عبد الله باقازي .. والزمردة الخضراء - د. حسين علي محمد

أصدر القاص الدكتور عبد الله باقازي ثلاث مجموعات قصصية، هي: "الموت والابتسام" (1984م)، و"القمر والتشريح" (1986م)، و"الخوف والنهر" (1989م)، وقد كان في مجموعاته السابقة يقترب مما يمكن أن نسميه "الواقعية الشاعرية"، فمع ميله إلى تناول شخوص بيئته، ومشاكل اجتماعية محددة إلا أنه كان يُحاول أن يُقدِّم ذلك من خلال رؤية شاعرية، ترتفع بالواقع إلى درجة الترميز لتمنحه قدرة على التأثير العام، الذي يتجاوز إطار البيئة والناس والهموم.

وقد أصدر مؤخراً مجموعته الرابعة بعنوان "الزمردة الخضراء" (1993م) التي نرى أنها تُشير إلى بدء مرحلة جديدة في فنه القصصي؛ مرحلة تشي بأن باقازي يُعالج فيها هما إنسانيا عاما، هو الهم السياسي (من خلال واقعة عاصفة هي واقعة اجتياح العراق للكويت في الثاني من أغسطس عام 1990م). ونرى أن معالجته القصصية في هذه المرحلة لها طابعها الفكري التجديدي الذي يعتمد على الرمز.

لقد كان عبد الله باقازي في مجموعاته السابقة يُمارس التجريب المستمر، كان يُجرب لعله يهتدي إلى أسلوب جديد يكون بصمته الخاصة، وكان في هذا التجريب يُصيب أحياناً، ويتعثر أحياناً. لكننا نرى أنه في مجموعته الأخيرة "الزمردة الخضراء" قد وصل إلى مرحلة جديدة من التجريب الذي يتخذ من القصص الرمزي أداة لمناقشة مأساة غزو الكويت من قبل النظام العراقي.

***

*نستطيع أن نلمح في هذه المجموعة صورة الكويت الزاهرة قبل الغزو:

-فهي "الحقل الهادئ الساكن"، و"الزهرات اليانعة"، و"الثمار" (في قصة "قطيع العجول" ص7،9).

-وهي "الروضة المُعشبة" (في قصة "الضبع" ص11).

-وهي"الجوهرة الثمينة" (في قصة "الثعبان" ص15). وهي "الزمردة الخضراء" التي تُشع بالألق الأخضر، ويغمر إشعاعها الصافي ما حولها خضرةً ونماءً وعطاءً أخضر زاهي الألوان" (في قصة "الزمردة الحضراء" ص43).

-وهي "اللوحة المضيئة الهادئة" (في قصة "العابث باللوحة" ص20)

-وهي "الحديقة الغنّاء الجميلة، التي تنعم بهبوب النسيم العذب، فتتمايل غصون الأشجار، وينطلق عبق الورد والرياحين وعطر المكان ينشر ظلال وداعة وسلام في المكان" (في قصة "سرب الجراد"، ص23).

-وهي "الألماسة القيِّمة" (في قصة "الأفعى التي تركت الألماسة" ص27).

-وهي "البيت الفاخر" (في قصة "اللص الغبي" ص31).

-وهي "الأضواء المنيرة" (في قصة "الكابوس الأسود" ص35).

*وفي مقابل ذلك نلمح العدوان متمثلاً في "قطيع العجول"، و"الضبع"، و"الثعبان"، و"العابث باللوحة"، و"الجراد"، و"الأفعى"، و"اللص" … إلخ.

وينجح القاص كثيراً في رسم صورة موضحة لأثر العدوان العراقي على الكويت، كيف اعتدى على الناس، والحرمات، والدماء فصار كابوساً أسود، يزرع اليأس في القلوب، والضيق في الصدور. يقول في قصة "الكابوس الأسود":

"يُخيِّم شعور عام بالاختناق على المكان، تختفي الأضواء المنيرة، يتلاشى هبوب الهواء المُنعش الطري، ينتشر الاختناق بصورة أكبر وأوسع في المكان، تضيق الأنفاس شيئا فشيئا، تختلط الرؤى والمرئيات، تهتز الصور، ترتعش النظرات الحيرى، تموج المشاعر بالاضطراب وعدم الاتزان." (ص35)

ويقول في قصة "قطيع العجول":

"غزو قطيع العجول الهمجي نفض الصمت عن طيور الحقل الهادئ الساكن، وعن أشجاره وزهوره وأعشابه البرية الندية بشذى المسالمة، ونمت مكان ذلك الصمت أشباح خوف بشعة الملامح والهيئة".

"عاث قطيع العجول البري الهمجي في أرجاء الحقل، وداس الزهرات الصغيرة، فقتل الشذى البرئ، بعثر الثمار اليانعة، فتناثرت أشلاء تحت الأقدام، وتهاوت شجرات مخضرّة، وطارت طيور وديعة بعيداً وهي تفتقد ملكتها على التغريد" (ص7).

*ونتوقف أمام مشهد المقاومة في قصة "قطيع العجول"، فنحن نرى مثله في القصص الأخرى التي تضمها المجموعة، وهذا المشهد كاف في الإشارة إلى لحظات التحول والحسم في القصة القصيرة المقاوِمة، يقول:

"بُذِلت وسائل عديدة لحمل العجول البرية الهمجية على ترك الحقل، لكن كل الجهود ذهبت أدراج الرياح. أخيراً قرّر الجميع إطلاق النار من فوّهات الرشاشات والبنادق على ذلك القطيع المتوحِّش ذي الأظلاف التي تحمل آثار التخلف".

"انهمرت طلقات الرشاشات والبنادق على قطيع العجول البري الهمجي، فأصابت بعضها، أما العدد الأكبر منها فقد أصابها الذعر، فولّت هاربة متجهة إلى فتحات في شمال الحقل الهادئ الساكن، حيث عَبَرَتْ منها خارجة، بعضها لاذ مختبئاً ببعض الأشجار طمعاً في إثارة رُعب أكثر، لكن طلقات النار طالتها فولّت هاربة".

"أثناء هروب قطيع العجول الهمجي، تعمّدت أن تطأ الزهرات اليانعة، وأن تُبعثر الثمار هنا وهناك، وأن تدوسها إمعاناً في إتلافها".

"تهاوت أشجار عديدة، تكسّرت أغصان كثيرة، تلوثت مياه، تبعثرت معالم هدوء وسكينة، لكن العجول البرية تركت الحقل في نهاية الأمر" (ص8،9).

***

تساءلت وأنا أطوي الصفحة الأخيرة من المجموعة القصصية "الزمردة الخضراء": هل ستكون هذه المجموعة علامة فارقة في تطور عبد الله باقازي وإيذاناً بتطور ما في فنه القصصي، كما كانت "لغة الآي آي" (1966م) ليوسف إدريس إيذاناً بدخوله عالم الرمز والرمزية، وإدارة الظهر للواقعية التي رأى في ذلك الوقت انها لم تعد الإطار الملائم لفنه القصصي؟

هذا ما سنعرفه من المجموعات القصصية التالية لعبد الله باقازي .

New Arrivals

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: