روافد علم الأصوات

وجاء بعد ذلك علماء العرب المسلمون ، فخطوا خطوات واسعة في مجال الدراسات الصوتية ، وشهد لهم بذلك بعض الدراسين الغربيين حتى قال بعضهم من أمثال برغشتراسر ( مستشرق ألماني ) في كتابه التطور النحوي للغة العربية : ( لم يسبق الأورببيين في هذا العلم إلا قومان العرب والهنود ) ، وقول العالم الانجليزي فيرث : ( إن علم الأصوات قد نما وشب في خدمة لغتين مقدستين هما السنسكريتية والعربية ) ، ومع أن علم الأصوات لم يعرف بهذا الاسم عند العرب إلا في مرحلة متأخرة ، فإنه لم يغب عن مصنفات علماء اللغة العرب من أمثال ابن جني وسيبويه فيكاد لا يخلو مصنف من هذه مصنفات إلا وكان لعلم الأصوات نصيبا من الدراسة ، فكان هذا العلم ممزوجا في الدراسات النحوية والصرفية والبلاغية .

ويمكن أن نصنف العلوم أو الروافد التي ساعدت في تطور علم الأصوات في النقاط التالية :

أولا : العلوم العربية : النحوية والصرفية والبلاغية والعروضية

لقد كان لمعجم العين الذي ألفه الخليل بن أحمد الفراهيدي الفضل في تأسيس علم الأصوات لأن هذا الكتاب بني على أساس صوتي ، لذلك يعد الفراهيدي أول من قدم دراسة صوتية منظمة في تاريخ الفكر اللغوي عند العرب ، ولا عجب في ذلك لأن الخليل هو صاحب علم العروض وله باع طويل بالموسيقى ، فهو يعد أول من ذاق الحروف ليتعرف على مخارجها .

وبعد ذلك جاء كتاب سيبويه حتى يستكمل ما بناه الفراهيدي ، فقد أضاف على الدراسات الصوتية الكثير من الدقة والأهمية فكان منها ما يتعلق باللهجات والمقايسة بينها والاستدلال لها ، ومنها ما يعرض للقراءات حتى أنه استأثر في كتابه باب الإدغام والذي استهله سيبويه بذكر عدد الحروف العربية ، ومخارجها ، ومموسها ، ومجهورها ، وأصولها ، وفروعها ، وما إلى ذلك فيما يتعلق بمكونات النظام الصوتي للغة العربية ليغدو أساسا ومرجعا في دراسة هذا العلم . ثم توالت الدراسات الصوتية بعد سيبويه لنجد أحد تلاميذته يؤلف كتابا بعنوان ( الأصوات ) لقطرب النحوي ، وكتاب ( الأصوات ) للأخفش وليعقوب بن السكيت ، وكتاب ( الصوت والبحة ) ليحيى بن ماسويه ، وعلى الرغم من هذه الدراسات إلا أن ابن جني هو أول من أفرد الدراسة الصوتية بمؤلف مستقل ، ونظر إليها على أنها علم مستقل بحد ذاته في كتابه ( سر صناعة الإعراب ) والذي بسط فيه الكلام على حروف العربية ومخارجها ، وصفاتها ، وأحوالها ، وما يعرض لها عن نغيير يؤدي إلى اعلال أو ابدال أو إدغام أو النقل أو الحذف ، وفرق بين الحرف والكلمة ، والحروف الفروع المستحسنة والمستقبحة ، ومزج الحروف وتنافرها إلى غير ذلك من فروع ، نستنتج من ذلك أن ابن جني كان رائدا بحق للدراسات الصوتية ، فلم يقتصر جهد ابن جني في مجال الدراسات الصوتية فقط في كتابه ( سر صناعة الإعراب ) وإنما تعدى بذلك إلى كتابه ( الخصائص ) والذي تضمن في طياته مادة صوتية غنية .

ثم توالت الدراسات الصوتية في كتب علماء اللغة من أمثال الجاحظ فقد تحدث اللثغة والصوت ونسج الكلمة العربية وتردد الحروف فيها ، كذالك الخفاجي في كتابه ( سر الفصاحة ) ، وما أن نصل إلى كتب المتأخرين من النحاة واللغويين من أمثال السكاكي فقد ورد في كتابه ( مفتاح العلوم ) بعض المحاولات عن دراسة أصوات اللغة ومن رسم بدائي لأعضاء النطق .

ثانيا : العلماء والفلاسفة والحكماء

يعد الفيلسوف العربي ( الكندي ) أول من برز في ميدان الدراسات الصوتية فقد كان له باع طويل ومتميز في علم الأصوات فقد ورد عنه رسالته في استخراج المعمى حيث تكلم على تردد حروف العربية ودورانها في الكلام معتمدا على إحصاء صنفه بنفسه ، وقسمها إلى صوائت وصوامت ، وذكر قانونا لغويا عاما يسري على كل اللغات وهو كون المصوتات أكثر الحروف ترددا ، ونبه على اشتمال المصوتة على المصوتات العظام ، وهي حروف المد ، والمصوتات الصغار ، وهي الحركات ، ثم بسط الكلام على نسيج الكلمة العربية باستفاضة ، إذ أورد ما يقرب من مئة قانون من قوانين ائتلاف الحروف واختلافها أو تنافرها .

وفي رسالة ثانية له والتي بعنوان ( رسالة اللثغة ) ذكر فيها كل ما يتعلق بأمراض النطق وعلاقتها بالحروف وتحدث عن أسباب اللثغة وما يعرض للسان من التشنج أو الاسترخاء ووصف مخارج الحروف للعربية وهيئات النطق بها وصفا تشريحيا فيزيائيا على نحو يختلف عما عهدناه عند سيبويه ، ثم حدد حروف اللثغة ، وسمى أعراضها وأنواعها وختم الكلام بعللها .

ثم يأتي بعد ذلك الفارابي فقد ورد في كتابه ( الموسيقى الكبير ) على الكثير من الدراسات الصوتية من ذلك كلامه على حدوث الصوت والنغم ، وربط بين المبدأ الطبيعي لحودث الصوت وكيفية حدوث الكلام ، وعنايته بدرجة الصوت وإشارته إلى وجوب استعمال الآلآت للقيام ببعض القياسات التي يصعب تحديدها بالسمع .

وجاء في ( رسالة الموسيقى ) لإخوان الصفا ، فقد اشتملت هذه الرسالة عدة فصول في كيفية ادراك القوة السامعة للأصوات ، فيه كلام على الأصوات ، وأنواعها ، ومصدرها ، وما هيتها ، ونغمتها .

وجاء ابن سينا فجمع هذا كله في رسالته ( أسباب حدوث الحروف ) والتي عالج فيها أصوات اللغة ، وقد جاء حديثه هذا بشكل متكامل فقد تحدث عن كنه أسرار الصوت وأسبابه وتحدث عن وصف مخارج الحروف وصفاتها وربط بين أصوات الطبيعة وأصوات الحروف ، ولا تخلو كتب ابن سينا إلا وقد تحدث فيها عن الأصوات من مثل كتاب ( القانون والشفاء ) .

ثالثا : علم التجويد والقراءات القرآنية

لقد وجد في مصنفات علماء القراءة والتجويد الكثير من الاسهامات في مجال علم الأصوات والتي ساعدت على تطور هذا العلم ، وذلك من أجل الدقة في تأدية كلمات القرآن الكريم قراءة وتدوينا إلى حد جعل بعض الباحثين يذهبون إلى أن هذه العلوم قد انفردت بالدرس الصوتي وأغنته ، وذلك لأن علم الأصوات قد استفاد من علم النحو عامة ومن كتب سيبويه خاصة يقول برغشتراسر : ( كان علم الأصوات في بدايته جزءا من النحو ، ثم استفاد أهل الأداء والمقرئون ، وزادوا في تفصيلاته كثيرة مأخوذة من القرآن الكريم ) ، ويعد هذا علم التجويد الجانب التطبيقي والوظيفي لكل ما سبق ذكره من دراسات صوتية .

المصادر والمراجع :

- هلال ، عبد الغفار حامد : ( 1996م ) ، أصوات اللغة العربية ، الطبعة الثالثة ، ( القاهرة ، مكتبة وهبة ) .

- بشر ، كمال محمد : ( 1987 م ) ، الأصوات العربية ، ( القاهرة ، مكتبة الشباب ) .

 

Apparel

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: