تدريس اللغة العربية لغير المتخصصين «طلبة الحقوق نموذجا»

وإذا كان لتهميش هذا البعد أية عوامل، فإنها ترجع بالأساس إلى:

- تزاحم الهموم والمهام، ومتاخمة المفاهيم لبعضها، كما يحصل مع "التربية" "التعليم" "التدريس" "التعلم" "الاكتساب" " التكوين". وهذا يحصل عنه أن يتم الاهتمام بواحد منها على أنه اهتمام ببعضها أو بكلها.

- ثم إن تداخل الاهتمامات على مستوى التنظير، يترتب عنه على مستوى الممارسة، خلط بين متطلبات مستويات المستفيدين، إن لم يترتب عنه الخلط بين تلك المستويات.

       ونحن في هذه المحاولة نحاول حصر "التدريس"، إذا كان لغير المتخصصين، باعتباره همّا أو قضية مستقلة ًتقتضي اهتماما خاصا ًنوجه الانتباه إليه. وإذا كنا قد اخترنا لهذه التوجيه نموذجا كما هو مبين في العنوان، فإننا سنعمل على ذلك بالنظر إليه كالتالي:

- سنعمل على تأهيل هذه المحاولة بتحديد بعض المفاهيم الأساسية.

- وبعد ذلك وباعتبار ما قد يساعدنا من استطلاعات4 ودراسات وأبحاث، سنقترح بعض عناصر الإجابة عن السؤال: أي درس في اللغة لطالب الحقوق؟

 

       1- إن التعليم نشاط إنساني تفاعلي. إنه نشاط مقصود لغايات وأهداف مقصودة، تُدرك باستعمال مناهج وأساليب خاصة. يتم بموجبه تلقين المعلم للمتعلم مجموعة من المعلومات والمعارف أو إطلاعه على عدد من الخبرات والتجارب. وبموجبه أيضا- إذا سرنا على ما تواتر عليه استعمال المفهوم- تزويد المستفيد بعدد من الآليات والمناهج. إن التعليم لما يكون تفاعلا بين المعلم والمتعلم في مراحل ما قبل الجامعية، فإنه ينصب على تلقين المعلومات الجاهزة. وتقاس فعاليته بمقدار ما يستبطنه المستفيد من ذلك بعد التخرج. ولما يتعلق التعليم بالمرحلة الجامعية، فإنه لا يكون تلقينا للجاهز، وإنما يجب أن ينصب على إطلاع المتعلم على عدد من المناهج العلمية، وتزويده بطرق البحث وأساليب المعالجة وآليات التحليل.5 وتقاس نجاعته بمدى قدرة المستفيد على استثمار ذلك. فكيف يستقيم هذا إذا كانت اللغة موضوعا أو مادة للتعليم؟

       إن اللغة لما تتخذ مادة للتعليم، فإنه يجب أن نراعي - كما الأمر مع كل المواد- مستويات المستفيدين. ومن ذلك أن نحسم في الفصل والتمييز بين ما تتطلبه كل مرحلة من مراحل التعليم. لأن المضامين والمناهج التي يمكن أن تصلح لمرحلة ما، لا تصدق صلاحيتها لكل المراحل. وهذه حقيقة معروفة لدى الجميع، إلا أن التطبيق كثيرا ما يزيغ عنها.

       وإذا كان التعليم في المرحلة الجامعية عموما ينصب على ما أشرنا إليه أعلاه، فإنه لما يتعلق الأمر بتعليم اللغة في هذه المرحلة، يجب أن يكون تدريساً لها. ومعنى ذلك أن ينصب على إطلاع المتعلم على عدد من النظريات والمناهج العلمية التي جعلت اللغة موضوعا لها، وتزويده بطرق البحث فيها، وأساليب معالجتها وآليات تحليلها. ذلك لأن المستفيد الجامعي يُفترض أو يُتوقع أن يكون ذا قدر من الكفاءة اللغوية، يسمح له بأن يجعل اللغة موضوعا بعدما كانت عنده هدفا في المراحل ما قبل الجامعية، حيث كان يُتوقع أن يكون: إما غير ذي قدرة (بالمعنى التوليدي للقدرة) في ما يتعلق باللغة المنشودة. أو يستبطن جزءا منها يقل أو يكثر، إلاّ أنه لا يستوفي المطلوب. أو يكون غير ذي كفاءة إنجازية، أو يمتلك منها ما لا يفي بالمطلوب.

       وهكذا يحصل عندنا الفرق بين تعليم اللغة وتدريسها، كما الفرق حاصل بين هذا وبين اكتساب اللغة وتعلُّمها. إذ الاكتساب تجربة فردية عصامية لاواعية، يخوضها الفرد بشكل عفوي وعن غير قصد، منفعلا أو متأثرا بالمحيط الذي يعيش فيه، وتكون محصلاتها آثاراً لذلك المحيط في ذاكرة المستفيد وسلوكه.

       وأما التعلم، فمن صيغته يمكن أن يؤخذ إما على المطاوعة أو على الانعكاس.6 فإذا أخذناه على الانعكاس تطابق عندنا مع الاكتساب ولم يخالفه إلا من جهة القصد، فإذا كان الاكتساب سلوكا لا واعيا، فإن التعلم سلوك مقصود. وأما إذا أخذناه على المطاوعة، فإنه يكون حاصلا عن متعلم بتأثير معلم. أي إن التعلم هنا يحصل عن تعليم، وهو يختلف عن التعلم المنعكس من جهة التجلي المباشر للوسيط.

       وعليه، إن اكتساب اللغة سلوك لا واعٍ، وإن تعلمها إما يكون بشكل عصامي، أو حاصلا بتوسط مباشر. وإن تعليمها يكون لهدف تحقيق الكفاءة التواصلية. وإن تدريسها يكون فضلا عن ذلك لهدف تحقيق القدرة على دراستها. ويبقى السؤال المطروح هو كيف يتم تدريسها للجامعيين غير المتخصصين؟ وهذا سنحول الإجابة عليه في مرحلة لاحقة من هذا البحث.

 

       2- إذا كان الهدف من وراء تدريس اللغة للجامعيين غير المتخصصين هو تدارك الضعف الحاصل على مستوى الكفاءة اللغوية لدى الطلبة. فإن هذا الهدف لا ينبني على أية معقولية. ذلك أن امتلاك اللغة العربية خصوصا، بالنسبة للطالب المغربي، ينبغي أن يتم الحسم فيه في سنوات التعليم ما قبل الجامعي (12 سنة على الأقل). ألا ينبغي أن يكون الهدف في هذه المرحلة أكبر من ذلك؟ ألا يجب أن يكون معيار الكفاءة اللغوية معيارا أساسيا وضروريا من بين معايير التقييم ما قبل الجامعي؟ ألا يعتبر السعي وراء هذا الهدف – وإن كان محمودا- متأخرا عن أوانه؟

       إنه إذا كان لتدريس اللغة لغير المتخصصين من هدف، فإنه يجب كي يكون معقولا أن يكون منسجما مع ما يقتضيه سياق توخيه. أي يجب أن يكون لا تداركا لضعف الكفاءة اللغوية والتواصلية، وإنما يجب أن يكون تعزيزا وتوجيها لها لاستيعاب معطيات ومتطلبات الحقل المعرفي الذي اختار الطالب الانتماء إليه، وهذا لا يتحقق إلا بالإلمام بخصوصيات لغته داخل اللغة العامة. ثم تأهيله للانخراط الفاعل بعد ذلك في التجربة الجماعية العامة. وهذا لا يستقيم إلا بتحقيق الشرط السابق محددا في دراسة ومتابعة اللغات الخاصة.7 فكيف يتسنى ذلك مع طلبة الحقوق؟

       إن متعلمي اللغة ثلاثة أصناف. صنف نشأ على اللغة اعتيادا وأحسن استعمالها تقليدا. وصنف تعلم اللغة بمنهجية التجربة والاستنباط، فأحكمها استعمالا وضبط قواعدها استنباطا. والصنف الثالث هو من استبطن القواعد حفظا لأقوال النحاة ولم يستطع تطبيقها استعمالا،8 فهو كمن امتلك اللغة قدرة ولم يمتلكها إنجازا، إنه كمن عرف قوانين السلوك ولم يعرف كيفية السلوك.

       وإن دارسي اللغة أصناف وتختلف باختلاف أهدافها. فهناك من قام بدراسة اللغة لأجل دراستها، وهناك من قام بدراستها لأجلها، وهناك من قام بذلك لأجل أهداف أخرى. فأي من هؤلاء الدارسين أو المتعلمين نريد؟ وأي درس في اللغة لطالب الحقوق؟

 

       3- إن مهمة تعليم اللغة أو تدريسها لا تستقيم إلا بمراعاة مجموعة من الشروط والضوابط،9التي كما سنلاحظ، تتداخل مع بعضها، لدرجة يصعب الفصل بين مقتضياتها وما يترتب عن مراعاتها عمليا. وما انفصلت عندنا هنا إلا تجريديا وبشكل إجرائي. وإن محولة ما تسعى وراء نتائج محمودة في هذا المجال، لا يسعها إلا أن تأخذ بها مجتمعة. ومن أهم هذه الشروط والضوابط نجد:

 

       3-1- يعد الجانب النفسي جانباً مهماً في كل سلوك تفاعلي، بل لا يستقيم أي تفاعل ما لم يُراع هذا الاعتبار وصلته بالموضوع الكلي للتفاعل. فالميولات والدوافع والرغبات والأهواء والاستعدادات، كلها أسس نفسية تقوم بدور كبير في توجيه التفاعل. ولعل الاهتمام بهذا الجانب ومراعاته يعتمد إلى حد كبير على مدى مسايرة المناهج والمضامين التعليمية لمستويات المستفيدين، ومدى مناسبتها لميولاتهم ورغباتهم، ومدى ومراعاتها لمعطيات السياق النفسي بشكل عام. فالحقائق والمعطيات المتصلة بنفسية المستفيدين لابد أن توجه صياغة المادة التعليمية من حيث الأشكال والمضامين والمناهج.

       ويمكن أن نقف على أهم ما تمليه مثل هذه التوجيهات، إذا تعلق الأمر بتدريس اللغة العربية لطالب الحقوق، في ما يلي:

- يفترض أن تقدم المادة شكلا ومضمونا بالمستوى الذي يناسب عمر الدارسين ومستواهم التعليمي وتخصصهم العلمي. فلا يرتفع بحيث يصبح صعباً ولا ينخفض بحيث يصبح مبتذلا. ولا يبتعد عن التخصص بحيث لا يبدو مفيدا. حتى لا يشعر الطالب بالإحباط والتذمر وفقدان الأمل.

- أن تستجيب المادة لاستطلاعات المستفيدين. مفرقةً في ذلك بين وما يصلح لطلبة الحقوق، وما يصلح لغيرهم متخصصين كانوا أو غير متخصصين.

- أن تراعي المادة إثارة رغبة الدارسين وتحفيزهم وتوليد الاستعداد لديهم وهذا لا يتحقق إلا بمضامين خاصة جديدة وذات إفادة مباشرة.

- إن الطالب ما اختار القانون توجها علميا إلا عن ميل واستعداد، أو لأنه لم يجد أسهل منه أو بدا منه ففعل. لذا يجب أن لا تعترضه المادة بما يكون قد فر منه. وهذا لا يتسنى إلا بتقريب المادة من مواد التخصص.

 

       3-2- إنه لا وجود للغة لا تدل، وإن وجدت تسحب عنها صفة اللغة. إن اللغة ليست مجرد أشكال فارغة، إنها ظاهرة إنسانية مفعمة بالحياة تستمدها من تناغم الدال والمدلول ومن استدعاء الشكل للمضمون، وهذا يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار في كل محاولات تدريسها أو تعليمها.

       فإذا أردنا أن نعلم أو ندرس لغة ما، فإنه لا يمكن إذن أن نحقق ذلك للغة بلا محتوى. وعليه، كان هذا الاعتبار في غاية الأهمية، لاختيار المحتوى الفكري والثقافي الذي نتوسل به ومن خلاله في ذلك. وإننا لنجد أن معظم الدراسات والبحوث في هذا المجال، تربط بين اللغة وثقافتها. وتكاد تتفق على أن تعليم اللغة إنما هو تعليم لثقافتها بالأساس.

       وإذا مثلت اللغة عندنا مادة للتدريس في كلية الحقوق، فأي لغة هي ينبغي أن تكون؟ وهذا من بين الأسئلة التي تطرح نفسها في هذا السياق، وتنبغي الإجابة عنها أولا.

       إن مما يؤاخذ به القيمون على اللغة العربية، ميلهم إلى الاهتمام بها باعتبارها لغة عامة، ولم يهتموا بما تقوم عليه من لغات خاصة إلا لماما، وإن فعلوا سقطوا في أحضان اللغة الأدبية أو اللغة الدينية، وكأن العربية إذا كانت فصيحة، لا تكون إلا إحدى هتين. فأين حظ دراسة اللغة بالنظر إلى الحقول المعرفية الأخرى؟ ولعل هذا من الأسباب التي فوتت على اللغة العربية فرص التطوير والتقدم. والصحيح الأفيد هو أن يتجه الاهتمام بها، باعتبارها حاملا للمعرفة، في شتى ميادين المعرفة.

       وبهذا يفترض أن تكون الإجابة عن السؤال أعلاه، معتمدة في تحديد هذه اللغة على خصوصيات الحقل المعرفي المعني. ومحددة إياها بالتالي في "اللغة القانونية"،10 وهذه من العربية الفصيحة طبعا. ومن منطلق أنه لا يمكن الاقتصار في تناول اللغة على كونها وحدات مفردة، يجب النظر في الخطاب القانوني باعتباره الوحدة المركبة. ولعل في ضوء هذا التحديد ينبغي أن تصاغ مضامين المادة.

       وفي إطار هذه المنطلقات المتصلة بالمحتوى الفكري والثقافي للغة الموضوع، نجد أن من أساسيات مراعاة هذا الجانب في تدريس اللغة العربية لطلبة الحقوق ما يلي:

- أن تعكس المادة الاهتمامات الثقافية والفكرية لدى هؤلاء.

- أن تتسق البرامج ليس فقط مع أغراض المؤطرين، ولكن أيضاً مع أهداف المستفيدين، فليس من المعقول أو المقبول وضع برنامج واحد وموحد لكل المستفيدين دون النظر في اختلاف الأهداف.11

- أن يعكس المحتوى خصوصيات الفكر في إطار الحقل المعرفي القانوني الذي يُتداول فيه. فإذا كان للفكر خصوصيات تطبعه، إذا تعلق الأمر بحقل معرفي ما، فإنه ينبغي عند معالجة اللغة، أن نقدم صوراً عن خصوصيات الفكر القانوني، التي وإن لاحت في اللغة العامة، فإنها لا تبين إلا في اللغة الخاصة "اللغة القانونية".

- أن تشتمل برامج المادة على مضامين تسعف الطالب في مسيرته العلمية وتيسر له الحياة العملية في المهن المستقبلية الخاصة كالقضاء والمحاماة وغيرها. ومن ذلك المضامين المتعلقة بالجانب الدلالي والتداولي، والتي تولي الاهتمام للجانب الاستعمالي، ولا يظهر فيها الجانب التقعيدي النحوي إلا بشكل غير مباشر.

 

       3-3- إننا حيث ننظر في اللغة القانونية باعتبارها مادة للتدريس، فسنجذ أن اللغة عموما نظام معقد ويقوم على أنظمة فرعية، ولهذا يجب أن ننظر في مادة التدريس هذه بهذا الاعتبار، ولا يتحقق ذلك بشكل علمي سليم، إلا بالرجوع إلى ما حققته الدراسات العلمية الحديثة في هذا من نتائج.

       ولما لا نستفيد مما وفره التفكير الإنساني في هذا المجال (من "اللسانيات القانونية"، "البلاغة القضائية"، "في سيميائيات القانون"، "نظريات الحجاج والإقناع"، "الدراسات المصطلحية"...)؟ وكل ذلك خلق صرحا لتطبيق نظريات أفادت الإنسانية على متون قانونية. فمتى كانت اللغة إذا كانت إنجليزية أو فرنسية، أجدر بهذه المتابعة منها إذا كانت عربية! فهل آن الأوان لذلك مع الإصلاح الجامعي الجديد، وإن لم يكن تحيينه لذلك مقصودا؟ نحن بهذا لا ننتظر إجابات آنية، بقدر ما نتوقع ممارسات عملية. وإذا كانت اللغة القانونية متنا خصبا وجديرا بالمتابعة، فقد تكون لغات أخرى خاصة متونا أخصب وأجدر. ولا تكون النتيجة في النهاية إلا تطويرا للعربية.

 

       3-4- ومهما ما راعينا من تلك الأساسيات التي ذكرناها في المستويات السابقة، فإن ذلك لا يكون مجديا إلا إذا ثمنه تخطيط بيداغوجي محكم، يأخذ بعين الاعتبار كل ما عفى من الشروط والمقتضيات. وإلا ما معنى أن نعرف بأننا نتعامل مع طالب، ونعطيه ما لا يليق إلا بتلميذ! وما معنى أن نتعامل مع غير ذي رغبة أو اهتمام، دون أن نثير لديه هذه الرغبة ونولد عنده ذلك الاهتمام! وبماذا تجدي معرفتنا بأن للطالب فيما يخصه متنا خصبا للتطبيق، ثم نأتيه بمتون أخرى توحي بالشرود! وما فائدة أن ندرس مادة ونشعر المستفيد بأنها في الهامش!

       أن التفعيل البيداغوجي السليم للأساسيات التي عفى القول فيها، هو الكفيل بتلافي ما قد يحصل من هذه المنزلقات ومثلها، وبه تكون النتائج محققة للأهداف. ومن الضوابط أو المبادئ البيداغوجية العامة التي تحكم هذا التفعيل نجد:

- يجب الانطلاق نحو أهداف خاصة واضحة ومحددة.

- تخصيص الغلاف الزمني الكافي لتدرس العربية لطالب الحقوق في أربعة فصول على الأقل.

- مراعاة مدى مناسبة المادة للتخصص وإمكانيات تدريسها في كل مرحلة من المراحل.

- مراعاة الطرق البيداغوجية العلمية في عرض المادة.

- الحرص على استثمار نتائج العلمية للدراسات والأبحاث في ميدان تعليم وتدريس اللغات.

- الحرص على الاستفادة من التجارب السابقة في المجال.

- تنظيم مضامين المادة لتشكل وحدة عضوية تقوم على التتابع والتكامل.

- مراعاة تدرج المراحل بحسب المستويات.

- إعطاء الأهمية لجانب التطبيق.

- صياغة نظام ملائم للتقييم.

       وهكذا كانت هذه أهم المبادئ التي أمكننا عرضها في هذه المداخلة. إلا أننا نشير إلى أنها ما كانت طبعا، إلا عينة من المبادئ والاعتبارات، التي يمكن أن تؤطر المسؤولين في وضع البرامج، وصياغة المضامين التعليمية، والنظر فيما يصلح منها لتحقيق أهدافهم من المواد التي يدرسونها عموما. وهي جديرة بأن تؤطر المسؤولين عن تدريس اللغة العربية للمتخصصين وغيرهم. ونشير كذلك، إلى أن المستويات التي أوردنا فيها تلك المبادئ، ما كانت أيضا إلا نماذج مما يمكن النظر فيه في هذا الشأن.

 

       خاتمــة:

       أن برامج ومقررات تدريس اللغة في المرحلة الجامعية، تبقى في تقديرنا في حاجة إلى تعزيز، بتطويرٍ تخصصي، يولي الاهتمام من جهة، إلى مختلف العلاقات التي تفرضها السياقات المعرفية الخاصة مع مراعاة السياق المعرفي العام، مادامت اللغة تمثل أداة للتواصل. ومن جهة ثانية، يولي الاهتمام لمضامين الحقول المعرفية على اختلافها، مادامت اللغة أداة لتمثيل الفكر. وهذا من شأنه أن يعطي للغة مكانتها اللائقة في المجتمع، وفي حياة الناس اليومية العلمية منها والعملية. فالاعتبار الأول يجعل منها لغة ذات كفاية للاضطلاع بدورها في تلبية الحاجة التواصلية. والاعتبار الثاني يعمل على تطويرها لتواكب تطور الفكر.

       وعليه، إذا كانت اللغة ستدرس لغير المتخصصين، فإنه يجب أن يكون ذلك بمراعاة هذين الاعتبارين، إلى جانب ما يراعى من اعتبارات أخرى، ليكون الحاصل في خدمة اللغة والناس في آن، وعلى السواء.

       وأخيرا، إن قضية تعليم اللغة وتدريسها بصفة عامة، من القضايا التي أرقت التفكير الإنساني منذ القديم ولا تزال، وذلك لتعدد مقتضياتها وأبعادها الفلسفية والاجتماعية والإيديولوجية والسياسية وغيرها، مما يترتب عنه اختلاف في المنطلقات والتصورات، وتضارب في المواقف والنتائج. ولست أدعي في هذه المحاولة المتواضعة الإلمام أو الإحاطة بكل ذلك. بل إن أقصى ما أطمح إليه هو إثارة جانب مهم من القضية لم يُول اهتماما كافيا، وتمثل في مسألة "تدريس اللغة لغير المتخصصين". وإذا كان الأمر في هذا يحتاج إلى أكثر من الإثارة أو التنبيه، فإني عائد إليه في مناسبة قريبة إن شاء الله.

ـــــــــــــــ

  1. 1.مداخلة في ندوة دولية في موضوع "وضعية تدريس اللغة في المؤسسات التعليمية اليوم"، نظمتها كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير، المغرب، بتاريخ 16-17 أبريل 2007. (بتصرف)
  2. 2.أستاذ اللسانيات والتواصل بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس، المغرب. ismaili1203@gmail.com
  3. 3.نفرق هنا بين تدريس اللغة ولغة التدريس، ففي الحالة الأولى تكون اللغة موضوعا للتدريس الذي لا يكون إلا باللغة. إننا في هذه الحالة نكون أمام لغتين الأولى أداة والثانية موضوع.  وفي الحالة الثانية يتعلق الأمر باللغة الواصفة أو اللغة الأداة ولا يهم أيا كان الموضوع.
  4. 4.اعتمدنا في ذلك على مجموعة آراء أساتذة المادة وعدد لا بأس به من الطلبة، من خلال استمارات تضمنت عددا من الأسئلة في الموضوع، أنظر الملحق.
  5. 5."فالجامعة، في جزء كبير من عملها ليست مجالا لنقل المعارف بل هي مجال للتطبيع ولتنشئة المراهقين وتحضيرهم للاندماج في عالم المستقبل". محمد جسوس: حوار حول أزمة نظام التعليم في المغرب. مجلة عالم التربية، العدد 1/1996. "ما أصبح مطلوبا من المؤسسة التربوية، عموما، ولاسيما الجامعة ومؤسسات التعليم العالي وتكوين الأطر هو ضرورة تجاوزها المعقلن والهادف لأدوار التعليم والتلقين وشحن الذاكرة إلى مستوى وظائف التثقيف وبناء المواطنة الواعية، والشخصية المستقلة وإكساب الفرد قدرات النقد والتفكير والتساؤل، ووسائل لتعليم أو التكوين الذاتي المتواصل". مصطفى محسن. الجامعة المغربية وإشكالية التنمية. مجلة فكر ونقد العدد65.
  6. 6.التعلم من تعلّم، والصيغة هذه في العربية تدل على المطاوعة أو الانعكاس. فتقول: علم نفسه فتعلم، وتقول: علمته فتعلم.
  7. 7.نقصد باللغة الخاصة: لغة حقل معرفي ما. فاللغة العربية مثلا باعتبارها لغة عامة تضم مجموعة من اللغات الخاصة، وهذه تتعدد وتختلف بتعدد واختلاف العلوم أو الحقول المعرفية، فداخل اللغة العربية هناك اللغة الأدبية واللغة الفلسفية واللغة القانونية...
  8. 8.أنظر محمد الأوراغي مداخلته في ندوة تعليم اللغات. سلسلة ندوات 15/2005، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مكناس.
  9. 9.لقد استفدنا في هذا مما قدمه محمود كامل من مقترحات في "أسس إعداد مواد تعليم اللغة العربية وتأليفها" وإن كان المجال عنده يختلف عما هو عندنا. يُرجع إليه على الموقع:

http://www.isesco.org.ma/pub/arabic/Langue_arabe/p1.htm

  1. 10.اللغة القانونية: ظاهرة اجتماعية، قوامها مجموعة من القواعد والرموز الوضعية - المتعلقة بلسانٍ ما- إضافة إلى مجموعة من الرموز الاصطلاحية الخاصة، وهي ملكية مشاع بين رواد القانون، والقادرين على استعمالها، يستعملونها لتمثيل الفكر القانوني وتداوله في أوساط خاصة. وهي لا تختلف عن اللغة العامة -العربية مثلا- إلا بهذه الخصوصية.
  2. 11.أنظر عز الدين البوشيخي في مداخلته لندوة تعليم اللغات. سلسلة ندوات 15/2005، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مكناس.
التصنيف الرئيسي: 
شارك: