الواقع اللغويّ بين المنطوق العربيّ والمعروض الأجنبيّ- د. معمر منير العاني

قبل البَدء:

الحمد لله الذي أنزل القرآن معجزاً بمبناه ومعناه، والصلاة والسلام على من خصه بهذا الكتاب واصطفاه، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.

أما بعد .. المستهل

إن من صنوف العوارف المتصلة بالفحص اللغوي ما استقر عند الدارسين من اقتران العربية بالحياة ، إذ اتخذت بعداً كونياً اقتصادياً وذلك أن انتشار الإسلام على يد التجار في اصقاع البلدان قد هيأ لها الامتداد في كنف اللغات ، وهو امتداد يغبطها عليه الخليل أو يغتاظ له سابير حين قرر أنها تغلغلت في معاجم اللغات الأخرى ، وهي مزية لم تكن أتيحت للإنكليزية حتى في زمان امتداد الدولة البريطانية .

جدوى الاختيار:

ليس بضائر أن نحتفي بتحقيق موائمة بين اللفظ العربي والمنتوج الغربي ؛ لأن ما يشغل العالم كله الآن هو في المقام الأول مشاكل الاقتصاد ، ولا ينأى عن الخاطر أنه ليس ثمة مجتمع يريد أن ينهض من غير أن يحسن اقتصاده واللغة بوصفها ظاهرة اجتماعية تتأثر باقتصاديات المجتمعات المتحدثة بها .

ومما يلحقه الرجاء، ويناله التأميل في البحث اللغوي أن تكون العربية من عوامل تحسين الاقتصاد بالإفصاح عما يسمى " التصدير اللغوي" للبرامج والتقنيات التي تعالج منظومتها ، آخذين بالحسبان أن توجيه رأس المال نحو الاستثمار في مشاريع معالجة اللغة العربية له عائد كبير على المستثمر واللغة في سياق واحد.

صَدْع الحَيرة:

إن مما يؤسف له أن ما ينتجه الغرب قد أصبح جل مشربنا ومطعمنا وملبسنا ، وأضحى مركبنا في البر والبحر والجو ، واستغرق الضروري الحيوي والكمالي الجمالي ، مما نمتع به أبصارنا ، ونشنف به أسماعنا ، ومن فيضه حليب الأطفال وألعابهم ، وعالم الشبان بشعارته على صدورهم وموسيقاه ورموزه التجارية من أعالي رؤوسهم إلى أخامص أقدامهم .

وهو ضرب من الاستشعار أدركنا بطائلته اتساق المقصد بالمنظومة اللغوية ، حتى غدا المعجم العربي اليومي شبه أعجمي ، وقد تجاوز آمر السوق أمر المفردات والأسماء إلى توظيف التراكيب ، ولكن بالعامية ، ودخل حرم الجامعات فغلب المعروضُ الاقتصادي الموروث الثقافي والتربوي.

العربية في موقف سيميائي:

إن نحن أدمنا النظر في الرجع التأريخي ، ولازمنا التوثيق الزمني وجدنا تجاذب اللغة والسوق منذ العهود الإسلامية الأولى ، ولعل إطلاق النحوي زفرته اليائسة أقرب زلفة مما نحن بسبيله ، إذ رأى حمول التجار مكتوباً عليها من أبو فلان إلى أبو فلان ، فما لبث أن قال: سبحان الله يلحنون ويربحون ونحن لا نلحن ولا نربح .

وإذا آمنا بوجاهة صرخة النحوي الفائتة أمكننا ألاّ نبيت اعتقاداً ولو بقليل من التجوز والاحتراس أن تكون أعني الصرخة نسقا سيميائيا يشي بواقع الحال ، حال الأمة العربية هه الأيام بإزاء الآخر المشخص بسلطة العولمة بله الأمركة ، ومن غير تردد عن كشف المبثوث يقوم التصنيف الجاري على التقابل بين قسمين ( العربية – الأجنبية ، زيد ــــــــ جورج ، أبو حارث ــــــــ جيم رابين ، الجلباب ـــــ البدي) .

فطنة الآخر ..آفة التحيز:

يسعفنا هذا المضرب من الأمثال أن نقرب بالدقة مرآة الآخر ، ولئن ردُدنا إلى هدي منها لنَجدنَّ خير مرام قول المستشار الألماني الأسبق " ويلي براندت" : إذا أردتُ أن أبيعك بضاعتي يجب أن أتحدث لغتك وإذا أردتَ أن تبيعني بضاعتك فعليك أن تتحدث الأمانية ..

ومما استرفدناه من هذه المقولة أنها تمثل منطلقا مناسبا لمحاورة العلاقة العلاقة المركبة بين العربية والمعروض الاقتصادي ، إنها تقع في صعيد واحد هو السوق مَجلى التداول الاقتصادي المباشر حيث العرض والطلب والمنتج والمستهلك وآلية التواصل باللغة العربية الفصيحة .

ومما يتحرى فيه المشتغل بهذا التبيان أحداث القرن التاسع عشر حين نشبت في الولايات المتحدة الأمريكية حرب لغوية أطلق عليها حرب المعاجم ، وفها استعرت هذه المنافسة التجارية في مجال اللغة ، وأسفرت في النهاية عن تأكيد استقلال أمريكا والحفاظ على هويتها من الأثر البريطاني.

العربية .. بقاء الأصلح:

حسبنا في التخفيف من إحكام الغموض بأن لكل نبأ مستقر ، فالعربية وإن استفحل الإعراض عن التخصص فيها حتى ليبدو موقف مستبطن غير معلن ينتقص العربية ومعلميها، لكن أبت إلا أن تكون حاضرة بموضوع الجدوى الاقتصادية ، والفرص الموعودة ، فزاد الاقبال عليها وشحذت الهمم لإتقانها قراءة وأداء لدى المذيعين ومعدي برامج الأطفال وممثلي المسلسلات التاريخية بل الدراما العاطفية المدبلجة لما تمنحهم إياه العربية الفصيحة من مزايا النجومية والفرص المادية .

إن هذه الأفضلية تثوي وراءها عوامل عدة جاءت في ركب التنافس الاقتصادي واللغوي ، وإذا اعتصمنا بالسالف من التوجيه أمكننا أن نصدح بتقرير أمثلة لأحوال الاستعمال مستدمين شرعيتها من العكوف على ضروب العبير المكونة لمعارف منتظمة بين الناس ، ويحضرنا الآتي :

الواقع الراهن:

فإن العربية ثمثل مطية لاقتصاد الاستهلاك بامتياز ، إنها تترجم بفصاحة عالية منطوقة ، وكفاية مهنية تسويقية عالية غير مسبوقة عن كا ما انتجه الآخر من المطعم والمشرب والملبس والمركب ، وأجهزة التصفيف والتنظيف والتنحيف أو الحمية على الفصيح ، بل أنها تترجم مكتوبة كل ما يلزمنا استهلاكه من أجهزة وأغذية وأدوية ، وكأنما تسبق بدافع الجدوى والوصول إلى المستهلك دوائر تعريب العلوم كالطب والطيدلة ومثل ذلك هذه البيانات المتعلقة بتركيب الدواء ووجوه استعماله وغيرها.

الواقع المتجدد:

أن مأمول الفائدة منه يتجلى بأثر الاقتصاد في العربية إلى جنت ترويجه لاستعمال العامية مكتوبة ويتمثل في بعده غير المستحب على مسلكين : أحدهما المعجم فيخل بنقاء العربية وذلك ما يأتي في ركابه من فيض الأسماء والرموز والعلاقات التجارية التي احتلت البيت العربي والشارع العربي وذوق الشباب العربي . ولآخر النظم وأبرز أمثلته انقلاب تركيب الإضافة في العربية إذ أصبح سوق المنصور ( المنصور مول) ومدينة الهاتف المحمول ( موبايل ستي) ومقهى المدينة ( المدينة كافيه) .

الواقع المرتجى:

ومن نتاج التخير والتفكر ما نراه قريباً في اتجاه دولة ماليزيا نحو البنوك الإسلامية في العقد الأخير ، فألفينا مصطلحات عربية فقهية في ناديهم منها : بيع العِينة ، وبيع بثمن آجل ، والرهن ، والوديعة ، وغيرها .

وهذا الاحتفاء بالملفوظ العربي تصرح به مؤلفاتهم الموضوعة لتعليم اللغة العربية في ضوء طموح ماليزيا لأن تكون في عداد الدول المتقدمة سنة 2020 ، واتسق ما أملّه حكماؤهم مع إثارة الكامن من الاعتناء بالعربية وما يتيح لهم من مغانم في الدول المتحدثة بها ، وبذا تغدو الحاجة إلى العربية مطلبا ملحا لتحقيق تلكم المآرب .

آفاق الأماني:

لا ينفك المحصول اللغوي عن التقدم الاقتصادي ، والتدابير السديدة القادمة تمارس دورها مفصحة عن صدق المسألة :

- معرفة اللغة هي تكلفة ضرورية ، ولها عائد في عملية التبادل التجاري مثلها مثل تكلفة النقل أو الشحن مثلا.

- إن الجهة التي تستثمر في تعلم اللغة الثانية الأجنبية لتستورد لا لتصدر لهي الخاسرة في هذا التدبير.

- إن الدولة التي تنجح في إقناع الدول الأخرى بتعلم لغتها لكي تصدر لهم لهي الرابحة ربحا مضاعفا إذ تربح كلفة الاستثمار في تعلم لفتها من لدن الآخرين وتربح كلفة الترجمة في عمليات التصدير.

الحصيلة:

سأجازف هنا بحافز لغوي منطلقا من أن اللغوي لا ينفك عن الاقتصادي باقتراح قد يبدو غير مقنع بآية انفراط العقد العربي بصورة تدعو إلى الأسى ... فهل لدينا في العالم العربي بكل تناقضاته وتعقيداته اقتصادي عربي رشيد لا ينظر إلى المعروض الأجنبي نظر المغشي عليه من الإعجاب ، فيحاوره وعي سديد يمضي به إلى تطوير مشروع انتاجي عربي لنسج القطن على سبيل المثال بأيد عربية يصنع منه ملبسا مطرزا بالأمثال والأحكام والطرائف العربية ، ومزينا بالخطوط التي تجمل هذا الحلم الرغائبي ، ليحرر المستهلك العربي من الاستلاب الغربي ، ويحقق لونا من ألوان التنمية الذاتية الاقتصادية مكملا ائتلاف اللغوي والثقافي والاقتصادي ومبتعدا عن ليل كليل النابغة الذي قال فيه : فإنك كالليل الذي هو مُدرِكي وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

في المختتم .. عسى أن يكون ما أنبأنا عنه قد أتى بالبحث عن الأخبار .. والتنقيب عن الأسباب .. ثم ظفرنا باستعلام الشؤون .. وتحري الأمور ... لينال المتكلم والمستمع بها الأجور ... ولعله تذكار نافع موصول

تَذَكَّرتُ والذِّكرى تَهِيجُ لِذي الهَوى
وَمِن حاجَةِ المَحزونِ أَن يَتَذَكَّرا

والحمد لله من قبل ومن بعد ..

الأستاذ المساعد الدكتور معمر منير العاني

التصنيف الفرعي: 
شارك: