نظرية التقدير عند النحاة العرب والمسلمين وأثرها في نحاة الغرب المعاصرين تشومسكي مجدد النحو العربي

المقدمة:

          يعد علم النحو من أقدم العلوم وأجلها عند العلماء العرب المسلمين. ولقد ارتبط ارتباطاً واضحاً ووثيقاً بالعلوم الأخرى التي تدور حول القرآن الكريم، والعناية به وبتفسيره، والكشف عن أسراره، كالفقه والتفسير على نحو خاص. وعلى هذا الأساس؛ فالنحو العربي علم مستقل ومتميز عند علمائنا. فهم لم يتأثروا بالشرق ولا بالغرب في وضعه وسن مبادئه. فكان علماً عربياً خالصاً قرآنياً في توجهه ومقصده وفقهياً في منهجه وأدواته وأسلوبه. وقد حاول بعض النحاة الغربيين ترجيع أصول النحو العربي إلى الفكر اليوناني كما فعل فرستيغ. ك. (Versteegh. K) [1]؛ ولكنه سرعان ما تراجع عن مقولته، معترفًا بأن النحو العربي لا أثر فيه لليونان ولا لغيرهم، بل هو علم عربي نشأ عن القرآن وحوله، قائماً على منهج الفقهاء والمفسرين في كتاباتهم!

ومما لا ريب فيه، أن للنحو العربي أثره في نحاة اللغات الإسلامية كالتركية [2]والفارسية [3] والملايوية [4؛ 48، ص iv-ix ]. وإن كثيرًا من مصطلحاتهم مأخوذة من كتب النحاة العرب الأوائل. وهناك لغات أخرى كتبت قواعدها وفق قواعد النحو العربي ومبادئه، كاللغة العبرية وبعض اللغات الأوربية في العصور الذهبية للحضارة الإسلامية وبخاصة في الأندلس [5].

ومع هذا، لا يجد الدارس المعاصر لتاريخ علم اللغة عند الغربيين اعترافاً بتأثرهم بالنحو العربي، ومساهمات علمائه في تطوير هذا العلم من جهة، وفي نحاة الغرب من جهة أخرى. وهم في هذا طوائف: فمنهم الأمي الذي لا يعرف شيئاً، ولا يقول شيئاً عن علوم اللغة العربية [6، ص 360]. ومنهم المتعصب الحاقد؛ الذي ينكر أي فضل للعرب والمسلمين فيه. فاللغوي بيدرسون (Pederson) يقول: إن علم اللغة علم نصراني، ولا فضل للإسلام فيه بشيء؛ كما استشهد به باكلا، محمد حسن (.Bakalla. M. H) [7] في كتابه عن ابن جني. ومنهم طائفة أخرى على الحياد لا تتنكر لهذا التراث العربي العريق، ولكنهم لا يرون له أثراً عندهم. فهذا مثلاً المؤرخ اللغوي ليونز. ج (Lyons. J) [8، ص19] يشير إلى النحو العربي إشارة موجزة دون إبداء تأثير في النحو الأوربي أو اللغات الأخرى. وهكذا فعلت فرومكين. في. أَي (Fromkin. V. A.: 1973) [9] وكثيرون غيرها. إن هؤلاء العلماء لا ينكرون وجود التاريخ العريق للنحو العربي؛ ولكنهم لا يرون له أثراً في نحاتهم ولغاتهم. وسار خلفهم بعض المعاصرين العرب من أمثال المزيني [10] والمسدي [11]وكثيرون غيرهما. وفي هذا الصدد يقول المسدي نقلاً عن المزيني [10، ص1]: "إن الغرب قد أخمل التراث اللغوي عند العرب فلم ينقل منه شيئاً، وبذلك استلمت الأمم اللاتينية مشعل الحضارة الإنسانية من العرب في كل ميادين المعرفة تقريباً إلا في التفكير اللغوي".

          إن أثر هذا التجاهل خطير على الحقائق العلمية الخاصة بتطور علم اللغة. فالنحو العربي له مدارسه واتجاهاته المتعددة. وليس من المعقول ألا يكون للعلاقات الحضارية والثقافية بين العرب وأوربا – ولها تاريخ طويل هنا – أي أثر في نحاة الغرب فيما مضى؛ وإن كان لها أثر في أدبائها، وعلمائها، وأطبائها، وفلكييها، وغيرهم، ممن شهد التاريخ بتأثرهم بالعرب. ولقد كان الرياضيون، والفلكيون، والفيزيائيون، وغيرهم، من علماء العرب علماء لغة أيضاً كالفارابي وابن سينا. وليس من المعقول أن تترجم مؤلفاتهم في هذه العلوم وتترك اللغوية منها. ومن المؤكد أن جُلَّ المؤلفات اللغوية وغيرها ترجمت إلى اللغات الأوربية والعبرية [5، ص46-50؛ 12، ج1، ص152؛ 13، ص 73، 96-97]. ولقد كُتِبَ النحو العبري على هيئة النحو العربي باللغة العبرية في الأندلس ومن أمثلة هذا النوع كتاب: اللُّمَع لابن جناح النحوي اليهودي الأندلسي. الذي كان تلميذاً لابن رشد. وهذا الكتاب تقليد لكتاب اللُّمَع لابن جني، وهو من الكتب المفقودة الأصل؛ وقد كُتِبَ باللغة العبرية. وتوجد نسخة منه في المغرب العربي مكتوبة باللغة العربية ولكن بحروف عبرية؛ مثلاً: المفعول به؛ يكتب باللغة العربية ولكن بالخط العبري. ولقد نُقِلَ من اللغة العبرية إلى اللغة العربية في العصر الحديث [14]. أضف إلى ذلك؛ ما قاله: عالم اللغة الشهير روبينز  (Robins) [13، ص 75، 96]: "إن إسبانيا عَرَّفَت أوروبا الغربية على تراث اليونان، وذلك عن طريق الترجمة من اللغتين: العربية والعبرية، في أثناء الوجود العربي لإسبانيا". ويضيف أيضاً: "إن العربية والعبرية دُرِّسَتا واعتمدتا في العصور الوسطى في أوربا، وبخاصة في جامعة باريس في القرن الرابع عشر".

والسؤال المهم هنا:

لماذا يغفل الغربيون أثر الثقافة والفكر العربي فيهم؟ ولماذا يتعمدون ذلك ويصرون عليه؟

وعلى كل  حال؛ مهما تنكر الغربيون لهذا التراث ودوره في لغاتهم، يجب على الباحثين العرب والمسلمين إبراز هذا الدور الجليل لعلمائنا القدامى في هذا المقام. وهذا عمل كبير جداً، يحتاج إلى تضافر جهود كثير من العلماء الذين تهمهم رسالة أمتهم، وإظهار الحق وتبيانه. ومما يبشر بالخير بدء بذل الجهود المخلصة والأمينة في هذا المضمار، ونرجو لها الاستمرار والتعمق. ومن ذلك ما قام به أنور، محمد سامي (Anwar, M.S.) [15] في إظهار وإبراز إسهامات علمائنا القدامى في مجال تحليل الأخطاء اللغوية، وهو أحد فروع علم اللغة التطبيقي؛ هذا العلم الذي كان مؤرخو النحو الغربي ينسبونه إلى نحاتهم في أوائل القرن العشرين من أمثال فرومكين (Fromkin) [9]. ولقد تراجعت فرومكين (Fromkin) [16] عن مقالتها تلك. فالعالم المسلم  الكسائي [17] المتوفى سنة 189هـ؛ يعد أول من كتب في تحليل الأخطاء، وذلك قبل ثلاثة عشر قرناً تقريباً. وقد قام جاسم، جاسم علي وجاسم، زيدان علي (Jassem. J. A. and Jassem. Z. A.: 1996) [18، ص469-479] بدراسة مفصلة لبعض كتب نحاتنا القدماء في مجال تحليل الأخطاء عند الناطقين بالعربية لغةً أولى ولغةً أجنبية.

ومما يجدر بنا ذكره ههنا؛ أن جميع هذه الدراسات كانت معنية ببيان السبق التاريخي لنحاتنا في هذا المجال. والذي نريد أن نسأله الآن هو:

- هل كان لنحاتنا الأوائل أثر في كتابات النحاة الأوربيين بعدهم في هذا الميدان؛ كما يفعل الدارسون العرب في الجامعات الغربية اليوم، إذ يطبقون النظريات الغربية على اللغة العربية [19؛ 20؛ 21]؟ والجواب عن هذا التساؤل: يجب إبراز ذلك الأثر للوجود ليس ضرورة واجبة فحسب؛ بل خدمة جليلة للعلم والحقيقة أيضاً.

           ولذلك سنقوم في هذا البحث المتواضع بوضع لبنة في هذا الاتجاه لمن أراد أن يتم المسير فيه. ولم نعن هنا بمشكلة  السبق التاريخي فحسب كما فعل بعض العلماء [22؛ 18، ص 469-479؛ 15]، بل سنعنى أيضاً بتبيان أثر النحو العربي القديم في علم اللغة (الأوربي) المعاصر، وعلى نحو خاص؛ بأبرز نظريات هذا العلم في الغرب، وأكثرها انتشاراً وأتباعاً، وهي النظرية التوليدية التحويلية. ونظراً لضيق المكان، وطبيعة العرض العلمي في هذا البحث، فسنقتصر على قضية واحدة بعينها ألا وهي: التقدير. تلك القضية التي كان لها الأثر الكبير والدور البارز في نظرية تشومسكي، والتي شغلت الباحثين أكثر من عشرين عاماً.

          وسنقسم هذا البحث قسمين رئيسين، هما: التقدير عند النحاة العرب والمسلمين القدامى. وسنتطرق هنا إلى تعريف التقدير، وتعيين مواضعه، وذكر أهم ضروبه مع الأمثلة المبينة لها. كما سنذكر أبرز الأعلام الذين بحثوا فيه. أما في القسم الثاني فسنعرض للتقدير عند تشومسكي، وكيف تم له التأثر بالنحو العربي.

التقدير في النحو العربي:

معنى التقدير لغةً واصطلاحاً

          للتقدير معان عديدة، منها: قَدّرَ يُقَدِّرُ تقديراً فهو مقدَّر، أي حَسِبَ يحْسِبُ حِساباً. وتقدير الشيء أي القياس عليه [23، مادة: ق د ر ]. نحو قوله تعالى: ((وكل شيء عنده بمقدار))([1])، وقوله أيضاً: ((وخلق كل شيء فقدّره تقديراً))([2]).

          وللتقدير معان أخرى منها الاحترام، والعظمة، والهيبة، والجلالة، والبركة، نحو  قوله تعالى: ((إنا أنزلناه في ليلة القدر؛ وما أدراك ما ليلة القدر))([3]).

والتقدير في مصطلح النحاة شبيه بتلك المعاني، كلها أو بعضها. فهو مسألة فيها حساب وقياس وكشف أو استكشاف. وبعبارة أدق، فهو ينطوي علي التفسير والتأويل وإعادة الصياغة، من أجل الوصول إلى المعنى الحقيقي للكلام، بالغوص في باطنه بعيداً عن ظاهره. وعليه فالتقدير معناه: تفسير الظاهرة, أو الحالة, أو المسألة اللغوية, وتأويلها على حال تناسب المعنى وبشيء يدل عليها.

أثر التقدير في أوجه الإعراب في النحو العربي:

          النحو العربي قائم على الإعراب، فالإعراب هو الذي يوضح العلاقة بين الكلمات بخصوص مبانيها - أو صيغها النحوية (فعل، فاعل، إلخ)- ومعانيها، وهو بذلك يعتمد اعتماداً كبيراً على التقدير. وبمعنى آخر وظيفة الإعراب هي توضيح المعنى وبيانه بشكل صحيح.  ولا يحسن توضيح المعنى في كثير من الأحيان إلا بالتقدير بصوره المختلفة.

          وهناك وجهان أو مستويان للإعراب في النحو العربي، وهما: الإعراب الظاهر والإعراب المقدر. فأما الإعراب الظاهر: فيكون بظهور حركات الإعراب، وهي الضم، أو الفتح، أو الكسر، أو السكون، على أواخر الكلم، كما في هذه الأمثلة:

          كتبَ: فعل ماض مبني وعلامة بنائه الفتحة الظاهرة على آخره.

          يكتبُ: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.

          بالقلم: جار ومجرور بالكسرة الظاهرة على آخره.

           لم يكتبْ: فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه سكون آخره.

          وأما الإعراب المقدر: فيكون بعدم ظهور علامات الإعراب السابقة واختفائها لضرورات نحوية إعرابية، أو صوتية نطقية. ومن ذلك:

           الفتى: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر.

          العصا: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر.

يحكي: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل.

يسمو: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الواو منع من ظهورها الثقل.

ففي كل هذه الحالات، اختفت علامات الإعراب لصعوبة نطقها. لأنه لا يمكن أن ينطق المرء العربي بحرفي علة من نفس النوع معاً: أولهما قصير، وثانيهما طويل؛ كضم و واو نحو "يسمو"، وكسر وياء نحو "يقضي"، وفتح وألف نحو "عصا"؛ والعكس صحيح كواو وضم، وياء وكسر، إلخ. وهكذا كانت وظيفة الإعراب إمكان إظهارها بالتقدير.

وهذان المستويان من الإعراب الظاهر والمقدر لهما أثرهما الكبير في النحو الغربي المعاصر كما سنرى فيما بعد.

أنواع التقدير اللغوية:

هناك نوعان للتقدير، وهما: (1) الإضمار، و (2) التأويل أو إعادة الصياغة.

(1)    الإضمار:

ففي الكلام والكتابة قد يحدث - وهذا شيء كثير - أن لا ترد بعض الكلمات صراحة، ولكن السياق والمعنى يدل عليها دلالة واضحة. وهكذا فتقدير شيء محذوف أو مضمر أمر سهل في معظم الأحايين. وأمثلة ذلك كثيرة منها:

أ-   تقدير الجمل وأشباهها

يذكر ابن جني - المتوفى سنة 392هـ -  أن الجملة قد تحذف في اللغة العربية، وذلك في نحو قولهم في القسم: والله لا فعلت، وتالله لقد فعلت. وأصله أقسم بالله، فحذف الفعل والفاعل، وبقيت الحال – من الجار والجواب- دليلاً على الجملة المحذوفة [24، ج2، ص360 وما بعدها].

ب- تقدير الفعل

ذكر سيبويه [25، ج1، ص 352 وما بعدها] - المتوفى سنة 180هـ - أن الفعل يضمر في مواطن كثيرة؛ منها مايلي:

أ-  باب ما يُضمرُ فيه الفعلُ المستعملُ إظهارُه في غير الأمر والنهي

وذلك قولك، إذا رأيت رجلاً متوجهاً وِجْهَةَ الحاجّ، قاصداً في هيئة الحاجّ، فقلت: مَكَّةَ ورَبِّ الكعبة. يعني يريد مكةَ. كأنك قلت: يريد مكةَ والله.

ب-  باب ما يُضمرُ فيه الفعلُ المستعملُ إظهارُه بعد حرفٍ

وذلك قولك: "الناسُ مجزيون بأعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر" و "المرءُ مقتولٌ بما قَتَلَ به إن خِنْجَرَاً فَخِنْجَرٌ وإن سيفاً فسيفٌ". وإن شئت أظهرت الفعلَ فقلت: إن كان خِنْجرَاً فخِنْجَرٌ وإن كان شرَّاً فشرٌّ.

ج-  تقدير الاسم

ويشمل هذا كل ما له صلة بالاسم ويحل محله في الكلام كالضمير وغيره. وهو على أضرب منها:

أ- تقدير الفاعل أو الضمير المستتر المحذوف. نحو [ اكتب ، نم ] وفيهما اختفى الفاعل أو الضمير الذي تقديره [اكتب أنت، نم أنت ].

ب- تقدير المضاف، وذلك كثير واسع [24، ج1، ص 362 وما بعدها]، كقوله تعالى: "واسْألِ القرية([4])" أي أهلها.

ج- حذف اسم الشأن واستتار الضمائر [26]، مثال: علمت أنْ لا مفر من الموت. أنْ: المخففة من (أنّ) حرف مشبه بالفعل، واسم أن ضمير الشأن محذوف تقديره أنه.

د ـ   حذف علامات الإعراب

علامات الإعراب أربعة، وهي: الضمة للرفع، والفتحة للنصب، والكسرة للجر، والسكون للجزم والوقف. فهذه العلامات لا تظهر على الفعل المقصور والمنقوص (المنتهي بحرف علة)، كما في: حكى، يحكي، سما، يسمو. والسبب في اختفاء هذه الحركات هو صعوبة اللفظ كما سبق أن بينا أعلاه. مثلاً، حكى: الفتحة غير ظاهرة لصعوبة نطقها، ولكنها مقدرة مع ذلك. ولهذا نعربه: فعل ماض مبني على الفتحة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر. أي تعذر اللفظ وصعوبته، مهما حاولنا ذلك لن نجد له سبيلاً.

وممن ناقش ظاهرة الإضمار في النحو العربي سيبويه[25، ج1، ص 253 وما بعدها], وابن جني [24، ج1، ص 360 وما بعدها], والجرجاني، المتوفى سنة 471هـ[27], وابن هشام، المتوفى سنة 761هـ [28، ج2، ص311 وما بعدها], وغيرهم من النحويين العرب القدامى والمحدثين على السواء.

(2)  التأويل وإعادة الصياغة:

يحدث هذا في مسائل شتى؛ كما في إعراب الجمل المؤولة بمفرد، والإعراب على المحل، وما أعرب من جهتين، والتأويل فيما لا تظهر على آخره الحركات الإعرابية، والحمل على التوهم، والحمل على الموضع، والتأويل في تعلق شبه الجملة، والمضاف إلى ياء المتكلم، والتضمين، والزيادة، إلخ. ولمن أراد الزيادة فليعد إلى كتب النحو في هذا المجال.

ولنأخذ الجملة التالية مثلاً: أريد أن أكتب، تأويل [ أن أكتب] الكتابة، ومحلها من الإعراب  مفعول به، أي أريد الكتابة. وهذا باب واسع لا يحصى. وسنقتصر على مثالين فقط.

أ- قد يكون المقدر مصدراً مؤولاً [26]، مثلاً: همزة التسوية وما بعدها. المصدر المؤول من همزة التسوية وما بعدها في محل رفع مبتدأ مؤخر، نحو: "سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم". والتقدير: إنذارك أم عدمه سواء عليهم.

ب- قد يكون المقدر مفعولاً [26]، نحو: ظننت أنك شاهدت المعرض، أن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ظن؛ والتقدير: ظننت مشاهدتك المعرض.

-  حالات يجتمع فيها الإضمار (الحذف) والتأويل وإعادة الصياغة

ومنها المثال الآتي، وهو من نوع إضمار الأسماء  [26]؛ كما في قوله تعالى:

 )) آمنوا كما آمن الناس([5]))) كما: الكاف: حرف جر، ما: مصدرية غير زمانية، آمن: فعل ماض مبني علي الفتح، الناس: فاعل مرفوع، والمصدر المؤول من ما وما بعدها في محل جر بالكاف، والجار والمجرور في محل نصب نائب مفعول مطلق والتقدير: آمنوا إيماناً مثل إيمان الناس. فالمحذوف هو "إيماناً" والمؤول هو "إيمان".

نحاة التقدير: أعلامه وطلابه

          إن التقدير ذو وظيفة كبيرة جداً في النحو العربي كما سبق أن بينّا. ولذلك كل النحاة العرب والمسلمين سواء كانوا من المتقدمين من أمثال: الخليل بن أحمد الفراهيدي، المتوفى سنة 175هـ ، وسيبويه، والمبرَّد، المتوفى سنة 285هـ [29]،  والزمخشري، المتوفى سنة 538هـ [30]، والجرجاني[27]، وابن يعيش، المتوفى سنة 643هـ [31]، أو من المتأخرين أو المحدثين أمثال: الأنطاكي، وعيد [32]، وغيرهما, بحثوا في هذا الموضوع. فالمسألة ليس فيها خيار، بل ضرورة وواجب وإجبار. وهذا يعني أن دارس اللغة العربية ومتعلمها وعالمها سواء في هذا الباب: العالم يقدر ويشرح، والطالب يتعلم ويفهم ويقدر بدوره أيضاً. وكل طلبة المدارس والجامعات في بلاد العرب يعرفون هذا الأمر معرفة جيدة؛ بدءاً من منتصف المرحلة الابتدائية أي من سن الثامنة فما فوقها.

التقدير في النحو الغربي: نظرية النحو التوليدي والتحويلي

          ما هو النحو التوليدي؟

    وضع نظرية النحو التوليدي التحويلي  Theory of Transformational Generative Grammar   العالم الأمريكي: نوم تشومسكي [33؛34], في أوائل النصف الثاني من القرن العشرين. وكانت رداً على المدرسة السلوكية أو البنائية Structuralist or Behaviourist School, التي كان يتزعمها في الخمسينات زليخ هاريس (Zellig Harris)، وهي امتداد لنظرية بلوم فيلد (Bloomfield).

          علام تدل نظرية تشومسكي؟ وكيف تختلف عن المدرسة البنائية؟

          لهاتين المدرسيتن مبادئهما وأعلامهما المتميزون، ويخصنا منهما ههنا ما يرتبط بموضوع هذا البحث، وهو التقدير.

لتوضيح الفرق بين المدرستين، نأخذ هذا المثال:

John is easy to please.

John is eager to please.

هذان المثالان متشابهان تشابهاً كبيراً؛ من حيث الشكل والمبنى النحوي، ولكنهما مختلفان من حيث المعنى الذي لا يتضح إلا بالتقدير أو التأويل.

كيف يحلل البنائيون هذا المثال؟

يقولون: إن هاتين الجملتين لهما البناء النحوي ذاته (Same Sentence Structure) . تتألف الجملتان من خمس كلمات ولهما التركيب ذاته، وهو:

1-فاعل أو مبتدأ John .

2-فعل الكون (Is)  .

3-صفة أو تابع (مشتاق easy / eager سهل).

4-حرف النصب   to)أن).

5-فعل (please يُرضي يُسِر).

ويمكن ترتيب هذا التركيب هكذا:

"Subject فاعل  + Verb  فعل +Adjective صفة + Complement تابع  + to + حرف Verb   "فعل

وأطلقوا على هذا الترتيب مصطلح نوع الجملة، أو طِرْزها Sentence Pattern . لا فرق إذن بين الجملتين من حيث طِرْزهما أو نوعهما.

ماذا قال تشومسكي عن هذا التحليل؟ قال تشومسكي: هاتان الجملتان مختلفتان من حيث الشكل. وعليه؛ إن هذا التحليل من طرز الجمل غلط، لماذا؟

لأن ذاك التحليل مبني على ظاهر الجملة وسطحها الذي يتجلى في ترتيب كلماتها من الخارج أو في الظاهر.

لأن المعنى النحوي للجملتين مختلف في كل حالة. كيف؟

في الجملة الأولى:

John is easy to please

جون يسهل أن يرضى

جون سهل إرضاؤه.

جون ليست فاعلاً حقيقياً فيها، مع العلم أنها جاءت في موقع الفاعل والمبتدأ. وهذا يعني: أن جون ليس هو الذي يقوم بالإرضاء. والسبب في ذلك: أنه يمكننا أن نقدر أو نؤول هذا المعنى كما يلي:

It is easy for us to please John [34، ص 162، وقارن مع: ص 22-23]

من السهل علينا إرضاء جون،/ أو: إرضاء جون أمر يسير لدينا، إلخ.

          وهذا التأويل والتقدير جائز في النحو الإنكليزي من ناحيتين:

أولاً: لأن كلمة جون أتت وراء الفعل يرضي، الذي يتعدى إلى مفعول به.

ثانياً: لأن easy يمكن أن يكون فاعلها It؛ وبناء على هذا فقولنا It is  easy  (هو سهل) و It is easy to …  ( من السهل أن …)، كله جائز.

      وعلى هذا الأساس تكون وظيفة "جون" مفعولاً به. وبناء على هذا؛ يكون معنى الجملة: من السهل [ لأي امرئ] أن يرضي جون.

     وأما في الجملة الثانية: "جون" فاعل حقيقي: أي هو الذي يقوم بالإرضاء. وعليه لا يمكننا  تأويل:

John is eager to please  (جون متشوق ليُرضي (كم)، بقولنا: It is eager to please John* (من الشوق أن يرضي جون) كما فعلنا بالجملة السابقة. مثل هذا التأويل لا يصح في اللغة الإنجليزية. وعلى الرغم من أن جون جاءت في المكان نفسه بعد يرضي. والسبب هنا أن eager لا تقبل It فاعلاً لها. فقولنا: *It is eager غير جائز؛ ففاعلها يجب أن يكون اسماً عاقلاً، وإلا فلا. بينما كلمة  easy قد يكون فاعلها اسماً عاقلاً أو غير عاقل.

      ولذلك تختلف الجملتان في بنائهما النحوي، ولا يمكن عدهما ذواتي بنية نحوية واحدة، كما قال البنائيون.

     كيف توصل تشومسكي إلى مثل هذا التحليل؟

الإجابة: عن طريق التأويل وإعادة الصياغة أو التقدير. وبمعنى أدق، قال: لكل جملة تركيبان أو بناءان (Two Structures)، أحدهما: مبنى ظاهري أو سطحي Surface Structure؛ وهذا يتعلق بظاهر الكلمات وترتيبها، أو تصفيفها في الجملة، ولفظها أونطقها فقط. والثاني: مبنى عميق أو باطني    Deep or Underlying Structure ، وهذا يمثل المعنى الحقيقي أو الفعلي للجملة. فالمثالان السابقان لهما بنية سطحية واحدة:

(فاعل + فعل كون + صفة / تابع +حرف نصب + فعل).

ولكن بنيتهما الباطنية أو معناهما مختلفان، فمعنى "جون" في الجملة الأولى مفعولاً به، وفي الثانية فاعلاً. والمقصود بالمعنى هنا المعنى النحوي، وليس الدلالي أو المعجمي.

     كيف استطاع تشومسكي التفريق بين هذين المعنيين أو التركيبين؟

   الجواب: عن طريق التقدير أو التأويل. فهو تَمَكّن مثلاً من معرفة أن جون مفعول به بإعادة صياغتها أو بتأويلها بـِ:

It is easy for us to please John.

          ومن أنه فاعل بعدم إمكانية تأويلها. والتقدير هو ضرب من التأويل كما سبق أن بينا أعلاه.

          سنقتصر على هذا المثال الفريد من أعمال تشومسكي، وهو مثال ينطوي على التقدير بإعادة الصياغة والتأويل والتفسير. وهنالك أمثلة كثيرة تنطوي على الحذف، لاتهمنا هنا [34، ص ص 22-24 و 64-75 و 128-147]. لأن المراد ليس الحصر بل تبيان طريقة التحليل والكيفية التي توصل بها هذا العالم الشهير إليها، وهذا ما سنبحثه الآن.

المقارنة: تبيان أثر النحو العربي في تحليل تشومسكي

           والآن من أين أتى تشومسكي  بفكرة التقدير، أو ما يسمى بالمعنى العميق أو الباطني، أو المبنى الثنائي للتركيب اللغوي بشقيه الظاهري والباطني؟

          يقرر تشومسكي ذاته: أنه تأثر بالمدرسة النحوية الفرنسية (الباب  الملكي Port Royal)  في القرن السابع عشر؛ كما أشار إلى ذلك صراحةً في كتابه Cartesian  Linguistics[35، ص 31-59]، وبدسسير (De Saussure) [34، ص4]، و ولهلم فون همبولت (Wilhelm von Humboldt)[34، ص4]، وزليخ هاريس (Zellig Harris)؛أستاذه ومشرفه في الدراسات العليا [36]. ولايذكر النحاة العرب – وبخاصة الأندلسيين منهم – بشيء، وهم الذين ربما تأثرت مدرسة الباب الملكي بأفكارهم أيضاً. ولكن الشيء المعروف قطعاً أن علماء الغرب ونحاته السابقين لتشومسكي لم يذكروا التقدير، ولا المعنى الباطني في كتاباتهم. وهذا معروف في كتب اللغة وتاريخ علم اللغة عند الغربيين، انظر مثلاً؛ روبينز Robins)) [13] ولا ينكره أحد. ولذلك لما جاء تشومسكي بهذا النوع من التحليل أحدث ثورة حقيقية في العقل اللغوي الغربي. هذا شيء جديد عليه كل الجدة في فترة الخمسينات. وفي البداية تحمس لها كثير من النحاة الغربيين، وظلوا يكتبون عنها عشرين سنة، حتى ملوا منها في النهاية وتركوها.

والآن لدينا تساؤلان: هل صحيح أن تشومسكي أب لهذه الفكرة، ولم يسبقه إليها أحد؟

      والجواب عن هذا سهل جداً. هذه فكرة جديدة في النحو الغربي؛ ولكنها فكرة عتيقة وقديمة جداً في النحو العربي، عمرها أكثر من ثلاثة عشر قرناً. وبناءً على هذا، نقرر السبق التاريخي للنحاة العرب في هذا الميدان، حيث بنوا كل نظرية النحو والإعراب علي التقدير والتأويل كما هو معروف. وهذا يعني أن العرب سبقوا الفكر اللغوي الغربي الحديث في هذا المجال بفترة تزيد على ثلاثة عشر قرناً. وهذه حقيقة في غاية الأهمية والخطورة؛ لأن الغربيين ينسبون نظرية المعنى العميق والباطني إلى تشومسكي، وأنها من إبداعه، وإبداع العقل النحوي الأمريكي الأوربي. وهذه مغالطة علمية فادحة؛ فقد سبق أن بينّا أن نحاتنا ميزوا بين مستويين أو وجهين للإعراب: الإعراب الظاهر والمقدر أي باطني ( انظر أعلاه). وهذان المستويان هما ما قال عنهما تشومسكي: بالبنية السطحية والعميقة للتركيب اللغوي. وبناء على هذا نقول: إن  تشومسكي وإن لم يتأثر بالنحو العربي من قريب أو بعيد - وهذا مستحيل كما سنقرر فيما بعد - فعلماؤنا هم أول وأسبق من أبدع في هذا المجال. وعلى الغربيين أن يصححوا أفكارهم عن تطور الفكر اللغوي العالمي، ويكفوا عن نسبة كل شيء إليهم. علماً بأن هذا مقرر عند العرب منذ زمن بعيد [37، ص 322 وما بعدها؛ 38؛ 39، ص242-252؛ 15؛ 18؛ 40]. انظر إلى المثال التالي من الجرجاني [27، ص107]: ... حيث تقول مرة: "زيدٌ المنطلقُ"، وأخرى، "المنطلقُ زيدٌ"، فأنت في هذا لم تقدم "المنطلق" على أن يكون متروكاً على حكمه الذي كان عليه مع التأخير، فيكون مبتدأ كما كان، بل على أن تنقله عن كونه خبراً إلى كونه مبتدأ، وكذلك لم تؤخر "زيداً" على أن يكون مبتدأ كما كان، بل على أن تخرجه عن كونه مبتدأ إلى كونه خبراً. وأظهر من هذا قولنا: "ضربت زيداً" و " زيدٌ ضربتُه"، لم تقدم "زيداً" على أن يكون مفعولاً منصوباً بالفعل كما كان، ولكن على أن ترفعه بالابتداء، وتشغل الفعل بضميره، وتجعله في موضع الخبر له... إلخ.

والتساؤل الثاني: كيف توصل تشومسكي إلى هذه النظرية ؟ كما رأينا أعلاه، إن نمط التحليل، وأسلوبه، ومنهجه، ليس مشابهاً لما قام به نحاتنا في إعرابهم فقط، بل يكاد يكون هو هو.  لافرق إذن. فما أسماه تشومسكي بالبنية العميقة والظاهرية ""Deep Structure and  Surface Structure ما هي إلا ظاهرة الصنعة والمعنى في النحو العربي. نحو: زادت البلاد سكاناً [41، ج2، ص 328-329]. أي أن (سكاناً) في اللفظ الظاهر تمييز، ولكنها في المعنى العميق فاعل. فحول الفاعل تمييزاً. والأصل: زاد سكانُ البلاد... إلخ.

والدليل على ذلك؛ أنه لو أعطيت ""John في كلتا الجملتين السابقتين لسيبويه، وابن هشام، والأنطاكي، وعيد، لوجدتهم يقولون: في الإعراب الظاهر: موقعها موقع المبتدأ أو الفاعل في الحالتين. وفي الإعراب المقدر أو الحقيقي يقولون: إنها مفعول به مقدم في الأولى وفاعل في الثانية. أي بالضبط كما قال تشومسكي. وهنا يتساءل المرء:

أتوصل تشومسكي إلى هذا صدفة أم كان على اطلاع ودراية بالنحو العربي القديم؟

أما القول بالصدفة، فإنه أمر معقول. قد تتفق الآراء بين العقول على مدى العصور، أو ما يسمى بتوارد الخواطر. ولكن هذا الحل مرفوض قطعاً؛ لأن التوافق والانسجام بين نظرية تشومسكي والنحو العربي لا يأتي على هذه الشاكلة. ولكن هناك قضايا كثيرة جداً غيرها، سنبحثها في حينها، وفي موضع غير هذا. وهذه القضايا يستطيع كل من له أدنى تبصر بالنحو العربي ردها إلى أصولها العربية. ومن هذه الجوانب نذكر التقدير الصوتي ودور المعجم فيه [42، الفصل3؛ 43، ص 19]، ومشكلة الحكم على التعبير الكلامي [42، الفصل 3؛ 44؛ 25، ج2، ص 377 وما بعدها]، وقضية الاستشهاد باللغة. وهكذا فتراكم الأدلة، وتكاثرها، وتعددها، دليل كاف وقاطع على التأثر. فإذا قرأ الدارس ما كتبه تشومسكي ومدرسته في هذا الباب، وما جاء في كتب الأعاريب فإنه يعجب، ويقول ما هذا إلا ترجمة أو تأويل لكلام علمائنا ونحاتنا، رحمهم الله وجزاهم عنا خير الجزاء [45، ص 9؛ 46، ص 33، 39، 57].

وهذا مما يضطرنا إلى القول بصحة الافتراض الثاني: أي إن التفكير اللغوي ومنهجه عند تشومسكي ذو جذور نحوية عربية. فلا بد أن يكون النحو العربي هو الأصل والمسؤول عن هذا المنهج، وهذا البيان، وهذا التحليل. وإن المماثلة في طرح المسائل المتعددة، ومعالجتها لهي خير دليل على ذلك.

         فما هي الآن علاقة تشومسكي بالنحو العربي؟ وما هي الطرق التي تأثر بها فيه؟ وكيف يمكن إثباتها؟

ربما لم يتأثر به تأثراً مباشراً؛ بمعنى أنه درس كتابات النحاة العرب القدامى باللغة العربية. هذا أمر لم يحصل له. وهذا ما يؤكده  المزيني [10، ص4] بقوله: إن تشومسكي لم يأخذ نظريته عن النحويين العرب، وما يقوله تشومسكي نفسه: من عدم اطلاعه على المنجزات النحوية اللغوية التي وصل إليها العلماء العرب القدماء. ولكن تأثره بها واضح من طرق غير مباشرة. ومن هذه الطرق:

التراث اللغوي العبري: وهنا نشير بخاصة إلى التفكير النحوي العبري في الأندلس؛ الذي تأثر بالنحو العربي آنذاك تأثراً بالغاً. ونذكر من ذلك ما قام به سعيد بن يوسف الفيومي (942م)، الذي كتب النحو العبري، وصاغ قواعده على هيئة النحو العربي، ووفق قواعد اللغة العربية [5، ص 46-50؛ 8، ص 19]. ويؤكد هذا القول راشد [43، ص 18-19، والباب السابع: الجملة] حيث يقول: "إن اليهود تأثروا بالنحاة العرب وفُتِنُوا بمناهجهم؛ وكتبوا قواعد لغتهم العبرية بالعربية" ويضيف أيضاً:  "...مما جعل تسرّب أشكال الجملة العربية إلى الأسلوب العبري في العصور الوسطى أمراً سهلاً، إلى حد أننا نجد عندهم مقامات الحريزي، يقلد فيها مقامات العرب، وخصوصاً مقامات الحريري. كما أن المعجم العربي أمدَّ عبرية العصور الوسطى بعدد كبير من الألفاظ بعضها كما هو، وبعضها تُرجم معناه إلى اللغة العبرية". ولقد سارت الجملة العبرية على غرار الجملة العربية كذلك، ويؤكد هذا القول عليان؛ حيث يقول [37، باب الجملة، ص 322 وما بعدها]: "الجملة العبرية تسير على نمط الجملة العربية أي إنها تحوي مسنداً ومسنداً إليه وتضم أجزاءً ثانوية كذلك. وإن المسند يصلح أن يكون جملة كاملة. ولاتخلو جملة من المسند صراحة أو تقديراً. وقد يُحذف المسند أو المسند إليه من الجملة وتكون هذه الأجزاء المحذوفة مفهومة من السياق. وقد يتقدم جزء أو أجزاء على الجملة". إذاً هذا هو الطريق غير المباشر للفكر النحوي العربي وتأثيره في النظرية اللغوية لدى تشومسكي. أي ترجمة النحو العربي ومبادئه وتطبيقها على العبرية. وهذا  الأمر جد جائز، فإن كثيراً من الكتاب والمفكرين والأدباء قد تأثروا بأفكار وآداب غيرهم على مر العصور, على الرغم من أنهم لم يقرؤوها بلغاتهم الأصيلة، بل عن طريق الترجمات.

كيف يمكن إثبات هذه الحقيقة، أي إن تشومسكي تأثر بالنحو العبري الأندلسي، الذي كان تطبيقا للنحو العربي في مثله، ومنهجه، ومبدئه، أو في مبناه، ومعناه؟ وهذا أمر بسيط جداً.

          أولاً: إن تشومسكي من أسرة يهودية عريقة، عبرية اللغة والأدب والدين. هذا أصله وهو جزء من تاريخه [36].

          ثانياً: تأثره بأبيه وثقافته ومعرفته. فأبوه عالم باللغات السامية وآدابها (العبرية، والعربية، والآرامية، إلخ)، وممن يشهد بأن العصر الذهبي للأدب واللغة العبريين كان في الأندلس: كمال؛ والسيد؛ وبارسكي Barsky)) [5، ص 46-50؛ 47، ص 176-177؛ 36].

          ثالثاً: معرفة تشومسكي باللغة العبرية؛ ومن ثم كانت كتاباته وأبحاثه فيها. فرسالته للماجستير كانت في الصيغ الصرفية في العبرية عام 1951م. وإن الباحث في لغة ما ذو دراية بتاريخها وتطورها. وكذلك يذكر في كتاب له منشور عام 1974م، جملةً يقول فيها: ‘... في العربية...’ في معرض حديثه عن اللغة الإنكليزية.

رابعاً: وأخيراً ما أكده عالم اللغة الشهير روبينز (Robins.) [13] عن علماء اللغة اليهود بقوله: "لقد طوَّر اللغويون اليهود علم اللغة بتأثير من علماء اللغة العرب. وهذا بسبب تشابه التراكيب العربية والعبرية؛ لأنهما لغتان ساميتان، والقوة السياسية للعرب؛ بعد الفتوحات الإسلامية للشرق الأدنى، وشمال إفريقيا، وإسبانيا. ولقد استعيرت المصطلحات التقنية وخاصة في ترجمة التوراة من علماء اللغة العرب إلى اللغة العبرية. وعلاوة على ذلك؛ لقد عمل ابن بارون العالم اللغوي اليهودي دراسة مقارنة بين العربية والعبرية في ذلك الزمان".

          هذه هي الطرق التي يمكن الاستدلال بها على تأثير النحو العربي في فكر تشومسكي، ومدرسته النحوية. أي بوساطة اللغة العبرية ونحوها، التي كانت مرآة الفكر النحوي العربي الإسلامي في الأندلس! فلولا حضارة الأندلس المسلمة، لما كانت أوربا والعالم على صورتها الآن من التمدن والعلوم والمعارف.

           ومن ثم، يجب علينا ألا نغفل دور اللغة العبرية في نقل التراث النحوي العربي إلى علم اللغة المعاصر ولا سيما اللغة الإنجليزية. والسبب في ذلك: أن أغلب أئمة علم اللغة في الغرب هم يهود، كـَ: جاكبسون (Jakobson)، وهال (Halle)، وتشومسكي(Chomsky) ، وغيرهم.

الخـاتـمـة:

أثبتت هذه الدراسة اللغوية التاريخية المقارنة، أن النحاة العرب والمسلمين، كانوا هم السباقين في تأسيس الكثير من مفاهيم علم اللغة الحديث في الغرب [22، الفصل2]. تلك المفاهيم التي يعلنون أنها من اختراعهم وحدهم, ولم يسبقهم إليها أحد! فقد بينَّا واحدة من أحدث نظريات الغرب وأكثرها تأثيراً ورواجاً – وهي النظرية التوليدية التحويلية – تقوم على مفاهيم ومستندات ذات أصل أصيل في النحو العربي. وعلى هذا الأساس، يمكن القول: بأن النحو التوليدي التحويلي في نشأته وجذوره ما هو إلا صورة من صور النحو العربي القديم، جرى تطبيقه واختباره على اللغة الإنجليزية ونحوها أولاً، و من ثم إلى سائر لغات العالم؛ التي قام بها الباحثون باتباع آراء تشومسكي ومدرسته. وقد يصدق قولنا: بأن تشومسكي هو مجدد النحو العربي القديم ومحييه والداعي إليه في اللغة الإنجليزية، وفي علم اللغة الحديث، مع تنكره لأصله وجذوره. وجرى التجديد على المسارات الآتية:

تطبيق طريقة النحاة العرب القدامى في وصف اللغة الإنجليزية وتحليلها، كما بيَّنا في استخدامه مفهوم البنية الظاهرة والعميقة.

تعميم هذه الطريقة، وهذا المنهج على اللغات الأخرى، التي اتبع باحثوها آراء تشومسكي.

استخدام تشومسكي للمنهج الرياضي الحسابي في وصف الظواهر النحوية، متأثراً بدراسته السابقة، فهو خريج رياضيات أصلاً. ويتجلى ذلك من خلال استعمال طريقة المعادلات، والأقواس، والأشجار، أو الأهرامات، في كتابة القواعد النحوية. وهذه هي الوسيلة التي تُعمى على كثير من الدارسين الأصل الحقيقي لنظريته تلك. فالشكل إذن إنجليزي حديث، والمضمون عربي قديم. وبالله التوفيق والسداد وله الحمد.

الـمـصــــادر والـمـراجـــــع

[1] – Versteegh, K. Greek Elements in Arabic Linguistic Thinking. Leiden: E, J, Brill, 1977.

[2]- حسن، شوقي. قواعد اللغة التركية. لا طبعة، القاهرة: دار الثقافة العربية، 1995م,

[3]- السباعي، السباعي محمد. اللغة الفارسية (نحو وقواعد). لا طبعة، القاهرة: دار الثقافة العربية، 1985م.

[4]- محمد، محمد صالح. كتاب بجأن باكي درجة ساتو دسكوله ملايو. (كتاب القراءة للصف الأول الابتدائي في المدارس الابتدائية الملايوية). وزارة التربية: ماليزيا، 1960م.

[5]- كمال، ربحي. دروس اللغة العبرية. لا طبعة، بيروت: عالم الكتب، 1982م.

[6]- الوعر، مازن. قضايا أساسية في علم اللسانيات الحديث:مدخل. دمشق: دار طلاس للدارسات والترجمة والنشر، الطبعة الأولى، 1988م.

[7] - Bakalla, M, H. Ibn Jinni: An Early Arab Muslim Phonetician: An Interpretive Study of His Life and Contribution to Linguistics. London and Taipei, European Language Publication Ltd, 1982.

[8] - Lyons, J. Introduction to Theoretical Linguistics. Cambridge: Cambridge University Press, 1968.

[9] - Fromkin, V, A. (ed). ­ Speech Errors as Linguistic Evidence. The Hague: Mouton, 1973.

[10]- المزيني، حمزة بن قبلان. "تشومسكي في عيد ميلاده السبعين". صحيفة الرياض السعودية، الخميس 27/10/1420هـ.  عدد الصفحات:4. والعنوان الالكتروني هو:

 http://www.hmozainy.jeeran.com/tshomesky4.htm

 [11]- المسدي، عبد السلام. التفكير اللساني في الحضارة العربية. تونس: الدار العربية للكتاب، 1981م.

 [12]- عاشور، سعيد عبد الفتاح. أوربا العصور الوسطى: التاريخ السياسي. الطبعة الثامنة، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1981م.

[13] - Robins, R, H.  A Short History of Linguistics. London: Longman, 1984.

 [14]- المأمون، مولاي. كتاب اللُّمَع لابن جناح النحوي اليهودي الأندلسي. جامعة الحسن الثاني، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، عين الشق، الدار البيضاء، المغرب، رسالة ماجستير، 1988م.

[15] - Anwar, M, S.  "The Legitimate Fathers of Speech Errors", In Versteegh, C, H, M, et al. The History of Linguistics in the Near East. Amsterdam: John Benjamins Publishing Company, 1983.

[16] - Fromkin, V, A. "Grammatical Aspects of Speech Errors, Linguistcs: The Cambridge Survey". Ed. By Newmeyer, F, J, Vol, II, The Cambridge University Press, 1988.

 [17]- الكسائي، أبو الحسن علي بن حمزة. ما تلحن فيه العوام. الطبعة الأولى، حققها وقدم لها وصنع فهارسها: رمضان عبد التواب، الرياض: مكتبة الخانجي بالقاهرة و دار الرفاعي، 1982م.

 [18] - Jassem, Jassem Ali and Jassem, Zaidan Ali, "The Classical Arabic Tradition of Error Analysis", In Khan, J, U, and Hare, A, E, (eds.). Proceedings of the International Conference on Islam and English: Creative Encounters: 469-479, Department of English Language and Literature, International Islamic University Malaysia, 1996 December 20-22.

  [19] - Jassem, Z, A. Lectures in English and Arabic Sociolinguistics. 2 vols, Kuala Lumpur: Pustaka Antara, 1994.

 - [20]Jassem, Z. A. Impact of the Arab Israeli Wars on Language and Social Change in the Arab World: The Case of Syrian Arabic. Kuala Lumpur: Pustaka Antara, 1993.

 [21]- جاسم، زيدان علي. دراسة في علم اللغة الاجتماعي. الطبعة الأولى، مراجعة وتدقيق زيد علي جاسم و جاسم  علي جاسم، كوالا لمبور: بوستاك أنتارا، 1993م.

[22] - Jassem, Jassem, Ali. Study on Second Language Learners of Arabic: An Error Analysis Approach. Kuala Lumpur: A.S.Noordeen, 2000.

[23]- ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم. لسان العرب. المجلد الخامس، بيروت: دار صادر، بدون تاريخ.

[24]- ابن جني، أبو الفتح عثمان. الخصائص. الطبعة الثالثة، حققه: محمد علي النجار، بيروت: عالم الكتب، 1983م.

[25]- سيبويه، أبو بشر عثمان بن قنبر. الكتاب. الطبعة الثالثة، تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون، القاهرة: عالم الكتب، 1983م.

[26]- الأنطاكي، محمد. المنهاج في القواعد والإعراب. الطبعة السابعة، بيروت: دار الشروق العربي، بدون تاريخ.

[27]-  الجرجاني، عبد القاهر. دلائل الإعجاز. قرأه وعلق عليه أبو فهر محمود محمد شاكر، القاهرة: مكتبة الخانجي بالقاهرة، 1404هـ 1984م.

[28]- ابن هشام، جمال الدين عبدالله بن يوسف. مغني اللبيب عن كتب الأعاريب. الطبعة الأولى، تحقيق وتعليق: بركات يوسف هبود، بيروت: شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم للطباعة والنشر والتوزيع، 1999م.

[29]- المبرد، أبو العباس محمد بن يزيد. المقتضب. تحقيق: محمد عبد الخالق عضيمة، الجمهورية العربية المتحدة: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، لجنة إحياء التراث الإسلامي، بدون تاريخ.

[30]- الزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمر. المفصل في علم العربية. الطبعة الثانية، بيروت: دار الجيل، بدون تاريخ.

[31]- ابن يعيش، موفق الدين يعيش بن علي. شرح المفصل. بيروت والقاهرة: عالم الكتب ومكتبة المتنبي، بدون تاريخ.

[32]- عيد، محمد. النحو المصفى. الطبعة الأولى، القاهرة: عالم الكتب، 2005م.

[33] – Chomsky, N. Syntactic Structures. The Hague: Mouton, 1957.

[34]- Chomsky, N. Aspects of the Theory of Syntax. Cambridge, Mass,: M. I. T. Press, 1965.

  [35]- Chomsky, N. Cartesian Linguistics: a Chapter in the History of Rationalist Thought. New York: Harper and Row, 1966.

[36] - Barsky, R, F. Noam Chomsky: A Life of Dissent. MIT Press, (Rev, by Murphy, University College Dublin,) 1997 May 7, 97, linguist@linguistlist.org).

[37]- عليان، سيد سليمان. قواعد اللغة العبرية. لا طبعة، الرياض: جامعة الملك سعود، النشر العلمي والمطابع، 2000م.

[38]- جاسم، جاسم علي. في طرق تعليم اللغة العربية للأجانب. الطبعة الثانية، كوالا لمبور: إي. إيس. نوردين، 2001م.

[39]- جاسم، جاسم علي، و جاسم، زيدان علي. "نظرية علم اللغة التقابلي في التراث العربي"، مجلة التراث العربي. دمشق، ع83-84، (2001)، 242-252.

[40] - Al-Nasser, A. "Muslim Contributions to Linguistic Theory: On the Concept of the Phoneme". Paper presented at the International Conference on Islam and English: Creative Encounters. International Islamic University Malaysia, 1996, December 20-22.

[41]- حسن، عباس. النحو الوافي. الطبعة الثانية، القاهرة: دار المعارف بمصر، 1963.

- [42]Chomsky, N, and Halle, M. The Sound Pattern of English. New York: Harper and Row, 1968.

[43]- راشد، سيد فرج. اللغة العبرية قواعد ونصوص. لا طبعة، الرياض: دار المريخ للنشر، 1993م.

[44] - Al-Tahir, A, B. "The Contribution of Muslim Linguists to the Field of Linguistics". Paper presented at the International Conference on Islam and English: Creative Encounters. International Islamic University Malaysia, 1996, December 20-22.

[45]- الموسى، نهاد. نظرية النحو العربي في ضوء مناهج النظر النحوي الحديث. لا طبعة، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1980م.

[46] - Abu Deep, Kamal. Al-Jurjani's Theory of Poetic Imagery and its Background. Ph.D, Thesis, Oxford University, England, 1971.

[47]- السيد، محمود أحمد. علم النفس اللغوي. الطبعة الثانية، دمشق: منشورات جامعة دمشق، 1995-1996م.

[48]- عباس، حاج إسحاق. قاموس الجديد عرب- ملايو. Kuala Lumpur: Penerbitan Seri Kota،1986م.


[1]- سورة الرعد: 8.

[2]- سورة الفرقان: 2.

[3]- سورة القدر: 1-2.

[4]- سورة يوسف: 82.

[5]- سورة البقرة:13.

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: