دور الإذاعة والصحافة في النهوض باللغة وتطويرها

 مما لا شكَّ فيه: أنَّ وسائل الإعلام مؤثِّر مباشر على لغات الناس وطريقة استعمالهم للغة، وأن تطوير الإذاعة والصحافة لغويًّا من أسباب النهوض باللغة، وفي هذا المقال أحاول عرض بعض المقترحات في هذا الشأن، والله من وراء القصد.

أولا: الإذاعة:

يبرز دور الإذاعة في تطوير اللُّغة من خلال البرامج المختلفة ذات الجماهيرية الواسعة، حيث قد يؤثِّر برنامج إذاعي يُقدَّم في دقائق معدودة ما لا تؤثِّره عشرات الكتب، فلا شك أنَّ للكلمة المسموعة ما ليس للمكتوبة من التأثير؛ لسهولة متابعتها، وعدم احتياجها إلى مهارة القراءة، ووجود القدوة العمليَّة في مقدِّم البرنامج، وغير ذلك من أسباب.

والمثال الإيجابي البارز فيما يخصُّ هذا البحث برنامج "لغتنا الجميلة"، الذي قدَّمه الإذاعي فاروق شوشة ـ خريج كلية دار العلوم ـ منذ أول سبتمبر عام 1967م([1])، واحتوى على وسائل متعدِّدة للتطوير اللغوي وتنمية الوعي لدى القرَّاء، فكانت مادَّته تضمُّ: نفحات من بلاغة القرآن، وتحقيقات لغوية في لغة العصر وعلاقتها باللُّغة العربيَّة العامَّة، إضافة إلى ما أقرَّه مجمع اللُّغة العربيَّة، ولمحات جمالية في بعض العناصر البديعية في اللُّغة، وكنوز من النصوص القديمة والحديثة، فضلاً عن بعض الطرائف والـمُلَح اللغوية.

وهذا التنوُّع في المادَّة المقدَّمة إذاعيًّا في البرنامج المذكور، واختيارها المبني على معايير من الجودة والسلاسة والجمال والقرب من الذوق العصري، جعل للبرنامج قبولاً لدى المستمعين، وتأثيرًا إيجابيًّا عليهم، حتَّى لدى مَن كان منهم من العوامِّ أو غير المتخصِّصين؛ فالنماذج العمليَّة الجماليَّة محبوبةٌ قريبةٌ من النفوس، وهي الطريقة المثلى لتعلُّم اللغات، عكس القواعد والحدود والتقسيمات المنطقيَّة الجافَّة.

ثانيا: الصحافة:

مع تراجع أثر التعليم، وهبوط شعبية الكتاب، وسوء حال دور النشر، وانتشار ثقافة الصورة، أصبح الناس يقرؤون الصحف أكثر مِمَّا يقرؤون الكتب، وأصبح للغة الصحافة دورٌ كبير في تغيير اللُّغة لدى الناس؛ لأنَّ " اللُّغة العربيَّة اليوم لم تعد اللُّغة التي يعرفها الباحثون في التراث العربي القديم؛ فقد أصابها كثير من التغيير: في معجمها، وفي طريقة بناء الجملة فيها، ولم يعد تجاهل هذه التغييرات يجدي كثيرًا، ولم يعد يجدي أيضًا التغاضي عن المصاعب التي يعاني منها العلماء والمترجمون عندما يقصدون إلى التعبير الصحيح، وإن الأمر يقتضي جهدًا كبيرًا في سبيل تطويع اللُّغة للوفاء بحاجة هؤلاء وأولئك، وهذا يلقي عبئًا كبيرًا على كاهل العلماء واللغويين لتحقيق هذا الهدف " ([2]).

ولعلَّ الاطِّلاع على بحث للأستاذ الدكتور إبراهيم السامرائي ـ رحمه الله ـ يوحي بالأثر الَّذي تتركه لغة الصحافة على اللُّغة العامة، حيث استطاع في بحثه "ضرب من التطور في الصحافة العربيَّة"([3]) أن يُحصي ويتتبَّع ألفاظًا وتراكيب شاعت في لغة الصحافة المعاصرة في المشرق العربي، وفيها شيء من الخروج على المألوف من قواعد العربيَّة، لكنَّه لم يجد غضاضة في قبولها والعمل بها؛ "لأنَّها تمثِّل عربيَّةً جديدةً لا تضارُّ لغتنا لو أدخلناها فيها، وهي تمثِّل لغة جديدة أحدثها صحفيون ليس لديهم حسٌّ لغويٌّ يميِّز بين الخطأ والصَّواب ".

يقول رحمه الله: هذه العربيَّة قد اكتسبت الشيوع حتى راحت تغزو مساحات واسعة في الذي يُقال والذي يُكتب، ولست بعيداً عن هذا الذي تقرؤه في الصحف وأنت تسمع المعربين في البيت والمدرسة والجامعة والمسجد ، ومن ثَمَّ فليس لك أن ترمي جملة هذا بـ"لغة الجرائد"، ولا أحسبه يقصد عموم الإقرار لهذه الأساليب والموافقة عليها بقوله ذلك؛ ولا سيَّما أنَّه يعترف بفساد النَّظم وسوء التَّركيب في بعض تلك التَّراكيب.

ويمكن إيجاز أهمِّ النقاط الَّتي أشار إليها الدُّكتور السَّامرَّائي في بحثه المذكور ـ مِمَّا يحدد خصائص أسلوبية للغة الصحافة ـ في الأمور الآتية:

1-      إنَّ من خصائص هذه اللُّغة المتأثرة باللغات الأعجمية من إنكليزية أو غيرها ، طول الجمل بحيث يأتي ما ندعوه المسند إليه في ابتداء الكلام ، ولكنَّك لا تظفر بالمسند الذي يتم به المعنى إلا بعد كلام طويل ، وقد يتجاوز هذا المعترض في طوله حدًّا يكاد القارئ فيه ينسى أول الجملة.

2-      إن ابتداء الكلام بـ"كما" يأتي بعدها جملةٌ طويلة ٌمعلَّقة في فهم المراد منها على كلامٍ آخر مبدوءًا بقولهم : "فإنَّ أيّة دولة ... " يُشعر القارئ أَنَّ القائل أراد بـ"كما" ما يراد من أدوات الشَّرط ، وأنَّ الأسلوب شَرطيٌّ، ومجيء الفاء يشعر بهذا . وليس هذا مِمَّا نعرفه في العربيَّة ، ولكنَّه جديدٌ حفلت به العربيَّة المعاصرة.

أمَّا إذا ابتعدنا عن مجال الصواب والخطأ واستحداث لغة جديدة فإنَّ لغة الصَّحافة ـ من حيثُ الأسلوب ـ تُعدُّ أيسر وأبعد عن التعقيد من غيرها، من ناحية المفردات والرصف اللغوي، وأسلوبها "هو الأسلوب الذي يجتمع الناس على فهمه، وعلى محاكاته حين يتكلمون أو يكتبون" ([4])، ولذلك يجب الحرص على أن تكون هذه اللُّغة ذات استعمال للرخص اللغوية من غير انحدار إلى تحطيم القواعد أو إلغائها، لعلَّها حين تكون كذلك تصبح مدعاةً إلى إقبال الناس على العربيَّة واستعمالها وفهمها.

ولعلَّ الإدراك بمستويات للفصاحة ـ بين العربيَّة العامية والعربيَّة الفصيحة ثمَّ الفصحى ـ يرشد إلى تقبُّل العمل على نشر العربيَّة الفصيحة، بمعنى الحد الأدنى من الفصاحة مع الاحتفاظ بالصواب؛ إذ هو الهدف الأقرب إلى التحقيق، ومن الصُّعوبة بمكان أن نضع الفصحى هدفًا.

والملاحَظ في لغة الصحافة أنَّ أخطاءها تنتج في الغالب عن عدَّة أسباب، منها:

  1. 1.الضَّعف العامُّ للسَّليقة اللُّغويَّة ، الَّذي لا ينجو منه إلا القليل.
  2. 2.ضعف نظام التعليم في الدول العربيَّة عامَّة، وعدم اختيار الطلاب للتَّخصُّصات التي يدرسونها بشكل عملي مدروس.
  3. 3.أنَّ مناهج الدراسة التي يدرسها خريجو كليات الإعلام تساهم في ترسيخ ذلك الضعف، وليس فيها ما يمكن أن يعالجه أو يحدَّ من آثاره.
  4. 4.إقبال الإعلاميين عمومًا ـ والصحفيِّين خصوصًا ـ على الترجمة من مصادر المعلومات الغربية، وجرأتهم على الترجمة كما يعنُّ لهم، من غير استعانة باللغويين، وانبتات صلتهم بالجامعات ومراكز البحث، فضلاً عن المجامع اللغوية وما لها من قرارات فيما يخصُّ الترجمة، بل إنَّ بعض العاملين في الصحافة قد لا يُدرك نشاط المجامع وجهودها في مجال الترجمة.
  5. 5.الاستعانة بغير المتخصِّصين في مجال (المراجعة اللغويَّة) داخل الصحف، نظرًا لفوضى تلك المهنة وعدم وجود ضوابط لتنظيمها.

وتجدُرُ الإشارة هنا إلى بعض الأخطاء اللغوية في الصحافة الناتجة عن الترجمة الارتجاليَّة، كاستخدام تعبير (القوَّتان الأعظم) في الصحافة، حيث يأتي الوصف غير مطابق للموصوف المقترن بـ(أل)، ترجمةً ركيكةً للمصطلح الإنجليزي المقابل (The Two super-powers والصورة الفصيحة لذلك التعبير أن يأتي الوصف مطابقًا للموصوف فيُقال: (القوتان العُظمَيان) ([6])، وهذه من البدَهيَّات الَّتي يدركها أصغر طالب يدرس اللُّغة العربيَّة، فضلاً عن أن تحتاج إلى مراكز البحث أو المجامع اللغوية.

ومنها أيضًا استعمال الكاف في قول القائل: " التي تُعرَف كمنطقة"؛ إذ هو مأخوذ مما يقال ويكتب في اللغات الغربية، وهي ليست  كاف التشبيه في العربيَّة ، غير أنها دخلت هذه العربيَّة المعاصرة وشاع استعمالها، وكذا قولهم: "في إطار الخطط"؛ حيث هو من التعابـير الجديدة التي تومئ إلى أصلـها في لغـات أعجمية غربية؛ فهي في الفرنسية "dons le cadre"، وقولهم كذلك: "من خلال" ترجمةً لكلمة إنكليزية هي "Through" ([6]).

وفي الختام أشير إلى بعض النقاط المهمة؛ تلخيصًا لما سبق، ووضعًا للحلول بعد عرض المشكلة:

فمما سبق عرضه يتضح:

1- أنَّ المناهج الدِّراسيَّة المعتمدة في كلِّيَّات الإعلام مسؤولة بشكل مباشر عن ضعف اللغة العربيَّة في وسائل الإعلام.

2- أنَّ انعزال الصحافة عن المؤسَّسات العلميَّة اللغويَّة أدَّى إلى انحدار مستواها اللُّغويِّ، مع كونها من أهمِّ وسائل التأثير في اللغة لدى المجتمع.

3- أنَّ غياب القوانين الخاصَّة بحماية اللُّغة العربيَّة ـ سواء من ناحية التَّشريع أو من ناحية التَّنفيذ ـ سببٌ في الفوضى اللُّغويَّة السَّائدة، وبخاصَّةٍ في مجال الإعلان.

ومن المقترحات التي تساهم في حل هذه المشكلة:

1- تعديل مناهج كلِّيَّات الإعلام، وإقرار إدخال اللُّغة العربيَّة إليها بكثافة، بحيث تكون مواد اللُّغة العربيَّة في تلك الكليات إحدى معايير الجودة.

2- تعديل مناهج أقسام اللغة العربيَّة أيضًا، بوضع مقرَّرات تربط الطالب بالمجتمع وفئاته المختلفة، وتسهم في تأهيله لسوق العمل، ومن المقررات المقترحة: الأخطاء اللغوية الشائعة، وقرارات مجامع اللغة العربية.

3-   عناية الهيئات الإذاعية بتقديم عدد مكثَّف من البرامج الَّتي تُعنى بشؤون اللُّغة العربيَّة، والحرص على جعلها على مستوى رفيع.

4- ربط المؤسَّسات الصحفية بمجامع اللُّغة العربيَّة، عن طريق مكتب اتِّصال لغوي يتولَّى تعميم ما يستجدُّ من قرارات المجامع، ويضع دورات خاصَّة بالصحفيِّين تركِّز على الأخطاء اللغوية الشائعة وردِّها إلى الصواب، وكذلك العناية بالترجمة السليمة.

5- تنظيم مهنة (المراجع اللغوي) وما يشابهها، وإنشاء نقابة خاصة بها؛ لتحقيق ذلك التنظيم بضوابطه المعتمدة، وحماية المهنة من الدخلاء، وحفظ الحقوق للمشتغلين بها؛ تشجيعًا للمؤهَّلين وأصحاب السليقة اللغوية العاملين في ذلك المجال.

6- تفعيل التعاون بين أقسام اللُّغة العربيَّة في الجامعات من ناحية، والهيئات الرسمية للدولة ووسائل الإعلام، عن طريق عدد من الوسائل، منها:

أ‌. إنشاء مكتب لغوي في كل جهة من تلك الجهات، يتولَّى مهمة التدقيق اللغوي للمستندات الرسمية الصادرة، على غرار المكاتب الإعلامية.

ب‌. إجراء دورات تهدف إلى تنمية الملكة اللغوية لمنسوبي تلك الجهات، من الناحية الصوتية لتنمية فصاحة اللسان، ومن الناحية الكتابية لتقليل حجم الأخطاء الإملائية والأسلوبية.

ج. إنشاء لجان تختصُّ بتدقيق اللوحات الإعلانية ، والإشراف على محلات الخطاطين والرسامين والمصممين، برسوم ميسَّرة، بحيث تشكِّل تلك الرسوم موردًا يموِّل ما ورد في البند (أ) والبند (ب) المذكورَين.

----------------- 

 د. صالح عبد العظيم الشاعر: عضو هيئة تدريس، تخصص النحو والصرف والعروض

الحواشي:

[1] لغتنا الجميلة، ص7

[2] لغة الصحافة المعاصرة، ص4

[3] يُنظر البحث في: مجلَّة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللُّغة العربية وآدابها، المجلد الثالث عشر، العدد الثاني والعشرون، ربيع الأوّل عام 1422 هـ، ص422 وما بعدها

[4]لغة الصحافة المعاصرة، ص4

[5]  يُنظر: لغة الصحافة المعاصرة، ص12، 13، ويُراجَع: أخطاء اللُّغة العربية المعاصرة عند الكُتَّاب والإذاعيين

[6]  يُنظر بحث: (ضرب من التطور في الصحافة العربية)، للدكتور إبراهيم السامرائي، مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللُّغة العربية وآدابها، المجلد الثالث عشر، العدد الثاني والعشرون، ربيع الأوّل عام 1422 هـ، ص422 وما بعدها.

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: