( العلاقة بين الضاد والظاء صوتياً وتاريخياً ولهجياً ) - دكتــور عـبد المنعم محمد عـبد الغني النجـار

مقدمة البحث:
إن الضـاد والظاء من الأحـرف التي يكـثر استعمالها في لغة العـرب بل أشار بعـض عـلماء اللغة والأداء إلى أن الظاء المعجمة للعـرب خاصـة . وتغنى أبو الطيب المتنبي في بيت له بانفـراد العـرب بنطق الضـاد . وكان العـرب الأوائل يفـرقـون بينهما دون القياس لأنهم في عـهد السليقـة أو عـلى قـرب منها .
وحينما انتقـل العـرب من جـزيرتهم وامتزجـوا بغـيرهم حـدث خـلط بين الضـاد والظـاء .
وقـد كان من العـرب من يؤثـر الظاء في نطقـه ، ولا يزال هذا إلى اليوم في جهات من العالم العـربي . . ونلاحـظ انتقال الظـاء إلى الضـاد في بعـض الكلمات في بعـض الجهـات في مصـر .

وقـد أشار بعـض العـلماء إلى وجـوده قـديماً عـند العـرب . ومن ثم وجـدنا الغـيارى من العـلماء يضعـون رسـائل للتفـرقة" " بين الضـاد والظـاء فيما وردا فيه من كلمات سـواء أكانت في القـرآن الكريم أم في غـيره . وقـد أحصى أحد الباحثين ثلاثين رسالة ألفـت جميعها في التفـريق بين الضـاد والظـاء .

وأود في هـذا البحـث أن أعـرض للحـرفين من الوجهة الصوتية والتاريخيـة واللهجيـة سائـلاً الله العـون لبلـوغ القصـد

يذهـب الخليل إلى أن ( الضـاد شجرية من مخرج الجيم والشين )" " والشجـر عنده ( مفـرج الفم أي مفتتحـه ) " " . ويذكـر سيبويه أن مخرجها ( من بين أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس ) " " ويصفها بالجهر والرخـاوة والإطبـاق" " وكـلام سيبويه يفيد أنها ( تكـون من الجانبين ) " "

ويذكر ابن الجـزري أنها ( من أول حافة اللسان وما يليه من الأضراس من الجانب الأيسـر عـند الأكثـر ومن الأيمـن عـند الأقـل ) " " ويزيد على سيبويه في أوصافها الاستطالة " " ويستفاد من اختلافهم في مكان نطقها أن نقطة إنتاجها لم تكن واحدة عند النطـق بها .
1.ففريـق ينطق بها من شجر الفم .
2.وفريـق ثان ينطق بها من الجانب الأيسر ويمثل هذا أكثر الناطقيـن.
3.وفريـق ثالث ينتجها من الجانب الأيمـن .
4.وفريـق رابع يخرجها من الجانبيـن .
والفريق لثالث والرابع عزيز وهو معنى قول الشاطبي رحمه الله : إلى ما يلي الأضراس وهو لديهما يعز وباليمنى يكون مقللا " ". ومما يدل على أن اختلاف وصف القدامى يعود إلى اختلاف اللهجات ما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو قرشي كان يخرجها من الجابين " " . وورد أنه من مختصات سيدنا عمر رضي الله عنه . والخليل حين ذكر أنها شجرية " " من وسط اللسان لم يبعد عن وصف معظم علماء اللغة لها لأنها إذاً كانت تخرج من إحدى حافتي اللسان وما يحاذيها من الأضراس العليا فإن أول تلك الحاقة مما يلي الحلق ـ ما يحاذي وسط اللسان بعد مخرج الياء" ". والقدامى من علماء اللغة كانوا يعتمدون في تحديد مكان النطق للصوت ووصفه على الملاحظة الذاتية ، وهي لا تختلف كثيراً عما يراه المحدثون من علماء الأصوات ، على الرغم من أنه لم تكن لديهم معامل وأجهزة ، كما هو الحال . وعلى هذا فأن الاختلاف في تحديد مكان إنتاج صـوت الضـاد لدى القدامى مرده إلى اختلاف الناطقيـن بهـا .
ويذكر سيبويه أن مخرج الظاء مما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا" " ويصفها بالجهر والرخاوة والإطباق " " والضـاد مثلها في تلك الصفات كما سبق وتزيد عليها بوصف الاستطالة ، كما ذكر بن الجزري . وقد أشار سيبويه إلى الاستطالة عند الحديث عن الضـاد الضعيفة " " وكل من الصوتين يتكون مع التفرقة بينهما باختلاف نقطة الإنتاج ونحب هنا أن نمس هذه المصطلحات التي تتعلق بالصفات مساً خفيفاً من خلال ذلك لنصل إلى كيفية تكوين كل منهما .

أولاً : الجهـر
والمجهـور عـند سيبويه : ( حـرف أشبع الاعتماد في موضعه ومنع النفس أن يجـري معه حتى ينقضي الاعتماد عليه ويجـري الصـوت ) " " .
والمجهـور عـند المحدثين : مااحتك معه الهـواء الخارج من الرئتين بالوترين الصوتيين في الحنجـرة " " .
ويكـاد يتفـق المحدثـون والقدامى في عـد الأصـوات المجهورة وهذا يدل عـندي على أن القدامى كانوا يحسـون بمكان الاعتماد وهـو الحنجرة وهـو لا يكون إلا عـند اقـتراب الوترين الصوتيين . فإذا انقضى زمن الاحتكاك بهما جرى الصوت . وعلى هذا فالضـاد والظاء يعتمد لهما في الحنجرة حين يقترب الوتران الصوتيان حيث يحتك الهواء بهما محدثاً الصـوت

ثانياً : الرخـاوة
الرخو : ( هو الذي يجري فيه الصوت ) " " ذلك لأنه ( ضعف الاعتماد عليه عند النطق به فجرى معه الصوت ، فهو أضعف من الشديد ، ألا ترى أنك تقول : ( أس ) ( أش ) فجرى النفس والصوت معاً وكذلك أخواتهما " " وتفسر الرخاوة في العرف الصوتي الحديث بالاحتكاك وهذا ما أتاه القدامى إذ أن مجرى الهواء عند المخرج يكون ضعيفاً جداً . ويترتب على ضيق المجرى أن الهواء يحتك بعضوي النطق محدثاً صفيراً أو حفيفاً تبعاً لنسبة ضيق المجرى " " .
وعلى هذا فالضـاد والظاء حسب وصف القدامى لهما بالرخاوة يضيق مع كل منهما المجرى عند المخرج فيحتك الهواء بعضوي النطق محدثاً حفيفاً . والضـاد كما نسمعها الآن في مصر يتصل معها عضوا النطق اتصالاً ما يحول دون مرور الهواء ، وعلى هذا فهي شـديدة .
فإذا انفـرج العضـوان اندفـع الهـواء بقـوة محدثـاً نوعاً من الانفجـار وهذا معنى المحدثين لها بالانفجـار" " وعلى هذا فهي لا تختلـف عن الدال في شئ سـوى أن الضـاد أحـد أصـوات الإطبـاق .

والواقع أن الضـاد القديمة قد أصابها بعض التغيّر حتى صارت دالاً مفخمـة كما نعهده الآن في مصـر لدى العامة وكثيـر من الخاصـة وإن كان التطـور أمراً طبيعياً إلا أن الخاصـة يجـب أن ينأوا بها عـن هـذا النطـق ، لأنها حينئذ تعطي ( إطباقاً أقـوى كإطباق الطـاء فتزول حينئذ حافـة اللسان عن الأضـراس ويصـل رأس اللسان إلى الثنيتين العلويتين ، كما في الطاء مع أن إطبـاق الضـاد أقل من الطاء ، وفيها استطالـة ورخـاوة بحيث يخـرج معها نفـس قليل ) " " .

ثالثاً : الإطباق
والأحرف المطبقة هي : الصاد ، والضـاد ، والطاء ، والظاء . ومعنى إطباقها أنك إذا وضعـت لسانك في موضعهن انطبـق لسانك من موضعهن إلى ما حـاذى الحنك الأعلى من اللسـان ترفعـه إلى الحنـك فإذا وضعت لسانك فالصـوت محصـور فيما بين اللسـان والحنـك إلى موضـع الحـرف " " .
ويعلل ابن الجـزري لكونها مطبقة بأن ( طائفة من اللسان تنطبق مع الريح إلى الحنك الأعلى عند النطق بها مع استعلائها في الفم ) " " ، ولا يختلف ما قاله المحدثـون عما قال به علماء العربية وأهـل الأداء . وعلى هذا فإن مؤخـر اللسان يرتفـع مع الضـاد والظاء نحو أقصى الحنك الأعلى آخذاً شكلاً مقعـراً على حين طرفه مشتركاً مع عضـو أخـر في إخـراج كل منهما " " .
ويـوازن ابن الجـزري بيـن أحـرف الإطبـاق معـللاً :
فالطـاء أقواها في الإطبـاق وأمكنها لجهرهـا وشدتهـا ، والظـاء أضعفها في الإطبـاق لرخاوتهـا وانحرافهـا إلى طـرف اللسـان مع أصول الثنايا العليـا ، والصـاد والضـاد متوسطان في الإطبـاق " " .

رابعاً : الاستطالة 
وتنفـرد بها الضـاد ووصفـت بـذلك ، لأنها استطالـت على الفم عند النطـق بهـا حـتى اتصلت بمخـرج اللام ، وذلك لما فيها من القـوة بالجهـر والإطبـاق والاستعـلاء قويـت في الخـروج من مخرجهــا " " .

تصور المحدثين لنقطة إنتاج الضـاد القديمة :
ويتصـور الدكتور أنيس الضـاد القديمة ( بأن يبدأ المرء بالضاد الحديثة ،ثم ينتهي نطقه بالظـاء ) إذن فهي مرحلة وسطى فيها شئ من شدة الضاد الحديثة وشئ من رخـاوة الظـاء العربيـة " " ، والذي دعـاه إلى ذلك عد القدامى لها من الأصـوات الرخـوة ، وهذا التصـور أخـذه من كانتينو الذي افـترض لنطـق الضـاد القديمـة ثلاثـة افتراضـات :
1- نطـق قريب من الدال المفخمة ذو زائدة لامية .
2- نطـق قريب من الظاء ذو زائدة انحرافية .
3- نطـق قريب من الزاي المفخمة ذو زائدة انحرافية .
ويرجـح كانتينو الافـتراض الثاني " " . ويذهـب إليه أيضاً الأستاذ الأنطاكي الذي تصـور أن الضـاد القديمة كانت مثل الظاء تماماً ما عـدا صفـة الانحـراف التي تشبـه فيهـا اللام " " .
وهذا التخيل عند الثلاثة ينطبق على الضـاد الضعيفة التي لا تستحسن في قراءة القـرآن ، ولا في الأشعار ، يقول ابن يعيش : ( والضـاد الضعيفة من لغة قوم اعتاصت عليهم فربما أخرجوها طاء ، وذلك أنهم يخرجونها من طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا وربما راموا إخراجها من مخرجها فلم يتأتى لهم فخرجـت بين الضـاد والظـاء " " .
ويرجح الدكتور أحمد مختار عمر أن نطق الضـاد القديمة كان قريباً من نطق اللام فهي جانبية مثلها وهي من مخرجها أو أقرب ما تكون إلى مخرجها " " .
ويذكر أهل الأداء أن ( اللام مما بين حافتي اللسان معاً بعد مخرج الضـاد وما يحاذيها من اللثة ) ، وحكى أبو حيان عن شيخه أنه ( يتأتى إخراجها من كلتا حافتي اللسـان اليمنى واليسـرى دفعة واحـدة إلا أن إخراجه من حافة اليمنى أمكن بخـلاف الضـاد فإنها من اليسـرى أمكـن ) " " .
ولهذا القـرب الشديـد أبدلـت الضـاد لاماً في بعـض اللهجـات :
مالي إلى أرطاة حتف فالطجع
والواقع أنها وإن كانت من منطقتها أو من منطقة قريبة جداً منها فلم تكن تنطق لاماً أو قريبة منها : ذلك أن الضـاد من ناحية رخوة ليس فيها انسداد في حين أن نطق اللام يقتضي إحكام الغلق في منطقة اتصال طرف اللسان باللثة ، ومن ناحية أخرى فإن الضـاد مطبقة ويقتضي الإطباق تفخيماً . في حين أن اللام في أكثـر حالاتهـا مرققـة .

تفسير المحدثين لاختلاف القدامى في تحديد نقطة إنتاج الضـاد:
يقـدم الدكتـور كمال محمد بشـر أحـد احتمالين لاختلاف القدامى في تحديـد نقطـة الإنتـاج .
الأول : أنهم أخفقـوا في تحديد الموضع الدقيق لنطـق الضـاد ويستبعد هذا الاحتمـال ، لأن الشواهـد الكثيـرة الواردة عـنهم تناقضـه " " .
ونؤيده في ذلك ، لبراعتهم في ملاحظتهم الذاتية والتي بسببها حددوا لنا مواطن إنتاج الأصوات تحديداً لا يختلف كثيراً عما أرتآه المحدثون من علماء الأصوات .
الثاني : أن سيبويه وغيره من علماء العربية والقراء يتكلمون عن ضـاد غير الضـاد التي نعرفها ونمارسها نطقاً اليوم في جمهورية مصر العربية ، ويعزز وجهته التي ارتضاها بالنص المشهور الذي ساقه سيبويه متضمناً الإشارة إلى موضع نطق هذا الصوت وهو : ( لولا الإطباق لصارت الطاء دالاً . . . . ولخرجت الضـاد من الكلام ، لأنه ليس شئ من موضعها غيرها ) " " ، إذ أنه نسب الضـاد إلى موضع لا يشترك معها فيه غيرها عـلى حين أن الضـاد الحالية تخرج من النقطة التي تخرج منها التاء ، والدال ، والطاء " " .
ونقـول إن هذه الضـاد يعـود اختلافهم في تحديد نقطة إنتاجها إلى اختلاف الناطقيـن بها وقـد سبـق أن أوضحنـا ذلك .
والضـاد القديمة والتي يجب النطق بها في القرآن الكريم وهي الفصيحة تلزم الناطق أن يخفض اللسان حتى لا يلتصق بسقف الحنك ملصقاً كلتا الحافتين مع كلا الجانبين من الأضراس العليا مع امتداد الصوت من أول الحافة إلى منتهاها" " ، بحيث لا ينقطع الصـوت عند التصاق الحافة بالأضراس مع شـدة
الضغـط وقـوة الجهـر . وقـد حـاول بعـض القـراء تطبيـق ذلك ،مثل الشيخ عـبد الفتاح القاضي وتلاميـذه " " .

الضـاد والظاء في النطق السامي:
يقول ابن جني : ( واعلم أن الضـاد للعرب خاصة ولا يوجد من كلام من كلام العجم إلا في القليل " " ، ويتفق معه في ذلك ابن الجزري " " ، ويجعلها الفيروزابادي للعرب خاصة" " . وبالنسبة للظاء يخصها ابن الجزري بلغة العرب فيقول : الحروف التسعة والعشرون المشهورة اشتركت لغات العرب ولغات العجم في استعمالها إلا الظاء فإنها للعرب خاصة " " ، ويوافقه في ذلك الفيروزابادي " ". وقد أجمع الباحثون في مقارنة اللغات على أن القاف والطاء والصاد شائعة في كل اللغات السامية ، وبالتالي فهي موجـودة في السامية الأم ، وأما الضـاد فهذه بلا شك من خصوصيـات العربيـة الفصحى " " .

ومن ثم كان الحق مع الفيروزابادي حين جعل الضـاد للعرب خاصة . وسميت العربية لهذا لغة الضـاد ، وأشار إلى هذا المتنبي في شعـره فقـال :

لا بقومي شرفت بل شرفـو بي وبنفـسي فخـرت لا بجـدودي
وبهم فخر كل من نطق الضـاد وعوذ الجاني وغوث الطريد" "

ويذهب الدكتور حسن ظاظا إلى أن الظاء من مستحدثات العربية الفصحى في بعض ما كان في الأصل صاداً : فكلمة الظل بالعربية كانت بالصاد في البابلية الآشورية ، والبربرية ، والحبشية . ولكنها صـارت طاءً في الآرامية والسريانية ووردت بالصاد أحياناً وبالظاء أحياناً في النقـوش اليمنية القديمـة وهـذا القـول مـردود للآتـي :
أ.أن ورود كلمـات قليلة بالصـاد والظاء والطاء في اللغات السامية لا يكفي دليـلاً على أن الظـاء من مستحدثات العربيـة .
ب.ليس هناك دليل على أن هذه اللغات أقدم من العربية بل العكس هو الصحيح حيث أثبت رجالات علم اللغة المقارن في أوربا أن العربيـة أقـدم صـورة حيـة " " للغـات الساميـة إن لم تكن الأم لهـذه اللغـات وهذا باعـتراف الباحـث نفسـه " " .
ت.من الثابت باعـتراف الباحـث وجـود الظاء في النقوش اليمنية القديمة ، وليس هي المهد الأصلي للغات السامية في القول الراجح . وعلى هذا تكون الظاء أصلية ثم انتقلت إلى صاد أو إلى طاء في هذه اللغات ، لأنهم لا يستطيعـون النطـق بهـا .
ث.ومما يؤيد ما قلناه ما ذكـره الدكتـور محمود فهمي حجازي من أن صوتي الضـاد والظاء تحولا ليصيرا مع الظاء صوتاً واحداً هو الصاد في الحبشية ، والعبرية ، والآرامية ، والآشورية البابلية وعلى هذا فالظاء ليست مستحدثة .
ويذهب بعض الباحثين من المستشرقين ، مثل : بروكلمان ، وسيجال " "، وبروشتاين إلى أن الضـاد في السامية الأم كانت تنطق صوتاً مزدوجاً مكوناً من قاف وسين ( قساد ) .
وحجتهم في ذلك أننا لو أخذنا كلمة شائعة في كل اللغات السامية وتشتمل على حرف الضـاد ، مثل ( أرض ) لوجدناها في العبرية ( أرص ) وفي البابلية الآشورية ( أريستو ) وبتفخيم السين أحياناً ، وفي الحبشية ( أرد ) وفي الآرامية ( أرعا ) أو ( أرقا ) واستخلصوا من ذلك أنها لابد أن تكون صوتاً من أقصى الحنك الرخو عند منطقة اللهاة بدليل أنها تحولت إلى عين وإلى قاف في الآرامية يتبعه مباشرة صوت أسناني فكان هذان الصوتان هما عند أولئك القاف والسين وقد تأثروا في ذلك بنطق اليهود الإشكنازيين " " لحرف الصاد صوتاً مزدوجاً مكوناً من تاء وسين " " .
وهذا الكلام إذا ناقشناه فإننا نستطيع أن نقـول الأتي :

أولاً : أنها نطقت في بعض اللغات صاداً أو سيناً ، أو دالاً وهذه الأصوات من طرف اللسان ، فإذا افترضوا أنها مركبة من قاف وسين فلم لا تكون مركبة من السين ومن الصاد ، أو من السين ومن الدال وهي قريبة منها في المخرج ؟

ثانيا : أن اليهود الإشكنازيين حين نطقوا الصاد صوتاً مزدوجاً نطقوه مكوناً من صوتين متقاربين في المخرج وفي الصفة ، وإذا نظرنا إلى القاف والسين اللذين يمثلان الضـاد نطقاً نجد القاف من أقصى الحنك اللين بينما نجد السين من طرف اللسان والسين مهموسة والقاف كانت قديماً مجهورة حسب وصـف علمـاء العربية القدامى لهـا " " فكيف يستساغ تركيب صوت من صوتين متباعـدين في المخـرج وفي الصفـة .
ويرجح الدكتور حسـن ظاظا أن الضـاد كانت عـندهم صوتاً مركباً بشكل أخـر هـو : اعتماده على نقطة خروج لسانية من نوع الياء ، مع تفخيم يصل الإطباق فيه مع الجهر إلى تحويل هذا المخرج إلى مزيج مع صوت حلقي " ".
ويستأنس لذلك بأن النبط والآراميين بعامة ينطقـون مقابل هذه الضـاد في لغتهم عيناً ، بل لقد نطق العرب الضـاد في بعض الكلمات بنطقهم الفصيح ثم تحولت عند الآراميين إلى عين ، وجاء من جديد إلى العرب بنطقه الجديد " " وضـرب مثلاً على ذلك بالبيعـة . والضـأن :
وبالنسبة للكلمة الأولى أوضح العلاقة التشبيهية بينها وبين البيضة ، ولما كانت البيعة هي المعبد الصغير للنصارى واليهود ، ولما كانت هذه المعابد قد انتشـرت في مناطق من دنيا الساميين تفشت فيها الآرامية ودان أهلها بالمسيحية فقد نطقت البيضة عند هؤلاء بالعين الحلقية بيعة وعادت إلى العربية
وبالنسبة للكلمة الثانية وهي : الضأن فهي في العربية تعني جنس الغنم وتنطـق في العبرية بالصاد ، وفي الآرامية بالعين الحلقية ( عانا ) وقـد عـادت إلى العربيـة ، مع تغيير طفيف . فقـد صـارت عانة بمعنى القطيع من الحمـر الوحشيـة" " .

وهذا التصـور غـير مقبـول لعـدة أمـور :

1.كيف يتصور أن تمزج الضـاد من صوت ساني من نوع الياء مع تفخيم يصل الإطباق فيه مع الجهر إلى تحويل هذا المخرج إلى مزيج مع صوت حلقي ، إذ أن الأصوات الممزوجة متباعدة : فشتان بين الحلق ومع الإطباق ، واللسان مع السنّان .

2.هناك اختلاف بين البيعة والبيضة في الدلالة ووجود تشبيه ليس كافياً للاستدلال على أصل اللفظة كما في الكلمة الأولى . وبين الضأن والعانة اختلاف في المعنى : فالضأن خلاف الماعز من الغنم ، والعانة : الأتان والقطيع من حمـر الوحـش " " .

3.وإذا كان هناك اختلاف في الدلالة بين الضأن والعانة فالعلاقة الصوتية بعيدة أيضاً بين الضـاد والعين في الكلمتين .
4.وإذا كان المحدثون يعدون تحول الضـاد الموروثة عن اللغة السامية الأولى في اللغة الآرامية إلى قاف مرة وإلى عين أخرى ـ من أصعب التحولات الصوتية تفسيراً " " فكيف يستساغ هذا التركيب الذي ذكره الباحث

ونخلص من هذا إلى أن اللغات السامة لم توجد فيها أصوات مركبة على هذا النحو . وأن الضـاد العربية التي وصفها القدامى من علماء اللغة وأهل الأداء هي التي كانت في اللغة السامية الأم وبقيت العربية وهي الأم لجميع اللغات السامية ، لخصائص تعطيها هذا الحق ـ محتفظة بها ، ونزل القرآن الكريم وهي بهذه الصفة ، ثم انتقلت إلى ما نسمعه إلى الآن في اللهجات الحديثة في العالم العربي ، ولا يصح أن يأخذ باحث لغوي نطق أي قطر عربي للضـاد سواء أكانت تنطق فيه بوجه واحد أم أكثـر .

وعندما نقـول إن اللغة العربية لغة الضـاد فإننا ( نستحضر تاريخاً سحيقاً ضاع من الوثائق ، وبقي في عجينة الألفاظ ، وفي معانيها ، وفي أصواتها يشهد بأن العـربية الفصحى أبعـد مدى وأرسخ قدماً في عـلاقة الإنسان باللسـان مما سجله عـلماؤها ) " "

العـلاقة بيـن الضـاد والظـاء صـوتياً وتاريخـياً ولهجـياً ( 2 )

من الملاحظ في تحديد مكان نطق كل من الضـاد والظاء ومن وصفهما أنهما متجاوران مخرجاً ومتفقان في صفات الجهر والرخوة والإطباق فبينهما علاقة صوتية قوية تبيح الانتقال من أحدهما إلى الأخر ، ومن ثم وقع التبادل بينهما في كلام العرب ولا يزال إلى الآن في هذه المنطقة المعروفة اليوم بالعلم العربي.

يقـول الشاعـر :

إلى الله أشكو من خليل أودّه ثلاث خصال كلها لي غائـض

فقالوا أراد ( غائظ ) فأبدلوا الظاء ضـادا " "
وقد أورد بعض علماء اللغة شواهد وقع فيها هذا التبادل : منها ما روي :
أن رجلاً قال : لعمـر ( رضي الله عنه ) يا أمير المؤمنين أيظحى بضبي ؟ قال : وما عليك لو قلت : أيضحى بظبي ؟ قال : إنها لغة . قال : انقطع العتاب ولا يضحى بشيء من الوحش " "
وورد أن عمـر ( رضي الله عنه ) ومن حضـره عجبوا من قوله ، فقـال : يا أمير المؤمنيـن إنها لغة وكسـر اللام ، فكـان عـجبهم من كـسر لام لغة أشـد من قـلب الضـاد ظـاء والظـاء ضـاداً " " ،
وهذه الرواية يجب أن تكون في الأصل على أحد نطقين لأحد حيين من العرب :
أول هذين النطقين : أيضحى بظبي وثانيهمـا : أيظحى بظبي .
أما النطق الثالث الوارد في كلام الرجل فهو مجموع من النطقين السابقين وهو معروف لدى علماء اللغة بتداخل اللغات فقد أخذ من التي تؤثر الظاء على الضـاد في أيظحى ، وأخذ من التي تؤثر الضـاد على الظاء في بضبي ، فجمع بين لغتين في كلامه . والعرب ( تختلف أحوالها في تلقي الواحد منهم لغة غيرة : فمنهم من يخف ويسرع قبول ما يسمعه ومنهم من يستعصم ويقيم على لغته البته، ومنهم من إذا طال تكرر لغة غيره عليه لصقت به ووجدت في كلامه) " "
ومن ثم عجب عـمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن معه من نطق هذا الرجل لأنهم ممن يقيمـون على لغتهم لا يفارقونهـا .
ويذكر الدكتور إبراهيم أنيس ( أن النطق القديم للضـاد كان إحدى خصائص لهجة قريش ) " " وقبل أن نحكم بصحة هذا الكلام أو عدم صحته يجب أن نستعرض نصوصاً من مظانها المختلفة لنصل من خلالها إلى الرأي الذي نراه :
1. الأرض والأرظ
وردت الكلمة بوجهين عن العرب هما الضـاد ، والظاء مع اتفاق المعنى : يقول ابن السيد البطليوس : ( والأرظ والأرض قوائم الدابة والأشهر فيها الضاد )"" " وجاء في اللسان : ( والأرض سفلة البعير والدابة وما ولي الأرض منه يقال بعير شديد الأرض ، إذا كان شديد القوائم . والأرض أسفل قوائم الدابة . وأنشد لحميد يصف فرساً :
ولم يقلب أرضهـا البيطـار

وقـال سويـد بن كراع :

فركبناها على مجهولهـا بصلاب الأرض فيهن شجع

وقـال خفـاف :

إذا ما استحمت أرضه من سمائه جرى وهو مودوع وواعد مصـدق " "

والبيـت الأول لحميد بن ـثور الهلالي من بني عـامر بن صعصعة " " وهم يعـودون إلى قيـس " " .
وسويـد بن كراع ـ قائل البيت الثاني ـ من عكل " " ، وبنو عكل بن عوف بن عـبد مناه بن أد بن طابخـة بن إلياس بن مضـر " "
وخفاف قائل البيت الأخير ـ هو خفاف ابن عمير بن الحارث بن الشريد السلمي " " المعـروف بخفاف بن ندبة ، وبنو سليم يعـودون إلى قيس " " وكل من طابخة وقيس ينتهي إلى مضـر " " .
وكانت مضر مقيمة وحدها في تهامة بعد خروج ربيعة منها حتى دب بينها التفرق ، ووقع بين قبائلها البغضاء بسبب تباين هذه القبائل وكثرة عددها وفصائلها وضيق البلاد بها ، ومن هنا رأينا قبيلة مهتمة وأخرى منجدة ، فظعنت قيس من تهامة طالعين إلى بلاد نجد إلا قبائل منهم انحازت إلى أطراف الغور من تهامة " " . وطابخة نزحـت من تهامة إلى ظواهـر نجـد والحجـاز " "
أما عكـل الذين منهم سويد بن كراع فقـد نزحوا من الحجاز بعد ذلك إلى بـلاد نجـد وصحاريهـا " "
وعلى هذا فالنطق بالضـاد هنا ليس خاصاً بقريش وإن كانت تعود إلى مضر" "

2. الحضـض والحظـظ والحضـظ .
قال ابن السيد : ( والحظظ والحضض : الكحل الذي يقال له الخولان يقال بضم الظاء والضـاد وفتحهما ) ، قال الراجـز :

أرقش ظمآن إذا عض لفظ أمر من مرّ ومقر وحظظ " "

وحظظ بظاءين في اللسـان أيضـاً " "
وجاء في الصحاح بضـاد وظاء قال الجوهـري : وأنشـد شمـر :

أرقش ظمآن إذا عصر لفظ أمر من صبر ومقر وحضظ

ويعقـب الخليل على البيت بقوله : ينشد هذا البيت بظاءين من كانت لغته فيه بالظاء . والذي لغته بالضـاد يجعل الأول على لغته ضـاداً ويجعل الآخر ظاء لإقامة الروي " " .
وقال أبو عمر الزاهد : الحضذ بالضـاد والذال .
وهذه النصوص تعطينا في الكلمة أربع لهجات :
الأولى : الحضض بضـاضين الثانية : الحظظ بظاءين
الثالثة : الحضظ بضاد بعدها ظاء الرابعة : الحضذ بضاد بعدها ذال
وقد روي البيت باللهجتين الثانية والثالثة . والذي أراه أخذاً من نصوص اللغويين أن الكلمة بضاضين وبظاءين لهجتان مشهورتان ، وأما الضـاد وبعدها الظاء فلهجة قليلة يدل على ذلك قول شمر : لم أسمع الضـاد مع الظاء إلا في هذا" " ، وأما اللهجة الرابعة فنادرة .

3. ضنيـن وظنيـن .
في قوله تعالى : ( وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ) " " .
قرئ بالضـاد والظاء في ( ضنين ) " "

1 ـ فقـد قرأ عبد الله بن مسعود ، وابن عباس ، وزيد بن ثابت ، وابن عمر ، وابن الزبير ، وعائشة ، وعمر بن عبد العزيز ، وابن جبير ، وعروة بن جندب ، ومجاهد ، وغيرهم من السبعة وابن كثير ( بظنين بالظاء ) . وقرأ عثمان ، وابن عباس أيضاً ، والحسن ، وأبو رجاء ، والأعرج ، وأبو جعفر ، وجماعة غيرهم ، وباقي السبعة بالضـاد " " .

2 ـ وجاء في معاني القرآن للفراء وحدثني قيس بن الربيع عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال : أنتم تقرءون ( بضنين ) ببخيل ونحن نقرأ ( بظنين) بمتهم، وقرأ عاصم وأهل الحجاز وزيد بن ثابت ( بضنين) وهو حسن" "

3 ـ ويقول الطبري وبالضـاد خطوط المصاحف كلها " " .

4 ـ وفي الكشاف وهو في مصحف عبد الله بالظاء وفي مصحف أبيّ بالضاد" "
5 ـوجاء في المصاحـف القديمة لجفري أن ظنيناً جاء بالظاء في مصاحف ابن عباس ، وعائشة ، وورد عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرؤه الظنين بالظاء " " .

6 ـ وقد ورد أن ( المكتوب في مصحف الإمام بالضـاد ) " " وقد ورد أيضاً : ( وهو رسم الإمام وسائر المصاحف العثمانية ) " " .

وهذا يفسر قول الطبري من أن المقصود بالمصاحف كلها : المصاحف العثمانية وتفيد النصوص التي عرضناها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بهما ويؤكد ذلك الزمخشري " " ، والقراءات الواردة بهما متواترة " " .
وتفيد النصوص السابقة أيضاً أن بعض القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بهما .
وإذا رجعنا بالقراء إلى البيئات التي انتسبوا إليها أو عاشوا فيها مدة طويلة فإننا نستطيع أن نقول : إن النطق بالضـاد والظاء ينسب إلى البيئة الحجازية الغربية ، وإلى بيئة البدو في وسط الجزيرة وشرقها . وكان يقطن بيئة البدو هذه قيس وتميم وأسد " " . وقد ورد النطق بالظاء عن الكسائي وأبي عمرو .
وكان الكسائي ربيباً لبني أسد وينسب أبو عمرو ابن العلاء إلى بني تميم " " . وجاء النطق بالظاء عن ابن كثير وهو مكي " " ، وعلى هذا فالنطق بالظاء وارد في البيئة الحجازية في مكة وفي البيئة الشرقية في تميم وأسـد .
وورد النطق بالضـاد عن نافع وهو مدني " " ، وجاء عن ابن عامر وهو شامي تميمي " "
وورد عن حمزة الكوفي وكان مولى لآل عكرمة " " ، وعكرمة تؤول إلى قيس " " . وجاء عن عاصم بن أبي النجود وهو من بني أسـد " " .
وعلى هذا فالنطق بالضـاد وارد في بيئة الحجاز في المدينة وفي بيئة البدو الشرقية في تميم وقيس وأسـد .
وإذا رجعنا إلى من اتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه وجدنا النطق بالظاء لدى عائشة وروته عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وجاء النطق بالظاء عن عبد الله بن مسعود وابن عمر وابن الزبير وهؤلاء جميعاً من البيئة الحجازية . وجاء النطق بالضـاد عن عثمان رضي الله عنه وهو قرشي " " .
وجاء النطق بالضـاد والظاء معاً عن عبد الله بن عباس وزيد بن ثابت وهما من بيئة الحجاز فالأول ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم ، والثاني من كتاب الوحيّ ، وإذا كان النطق بالضـاد والظاء نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلا غرابة أن ينسب إليهما .

وإذا كان ظنين بمعنى متهم ، وضنين بمعنى بخيل فالمعنيان واردان في بيئة الحجاز ، فالمعنى الأول لهذيل ، والثاني لقريش " " .
ويرجح الدكتور أنيس رأي ابن جرير الطبري الذي يقول : ( وأولى القراءتين في ذلك بالصواب ما عليه خطوط مصاحـف المسلمين متفقة ، وإن اختلفت قراءتهم به ، وذلك بضنين بالضـاد لأن ذلك كله كذلك في خطوطها ) " " .

ويخلص الدكتور أنيس إلى أن القراءة بالظاء إنما كانت على أساس لهجة بعض العرب القدماء ممن كانوا ينطقون بالضـاد ظاء " " . ونقول كما قررنا سابقاً إن النطق بالضـاد والظاء وارد في البيئة الحجازية الغربية والبيئة الشرقية ، وإذا كان النطق بالضـاد ظاء لهجة قديمة كما يرى الدكتور أنيس فقد بقي هذا النطق مع أهل هذه اللهجة سواء من بقي في منطقة البدو منهم أو انتقل إلى بيئة الحضـر .
وكلام ابن جـرير سبق تفسيره والقراءتان ثابتتان متواترتان وليس ثم داع لتفضيل النطق بالضـاد على النطق بالظاء .
4. عـض وعـظ
يقول البطليوسي : العظ والعض : شدة الحرب وشدة الزمان ولا تستعمل الظاء في غيرهما ، قـال الفـرزدق :

وعض زمان يا ابن مروان لم يدع من المال إلا مسحتا أو مجلف " "

ويقـول ابن بري : ( عضه القتب وعضه الدهر والحرب وهي عـضوض )

قال المخبل السعـدي :

غداة جني على بنيّ حربا وكيف يداي بالحرب العضوض " "

وجاء في اللسان : ( العظ : الشدة في الحرب ، وقد عظته الحرب بمعنى عضته وعظـه الزمان لغة في عضـه ) " " .
وهنا نلاحظ أن النطق بالضـاد هو الشائع المنتشر والنطق بالظاء محصور في عدد قليل ، وقول صاحب اللسان : وعظه الزمان لغة في عضه يشهد لما قلنا والفرزدق تميمي " " ، والمخبل السعدي تميمي أيضـاً " "

5. فاظـت نفسه وفاضـت .
يقول الفراء : ( أهل الحجاز وطئ يقولون فاظت نفسه وقضاعة وتميم وقيس يقولون فاضت نفسه ، مثل فاضت دمعته ) " " ، ويقول أبو زيد وأبو عبيدة : ( فاظت نفسه ، بالظاء لغة قيس وبالضـاد لغة تميم ) " "
وروى المازني عن أبي زيد أن العرب تقول : ( فاظت نفسه بالظاء إلا بني ضبة فإنهم يقولونه بالضـاد ) " " ، ويقوي هذه الرواية ما ورد عن أبي حاتم ، قال : سمعت أبا زيد يقول : ( بنوا ضبة وحدهم يقولون فاضت نفسه ) " " .
وجاء في الغريب المصنف : ( فاظت نفسه تفيظ : مات . وناس من تميم يقولون فاضت نفسه تفيض ) " " ، وورد عن أبي عبيدة : ( كل العرب تقول : فاضت نفسه بالضـاد إلا بني ضبة فإنهم يقولون فاظت نفسه بالظاء ) " " .

وهـذه الروايات تفيـد الآتي :

1 ـ أن النطق بالضـاد ينسب إلى قضاعة ، وتميم ، وقيس ، وأن النطق بالظاء ينسب إلى الحجاز وطيئ .
2ـ أن العرب بما فيهم الحجاز ، وطيئ ، وقضاعة ، وقيس ، وأسد يقولون بالظاء إلا بني ضبة فإنهم يقولون بالضـاد .

3 ـ ضبة وحدها تقول بالظاء وباقي العرب بما فيهم الحجاز ، وطيئ ، وقضاعة ، وتميم ، وقيس تقول بالضـاد .

4 ـ بنوا ضبة ينسب إليهم النطق بالضـاد في رواية وبالظاء في رواية أخرى .

5 ـ تميم ينسب إليها النطق بالضـاد في رواية ، وناس منها ينسب إليهم النطق بهذه الضـاد في رواية أخرى .

وأصل من هذا كله إلى أن بعض أفراد القبيلة كان يؤثر الضـاد والبعض الآخر كان يؤثر الظاء . والضـاد والظاء ـ كما سبق ـ متجاوران في المخرج ، ومتفقان في الجهر والرخاوة والإطباق والاستعلاء ، مما يجعل من اليسير انتقال مخرج الضـاد إلى الظاء . وقد وقع هذا التبادل بينهما في اللغة الأوجريتية التي كان يكتب بها في القرن الرابع عشر قبل الميلاد " " .
كما وقع هذا التبادل بينهما في جنوب بلاد العرب " " .
ولا يقصد بوقوع التبادل بينهما أن الذي نطق بالضـاد من العرب أبدلها ظاء أو العكس إلا إذا كان يلهو أو يعبث ، لأن المتكلم لا بد أن يثبت على نطق واحد في كلمة واحدة في زمن واحد ، ومن ثم يقول أبو الطيب اللغوي : ( ليس المراد من الإبدال أن العرب تتعمد تعويض حرف من حرف ، وإنما هي لغات مختلفة لمعان متفقة تتقارب اللفظتان في لغتين لمعنى واحد حتى لا يختلفا إلا في حرف واحد ) " " ، ووضح ذلك بأن القبيلة الواحدة لا تتكلم بكلمة طوراً مهموزة وطوراً غير مهموزة ، ولا بالصاد مرة ، وبالسين أخرى ، وكذلك إبدال لام التعريف ميماً ، والهمزة المصدرة عيناً ، كقولهم في أن : عن ( لا تشترك العرب في شئ من ذلك إنما يقـول هذا قـوم آخـرون ) " ".

6.هيظلة وهيضلة .
يقول البطليوس : ( ويقال للجماعة من الناس إذا خرجت في الغزو : هيظلة وهيضلة والمشهور فيها الضـاد ) وحكاها العتقي بالظاء ولم أر ذلك لغيره ،

قـال ساعدة بن جؤبة الهذلي :

أزهير إن يشب القذال فإنه رب هيضل مسرس لففت بهيضل " "

وجاء في اللسـان : ( والهيضل الجيش الكثير واحدهم هيضلة )

قـال الكميت :

وحول سريرك من غالب ثبى العز والعرب الهيضل

وقـال الكميت ( أيضاً ) :

في حومة الفيلق الجأواء إذ نزلت قيس وهيضلها الخشخاش إذ نزلوا

وإذا نسبنا الشعراء إلى قبائلهم فإن ساعدة بن جؤبة من بني كعب بن كاهل من سعد هذيل .
ونسبة البيت في ديوان الهذليين إلى أبي كبير الهذلي ، لا يخرجه عنها والكميت بن زيد من بني أسد .
وهذيل من الحجاز وبنو أسد ممن يتوطنون شبه الجزيرة وشرقها ونصل بعد ذلك إلى أن النطق بالضـاد بوجوهها المختلفة ليس محصوراً في قريش كما ذهب الدكتور أنيس إلا إذا أردنا إخراجها من جانبي اللسان فقـد نسب هذا النطق إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وإلى عـمر بن الخطاب وقد أفادتنا هذه النصوص أن النطق بالضـاد يوجد في بيئة الحجاز التي منها قريش وفي بيئة وسط الجزيرة وشرقها في قيس وتميم وأسد وكذا النطق بالظاء وجدناه في البيئتين معـاً .

العـلاقة بيـن الضـاد والظـاء صـوتياً وتاريخـياً ولهجـياً ( 3 )
الضـاد والظاء في اللهجات الحديثة .
لا نقف هنا عـند حد التبادل بينهما فقط بل يتجاوز الأمر إلى صيرورة كل منهما إلى أصـوات أخرى في مناطق مختلفة من العالم العربي الممتـد من الخليج إلى المحيط هذه المنطقة الشاسعة من العالم .

إن انتقال الضـاد إلى الظاء أو العكس قديم عند العرب كما أوضحته النصوص والشواهـد السابقة والتي يعضدها ما نقله الفـراء عـن المفضل أن ( من العرب من يبدل الضـاد ظاء فيقـول : ( عـظت الحرب بني تميم ) ومنهم من يعكـس فيقـول في ( الظهـر ) : ( ضهـر ) " " .

وقـد ذكرنا سابقاً أن العلاقة الصوتية بينهما قوية تبيح الانتقال من أحدهما إلى الأخر . . وهذا يفسر لنا ما حدث في بيئة صقلية قبل القرن الخامس الهجري من نطق الضـاد ظاء حيث لاحظ ذلك في فترة حياته ابن مكي صقلي وهو من أهل القرن الرابع حيث توفى سنة 501 هـ ـ حتى لا يكاد يرى أحـداً ( ينطق بضـاد ولا يميزها من ظاء وإنما يوقع كل واحدة منهما موقعها ويخرجها مخرجها الحاذق الثاقب ، إذا كتب أو قرأ القرآن لا غـير . فأما العامة . . وأكثر الفصحـاء فلا يفرقـون بينهمـا في كتـاب ولا قـرآن ) " " .
وانتقال الضـاد إلى الظاء في بيئة صقلية هو الأكثر والأشهر حتى أصبح أمراً شائعاً مما جعل ابن مكي يقول : ( هذا رسم قد طمس وأثر قد درس من ألفاظ جميع الناس خاصتهم وعامتهم . وهو باب واسع . وأمر شاسع إن تقصيته أخرجت الكتاب عن حـده ) " " .
وقـد صارت الضـاد في هذه البيئة أيضاً طاء حيث يقول أهل صقلية لما حول المدينة ربط ، والصواب ربض " " . وقد انتقلت إلى الدال لديهم أيضاً نحو قولهم : غردوف بدل غرضوف أو غضروف " " .
وقد لاحظ ابن الجزري في القرن التاسع انتقال الضـاد إلى الطاء في هذه البيئة وغيرها في المغرب ، وفي مصر فيقول : ( ومنهم من لا يوصلها إلى مخرجها بل يخرجها دونه ممزوجة بالطاء المهملة لا يقدرون على غير ذلك وهم أكثر المصريين وبعض أهل المغـرب ) " ".
وإذا انتقلنا إلى الضـاد والظاء في لهجاتنا الحديثة فإن الضـاد تنطق قريباً من الظاء في بعض الجهات في جمهورية مصر العربية في إقليم مريوط " " . وفي محافظة سيناء الشمالية " " . وفي العـراق والمغرب " " . وفي الخليج والسعودية " " .
وقد لاحظ ذلك ابن الجزري في القرن التاسع الهجري ، فقال : ( فمنهم من يجعله ظاء مطلقاً ، لأنه يشارك الظاء في صفاتها كلها ويزيد عليها بالاستطالة ، فلولا الاستطالة واختلاف المخرجين لكانت ظاء ، وهم أكثر الشاميين وبعض أهل المشرق ) " " . وقد لاحظت نطق الضـاد قريبة من الظاء في جنوب المملكة العربية السعودية من الطلاب في الجامعة أثناء التدريس ، ومن أهالي المنطقة أثناء تجوالي بينهم . وتنطق الضـاد كاللام المطبقة عند أهل حضرموت " " .

ويظهر أن الأندلسيين كانوا ينطقون الضـاد مثل ذلك ؛ ولذلك استبدلها الأسبان بالـ ( Id ) في الكلمات العربية المستعارة في لغتهم مثال ذلك أن كلمة القاضي صارت في الأسبانية dicdide " " .
وإذا كانت اللام من إحدى حافتي اللسان كالضـاد ، لكنها من الجانب الأيمن أمكن وهي مستطيلة مجهورة مثلها وفيها شئ من الرخاوة مثلها أيضاً فقد صارت هذه الضـاد لاماً مطبقة عند أهل حضرموت وانتقال الضـاد إلى اللام قديم عـند العرب في قـول منظـور بن حبة الأسـديّ :
لما رأى أن لادعة ولا شبع مال إلى أرطاة حقف فالطجع " " .
وإذا كان الشاعر من بني أسد فإنهم كانوا ينطقون الضـاد لاماً فراراً من الجمع بين حرفين مطبقين ، كما في الضـاد والطاء هنا ؛ لأن هذه اللام أقرب الحروف إلى الضـاد ؛ ولما كانت بينهما عـلاقة صـوتية قـوية فقـد صارت اللام إلى الضـاد أيضـاً حيـث يقـول الأزهـري :
( ربما أبدلوا اللام ضـاداً كما أبدلوا الضـاد لاما ؛ قال بعضهم : الطراد واضطـراد لطـراد الخيـل ) " " .
وهذا يفسر أن التبادل بينهما حادث من قديم للعلاقة الصوتية القوية بينهما ، وإذا كان بعض العرب يفر من الجمع بين مطبقين فبعض أخر منهم يميل إلى الجمع بين المطبقين ؛ لأن اللسان حينئذ يعمل في منطقة واحدة وهم أكثر العرب وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم . يحدث العرب على اختلاف لهجاتهم فقد روى مجاهد عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ( إذا كان عند اضطراد الخيل وعند سـل السيوف أجـزأ الرجل أن تكـون صلاته تكبيـراً ) " " .
وأصل اضطراد بإظهار اللام ، هكذا فسـره ابن إسحاق " " .
وإن كان المعهـود صـوتياً تأثر اللام بالطاء وانقلابها إليها وصيرورتهما صـوتاً واحداً يرتفـع بهما اللسـان ارتفاعـة واحدة وعـلى هذا أرى أن ذلك حـدث في بيئة ضيقـة .
وقد انتقلت الضـاد إلى الصاد في لهجات منطقة ظفار كالمهرية والشحرية " "
وإذا كانت الضـاد تتبادل مع الظاء أو مع اللام لوجود علاقة صوتية قوية بينهما وبين الظاء أو اللام . . فالعلاقة الصوتية بيتها وبين الصاد قوية أيضاً ، مما يبيح الانتقال إلى هذه الصاد في منطقة ظفار ، فالضـاد من أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس والصاد مما بين طرف اللسان وفويق الثنايا" "
ويتصفان بالإطباق والرخاوة ، وهذه العلاقة الصوتية القوية أباحت الانتقال بينهما قديماً حيث وجدنا بني ضبة ينطقون الضـاد صاداً ، يقول ابن سيده : (الضئيل بالضـاد الداهية ولغة بني ضبة الصئبل بالصاد والضـاد أعرف) " ".
وانتقال الضـاد إلى الصاد محصور اليوم في منطقة ضيقة من العالم العربي في اللهجتين المهرية والشحرية من ظفار ، كما كان هذا النطق محصوراً في قبيلة بني ضبة قديماً ، ومن ثم وجدنا ابن سيده يقول : والضـاد أعـرف .
ونجـد الضـاد في نطـق الكثيـر من القـراء في مصـر وعـند العوام فيها وبعـض الأقطـار الأخـرى تنطـق دالاً مطبقة ، ونسمعه عـند كثيـر من سكان الريف دالاً غـير مطبقة حيث يقـولون في ضـرب ( درب ) .
والضـاد التي أصبحت قريبة من الظاء عند كثير من البدو في لهجاتنا الحديثة وغير البدو وهم لا ريب متأثرون بهم في الخليج والعراق وفي مصر يرى برجشتراسر الألماني أن هذا النطق ( نشأ من نطقها العتيق بتغير مخرجه من حافة اللسان إلى طرفه ) " " ، كما يرى أن نطق الضـاد دالاً ( نشأ من هذا النطق البدوي بإعماد طرف اللسان على الفك الأعلى بدل تقريبه فقط فصـار الحـرف بذلك في نطقـه شـديداً بعـد أن كـان رخـواً ) " " .

وعـلى هذا . فـنطـق الضـاد دالاً مفـخـمة كما نسمعـه الآن قـد مر بنقطة إنتاج الظاء كما أن الضـاد التي أصبحت قريبة من الظاء أو أصبحت ظاء كما ذكرنا هي الضاد الضعيفة التي ذكرها سيبويه وأوردها بين ثمانية أصوات ( غـير مستحسنة ولا كثيرة في لغة من ترضى عربيته ، ولا تستحسـن في قـراءة القـرآن ولا في الشعـر ) " " .

وقد فسر ابن يعيش هذه الضـاد الضعيفة في القرن السابع الهجري بأنها : من لغة قوم اعتاصت عليهم فربما أخرجوها ظاء . وذلك أنهم يخرجونها من طرف اللسان وأطراف الثنايا ، وربما راموا إخراجها من مخرجها فلم يتأت لهم فخرجت بين الضـاد والظاء " " .
وإذا كان البدو السابق ذكرهم قد صيروا في نطقهم الضـاد ظاء أو قريبة منها فقد احتفظوا بالظاء " " فيما كانت فيه من كلمات استخدموها في حياتهم اليومية إلا لهجة سترة وهي الجزيرة الثالثة من جزر البحرين فقد نطقت مكان الظاء الرخوة ضاداً شديدة بحيث تنطق ما كان بالضـاد وما كان بالظاء ضـاداً واحدة والضـاد الشديدة يراد بها الدال المطبقة .
وتشارك لهجة سترة في هذا النطق لهجات أخرى في البحرين ، مثل : توبلي ، والكورة ، والمعامير ، وجد ، ومستابس ، وجزيرة النبيه صالح وسند وجزء من مدينة المنامة " " .
وعلى سبيل المثال فإن كلمتي : يظعن ، والقيظ ينطقان بالضـاد الشديدة في هذه اللهجات ، أما كلمتا : عرضة ، وقرضة فهما في الفصحى بالضـاد وكذا في لهجة سترة " " ، وقد صارت الظاء ضـاداً في لهجة عدن " " .
وقد صارت الظاء ضـاداً أيضاً عند العوام في جمهورية مصر العربية حيث يقولون في الظهر بالظاء ( الضهر : بالضـاد ) ، وفي الظل : الضل ، وفي حنظل : حنضل .
ويشيع في اللهجات العامية المصرية انتقال الظاء إلى زاي مفخمة حيث يقولون ظهر بفتح الظاء : زهر بفتح الزاي مع التفخيم ، وفي مثل الوظيفة : الوزيفـة ، وفي ظفـر بمعنى أكل الطيـور : زفـر .
والزاي كما ذكر سيبويه مما بين طرف اللسان وفويق الثنايا ، والظاء مما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا ويتصفان بالجهر والرخاوة " " .
ويبدو أنها صارت في جهات أخرى إلى السين أو إلى الصاد . يدل على ذلك قـول المستشرق الألماني برجشتراسر : ( وهي الآن عند كثير من أهل المدن أحـد حـروف الصفيـر ) " " .
وبعـــــــد :
فبعـد هذه الجولة نكون قد تعرفنا على الضـاد والظاء من حيث العلاقة الصوتية والنشأة التاريخية والتبادل بينهما في اللهجات العربية القديمة والحديثة وانتقال كل منهما إلى أصوات أخرى قريبـة منها في هـذه اللهجـات قديمهـا وحديثهـا .
والله الموفــق
--------------
بحث مستل من مجلة الأزهر الأعداد ( الثامن والعاشر والحادي عشر ) شعبان 1407 هـ _ إبريل 1987 م .
------------------------
منتديات قراء القرآن الكريم :
http://www.qquran.com/forum/showthread.php?t=9137

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: