تأثير التنوع المصطلحي على اللغة العربية داخل النظام التربوي المغربي

تقديم:

           تعد دراسة المصطلح موضوعا جوهريا داخل الحقل اللساني، بحكم المكانة الهامة التي يحتلها في بناء شبكة من العلائق التواصلية بين كل المكونات التي تنشغل بتطوير الدرس اللساني الحديث، وكذلك التنوع الذي يطبع المستويات، والطرق التي تعمل على بنائه داخل قوالب نحوية مختلفة ( تركيبية ، صرفية  صواتية و دلالية).

       يملك المصطلح اللساني داخل النظام الحاسوبي للعربية سمات لغوية تجعله منسجما مع معطياتها، لكن بالنظر إلى الزاوية التي تضطلع بالطبيعة المعقدة التي تطبع إيجاد مصطلح موحد بسماته الدقيقة، فإن طرح هذه القضية يتعلق بعضها بمعاينة ما يعد في المصطلح ملازما ومنسجما للنسق اللغوي العربي، ويتعلق البعض الآخر بالدور الذي يناط بالنحو (النظام الحاسوبي ) في تحديد السمات الكلية التي تعمل على خلق التمايز، اعتبارا لمسألة توظيف المصطلح داخل الخطاب التربوي المغربي، والقيود التي يجب أن توفيرها لكي يتحقق التعالق اللغوي بين المصطلح اللساني ومقتضيات النسق اللغوي العربي.

      على هذا الأساس، انشغلت العديد من المجامع اللغوية والمؤسسات المسؤولة على تعريب المصطلحات اللسانية بالنظر إلى أهميته في مواكبة التطور و خلق أفق جديدة للخطاب العلمي داخل جامعاتنا و مدارسنا، إشكالية تضع المصطلح اللساني في صيغته الحديثة واستخدامه في الدرس التربوي ضمن الأولويات التي يمكن أن ترفع من المستوى اللغة العربية، مشيرين أنها نتاج علاقة تفاعلية (تواصلية) مع ما ينتجه الآخر في نفس المجال، وخصوصا أن الدراسات اللغوية المقارنة تؤكد أن مسايرة الركب اللغوي يستوجب ضبطا دقيقا للمصطلحات حتى يحسن التعامل معها وتوظيفها بما يلزم من حذر فيما يخص الحمولات الفكرية والثقافية المناسبة . ومن جهة أخرى هي نتاج حركتي التعريب والترجمة اللذان كان لهما بعض الآثار السلبية على فكرنا ولغتنا. من منطلق أنهما أنتجتا اتجاها جديدا في معالجة اللغة العربية التي أصبحت تبتعد يوما عن يوم عن أصولها وقواعدها الخالصة لترتبط بلغة الثقافة المهيمنة، لذلك اتسم الدرس اللساني بالغموض في التعبير عن ذاته بمفاهيم ومصطلحات يحكمها التفرد والاضطراب، وفي غياب مؤسسات عربية مراقبة وموحدة لعملية التعريب والترجمة، سادت مجموعة من المصطلحات المتضاربة وغير المتقنة، بل لم تكلف صاحبها سوى عملية استنساخية، فباتت ، بموجب هذا، اللغة العربية تحت رحمة المترجمين، فترجم المصطلح الواحد بعشرات الأشكال حتى اختلفت ترجمة وتعريب المصطلح الواحد من بلد إلى آخر، بل حتى داخل البلد الواحد نفسه إذ نجد تباينا في المصطلحات  من مؤسسة لأخرى . من هنا أصبحت الضرورة ملحة لتفعيل أكاديمية محمد السادس للغة العربية باعتبارها الكيان الذي سيحمي اللغة و يرجع لها مكانتها و عنفوانها، بل إنها المؤسسة التي يمكن أن تكون وسيلة  ردع أمام الشتات و التفرقة.

1 - إشكالية العلاقة بين المفهوم ( Concept ) و المصطلح (Terme) والاصطلاح Terminologie

 

            هناك تساؤلات كثيرة تتعلق بالعامل الحاسم في كشف حدود التمايز بين هذه المستويات على الرغم من أن البؤرة الأساسية في هذا البحث هي تأثر اللغة العربية بالتعدد المصطلحي الحديث، حتى يكون لدينا الاستعداد المنهجي الواضح للدخول في المناقشات العامة حول الموضوع، فإنه من الأهمية بمكان أن ندرك أفق اشتغال كل من المفهوم و المصطلح و الاصطلاح.

           فعملية رصد حدود التمايز بينها لا تكمن فقط في الكشف عن  الاختلاف، بل النظر في مقدار تطويع اللغة العربية لها،ومدى استخدامها في الدراسات اللسانية من أجل رسم إطار واضح لممارسة منهجية تنبني على تحديد دقيق للبنية الداخلية، عبر مسار توليدي يحدد الحمولة الدلالية لكل مجال على حدة، وضبط القالب الحاسوبي الذي يعمل على تنظيم اختصاصاتها ، فوجود هذه القيود يوازن بين كبس البيانات والمؤشرات الخاصة وبين الغاية من الاستخدام الفعال لها. لذلك كان من المنطقي استدعاء آليات اشتغال من النسق اللساني للغة العربية من تركيب ومعجم في بناء النسق الدلالي الذي يحدد التمايز .

         وظف المفهوم (concept) في اللغة العربية باعتباره مادة تحيل على تصور أو فكر. في حين نجد أن المصطلح (terme) هو لفظ يشتغل على مادة الفكر. ثم إن الإطار الذي يعمل على تحديد التمايز ينبني على أن المصطلح يختلف بحسب خصائصه من عشيرة لغوية ( مجتمع لغوي) إلى أخرى ، وهو أمر معكوس بالنسبة للمفهوم الذي يطبعه الاتفاق لأنه يحمل فكرة عن شيء ويتم التعبير عنها باصطلاح محدد. من هذه الزاوية نجد أن المفهوم والاصطلاح يتقاطعان في خاصية الاتفاق، اعتبارا أن الإطار المرجعي الذي ينظم هذه المادة يتحدث عن الاتفاق والتوافق واصطلح القوم: تصالحوا ، بمعنى وقع بينهم صلح... فالتاء بمعنى التشارك والاشتراك، ومعنى التفاعل مخرج من المطاوعة والجدير بالذكر أن ما ورد عند القدماء هو لفظ الاصطلاح ولم يرد عنهم لفظ المصطلح[1]. بناء على هذه الخصوصيات ندرك أن لفظ الاصطلاح يضم المفهوم باعتباره مادة موضوعية مستقلة.

          يتضح في ضوء ما سبق أن المفهوم( concept)  غير مصطلح (terme)   فالأول يحيل على فكرة ما يحكمها المتغير وعدم الاستقرار [ + متغير ] ، في حين أن التالي يحيل على بناء يحكمه الاتفاق بحكم موضوع الاختصاص[- متغير ] أما الاصطلاح فيحيل على المادة (الآلة) التي تقود إلى إيجاد المصطلح عبر تدخل الوسائط و الآليات التي تستدعيها  مقتضيات ومتطلبات النسق التركيبي للغة العربية .

       إن هذا التحديد الدقيق هو الذي يجعل من الممكن لنا أن نعلو، ليس فقط على رسم حدود اشتغال كل واحدة من المفردات، بل أيضا على ضبط المنهج الذي يجعل مجال اشتغال الاصطلاح المصطلح والمفهوم واحد. وهو الأمر الذي تنفيه كل الأعراف النظرية والمنهجية في أي بحث . بل إن الأمر يتضح بجلاء حينما ننظر في مادة كل واحدة منهما في المعاجم العربية القديمة. نورد أن لسان العرب لابن منظور عندما تطرق إلى فعل فهم عرفه :الفهم : المعرفة بالشيء : عقله وعرفه ...وأفهمه الأمر وفهمه إياه جعله يفهمه[2]. وهذا أمر لا يدهشنا خصوصا أن ابن منظور اشترط في عملية الفهم إدراك الشيء والإحاطة والعلم به، بمعنى أكثر تدقيقا تشكيل تصور أو فكرة  عن الشيء المراد إفهامه.[3]

          إلى جانب المفهوم ، نورد الآن بعض التحديدات للمادة التي حاولت أن تقارب بين الاصطلاح والمصطلح ، فالشيخ المناوي يعرف الاصطلاح بقوله :"اتفاق قوم على تسمية الشيء باسم ينقل عن موضعه الأول"[4]. أما المصطلح بمعناه الحديث "علم مشترك بين اللغة والمنطق وعلم الوجود وعلم المعرفة و المعلوماتية وحقوق التخصص العلمي والأدبي والفني، وعلى تعريفه بإيجاز بأنه العلم الذي يبحث في العلاقة بين المفاهيم العلمية والمصطلحات اللغوية التي تعبر عنها"[5]. 

2- وضعية المصطلح اللغوي الحديث

        اللغة العربية بحاجة إلى رسم مسار جديد يعمل على ضبط قواعدها و أساليب اشتغالها.حتى تتمكن من وضع تخطيط لوجهات نظر خاصة ترتبط بضبط سوء الفهم الرئيسي الذي يكمن في الاعتقاد أن الاصطلاح والمصطلح واحد، وأن المصطلح والمفهوم لا تجرى بينهما مساحة واسعة تتضاعف هوتها حينما يدخلان بوابة الاشتغال والحوسبة. ومن هنا تتأسس العديد من الإشكالات التي نتنبأ بموجبها أننا نستطيع أن نجد وضعية مصطلحية يشوبها الاضطراب وعدم الاستقامة .

         ولكي ندرك ذلك دعنا نتساءل قليلا عما يعنيه هذا الاضطراب والخلط . المسلمة أنه إذا أردنا أن نتحدث عن وضعية المصطلح اللغوي الحديث، فلا بد أن ننظر في وضعية اللسانيات باعتبارها العلم الذي يعمل على تفسير الظواهر اللغوية وسبل تطويرها وجعلها مسايرة للأبحاث الدولية، فالدرس اللساني لكي يكون متطورا أو مسايرا ، يجب أن يكون مقارنا ومواكبا لكل القضايا المعرفية عبر ممارسة تعريبية تتجاوز الحواجز الثقافية والفكرية والعلمية. وبالتالي القفز عن ذلك الانفصام الذي يميز اللغات التي تستهلك أكتر ما تنتج. المؤسف أن فهم هذه العلائق المقارنة لم يكن كما نتصور، فحملت اللسانيات على عاتقها كل دوافع التشتت الاصطلاحي بين كل المؤسسات المعنية بضبط المصطلح، وبين المجهودات الفردية التي اجتهدت في وضع بعض المصطلحات دون تنسيق جماعي ولا تكتل مجامعي. مما انعكس سلبا على فهم وإدراك الدرس اللساني الحديث وخلق حاجز تواصلي بين مصطلحاته. [6]

          النتيجة تقول إنّه من دون تفهم المشكلات تنشأ الوضعية التي يصعب علينا فهمها بصورة واضحة  تتلخص في مدى استلهام المعطيات اللغوية من طرف المتعلم والباحث، الشيء الذي يكرس الموقف المشكك في قدرة اللغة العربية على استيعاب المصطلحات الجديدة.

         هذا الاضطراب في وضعية المصطلح يمكن أن يعود بالأساس إلى الطريقة المتبعة من طرف مجموعة من المؤسسات أو المجامع التي تضطلع بصوغ المصطلح ، فندرك أن كلمة/ لفظة واحدة يمكن أن تصاغ بناء على ترجمة المعنى أو بناء على التعريف، أو بناء على نقل اللفظة الأجنبية إلى اللغة العربية مع إخضاعها للصوت والنطق العربي .

إلى جانب هذا، نجد من يعتمد على آليات مؤسسة مثل النحت أو الاقتراض أو التوليد أو الاشتقاق، وهناك بعض الدارسين من يعود إلى النبش في الموروث العربي القديم قصد العمل على بعثه وإحيائه، والبحث فيه عما يمكن أن يستوعب الحديث. فالأكيد أن كل هذه الحسابات في وضع المصطلح الحديث أثر سلبي على وضعيته من خلال النزعة الضيقة والخلفيات المعرفية التي ينطلق منها واضعو المصطلح.

         لابد من الإشارة إلى أن اختلاف التصورات والاتجاهات اللسانية كان عاملا وراء ظهور مصطلحات لسانية مترامية الأطراف وغير محددة التوجه بالنسبة للمشتغل غير المتخصص ، فكانت بعض الاقتراحات التي دعت إلى وضع مصطلح لساني يستجيب لحاجات الطالب / الباحث مع التلميح إلى الخلفية المعرفية التي تحكمه.

       وعلى هذا الأساس، فلا مناص من التأكيد أنه لا يوجد أي اتفاق / إجماع حول المصطلحات الحديثة التي يتم تداولها الآن في المدارس و الجامعات. وبالتالي فعوض أن تكون المصطلحات عاملا مساعدا على وحدتنا ، أصبحت هاجسا وعائقا أمام تطويرنا ثقافيا، ولغويا و فكريا ، وبالتالي خلق فجوة مصطلحية داخلية كان من اليسير أن نتغلب عليها لكن اهتمامنا انصب على تكريس وضعية التفرقة و الاضطراب المصطلحي في علاقته  بما هو وارد وخارجي .

       الشيء الذي انعكس على معظم اللسانيين الذين لم يسلكوا طريقا واحدا في تعريب المصطلح، ولم يتفقوا على قاعدة واحدة تساعدهم على مقابلة المصطلح باللفظ العربي، فليس غريبا أن تشمل أزمة المصطلح كل الجوانب المرتبطة بالدرس اللساني. وما يزيد في غرابة الوضع هو أننا كنا في الريادة من حيث صناعة المعاجم، فقد سبقنا العالم في مجال صناعته بفضل جهود الخليل في " العين "( في القرن الثاني الهجري). وكنا أيضا أول من خرج إلى الفيافي والقفار لجمع الألفاظ واللهجات الخالصة من أفواه أهلها من منطلق ارتباط اللغة بواقعها. وكنا أيضا من رواد المعاجم المختصة من خلال ابن سيده في معجمه " المخصص" و"فقه اللغة" للثعالبي وغيرهما كثير، بالإضافة إلى كل هذا ، كنا السباقين أيضا إلى المعجمة الإصلاحية بفضل معجم "التنوير في الاصطلاحات الطبية" لابن نوح في القرن الرابع الهجري. علاوة على ذلك كنا أول من تربع على عرش الأسس الدقيقة والمنهجية التي اتحدت من أجل وضع المصطلح ،من خلال علم أصول الفقه الذي حدد للمصطلح غاياته ومصادره وطرق استنباطه وموارد دلالته وكيفية إعمال الفكر والبحت العلمي فيه[7].

    لكن عندما نأخذ هذا الإرث الثقافي الكبير ونحاول أن نمعن فيه النظر نجد أنه انبثق أساسا من جهود فردية أخذت على عاتقها بناء معاجم عربية تحفظ اللغة العربية من الشتات، وتنوع من  الملكة المعجمية عند مستعمليه، دون أن يكون هناك تجاوزا لما هو خارج اللغة ، فأين نحن من السلف، الظروف متاحة والموارد موجودة ،و المعاني ملقاة، وسبل التقاط المعرفة في متناول الجميع، لنجد أنفسنا أمام مجامع لغوية بالاسم، قد انفصلت عن جماعتها وتوزعت جهودها على القيل والقال. لنختم على ذلك بوعد اتحاد المجامع العربية الذي مازال سرابا على الطريق، في الوقت الذي أصبحت الضرورة الملحة إلى التكتل،وتوحيد جهود المؤسسات والمجامع من أجل القبض على المصطلح الواحد وتقويته وتوحيد المنهجية التي بموجبها نستطيع أن نبتكر مصطلحات تواكب تطور الدرس اللساني الحديث، ففي المصطلح، عوض أن نتصالح نجد أنفسنا نتصارع ، فأصبحنا نعيش عصبية مصطلحية شبيهة بالعصبية القبلية، فهذا مصطلح مغربي، والأخر شامي، والآخر قاهري ...فأصابنا الارتباك في توحيد المصطلح وتوليده ، وعجزت أدواتنا تماما عن مواجهة ظاهرة " الانفجار المصطلحي "[8].

       أن هذه الوضعية التي يعيشها المصطلح اللساني الحديث تعكس بجلاء الارتباك الكبير  فيما يخص عملية إحيائه وبوتقته ، ولعل التشتت الحاصل في مواقف بعض اللغويين المختصين، وبعض المؤسسات والمجامع تساهم بشكل كبير في تأخير الاستفادة من الفضاء اللغوي الأجنبي، وتعطيل الممارسة اللسانية بمصطلحات وظيفية ومحلية نابعة من صميم لغتنا. عطب دفع بالقائمين على الشأن اللغوي المغربي أن يفكروا في انجاز أكاديمية محمد السادس للغة العربية التي كنا نمني النفس أنها ستخرج اللغة العربية من عنق الزجاجة، إلا أن تفعيل ذلك مازال يعرف عراقيل على مستوى إخراج المؤسسة إلى الوجود. فالأكيد أن هذا العبث التنفيذي و التماطل اللامسؤول من شأنه أن يزيد من حجم الفجوة التي تفصل بين الكائن و الممكن،الأكيد أن هذا العجز لا يمكن أن نرده إلى اللغة و لا إلى نسقها، بل أصبح كل واحد منا يدرك أن العربية قادرة أن توليد ما لا يعد ولا يحصى من المصطلحات لو نحن أحسنا التعامل معها، وأحسنا مغازلتها  بما يجب من الدقة والاجتهاد ،ولا حاجة في القول إن اللغة تبقى قوية و كبيرة بأهلها ، وتصغر بصغرهم .

      ومن ثم فإن أحادية التصور وأحادية الدلالة شيئان مختلفان تمام الاختلاف، والحال أن المناداة  بضرورة تخصيص مقابل  واحد لكل مصطلح يعني المناداة بتعطيل مبدأ تعدد المصطلحات في اللغة مثلما يذهب إلى ذلك  عبد القادر الفاسي الفهري عندما يقول، معترضا على مبدأ من مبادئ توحيد المصطلح مفاده ضرورة وضع مصطلح واحد للمفهوم العلمي الواحد ذي المضمون الواحد. 

 3 - إشكالات المصطلح اللساني الحديث

         تتأسس قوة أي لغة بالحوسبة الدقيقة ، والاستيعاب الشامل لمختلف التغيرات المستمرة في المعطيات اللسانية الحديثة ، والصمود أمام كل تلك التحديات التي يفرضها الواقع الثقافي والحضاري المتقهقر لمجتمعنا اللغوي، أو المنافسة التي تفرض وجودها مع اللغات الأخرى خصوصا في مجال التعليم إذ ينظر إلى اللغة العربية من موقع الضعف في غالب الأحيان، في مقابل ذلك، ينظر إلى اللغات الأجنبية على أساس أنها لغة علم و تقدم و رقي فكري .الشيء الذي ينعكس سلبا على التعليم و على جهود حركات التعريب و الترجمة. حيت ينقاد المغلبون إلى تقبل الغالب، أو أن الغالب يفرض لغته وثقافته على المغلوبين. والحقيقة أن اللغة العربية هي اللغة الوحيدة التي أثبتت قدرتها على الصمود بسبب جملة كبيرة من المعطيات والخصوصيات الموضوعية.

       لكن، ما يشغل كل مهتم بالمصطلحات اللسانية الحديثة، ونحن نتحدث عن القدرات والإمكانات التي تتيحها اللغة العربية لمستعمليها، أن نتخلص من كل هذه الغنائيات والنرجسيات التنظيرية والزعامات الواهية، و نقف عند حدود الواقع والمعطى ، وننظر من الثقب الضيق الذي أصبحت عليه حال اللغة العربية ، ولنهتم بالقضايا الحقيقية التي تتعلق أساسا بإشكال المصطلح اللساني ، حيت نواجه بموجب ذلك المطالب اللغوية والتربوية والحضارية الملحة التي يحتاج إليها كل باحت ، فأصبح من الضروري البحت في المصطلح و الكشف عن المعيقات لتي تحول دون تطويره وتنويعه .

       وعلى هذا الأساس، نشير إلى أن أهم الإشكالات التي يعاني منها المصطلح اللساني الحديث تبدأ أولا من البرنامج الاصطلاحي الذي يشرف على تمكين المصطلح وإبداعه. لنقف مع الفاسي الفهري في اعتباره أن أي برنامج اصطلاحي يواجه اليوم إشكالان أساسيان يتمثل الأول في توفير العدد الهائل من المصطلحات لمواكبة الحاجة الملحة إلى التعبير عن مفاهيم وتصورات جديدة بعبارات اصطلاحية يوازي عددها العبارات التي توفر في لغات الحضارات الأخرى[9]. أما الثاني فيرتبط بإشكال التقريب والشفافية بين اللغة العامة المتداولة (المعجم العام) واللغة المختصة (المعجم المختص، أو الإقطاعي ،أو الاصطلاحي)  حتى لا يبتعد التواضع في الاصطلاح ويستغلق ، وحتى يظل الذهاب والإياب بين المعجم العام والمعجم المختص قائما وفاعلا.

      إن النظر إلى هذين الإشكالان يمكنان من فهم درجة التباين الحاصل اليوم في معالجة المصطلح. فكلما اتسعت الهوة بين المعجم العام ، باعتباره يشكل القاعدة العامة المتداولة ، والمعجم المختص الذي يعتبر أحد الخصائص الذاتية التي تنشغل بإعطاء وفحص المادة المعجمية في مجال اشتغالها ، كلما كان هناك خلط وارتباك وابتعاد عن الفحص الدقيق للمادة المعجمية.هذا التباعد يزكي العجز عن الإحاطة الشاملة بالمصطلح قبل تحوله إلى اللغة العامة ،لذلك نعتقد أن آلة الاصطلاح يجب أن تبقى معطلة إلى أن يختمر المصطلح في لغته الأم وينمو ثم نعمل على نقله بكل أمانة إلى اللغة العربية تفاديا إلى بعض الانزلاقات المعرفية من قبيل استعمال "صوتيم" عوض "صوتية " للدلالة على فونيم (PHONEME) . واستعمال( DISTRIBUTONNOLISME)  للإحالة على النظرية الاستغراقية، بدل الإحالة على التوزيعية، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من المصطلحات اللسانية الحديثة التي خرجت بشكل كبير عن المألوف.

         ومن أجل ضبط ذلك نعقد مقارنة بين بعض المصطلحات كما وردت في المعجم الموحد ومقابلاتها كما وردت في معهد الدراسات و الأبحاث للتعريب من قبيل :            

   المصطلحات                                                 المقابل

 المعجم الموحد                                               معهد الدراسات و الأبحاث للتعريب

Agromamaticalite                                  (عدم الاستقامة)                 لا نحوية

Complementizer                                    ( المعمول به)                  مصدري  

Distribution  complémentaire               التعاقب بالتنافي                التوزيع التكاملي

Morphéme /meneme                            دالة نحوية                        صرفية               
Signe linguistique                               علامة الدليل اللغوي             العلامة اللغوية 
Analyse morphologique                     تحليل إلى دوال                  التحليل الصرفي

Acceptabilité                                      استحسان                         القابلية أو المقبولية     

Competence                                      الملكة اللغوية                     القدرة       

Crammaticalite                                 السلامة النحوية                   اللغوية

Topicalisation                                  التحديث أو الابتداء               التبئير

 

     وهذا النوع من المصطلحات يطرح جديًّا عدة قضايا، على رأسها:طبيعة الترابط بين المعجم والمصطلح من جهة، وبين المصطلح وما يحيل إليه من مفاهيم من جهة أخرى. خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالحمولة الفكرية والثقافية التي يتحرك فيها هذا المصطلح. فالسياق الفكري والثقافي يعكس نوعية المفاهيم التي ينقلها المصطلح على مستوى الحياة التي يعيشها المستعملون له أفرادًا وجماعات، كما يعكس أيضًا نوعية العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الثقافي.  لنأخذ آخر مصطلح موظف هنا ( Topicalisation)، ونفترض أن أي متعلم أو باحت أراد أن يطلع عليه  داخل درس لساني معين ، فكيف له أن يجمع في الوقت نفسه، بين التحديث و الابتداء في النحو العربي، وبين التبئير في اللسانيات الحديثة ، تم ما الغاية من هذا التعدد؟ وما مدى القرابة المعرفية التي تحدد عملية التحديد ؟ وبذلك نضيف متاعب جديدة للمتعلم والباحث العربي. ولا شك أن تعدد المتدخلين في المعجم واختلاف وجهات نظرهم و مستويات تكوينهم اللساني   ساهم   بشكل كبير في وجود نوع من عدم الوضوح في التعامل مع المقابل العربي.

          إن مثل هذه الصياغة المصطلحية تتنافى والدقة المتوخاة من التحديد الدقيق للمصطلح اللساني الحديث ، ونعتقد أن هذه المقابلات المقترحة تعكس عدم التنسيق  بين اللساني اللغوي والمختص حتى يتم التحديد الدقيق لها ، اعتبارا منا أنه لا يمكن أن نلتمس الموقف الموسوعي للمصطلح إلا من خلال شخصان اثنان ، لغوي عارف بدقائق اللغة العربية ومختص يستطيع أن يحدد المضامين،لتكتمل المعطيات الصرفية، والاشتقاقية، والدلالية للمصطلح .

        كما يكشف هذا التضارب في المصطلحات الطابع الانفرادي الذي يبرز أن هناك زيغ  للمعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، إذ يرجع ذلك أساسا إلى عدم النسقية في نقل المصطلح، فبعض المصطلحات السيارة تنتقل من مجال إلى مجال آخر دون أن تبدل من مدلولها، مثل "Marque " التي تقابلها "السمة" تنتقل داخل الصواتة والصرافة والتركيب بنفس النسق، فنقول  " Marqué" بمعنى  "الموسوم" و "Marquage " " وسم "[10]، وبالتالي فكلما زادت الهوة بين اللغة العامة والاصطلاح كلما كانت عملية التطور والتوليد مؤثرة في النسق الدقيق والأمثل الذي يحكم عملية التحديد.

      إلى جانب هذه الإشكالية التي يعاني منها البرنامج الاصطلاحي، لم تسلك قاعدة توليد المصطلح طريقاً واحداً لمقابلة المصطلح اللساني باللفظ العربي. إذ لا يكفي أن تكون لدينا قائمة بالمصطلحات ، لكن الأهم أن تكون لنا ضوابط نسقية في صوغ هذه المصطلحات بشكل يضمن نوعاً من الانسجام والدقة والمرونة في استخراج المقابل المناسب. اعتبارا أيضا إلى الجمود ظل  يطبع آليات تكوين المصطلح، فعلي الرغم من القاسم المشترك الذي تجتمع عليه كل المؤسسات و المجامع اللغوية العربية والمتجسد في أهمية التعريب، إلا أن هناك من ينتصر للترجمة على حساب التعريب ، إذ  لم نستغل هذه الرخصة كما يجب ، علاوة إلى أن بعض المصطلحات يجب التعامل  معها بحرص شديد نظرا للحساسية الثقافية  والوجدانية من قبيل " الخطاب ، والنص، والتأويل "

       نعتقد أنه من الأفيد أن نقوم بعملية اختزال الإشكالات بطرحها المصطلح اللساني الحديث في مجموعة من النقط حتى يسهل على القارئ مناقشتها والوقوف عندها بما يلزم من الدقة،اعتبارا منا أنه لا سبيل للاختباء وراء النرجسيات والعنتريات التي تعمل على تسويق الكلام المعسول حول لغتنا. الكلام شيء والواقع شيء آخر، اللغة العربية تعيش أزمة حقيقة في إيجاد المصطلح الأمثل ، الأكيد أننا عندما نضع الأصبع على الداء يسهل الحصول على الدواء  وبالتالي فإن الحكمة تقتضي التعامل مع الواقع المصطلحي من منطق الواقع والموجود ، وعليه نؤكد أن أزمة وإشكال المصطلح اللساني الحديث ترجع، إلى جانب الأسباب المذكورة أعلاه، إلى :

  1. 1- التنوع في مصادر التكوين العلمي للسانيين يؤثر على شكل سلبي في مسالة توحيد المصطلح .
  2. 2- توزيع اللسانيين عبر مشارب معرفية مختلفة، فرنسية و إنجليزية وألمانية، مما يعكس النزعة الإيديولوجية التي تطبع أبحاثهم.
  3. 3- تضارب المصطلحات بين كل الاتجاهات يجعل وضع المصطلح في حاجة إلى إعادة ترتيب البيت حفاظا على وحدة المصطلح ومحاولة في الدفاع عن أحاديته.
  4. 4- اختلاف الآليات التي تولد المصطلح من مجمع /معهد لغوي إلى آخر، بل من لساني إلى آخر مما يعكس أن عملية التنسيق غائبة وغير حاضرة بأي شكل من الأشكال.
  5. 5- اتساع الهوة بين الجانب النظري والجانب المنهجي بين أقطاب الدرس اللساني العربي.
  6. 6- معالجة المصطلح من زاوية فكرية تصورية مما يسقط معالجته في اختصاص آخر يقترب من المفهوم.

 4 - نحو مصطلح  لساني  موحد

      سأل ملك الفيلسوف "كونفيشيوس" في الصين عن كيفية إصلاح البلاد فأجابه:"عليك أن تبدأ بإصلاح اللغة"[11]

      إذن، اللغة العربية الفصحى في حاجة إلى تلاحم جميع اللسانيين و المختصين من أجل العمل على تيسير استعمالها في الحياة العامة،وتجنب كل التعقيدات الممكنة،وتدليل الصعوبات الكائنة،وتبسيط القواعد النحوية، والصرفية، مع العمل على تزكيتها بقوالب صيغية و مصطلحات جديدة في حدود اللغة القابلة للاستعمال .

 هنا يمكن أن نبتدئ  بوضع منهجية واضحة و موحدة في توليد المصطلح اللساني الحديث.

      إن استخدام المصطلح اللساني الحديث داخل الترجمة و التعريب هي أحد أبرز الأسباب التي أدت إلى خلخلة التوازن المعرفي الذي نضبطه، لذا كانت الضرورة ملحة من أجل ضبط دقيق للحالات التي ينبغي فيها ترجمة المصطلح و الحالات التي يجب فيها تعريبه،على الرغم ممن يوازي بين الترجمة والتعريب ويعتبرهما شيئا واحدا. وهو أمر خاطئ  بالنظر إلى مسألة التخصص ومجال الاشتغال.

    إن الآلة التي بموجبها اشتغل جل الباحثين في المجال الاصطلاحي هي: الاشتقاق، والاقتراض، والنحت، و التوليد.إذ يصر بعض المصطلحيين على إيجاد المقابل العربي و تجنب الوافد الأجنبي،هذا التجنب الذي يؤدي في غالب الأحيان إلى خلق مقابلات متعددة، وعلى ضوء هذا،يتأكد أن النقاش و الخلاف بين اللسانيين الساهرين على تنظيم المصطلح داخل المعجم، فمنهم من ينتصر للنحت فيضع كمقابل ل (Electromagnétique) 'كهرمغناطسي' وهناك من يعمل على تحليل الكلمة ويقسمها إلى أجزائها الأصلية قبل تعريبها مثلا( .  Walky-talkyفي مقابل ذلك هناك من يبحث في الإرث اللغوي ليستعمل التلفون بدل الهاتف.

       وهو الأمر الذي انعكس ، بالتأكيد،على عملية عدم الضبط الدقيق للمصطلح اللساني الحديث،إذ نجد كمقابل ل مصطلح (Phonology)  علم الأصوات التنظيمي ،علم  التشكيل الصوتي ،علم وظائف الأصوات، النطقيات، علم الأصوات، علم الأصوات التشكيلي أو التنظيمي، علم النظم الصوتية، دراسة اللفظ الوظيفي،علم الأصوات اللغوية الوظيفي. وبالتعريب يمكن أن ننقل الكلمة عبر الاشتقاق (Phonological) كمقابل ل : فونولوجي،     و  (Phonologyكمقابل ل: فونولوجيا.[12]

     إذا كان جميع المختصين ،و كل المجامع اللغوية لا تخرج عن ذلك الإطار الذي يحدد بشكل قوي القواعد الأساسية التي بموجبها يحوسب المصطلح ،فلما لا توجد خطاطة عامة نعمل بموجبها على توحيد المصطلح اللساني،كما أنها ستوفر مجموعة من إمكانات التوليد الدقيقة و المضبوطة،من منطلق تطبيق آلية الاشتقاق، والنحت ،و الاقتراض ، والتوليد . وفي هذا الإطار أورد الفاسي الفهري خطاطة عامة نعتقد أنها كفيلة بأن تحل مشكل المصطلح اللساني و هي: 

 

مولد

 

مصاف

 

ألفاظ مولدة    

 

- تسويغ آلي    

- تسويغ بالتمثيل

 

ألفاظ مسوغة

 

خطي   

صواتي  

صرافي           تركيبي

دلالي مفهومي

تصويري

موسوعي

 

جذور     

 

صيغ    

 

اقتران    

                           خطاطة عامة لقاعدة الإصلاح المولد[13]        

     

        الجذور المولدة يتم قرنها بالصيغ، التي بموجب ذلك تعمل على توليد عدد من الألفاظ التي تخضع لعملية الإلصاق ،لتحط الرحال داخل المصافي الآلية إذ يتم استبعاد الجذور التي يتكرر فيها الحرف الواحد مثلا(ب ب ب) جذر غير ممكن آليا.وتصفى كذلك الجذور التي تبتدئ بصامتين مثلا: (قق) (ظظ).وإذا كانت بعض الحالات الشاذة  يتم إدراجها ضمن معجم خاص، ولكن لا يتم توليدها بطريقة آلية. ليتم الانتقال إلى عملية التسويغ بنوعيه الآلي و بالتمثيل الذي نعود فيه إلى المعاجم والنصوص في علاقتها بحدود مستوى النسق اللغوي. إذ يجب هنا أن نفصل بين ما يمكن أن يقبله النسق،ولا تقبله المعاجم و العكس.ومن تم لا يمكن أن نحكم على عدم جوازه،بل هي فكرة أساسية تجعلنا نفرق بين الأشياء التي يقبلها كل مستوى بعد ذلك ننتقل إلى إعطائها صورة خطية عربية محوسبة بدقة .

     بناء على هذا،نقول إذا كانت المصطلحات اللسانية تتوق لأن تصبح دراسية علمية للمفاهيم والمفردات الموجودة في اللغات الأجنبية ،فإن التوليد الاصطلاحي باعتباره آلية معيارية،يمكن عدها قاعدة تتجه نحو التمثل والتحقق.هذا شيء سينعكس على ضبط العوالم  التي من خلالها يمكن أن نصنع ثقافة لسانية جديدة تمنح الدرس اللساني حيوية جديدة تواكب التطور الذي ما فتئت هوته تتسع يوما عن يوم، و تبديد هذه الهوة لن يتأتى إلا عبر المرور على سكة توحيد المصطلح اللساني وتزكية حضوره.

5 - أكاديمية محمد السادس للغة العربية

         يجب أن نكن أكثر وضوحا و صراحة و نقر أنه يجب على نظامنا التربوي أن يعلن القطيعة بين التعليم القائم على المنتج و المستهلك، و التعليم الذي يؤمن بتبات المعارف، بل يجب أن نفكر أيضا أن هذه القطيعة لن تكون أبد بالأمر السهل اعتبارا أن الكثير من وسائل التعليم و نظمه قد ترسخت فينا بشكل متحجر ، مما دفع بالكثير من الأصوات إلى رفع صوت "إرحل" في وجه التصلب التربوي الجاثم على قلوبنا من قرون، بل إن هذا التحجر هو الذي كان سببا في فشل الكثير من الإصلاحات التربوية التي كانت تهدف إلى تعريب التعليم و جعله باللغة الأم أو اللغة المعيار في إشارة واضحة إلى اللغة العربية، بل الأكيد أن هذا النهج التربوي قد أثبت نجاحه في الكثير من الدول التي استطاعت أن تحقق نهضة علمية و فكرية و اقتصادية كبيرة ( اليابان، ماليزيا، العراق قبل الاحتلال ، سوريا ، إيران...).

       فإذا كان الواقع يقول إننا قد سئمنا الحال، و سئمنا ما نحن عليه، فإن الحل بين أيدينا إذا فكرنا بطريقة سليمة تعيدنا مرة أخرى إلى الريادة، خصوصا مع الإرادة السياسية التي أقرت بضرورة تأسيس أكاديمية محمد السادس للغة العربية باعتبارها مؤسسة مسؤولة على حماية اللغة العربية و جعلها في صلب الاهتمام و الفكر و الإبداع، إلا أن هذه الإرادة ظلت مكبلة بأيادي خفية تكن العداء لها خصوصا بعد المسار التشريعي الطويل الذي ابتدأ بإقرارها في لجنة التربية والتكوين في يونيو 1999، وصدور قانونها التأسيسي في يوليوز 2003، بإجماع ممثلي الشعب ومصادقة مجالس الحكومة والوزراء برئاسة جلالة الملك.. ويصدق هذا التجاهل والحِجر على مقتضيات ميثاق التربية والتكوين، خاصة المادة 114 التي تقر بفتح شعب علمية وتقنية في التعليم الجامعي باللغة العربية (مع دعمها بلغتين أجنبيتين)، كشرط من شروط ضمان الاختيار المسؤول، وتكافؤ فرص النجاح للمتعلمين الذين يختارون تعلم هذه المواد بالعربية أساسا[14].

     الحقيقة أنه عندما يعيش نظامنا التربوي هذا الشتات المصطلحي ، فإنه لن ينتج سوى شتاتا معرفيا لا يمكن له أن يواكب الأنظمة التربوية العالمية، لذلك يجب أن نشتغل منذ اليوم على ضرورة تبني نظام مصطلحي ممنهج يعمل بطريقة نسقية و محوسبة تحت إشراف مؤسسة مرجعية واحدة، فنحن نرى أن الأوان قد حان لكي نفعل تنزيل مشروع أكاديمية محمد السادس للغة العربية، فالعيب كل العيب أن تؤسس إسرائيل مجمعا للغة العربية، بل و تجعل من اللغة العربية لغة رسمية إلى جانب العبرية، و نحن مازلنا في بلدنا نعيش على أطلال الأجداد، فالعيب كل العيب أن أكثر من 22 دولة عربية و ثلاثة دول أجنبية ( إسرائيل ، اريتريا، التشاد ) تتخذ من اللغة العربية لغة رسمية لها و نحن مازلنا نصارع مع "دونكي شوط" الطواحين الهوائية، فالعيب كل العيب أن نعيش شتاتا مصطلحيا في الوقت الذي تتكتل فيه الدول حول بناء أنساق معرفية متطورة و موحدة  تشجع البحث العلمي و تمجده،فما الذي يجعل من المنظومة التعليمية الفنلندية منظومة ناجحة؟ يعود الأمر بالدرجة الأولى إلى الطابع المحلي للتجربة، و الاعتماد على الإمكانات الذاتية، و تشجيع البحث العلمي الذي تخصص له حوالي أربعة بالمائة من الناتج الوطني الإجمالي ، و هو معدل مرتفع بالمقارنة مع الإمكانات الاقتصادية  للبلد. يمكن أن نستفيد من هذه التجارب بشكل كبير إذا نحن أحسنا التعامل مع خصوصيات هويتنا الثقافية و اللغوية بشكل ينسجم مع طبيعة التفكير و طبيعة العنصر البشري باعتباره الفئة المستهدفة.بخلق مؤسسات كفيلة بتأطير البحث العلمي و تحفيز الباحثين و تشجيعهم على العطاء.

 

   خاتمة

حاوانا في هذا الموضوع أن نثير بشكل صريح أهمية أن نعمل على توفير كل الشروط الضرورية و الكافية التي تساعد على خلق المناخ المناسب للعمل الاصطلاحي في بلادنا لما للأمر من أهمية على الناشئة مستقبلا، فالضرورة أصبحت تفرض نفسها في أن نجعل من الأنظمة التربوية الباب الأول للاستثمار في العنصر البشري، فإذا أردنا أن نتطور أن نعتمد على طاقاتنا الداخلية فيجب أن نحترم لغتنا و أن نحترم هوياتنا ، هذا لا يعني أبدا أن نغلق الأبواب أمامنا ، بل يجب أن نبحث في كل الأنظمة الإصلاحية و التربوية و الحياتية بشكل عام لكي نخلق لأنفسنا نظاما تربويا محليا يتكيف مع المحيط و يسائل الماضي و يزعج أفكارنا المتحجرة، فلا نجاح بدون تطوير اللغة، و لا لغة بدون معرفة، و لا معرفة بدون اجتهاد و مثابرة.         

 

المراجع  

- ابن منظور ،لسان العرب،ج12 ،دار الصادر،بيروت،لبنان

- الخياط، محمد هيثم:نحو منهجية لوضع المصطلح العربي، لحديت،الموسم الثقافي 12 لمجمع اللغة العربي،(1995)                                                                                                

- المعجم الموحد لمصطلحات اللسانيات: المنظمة العربية للتربية  والثقافة والعلوم ، تونس (1989)          

- نبيل علي و نادية حجازي:فجوة اللغة،رؤية معلوماتية،ضمن عالم المعرفة الكويت. (2005)               

- قيس خزعل جواد:حول المفهوم و المصطلح في الفكر العربي،رسالة الجهاد،ع81،ليبيا (1989) 

- محمد حلمي هليل:التقييس المصطلحي في البلاد العربية،مجلة اللسان العربي،المجلد7،ع،145،(2003)      - محمد بنخلف:التعريب و المعاصرة،الوحدة،ع34،33،المغرب، (1987)

- عباس الصوري: الرصيد المعجمي في اللغة العربية، الرباط، (1995)

- عبد القادر الفاسي الفهري:أزمة اللغة العربية في المغرب نين اختلالات التعددية و ثغرات "الترجمة"،منشورات الزاوية،المغرب، (2005)                                                                

- عبد القادر الفاسي الفهري:المقارنة و التخطيط ،دار توبقال ،ط1،المغرب ، (1998)

 - عبد القادر الفاسي الفهري: اللسانيات واللغة العربية، دار توبقال، البيضاء ، (1985)

- عبد القادر الفاسي الفهري: مقتطف من الورقة التي قدمت ضمن أنشطة جمعية اللسانيات بالمغرب، بكلية الآداب بالرباط، في 23 يناير2012


 

. عباس الصوري (1995): الرصيد المعجمي في اللغة العربية، الرباط [1]  

[2] . ابن منظور ، لسان العرب،ج12 ، دار الصادر، بيروت، لبنان

  3. وهذا ما يفسر في نظرنا أن ( concept ) باعتباره لفظا أجنبيا يقابل المفهوم، والتصور، والفكرة. وبالتالي نجد أن المفهوم والتصور والفكرة يؤدي بعضها إلى الآخر عن طريق بناء صيرورة معرفية تجمع بينهم .                                                                                   

 .قيس خزعل جواد (1989):حول المفهوم و المصطلح في الفكر العربي،رسالة الجهاد،ع81، ص، 92، ليبيا  [4]   

 . الخياط، محمد هيثم (1995):نحو منهجية لوضع المصطلح العربي، لحديت،الموسم الثقافي (12) لمجمع اللغة العربي. [5]     

6- هناك العديد من الدراسات التي حاولت أن تشخص واقع حال المصطلح  في النهج التربوي و اللساني (خالد الأشهب، الوجيز في الاصطلاح منشورات معهد الدراسات و الأبحاث للتعريب)، ( بنعيسى أزييط ، مداخلات لسانية مناهج و نماذج) ، ( عبد السلام المسدي، قاموس اللسانيات) عبد القادر الفاسي الفهري ،معجم المصطلحات اللسانية).... كلها تصورات مختلفة يمكن أن نجملها في الزحزحة و عدم الاستقرار الدلالي للمصطلح اللساني  نظرا لتنوع الوسائل التي تساعد على صياغة المصطلح العربي ، فهناك من يركز على التعريب ، و هناك من يرتكز على النحت، و هناك من يصوغه معتمدا على الاشتقاق والتوليد.                                                                                           

 . نبيل علي و نادية حجازي (2005): فجوة اللغة، رؤية معلوماتية، ضمن عالم المعرفة.ص،305، الكويت [7]

[8] .  المعجم الموحد لمصطلحات اللسانيات(1989): المنظمة العربية للتربية  والثقافة والعلوم، تونس   

. ع الفاسي الفهري (1998):المقارنة و التخطيط ، دار توبقال ، ط1،المغرب [9]

. محمد حلمي هليل (2003): التقييس المصطلحي في البلاد العربية، مجلة اللسان العربي،المجلد7،ع،145. [10]

. محمد بنخلف (1987):التعريب و المعاصرة،الوحدة،ع34،33،المغرب.            [11]

12 عبد القادر الفاسي الفهري  (2005): أزمة اللغة العربية في المغرب بين اختلالات التعددية و ثغرات "الترجمة"، منشورات الزاوية، المغرب.  

.   عبد القادر الفاسي الفهري (1998): المقارنة و التخطيط في البحث اللساني العربي ، دار توبقال ، الدار  البيضاء.   [13]

، مقتطف من الورقة التي قدمت ضمن أنشطة جمعية اللسانيات بالمغرب، بكلية الآداب بالرباط، في 23 يناير 2012  - عبد القادر الفاسي الفهري[14]

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: