حوار صحفي مع رئيس المرصد الأوروبي لتعليم اللغة العربية في باريس السيد بشير العبيدي

حاوره: رشيد كعبوب

  كيف تقيم وضعية اللغة العربية في المهجر على ضوء ما تلمسونه من إقبال على تعلمها ؟

 بشير العبيدي: تعليم العربية في البلاد الأوروبية في تحسن مطّرد، وهو تحسن نسبي أتاحه انتشار المراكز والمساجد والعمل الدعوي والتوعوي، كما يوجد اختلاف كبير بين البلدان الأوروبية، من بلدان لا تدعم تعليم العربية بتاتا إلى بلدان مستعدة لدعم المدارس العربية ماليا دون أي إشكال. والحال عامّة ينبئ بما هو أحسن، غير أن أكثر الدول لا تولي للموضوع اهتماما كبيرا، لرواج فكرة خاطئة تماما، وهي: أن دعم تعليم اللغة العربية فيه دعم لنشر التدين ونشر الإسلام. فهذا خطأ كبير يقع فيه الكثير من الساسة، بدليل أن الجزيرة العربية في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانت ناطقة كلها بالعربية ولم ينتشر الإسلام بفضل اللغة بقدر ما انتشر بفضل القيم الجديدة، فضلا على أن المجتمعات غير الناطقة بالعربية سرعان ما صارت أغلبية بدخولها إلى الإسلام مع الحفاظ على لغاتها، كما أن العالم العربي اليوم تنتشر فيه اللغة العربية، وهي لغة متواجدة مع تيارات علمانية وتوجهات ليبرالية قوية، فالربط بين انتشار اللغة العربية وانتشار الإسلام هو مجرد تعلة لا تقوم على دليل موضوعي.

 ثم إن الإمكانيات المادية التي تتوفر لدينا محدودة جدا مقارنة  بما هو  مطلوب. فنحن في المرصد الأوروبي لتعليم اللغة العربية مازلنا نجمع المساعدات من أجل فتح مركز للعربية في باريس، أو حتى مجرد مقر لاستقبال ضيوفنا، ولم نستكمل ذلك منذ سنوات، رغم أن أموالا كثير يتم إهدارها في مسائل أخرى لا قيمة كبيرة لها . وليس من الهين تعليم ملايين الشباب اللغة العربية والثقافة والأخلاق والقيم في ظروف أقل من الظروف العادية التي تعود عليها الشباب في المدارس الأوروبية الحكومية منها والخاصة. إنني أشعر باعتزاز عظيم نظرا للاحترام الذي يصل إلى حد التقديس للغة العربية من طرف الأوروبيين ذوي الأصول العربية، وكم عبر لي من شاب عن خجله الشديد انه لا يستطيع مخاطبتي بالفصحى ويأسف جدا الكثير من أصدقائي لعدم فهم ما أقوله، عندما تستضيفني قنوات فضائية للمشاركة في برامج حوارية. وهذه بداية جد مشجعة للمستقبل، رغم الضعف الذي عليه هؤلاء الشباب، وضعف التأهيل المستمر والتدريب المتخصص.

 والتعليم لا ينقطع العطاء فيه، لأن العلاقة بالعربية أو بأية لغة ثانية تضعف موضوعيا جيلا بعد جيل، فالشباب تتفاضل معرفتهم بالعربية بحسب قربهم أو بعدهم من الجيل المعرب الأول وبحسب حرص الأولياء من عدمه على تعليم اللغة العربية. المشكلة أن الشباب يشتكون من كونهم يتعلمون الفصحى ولا يجدون مجالا تطبيقيا يبدعون من خلاله باللغة العربية، حتى صارت العربية أشبه بلغة شعائرية، مقصورة على حياة المساجد والمراكز الإسلامية أو في صالونات المثقفين المغلقة، وهي أهم بكثير من ذلك.. كما أن التواصل الفكري مع الكتاب العربي شبه معدوم وهذا في نظري خطر كبير لأن الناس في أوروبا لا يعرفون في غالبيتهم ما يكتب وينشر في العالم العربي وليست هناك حركة ثقافية نشطة باللغة العربية عدا اللقاءات العامة والمحاضرات ولقاءات المثقفين العرب التي غالبا ما تكون متوازية مع ترجمة فورية.. هذا الأمر لا نجده عادة لدى الأتراك الذين يستخدمون لغتهم فقط، وأولادهم يخاطبون بعضهم البعض بالتركية. أما أولاد العرب، فلا يستخدمون بينهم العربية في الغالب حتى وإن كانوا أطفالا من أسرة واحدة..

 وقد باشرنا بحثا في المرصد الأوروبي لتعليم اللغة العربية لرصد أسباب هذه الظاهرة المثيرة، كما أننا لاحظنا أن غير العرب يتقدمون عموما بشكل أفضل في اللغة العربية قياسا لمن لهم لهجات عربية يستخدمونها في المنزل.. ثم لا ننسى أبدا أن العربية في مواطن إقامتهم هي لغة أجنبية وليست هي اللغة الأم.. فليس المقصود استخدامها يوميا، بل التمكن منها من أجل التواصل بين المسلمين الأوروبيين عامة وعددهم اليوم يزيد عن الثلاثين مليونا في أنحاء أوروبا، وخاصة من أجل التواصل مع العالم العربي الذي يمثل اليوم الرقعة الأرضية التي ستكون مسرحا لأعظم أحداث الخمسين سنة القادمة.

كما بدأت ظاهرة الشباب الناطق بالفصحى في أوروبا تروج بشكل لافت، وتوجد عائلات قررت الكلام بالفصحى والتخلي عن اللهجات، ويهمني هنا الإشارة إلى أن المرصد الأوروبي لتعليم اللغة العربية يعتمد العربية في المعاملات اليومية سواء شفهيا مباشرا أو هاتفيا أو عبر الحاسوب وكل التعاملات والاجتماعات تتم بالفصحى، فتألق بذلك أعضاء المرصد وصاروا محل تقليد من الآخرين، وشخصيا كل من عرفني صار يهاتفني ويكتب إلي بالعربية الفصحى آليا... وهذا معناه أن التغيير الأهم قد يكفي فيه أن تبدأ أنت به شخصيا.. إذ لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم..

 الأستاذ بشير العبيدي...حبل الاتصال والتواصل والربط بين الخيّرين كانت مهمة نبيلة حملْتَها أنت على عاتقك،  فكيف بأبسط الطرق وأخف الوسائل وأضعف الإمكانيات التأمت الأمور وسارت نحو التألق؟

 بشير العبيدي: لا أدري إن كانت تجربتنا متألقة كما وصفت، وربما هي كذلك لحسن ظنك وظن الناس بنا، غير أنني أدلك بأبسط الكلام عن سر النجاح بشكل عام :  الصدق والإصرار. فلا تسمع الأذن إلا من القلب، ولا معنى لقول لا يتبعه عمل يصدقه.

 كما أغتنم فرصة سؤالك الكريم كي ألفت انتباه القراء الكرام إلى أهمية التراكم المعرفي. مشكلة العرب في كل مكان هي متشابهة في الجانب المعرفي : لا يوجد تعاون ولا تراكم معرفي بين العاملين في المجال نفسه. لقد سرنا جدا أن نر بعض الجمعيات العاملة في مجال تعليم اللغة العربية تقوم باستنساخ أفكار ومشاريع يطرحها المرصد الأوروبي لتعليم اللغة العربية، لكن تلك الجمعيات نفسها حينما تعرض عليها فكرة التعاون والتآزر وربط علاقات بينية لتقوية القدرات وتراكم الخبرات، تجدها غير قادرة على ذلك ... ربما بسبب قلة الوعي بأهمية ما ننادي به من تفعيل الذكاء الجماعي.... لكن الإصرار والإخلاص سيجعل هؤلاء يقتنعون يوما ما، فدوام الحال من المحال، المهم ألا نفقد الصبر والأمل ولا نقطع حبل المثابرة والعمل.

علامَ تراهنون في استراتيجية توسيعكم للنشاط وتجسيدكم للفكرة في ظل الرهانات الجديدة؟

 بشير العبيدي: نراهن على الإنسان. كما أكد ذلك كل من السيدين رئيسي المرصد السابقين كريستيان لوشون وأحمد الدبابي، نحن نؤمن أن تعليم اللغة العربية وتطويرها واستنباتها في الأرض الأوروبية هو أمر في صالح المواطنة الأوروبية وفي صالح الأوروبيين وفي صالح الثقافة العربية وفي صالح الإسلام وفي صالح تجربة التواجد للمسلم في الأرض الأوروبية. نحن نتمنى أن تكون اللغة العربية لغة أوروبية كما أنّ الفرنسية هي لغة مغاربية تبناها الكثير من الناس عندنا وأتقنوها وكتبوا بها. نحن نريد أن نكون ترجمة لقول الله سبحانه في القرآن الكريم: "ومن آياته اختلاف ألسنتكم وألوانكم" ... ونحن على وعي تام بأن الله عدّ الاختلاف من الآيات وليس الاختلاط. لا نحب اختلاط اللغة بل اختلافها. لا نريد أن تصير اللهجات العربية  لهجات مشوهة ممجوجة مخلوطة دون موجب بلغات أخرى لأنها تفقد بذلك خصوصيتها وروعتها ورونقها.... جهدنا موجّه للإنسان فهو الذي نعنيه بالثقافة وهو المعنيّ بكل جهودنا.

أما الوصول إلى ذلك الإنسان، فلن يكون إلا عبر المعلم والأستاذ والمربي. فلكي نصل إلى الإنسان ككل، علينا أن نرافق المعلم والأستاذ في مهمته النبيلة من أجل التألق في تعليم العربية للناطقين بغيرها، بأفضل الوسائل وأقربها للإتقان والحرفية.

ما هي الرسالة التي توجهونها لأهل لغة الضاد ولمحبي لغة الضاد؟

بشير العبيدي: هي نفس الرسالة التي كان يرددها رفيق دربي أحمد الدبابي .... الرئيس السابق للمرصد ... أقول لمحبي الضاد في كل مكان، إن تشويه اللغة العربية ـ  لغة الوحي والحضارة والعقل والعلم ـ تعدّ من أكبر منكرات عصرنا.  ولقد طفتُ شخصيا بأرجاء كثيرة من العالم ولكنني لم أر أكثر إهمالا واحتقارا واستصغارا من "عرب اليوم" للغتهم الفصيحة ... إن ذلك يعد انتحارا ثقافيا لا مبرر له على الإطلاق. فالناس في بلداننا "العربية" لا يعون خطورة الأمر لأنهم يعيشون خارج التاريخ في الوقت الحاضر ... ولو اعتبرنا ببعض مآسي الماضي، ربما سيكون في ذلك عبرة لنا، فعلى سبيل المثال، على كل واحد من مضيعي اللغة العربية أن يعرف القانون الذي كان ساريا بعد سقوط الأندلس كان إذا سُمع عربي أو بربري يتكلم العربية قُطع لسانه، فذهبت اللغة بعد ذلك الجيل. وذهب الدين والحضارة في تلك الرّبوع بذهاب اللغة.   كثير من العرب اليوم وخاصة في الشبكة يقطعون ألسنتهم بأيديهم... هذا هو الانتحار الثقافي الجماعي... الذي ينبغي محاربته. وفي الحرب على الانتحار الثقافي الجماعي، للمعلم والمربي والأستاذ الدور الأخطر على الإطلاق. فلا مناص لنا اليوم من إعادة اعتبار الدور الحاسم لهؤلاء ضمن سياق منظومة تربوية تراعي الإنسان في أدق حاجاته وكفاياته وتوازناته  في ظل الانتشار المكثف للمعلومات غير القابلة للجرد والتشذيب والترتيب والتأصيل من دون معلم.

 أخيرا، أقول لأهل الضاد : إنسان اليوم  لا يحتاج معلما من أجل الدخول إلى عالم المعلومات. لكنه قطعا يحتاج إلى المعلم كي يستطيع أن يخرج سالما من ذلك العالم الآسر.فلنقمْ للمعلم نوفّه التبجيلا ...عملا بالنصيحة الشعريّة والتّاريخية الشّهيرة لأحمد شوقي .

----------------------

المصدر: موقع المرصد : http://www.europarabic.org/news/888

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: