنيس أصلاً مسألة تصنيفية بحتة لا تحدد مستوى الإبداع ولا درجته، ولذلك نعوّل على النصوص وليس على الأجناس.. النّص المغيّر الجديد قد يخلق نمطاً داخل جنس ما، كما هو في حال (السرد الشعري) وقد ينجح في حال تراكمت نصوص كافية في إيجاد أو اكتشاف جنس جديد..

المحافظة على الأجناس ووجودها وخصوصيتها فكرة صارت اليوم في ذمة تاريخ الأدب.. لم يزل هناك مؤمنون بها، لكن المرجح عندي هو تقديم النص على الجنس، وعلى النقّاد أن يتعبوا قليلاً ودائماً إذا كانوا معنيين بالتصنيف والتقعيد.. ولا أعتقد اليوم أننا قادرون على الاستمرار طويلاً في المطالبة بصفاء الأجناس والأنواع.

والأصعب من ذلك هو ما تعد به الفنون والآداب الإلكترونية التي تعيدنا إلى شفاهية جديدة تغيّر مفهوم النص وكل ما استقرّ عليه الأمر في حقبة الكتابة والطباعة، كل قواعد النقد والتجنيس وضعت للنص المطبوع والمكتوب، فما العمل أمام نصّ يعتمد على الواقع الافتراضي وعلى تكوين متداخل من الكتابة والصورة والصوت ومؤثرات لا حدّ لها.. ألا يدفعنا ذلك إلى نوع من المرونة، والاستعجال في قبول التغيرات الكبرى في مزاج العصر، بدلاً من صدمة الرفض التي تتكرر في كل التحولات الحاسمة..

نستطيع اليوم أن نقرأ شعراً، وأن نتفاعل مع حالات ومواقف شعرية في نماذج من الرواية والقصة القصيرة ربما أكثر مما نجدها خارج فنون السّرد.. هذا تغيّر حاسم في مواقع الأجناس وفي طبيعتها.. بل هناك نماذج دمجت فنوناً متعددة تتعدى الشعر إلى الموسيقى وإلى الفن التشكيلي والسينما والسيناريو والمسرح وغير ذلك.. البشر يطمئنون للتصنيف والتقعيد، لكن الإبداع دوماً متجدّد، يمزّق المستقر ويثور على المطمئنّ..

* برأيك هل يحظى الأدب والأديب الأردني بالاهتمام المطلوب في الجامعات الأردنية؟ وكيف ترى المساحة المتاحة للأدب المحلي في الجامعات؟

- الأدب الأردني لا يحظى إلا بالحدّ الأدنى من الاهتمام.. أقسام اللغة العربية اليوم في اضمحلال لا ينفصل عن اضمحلال كل ما هو مرتبط بالهوية والخصوصية، هل هناك جامعة في العالم فيها قسم لتدريس لغتها القومية وأدبها الوطني، هذا لا يحدث إلا في بلادنا.. وهل هناك جامعة تحارب قسم اللغة الوطنية وتنظر له بازدراء وكحمولة زائدة؟ هذا لا يحدث إلا في جامعاتنا الأردنية، هذا الوضع لا يعرفه زملاؤنا المثقفون خارج أسوار الجامعات، وهناك أسوار داخل الأسوار، أقسام الأدب اليوم مهملة وصار كل من يرغب في إظهار حداثته وتقدميته، لا (يتمرجل) إلا على أقسام اللغة العربية، كما لو كانت ندبة أو وصمة ينبغي التخلّص منها.. أي مرض ثقافي أعقد من هذا.؟!

نعم الأدب الأردني والعربي مهمل وفي حال اجتهد استاذ أو قسم ودعا كاتباً أو أديباً، فإن الجامعة لا تقبل أن تدفع للضيف أية مكافأة، وكأنها تتكرم عليه بالسماح له بدخول بهوها العظيم.. لكنها تدفع لفنيّ الصيانة ولفنّي الحاسوب ولكل عامل يدخل بوابتها.

على مستوى آخر، في خطط أقسام اللغة العربية هناك هيمنة للعلوم التقليدية، الجامعة التقدمية اليوم تطرح مادة وحيدة تحمل غالباً اسم (الأدب في فلسطين والأردن) لا أكثر ولا أقلّ، ولكل ذلك نجدد التنبيه إلى أهمية أقسام اللغة العربية، بوصفها أقساماً هامة وطنياً وبوصفها من دلائل اهتمامنا بذاتنا وهويتنا، ثم نطالب تلك الأقسام بمزيد من الانفتاح والتجدد، رغم كل معاناتها التي نعرفها ونعانيها أيضاً.

هناك بعض المؤشرات الإيجابية أيضاً رغم أن الصورة العامة غير مرضية: تزايد أعداد الدارسين للأدب المحلي على مستوى الدراسات العليا، وكذلك تزايد اكتشاف أساتذة الجامعات لأدبنا المحلّي من خلال التوسّع الملحوظ لمشاركاتهم في الندوات والنشاطات المحلية.. المطلوب إذن جهد مضاعف من داخل الجامعات وخارجها. مع نوع من التفهّم لطبيعة الجامعة وآليات عملها.. هناك سوء فهم أيضاً من المثقفين، فالجامعة ليست (جامعة لغة عربية) أو جامعة (أدب محلّي) بل هي تجمع تخصصات لا حدّ لها، في محاولة تلبية حاجات المجتمع المختلفة، مع ذلك فإن جامعاتنا بصفة إجمالية تخلّت عن دورها التنويري والثقافي في صورة عزلة مؤسفة، لها أسباب سياسية غالباً، وصارت مدارس تمنح شهادات جامعية ذات طبيعة مهنية بعيداً عن تنمية الشخصية وبلورتها بصورة ثقافية وفكرَّية.

* في السياق نفسه، النقاد متهمون أنهم بعيدون عن المبدعين، وخصوصاً النقاد الأكاديميين، ما رأيك في هذا الاتهام الشائع؟

- إذا كنت أريد أن أمثّل دور الدفاع، فإن أبسط دفع لهذا الاتهام أنني لا أعرف وجوداً واضحاً للنقد في الأردن خارج الجامعات، هل لدينا نقاد غير أكاديميين، بمعنى أنهم نشأوا خارج المؤسسات الأكاديمية، لدينا ثلاثة أسماء لا أكثر: فخري صالح، نزيه أبو نضال، عبد الله رضوان، ولا أعرف رابعاً لهم من بين النقاد المكرّسين، إذن معظم نقدنا مما له صلة بالجامعات أو أن أصحابه من المؤهلين أكاديمياً في مجال الأدب والنقد، وهذه ظاهرة مبكرة عندنا، فنشأة النقد في بلادنا مرتبطة بظهور الجامعة وبدور الأكاديميين الأوائل من آبائنا الرائعين: ناصر الدين الأسد، محمود السمرة، هاشم ياغي، عبد الرحمن ياغي، والمرحوم إحسان عباس. ليس لدينا آباء خارج الجامعة، ولذلك ينبغي تخفيف لهجة الاتهام ضد النقاد الأكاديميين، اليوم ألمع نقادنا موجودون في السياق الأكاديمي، ولا أجرؤ على تعداد الأسماء لأنني سأنسى نصف القائمة.

إذن التهمة ليست سليمة، لكن فيها وجوهاً من النظر، المبدعون، أو كثير منهم يعتقدون أن النقد نوع من المديح الذي يهيج عواطفهم ويملأ غرورهم، وإذا قرأوا كلاماً غير هذا اعتبروه تقصيراً، وإذا قلت كلاماً في أحدهم غير هذا وجّه لك اتهاماته علناً في الصّحف والندوات.

لا أعد نفسي ناقداً أكاديمياً بالمعنى الخالص، لأنني نشأت ثقافياً في الجامعة وفي خارجها، وظلت صلتي غير منقطعة بالأوساط الثقافية وبالمبدعين على كل صعيد، مع ذلك سأضرب مثلاً من تجربتي الشخصية على موقف المبدع عندنا من الناقد حين يكون مستقلاً لا يقول ما يرغب فيه المبدع من مدح، شاركت مرة في ندوة عن ديوان جديد لشاعر معروف. وقد بذلت جهداً كبيراً في قراءة عمله، وكانت نتيجة قراءتي أن ذلك العمل لا يضيف لتجربة الشاعر نفسه (وهي تجربة مميزة جداً) وشرحت أسبابي، ومن بينها مثلاً أن الديوان أحادي الصوت والموضوع متعدد الأصوات، فكان البناء يستدعي النفس الدرامي لا الغنائي، كذلك ألمحت إلى الاستعجال والسرعة، وركوب الموجة عند صديقنا، وقارنت عمله بسياق الكتابة عن الشهداء. المهم، أن الشاعر الصديق لم يناقشني فيما ذهبت إليه، وإنما أجّل الرد إلى حوار لاحق معه، نشر في مجلة عربية معروفة، لم يسمّني في حواره (كما لو كنت مجرد وسيلة لشهرته مثل غيري من النقاد) مع أنه ناقش ما ذهبت إليه بانفعال شديد، طبعاً اتهم النقد كله بأنه غير منصف.. وكأن النقد لا يكون منصفاً إلا إذا كان تبجيلاً لحضرة الشاعر... لقد طويت ما كتبته عن ذلك الشاعر ولم أنشره حتى اليوم.. وتوقفت عن الكتابة عنه، ولم أتوقّف عن قراءته.. الآن وبعد مرور سنوات غاب ذلك العمل ولم يعد أحد يذكره لصاحبنا، ولا أعرف كيف ينظر هو إليه اليوم... هل ما زال يراه عملاً خارقاً لأنه لاحق فيه حدثاً من أحداث الانتفاضة ولم يستطع الارتفاع إليه؟.. هل يرى إلى أي حد خانه التوفيق الفني في عمله؟ أليست مهمة الناقد أن يكون أميناً مع المبدع ؟ كذلك الناقد يتعامل مع نصوص وليس أشخاصا.. المبدعون يخلطون النّص بالمبدع.. وكثيراً ما ينتج مبدع متميز عملاً مخفقاً، ليس هناك مبدع يصعد دائماً إلا صعود الغرور وتضخم الذات وما أكثره في ساحة الإبداع.

أنا دائماً أنتقد زملائي الأكاديميين من موقع استفزازهم واستثارتهم لمزيد من الجهد، لكنّ الطريقة التي يستقبل فيها المبدعون النقد الموجه إلى أعمالهم، تقتضي هذه المرة أن نذكر بعض محاسن نقدنا الأكاديمي.

* إذن ما رأيك فيمن يرى أن النقد العربي ما يزال متخلفاً، لأنه يستورد نظرياته ومقولاته النقدية من الخارج؟ برأيك، هل يمكن بناء نظرية نقدية عربية، بعيداً عن النظريات الغربية؟

- هذه إحدى المشكلات العالقة فيما يخصّ النقد العربي، النقد جزء من الثقافة، وإذا كان هناك خصوصية لثقافتنا العربية، فينبغي أن يكون هناك نقد عربي الوجه واللسان. ليس بمعنى التقوقع وعدم التأثر أو الإفادة، لكن هذا شيء وملاحقة النظريات الغربية في صورة موضات زائفة أمر آخر.. هناك ظاهرة التعلق بشعارات النقد العربي واستخدامها في غير محلّها، هناك نقاد يغيّرون مناهجهم ونظرياتهم بمجرد أن يقرأوا كتاباً جديداً وقع بين أيديهم.. هناك نقاد لا يعرفون لغة أجنبية واحدة ومع ذلك تراهم يرطنون بلغة نقدية عجيبة وبأسماء أجنبية مفتعلة (ينطقونها خطأ غالباً) وكأنّ النقد حشد للمصطلحات وللعموميات وللاستشهادات التي لا رابط بينها..

لنقل مثلاً أن نظرية النقد مسألة إنسانية شاملة، تتعدى حدود الثقافات، كما يذهب بعض زملائنا، لكن التساؤل: أين إسهامنا نحن في هذه (المسألة الإنسانية) ولماذا يهيمن عليها الغرب، ونحن نتبعه كالمضبوعين، لماذا نستقبل فقط ولا نرسل، لماذا لا نبدع مدرسة أو نظرية أو تياراً جديداً.. نتَّجه إلى النقد الواقعي عندما ينتصر الشيوعيون، ونتمسَّك بالشكلانية والبنيوية في حقبة الحرب الباردة، وننقلب على البنيوية عندما يتقلبون، ونعود للنظريات السياقية والثقافية عندما يعودون وهكذا، نفكك النص عندما يفككون، نفصله عن السياق ونعيده إليه حسب إكراهات النقد الغربي وموجاته المتلاحقة.. هذا ما ينقده المرء إن كان منصفا، لم نعمل على توطين النقد، ولم نحسن الإفادة من النظريات الأجنبية، بل لم نحسن فهمها، لأننا لم نربطها بالثقافة المنتجة لها، كل التيارات والنظريات الأدبية الغربية مرتبطة أشد ارتباط بأحوال المجتمعات والثقافات الغربية، فليس هناك تيار أدبي أو نقدي خالص خارج شروط الثقافة ومحدداتها...

وكذلك فإن النجاح في بناء نظرية نقدية عربية، مطلب مهم للمشتغلين بنظرية الأدب والنقد في بلادنا، ولهم أن يستعينوا بما شاءوا من مصادر غربية وشرقية، المهم أن تتكيف في السياق العربي، ثم يجري تطويرها وتحسينها.. الغريب أن الإبداع العربي المعاصر تجاوز مرحلة التأثر والاندهاش بالمنجز الغربي، ولذلك لدينا منجز إبداعي عربي، نستطيع أن نفخر بخصوصيته وهويته في مجال الرواية والقصة وبدرجة أقل من الإبداع العربي المعاصر، والعودة إلى أصول النقد العربي القديم، مع الإفادة من المنجز الغربي، هذا الثالوث يمكن أن يسهم في بناء هذه النظرية المنشودة.

* ماذا تقول في توظيف التراث والشخصيات التاريخية في النصَّ الأدبي الحديث؟ وهل يمكن أن نقرأه كظاهرة في السياق نفسه، وكيف تقيّم التناص مع التراث في أدبنا المعاصر؟

- هذه ظاهرة مميزة، وخصوصاً في جانبها السردي، ففي الرواية الحديثة هناك نمط مميز منذ بدايات القرن العشرين يمكن تسميته بالتيار السردي التراثي والتاريخي، نتذكر مثلا حديث عيسى بن هشام لمحمد المويلحي، ومؤلفات أحمد فارس الشَّدياق، وجرجي زيدان، ثم تطور الأمر إلى صور من التجريب باتجاه التراث، كما في إنتاج جمال الغيطاني وواسيني الأعرج وصلاح الدين بوجاه ونبيل سليمان وهاشم غرايبة، وآخرين ممن استندوا إلى التراث والتاريخ كنوع من التجريب وليس التقليد.

هذا التيار أسهم في منح النص العربي كثيرا من الخصوصية، وأسهم في بناء رواية عربية مميزة أفادت من التقنيات العربية والأجنبية واقترحت أساليبها الجديدة أيضاً.

إذا ربطنا هذا التجلي الإبداعي بالنقد، فيصحّ أن نتساءل، لماذا لا يقدم النقد على خطوة مماثلة؟ لمَ لا يدمج خيوطاً شرقية وغربية ويقترح هو الآخر آفاق خصوصيته، ولماذا حين نتحدث عن الإبداع النّصي نجد الخصوصية، وحين نتذكر النقد نجد التغريب، والدفاع المستميت عنه بحجج غير منهجية أو علمية.

* أنت تنفي أن تكون الرواية إنتاجا غربيا، ومن خلال دراساتك تصل إلى أن أصل الرواية عربي، الآن كيف ترى حال الرواية العربية أمام الرواية الغربية، وهل توازيها في الإبداع؟

- سأتوقف عند القسم الأول من السؤال، وأوضّح ما أراه في هذا السياق. أنا أنظر للسرد كله بوصفه إنتاجاً مشتركاً مرتبطاً بمختلف الثقافات، فليس هناك ثقافة قديمة أو حديثة دون سرد، من يستطيع في الثقافة العربية إنكار الموروث السردي عند العرب، ابتداء من أساطير الأولين وحديث خرافة، ومروراً بابن المقفع والجاحظ والتوحيدي والمقامات والمنامات، ووصولاً إلى ألف ليلة وليلة، السرد ظل حياً متقدماً على مدى التاريخ العربي القديم.. وقد انتقل إلى أوروبا التي لم ينكر باحثوها أثر السرد العربي، دون أن يكون الأثر الوحيد، وهذا ما يجعلني أذهب أننا كعرب مشاركون في تأسيس السرد العالمي، وصولاً إلى فن الرواية والقصة القصيرة في العصر الحديث، طبعاً النصوص السردية القديمة ليست روايات ولا قصصاً قصيرة، لكنها تنتمي إلى أنواع وأجناس أخرى من مثل: الخبر، والحديث، والمقامة، والمنامة، والحكاية العجيبة والمثل وغير ذلك، الرواية نوع سردي والقصة أيضاً نوع آخر، ولذلك ينبغي تفهم هذه المسألة الدقيقة، أنا لا أذهب إلى أن العرب أصل الرواية، بل إلى أن السرد بفنونه القديمة معروف عند العرب، ولذلك عندما ظهرت الرواية والقصة في القرن العشرين، لم تظهر تحت تأثير الرواية الغربية وحدها، وإنما استندت إلى ذاكرة سردية عربية مميزة.

فكرة الأصل الأجنبي للرواية وللقصة واحدة من الإشاعات التي نشرها النقد ولكن النصوص تكذبها، المويلحي والشدياق وجرجي زيدان ورفاعة الطهطاوي من الرواد الأوائل، كتبوا بتأثير يجمع بين الأصل العربي والأثر الغربي، لكن النقد الذي كتب على يد العائدين من البعثات الأجنبية أشاع كثيراً من التعميمات والمغالطات التي لا بد من مراجعتها ونقدها.

أما المقارنة بين الرواية العربية والغربية فلا أظنها مقارنة سليمة بكل هذا التعميم، ولكننا نستطيع أن نقول إن لدينا نماذج روائية شديدة التميز، ولدينا روائيون وقصاصون لا تعوزهم الأدوات المتقدمة، ولا الإبداع المتميز، وبالمناسبة ما يترجم إلى اللغات الأخرى غالباً ليس من النتاج المتميز، أو شديد التميز، كثيراً ما تلعب شروط المترجم دوراً في التركيز على الروايات التي تفضح مجتمعها أو تشوهه أو تصوره وفق الصورة النمطية لدى القارئ الغربي.

* هذا ينقلنا للحديث عن الترجمة، أليست مسألة مهمة أن نطلع القارئ الأجنبي على إنتاجنا؟

- هذا صحيح، لكن المشكلة أننا لا تعيش في عالم موضوعي، ثم ليس هناك فصل بين السياق الأدبي والصراعات السياسية والفكرية، ونمطية العلاقة بين الشرق والغرب أو الشمال والجنوب.. حركة الترجمة خضعت لهذه الظروف بشكل عام، وتعامل المبدع العربي مع الترجمة بوصفها (إكسسواراً) مكملاً لسيرته ولسمعته، ولم ينتبه إلى وظيفتها الثقافية، في الغرب اليوم دوائر ومؤسسات متخصصة تختار ما يترجم وفق أسس تستند إلى المضمون أولاً والفنّ أخيراً، المضمون المطلوب غالباً ليس هو ما يمثل هاجساً مميزاً عندنا، ولذلك يجري التركيز على الروايات التي تصور العرب أو الشرق وفق صورته النمطية، أو الأعمال التي تركز على قضايا يهتم بها الغرب كقضية المرأة، وقضايا التعايش مع العدو الإسرائيلي، وكذلك الروايات التي تحرف الحقيقة بحجة التأويلات الوجودية والإنسانية، الروايات التي تعرض لتجارب وحياة الأقليات في العالم العربي، أي روايات العيب وقضايا الشرف والفضائح والتطبيع، أكثر من أي شيء آخر..

أنا لست متخصصاً في الترجمة، لكنني أضعها في السياق الثقافي، فأقدّر أهميتها، ولكنني لا أفاجأ عندما ألاحظ أن النسبة العظمى من الأعمال المختارة والرائجة في الترجمات هي أعمال متطامنة إبداعية وأن أسماء هامة لم تترجم أعمالها حتى اليوم..

الأطرف من ذلك، هناك كتّاب ومبدعون متفاوتون في المواهب، مستعدون للدفع من جيوبهم لمترجمين عاديين مقابل طبعات وهمية مقابل مجد الترجمة العظيم.. الترجمة بصورتها الصحيحة مشروع قومي لا بدّ أن يخضع للرقابة الثقافية بدواعٍ حضارية وقومية أستطيع أن أعمم بحذر أن ما ترجم إلى اللغات الأخرى في مجال الرواية خصوصا قد ساهم في تشويه الصورة العربية والشخصية العربية، بدلاً من أن يحسن تقديمنا للقارئ الغربي.. ويكون جسراً للتواصل بين الثقافات.

* لك دراسات في (القصة القصيرة في فلسطين والأردن) و (فلسطين في القصة القصيرة الأردنية) كيف ترى حال القصة القصيرة اليوم، وما رأيك فيمن يطالب بالتخلص من الخطاب السياسي، أو القومي في الكتابة الأدبية؟ بحيث صار يقال: يكفي كتابة عن قضية فلسطين.

- إذا وجد من يقول هذا الكلام، فإن هذا الخطاب هو خطاب سياسي مؤدلج بصورة عفنة، من حق أي أحد أن يكتب ما يشاء، عن (فلسطين) أو عن جريمة شرف، ولكن ليس من حقه أن يطلب محو قضية كبرى تتصل بأدق تفاصيلنا وتشكل أحوالنا الراهنة من الكتابة الأدبية، فلسطين قضية العالم كلّه، والعجز عن فهمها أو متابعتها معناه أنك خارج العصر حتى لو لم تكن فلسطينياً أو عربياً، فهي أحد المفاتيح الكبرى لفهم العالم المعاصر، وملاحظة أصناف الظلم والقهر والتزوير الذي يمارس على مستوى عالمي.

فلسطين هي الكتابة الناقصة التي لم تكتب بعد، هي الجرح العربي الذي يشكّل كنزاً قابلاً للسّرد، كذلك فلسطين ليست نقيضاً للحداثة ولا للتجريب.. لدينا مفاهيم وقناعات وشائعات كثيرة في حياتنا الأدبية، كما في هذه الفكرة العجيبة.

كل ما كتب عن فلسطين لا يرتفع الى مستوى خصوصية قضيتها وأهميتها وتأثيرها، فلسطين ليست مجرد مسألة سياسية عالقة، إنها فضيحتنا الجريحة.. وعويلنا الذي لا يكفّ عن الجريان.. ولذلك فإن من يطالبون بسحبها من سجلات الكتابة، لا يبتعدون عمن يعملون واقعياً على إبادة الشعب الفلسطيني ومحاولة محوه من الوجود، مع ذلك سيبقى الشعب الفلسطيني مقاوماً بشتى السبل، وستظل الكتابة عنها مستمرة حتى أبد الآبدين.

في دراساتي كثيرا ما أتحدث عن (فلسطين والأردن) في سياق واحد، متابعة لما فعله أساتذتنا ناصر الدين الأسد وهاشم ياغي وعبد الرحمن ياغي، وإيماناً حقيقياً بمتانة روابط النسيج الانساني والاجتماعي والثقافي، بعيداً عن تحولات السياسة ومتطلباتها، إنها صلة الدم والقربى، ووحدة الحياة والمصير.. في مستوى آخر، ومن منظور أدبي بحت، هذه منطقة أدبية واحدة، من ناحية المؤثرات والنشأة والإنجاز، فالحدود السياسية ليست هي ذاتها حدود الأدب، ولذلك ينبغي أن نحافظ دائماً على هذه الوحدة الأدبية والثقافية، ولا نضيع في التفاصيل.

في كتابي عن (فلسطين في القصة القصيرة الأردنية) 2002، لاحظت بعمق الحضور الطاغي لفلسطين موضوعاَ وفناً، القاص في الأردن تعامل مع فلسطين بوصفها قضيته العامة والشخصية في آن، بصرف النظر عن (المنابت والأصول) وهو أمر عزّز قناعاتي حول الصلات العميقة التي تجمع بين الأدب في فلسطين والأردن، وأنه أدب واحد، ليس فيه اختلافات إلا ما يقع في باب (التنوّع في الوحدة).

* أنت مهتم بالعلاقة بين الثقافة والمعلوماتية، وطالبت في أحد بحوثك بالتوسع في نشر اللغة العربية على شبكة الإنترنت، حفاظاً عليها من التلاشي، في مقابل ذلك، كيف يمكن للغة العربية أن تصمد في حقبة العولمة؟

- هذه أمور شديدة التداخل، أنا من المتحمسين للتقنية ولتعميق الصلة بين الثقافة والمعلوماتية، لأن هذا أحد المحاور الهامة في التنافس والصراع، تطوير الثقافة واللغة يقتضي منا تشجيع التفاعل مع المستجدات، وتكييفها بما يلائم الهوية ومحدداتها. كذلك التحوّل والتطور التّقني في مجال المعلوماتية أو تكنولوجيا المعلومات أدى وسيؤدي إلى تغييرات هائلة في النص وفي قضايا التواصل والنشر، وليس الأمر مجرد وسيلة جديدة أو إضافية للنشر، وإنما يتعلق الأمر بتغيير جوهري سيلحق آثاراً كبيرة بصورة متزايدة على مجمل الفعاليات الثقافية..

وحتى اليوم يوجد نوعان من الأمية: المثقف يعاني من أمية تقنية، والتقني يعاني من أمية ثقافية، ولذلك لم تتطور الدراسات بعد حول تأثيرات الحاسوب على مختلف جوانب الثقافة، الحاسوبي ينظر للأمر من زاوية تقنية بحتة ولا يحوّل الحاسوب على مفردة ثقافية، والمثقف ينظر لهذا الجهاز بريبة وتوجس، ولكن هذه الأمية ستقلّ تدريجياً، وقد تضاءلت بالفعل خلال السنوات الآخيرة مع تزايد الحاجة إلى شبكة الإنترنت بحيث غدت مطلباً أساسياً من مطالب التواصل والعمل.

الدعوة إلى نشر اللغة العربية على هذه الشبكة مسألة هامة، وهي صورة من صور (مقاومة العولمة بالعولمة). إذا انكفأنا على ذاتنا وعزلنا اللغة العربية عن مثل هذه التطورات ستغدو لغة (أرشيفية) لأنها تصبح خارج العالم.. وهذا ما لا ينتبه إليه مقاومو العولمة على الطريقة الشعاراتية، العولمة شرٌ، لكن لا بد من مواجهته حتى بأدواته نفسها، ولكن أعتقد أن هذا الموقف قد تضاءل، فليس من الغريب مثلاً أن الجماعات المتشددة، تمارس اليوم (الجهاد الإلكتروني) بصور شتىّ، فما الذي يمنعنا نحن المثقفين أن نجاهد على طريقتنا عبر تكثيف وجود اللغة العربية، بما يسمح لها بالتفاعل والتطور، مثل كل اللغات الحية في العالم.

كذلك أظن أن إفادتنا من إمكانات الحاسوب وشبكة الإنترنت ما تزال في الحدود الدنيا، لم تتجاوز بعد دهشة الاكتشاف في محاولة التعرّف، وكذلك هناك ملاحظات كثيرة على المواقع المعنية بالثقافة العربية والأعمال الأدبية وبالنشر الإلكتروني العربي على هذه الشبكة، ومع ذلك ينبغي أن نمنح فرصة لتجاوز البدايات، مع التفكير الجاد بكيفية توطين التكنولوجيا وتطويرها. وعدم الاكتفاء باستخدامها، أو بدور "المستخدم"، أو "المستهلك" .. وأظن أنّ الشباب العربي الصاعد اليوم قادر على إنجاز التحول من الاستهلاك إلى الإبداع.

* أخيرا صدر لك ديوان جديد "سحب خرساء" بعد زمن طويل من صدور عملك الأول "مطعونا بالغياب" كيف ترى مسير تجربتك بين العملين وإلى أين تمضي مع الشعر؟

- بعد اثني عشر عاما من صدور مطعونا بالغياب يأتي عملي الثاني الذي كتبته على مدار سنوات مضت، لا أعرف بالضبط ما الجديد فيه وكيف سيستقبله القارئ إن ظل هناك من يقرأ الشعر. في الديوان شعر ونثر وسر انفتاح مطلق على التجريب انطلاقا من قناعات شعرية بان النص الإبداعي دائما خارج المقاييس المستقرة والناجزة.حاولت أن أمضي نحو موسيقى جديدة وإيقاع مختلف وكنت أختلف مع جدي الخليل بن أحمد حول تقنيناته الإيقاعية وأطالب بموسيقى خارج الموسيقى. لقد تركت للفتى القروي كل حريته أن يكتب كيفما شاء ويواجه صورا من اضطهاد الذات الإنسانية في العالم الراهن. كتبت بلغة الذات ولم أتقن تمثيل الجماعة ولا أعد نفسي شاعرا جماهيريا أو تعبويا بأي معنى أنا شاعر تجربة وذات مجروحة تبكي دوما خيباتها . أكتب في أفق قد يكون رومانسيا بعض الشيء لكن الشعر دوما ينطلق من منطقة القلب وقد يستثير أثناء ذلك أسئلة المصير والحيرة القلقة.

عملي الأول استقبل استقبالا حسنا أول التسعينات ووضع اسمي ضمن جيل جميل سميناه في أدبياتنا جيل التسعينات وهو الجيل الذي أسهم في حيوية القصيدة وفي أن تكمل مسيرتها. لست أعرف موقع كتابتي ضمن هذا الجيل لكنها لا تخرج عن الآفاق القلقة التي كتبنا فيها جميعا: علي العامري وزياد العناني وغازي الذيبة وجهاد هديب وباسل رفايعة وأحمد كناني ورانة نزال وجميلة العجوري وحسين جلعاد وكل الأسماء الرائعة للأصدقاء الذين ما يزالوا يواصلون الغناء وتشجير الغيم برنين موسيقاهم.

"سحب خرساء" عمل يرضيني شخصيا إلى حد بعيد وهو يمثل قلقي الدائم بحثا عن قصيدة جديدة تقع في منطقة الطموح دوما لأن أفضل القصائد هي ما لم نكتبه بعد وفق ناظم حكمت، إنه محاولة جديدة كي أصيب قلب العالم وأعرف أنني سأكتشف أنني لم أصب سوى الوهم ولم أطلق غير نار الكلمات ولذلك سأسدد من جديد وأكتب دوما ما أحسب انه سيمضي بعيدا ليصلح الغيم ويرتق عيوب العالم الممزق.

قد تكون رؤيتي رثائية إلى حد بعيد ولكنني أفكر في الألم كم يطهرنا ويغسلنا ويجدد فانوس أرواحنا المعتم.

نموذج من آخر إصداراته الشعرية ديوان "سحب خرساء"

قصيدة بعنوان "تعبتُ من الطّيران"

دائماً في اغترابي النبيلِ

السّماءُ البعيدةُ أفقي

البحارُ ترانيمُ روحي

أنا النورسُ المستباحُ

الرياحُ

تهبُّ

أطيرُ

بلا وطنٍ أو رفيقٍ

وأحلمُ ... أحلمُ

لكنّ دفتر عمري يذكّرني

بغيومٍ

تشهّيتُ لو أنها عانقتني

ومضت للبعيد البعيد

إلى آخر الأرض وحدي أطيرُ

وأعلو

كأني تعبتُ

كانّ جناحيَّ قد هرما

هل أكتفي

وأقول لروحي

كفى غربى وحنيناً

تعبتُ من الحلمِ

ما أبعدَ الحلمَ عنَي

ما أبعدَ البيتَ

بيتي المضاءُ بما شاء قلبي من الوهمِ

لا بيت لي

فالنوارسُ دوماً بدون بيوتِ

تهيّئ للكائناتِ مشاهدَ بيضاءَ

ثم تموت

يا إلهي

الصباحُ بعيدٌ

فكيفَ إيابي

إلى موطنٍ يترفّقُ بي

إلى شاطئ لا يخون

السّماء البعيدة تنأى

الرياحُ تلاحقني

وكأن الرحيل كتابي

كأن الرحيل تميمةُ أمّي لروحي

أذكرُ ما كانَ

أخشى الذي سيكونُ

وأغبطُ كلّ الطيورِ عدايَ

تعودُ إلى بيتها

أنا لا أعود

تعانقُ أبناءها كلّ يومٍ

أنا لا أعانق غير شبابيكَ مطفأةِ

أو تصاويرَ للراحلين

بماذا حلمتُ

لكي يهربَ الحلمُ منّي

أردتُ فضاءً مضاءً

أردتُ مصاحفَ طاهرةً

لا تمسّ طهارتها

غير روحي
----------------
المصدر : موقع جريدة الغد :
http://www.alghad.jo/?news=48313

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: