لقاء مع الدكتور عبد الملك مرتاض

في هذا الحوار الذي أجرته معه الوكالة يتحدث الناقد الموسوعي الدكتور عبد الملك مرتاض عن مشاركته المتميزة في مسابقة أمير الشعراء التي كانت بالنسبة له أعظم تجربة ثقافية إعلامية مؤكدا أن المسابقة مدرسة حقيقية للشعراء العرب، كما يطلعنا مرتاض عن جديده المتمثل في رواية تاريخيّة تتناول أطرافاً من تاريخ الجزائر على عهد الاحتلال الإسبانيّ لمدينة وهران، وعهد الاستعمار الفرنسي، وعهد الثورة ويتطرق مرتاض من خلال الحوار إلى العديد من المواضيع المرتبطة بتجربته في عالم النقد وراهن المشهد الثقافي وفي هذا الصدد قال مرتاض: إن بعض الشعراء الذين زعموا أنه أقصاهم من معجم الشعراء الذي أنجزه لا ينضوون تحت الشرط المنهجيّ الذي وضعته لدى تأليف هذا المعجم.

س- تألقْتَ في برنامج أمير الشعراء إلى جانب مجموعة من النقاد العرب حيث إطلالتكم متميزة مع الشعراء الشباب هل يمكنك أن تقرّبنا من الأجواء الحميمة التي عشتها وأنت ضمن لجنة تحكيم هذه المسابقة؟

ج- كانت هذه التجربة النقديّة الرفيعة المستوى أعظم تجربة ثقافيّة إعلاميّة لي، فأن يحكُم الناقدُ على نصّ شعريّ جديد لم يطّلعْ عليه من قبل، في ظرف أربعين ثانيةً، دون أن يغمطَ الشاعرَ حقّه، ولا النقد حقّه أيضاً، ليس بالأمر الهيّن. لم نكن، نحن أعضاء لجنة التحكيم، في تلك المسابقة الشعريّة العربيّة الرفيعة، بالضرورة، أفضل النقّاد العرب، ولكنّنا كنّا أكثر النّقّاد العربِ امتلاكاً للحسّ النقديّ المرتجل، بفضل الاحتكاك بهذه التجربة الفريدة من نوعها. والأصعبُ في علاقة النقاد، أعضاء لجنة تحكيم أمير الشعراء، أنّ كلّ واحدٍ منهم كان يحتفظ برأيه النقديّ ويَعُدُّه سِرّيّاً، ولا يُطْلع عليه زميله، من باب «السّبْق النقديّ»! ولكنْ شيئاً فشيئاً تكشّفت اللعبة الإبداعيّة أمام العمليّة النقديّة فأصبحت الآراء، في كثير من أطوار التدخلات، متقاربةً. وكثيراً ما كان الإجماع يقع على شاعر معيَّن فيكون أوّلاً، وعلى شاعرٍ معيّن آخر، فيكون آخِراً، دون سبْق تواصل بين أعضاء لجنة التحكيم.

وبتواصُل هذه التجربة النقدية، ذات المظهر الإعلاميّ (إذْ لم يكن من اللياقة أن يقع إغراق النقاد في الخوض في النظريّات النقديّة ذات الخلفيات الفلسفيّة العميقة، أمام الملايين من المشاهدين؛ كما لم يكن من اللائق أيضاً التفريطُ في حقّ ذات النقدِ باللَّهَثَانِ وراء أحكامٍ سطحيّة لا صلة لها بالنقد الاحترافيّ. فكنّا نحاول، جاهدين، التوفيقَ بين ابتذال النظريّة النقديّة وتقريبها من عامّة المشاهدين، ولكنْ دون التفريط في ماهيّتها أثناء ذلك).

وشيئاً فشيئاً، اتّخذ كلّ ناقدٍ من الخمسة ضرْباً من التفرّد بشخصيّته المتميّزة، وكان سَافِرُ هذه الأسطارِ ينحو منحىً لغويّاً نحويّاً، قبل العَمْدِ إلى تناوُل النّصّ الشعريّ جماليّاً وفنّيّاً. إذ لا يجوز أن نتحدّث عن جمال بناءٍ وموادُّه التي بُنِيَ بها فاسدةٌ تالفة، فسلامة مادّة البناء تسبقُ الحديث عن التجميل والتصوير.

س- ألم يحدث بينكم اختلافٌ وتصادم في الآراء وهل ترى أن هناك شاعراً ظُلم في هذه المسابقة ؟

ج- لعلّ القارئ الكريم الذين كان يتابع حلقات هذا البرنامج الجميل يعرف أنّ مثل هذا التصادم كان يقع نادراً، ظاهراً على الأقلّ. غير أنّ بعض الاختلافات النقديّة كانت تطفو على السطح من حين إلى حين. وربما كان بعض الزملاء يعارضُ زميلاً آخرَ علانية، وعلى المباشر. والأسوأ في ذلك أنّ الاعتراض ربما كان غيرَ صحيحٍ، كتصحيح بعض القضايا النحويّة التي كنت ألاحظها على الشعراء المتسابقين.

وعلى أنّ من المستحيل عليّ أن أكشِف بعض الأمور التي كانت تحدث في علاقات أعضاء لجنة التحكيم الذين افترقوا، لدى نهاية الأمر، بالبكاء، لعمق المودّة التي تكوّنت بينهم طوالَ عشرة أشهر على الأقلّ، موزَّعةً على ثلاثة مواسم.

وأمّا الحديث عن مسألة ظلمٍ قد يكون بعض الشعراء تعرّض له من أعضاء لجنة التحكيم، فأعتقد أن هناك ضماناً تامّاً بجعْل عدد الأعضاء في هذه اللجنة خمسة، ودون رئيس، بحيث كلّهم كان متساوياً مع صاحبه في قيمة العلاَمة المقترحة للشاعر المتسابق. إنّ في خمسةٍ مندوحةً! ولا يمكن لخمسة مجتمعين أن يتّفقوا على شرّ! وإذن، فالإنصاف ثابتٌ في الأحكام، كما نرى.

س- وهل هناك مواقف طريفة حدثت معكم وأنتم تقيّمون قصائد الشعراء أو في الكواليس؟

 ج- لقد قلتُ في الإجابة عن السؤال الثاني: إنّه عزيز عليّ الكشْفُ عمّا قد كان يحدث بيننا، نحن أعضاء لجنة التحكيم، من محاورات عن قضيّة لغويّة أو نحويّة أو نقديّة، من باب سرّ المهنة. ومن المواقف الطريفة التي ربما لم يتنبّه لها السادة المشاهدون أنّ مُخرج البرنامج طلب، في الموسم الثاني، إلى كلّ واحدٍ من أعضاء لجنة التحكيم أن يتحدّث عن أحد أصحابه (كان المخرج يعيّن عضواً واحداً)، وفي غيابه؛ فكان الواحد منّا ربما تهكّم بصاحبه طمعاً في أن يخرُج البرنامج من الرتابة النقديّة الصارمة إلى طرافةٍ يهواها الجمهور ويستحبّها. كما كان الشعراء الشباب كثيراً ما يرفضون الأحكام النقديّة التي تقدَّم عن نصوصهم الشعريّة، فكانوا يكتبون في النشرات العنكبوتيّة ما يقال، وما لا يقال، وذلك على أساس أنّها أحكام غير سليمة. والأسوأ من ذلك، أنّ الشاعر ربما كان يكابرُ فيناقش في الملاحظات النحويّة، وكأنّ قواعد النحو الصارمة أصبحت مجرّد وجهات نظر يجوز فيها الأقوال المختلفة! ومعظم تلك الردود لم تكن مباشرة، ولكنّها كانت تكتب متأخّرة في وسائل الإعلام... والحقّ أنّ تلك الردود كانت تُضفي على البرنامج مسحة جماهيريّة خفيفة تقرّبه من أذواق القراء والمشاهدين معاً...

س- إذا طلبْنا منك أن تسمي لنا بعض الشعراء الذين تتنبّأ لهم بمستقبل شعري زاهر ممن تخرجوا من هذه المسابقة، فمن هم هؤلاء الشعراء ؟

ج- قد يكون هذا السؤالُ مُحرجاً، ولكن إذا كان لا مناص من الإجابة عن بعضه فإنّ من بين الشعراء الذين تركوا انطباعاً ممتازاً لدى أعضاء لجنة التحكيم، وجمهور مسرح شاطئ الراحة أيضا، رابح ظريف، وحنين عمر، وخالدية جاب اللّه، وشفيقة لوعيل. وأمّا من العالم العربيّ فمِمّن يمكن ذِكْرُ أسمائهم من المتميّزين: أبو شجّة الموريتاني، وولد الطالب، وعبد الكريم معتوق، وعمر حاذق، وأحمد بخيت، وخالد الوغلاني، وتركي عبد الغني، وبسام صالح مهدي، وتميم البرغوثي، وجاسم الصحيح، ومهنّد ساري، ووليد الصراف، وروضة الحاج، ومحمد إبراهيم يعقوب، وحسن بعيتي ... وغير هؤلاء كثير ممّن لم يكونوا معروفين، فأمسَوْا شعراءَ نجوماً، طائرِي الصِّيتِ في العالم العربيّ كلّه... وبذلك أصبح برنامج أمير الشعراء بمثابة مدرسة أدبيّة حقيقيّة لتخريج الشعراء الشباب في سائر أرجاء العالم العربيّ...

س- أصدرتَ معجما خاصا بالشعراء الشباب وهو العمل الذي أثار حفيظة بعض الشعراء الذين أكّدوا أنهم تعرضوا إلى عملية إقصاء.. ماذا عن الأجزاء الباقية من هذا العمل؟

ج- المعجم يتناول كلّ الشعراء الجزائريّين، شيوخاً وكهولاً وشباباً، من الذين نشروا أشعاراً في الصحف الوطنيّة على عهد الاستعمار الفرنسيّ البغيض، والذين نُشر لهم ديوانٌ واحد، أو أكثر، في عهد الاستقلال، ولكنْ إلى نهاية 31 ديسمبر 2000، ومَن عاش منهم قبلاً، أو بعداً، بيوم واحدٍ، فلم يكن له مكان في هذا المعجم، بحكم أنّه يتناول هؤلاء الشعراء في القرن العشرين، وليس قبله، وليس بعده. وقد وقع جهْلٌ ببعض أسماء الشعراء الذين نشروا في عهد الاستقلال، فلم نتمكّن من الاطلاع على دواوينهم لِقُحُولِ الساحة الأدبيّة في الجزائر، وسأضيفهم في الطبعة الثالثة إن شاء اللّه. وهم زهاء عشرة شعراء.

وأمّا الذين أحدثوا زوبعة في قارورة زاعمين أنّي أهملتهم إهمالاً، وأقصيتهم إقصاءً، فهم يتجاهلون أنّهم لا ينضوون تحت الشرط المنهجيّ الذي وضعته لدى تأليف هذا المعجم الموسوعيّ للشعراء الجزائريين، (وقد فصّلته تفصيلاً مسهباً في مقدّمة المعجم، وهو «القرن العشرون»: أي من فاتح يناير 1900 إلى 31 ديسمبر 2000، لِمَنْ كان لا يعرف دلالة القرن العشرين في الزمن. فأنا لم أُقْصِ أحَداً، بل كنت أسعَد أعظم السعادة حين أعثر على شاعرٍ، لم أكن أعرفه من الشباب، أَضْطَمُّه إلى معجمي ليكثر سوادُه، ويتضاعف عددُه. وما الحكمة من الإقصاء والمرء يخوض في مسألة تاريخيّة خالصة؟ بل لقد نعَى بعضُهم على أنّي ذكرت بعض الشعراء من جيل عهد الاستعمار من الشيوخ المنقرضين، وكأنّهم أرادوا أن يُقْصوهم من الخريطة الشعريّة إرغاماً، والحال أنّ أولئك الشعراء كان الاستعمار الفرنسي يضطهدهم اضطهاداً، ويطلبهم تحت كلّ كوكب. كما لم يكونوا قادرين على نشر أشعارهم في ديوان، ولم تكن توجد دار نشر واحدة، باللغة العربيّة، بالجزائر على عهد الاستعمار، ولا هيئة أدبيّة أخرى، تتكفّل بنشر أشعارهم، وقد استشهد بعضهم في الثورة الجزائريّة العظيمة مثل عبد الكريم العقون، والربيع بوشامة، والأمين العمودي، فكان، حقُّهم علينا أن لا نطالبهم بنشْر ديوانٍ حتّى نذكرَهم في المعجم، وهو ما وضعناه معياراً نحتكم إليه بالقياس إلى الشعراء الجزائريّين على عهد الاستقلال... فذلك، إذن، ذلك. فكيف إذن نورد شاعراً عاش في عهد الاستقلال، ولم ينشُر ديواناً -إلاّ مَن اعتذرْنا لهم في المقدّمة- في هذا المعجم، مع المعايير المنهجيّة التي ضبطْنا بها تعامُلَنا مع هذه المسألة...

س- وما هو رأيك في نشاط هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث التي حققت شهرة عالمية في مجال الفعل الثقافي؟

 ج- كنّا نودّ لو أنّ الديوان الوطني للثقافة والإعلام أن تتوسّع أنشطته لدينا، فيرفد ما تنهض به وزارة الثقافة، لأنّه الهيئة الوطنيّة الوحيدة المشابهة لهيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، ولأنّه الهيئة الثقافيّة الوحيدة التي تملك من بعض الوسائل الماليّة ما يسمح لها بالاقتراب من هيئة أبو ظبي المجيدة.

إنّ هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، لِمَن كان لا يعرفها، هي بمثابة وزارة ثقافة ضخمة ذات استقلاليّة واسعة في اتخاذ المبادرة في إنشاء مديريّات مثل أكاديميّة الشعر، ومثل مديريّة الترجمة (مشروع كلمة)، ومثل مديريّة السينما، ومديريّة جائزة الشيخ زايد للكتاب، وهي الجائزة الرفيعة التي نالها، إلى حدّ الآن، ثلاثة أدباء جزائريّين، وهم أهلٌ لذلك... وكلّ مديريّة لها من الوسائل الماليّة ما يسمح لها بالنهوض بنشاط ثقافيّ نوعيّ ورفيع... ونحن لا ينقصنا المال، ولا الرجال، ولكن ينقصنا الرأي!

لقد أمستْ هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث وجها ناضراً مشرقاً يعكس المستوى الرفيع للحياة الثقافيّة الرفيعة، ولا نحسب أنّ لهذه الهيئة نظيراً في العالم العربيّ كلّه.

س- أصبحت عكاظية الجزائر للشعر العربي موعدا هاما في أجندة الثقافة الجزائرية وأنت تسجل حضورك دوما في العكاظية بمداخلاتك القيمة ومتابعتك لقراءات الشعراء، فهل تعتقد أن العكاظية ابتعدت عن تكريس نفس الأسماء لتفسح المجال أمام المواهب الجديدة ؟

ج- أعتقد أنّ هذه العكاظيّة هي، إلى حدّ الآن، أرقَى ما وصل إليه مستوى النشاط الثقافيّ المنتظم والمنهجي في الجزائر، فهي سنويّة الانعقاد، وهي تنوّع في انتقاء الشعراء العرب المدعوّين، فقلَّ مَن وجَدْناهم دُعُوا مرّتين متعاقبتين. والحكمة من وراء ذلك هي تنويع الأسماء، وتجديد النفَس، وتغيير الوجوه. أما الشعراء الوطنيّون فمِن حقهم أن يحضروا سنويّاً، لأنّ هذه العكاظيّة هي المتنفّس الوحيد لهم ليطوّروا مستوياتهم الشعريّة، وليحتكّوا بغيرهم من الشعراء العرب، في تنافُس جميل.

وقد كنّا اقترحنا على هذه الهيئة أن تخصّص جوائزَ ماليّةً رفيعة القدْر للشعراء ونقّاد الشعر معاً، ووقعت الموافقة المبدئيّة، وبقيَ التنفيذ الذي نحن بانتظاره...

س- بعض الشعراء المحسوبين على الحداثة انتقدوا شعار "الشعر والمقاومة " الذي حملته الطبعة الأخيرة من العكاظية باعتباره مفهوما أكل عليه الدهر وشرب، بحيث لم يعد التغني بعيون المها ممكننا في عصر الفوتو شوب؟

ج- لم يكن العرب والمسلمون أحوجَ إلى المقاومة مثل ما هم عليه الآن، فثرواتهم منهوبة، وشخصياتهم ممسوخة، وأراضيهم محتلّة، فهل كان هؤلاء يريدون من مهرجانٍ للشعر العربيّ، وهو يعقد في الجزائر التي عرفتْ أعظم ثورة في العالمين العربيّ والإسلاميّ، أن يتناول موضوع الحبّ عند امرئ القيس وعمر بن أبي ربيعة، مثلاً، ويستريح؟ وهل يجوز لمثل هذه الأنشطة الملتزمة أن تَنِدَّ عمّا وُضِع لها في أصل الإنشاء، فتُعْنَى بموضوعات الخمر والغزل والْمُجون، وتجديد القصيدة العربيّة، ومنها قصيدة النثر، وتترك المشاكل الحقيقيّة الماثلة في سيرورة تاريخنا المعاصر؟...

س- تبذل المؤسسات العربية جهودا معتبرة لدعم الفعل الثقافي من خلال إقامة الفعاليات واستحداث جوائز مشجعة ومحفزة للمبدعين فما رأيك في جوائز الشيخ زايد، الشارقة، الملك عبد الله الثاني، جائزة الملك فيصل؟

ج- الفعل الثقافي منذ كان، وحتّى على عهد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، مُحتاج إلى تشجيع وتكريم، وإلاّ ذبل ومات الموت البطيء! ونحن نعلم أنّ الجاحظ حين ألّف كتاب «البيان والتبيين» كرّمه قاضي القضاة أحمد بن أبي دُؤاد بثلاثة آلاف دينار، وهو مبلغ يساوي اليوم قريباً من عشرة ملايير سنتيم (خمسة ملايين درهم إماراتي). ومثله كتاب «الحيوان». ولا يقال إلاّ نحو ذلك في سيرة معظم الشعراء الذين كانوا يستلمون الجوائز المالية العظيمة من أُولي الأمر. ولا أتّفق مع الذين يزعمون أنّ أولئك الشعراء كانوا متكسّبين في كلّ أطوارهم، فقصيدة أبي تمّام البائيّة في المعتصم حين أغاث المرأة المسلمة في عمّوريّة، وقصائد المتنبّي الذين كان يتغنّى فيها بانتصارات سيف الدولة على الروم، وغيرها كثير: لا تنضوي تحت شعر المديح المتكسّب، ولكن تحت التغنّي بالمبادئ العظيمة...

وإذا كنّا رأينا بعض أولي الأمر من عرب المشرق خصّصوا جوائز تشجيعيّة مقبولة القيمة إلى حدّ ما، فبِما إِرْثِهم هذا التقليد الثقافيّ المتمدّن عن هارون الرشيد، وسيف الدولة، وغيرهما ممّن كانوا يكرّمون الشعراء والمثقفين...

 وعلّى أنّا طالبْنا في قصر الثقافة، بمدينة الجزائر، في سابع عشر أغسطس 1998 أمام جمع غفير من الكتاب والشعراء، وبعض ممثّلي الحكومة يومئذ، بأن تؤسَّس جوائزُ دولةٍ لمثقفينا الذين يتضوّرون جوعاً... والجائع لا يكتبُ إلاّ أدباً جائعاً أيضاً! وإنّا، بهذه المناسبة، نجدّد نداءنا إلى مَن يعنيهم الأمر في دوائر الدولة أن يعمِدوا إلى تأسيس جوائز في مستوى الجوائز العربيّة أو أرفع منها، فمثل سَنِّ هذه الجوائز لن تُفْرِغَ جيبَ الدولة أبداً، بل ستمكّن للسمعة الوطنيّة في الانتشار، وترفع من شأنها رَفْعاً...

س- على ماذا يشتغل الدكتور عبد الملك مرتاض هذه الأيام؟

ج- أنا عاكف منذ شهور على كتابة «ثلاثيّة الجزائر»، وهي رواية تاريخيّة تتناول أطرافاً من تاريخ الجزائر على عهد الاحتلال الإسبانيّ لمدينة وهران، وعهد الاستعمار الفرنسي، وعهد الثورة، وتتألّف من ثلاثة أجزاء. وقد صَدر الجزء الأوّل، بعدُ، الخاصّ بفترة الاستعمار الإسبانيّ، منذ أسابيع، وهو بعنوان: «الملحمة». في حين يوجد الجزء الثاني الذي هو بعنوان: «الطوفان» تحت الطبع. أما الجزء الثالث والأخير، من هذه الثلاثيّة، فهو بعنوان: «أمّ الثَّوْرات». وسأكتبه لاحقاً إن شاء اللّه.

س- رغم الكمّ الكبير من الأعمال الإبداعية يبقى النقد الحلقة المفقودة فإلى ماذا ترجع غياب حركة نقدية موازية لما يقدمه الشباب العربي من إبداع؟

ج- أعتقد أنّ هذه الظاهرة طبيعيّة ولا تحتاج إلى تفسير. فالشاعر قد يقول الشعر في سنّ الخامسة عشرة أو نحوها، كما وقع الأمر لكثير من الشعراء منهم طرفة، ومفدي زكرياء، ومحمد العيد... في حين أنّ الناقد لا يكون ناقداً بالتعيين، كما يُعَيَّنُ شخصٌ في منصبٍ سامٍ في الدولة، بقدرة قادر!... ولكنّه يحتاج إلى تكوين منهجيّ ومعرفيّ وثقافيّ وأدبيّ قاسٍ، وموسوعيّ ودقيق معاً، لكي يكون ناقداً. فكأنّ الناقد يقترب في دلالة معناه من دلالة معنى «عالِم» في الاستعمال القديم للّغة. وعلى أنّ الناقد الحقيقيّ حين ينبغ ويظهر، يستطيع أن يتناول عدداً كبيراً من المبدعين. فعدد النقاد أبداً، في كلّ الأعصار والأمصار، هو أقلُّ من عَدد المبدعين.

س- اتحاد الكتاب الجزائريين أصبح يسمى بجثة الثقافة الجزائرية ..فما هي أسباب فشل هذه الهيئة التي من المفروض أن تجمع الكتاب وتوحدهم بدل تفريقهم وإثارة النعرات بينهم؟

ج- أعتقد أنّ العهد الذهبيّ لاتحادات الكتّاب في العالم بأسره، انتهى مع عهد الاشتراكيّة، فالأنظمة الاشتراكيّة هي التي كانت تنفق بسخاء نسبيّ على مثل هذه الهيئات. فلا عجبَ أن نجد اتّحاد كتّابنا، اليوم، يعيش في أزمات متلاحقة بعضها من قَبِيل المشروعيّة، وبعضها من قَبيل الإنفاق. ولا أعتقد أنّ أمره سيستقيم بالسهولة التي يعتقد بعض الناس.

س- ستكون تلمسان - مسقط رأسك - عاصمة للثقافة الإسلامية عام 2011 فما الذي أعددته للمشاركة في هذا الحدث الثقافي الكبير؟ وكيف ستكون انعكاساته على المشهد الثقافي الجزائري؟

ج- لم أُعْدِدْ لذلك شيئاً! فأنا أشتغل بالبحث والكتابة فيما برمجتُ من مشاريعَ أساساً. يضاف إلى ذلك أنْ لا أحدَ من المسؤولين هناك اتّصل بي أو عيّنني في هيئة أو استشارني في قضيّة. وأعتقد أنّ في تلمسان من الرجال الأكفاءِ والمثقفين الكبار ما يجعلهم يستغنون عمّن يسكن خارج ولايتها. وعلى أنّنا في المجلس الإسلاميّ الأعلى نحن بصدد تحضير إسهاماتٍ في هذه التظاهرة الثقافيّة الكبيرة التي أدعو للقائمين عليها بالتوفيق. وأرجو أن يكون لها نتائجُ طيّبة في التعريف بمدينة تلمسان، مدينة الفنّ والتاريخ، والجدار، وعاصمة الزيانيّين...

س- أكيد أنك تفاعلت مثل كل جزائري بالمشاركة المتميزة للفريق الوطني في المونديال... حدثنا عن شعورك وأنت تتابع الفريق على شاشة التلفزيون؟

ج- الحديث عن الشُّعور، حديثٌ خَيْتَعُور! اسألِيني ما ذا أعددنا لتلك المناسبة من رياضيّين أكفاء؟ وما ذا فعلْنا في تأسيس منظومة رياضيّة متكاملة تنهض بكلّ الرياضات على اختلافها؟ إنّ كلّ جزائريّ حقيقيّ ينتشي لانتصار الفريق الوطنيّ، أو تسجيل نتيجة طيّبة ومشرّفة، هذا لا يحتاج إلى أن يزايد به على آخر. ولكنّي لست متفائلاً بمستقبل هذا الفريق ما لم نشرع في وضع برنامج طويل المدى للنهوض بالرياضة بعامّة، ورياضة كرة القدم بخاصّة، لأنّها اللعبة الشعبيّة التي يتفاعل معها الملايين من الناس. فالشعب الجزائريّ مشتاق إلى أن يفرَحَ، لكي ينسَى همومه اليوميّة فيسعد وينتشِيَ، ولكي يُحِسّ بالوحدة الوطنيّة العظيمة التي تجمع كلّ الجزائريّين...

فنحن بالرأي السيّئ كثيراً ما فرّطْنا في لاعبين، يعيشون في أوربا، من مستوى عالَميّ تحت أعذار غير مقبولة. فعلى المسؤولين أن يتابعوا اللاّعبين الغلمان، من الجزائريّين الذين يعيشون في القارّة الأوربية خصوصاً، ويحاولوا التقرّبَ منهم لتهيئة جيلٍ من اللاّعبين أُوْلي مستوى عالميّ حقيقيّ، فالجزائر اليوم برمّتها عقِمتْ عن أن تجد لاعباً يكون رأس حربة حقيقيّ، في الفريق الوطنيّ، فيمزّق شباك الفريق الخصم ويرهبه إرهاباً. فبعض لاعبينا حين يقذفون الكُرة، كأنّما يقذفونها بأرجل من قُطن! ومما نلاحظ عن هذا الموضوع أنْ ليس لنا أيّ لاعب يلعب في أكبر النوادي الأوربيّة في العهد الحاضر. أفلا يدعو ذلكَ، المسؤولين عن هذا القطاع إلى التساؤل والتفكير؟

س- وما هو رأيك في المستوى الذي وصل إليه الفريق الذي حاولت بعض الجهات أن تشكّك في قدرات أشبال الناخب رابح سعدان ؟

ج- أنا لا أشكّك في قدرة المدرّب، ولا في إخلاص اللاعبين، ولكنْ لا أحدَ يلام في ذلك، وعلينا أن نقول: «هذا ما حلبتْ»، كما يقال في المثل الشعبيّ الجزائريّ! فإذا كان المدرب عظيماً، ولا يوجد أيّ مدرّب في الحقيقة، في العالم، عظيمٌ، وليس له لاعبون كبار، فهل سيستعين على إحراز النتائج العظيمة، في المواقف العالميّة، وفي وقت قصير، بالدعوات والصلوات؟ نحن بحاجة إلى عملٍ شرِسٍ قاسٍ. علينا أن نقسُوَ على أنفسنا قبل أن يقسُوَ علينا غيرُنا، ولا نقع في السهولة والْتماس النتائج العاجلة في المواقف العارضة، ثمّ نتوقّف ونسكت. فليس لنا إلاّ أن نفعل كما تفعل الأمم الكرويّة العظيمة، ونفيد من تجربتها، لنحصد النتائج الطيّبة في أوانها.

س- كان لوالدكم الفقيه الشيخ عبد القادر بن أحمد بن أبي طالب تأثير كبير على شخصيتكم، حفظكم القرآن وعلَّمكم مبادئ العربية والفقه..حدثنا عن علاقتك بوالدك وعن طفولتك ورحلتك الطويلة مع العلم والمعرفة؟

ج- كانت علاقتي بالوالد، رحمه اللّه، علاقة تلميذ بمعلّمه، وعلاقة مُريد مع شيخه، ولكنْ بصديق مع صديقه أيضاً. كان الوالد يقسو علينا في تحفيظنا القرآن والمتون النحويّة والفقهيّة، وكان يحزن حزنا شديداً إذا رأى منّا في ذلك تقصيراً أو قصوراً.

وأما عن طفولتي فإنّي أذكر للقراء الأكارم شيئاً منها، وأعتذر عن العجز والقُصور، فأقول:

أن يؤوبَ المرءُ إلى أوّل حالةٍ يذْكُرُها من صِباهُ الأوّلِ ليس بالشأن اليسير، فالسنوات الأولى من الطفولة تبدو لنا مضبَّبَةً شاحبةً لا تكاد خيوطُها الزمنيّةُ تَبِينُ، وهي من أجل ذلك نَعُدُّها، حين نجاوزها بعشرات الأعوامِ، جميلةً طافحة الجمال...

كنّا نعيش في بادية نائية، جبليّة قاحلة في أغلب تضاريسها، هي مَسِيرْدَةُ بهضابها وجبالها، ووديانها وسهولها القليلة، فلم يأبه لها الاستعمار الفرنسيّ، ولا أظنّ أقدامَ جيشه وطِئَتْها إلاّ لدى اندلاع الثورة الجزائريّة حيث انتشر الجيش الفرنسيّ في كلّ أرجاء الجزائر ليشدّدَ قبضته على الشعب الجزائريّ بكلّ طبقاته الاجتماعيّة...

ولقد كنت كتبت شيئاً عن هذا الصِّبا الأوّل، وأودُّ أن أَزْدَفَّ أطرافاً منه إلى القرّاء الأعزّة، مُهْدِيَهُ إيّاهمْ وهُم كِرامٌ، وقد قلت في بعض ذلك:

وهاأنتَ... وهل ذا أنت؟...

وتلِكَ الرُّبَى...

المضمَّخةُ بعَبَق الخُزامَى البَرّيّ؛ ما أجملَها من رُبىً...!

وتلك الذُّرَى...

المعمَّمةُ بالضّباب الوحشيّ، ما أروعَها من ذرى...! فإنّ منها لَمَا يَفْتِنُ الألباب، وإنّ منها لَمَا يسحَر القلوب.

وتلك الرُّبى الأخرى، الْمُخْضَارّةُ وهي تتسلسل متجاورةً متعانقة، متواصلة متلاحقة؛ كأنّ ذُراها لم تكن تتّصل ببعضها بعضٍ إلاّ لِتَتَوامقَ أو تَتَعاشق، فتتعانقَ ولا تتفارق...

وذلك الزّمنُ الرّطيب...

وهو يتداخل، ولا يتمايز. يتسلسل في كَرِّه مُتعَباً مجهوداً، وذاهلاً مَكْدوداً؛ لا يكاد يسجّل إلاّ أحداثَ نفسه؛ من خلال ذاكرته المتهرّئة، وقريحته الخَرِعَة. كأنّه كان يكابد غيبوبةً تحول بينه وبين التّيقّظ والتّحفّز والانتباه. كان كلّ ما يجري من حوله كأنّه مفقودٌ غيرُ موجود، في هذا الوجود.

فمن قال: إنّ التّاريخ نَبِهٌ فطِنٌ، وعارفٌ واعٍ؟ بل مَن قال: إنّه مُدرِك لِمَا يجري من حوله من الحدَثان، في كلّ الأطوار والأحوال؟ كلاّ، فليس التّاريخ إلاّ أمّيّاً لا يكتب، وكاذباً لا يصدُق، أو قل: إنّه لا يكاد يَصْدُق. ويبدو أنّ طول الزّمن أصاب ذاكرتَه بالْخَرَعِ والخَوَر فأمسى لا يكاد يذكر شيئاً ممّا يجري ما حوله وهو سَاهٍ لاهٍ، لا جاهٌ يُجْديه ولا قَاهٌ! ولذلك تراه يتوالَى مترنّحاً كالسّكران، أو كذلك تراه؛ ثمّ لا يلبث أن ينقطع وهو لاَهٍ بما هو لاهٍ. وهو ينقطع، أو قل: إنّه يتقطّع، ثمّ يتوالَى كالمذبوح مضطرباً. في سلسِلة زمنيّة وهميّة غيرِ مَرئيّة، ولكنّها تُدْرَكُ فقط من خلال أشباحها الخفيّة.

وذلك الزّمن... الذي يقال له الزّمن، ربّما لأنّه مُزْمَنٌ فلا يتحرّك... فلا هو يرى، ولا هو يسمعُ، ولا هو يُشْغَلُ بتسجيل الْمِحَن، ولا هو قادرٌ على محو الإِحَن... ذلك هو الزّمن... الذي يعادل وجهاً من وجوه التّاريخ، ويمثـّل مظهراً من مظاهره...كأنّه لم ينشأ قبل يومك هذا. كأنّه وليدٌ مثلُك. كأنّه لا يبرح غضّ الإهاب، طريَّ الشّباب. كأنّه تخلّص من زمنيّته السّحيقة، التي ظلّت تُثقل كاهله عبر الدّهور الموغلة في القِدَم فأراد أن يُفلت من أثقاله الزّمنيّة بأنْ يَنشأ اليوم مثلك جديداً وليداً...

كأنّه الآن هناك يدرُج. يدرج معك في «غابةِ الحَريقة». فهل لزمنك هذا شكل أو لون، أو هل له حجم أو وزن؟ أم هل له هيئة أخراةٌ خارجَ أشكال الهيئات؟ إنّك لا تدري. لا تدري يقيناً على كلّ حال. لكنّك، مع ذلك، كنت لا تزال تتمثّله وكأنّه يعايشك ويُماشيك. بل كأنّه أحَدُ لِدَاتِكَ يلاعبُك ويُجاريك. يلازمك كظلّك دون أن تراه، ودون أن يراك هو أيضاً.

ومن عجبٍ أن تقوم العلاقة بينكما على ذلك النّحو الغريب.

ويلازمك زمانُك حتّى كأنّه أنت. وتلازمه أنت حتّى كأنّك هو.

فأنتما في هذا الضّحى، في هذا الرّبيع، في هذا المكان النّضير-في غابة الحريقة التي سارعتْ نباتاتُها وشُجَيْرَاتُها إلى التّفتّح والاِزْهِرار، بعد أن جادَها الغيث الْمِدْرار، فتعبّق الفضاء بأَريجها الْمِعْطار_: فأنتما إذن شيءٌ واحد، كائن واحدٌ؛ أو كأنَّكُمَاهُ. بَل قُل: إنّكُمَاهُ!

كينونةٌ واحدة مزدوجةُ التّركيب، كيانٌ واحدٌ معقَّد الْخَلْق. فأنتما متوحِّدان إلى حدّ الاندماج؛ وكما يتوحّد نفَسُ حبيبَيْنِ متعانقين متعاشقين التَقَيَا بعد اشتياق طويل.

ما ذا يمكن أن تذكر ممّا أنت ناسٍ؟ وما ذا كان يجب أن تنسَى ممّا أنت ذاكِرٌ؟ ذاكرٌ... من هذا الزّمان، ومن هذا المكان، ومن كلّ هؤلاء الأحياء، ومن كلّ هذه الأشياء... مِن هذه السّهول القليلة، وهذه الأوعارِ الكثيرة، وهذه الرُّبَى المتعانقةِ، وهذه الجبال الشّاهقةِ، وهذه المراعي الخصيبةِ، وهذه الْمَسايِل الجاريَةِ، وهذه العيون المتفجّرة؛ وهذه الأصوات النّاشزة من نُباح الكلاب، وعُوَاء الذئاب، وثغاء النِّعاج... ومن هذه الأصوات المتناغمة من غِناء الرُّعيان، ومن هذه الألحان الذائبة في صوت النّايِ الرّنّان، ونغَمِ المزمار الحَنَّان...؟

فماذا، إذن، يمكن أن تذكُر الآن ممّا كنت نسِيتَ من تلك الشّبكة الواهيةِ الخيوطِ من الذكرَيَات الشّاحبة، وحكايات الزّمن المتشابكة؟ بل ما ذا أنت ناسٍ ممّا كنت تذكر بالأمس؟ وهل لم يكن النّسيانُ إلاّ رحمةً بالإنسان؟ فإنّ مِن النّسيان لَمَا يكونُ فيه السُّلْوانُ والعَزاء؛ وإنّ منه لَمَا يكون فيه الرّاحةُ والهناء.

وإذن، فما ذا تذكر، على وجه التّدقيق، من سِنِي حياتِكَ الأولى؟ وهل من السّهل تمثـُّلُ شريطِ تلك الحياةِ البعيدة التّائهة في الذاكرة الخَرِعَةِ دون أن يصيبه التّشويشُ والاضطراب، والبتر والانقطاع؟...

ربما أقدَمُ ذِكْرَى لا تبرح تحتفظ بخيوط واهيَة منها في نفسك هي حين كنت تتعلّق في رقبة أمّك وهي قاعدةٌ تغزل الصّوف، وأنت تداعب ضفيرتَيْ شعرِها الأسودِ الطّويل. لم يكن ممكناً أن تتعلّق في أمّك من أمامها... ولا أن تأخذ بيدها وتمشي معها متجوّلاً بين الحقول والأشجار... كانت مشغولةً عن ذلك بما سِواه. لم تكن الوالدة تعرف لحظة من الرّاحة فتتجوّل أو تتنزّه كما كان يجب أن تفعل لو كانت تُلفي مَن يكفيها شؤون البيت. بل كانت تشتغل، ولا تتوقّف، بياضَ نهارها، وطائفةً من سَواد ليلها، كالنّحلة النّشيطة... فكيف كان يجوز أن يكون لك معها نصيب من النّزهة والعناية؟ ثمّ أين أنت من إخْوتك وأخواتك الذين كانوا متقاربين في الأسنان، فكانوا يملؤون فضاء الكوخ وما حَوَالَه من الدِّمنة ضجيجاً وعجيجاً؛ فكان كلٌّ منهم يتنازعها فيراها خالصةً له وحدَه من دون الإخوة الآخرين؟... ولكنّك كنت تنازع في نيل موقع من الأمّ، ولم يبقَ أمامك، على كلّ حال، إلاّ ظهرُها تُقْبل منه إليها، وتذهب منه عنها؛ لِتُحاولَ مداعبَتَها ومُلاعَبَتها، واستمدادَ شيءٍ من دَفْقِ حنان قلبها الكبير. فكانت قامتك تدنو قليلاً عن هيئة قِعْدتها.

وهاأنت!...

ومن أنت؟ وكيف أنت؟ وما أنت، إلاّ أنت...؟ أم لعلّك لست أنت...!

وهاأنت...

العُرْيَ ترتدي، والحَفاءَ تمشِي.

فِراشُك العَراءُ. غِطاؤك السّماء.

تسْتَحِنُ الشُّحوبَ. تقتات الجوعَ. تأكل الطَّوَى. تشرَب العطش، إذا عزّ الماءُ الشَّرُوبُ.

وفوقك عَباءةٌ مرقَّعة بيضاء. وليس عليك سِرْوالٌ ولا أيّ سُترة سُفْلَى. أو كان عليك جِلْبابُ صوفٍ بَالٍ. لم تعُدْ تذكر، في الحقيقة، من لباسك يومئذ شيئاً ذا بَالٍ. وإن هي إلاّ ذكرَيات سحيقة في الزّمان، شاحبة في التّمثـّل، واهيةُ الخيوطِ، أنْشَبَتْ أظفارَها في تجاعيدِ الزّمَنِ الْفَانِ. فلا أنت تذكر من طوائلِ صِباكَ كلَّ شيء فتسرُدَ الأحداث بدقّة وتفصيل، ولا أنتَ نسِيتَها كلَّها فتزهَدَ فيما انْتَسَى وهان، من الذاكرة المتهرّئة لِمَا غبَرَ من الدّهر وتقادم من الزّمان...

لكنّ الذي أفْلَت من قبضة النّسيان، بل ربما تذكره ذِكْراً يقيناً، أنّ رأسك كان حليقاً إلاّ من قُصّةٍ كانت تَنُوس على قَذالك فتَتَدَلْدل على قَفاك... وكان فوق رأسك، في الغالب، شاشيةٌ[1] حمراءُ لونُها قَانٍ. وتذكر أنّك كنت تمشي حافياً، وتذكر أنّك لم تكن ترتدي إلاّ ثوباً واحداً بالياً. لم يكن يجوز أن ترتديَ الثوب القشيب، لا أنتَ ولا لِدَاتُك من الأطفال، في تلك الأحراش المنقطعة عن العالم المتحضّر إلاّ مرّةً واحدةً في العام الخصيب. وفي عيد الفطر السّعيد. وكان عليك، إذن، أن تحافظ عليه إلى حينِ حلولِ عيد الفطر القادم. وكان عليك أن تتأهّب للعُرْيِ حين تغسِله لك أمُّك أو أخواتُك بنَبْت «تِيغِيغِيت».[2] وكان هذا النّبْت الذي يكثر أيّام الرّبيع تقتطعونه ثمّ تُغْلُونه في القِدْر بالماء والملح، ثمّ تتّخذونه طعاماً تأكلونه هنيئاً! وأمّا في الفصول الباقية فكان النّاس في ذلك الوجه من الأرض المنقطعة يحتفرون جذورَه لِيُحِلُّوهُ محلّ الصّابون الذي كان عليهم غالياً عزيزاً. بل كان من ثقافتهم غائباً بعيداً. فكانت الغاسلة تبلّل الثـّوب المتّسخ أوّلاً، ثمّ تضع فوقه طائفةً من جذور تِيغِيغِيت البيضاء، ثم تشرَع في خَبْطها بالصَّبّانة[3] على صخرة مسطّحة ملسَاءَ، ثابتة ثقيلة، حتّى يغتديَ ذلك الثوبُ نظيفاً، أو حتّى يخيَّلَ إلى الغاسلة أنّه اغتدى، أو كاد يغتدي على الأقلّ، نظيفاً. ثمّ تُلقي عليه شيئاً من الماء قبل أن تعتصره وتنشرَه على بعض أغصان الشّجر، أو على الأعشاب النّابتة، حتّى يجفَّ تحت أشعّة الشّمس وهبوب الهواء...

وأمّا الحمّام فلم يكن موجوداً في مسيردة كلِّها بأعاليها وأسافلها، وبواديها ومداشرها؛ فكان الواحد منكم إذا وقع له غديرٌ يغطس فيه، في أيّ فصل من فصول العام، غطَسَ فيه ولم يبالِ!.. فكان ذلك، إن وقع له مرّةً في الدّهر، فإنما يكون من العناية والتّوفيق! فقد كنت تستحمّ في غدير بوادي يَحْسوب حين كانت السّماء تجود بالغيث المدرار. ثمّ لا أكثر... فكان الصّغار إذن يلتمسون الغُدْران ليتكلّفوا الغطْسَ فيها متى صادفوها... وكان الولْدانُ والوليداتُ في ذلك الغطس سواء. وكان الاِستمتاع بالغطس في ماء الغُدران يتمّ خصوصاً في فصلَيِ الرّبيع والصّيف... وكان الواحد منكم ربما رأى من الآخر-أو من الأخرى أيضاً- كلّ ما خلق اللّه في الجسم، بادياً ظاهراً. ولم يكن أحدٌ يأبَه لِما كان يبدو من جسمه للنّاس أثناء الاغتسال في السّواقي، أو أثناء الغطس في الغُدران والعيون، أو حتّى أثناء العَوْم في مياه البحر في فصل الصّيف. كان النّاس على ذلك العهد يمارسون طقوس الغطس والعوم في الماء عَرايا، كالمَرايا؛ كما كان أهل الجاهليّة الأولى يطوفون بالبيت العتيق عَرايا...

وأمّا الكبار فكانوا يغتسلون من الجنابة بقَدَح ماءٍ بارد، في زاوية من البيت، إذا كانوا من المصلّين؛ فكان الماء في فصل الشّتاء هو الذي يتدفّأ بحرارة أجسامهم حين يتكلّفون الاغتسال وهم لا يكادون يُنكرون من أمر البرد شيئاً... وحتّى إذا كانوا يُنكرونه فلم يكن لهم أيّةُ وسيلةٍ لدفع ذلك الإنكار!

ويومَ غسْلِ عباءتك المتّسخةِ البيضاء. كان محكوماً عليك يومئذ بأن تظلّ عُرياناً حتّى تجفّ عباءتك. وتُراكَ الآنَ، فعلاً، عُرْياناً. كما ولدتْك أمّك. عُرياناً منذ لا تدري كم عدداً من السّنين... ثمّ ترتدي عباءتك البيضاءَ حين تجِفّ، أو تكاد تجِفّ. لم يكن لك ولا لإخْوتك ولا لأخَواتك ولا لأمّك ولا لأبيك ولا لِلِدَاتِكَ من الطِّفْلِ أثوابٌ أُخرى، تُرْتَدَى حين تتّسِخُ الْمُرْتَدَاةُ. بل كان القملُ يعشّش في بَطائنها فلا يزال يتوالدُ فيها ويتكاثر. وربّما كان ينتشر على ظَهَائِرها أيضا حين يهيج به ذلك التّكاثُر فكنت تراه يتجوّل آمناً.

وزمنَ كانتْ أمُّك تُمسكُ بك بين أحضانها. ثمّ تأخذ في فَلْيِ عباءتك المتّسخةِ البالية فكنت لا تزال تراها تقتل أجناس القمل التي حُشِرتْ في البَطائن والظَّهائر جميعاً بين ظُفْرَيْ إبهامَتيْها في براعة ليس أبرعَ منها شيءٌ!... وكان الذي يراها، يُدرك منذ الوهلة الأولى، أنّها اكتسبتْ خبرة طويلة بفعل توالُد القمل في بَطائن الأثواب، وضَفائر الأشعار، وإلحاح الفَقر المدقع على النّاس بعامّة في ذلك الصّقع من الأرض، وتمرُّس النّاس على فلْيه، ولاسيّما الأمّهاتُِ، منذ دهرِ الدَّهاريرِ. وحينَ كانت أمُّك لا تزال تصطاد تلك المخلوقاتِ القذرةَ وتطاردُها في بطائنِ ملابسِكَ حتّى لا تمتصَّ من دمك إلاّ أقلَّ ما يمكن أن يكونَ من الاِمتصاص. وحتّى لا تحُكَّ أنت جِلْدَك، أكثر ممّا تحُكُّه، فتورّمَهُ، كما ألِفْتَ، أثناء اللّيل، توريماً. فقد كان القمل يهيج عليكم إذا أرخى اللّيل سدوله هيَجاناً شديداً. وكان ليلكم يطول أثناء الشّتاء طولاً مُلحّاً لإبكاركم إلى النّوم؛ فكنتم تسمَعون لتلك الحَكّاتِ المتتاليَة الْمُتآنيَة التي كانت تَدْمَى منها جلودُكم: أصواتاً منكَراتٍ؛ فكانت تزيدكم ضيقاً بالنّوم، وبرَماً بطول اللّيل، وانزعاجاً من القمل المتكالِب... فكان الواحد منكم لا يزال يسمع، أثناء تلك اللّيالي الطِّوال، أزيزَ الحَكّ حين كانت الأظافر تُنْشِبُ جلودَكم بإيقاع محمومٍ... فكان البرد الشّديد الذي تكابدونه وأنتم مضطجِعون على حُرّ الحصير، يضاف إليه تكالُب القمل على جلودكم بالامتصاص، ممّا يؤرّق ليالِيَكم فلم تكونوا تنعَمون بالنّوم إلاّ قليلاً...

تلكم صور شعريّة في شكلها، حزينة في مضمونها من أيّام صبايَ دبّجتُها صادقاً...

وأمّا عن رحلتي الطويلة مع العلم، فإنّي إلى يومنا هذا لا أزال أتعلّم، ولم تغرّني الشهادات ولا الألقاب التي نلتها من الرباط والجزائر وباريس. فالعلم لا يحيا إلاّ بالتعلّم المستمرّ، وإلاّ اغتدى العالم اليوم، جاهلاً غداً. وعلى الناقد والمبدع جميعاً أن يعايشا عصرَهما فيتجدّدا حين يتجدّد، ويتطوّرا حين يتطوّر، وإلاّ صارا إلى ذمّة التاريخ!

س- هل يمكنك أن تخبرنا بمواقف حدثت لك في حياتك الشخصية وبقيت عالقة في ذهنك؟

ج- إنّ كلّ شخص في الحياة معرّض لمواقف طريفة أو سخيفة أو مزعجة. وأذكر أنا للقراء منها موقفاً واحداً.

كنت في زيارة لسلطنة عمان بمناسبة إعلان مسقط عاصمة للثقافة العربيّة. ولدى العودة، سلّم إليّ المنظّمون تذكرة تقتضي أن أركَب من مسقط، وأمرّ بالكويت، ثم بفرانكفورت، ثمّ تولوز، ثمّ الجزائر، ثم وهران. لكنّي لما وصلت فرانكفورت وأردت الصعود إلى الطائرة الألمانيّة الذاهبة إلى تولوز، لم أجد أيّ مخرج حرّ خاص بالمسافرين المتحوّلين، فكنت إلى حيثما أذهب أجد شبابيك طبع الجوازات، والحالُ أنّي لا أمتلك تأشيرة الدخول إلى التراب الألمانيّ. ولم يكن أحد منهم يعرف الفرنسيّة، ولا أعرف أنا من الألمانيّة أكثر من خمسة ألفاظ! أمّا الإنجليزيّة فلا حديث عنها. وهنالك اقتنعت بأنّ الذي يعرف الفرنسيّة، ويسافر إلى بلد خارج المنطقة الفرنسيّة، سيصاب بالخيبة، وسيقتنع بأنّه لا يعدو أن يكون أمّيّاً بيِّن الأمّيَّةِ! (إذْ وقعت لي قصّة مشابهة بعدها، أو قبلها، في مطار اسطنبول) فقيل لي: عليك أن تستصدر التأشيرة لكي تنزل على التراب الألماني! فقلت لهم: أنا بعدُ فيه! فعثرت بعد لأْي على موظفة في الخطوط الألمانيّة تتحدث قليلاً من الفرنسيّة فقالت لي: واللّه لا أدري ما ذا سيكون مصيرك أنت، ولا كيف؟ وأرى أنّك وقعت في موقف سخيف لا مخرجَ لك منه أبداً! ثمّ فجأة قالت لي: إذا كنت تمتلك سبعمائة دولار فيمكن أن تغيّر مسار سفرك عن طريق زريخ فجنيف، وتتنازل عن تذكرتك الأصليّة، ومن هناك تعود إلى الجزائر عن طريق الخطوط الجوية الجزائريّة. فضربت جيبي فوجدت أنّي أمتلك، بفضل اللّه عليّ، سبعمائة دولار، فعلاً! وكانت، واللّه، كلّ ثروتي! وقد كان المنظّمون وعدُونا في مسقط، بعد الخطب التي ألقينا، وبعد التعقيبات التي عقّبنا، أنّهم يُنِيلوننا ألفَ دولار، وأنّهم ربما سيرسلونها إلينا إذْ تعذّر تقديمها توّا، ولكنْ إلى اليوم لم نر شيئاً!... والأديب الذي ينتظر أن يَغْنَى، أو حتى يأكل الخبز، من قلمه في العالم العربيّ، هو كالفقيه الذي يكتب الحروز للعجائز الفقيرات! يأتين إلى منزله فيُضَيِّفُهُنّ ويَقْريهنّ، ويكتب لهنّ الحروز، ولدى مغادرتهنّ بيتَه يدعُون له بِسَعَة الثراء، وطول العمر، دون أن يُعطوه شيئاً!...

ثمّ قالت لي الموظّفة الألمانيّة التي تعرف كلمات من الفرنسيّة: عليك أن تتنقّل إلى موقع الصعود، في الجهة الأخرى من المطار، إلى الطائرة السويسريّة عن طريق القطار الآليّ. فقلت لها، وأنا أحمل محفظة ثقيلة وزنُها خمسة عشر كيلو على الأقلّ، غيّري لي مسار الحقيبة حتّى تسافرَ معي في الاتجاه الجديد. وذهبت، فوصلت إلى حيث أردت. واقتطعت التذكرة، وكان سعرُها ستَّمائة وخمسين دولاراً، فجاءتْ بها فتاة ألمانية تمشي الهوينى وأنا أكاد أحترق تحفّزاً مخافة أن تفوتني طائرة زريخ، فقالت لي حين دفعتُ لها سبعمائة دولار (سبعَ أوراق): لا «فكّة» لديّ! قلت لها: خذي الخمسين دولاراً، هِبةً منّي حلالاً! فعبد الملك مرتاض يهَبُ العملة الصعبة في مطار فراكفورت للجواري الرّوميات! فقالت لي: ما ذا تقول؟ قلت لها: وكيف نتفاهمُ بغير لغة؟ فصعدت عجِلاً إلى طائرة زريخ حيث نزلنا. وبعد نصف ساعة، انتظاراً في المطار، صعدنا في الطائرة القاصدة إلى جنيف، ولكنّ الطائرة لم تطِر! وظلّ التقنيون في هرْج ومرْجٍ، وصعود إليها، ونزول منها، دون أن ينتهُوا إلى شيء... وكان الوقت الذي يفصل بين وصول طائرتي إلى جنيف، وانطلاق الجزائرية من جنيف إلى الجزائر لا يجاوز ساعةً واحدة. وبعد لأي، وقد أصبحتُ في شيء من الارتياح لأنّ السويسريّين يرطّنون بالفرنسيّة فكنّا نتفاهم، فقلت للمضيفة: إنّ طائرتي في جنيف لا تنتظرني! فقالت: لا تقلق! وسأَقْريكَ بعصير برتقال يُنعشك!...

وتقرّر بعد لأي أن ننزلَ من تلك الطائرة المعطوبة، فنعود إلى المطار، لنركب طائرة أخرى. ولدى الإزماعِ على الصعود بدأتُ أحتجّ وأصيح أنّ طائرتي في جنيف قد طارت، ولم يعد عندي دولار واحد في جيبي؛ فهل سأذهب إلى الجزائر على جناج عُقاب!؟ فتفهّموا الوضع، وقالوا لي: انتظر. فكنت مضطراً إلى تنبيههم إلى ضرورة الاحتفاظ بحقيبتي العجيبة إلى حين معرفة مسار جديد لعودتي إلى الجزائر.

وبعد التي واللتيا، أرشدتهم إلى أنّ طائرة جزائريّة تدخل من باريس إلى وهران كلّ مساء، وكان اليوم لا يزال في منتصفه، فوجدوا لي مخرجاً أسافر بمقتضاه إلى باريس، ومن هناك إلى وهران. وسافرت بالطائرة السويسريّة إلى باريس. وحين قمت أمام مكتب الجزائرية بمطار باريس أخبروني أن التذكرة التي اقتطعها لي السويسريّون لا تحمل «الأوكي»، والطائرة الذاهبة إلى وهران ممتلئة بركّابها، ولا يمكن أن أركبَها!... فقلت لهم: أمّا الآن، وبعد الذي وقع لي فإنّي أركب طائرتنا، ولو على أحَدِ جناحيْها!... فتدبّر لي الجماعة مقعداً. ولكنّها تأخرتْ نصف ليلة، ولم أحزن لذلك، فنزلت بوهران في الساعة الرابعة صباحاً. وانتظرت حقيبتي مع المنتظرين، ولكنّ الحقيبة الملعونة لم تصل فيما وصل من حقائب الناس! فبقيتُ إلى الصباح في المكتب المختصّ لأسجّل ضياع حقيبتي وشكلها ولونها ووزنها وهيئتها وحالتها...

وبعد أسبوع عدت إلى مطار وهران، فقيل لي: إنّ حقيبتك بمطار الجزائر فامضِ إليها لتخرجَها، فلما سافرت إلى الجزائر، وبعد البحث والتقصّي في الأمانات، قيل لي: أمسِ أرسلْنا حقيبتك إلى مرسيليا، بحكم أنّها لا يمكن أن تُرسَل إلى وهران دون جمركة، وهي آتية من منطقة دوليّة. فأبْتُ إلى وهران خائباً. وبعد زهاء أسبوع آخر وصلت الحقيبة البئيسة في حالة بئيسة إلى مطار وهران... أليس هذا الموقف السخيف المزعج، من الطرائف؟

----------------------------------

[1] يطلق لفظ «الشّاشية»، وتجمع على «شواشٍ» في المغرب العربي على الطّاقية. وهي ذات لون أحمرَ في الغالب.

[2] لفظة أمازيغيّة تطلق على نبتةٍ كانت تنبت مع الزرع في فصل الربيع، فكانت تقطف قطْعاً بالسكّين، وتغلَى في الماء والملح ثمّ تؤكل مع الخبز، أو يُمرّقُ بها دشيش الشعير... وأمّا جذور تيغيغيت فكانت تُدَقّ دقّاً ثمّ تخلط بالملابس الوسخة ثمّ تدقّ بخشبة مخصوصة بعد أن تبلَّل بالماء، فكان هذا النّبتُ بمثابة الصابون الذي يستعمل في غسْل الملابس وتنظيفها... ولكن أين كان أولئك الفقراء البادون من مادّة الصابون التي كانت في حياتهم أعزّ من الكبريت الأحمر؟

[3] يبدو أنّ «الصَّبّانة» (وكانوا ينطقون الصّاد بالضّمّ)، مشتقّة من الصّابون، وهي عبارة عن آلة خشبيّة مسطّحة عرضها زهاء خمسة سنتيمترات، وطولها زهاء خمسة وثلاثين؛ ولها مقبض مستدير الشّكل طوله اثنا عشر سنتمتراً تقريباً، كانت الغاسلة نضرب بها الثوب الغليظ كالجلباب، والبطّانية، والحصير (بعد أن تضع فوقه مادّة «تيغيغيت» -وهي لفظة أمازيغيّة حضاريّة ظلّت قائمة في العربيّة يصطنعها الفلاّحون وعامّة الناس في الرّيف الجزائري- حتّى يزول الوسخ مِن على الثوب المغسول…

--------------------

روافد الأدبية:

http://www.rwafed.net/news-action-show-id-161.htm

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: