إطلاق معجم الدوحة التاريخي للغة العربية

كتب - سميح الكايد :

أطلق المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أمس مبادرة مشروع "معجم الدوحة التاريخي للغة العربية"، في خطوة هي الأولى من نوعها في المنطقة، تحت إشراف كل من مدير المركز الدكتور عزمي بشارة والدكتور رمزي بعلبكي ومجموعة من الأكاديميين والمهتمين باللغة العربية وتاريخها وهويتها.

وقال د. بشارة، في كلمة افتتح بها ملتقى القائمين على هذا المشروع: إن الفكرة تمخضت خلال لقائه والدكتور رمزي بعلبكبي ود. رشيد بالحبيب ود. محمد العبيدي من جامعة قطر في إطار لجنة تحكيم موضوع "اللغة والهوية" أحد موضوعي المؤتمر السنوي الأول للعلوم الاجتماعية والإنسانية. وأضاف أنه انطلاقًا من اهتمام المركز كمشروع نهضوي بقضايا الأمة ومنها قضية اللغة واستشعارًا من أعضاء لجنة التحكيم باهتمامي باللغة العربية تقدّموا باقتراحهم المتعلق بالمشروع الجديد الذي نحن بصدده حاليًا.

وأشار إلى أن المعجم التاريخي للغة العربية ليس بالأمر السهل، فهو مشروع أمة وحلم آلاف المختصين في اللغة العربية، حيث إن تطوير اللغة يعني مواكبتها للتطور، وهذا مستحيل إذا تم الاستغناء عنها كلغة في البحث العلمي والتدريس . لافتًا هنا إلى أن المشكلة لا تكمن في هذه اللغة العريقة بل في من يستخدمون اللغة والنهضة العربية تكون باللغة العربية.

ووصف المشروع بأنه نهضوي، إذ أنه يدفع مئات المختصين من مختلف الأقطار إلى البحث في الألفاظ العربية واستخداماتها وتاريخ دلالاتها .. مؤكدًا أن فهم ثقافتنا وحضارتنا مشروط بفهم اللغة في مرحلتها التاريخية، كما أن المعجم التاريخي يفتح الطريق أمام الاشتقاقات الدلالية والمطلوبة لمواكبة تطور العلوم .

وأعرب عن قناعته بأنه رغم التراث المعجمي الضخم لعلماء اللغة العرب القدامى، فإن اللغة العربية ما زالت تعاني حتى الآن من قصور معجمي واضح المعالم مقارنة باللغات العالمية الحية، ومن أهم ملامح هذا القصور غياب معجم تاريخي للغة العربية سيمكّن إنجازه من سد ثغرة هذا الغياب ومواكبة تطور اللغة العربية وسيسهم هذا الإنجاز في الارتقاء باللغة العربية إلى مصاف اللغات العالمية التي تملك معاجم تاريخية متجدّدة مثل الانجليزية والفرنسية والألمانية والأسبانية والروسية .

وعن جدوى هذا المعجم التاريخي للعربية، أوضح بشارة أنه يمكّن الأمة من فهم لغتها وبذلك يتم تحصيل الفهم الصحيح لتراثها الفكري والعلمي والحضاري، ويوفر عددًا من المعاجم الفرعية التي تفتقر اليها المكتبة العربية كمعجم شامل لألفاظ الحضارة (الصناعات والحرف والعمارة) ومعاجم مصطلحات العلوم ومعجم شامل للغة العربية المعاصرة والمعاجم اللغوية التعليمية، كما يمكّن الباحثين من إعداد دراسات وأبحاث تتعلق بتراثنا الفكري والعلمي وفقاً لما يتيحه المعجم من معطيات تاريخية جديدة، إضافة إلى استثمار البرامج الحاسوبية الخادمة للمشروع، وذلك لتطوير المعالجة الآلية للغة العربية.

وقال في هذا السياق: إنه انطلاقًا من هذه المعطيات سعى المركز العربي للأبحاث لإطلاق مشروع المعجم التاريخي للغة العربية، استهلها بعقد ندوة الخبراء الأولى بمشاركة نخبة من اللغويين والحاسوبيين العرب وممثلي منظمات اقليمية ومؤسسات أكاديمية وبحثية معنية بالموضوع وتمّت دراسة قضايا المعجم التاريخي للغة العربية والمدونة الخاصة به وسبل الاستفادة من التقنيات والبرامج الحاسوبية في إنجازة وخصص المركز الاجتماع الثاني لندوة خبراء لتحديد مادة المعجم. وأوضح أن التخطيط للمشروع بني على اطلاع واسع على التجارب الأجنبية والعربية الناجحة والمتعثرة وعلى خلاصة دراسات وأبحاث ومقترحات عدة.

من جانبه، قال د. رمزي بعلبكي: إنه اقترح هذا المشروع منذ عام ونصف العام وأعد د. بشارة لذلك مجلسًا علميًا من خبراء العجم العرب، وبالتالي تم توفير منحة قطرية للمشروع ووضعنا له هيكلية إدارية وسيبدأ العمل فيه بمرحلتين أساسيتين، هي جمع المدونة لكل مفردات اللغة العربية والمعالجة المعجمية.

وأكد د. عز الدين البوشيخي أن المشروع استغرق عامًا ونصف العام من الدراسة والتخطيط والتحضير .. مشيرًا إلى أبعاد المشروع ومفاهيمه وإنجازه، وقد بدأ الباحث بشرح مفهوم المعجم التاريخي للغة العربية. وقال إنه المعجم الذي يُثْبِتُ ألفاظ اللغة العربية، لفظًا لفظًا، راصدًا تاريخَ ظهوره بدلالته الأولى، وتاريخَ تحولاته الدلالية، ومكانَ ظهوره، ومستعمليه في تطوراته، مع توثيق كل ذلك بالنصوص التي تشهد على صحة المعلومات الواردة عن كل لفظ، وبهذا التحديد، يخرج من دائرة المعجم التاريخي للغة العربية كل المعلومات التي لا تتعلق بشكل مباشر بموضوعه وبالهدف الذي وُضع من أجله.

وتطرّق البوشيخي إلى أهمية المعجم التاريخي للغة العربية وقال: إن بناء معجم تاريخي للغة العربية هو بناء ذاكرة الأمة اللغوية، ولأن اللغةَ مرآةُ الفكر، فإن بناء الذاكرة اللغوية هو، في الوقت ذاته، بناء الذاكرة الفكرية، وإذا وثقنا هذه الذاكرة تاريخيا، فإننا نيسر بذلك رصدَ التطورات اللغوية والفكرية التي مرّت بها هذه الأمة على مدى عشرين قرنًا، ويتيح ذلك الرصد فهمَ تراثنا الفكري والعلمي بدلالات ألفاظه ومفاهيم مصطلحاته التي استُعملت بها في سياقاتها التاريخية والثقافية. فكم من لفظ استُعمل في تراثنا الفكري والعلمي بدلالة لم تعد له الآن، وفي غياب معجم تاريخي للغة العربية لا نستطيع الحد من كثير من سوء الفهم وانحراف التأويل وفساد الاستنباط الواقع في قراءة تراثنا الفكري والعلمي. إننا حقًا سنعرف أنفسنا بإنجاز هذا المعجم، كما لم نعرفْها من قبل.

وحول الجدوى من إنجاز المعجم التاريخي، قال البوشيخي: إنها تتلخص في عدة أسباب، أهمها تمكينُ الأمة من فهم لغتها في تطوراتها الدلالية على مدى عشرين قرنا، وتحصيلُ الفهم الصحيح لتراثها الفكري والعلمي والحضاري، بإدراك دلالة كل لفظ حسب سياقه التاريخي، ووصلُ حاضرها بماضيها في المستويات اللغوية والفكرية والعلمية، وتوفيرُ عدد من المعاجم الفرعية التي تفتقر إليها المكتبة العربية، كالمعجم التاريخي لألفاظ الحضارة (الصناعات والحرف والعمارة)، والمعاجم التاريخية لمصطلحات العلوم (المعجم التاريخي للمصطلحات الطبية والفيزيائية والفلكية والرياضية والجغرافية والفلسفية والشرعية والنحوية والبلاغية)، والمعجم الشامل للغة العربية المعاصرة، والمعاجم اللغوية التعليمية وتمكينُ الباحثين من إعداد دراسات وأبحاث متعلقة بتقييم تراثنا الفكري والعلمي في ضوء ما يتيحه المعجم التاريخي من معطيات جديدة، واستثمارُ المدونة اللغوية العربية في تطوير عدد من البرامج الحاسوبية الخاصة بالمعالجة الآلية للغة العربية كالمحلل الصرفي والمدقق النحوي والمحلل الدلالي والترجمة الآلية وغيرها؛ إذ أن المدونة اللغوية الضخمة ستتيح تطوير هذه البرامج تطويرًا واضحًا.

ولخص منهج إنجاز المعجم التاريخي للغة العربية بعدة خطوات هي إعداد "بيبليوغرافيا" شاملة، ما أمكن، لمصادر المعجم التاريخي حسب كل مرحلة من المراحل الزمنية المحدّدة وحصر المصادر المحوسبة وتقويم مدى مطابقتها لأصوله مراجعة ما يحتاج إلى تدقيق من المصادر المحوسبة رقمنة المصادر غير المحوسبة وتدقيقه وبناء المدونة اللغوية المرحلية ووضع المداخل المعجمية والمصطلحية وتدقيق المعجم ومراجعته واعتماده.

وأكد إطلاق صفحة إلكترونية لمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية، ضمن الموقع الرسمي للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، كما سيتم الشروع في إعداد البوابة الإلكترونية للمعجم وتجريب مجموعة من البرمجيَّات والمِنَصَّات البرمَجِيَّة المتعلقة بحوسَبة المدوَّنة اللُّغَوِيَّة للمعجم والعمل على إعداد تصميم قاعدة المعطيات التي ستكون عليها المدونة اللغوية الموسومة إعداد وثيقة المتطلبات التقنية لإنجاز المعجم.

وقال: إنه يتم التحضير منذ الآن لورشة "التقنيات الحاسوبية في خدمة المعجم التاريخي للغة العربية"، المقترح عقدها في نهاية سبتمبر المقبل.

وفي مجال الفهرسة والتوثيق أكد الباحث أنه يتم العمل حاليًا على برنامج أرشيف رقمي لتخزين الوثائق وحمايتها من التلف أو الضياع واستكمال تأسيس الأرشيف الرقمي وبناء مجموعاته الرئيسية من الناحية التقنية والتنظيمية.

وأكد البوشيجي أنه من المتوقع، بعد ثلاث سنوات، إنجاز المعجم التاريخي للغة العربية إلى نهاية القرن الثاني للهجرة إضافة إلى وضع برامج حاسوبية مطورة خاصة بمعالجة اللغة العربية ومدونة اللغة العربية إلى نهاية القرن الثاني للهجرة والبيبليوغرافيا الشاملة لنصوص اللغة العربية إلى نهاية القرن الثاني للهجرة .

وأكد أنه وفقًا للخطة ومن المتوقع وفق الخطة المرسومة، إنجاز معجم مرحلي بعد كل ثلاث سنوات، حتى بلوغ المعجم التاريخي للغة العربية الممتد من القرن الخامس قبل الهجرة إلى العام 1421 للهجرة. و

قال يأتي هذا المشروع الحضاري الكبير ليسد فراغًا كبيرًا في تاريخ اللغة العربية، وليمكّن الأمة العربية وأجيالها المتعاقبة من فهم لغتها وتراثها الفكري والعلمي والحضاري وربط حاضرها بماضيها إسهامًا في إخراجها من وهدة التردي والتبعية وإيذانًا بمستقبلٍ واعد.

---------------------

جريدة الراية القطرية:

  http://www.raya.com/news/pages/c2d061ea-eb86-4205-aa70-6e269c01f94c

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: