عرض كتاب القيان والغناء في العصر الجاهلي لناصر الدين الأسد

أن يعرض المرء لكتاب مضى على تأليفه أكثر من خمسين عاما قد يبدو ترفًا فكريًا لايغني ولا يسمن من جوع ، إلا أنك عندما تكون في حضرة ناصر الدين الأسد فإن الأمر يختلف تمامًا ، إذ يصبح الحاضر رهن الماضي،  ولا حاضر دون هذا الماضي الذي لا زلنا نفتقد تكرار نماذجه في أيامنا .

إذ قليلة هي الأبحاث الرصينة التي تغنيك في قراءتها عن غيرها وتأسرك بسحرها ، وأكاد أجزم أن ما خطه الباحث في موضوع القيان والغناء يستحق التوقف والتمهل والتسجيل.

ولعل أول ما حملني على قراءة هذا البحث هو عنوانه الذي يجمع فتنة القيان لسحر الغناء ، وأحسب أن بعض الخلق قد يحيد عن قراءة هذا الكتاب لعنوانه وهذا ليس لخلل في الكتاب  وإنما لانغلاق في عقلية المستقبل الذي ما اعتاد ارتياد تلك الموضوعات لأسباب ملفقة ومطوية بعباءة الدين .

ولكن ألا يسجل للباحث أنه خاض غمار تجربته في العصر الجاهلي، وهذا يعفيه من المساءلة القيمية أو لنقل الأخلاقية .

وإن كان ذلك كذلك فإننا على يقين بأن الباحث لم يكن ليلتفت لتلك المساءلات بتاتا ، وإنما كان شغله الشاغل الموضوع بحد ذاته ، وما يمكن أن يقوده المنهج العلمي الرصين من نتائج .

فإن بدأنا بالافتراض الأولي لمثل هذا الموضوع فإننا نظنه أنه ماثل بأن في العصر الجاهلي ظاهرة بارزة هي القيان والغناء ، فإن انتقلنا إلى الأدوات الفنية والمنهجية في تفحص هذا الافتراض وجدناها منصهرة في صفحات البحث، والنتائج المتوصل إليها في الخاتمة .

وإن بدا الافتراض صغيرًا فإن إثباته كان هو الأصعب ، ونتيجته هي الأهم ، فإن ثبت أن القيان والغناء ظاهرة في العصر الجاهلي فهذا يعني أن البيئة العربية عرفت الحضارة وأسبابها في العصر الجاهلي ، وفي هذا رد لدعوات كثيرة وجهها المغرضون ، وهي في أغلبها دعوات معممة وظالمة للعصر وأهله بل للحضارة العربية جمعاء.

من هنا يروق لنا أن نسلم للخطوات المنهجية التي ألزم الباحث نفسه بها لكي يصل إلى الحقيقة ، وهي الجمع مادة البحث ونصوصه باستقصاء ، ومن ثم التحقيق الدقيق لهذه النصوص وهي خطوة قادت الباحث إلى مقابلة نصوصه في طبعات مختلفة من الكتاب نفسه أو الكتب الأخرى التي تمت بصلة للكتاب أو لمؤلفه ، ولم تثنيه عزيمته عن الاكتفاء بالمطبوع ، وإنما قادته للمخطوط من المؤلفات .

وقد حرص الباحث أشد الحرص على أن يظهر النصوص المرتبطة بالموضوع سواء أكانت مؤيدة أم مناقضة ، ولم يسلم لها كما قد يسلم غيره من الباحثين وإنما يناقشها مناقشة علمية جادة فيها الكثير  من السعة والدقة والعمق والتمحيص.

وبعد أن يتحقق الباحث من نصوص الدراسة ، يلجأ لدراستها دراسة فاهمة مستشفة ، وأخرى معللة مفسرة ترد الفرع إلى الأصل والظاهرة لأسبابها .

ولم يغفل الباحث أثر البيئة الجاهلية في تعليل بعض ما يعرض له من ظواهر.

أما مصادره فكثيرة إلا أنه بوبها على خمسة أضرب :

"أولًا : كتب الأغاني والموسيقى

ثانيًا: كتب التاريخ العامة والسير والطبقات والرجال والجغرافيا .

ثالثًا: كتب الأدب واللغة.

رابعًا: دواوين الشعراء الجاهليين ، وما تفرق من شعرهم في المجموعات الشعرية.

خامسًا : كتب المستشرقين الإنجليز".(القيان والغناء،  ص7_8).

وقد أظهر الباحث بجلاء الخلل المنهجي والمعرفي الذي صادفه وهو يقرأ في تلك المصادر (انظر :ص8_12).

وما أجمل الكلمات التي يخطها الباحث بعدما أنهى صراعه المعرفي مع مصادره التي يبدو أنها أرهقته بمادتها غير المجدية في دراسة ظاهرة القيان والغناء في العصر الجاهلي  ، وأنا حريصة على تسجيل كلام الباحث نصًيا دون أي تحريف وفيه يقول :

" فلست مغاليًا إذن، بعد الذي قدّمت ، إذا ذكرت أن مصدري الأول في هذا البحث لم يكن هذه الكتب على
اختلافها ، بل لم يكن كتب الأغاني والموسيقى، وإنما مصدري الأول هو : الشعر الجاهلي ، الذي حاولت دراسته دراسة فيها شيء من سعة وعمق " .ص12.

إذن وإن كان الباحث يسلم بأن الشعر هو ديوان العرب إلا أنه يشيح نفسه وفكره عن ما خطه غيره من أحكام معممة لا دليل عليها ، ويمم مركبه نحو بر السلامة المنهجية والموضوعية .

ليصطاد لنا من بحر الجاهلية العميق اللآلئ الثمينة التي تجمع عقد البحث الفريد وهي :

_لقد كثرت القيان  في العصر الجاهلي كثرة واضحة لحد الانتشار والذيوع.

_ كان الغناء في هذا العصر راقيًا ، والقيان كنّ مترفات في لباسهن وزينتهن ، وقد ازدهرت مجالس الغناء ، بما يظهر أجواء حضارية تستحق التدوين .

_كانت ظاهرة القيان والغناء ذا أثر في الشعر والشعراء الجاهليين عامة ، وقد وجد الباحث أن الأعشى يمثل نموذجًا واضحًا على هذا الأثر ، لذلك استحق أن يكون شاعر القيان والغناء في  العصر الجاهلي.

هذه هي الخطوط الرئيسية المستقاة من مقدمة الكتاب ، فإذا انتقلنا إلى أبواب الكتاب وفصوله ، يظهر لنا أنه جاء في بابين وستة فصول ، أردفهما الباحث بخاتمة البحث ، وملحق حقق فيه أحد أبواب كتاب حاوي الفنون وسلوة المحزون لابن الطحّان ، ومصادر البحث ومراجعه ، من ثم فهارس الكتاب وهي على التوالي :
"الأعلام ، والأماكن ، والأيام والحروب والأسواق، والكتب ، والشعر ، وموضوعات الكتاب".

أما الباب الأول فقد تضمن ثلاثة فصول هي :

الأول : القينة .

الثاني : قيان مسميات .

الثالث : غناء القيان.

وقد أظهر الدراس اشتقاق لفظ القينة ، فذهب إلى أن اللفظة سامية عربية ، وتتبع ثلاث مواد معجمية هي:

ق ي ن /وق ن ن/وق ن ا

تتبعًا لا  يفصلها عن الحياة  الاجتماعية في ذلك الوقت .

وخلص إلى أن هذه المواد ترجع إلى أصل ثنائي هو "قن" ، وأشار إلى ثلاث مراحل لغوية اجتماعية ، سلكها الأصل الثنائي حتى وصل إلى الدلالة الأخيرة للفظة القينة وهي : المرأة العاملة أو الصانعة ، أو الأمة العاملة أو الصانعة ، أو الأمة إطلاقًا ، أو الإماء المغنيات .

وقد أشار إلى أنه يتجه إلى المعنى الأخير من معاني القينة الذي يخصصها بالأمة المغنية وحدها.

ثم سعى جاهدًا لاستيفاء الألفاظ التي تدل على القينة من مثل " الكَرينة ، والمُسمعة ، والداجنة ، والمُدجنة، والصدوح أو الصادحة ، والصناجة ، وجرادة".

بعد ذلك انتقل الباحث ليعاين البيئة الاجتماعية للقينة ، فتحدث بإيجاز عن الرقيق عامة _من حيث هو نظام اقتصادي واجتماعي_ وعن الإماء خاصة ، وأشار إلى بعض المسارب العامة التي تفرعت عن الإماء، وأهمها :

_البغاء والبغايا المحترفات .

_والغناء والقيان المحترفات.

وهذان المسربان _وإن اختلفا_ يلتقيان في أصل منبعهما أولًا ، ثم في تعاونهما في المواخير والحانات ثانيًا.

إذ لم يفت المؤلف الإشارة إلى عمل الإماء في بيع الخمور وإدارة كؤوس الشراب وما لهذا من تأثير في "تلظي لهيب الجسد وانطلاق سعاره للبغاء والغناء "على حد قول المؤلف.

وبعد أن خلص الباحث من التأطير اللغوي والمصطلحي للفظ القينة ، حاول تتبع مواطن القيان ، فوجد أنهن كن مبثوثات في الجزيرة العربية كلها : أطرافها وقلبها ، ومدنها وقراها من مثل "الحيرة وغسان ، والمدينة ، ومكة، واليمامة ، واليمن وحضرموت" وإن تفاوتن .

وكان لخيمة العربي في البادية حظها من القيان كذلك.

وقد حرص الباحث على الإشارة في كل موطن إلى ما يثبت وجودهن من الشعر الجاهلي ، ومن الروايات التاريخية والأدبية .

ثم جمع الباحث هذا النثار وفرقه مرة  أخرى في حديثه عن طبقات القيان ، وفيه أبان أنهن كن طبقتين كبيرتين :

_القيان الخاصات بمالك واحد كقيان ملوك المناذرة والغساسنة وأشراف العرب وساداتهم .

_والقيان العامات اللائي كن يغنين في دور اللهو عامة والحانات والمواخير.

وعقد الباحث فصله الثاني عن القيان المسميات ، وفيه جمع ما انبث في بطون الكتب العربية من أخبار موجزة ، وأحاديث مقتضبة ، وإشارات عابرة عن القيان الجاهليات اللائي ذكرن بأسمائهن من مثل : " جرادتي عاد ، وأم عمرو قينة ندماي جذيمة ، ومليكة، وبنت عفْزَر ، وأسماء وعثمة، وقيان ابن جدعان ، وهريرة وقتيلة وجبيرة ، وفرتنى وقريبة ، وسارة وعزة، والثبجاء الحضرمية وهند بنت يامين ، وأرنب المدينة، والنابغة بنت عبد الله، وسيرين".

الباحث لفصله الثالث أن يكون حلقة وصل بين الفصلين الأولين وفصول الباب الثاني ،وقد عرض لثلاث مسائل ، أولاها : الطبيعة الفنية لغناء القيان ، وثانيتها : الأثر الأجنبي في هذا الغناء،  وثالثتهما : منزلة غناء القيان بين ضروب الغناء الأخرى في الجاهلية .

وقد انتهى من المسألة الأولى _بعد تطواف طويل حول بعض النصوص والروايات والآراء العربية القديمة والأجنبية _ إلى أن قيان العصر الجاهلي كن يتمتعن بنصيب كبير من مظاهر الحضارة المادية في لباسهن وزينتهن ومجالس غنائهن ، وبنصيب كبير كذلك من الرقي الفني في غنائهن ، وألحانهن .

واستشف صورة هذا الرقي الحضاري في المظاهر المادية والفنية معًا،  من الشعر الجاهلي .

وبعدها ناقش كثيرًا من الروايات التي تؤيد هذه النتيجة التي وصل إليها ، وفند كثيرًا من الروايات الأخرى التي تنقض في ظاهرها تلك النتيجة.

ورجح أن قيان الجاهلية كن يغنين غناء ذا إيقاع فني ، وأن ألحانهن كانت تقوم على نظرية غنائية لها طريقتان :

السناد والهزج ، أما السناد فهو الألحان الثقيلة ذات التراجيع الكثيرة النغمات والنبرات ، وأما الهزج فهو الألحان الخفيفة الراقصة .

وأما الأثر الأجنبي في غناء القيان فقد رأى الباحث أنه ينصب في أربعة جداول :

فارسي ، ورومي ، وحبشي، وديني من اليهود والنصارى .

وقد ذكر في كل جدول بعض المظاهر العامة التي تكشف عن أثره في غناء القيان في العصر الجاهلي .

ثم أشار إلى أن هذه المؤثرات الخارجية لم تفقد الغناء صبغته العربية ، ولم تنف عنه طابعه العربي.وآية ذلك أنه وجد في الشعر الجاهلي ما يفصح عن أن أؤلئك القيان كن يغنين بلغة عربية مبينة ، وكان السامعون
يتجاوبون مع هذا الغناء وينفعلون به، حتى إن شاعرًا فحلًا من شعراء الجاهلية ، هو النابغة ، أصلح عيبًا موسيقيًا في القافية دلته عليه إحدى قيان المدينة بغنائها، ولا ريب كذلك أن هؤلاء القيان كن يتغنين بألحان عربية في الغناء ، تختلف عن طريقة الغناء التي شاعت منذ أوائل العصر الأموي ، والتي كان الأثر الأجنبي فيها واضحًا قويًا فيما يبدو.

وقد حاول الباحث بعد ذلك أن يستبين المنبع الأول الذي انبثق منه الغناء عند عرب الجاهلية _وهو نفسه عند سائر الأمم- فذهب إلى أن الغناء الديني هو أول مظهر من مظاهر الغناء، وأن الغناء في سائر ضروبه في العصر الجاهلي وهي : غناء الحرب ، والنواح ، وغناء الحفلات الخاصة كاعرس والخًرس والإعذار ، لم يكن في أصله فنًا يقصد لذاته ، ويطلب للهو والتسلية وترويح النفس ، وإنما كان مع الرقص شعيرة دينية من شعائر هذه المناسبات تصاحب القربان وتلازمه.

تلك هي مرحلته الأولى حين كانت البيئة بدائية فطرة ، وكلما تقدم الزمن وتطور المجتمع انفصلت نواحي حياته التي كانت متشابكة متحدة، وانفصلت بذلك تلك العادات التي ترسبت إليه ، فاستقلت في صور وأشكال
نسي معناها القديم ، وصارت غاية تطلب بعد أن كانت وسيلة يتوسل بها إلى غيرها .

ومن هنا تطور الغناء مع تطور الزمن والبيئة ، فدخل في المرحلة الثانية حين بقي في نطاق هذه المناسبات ولكنه صار فنًا قائمًا بذاته ، بعد أن كان أصله شعيرة دينية .

وفي المرحلة  الثالثة للغناء ، باعد فيها الغناء ما بينه وبين أصله ، وانفصل عن هذه المناسبات التي لازمها ولازمته ، وتجرد من ثوبه الديني الذي لبسه طوال هذه الحقب، وانسل من نطاق المناسبات المحدودة ، فصار فنًا يقصد لذاته ويطلب للهو والمتعة وترويح النفس.

وبذلك كشف الباحث عن العلاقة بين القيان وأضرب الغناء الأخرى ، وأبان كيف تسلسل منها وانشق عنها ، وبهذا الفصل الثالث انتهى الباب الأول من البحث.

وتتبع الباحث في فصول الباب الثاني أثر القيان وغنائهن في الشعراء الجاهليين وشعرهم ، وعقد الفصل الأخير منه للحديث عن الأعشى شاعر القيان وأثر غنائهن فيه وفي شعره.

فوجد في الفصل الأول أن أثر القيان في الشاعر الجاهلي ينسرب في شعبين كبيرين ، أولهما :
أثر عام في حياة الشاعر وتوجيهها في بعض فتراتها ، وجهة ناعمة لاهية ، قد تغلو فتصبح ماجنة داعرة.

وثانيهما : أثر خاص في عاطفة الشاعر حين تصبح القينة حبيبة معشوقة تثير في الشاعر دواعي القول فينظم فيها متغزلا متشوقا ، أو حين تبلغ من جمال الصوت أو فتنة الجسد منزلة تدفع الشاعر إلى أن يعرض لها واصفًا صوتها وجسدها.

أما أثر القيان وغنائهن في الشعر الجاهلي فقد تتبعه الباحث في الفصل الثاني في أربعة مسالك :

الأول : إنماء الشعر الجاهلي وإغزاره ، ويتمثل هذا المسرب في الشعر الجاهلي الذي نظم لتغنيه القيان خاصة ، وفي الشعر الجاهلي الذي يصف القيان ولباسهن وحليهن ومجالس غنائهن وألحانهن وصفًا مسهبا ، ثم في الشعر الجاهلي الذي تناول القيان وآلات غنائهن تناولًا لا يقصد منه ذات القينة أو آلاتها ، وإنما اتخذها أداة يتوسل بها إلى توضيح غيرها ، ومشبهًا به يعتمد عليه في بيان المشبَّه.

والمسرب الثاني : موسيقي يتصل بالبحر والقافية ، وقد ذكر فيه أن الشعر العربي في جميع بحوره : الطويلة المعقدة ، والقصيرة الخفيفة ، تامها وناقصها _هو شعر غناء .

وأن القيان قد غنين في العصر الجاهلي ، وفي العصور الإسلامية ، بجميع هذه البحور ، فلم تكن القينة تقصد إلى بحر بذاته ، أو تقتصر على موضوع بعينه .

وسجل في هذا الفصل ثبتًا يشمل الأصوات التي غنتها قيان الجاهلية ، فوجد فيها بحورًا طويلة معقدة ، وبحورًا قصيرة خفيفة ، وبحورًا تامة ، وبحورًا ناقصة ، وأنهن غنين في المدح والرثاء والحب والفخر وسائر الموضوعات .

وردد الباحث الرأي الذي يذهب إلى أن الغناء العربي قد كان أكثره في مقطوعات غزلية ذات بحور قصيرة  ، وأنه بذلك قد ساعد على الإكثار من البحور المجزوءة ، ولكنه نبه إلى أن هذا الحكم لا يصح تعميمه وإطلاقه بعد الاستقراء الإحصائي للشعر الغنائي الجاهلي  الذي تضمنه بحثه.

وخلص من ذلك إلى أن أثر الغناء في الموسيقى الشعرية لا يرجع إلى هذه الظاهرة الشكلية   من تقصير البحور وتجزئتها ، وإنما مرده إلى اعتبارات نفسية عامة ، وأن موسيقى اللحن قد تعاونت مع الجو النفسي للشاعر وطبيعة موضوعه على أن يفرغ في الغالب موضوعه الجدي الجليل في بحر ذي موسيقى طويلة هادئة ، تغنيها القينة بألحان السناد.

وأن يفرغ في الغالب ، موضوعه اللاهي أو العابث أو السطحي العابر ، في بحر ذي موسيقى قصيرة خفيفة تتسق معها ألحان الهزج.

والمسرب الثالث :ألفاظ الشعر الجاهلي ، وقد رأى الباحث أن غناء القيان كان أحد العوامل التي أثرت في ألفاظ الشعر الجاهلي من ناحيتين :

يسر الألفاظ وعذوبتها ، وموسيقاها الداخلية القائمة على توالي أصوات متشابهة في اللفظة الواحدة أو الألفاظ
المتتالية.

وأما المسرب الرابع : فهو حفظ الشعر وروايته ، ويتمثل في ثلاثة مظاهر كان القيان وغناؤهن أحد العوامل في وجودها وشيوعها، وهي:

تغيير لفظ الشعر في الغناء عما كان في الأصل ، واختلاف ترتيب أبيات القطعة الغنائية إذا اتفق الشعران في البحر والقافية والموضوع .

أما الفصل الثالث من هذا الباب فهو تطبيق الآثار التي ذكرها الباحث على الأعشى وشعره.

وفيه تحدث عن المؤثرات التي وجهت حياة الأعشى ، فوجدها مؤثرين كبيرين ، أولهما : ميله العارم للهو من خمر ونساء وغناء.

وثانيهما : كثرة أسفاره ورحلاته وضربه في الأرض ضربًا بعيدًا : يمدح السادة والأشراف ، ويتعرض لنائلهم ، ويستعين بما يناله من مال على ما يصبو إليه من لهو ولذاذات .

ثم تحدث عن فن الأعشى الشعري ومنزلته بين الشعراء ، وخلص من ذلك إلى الحديث عن أثر القيان وغنائهن في شعره ، فوجد هذا الأثر عند الأعشى يتسق مع ما ذهب إليه في الفصلين السابقين عن شعراء الجاهلية عامة.

_____________________

المصدر :القيان والغناء في العصر الجاهلي ، ناصر الدين الأسد ، دار الجيل ، بيروت ، ط 3، 1988.

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: