بحث ( مناهج المستشرقين في الصناعة المعجميّة ) - ندوة (قضايا المنهج في اللغة والأدب) - فاس

افتتح في يوم الأربعاء 15 جمادى الآخرة 1432هـ الموافق 18 مايو 2011 م ندوة ( قضايا المنهج في اللغة والأدب )، وبرنامج الندوة سبق نشره في خبر سابق، وفيما يلي أنشر البحث الذي قدمتُ عرضاً له هذه الندوة:

الصناعة المعجميّة لدى المستشرقين :·

في ميدان صناعة المعاجم كان للمستشرقين نشاطٌ واضحٌ فيه، أسهموا في صناعة المعجم العربيّ، فصدرت أعدادٌ منه مع اختلافٍ بينها في مناهجها وأغراضها وأسسها، ولم تكن كلّها في مستوى واحد من الجودة والإتقان، فمنها ما فقدَ قيمته، فلم يلقَ قبولاً عند متلقّيه، ومنها ما بقي زمناً طويلاً أساساً من أسس المعاجم لديهم، ومنها ما أصبح نادرَ الوجود، وسأذكر عدداً منها لبيان قِدَم التأليف لديهم، أمّا ما سأدرس منهجه فسأفصّل الحديث عنه.

من معاجمهم التي لم يعد لها قيمة لديهم، ولم يمثّل نظريّةً واضحةً في صناعة المعجم ما يلي :

·المعجم العربيّ اللاتيني([1]) :

مجهول المؤلّف، والراجح أنّه صدر في الأندلس، ورأى يوهان فوك أنّ أحد الرهبان وضع خطّته ليكون عوناً لهم في تنصير المسلمين.

وهو ترجمة لملحق لغويّ لأحد المعاجم المستعملة في ذلك الوقت، وتدلّ طبيعة الترجمة عن أنّها أُعدّت من قبل رجل يتحدّث العربيّة، قد يكون أحد المستشرقين، أو نصرانيّاً عاش في ظلّ الحضارة العربيّة.

ومنهجُه ذكرُ المرادفات العربيّة للكلمة اللاتينيّة، وعكسها بذكر المرادفات اللاتينيّة للكلمة العربيّة، وقد يكتفي بذكر ترجمة الكلمة، ولاحظ عليه فوك عدداً من أخطاء الترجمة، ورأى أنّ هذه الأخطاء والعيوب سبب في ضعف قيمته([2]).

·معجم عربي لاتيني ولاتيني عربي :·

هو مثل السابق مجهول المؤلّف، نشره ( شياباريلي ) عام 1874م([3]).

ومال فوك إلى صدوره من الطوائف التنصيريّة في الأندلس في القرن الثالث عشر الميلادي، أمّا رينهارت دوزي فمال إلى أنّ مصنفه المنصّر رايمون مارتان، وهو من علماء اللاهوت والمستشرقين في قطلونيا، ألّفه للاستعانة به على تنصير المسلمين، ورجّح زمن تأليفه في النصف الثاني من القرن الثالث عشر، واستدلّ في ترجيح كونها من مخطوطات القرن الثالث عشر بشكل الخطّ، وذكر أنّ المستشرق رايت وافقه على رأيه([4]).

وهو قسمان : عربيّ لاتيني، يتكوّن من ثمانية آلاف كلمة عربيّة. لاتيني عربيّ، يذكر فيه تحت الكلمة اللاتينيّة مرادفات قد يتجاوز عددها اثنتي عشرة كلمة مرادفة، ويذكر مع الاسم جمعه، وصيغ الفعل المبني للمعلوم والمجهول.

وتناول الفروق بين الاستعمالات اللغويّة الإسلاميّة والنصرانيّة في بعض الأحيان.

والغالب على المعجم ذكر لغة الحياة اليوميّة التي يحتاج إليها المنصّر للتعامل مع المسلم، ولذا فالمعجم يشتمل على العاميّة العربيّة الجارية على ألسنة المثقفين في القرن الثالث عشر في الأندلس([5]).

·المعجم العربيّ بالحرف القشتالي - الأسباني بدرو دي ألكالا Pedro de Alcala:

أعدّه راهب أسبانيّ هو بدرو دي ألكالا، بتكليف من فرديناند دي تالافيرا رئيس أساقفة غرناطة سنة 1499م، وهدفه الاستعانة به على تنصير المسلمين.

عدد كلماته اثنان وعشرون ألف كلمة، وتمّ إنجازه عام 1505م في غرناطة، وهو معجم لعاميّة غرناطة، كتبه بالكتابة الصوتيّة اللاتينيّة لعدم وجود حروف طباعيّة عربيّة، فكتبه برموز لاتينيّة تشير للحروف العربيّة، كحرف ( C ) وفوقه ثلاث نقاط لحرف الثاء، و( H ) وتحتها نقطة، ونقطة عن يمينها إلى الأعلى لحرف الخاء.

وتحدّث عن قواعد العربيّة العاميّة الجارية على ألسنة الناس في جزءٍ من المعجم، ثمّ ألحق نصوصاً بطريقة نطق سكان غرناطة، يحتاج إليها المنصّرون، مع المعجم الأساسي في مفردات عاميّة غرناطة([6]).

ومع أنّ هذا المعجم اهتمّ بالعاميّة الغرناطيّة، لكنّني ذكرته هنا لكونه من أشهر مصادر المستشرقين في عصره والعصور التالية، كدوزي في معجمه.

وصدرت مجموعة من معاجم المستشرقين كانت أكثر صلةً بالفصحى والمعاجم العربيّة، وأكثرها لم يكن التنصير هدفاً في تألفيه، فكان الهدف العلميّ يغلب على تأليفه، وكان أغلب تلك المعاجم ترجمةً لأحد المعاجم العربيّة أو عددٍ منها، ولم تكن الدراسات اللغويّة نضجت في أوربّا كما أصبحت فيما بعد، ولذا كان أغلبهم مقلّداً اللغويّين العرب في أعمالهم المعجميّة.

ولا يُنكر أثر هذه المعاجم في نقل الصناعة المعجميّة العربيّة إلى أوربّا، ثمّ أثرها في الصناعة المعجميّة الغربيّة، قال فرانتز روزنتال :" أمّا علم المعاجم فكان هو الأساس الذي قامت على أساسه المعاجم الغربيّة العربيّة "([7]). ومن تلك المعاجم التي سلكت مسلك العرب ما يلي :

·معجم اللغة العربيّة – الإيطالي أنطونيوس جيجايوس Antonius Giggeius:

استند على القاموس المحيط بحسب رواية جوليوس، وطُبع في أوربّا سنة ( 1632م ) في أربعة مجلدات في مطبعة الكليّة الامبروزيانيّة في ميلانو، وكان أكبر معجم عربيّ في أوربّا، ولمّا صدر معجم جوليوس بعد عشرين سنة من صدوره حلّ محلّه([8]).

·المعجم العربيّ اللاتيني – الهولندي يعقوب جوليوس (1596-1667م ) :

ولد يعقوب جوليوس Jacob Golius في لاهاي، ودرس العربيّة وغيرها بجامعة ليدن، فدرس العربيّة على المستشرق إربنيوس، ورافق سفير هولندا إلى المغرب، فجمع بعض المخطوطات، وتدرّب على الحديث بالعربيّة، ولمّا عاد سنة ( 1624 ) خلف إربنيوس على كرسي العربيّة، ثمّ مُنح إجازة لرحلة إلى المشرق لشراء مخطوطات عربيّة، فمكث في مدينة حلب ثلاث سنين، وزار مدناً سوريّة أخرى والعراق وآسيا الصغرى حتى وصل إلى القسطنطينيّة.

صنّف ونشر عدداً من الكتب العربيّة، لكن عمله الرئيس هو ( المعجم العربيّ اللاتيني ) المطبوع في ليدن سنة 1653، قال عنه المستشرق النمساوي يوسف جيرا :" وهذا المعجم يستعمله جميع المهتمّين باللسان العربيّ، وهو مرجع مستشرقي الزمن الحديث لدقّته "([9]).

وقال عنه يوهان فوك :" لقد حقّق معجم جوليوس نجاحاً منقطع النظير، ومنه استقى العلماء الأوربيون معرفتهم بالثروة اللفظيّة للعربيّة الفصحى زُهاء قرنين من الزمان "([10]).

وبالنظر إلى مصادر معجمه يتبيّن اتّجاهه في صناعة المعجم، فقد جعل (·الصحاح ) أساساً لمعجمه، فترجم شروح الجوهري، واستعان معه بعدد من المصادر الأخرى هي : القاموس المحيط، أساس البلاغة – الزمخشري، مجمل اللغة – ابن فارس، المعرّب – الجواليقي، تفسير البيضاوي، الكشاف – الزمخشري، معجم البلدان – ياقوت، وفيات الأعيان – ابن خلكان، مروج الذهب – المسعودي، التاريخ الطبيعي – القزويني، ديوان المتنبي، الأدوية – ابن البيطار، الحيوان – الدميري.

ومع هذه المصادر استند على الاستعمال اللغويّ الحيّ الذي تعلمه في كلّ من آسيا وأفريقيا([11]).

·المعجم العربيّ اللاتيني – جورج فلهلم فريتاج ( 1788-1861م ) G. Freytag
صار فريتاج أستاذاً للغات الشرقيّة في جامعة بون سنة 1819م، وكانت أُسّست قبل سنة من ذلك التاريخ، ومعجمه ( العربيّ اللاتيني ) صدر سنة (1830-1837) في أربعة مجلدات([12])،
ويعدّ نسخة منقّحة ومزيدة من معجم جوليوس، وصدر له مختصر سنة 1837 في مجلد واحد.

ويظهر لنا ألاّ اختلاف بين معجمي فريتاج وجوليوس في المنهج الذي سلكاه، سوى كونِ معجم فريتاج تجنّب ما وقع فيه جوليوس من أخطاء، ولكونه تنقيحاً لمعجم جوليوس فإنه حظي بالقبول، وحلّ محلّه.

قال عنه يوهان فوك :" واستطاع برغم ما يعتريه من هَنات أنْ يثبت وجوده حتى يومنا هذا، وذلك لعدم وجود أيّ مؤلّف آخر يمكن أنْ يقدّم الثروة اللفظيّة العربيّة بنفس القدر مع الترجمة اللاتينيّة كما قدّمها هذا المعجم·"([13]).

تحدّث الألماني مانفريد أولمان عن معجمي جوليوس وفريتاج، فذكر أنّ معجم جوليوس لم يهدف إلى الإتيان بجديد في مجال علم المعاجم، فقد اكتفى بترجمة التعليقات الواردة على الجذور اللغويّة عند الجوهري والفيروزآبادي إلى اللاتينيّة، مع إعادة ترتيب تلك الأصول ترتيباً جديداً، ثمّ حلّ محلّه معجم فريتاج بعد مائة وثمانين عاماً على ظهوره([14]).

ولكي نعرف أسس الصناعة المعجميّة لدى المستشرقين لا بُدّ من دراسة عدد من أعمالهم المعجميّة التي تمثّل اتّجاهاً واضحاً لدى المؤلّف، سواء من خلال ما ذكروه في مقدّمات كتبهم عن أسس الصناعة، أو من النظر في كتبهم ودراستها لمعرفة تلك الأسس وتطبيقها في مؤلّفاتهم.

ويحسن أنْ نعود إليهم لنعرف ما ذكروه عن المعجم المثالي في أنظارهم، وبعد ذكر آرائهم نستخلص أسس الصناعة المعجميّة لديهم :

المعجم في نظر دوزي :

كان لدى دوزي منذ بداية اهتمامه بالمعجميّة العربيّة حوالي سنة 1842 تصوّر واضح للتَّأليف المعجميّ العربيّ، قال في مقدّمة معجمه ( المعجم المفصل بأسماء الملابس عند العرب ) الصادر سنة 1845 :" عندما أتحدّث عن ( معجم عربيّ ) فإني أعني معجماً يعرّفنا بوضوح ودقّة، كلّما طلبنا فيه المعنى الدقيق لأيّ لفظ في أصل استعماله، بمختلف الدلالاتِ المسْتَحْدثَة التي طرأت عليه في جزيرة العرب وبلاد فارس والشام والمغرب... إلخ، أي في كلّ الأمصار التي كوّنت تلك الإمبراطوريّة الشاسعة التي امتدّت ما بين بلاد الهند والحدود الفرنسيّة، هو معجم يرسم لنا بالاعتماد على الشواهد والنّصوص اعتماداً مستمراً تاريخَ كلّ لفظٍ· وكلّ عبارة، ويميّز بين المعاني الخاصّة بكلّ لفظ في مصرٍ عربيٍّ ما، والمعاني التي كان يفيدها في مصرٍ آخر، بين مدلول كلّ لفظ عند الشعراء ومدلوله عند الناثرين، ثمّ هو معجم يشتمل على كلّ مصطلحات العلوم والفنون مفسّرةً تفسيراً منهجيّاً، لكنّني أعيد القول بأنّ الزمن الذي يمكننا فيه وضع مثل هذا المعجم لا يزال بعيداً"([15]).

كان ذلك رأي دوزي في معجم الملابس الذي طبعه في أمستردام عام 1845، وكان عمره آنذاك اثنين وعشرين عاماً، لكن ذلك التصور للمعجم العربيّ كان اقتناعاً راسخاً لديه مبنيّاً على الدراسات المعجميّة التي كانت شائعة في أوربّا في عهده، فهو يرى أنّ المعجم التاريخيّ هو المعجم الذي يحتاجه متحدّثو العربيّة، معجم يعتني بتاريخ الألفاظ، أي تتبّع تطوّر الدلالات، إلى جانب اهتمامه بميدان خاصّ من المفردات، وهي المفردات التي لم تذكرها المعاجم.

ولذا نجد الرأي نفسه بعد ذلك الزمان بأكثر من ثلاثين عاماً، ففي مقدّمة معجمه ( تكملة المعاجم العربيّة ) الذي طبعه في ليدن عام 1877-1881 قال :" ولا بُدّ إذن من أنْ يُصَنَّف معجم يجمع الألفاظ والعبارات التي لم يستعملها العرب في لغتهم الفصحى قديماً، غير أنّ الأدب العربيّ واللغة العربيّة من السعة والثراء بحيث لا بُدّ أنْ تنقضي سنون كثيرة، بل ربما قرونٌ قبل أنْ يُشرع في تصنيف مثل هذا المعجم "([16]).

ونستطيع استخلاص أسس المعجم الذي دعا إليه دوزي من مقدّمة معجم الملابس على النحو التالي :

- يوضح المعنى الدقيق للكلمة عند نشأتها، ومختلف المعاني التي دلّت عليها في جميع الأقطار العربيّة.

- يستند على نصوص المؤلّفين لرصد تاريخ كلّ كلمة، وقصة كلّ جملة.

- يبين معنى الكلمة لدى الشعراء ولدى الناثرين.

- ينطوي على كلّ التعابير العلميّة والفنّيّة المشروحة شرحاً منهجياً.

أمّا تطبيق تلك الأسس السابقة في وضع معجم لغويّ فهو يقرّ بأنّ زمن ذلك المعجم لم يحن بعد، وذهب إلى الاستعاضة عن ذلك المعجم - لأنّ زمنه لم يحنْ – بدفع علوم اللغة بثلاث طرق:

الأولى : التعليق على كتابٍ وشرحه، أو إضافة ملحق بشرح الكلمات التي أوردها المؤلّف، بحيث يكون هذا الملحق تكملة للمعجم، وهذه الطريقة هي الشائعة.

وأشير هنا إلى شيوع هذه الطريقة عند المستشرقين – ومنهم دوزي - حيث سلكوها في عدد من الكتب التي حقّقوها، ومنها :

مجموعة مفردات اللغة الملحقة بكتاب أخبار الجاهليّة – طبعة فلايشر، ليبزج 1831م.

مجموعة مفردات اللغة الملحقة بقسم من كتاب نزهة المشتاق للإدريسي – طبعة دوزي ودي خويه، ليدن 1866 م.

معجم الألفاظ الملحقة بشرح قصيدة ابن عبدون لابن بدرون – طبعة دوزي، ليدن 1848م.

معجم الألفاظ الملحقة بفتوح البلدان للبلاذري – طبعة دي خويه، ليدن1866م.

معجم الألفاظ الملحقة بالبيان المغرب لابن عذاري المراكشي- طبعة دوزي، ليدن 1848-1851م.

المعجم الذي ألحقه دي خويه بالمكتبة الجغرافيّة العربيّة.

المعجم الملحق بكتاب الأحكام السلطانيّة للماوردي – طبعة انجر، بون 1853م.

المعجم الملحق بديوان مسلم بن الوليد – طبعة دي خويه، ليدن·· 1875م

المعجم الملحق بكتاب المنصوري للرازي لابن حشاشة([17]).

الثانية : جمع الكلمات التي تؤلّف صنفاً من الأصناف، وهذا المعجم - معجم الملابس - على هذه الطريقة.

الثالثة : الاقتصار على لغة قرن واحد أو قطر واحد، وذكر أنّها لم تُتّبع حتى زمنه.

ورأى أنّ الطريقة الثانية - التي كان أوّلَ من اتّبعها في ( معجم الملابس ) في رأيه – هي التي تفيد فائدة حقيقيّة، لا سيما إذا كانت الكلمات المطلوب شرحها تتعلق بالأخلاق والعادات.

المؤثّرات على دوزي :

لكي ندرك أسباب نظرة دوزي إلى المعجم العربيّ، تلك النظرة الناقدة، علينا أنْ نعرف دوافعها، ومن التعجّل أنْ نصفها بأنّها هجومٌ· على العربيّة.

لإدراك الخلفيّة الثقافيّة لإنسان لا بُدّ من معرفة المبادئ السائدة في عصره، ليسهل فهم دوافعه وتحليل نتائج أقواله، فالنتائج وحدها وإنْ كانت سيّئةً لا تدلّ على سوء قصد ذلك الشخص، وما قد يراه إنسانٌ خطأً قد يراه أخرُ صواباً لاختلاف الآراء بينهما.

أمّا دوزي ومن سار على طريقته فقد كشف أحد الباحثين الهولنديين خلفيتهم الثقافيّة، وهو كيس فرستيخ، وهو أستاذ في جامعة نيمغن، تحدّث عن موقف دوزي من اللغويّين العرب فقال· :" كان دوزي ممثلاً نموذجيّاً للسانيّات عصره باعتنائه باللغة الحيّة، أي اللغة الشعبيّة دون اللغة الفصحى المكتوبة الكلاسكيّة، وينبغي ألاّ ننسى أنّ لسانيّي القرن التاسع عشر - إذا جاز القول - كانوا كشفوا اللهجات الشعبيّة الريفيّة، التي ظلّت حتى ذلك الوقت مستورة تحت بساط اللغة المعياريّة، ومن ثمّ فإنّ دوزي لم يقبل تفوّق اللغة الفصحى بل أكّد على انقراضها بعد قرنين فقط من الحياة، أي بعد مجيء الإسلام والفتوح العربيّة في القرن الأوّل للهجرة فتغيّرت اللغة بمرور الأعوام تغيّراً أساسياً أدّى إلى زوالها كلغة حيّة في عصر الخلفاء ".

واستدلّ من كلام دوزي على اعتماده المبادئ العلميّة السائدة في لسانيّات القرن التاسع عشر، فكان اللسانيّون المعاصرون لدوزي يعتبرون اللغة كائناً له حياته الخاصّة دون الناطقين بها، ويشير فرستيخ إلى أنّه بالاعتماد على تصوّر دوزي لا يدهشنا أنْ يأخذ على النحاة واللغويّين العرب اهتمامهم بلغة متحجّرة لا تُستعمل إلاّ للكتابة، كما لا تدهشنا رغبته في تجنّب أغلاط زملائه المستشرقين الذين كانوا يعتمدون التراث المعجميّ العربيّ في أعمالهم المعجميّة، فلقد فضّل دوزي أنْ يرجع إلى النصوص الأصليّة ليبحث
عن اللغة الحيّة الحقيقيّة([18]).

يتّضح أنّ دوزي أراد تطبيق المبادئ اللسانيّة السائدة في عصره بناءً على تصور خاصّ باللغة أيّةِ لغة، وعندما ننظر إلى آرائه نظرة فاحصة فإننا نلحظ التطرّف في ذهابه إلى أنّ العربيّة انقرضت بعد مجيء الإسلام، فحينما حاول تطبيق النظرة السائدة إلى اللغة وقع في أخطاء كثيرة في معجمه.

لقد أخذ عليه تطرّفَه في نظرته تلك بعضُ المستشرقين، فلم يؤيدوه عليها، ومنهم كيس فرستيخ – السابق ذكره - حيث قال :" ولنرجع الآن إلى موقف دوزي إزاء تلك اللغة الكلاسيكيّة، فلقد رأينا أنّه لم يعترف إلاّ باللغة الشعبيّة باعتبارها لغة حيّة، وقد وجدها في نصوص العصور ما بعد الكلاسيكيّة، وأعتقد أنّ ذلك الحكم غير مقبول من جهتين : الأولى تتعلق بطبيعة تلك النصوص التي يستعملها دوزي في تدوينه كنوز اللغة العربيّة، ومن عادة المستشرقين الغربيين أنْ يسموا ذلك النوع من العربيّة اللغة الوسطى Middle Arabic، لتوسّطها بين اللغة الفصحى واللغة الدارجة، لكن ذلك المصطلح لا يصف حالة تلك اللغة بدقّة، لأنّ مؤلّفي تلك النصوص لم يكتبوا لغة دارجة، ولا يصدق قول دوزي إنها مكتوبة بلغة حيّة، بل هي نتائج اجتهادات المؤلّفين لتقريب اللغة الفصحى وتيسيرها... "([19]).

ومن مظاهر نظرته إلى معاجم اللغة اقتناعه التامّ بعدم صلاحها لما فيها من عيوب، من أعظمها اكتفاؤها بالفصحى دون غيرها، وسيأتي بيان نقده المعاجم العربيّة، سواء ما ألفه العرب أم المستشرقون مثل : جوليوس وفريتاج ولين.

ويتّضح من ردّ فرستيخ على رأي دوزي أنّ اختلاف اتّجاهات المستشرقين في نظرتهم إلى الفصحى نابع من إيمانهم بنظريّات مختلفة، نَتَجت من دراسة وبحث، فهو لم يوافق دوزي على نظرته تجاه العربيّة، ودوزي انتقد المعجميّين العرب والمستشرقين أمثال جوليوس وفريتاج ولين، وهذا دليل على انطلاق بعضهم – ودوزي منهم – من اقتناعٍ خاصٍّ معتمدٍ على البحث والدراسة.

حينما نتمعّن في نظريّة دوزي في العربيّة والمعجم الذي تحتاج إليه، لا نستطيع أنْ نغفل تأثره بالمنهج التاريخيّ الذي ساد عصره، وإنْ كان ذلك التأثر يختلف عنه عند فيشر، إلاّ أنّنا نلحظه فيما يلي :

1- قال عن المعجم المنشود في مقدّمته لمعجم الملابس :" هو معجم يرسم لنا بالاعتماد على الشواهد والنصوص اعتماداً مستمراً تاريخَ كلّ لفظ وكلّ عبارة "، وهي عبارة كافية لبيان رغبته في كون المعجم
تاريخيّاً يرصد تطوّرات المعنى عبر التاريخ.

2- اختياره فترة زمنيّة من عمر العربيّة عند تأليفه ( التكملة )، وهي العصور الوسطى، فذكر رغبته في أنْ يكون معجماً للعربيّة الوسطى، حيث أراد أنْ يخصّ به فترة تاريخيّة يرصد فيها الألفاظ ومعانيها في تلك الفترة، لإيمانه بأنّ تلك الألفاظ لها حقّ الرصد والتدوين.

وإذا كان فيشر في معجمه بدأ برصد معاني الألفاظ منذ العصر الجاهلي، حتى القرن الثالث، فهو لم يكن يرى الاقتصار على الفصحى دون غيرها، بل إنه ذكر أنّ كلّ كلمة تُدُوولت في العربيّة لها حق التدوين،
لكنه أراد بتحديد الفترة أنْ يكون مرحلة أولى تتناول العصور الزاهرة للعربيّة.

وبذا يتّضح التقاء فيشر ودوزي في نظرتهما إلى تطوّر الدلالات تاريخيّاً، والحاجة إلى رصدها جميعاً، أمّا ما اختلفا فيه في نظرتهما إلى الفصحى فلا يخالف أخذهما بالمنهج التاريخيّ في صناعة المعجم([20]).

كان فيشر أقرب فهماً للغة وعلومها، فاستطاع أنْ يعرف قيمة الفصحى في كونها الأصل في العربيّة، وبأنّها مازالت باقية ببقاء القرآن، إلى جانب مستويات اللغة الأخرى.

أمّا دوزي فكان ضعف تعمّقه في علوم العربيّة مع تأثره بالنظريّات السائدة في اللغات الأوربيّة آنذاك مؤثراً في قياسه العربيّة على اللغات الأخرى، وعدم معرفته بخصوصيتها، ولذا جهل تاريخها فأعلن أنّها
ماتت بعد قرنين من حياتها.

النظرة السائدة قبل عصر دوزي :

كانت نظرة دوزي إلى اللغة – كما سبق – معتمدة على النظرة السائدة في عصره، وبالنظر إلى العصور السابقة على عصره يعطينا دلالة بيّنة على أنّ ما أخذه دوزي على اللغويّين العرب كان شائعاً في الدراسات اللغويّة في أوربّا، ممّا يدلّل على أنّ الحفاظ على صفاء اللغة يشترك فيه اللغويّون في لغات عديدة.

مَرّت الدراسات المعجميّة في أوربّا بالحالة التي أخذها دوزي على معجميّي العربيّة، حيث كانت دوافع التأليف المعجميّ في القرن الثامن عشر تهدف إلى تقنين اللغة.

قامت حركة إحياء الكلاسيكيّة neoclassicism (1660-1740م ) وبلغت ذروتها في مطلع القرن الثامن عشر، وهي الفترة التي عرفت بالعصر الأوغسطي Augustan Age نسبة إلى أوغسطس القيصر الروماني الذي اشتهر عصره بالأدب والفنّ اللاتيني المنمّق.

وكان من مظاهر تلك الفترة الاتّجاه إلى تنميط اللغة وإخضاعها لقواعد وضوابط ثابتة، في محاولة تثبيتها وتنقيتها من كلّ فوضى، وأُثيرت التساؤلات حول صلاحية اللغة الإنجليزيّة للكتابة بدلاً من اللاتينيّة، وأُثيرت قضيّة استبقاء الكلمات الدخيلة على اللغة أو استبعادها، ووضع نسق ثابت للتهجئة والنحو([21]).

كلّ ما مضى يدلّ دلالة أكيدة على أنّ الاتّجاه المحافظ على نقاء اللغة اتّجاه أصيل عند من ينظر إلى لغته نظرة خوف عليها من عوامل الضعف التي تنتاب أيّة لغة، ويكون الموقف الذي وقفه المعجميّون العرب
تجاه ما طرأ على اللغة من تغيّرات موقفاً مقبولاً، حينما نعرف أنّهم كانوا في مرحلة تقنينها، كما كان المعجميّون الفرنسيون والإيطاليون والبريطانيون يقفون ذلك الموقف في مرحلة وضعهم المعاجم.

مرّ التأليف المعجميّ العربيّ في الغرب بمثل تلك المرحلة وهو يدلّ على أنّ ما سلكه دوزي لم يكن إلاّ تأثّراً بما ساد في عصره من دراسات لغويّة، فبعض من سبقه من المستشرقين سلك في التأليف المعجميّ
مسلك المعجميّين العرب، ثمّ جاء دوزي بعد أن اتّجهت الدراسات اللغويّة إلى غير ما كان عليه المستشرقون السابقون، فتأثّر بها وذهب إلى أنّ العربيّة الفصحى لم تدمْ وأنّ الأَولى دراسة اللغة الحيّة.

ولكي تكون دراستنا لاتّجاهات المستشرقين المعجميّة واسعة لا بُدّ من معرفة نظرة المعجميّين الآخرين ممّن لم يذهب مذهب دوزي فنعرف أنّ اتّجاه دوزي السابق جاء نتاجاً لدراسته اللغويّة المتأثرة بعصره، لكنها ليست اتّجاهاً عامّاً لجميع المستشرقين.

حينما ننظر إلى عدد من المعجمات اللغويّة التي ألفها مستشرقون نجدها ترجمةً لمعجم عربيّ أو مبنيّة على المعاجم العربيّة القديمة، ومنها : المعجم العربيّ اللاتيني - جوليوس (1596-1667)، ومعجم
فريتاج (1788-1861)، ومد القاموس – إدوارد وليم لين ( 1801-1876 ).

أمّا معجما جوليوس وفريتاج، وقد سبق الحديث عنهما، فيحسن إيراد قول المستشرق الألماني مانفريد أولمان :" لم يكن قاموس يعقوب جوليوس ( 1596-1667م ) يهدف إلى الإتيان بجديد في مجال علم المعاجم، فقد اكتفى بترجمة التعليقات الواردة على الجذور اللغويّة عند الجوهري والفيروزآبادي إلى اللاتينيّة، مع إعادة ترتيب تلك الأصول ترتيباً جديداً، وهكذا ظهر عام 1653 معجمه العربيّ اللاتيني، الذي حلّ محلّه بعد مضي مائة وثمانين عاماً على ظهوره معجم جورج فيلهلم فريتاج الذي يحمل العنوان نفسه "([22]).

وهذا يكشف لنا أنّ معجمي جوليوس وفريتاج ليسا بأكثر من ترجمات لمعاجم قديمة.

المعجم في نظر ( إدوارد وليم لين ) :

ممن حذا حذو العرب في صناعة المعجم إدوارد وليم لين (1801-1876م·) الذي اعتمد في معجمه على معاجم العرب، وأثنى على ما قاموا به من جهود في سبيل حفظ لغتهم بعد فشوّ اللحن، وأشار إلى أنّ النتيجة من تلك الجهود لم تكن لتحصل للغةٍ أخرى دبّ فيها الفساد والخلل كما وقع للعربيّة.

ولكي ندرك أنّ لين كان يمثّل اتّجاهاً مختلفاً عمّا ذهب إليه دوزي فيما بعد، لا بُدّ من معرفة ما ذكره في مقدّمته عن تصوره للمعجم.

لم يذهب فيها إلى نظرة خاصّة إلى اللغة كالتي ذهب إليها دوزي، ولم يأخذ على المعجميّين العرب ما أخذه دوزي، مع أنّه خصّ· أغلب المعاجم بحديث عنها، ولم يذكر ما يفيد أنّه يرى اللغة الحديثة مصدراً من مصادر اللغة، على نحو ما ذهب إليه دوزي وآخرون، حيث نظروا إلى اللغة على أنّها متطوّرة كالكائن الحيّ، وما يصوّرها على حقيقتها لغة الحديث والكتابة لا لغة المعاجم.

كان تأليف لين لمعجمه اتّباعاً للمعجميّين العرب، فلم يقدّم نظريّة جديدة في المعجم مثلما فعل دوزي وفيشر وغيرهما، ولذا فمع القيمة الكبيرة لمعجمه (·مدّ القاموس ) عند المستشرقين، إلاّ أنّ خطوات صنعه كانت واضحة أمامه، فلم يبتدع فيه طريقاً خاصّاً، وإنما سلك مسلك سابقيه مثل جوليوس وفريتاج في ترجمة المعاجم العربيّة، مع تجنبه الهفوات التي وقعوا فيها.

مبادئ لين في صنع معجمه :

إذا نظرنا في مقدّمة المعجم يتبيّن لنا ما يلي :

1- جعل ( تاج العروس ) أساساً لمعجمه، فاستقى منه أغلب محتوياته، وكان يقابل ما في التاج على ما في ( لسان العرب )، فإذا اتّفقا جعل اللسان مرجعه، لأنّه وجد أنّ ما بين ثلاثة الأرباع إلى تسعة الأعشار من إضافات (·التاج ) على ( القاموس ) مأخوذةٌ من اللسان.

2- استعان بعشرةٍ تقريباً من المعاجم العربيّة القديمة مع ( تاج العروس ).

أمّا خطوات عمله فيه فكانت على النحو التالي :

أ- بعد اعتماده ( تاج العروس ) أساساً لمعجمه، جعل هدفه الأوّل الحصول على نسخة كاملة صحيحة منه، فاستفاد من ست نسخ للتاج في إخراج نسخة كاملة، من النسخ ما هو كامل ومنها ما يحوي أجزاء منه.

وذكر أنّ مدة نسخه استغرقت أكثر من ثلاثة عشر عاماً.

ب- بدأ بالترجمة إلى الإنجليزيّة مستعيناً بعشرة معاجم تقريباً، إلى جانب (تاج العروس )([23]).

يتبيّن ممّا سبق وضوح السبيل الذي سلكه في معجمه، فاكتفى بترجمة التاج مستعيناً بغيره، ولذا لم يأتِ بجديد، بل كان تابعاً غيره من العرب وسابقيه من المستشرقين.

المعجم في نظر ماسينيون :

ألقى ماسينيون أربعين محاضرة في لفلسفة على طلابه في الجامعة المصريّة القديمة، وحاول فيها وضع منهج لمعجمٍ للصطلحات الفلسفيّة، وفي محاضراته كشف عن نظرته حول صناعة المعجم، مع أنّه لم يكن
له اتّجاه لغويّ خاصّ، فلم يكن لغويّاً، وإنما كان متعمّقاً في الفلسفة، يستعين اللغة في دراساته، ولذا لم يعبّر في محاضراته عن توجّه خاصّ في صناعة المعجم، دلّ على نظرةٍ نحو الفصحى مثل ما عرفناه عند دوزي أو فيشر أو لين.

وقد سعى ماسينيون في محاضراته إلى جمع لك المصطلحات دون التقيّد بعصر ومكان معيّنين، ولعدم تقيده بمستوى لغويّ محدّد ذهب إلى أنّ صنع معجم للاصطلاحات الفلسفيّة سهل، فما علينا إلاّ استعمال المعاجم الخاصّة بمفردات اللغة الفلسفيّة، واستخراج المصطلحات منها ثمّ ترتيبها على حروف
المعجم.

ولأنّ الفلسفة في مجملها تحوي معاني لم يعرف العرب أكثرها، بل غالبها منقولة من لغات أخرى للفلسفة فيها نصيب كبير، لذا لم يكن غريباً رجوع ماسينيون في بيان المعنى الاصطلاحي إلى الفلسفة اليونانيّة لأنّها الأصل فيه.

أبان عن طريقته في معالجة ألفاظ معجمه على النحو التالي :

1- يبدأ ببيان المعنى اللغويّ الأصلي في العربيّة.

2- ثمّ الأصل اليوناني لأنّه هو الأساس هنا.

3- ثمّ بيان الترجمة من العربيّة إلى اللاتينيّة لبيان المعنى السائد في أوربّا.

وعمله هنا يدلّ على اهتمامه بالمعنى اللغويّ العربيّ لأنّه الأصل، مع اهتمامه بالمعنى الاصطلاحي، وهو دلالة جديدة شاع استعمالها بعد المعنى اللغويّ العربيّ، وبيان هذه الدلالة هو الهدف من وضع هذا
المعجم.

ونخلص من هذا إلى عدم اقتصار ماسينيون على اللغة الفصحى دون غيرها، وإنما كانت نظرته إلى اللغة على أنّها تحوي ما استعمله أهلها، دون التفرقة بين قديم وحديث، ولا تبعد نظرته تلك عن نظرة دوزي،
إلاّ أنّ دوزي كانت الألفاظ العربيّة جميعها ميداناً لعمله، أمّا ماسينيون فكان ميدان عمله الفلسفة، وهو ميدان محدّد في معانيه وألفاظه([24]).

المعجم في نظر فيشر :

يعدّ أوجست فيشر من أبرز المستشرقين في ميدان صناعة المعجم، وأقواهم أثراً فيه، وكانت جهوده المعجميّة معتمدة على أسسٍ واضحة لديه، تنطلق من اتّجاهٍ يؤمن به في ميدان المعجم.

ولكي نعرف اتّجاهه في هذا الميدان يحسن أنْ نعرف نظريّته التي دعا إليها، ثمّ نتعرف تطبيقَه لها في معجمه.

نظريّته في صناعة المعجم :

لفيشر نظريّة في تأليف المعجم بيّنها حينما قدّم تقريره الخاصّ([25]) بطريقة تأليف المعجم التاريخيّ الكبير للغة العربيّة، قدّمه إلى مجمع اللغة العربيّة بالقاهرة، ذلك التقرير يبيّن المعجم المثاليّ في نظره، أمّا صنع المعجم فكان شيئاً آخر، فهو يحتاج إلى من يطبّق تلك النظريّة، ولذا فحينما بدأ فيشر بصنع المعجم التاريخيّ لم يلتزم بكلّ ما ذكره في خطّة المعجم التاريخيّ الكبير، لأنّ ذلك التقرير أعدّه لمجمع اللغة العربيّة، أمّا معجمه الخاصّ فلم يلزم نفسه بكلّ ما ذكره هناك، لأنّه لا يستطيع القيام به وحده.

وممّا فعله فيشر لكي يكون صنع المعجم ملائماً له أنْ جعل له حدّاً زمنيّاً يمتدّ من عصر الجاهليّة إلى نهاية القرن الثالث الهجري، وهو زمن العربيّة الفصحى في أوج كمالها.

أمّا ما ذكره في تقريره الخاصّ فلم يحدّد المعجم بفترة زمنيّة، بل ذهب إلى أنّه يحوي كلّ كلمة وردت في الكتب العربيّة القيّمة دون وضع حدٍّ زمنيّ لنهايته.

وأساس نظريّته أوضحه في بداية تقريره بقوله :" لا ينشأ المعجم على أساس بقيّة المعاجم العربيّة التي نشرت قديماً وحديثاً، ولا يقتدي بأسلوبها، بل يمتاز عنها بأشياء مهمة تُعرف ممّا هو آتٍ " ثمّ ذكر الأسس لذلك المعجم، وسأعرضها بعد إعادة ترتيبها على النحو التالي :

·مادّة المعجم :

تحوي مادّة المعجم جميع الألفاظ وصيغ الألفاظ والتراكيب والمعاني المختلفة للألفاظ الواردة في الكتب العربيّة التي لها أهميَّتها بين المؤلّفات العربيّة القيّمة، ويتّضح مستوى مادّة المعجم من الاطّلاع على مصادره التي اقترحها وقدّم نماذج لها في خطّته.

وفي مقدمة معجمه أشار إلى نظريّته في المعجم الذي تحتاجه العربية، وتساءل عن كيفية كون معجم العربية ملائماً للتطوّر العلمي للعصر الحاضر، وأجاب عنه بوجوب اشتمال المعجم على كل كلمة – بلا استثناء - وجدت في اللغة، ولكنه حينما بدأ بإصدار معجمه جعل له حدّاً زمنياً ينتهي بنهاية القرن الثالث الهجري.

والأصل عند فيشر أن تكون مصادرُ المعجم المصادرَ الأصلية الأولى للعرب لا المعاجم، لكنه رأى الرجوع إلى المعاجم عند عدم وجود مصدر لأحد الألفاظ، وصرّح فيشر بعدم الرجوع إلى المعاجم في إحدى مداولات المجمع حول مصادر المعجم([26]).

والمصادر التي سردها في خطته أراد بها تقديم نماذج منها للتعريف بمعجمه، ولم يرد بها الحصر، وبعد نهاية حديثه عن نظريّته قدّم نموذجاً للمعجم من مادّة ( أخذ )، ثمّ قدّم قائمة بالمصادر التي رجع إليها، فبلغت ( 131 ) مصدراً، ولا شكّ أنه لم يرد بها الحصر أيضاً فلو اطّلعنا على قائمة مصادر معجمه التي وضعها في نهاية الجزء المطبوع منه فسنجدها أكثر من هذه، فقد بلغت (·292 ) مصدراً، مع أن معجمه يقف عند نهاية القرن الثالث، أمّا دعوته هنا إلى المعجم التاريخي فأراد بها معجماً شاملاً للعربية في جميع العصور، فيتّضح أن مصادر المعجم التاريخي الذي دعا إليه ستكون شاملة لكل العصور، وستكون أكثر من مصادر معجمه.

·الترتيب :

يتمثّل ترتيبه فيما يلي :

أ- المداخل تُرتّب على الحرف الأوّل فالثاني وهكذا.

ب- المشتقات تُرتّب بالنظر إلى نوعها :

تأتي جميع أبنية الأفعال أوّلاً، وذكر خمسة عشر بناءً على الترتيب التالي : فَعَل، فَعِل، فَعُل، فَعّل، فاعَل، أفْعَلَ، تَفَعّلَ، تَفاعَل، انْفَعَل، افْتَعَل، افْعَلّ، استفعل، افْعالّ، افْعَوْعَل، افْعَوّلَ، افْعَنْلَلَ، افْعَنْلى، وهو عدّ الثلاثة الأولى بناءً واحداً للماضي الثلاثي.

ثم جميع أبنية الأسماء، وسردها فبلغت تسعين بناءً، وأشار بعدها إلى أنّه يقاس عليها بقيّة أبنية الأسماء لأنّها كثيرة، وذكر أنّ ترتيبها على ترتيب الأفعال·: المجرد ثمّ المزيد …

وممّا ذكره من أبنية الأسماء ما يلي :
فَعْل، فِعْل، فُعْل، فَعَل، فَعِل، فِعَل، فِعِل، فُعُل، فُعَل، فَعُل، فاعِل، فاعَل، فعَال.

ونبّه إلى أنّ مضارع الثلاثي يذكر عند ذكر ماضيه بعلامات خاصّة تميّزه، وذكر ضرورة إيراد مصادر الثلاثي بعد أبنيته.
وتُذكر جميع الأسماء المفردة معها.

وفضّل ذكر الأبنية المقيسة المطّردة كاسم المرّة، ومصادر ما فوق الثلاثي واسم التفضيل وأفعال التعجب وجمع السلامة بقسميه.

·الشرح :

ذكر عدّة قضايا تتعلق به أعرضها على النحو التالي :

- ضبط جميع كلمات المعجم بدقّة، إمّا بذكر مثالٍ مشهور، أو بالنصّ على حركات حروفها.

- الاستشهاد للكلمات والتراكيب والمعاني المختلفة، ويذكر مع الشاهد المصدر الذي أُخذ منه، مع ذكر المؤلّف أو الشاعر، ورقم الصفحة والسطر أو القصيدة والبيت.

ويُكتفى مع الكلمات كثيرة الدوران بالمهمّ من الشواهد الدالّ على خواصّها وزمن استعمالها، ودائرته، مع ذكر علامة خاصّة تشير إلى كثرة ورودها.

أمّا الكلمات قليلة الوجود فتذكر كلّ المواضع التي وردت فيها.

- التفرقة بين شواهد النثر والشعر بوضع نجمة أو علامة أخرى مع الشعر.

- ترتيب الشواهد تاريخيّاً بحسب تواريخ مصادرها، لمعرفة حياة الكلمات وتاريخها

- وضع علامة خاصّة بالمعرّب والدخيل، مع ذكر أصله بدقّة.

- التعريف بالحيوان والنبات بدقّة، لتمييز كلّ واحد منها عن غيره، مع ذكر اسمه العلميّ.

- تفسير الاصطلاحات الحديثة بأسمائها العلميّة.

أمّا تطبيق فيشر لنظريّته التي ذكرها في تقريره، فعند الاطّلاع على النموذج الذي أرفقه بالتقرير - وهو جزء من مادّة ( أخذ ) - يتبيّن لنا ضرورة دراسته ليتّضح تطبيقه لنظريّته أو إخلاله بها.

هذا النموذج يدلّ على الجهد الذي بذله في ملاحقة النصوص التي تشتمل على المادّة اللغويّة، وهي مادّة ( أخذ )، بل الثلث الأوّل منها – على ما ذكره في خطّته – حيث جمع نصوصها وشواهدها، وكدّ ذهنه في الوصول إلى معانيها المتعدّدة، لا اعتماداً على المعاجم اللغويّة القديمة، وإنما استنباطاً من الشواهد التي جمعها، ولذا أوصل معاني ( أخذ ) إلى اثنين وثلاثين معنىً، جعل كلاًّ منها قائماً مستقلاً، لأنّها معانٍ متعدّدة في رأيه.

تميّزت تلك المعاني بالثراء في شواهدها، حيث جمعها من مصادر كثيرة جدّاً، أمّا تعدّد تلك المعاني فلم يألفه العربيّ في المعاجم القديمة، ففي أغلبها يجد فيها واحداً للمعنى الحقيقي، وآخر للمجازي.

ويرجع تعديد فيشر هذه المعاني إلى نظرته – وهو الأعجمي – إلى الدلالات اللغويّة المجازيّة على أنّها معانٍ مستقلّة، لعدم إدراك الصلة المعنويّة بين المجازي والحقيقي، مع أنّ كثيراً منها يدخل تحت المعنى الأصلي، لكنه اكتسب دلالة مجازيّة من سياقه لا تخرجه عن الدلالة الأصليّة.

وقبل بيان المعاني التي عدّدها فيشر وكان الصحيح جعلها تحت معنى واحد، يحسن سرد المعاني التي ذكرها دون أنْ أذكر شواهدها لكي لا يطول السرد، مع ذكر عدد شواهد كلّ معنى أمامه، لمعرفة الجهد الذي بذله في جمع شواهده الكثيرة :

معاني ( أخذ ) مع عدد شواهدها :

( أ ) أخذ كذا بقوة أو بحيلة :

ويشتمل هذا الوجه على المعاني التالية :

1- أمسك شخصاً أو شيئاً، قبض عليه (باليد أو بالذراع أو بالأسنان ونحوها) 12

2- حاز شيئاً.··········································  2

3- ذهب بشيء ظلماً أو غصباً.····························7

4- قبض على شيء في الحرب، غنمه.···················  7

5- أسر شخصاً، سباه.····································9

6- صاد، ( أسر حيواناً بريّاً ).····························2

7- تغلّب ( على بلد، أرض )، فتح ( بلداً، أرضاً )········· 2

8- غلب، قهر ( ناساً، جيشاً، عدواً ).····················· 5

9- حبس ( مجرماً ).···································· 4

10- منع شخصاً، كفّه.····································1
11- حجز ( على مال ).··································1

12- طعن في شخص.·····································2

13- تمكّن من شخص أو حيوان فقتله.····················   5

14- أهلك واستأصل ( ناساً ).····························· 1

15- عاقب، عذب.········································ 5

16- غلب، قهر بمعانٍ مجازيّة أي :

( 1 ) خلب، أعجب.····································· 1

( 2 ) أسكر ( الشراب ).································ 1

( 3 ) نوّم وما أشبهه.·····································6

17- أصاب شخصاً ( أمراض، آلام، ضعف بدني )········· 12

18- عرا شخصاً ( حركات نفسانيّة ).···················· 7

19- أصاب، اعترى ( ناساً بليّة، عذاب، لومة ).··········· 11

20- أصاب ( ناساً المطر وأمثاله ).······················· 6

21- سَحَر.················································1

22- ظَفِرت شخصاً، وقعت عليه ( العين، الطرف ).· ········· 3

23- جَهَرت شخصاً ( العين ).····························· 5

( ب ) أخذ كذا بغير قوة أو حيلة :

( أ ) المفعول به شيء ماديّ :

24- تناول شيئاً ( باليد سواء ذكرت اليد أو لم تذكر ).······· 23

25- لبس ( ثوباً، سلاحاً، زينة ).··························· 12

26- شرب.················································· 2

27- تناول شخصاً، آواه، أجاره.······························· 5

28- تزوّج امرأة.············································ 2
29- اشترى شيئاً ( بثمن كذا ).································7

30- اقترض شيئاً.············································ 2

( ب ) المفعول به شيء غير ماديّ :

31- نال، حصل على ( صفة، مزيّة، رتبة، منزلة ).· ········· 4

32- حافظ ( على أمر وما شابهه ).···························· 1

يظهر من النظر في تلك المعاني مبالغة فيشر في التفريق بينها، حتى كأنّه عدّد المعاني بحسب ما يقع عليه الأخذ، مع أنّ المعنى واحد لكنه مختلف باختلاف المأخوذ، ولو أخذنا بعض الأمثلة من معانيه لأيقَنّا أنّ عدم إدراكه رجوعَ كثيرٍ منها إلى معنى واحد هو بسبب جهله بالصلة المعنويّة بينها، وهو ما جعله يفسّر اللفظ في كلّ سياق بالنظر إلى الدلالة المكتسبة من السياق لا إلى الدلالة المكتسبة من اللفظ نفسه.

ولعل من أوضح ما ينتج عن جهل الأعجمي باللغة أنْ يضطرب في التفريق بين المعنى الحقيقي والمجازي للفظ، وهو ما وقع فيه فيشر في نموذجه الذي قدّمه، فمع أنّه نبّه إلى بعض المعاني المجازيّة، إلاّ أنّه ترك معاني أخرى دون تنبيهٍ على مجازيّتها، ظنّاً منه أنّها حقيقيّة، ومن الأمثلة على النوعين ما يلي :

الأوّل : نبّه على المعاني المجازيّة التالية :

أصاب ( ناساً المطر وأمثاله )، ومثّل عليه بما في البخاري :" أخذهم المطر " و·· " أخذتهم السماء " ونحوه … ثمّ قال : وهو من المجاز.·· ص 17

غلب، قهر بمعانٍ مجازيّة :

أ- خلب، أعجب، مثل : أخذ الثوب المزخرف القلوب مأخذه.

ب- أسكر ( الشراب ) مثل : أخذ الشراب برأسه.

ج- نوّم، واستشهد بالآية "لا تأخذه سنة ولا نوم "، ومثل: يأخذه النوم ونحوه. ص 15

الثاني : ذكر المعاني التالية ولم ينبّه على مجازيّتها :

·عرا شخصاً ( حركات نفسانيّة ) واستشهد عليه بمثل قوله تعالى :" ولا تأخذكم بهما رأفة "، وفي البخاري :" فأخذتني غضبة فلطمته "، وقول عائشة :" فأخذني ما قرب وما بعد " … وغيره.·· ص 16

·سحر، ومثّل عليه بقولهم : أخذته الأُخْذة وفسّرها بالسحر.·· ص 17

·ظَفِرت شخصاً، وقعت عليه ( العين، الطرف )، واستشهد بقول العرب : وما ظَفِرتك عيني منذ زمان أي ما رأتك … ونحو : فلم تأخذ عينه أحداً غيري.·· ص 17

وهو معنى مجازي لم ينبّه عليه.

واضطراب الفرق بين الحقيقي والمجازي لدى فيشر هو الذي أوقعه في هذا، ودعاه إلى تتبّع شواهد الأخذ – على كثرتها – وتصنيفها بحسب المعاني التي تدلّ عليها هذه المادّة، وإنْ كان ما رآه معنى جديداً هو في الحقيقة راجع إلى معنى أصليّ، لوجود صلة بينهما لم يستطع إدراكها.

وهذا المأخذ لَحَظه عبد القادر المغربي حينما قدّم فيشر تقريره إلى المجمع، قال عن ذلك :" والمؤلّف – وإنْ أشار إلى أنّ من المعاني ما هو حقيقي وما هو مجازي – لكنه أبهم التفرقة بين المعاني الحقيقيّة والمجازيّة إبهاماً يوقع القارئ في حيرة من تفهّم ما يقرأ … ثمّ قال : ومن تأمّل كلام المؤلّف وجده في تصنيفه لمعاني ( أخذ ) قد أقام الاختلاف في الفاعل أو المفعول أو المتعلّق سبباً لجعل الفعل الواحد فعلين، واعتبار معناه معنيين "([27]).

وفي بحث المغربي وقف أمام كلّ معنى من الاثنين والثلاثين، وأبان عن المعنى الذي يدخل تحته، واستطاع أنْ يردّها إلى ثلاثة أقسام تندرج تحتها :

1- قسم لشواهد المعنى الحقيقي، وهو إمساك الشيء والقبض عليه باليد ونحوها، وأدخل تحته المعاني التالية بأرقامها عند فيشر ( 1، 9، 13 بعض أمثلته، 24-28، 30، 32 )

2- ·قسم لما جاء بمعنى الحيازة والاستيلاء والغلبة والقهر، وهو معظم كلمات الأخذ الواردة في لغة فصحاء العرب، وأدخل تحته المعاني التالية ( 2-8، 11، 13 بعض أمثلته، 14-21، 31 ).

3- قسم يجمع ضروباً من المعاني تجوّزوا فيها عن معنى الاستيلاء والغلبة، لكنه تجوّز في غاية الخفاء واللطافة، وتدخل تحته بقيّة المعاني ( 10، 12، 22، 23، 29 ).

إنْ أُخِذ على فيشر خلطه بين الحقيقي والمجازي، فإننا ندرك عذره فيه، فهو يكتب بلغةٍ لا تمتّ إلى لغته بصلة، ولعلمه بصعوبة إدراك المعاني والتفرقة بينها سلك فيها مسلك المعجميّين في لغته، حيث تُذكر المعاني مستقلّة عن بعضها، لكنه نسي الفرق بين اللغتين، فالمعاني تأتي في العربيّة متصلة بالمعنى الأصلي للمادّة، وإنْ ظهر للناظر أنّها معانٍ مستقلّة.

وما فعله المغربي من ردّ تلك المعاني إلى ثلاثة أقسام تندرج تحتها، هو اجتهاد منه للإبانة عن رجوع كثير منها إلى معنى يجمعها، لكنه اجتهاد قابل للخطأ، فبعض ما جعله داخلاً تحت القسم الثاني هو من الثالث، لأنّه مجاز، مثل المعنيين ( 18، 21 )، وهو دليل على الصعوبة التي يقع فيها من أراد ردّ المعاني إلى أصولها، ولا عجب في اختلاف اثنين في ردّ معنى واحد إلى أصله، لأنّه يتصل بقدرة الناظر في ملاحظة الدلالات الدقيقة المتعلّقة به.

وممّا أنبّه إليه هنا وجوب عدم التكلّف في محاولة ردّ المعاني المتعدّدة إلى معنى واحد يجمعها، وإنْ أغفل أكثر المعجميّين العرب التنبيه إلى الأصول التي تعود إليها المعاني، فإنه أُخذ على ابن فارس تكلّفه ذلك في كتابه ( معجم مقاييس اللغة ).

ولعلّ ناظراً لو نظر في معاني ( أخذ ) التي ذكرها فيشر لردّها إلى أكثر من ثلاثة أقسام، ومثل ما أُخذ على فيشر مبالغته في تعديد المعاني أُخذ على المعجميّين العرب تقصيرهم في هذا الجانب، وتركهم ملاحظتَه للقارئ.

أمّا ما طُبع من معجم فيشر التاريخيّ فبالموازنة بينه وبين ما ذكره في تقريره المقدّم إلى مجمع اللغة العربيّة – والذي سبقت دراسته – يظهر التقارب بينهما، فكلاهما سَعَيا إلى معجم تاريخيّ للغة العربيّة، وبالاطّلاع على مقدّمة معجمه يتّضح لنا ذلك.

قال في مقدّمة معجمه واصفاً المعجم الذي يرى أنّ العربيّة محتاجة إليه، والذي كان معجمه تلبيةً لتلك الحاجة، قال :" ومنتهى الكمال لمعجم عصري أَن يكون معجماً تاريخيّاً، ويجب أنْ يحوي المعجم التاريخيّ كلّ كلمة تُدُوولت في اللغة، فإنّ جميع الكلمات المتداوَلة في لغة ما لها حقوق متساوية فيها، وفي أنْ تُعْرَض وتستوضح أَطوارها التاريخيّة في معجماتها، ولكنّ المعجمات العربيّة بعيدةٌ كلَّ البعد عن وجهة النظر هذه، إذ إنها لا تعالج الناحية التاريخيّة لمفردات اللغة، بل تقتصر على إيضاح الاتّجاه النموذجي لها، أعني أنّ مصنفيها إنما أَرادوا التفرقة الدقيقة بين الفصيح من العربيّة وغير الفصيح، وذلك بوضع قانون للاستعمال الصحيح للكلمات، ويدلّ هذا الاتّجاه - دون شكّ - على إحساس لغويّ دقيق عند اللغويّين، ولكنه عاق القوة الحيويّة الدافعة في اللغة عن التقدّم والتوسّع"([28]).

ويتّضح من قول فيشر السابق أنّه يرى المعجم المثالي هو المعجم التاريخيّ الذي يتتبع تطوّر دلالات الكلمة عبر العصور، دون أنْ تكون الفصاحة شرطاً لها، فهو يرى أنّ التفرقة بين الفصيح وغيره إعاقة للغة عن التقدّم، إلاّ أنّه كان يدرك أنّ مراعاة فصاحة الكلمة له منافع في الحفاظ على اللغة، وهو بهذا لا يبعد كثيراً عن رأي دوزي، حيث يتّفقان في عدم اشتراط الفصاحة للمادّة اللغويّة.

والفرق بينهما أنّ دوزي يريد الاكتفاء باللغة الحيّة، وترك ما عداها، أمّا فيشر فيريد تتبّع اللغة في عصورها المختلفة، سواء ما كان منها قديماً، وما كان حديثاً.

أمّا ما دعا إليه في مقدّمة معجمه الخاصّ من عرض الألفاظ عند دراستها على وجهات النظر السبع : التاريخيّة والاشتقاقيّة والتصريفيّة والتعبيريّة والنحويّة والبيانيّة والأسلوبية، فلم يدعُ إليه في تقريره الخاصّ بوضع المعجم الكبير لمجمع اللغة العربيّة.

وكان فيشر أوّل من نادى بحاجة العربيّة إلى معجم تاريخيّ متكامل، مع بيان أسس هذا المعجم، فلم تكن دعوةً عابرة، بل دعوة تحمل معها نظريّة واضحة المعالم، دعا إليها صاحبها وأوضح أسسها، ومبررات
تلك الحاجة.

أمّا عن المؤثر الرئيس الذي لَفِت فيشر إلى هذا الاتّجاه فهو الاتّجاه الذي ظهر في أوربّا بصنع معاجم تُعنى بالجوانب التاريخيّة للألفاظ، إلى جانب أنّ فيشر قد تَلْمذ على كبار المستشرقين الألمان وغيرهم من علماء اللغات الساميّة والدراسات اللغويّة التاريخيّة المقارنة، ولذا كان لديه تصوّر للمعجم التاريخيّ للعربيّة، وهو تصوّر قائم على تلك المبادئ والدراسات([29]).

أسس المعجم عند المستشرقين :

سبق استعراض بعض الاتّجاهات المختلفة في صناعة المعجم من خلال ذكر أشهر المستشرقين الذين أسهموا في صناعة المعجم العربيّ، ويحسن هنا استنباط الأسس التي كانوا يرتكزون عليها في صناعة المعجم العربيّ، فعند الاطّلاع على أعمالهم المعجميّة لمعرفة أسس المعجم لديهم نلمح الأسس التالية :

الأساس الأوّل : مادّة المعجم :

لاختلاف نظرة المستشرقين إلى اللغة دور في اختلاف معاجمهم، من حيث المادّة المعجميّة وما تشتمل عليه من مستويات الكلام، سواءً كان فصيحاً أو غير فصيح.

ولم يكن المستشرقون على منوال واحد في النظرة إلى اللغة، فقد كان منهم من اقتصر في معجمه على الفصيح دون غيره، فحذا حذو المعجميّين القدماء من العرب، وترجم ما في معاجمهم، مع إعادة ترتيبها على الحرف الأوّل([30])،
ومنهم من نظر إلى اللغة على أنّها كائن حيّ لا فرق فيها بين مستويات الكلام.

وكان أغلب من سلك ذلك المسلك المستشرقون الأوائل أمثال جوليوس وفريتاج ولين ومن تبعهم.

ومادّة معاجم المستشرقين – المتأخرين خاصّة - لا تتخذ معيار الفصاحة شرطاً لها، وإنما تهتمّ باللغة الحيّة سواءً كانت عاميّة أم فصحى، إلى جانب الفصحى القديمة، ولعدم اشتراطهم فصاحة مادّة المعجم فالمطلع على معاجمهم يجد فيها أصناف الألفاظ من عاميّ ومولّد ودخيل وغيره، بل إنّ عناية كثير منهم باللغة الحيّة أكثر من عنايتهم باللغة الفصيحة، وممن سلك ذلك المسلك – وقد سبق ذكره - رينهارت دوزي، حيث ذهب إلى أنّ الفصحى لم تعش إلاّ قرنين من الزمان، ولذا شحن معجمه بتلك الأصناف من الألفاظ.

إنّ اتّجاههم نابع من نظرتهم إلى اللغة أيّة لغة، فهم رأوا أنّها تتطوّر عبر تاريخها، قياساً على نظرتهم إلى
لغاتهم.

ولتتضح نظرة المستشرقين إلى العربيّة يحسن بنا معرفة قياسهم العربيّة على اللغات الأوربيّة في تقسيمها إلى عصور، بحسب تطوّراتها والتغيّرات التي أصابتها، فقاسوا العربيّة على لغاتهم فقسموها إلى مراحل بناءً على تقسيمهم العصور التي مرّت بها، ودرسوا تلك المراحل وخصائصها، فمنهم من خصّ أحد عصورها بالدراسة أو الجمع، مثل دوزي في ( تكملة المعاجم العربيّة )، حيث سعى إلى أنْ يكون معجماً للعربيّة الوسطى.

ونتعرّف هنا على تقسيمات بعضهم عصورَ العربيّة، لندرك نظريّاتهم المبنيّة على تلك التقسيمات.

أشار إدوارد وليم لين في مقدّمة معجمه ( مدّ القاموس ) إلى اللغة الكلاسيكيّة وحدودها، مثل قوله :" لذلك فقد أصبح من الأهميَّة القصوى والحالة هذه أنْ يحافظ العرب على معرفة كلامهم، وأنْ يضعوا حدّاً فاصلاً بين لغتهم الكلاسيكيّة واللغة التي تلتها، لأنّ الأولى كانت لغة القرآن ولغة الحديث النبوي، وهما أصل دينهم وقانونهم الأخلاقي والمدني والجنائي والسياسي "…ثمّ قال :" لقد أطلقت كلمة ( اللغة ) على تلك اللغة الكلاسيكيّة، وأمكن وضع حدّ فاصل بين هذه اللغة وما تلاها بصورة بالغة السهولة، وذلك بسبب السرعة التي صاحبت ذلك الفساد"، ووضع حدّاً لنهاية اللغة الكلاسيكيّة بقوله:" فإنه يمكن أنْ يقال بدقّة: إنّ العصر الكلاسيكي قد انتهى بالقرن الأوّل للهجرة"([31]).

أمّا أوجست فيشر المعجميّ الشهير ففي مناقشاتٍ دارت في المجمع حول المولّد، واختلاف الآراء في تحديد عصر المولّد قال :" أرى أنّ هناك خلافاً في تحديد زمن المولّدين، ونحن في أوربّا نرى أنّ زمن المولّدين يبتدئ من دولة بني العبّاس، وكلام أهل العصر العبّاسي عندنا لا يحتجّ به "([32]).

وكلامه دليل على إدراكه الفرق بين مستويات الكلام التي سار عليها علماء العربيّة.

ووجدت المستشرق الألماني فولت ديتسرش فيشر قسّم عصور العربيّة، وذكر خصائصها، وحدودها الزمنيّة، على النحو التالي :

·ما قبل الكلاسيكيّة : المرحلة التي كانت قبل التأثر بالنظام المدرسيّ للنحاة العرب، وذهب إلى أنّ اللغة في هذه المرحلة تختلف بعض الاختلاف عن المرحلة الكلاسيكيّة.

·العربيّة الكلاسيكيّة : وعصرها في القرنين التاسع والعاشر الميلاديّين، وفيها توافق المعيار النحوي المدرسي والتحقّق الأدبي، حيث بلغت مرحلة التقعيد نهايتها، وأصبح لتلك المعايير قوة في معرفة ما يُسْتحسن وما لا يُسْتحسن في التراكيب اللغويّة.

وذكر اسماً آخر لها هو ( اللغة الفصحى )، أمّا كلمة ( فصيح ) فكانت فيما قبل تعني الناطق بالعربيّة، على العكس من الأعجمي.

وذهب إلى أنّ الكلاسيكيّة تطلق على اللغة الملتزمة بالمعيار المدرسي التعليمي، حتى وإنْ كانت في العصر الحديث، فمصطلح الكلاسيكيّة ينظر إليه على أنّه إشارة إلى واقع اجتماعي لغويّ لا على أنّه مصطلح دالّ على تاريخ اللغة.

·ما بعد الكلاسيكيّة : ولم يحدّدها بزمن معين، ولم يذكر خصائصها، ولكنه عنى بها العربيّة بعد أنْ انقسمت إلى لهجات.

لكنه أشار إلى مرحلة خاصّة هي ( العربيّة المتوسطة )، وأراد بها مرحلةً بين الفصحى والعاميّة، كانت في العصور الوسطى، وكانت النمط الرائج للعربيّة المكتوبة والمتداولة بين اليهود والنصارى خاصّة([33]).

لم يتّفق المستشرقون على تقسيم واحد لعصور العربيّة، سواء في زمنها أو عددها، ونتج عن هذا الاختلافُ في نظرتهم إلى تلك المستويات وخصائصها، واختلاف موادّ معاجمهم بحسب اختصاصها بعصر من العصور، فمنهم من خصّ معجمه بالعصر الوسيط كدوزي في ( تكملة المعاجم العربيّة )، أو العصر الحديث كهانزفير في معجمه ( معجم اللغة العربيّة المعاصرة )، وغيرها من المعاجم المختلفة.

ويكفينا معرفة عنايتهم بهذا الجانب لندرك أسس نظريّاتهم في اللغة العربيّة، دون الحاجة لاستقصاء تلك التقسيمات، مع معرفتنا بتنوّع معاجمهم في المادّة اللغويّة بناءً على العصر الذي اختصّت به.

مصادر المعجم· :

إذا رجعنا إلى بعض معاجمهم فإنّ قائمة مصادرها تعطي صورة جليّة عن مادتها، لأنّ معرفة المصادر تُعرّفنا بألفاظ المعجم المأخوذة منها، من حيث كونها فصيحة أو مولّدة أو غيرها، وإليك بعض الأمثلة على
مصادر بعض معاجمهم :

مصادر دوزي :

كان لاطّلاع دوزي الواسع على العربيّة وغيرها أثر كبير في ثراء مصادره وتنوّعها، حيث يتّضح للمطلع على ( المعجم المفصل بأسماء الملابس عند العرب·) و ( تكملة المعاجم العربيّة ) غناهما بالمصادر المتنوّعة فنّاً وعصراً، وإنْ كانت المصادر الأندلسيّة والمغربيّة تغلب عليها، بسبب عناية دوزي بالدراسات الأندلسيّة والمغربيّة.

أمّا مصادر معجم الملابس ( المعجم المفصّل بأسماء الملابس عند العرب ) فمنها مصادر مقدّمته التي قدّم بها عن الملابس عند العرب، وبلغت تسعة عشر مصدراً.

وبلغت مصادر المعجم في موادّه مائة مصدرٍ متنوّعة في عصرها ومادتها، منها معاجم لغويّة تراثية، وبعض كتب التاريخ والتراجم، وكذا كتب لبعض الغربيين الذين سافروا إلى العالم العربيّ، في أغلبها رحلات ووصف بلدان ومذكرات ونحوها، وبلغ عددها ثمانيةً وستين كتاباً، وهو ما يعادل ثلثي مصادر المعجم تقريباً، وهو دليل على قيمة هذه الكتب لدى دوزي، حيث تأتي في المرتبة الأولى لكونها أهمّ مصادر الملابس، أمّا الكتب العربيّة فأقلّ منها عناية بهذا الميدان.

أمّا مصادر دوزي في ( تكملة المعاجم العربيّة ) فذكرها في مقدّمته مختصرة، ثمّ عاد وذكرها بالتفصيل في قائمة خاصّة بعد المقدّمة، وسأذكر بعضاً من أنواعها لإعطاء صورة لها : عدد من معاجم الأوربيين، وبعض المعاجم العربيّة الحديثة، ومصنفات المؤرخين وأصحاب كتب التراجم والجغرافيين والرحالة ([34]).

تلك بعضٌ ممّا رجع إليه دوزي، فقد " استقرأ عدداً هائلاً من المصادر بلغ حوالي (450 ) مصدراً، ينتمي معظمها إلى ما بين القرن الرابع والقرن العاشر للهجرة، ثمّ إنّ معظم مصادره نصوص نثريّة ممثّلة لاختصاصات عديدة وضروب مختلفة من المعارف، أهمّها كتب التاريخ، والتراجم والطبقات، والرحلة والجغرافية، والإجازات والشهادات والعقود، والقصص والأخبار والموسوعات الأدبيّة، والمجاميع والكنانيش، وكتب الطبّ، والنبات والفلاحة، ومدوّنات الفقه، وقد جمّع من تلك المصادر رصيداً معجميّاً كبيراً ملأ جزأين كبيرين ذَوَيْ (1720 ) صفحة من القطع الكبير"([35]).

مصادر إدوارد وليم لين :

جعل لين تاج العروس أساساً لمعجمه، واستعان بمجموعة قليلة من الكتب ذكرها في مقدّمته، ولا غرابة في عمله هذا، فقد قصر عمله على أنْ يكون مترجماً من العربيّة إلى الإنجليزيّة، لكنه تلافى أخطاء من سبقوه ممن بدأوا ذلك المنهج في صناعة المعجم العربيّ في الغرب، وكانت الدراسات اللغويّة في بداياتها، ولم تنشأ نظريّات معجميّة مؤثرة، فاقتصرت صناعة المعجم لديهم على الترجمة.

أراد لين ألاّ يقع فيما وقع فيه مَنْ قبله من المعجميّين الغربيين الذين جعلوا من مصادرهم أناساً من بني جلدتهم، ممن لا يجيد العربيّة، أخذوا عنهم بعض ألفاظ معاجمهم، مع رجوعهم إلى المعاجم العربيّة القديمة، لكنّ عدم اتصالهم بالعرب – أهل اللغة – أوقعهم في أخطاء كثيرة، فأراد لين أنْ يأخذ مادته من مصادرها الأصليّة، فأقام في مصر سنوات عديدة في ثلاث زيارات إليها، واستعان بعالمٍ أعانه في إيضاح ما يشكل عليه، ونَسْخ نُسْخته من ( تاج العروس·) مع عدد من النساخ.

ومن المصادر التي استعان بها : العين للخليل بن أحمد / تهذيب اللغة للأزهري / المحيط للصاحب بن عباد / العباب للصاغاني / لسان العرب لابن منظور / أساس البلاغة للزمخشري / القاموس المحيط([36]).

مصادر ماسينيون :

الرجوع إلى محاولة ماسينيون لوضع معجمٍ للمصطلحات الفلسفيّة – حينما حاضر في الجامعة المصريّة القديمة – يعطي صورة لنظرته إلى صناعة المعجم، وإنْ لم يكن لغويّاً، وكان يقوم بصناعة معجم موضوعيّ للاصطلاحات الفلسفيّة العربيّة، ولذا فسنتعرف على مصادره في ذلك المعجم كما ذكرها في محاضراته.

ولكي يكون تصوّرنا صحيحاً عن مصادر ماسينيون يجب ألاّ ننسى أنّ عمله كان محاولةً غير ناضجة لم تعدُ الجانب النظريّ من المعجم، فلم يتمخّض عمله عن معجم في الموضوع المراد، وإنما كان محاولة لرسم خطّته، وضرب نماذج لمادته وطريقة علاجها، ولذا فمصادره نماذج على مصادر المعجم المقترح، لا يخلو اختيارها من عدم التنظيم، وعدم وجود أساس واضح لانتقائها، فهو لم يرد أنْ تكون مادّة المعجم من عصر محدّد للغة، وإنما كان كلّ همّه أنْ تكون في الفلسفة ([37]).

مصادر فيشر :

ذكر فيشر في الجزء المطبوع من معجمه قائمة بالمصادر التي أخذ منها شواهده وتعليقاته، وسردها على الترتيب الألفبائيّ بذكر المختصر الذي يشير إلى المصدر في ثنايا المعجم، وأمامه اسمه كاملاً، وأحصيتها
فبلغت مائتين واثنين وتسعين مصدراً([38])، ومع كثرتها إلاّ أنّها لا تعدّ شاملة لعصور العربيّة أو مواضيعها أو ميادينها، حيث ذكر أنّه سيقف عند نهاية القرن الثالث الهجري، وهو تحديد لا يعني أنّه يرى عدم تدوين ما جاء بعد ذلك الزمن، بل إنه نبّه إلى أنّ كلّ كلمة استُعملت في اللغة لها حقّ التدوين، ولعله أراد بذلك التحديد أن يكون التجربة الأولى في صناعة معجم تاريخيّ، يبدأ بما قبل الإسلام مع القرون الثلاثة، ثمّ تليها جهود أخرى تستكمل ما نقص منها.

وممّا يُلاحظ على قائمة مصادره أنّها " اختيرت في جُلّها وعن قصد من المصادر المجموعة التي حقّقها ونشرها المستشرقون دون غيرهم، ولقد اختلطت فيها النصوص المدوّنات بالمراجع الثانويّة، لأنّ المؤلّف لم يفصل بين النصوص الأصول والمراجع الثانويّة التي يستعين بها للاستدراك على بعض السقطات أو الفراغات في النصوص الأصليّة، فلقد حشر النوعين من النصوص في زمرة واحدة، كأنّها متساوية في القيمة من حيث صلتها بالمعجم التاريخيّ "([39]).
ويتّضح من استعراض المصادر أنّ فيشر رجع إلى مصادر من تلك التي اعتمدها علماء العربيّة، إلى جانب كتب أخرى من عصور مختلفة بما فيها العصر الحديث، وسبب غلبة المراجع القديمة المشتملة على الفصيح دون غيره، ليس لكونه يؤمن بحدود الفصاحة التي ضربها العلماء، وإنما لكونه ذكر أنّه سيقف في تتبع التطوّر التاريخيّ للمعاني عند نهاية القرن الثالث الهجري.

لم يلتزم فيشر في مصادره بأنْ تكون كلّها من كتب الأصول التي تحتوي على الألفاظ، حيث كان هدفه ذلك، إلاّ أنّه نبّه في مقدّمته إلى أنّ من الكلمات ما لم يجد لها شواهد في المصادر الأصليّة، ولذا رجع إلى بعض المعاجم العربيّة القديمة، ورجع أيضاً إلى كتبٍ حديثةٍ لمستشرقين، والتعليل لرجوعه إلى كتب المستشرقين – كمعجم دوزي - هو أنّ أغلبها مختص بالعربيّة الفصحى، فالمهمّ عنده أنْ تكون الألفاظ داخلةً في تحديده الزمني، أمّا الكتب فلا ضير أنْ تكون من عصور متأخرة، لكن معجم دوزي مثلاً لم يكتف بالفصحى دون غيرها، بل جمع من شتى أصناف الألفاظ، وقد يكون فيشر أخذ منه ما علم أنّه من الفصحى دون غيره من مستويات الألفاظ.

ندرك أنّ فيشر لم يبعد عمّا ذهب إليه دوزي من أنّ المعاجم يجب أنْ تشتمل على جميع الكلمات المتداولة بين أهلها دون تفريق بينها، ومع أنّه لا ينكر فائدة اقتصار علماء العربيّة على الفصيح دون غيره في الحفاظ عليها، إلاّ أنّه لحظ أنّ حدود الفصاحة والفصيح غير متّفق عليها عند جميع العلماء، وهو مأخذ قويّ في هذه القضيّة، يتناول اللغة في عصورها الأولى في الإسلام، ولا يتناول ما جدّ في اللغة من الألفاظ في العصر الحديث، لكنّ هذا الخلاف يعطي دلالة على أنّ في الفصاحة قضايا لم يجمعوا عليها، وهي حجة قويّة لمن يتوسّع في حدودها.

والمتمعّن في موقفي دوزي وفيشر يلمح فرقاً بينهما، فدوزي وقف موقفاً متطرّفاً، نفى فيه أيّ حدّ فاصل بين مستويات اللغة من فصيح وغيره، وخطّأ علماء اللغة في الاكتفاء بالفصيح دون غيره، أمّا فيشر فأثنى
على موقف علماء اللغة، وجعل معاجمهم في منزلة عليا، لا ينافسهم فيها إلاّ علماء الصين، لكنه رأى أنّ للمستويات الأخرى التي تداولها العرب حقّاً في التدوين سواءً أكانت فصيحة أم لا، وكان لإدراك فيشر بوجود خلاف بين العلماء في مفهوم الفصاحة دور في موقفه.

الأساس الثاني : المداخل :

المداخل أحد عناصر صناعة المعجم لدى المستشرقين، فهو عنصر أساس في أيّ معجم، والاختلاف في تطبيقه ممّا يميّز المعاجم بعضها عن بعض، ولكي ندرك ذلك الاختلاف نتعرّف على تطبيقه عند المعجميّين من المستشرقين.

¤ مداخل دوزي :

لدوزي معجمان، يختلفان في مادتهما وترتيبهما ومداخلهما، وهما (·تكملة المعاجم العربيّة ) و ( المعجم المفصّل بأسماء الملابس عند العرب )، وسأخصّ كلّ واحد منهما بحديث عن المداخل :

مداخل التكملة :

كان لتأثر دوزي ببناء المعجم العربيّ قديماً أثر في بناء مداخل معجمه (تكملة المعاجم العربيّة)، فسلك مسلك المعاجم العربيّة في وضع المداخل مجرّدة من الزوائد، ووضع المشتقات من تلك المداخل تحتها، وجليٌّ ما في هذه الطريقة من حفاظ على مشتقات كلّ مادّة في موضع واحد، إلاّ أنّه – لتجنّب الزلل فيه – يحتاج من المعجميّ إلى معرفةٍ بأصول الألفاظ، والحروف الأصول والزوائد التي تحتاج معرفتها إلى علم الصرف.

وبسبب عدم تمكّن دوزي من هذا العلم جعل تحت مداخله مشتقاتها وألفاظاً غير مشتقّة منها، وخلط بين الكلمات الأعجميّة والعربيّة في المعالجة، ولذا وقع في أخطاء عديدة تتعلق بإخفاقه في وضع كثير منها في مواضعها الصحيحة.

ولتتّضح الصورة هنا أُبيّن مسلكه في المداخل، فقد حاول جعل المداخل موادّ مجرّدة من الزوائد، لكنّه لم يستطع الالتزام بهذا دائماً، فخرج عنه مع بعض الألفاظ الأعجميّة، فجعل لها مداخل خاصّة – وهذا هو الأسلم – وأدخل بعضها تحت مداخل عربيّة، وكذا الألفاظ العاميّة، جعل لبعضها مداخل خاصّة بها، ولذا جاءت مداخله على أنواع :

·مداخل عربيّة صحيحة، على طريقة المعاجم العربيّة.

·مداخل عربيّة غير صحيحة، مثل :( زبيب ) : وضع تحته ( زبيب ) ومؤنثه بمعان متعدّدة، و ( أزَبّ ) 5/277، ولا شكّ أنّ الصحيح أنْ يكون المدخل ( زبب ).

·مداخل أعجميّة ذكرها بصورتها التي جاءت عليها.

مداخل معجم الملابس :

أمّا عن مداخل ( المعجم المفصل بأسماء الملابس عند العرب ) فجعل أسماء الملابس مداخل لمعجمه دون تجريدها من الزوائد، وجَنّبه فعلُه هذا الأخطاءَ التي وقع فيها في ( التكملة )، ومن تلك المداخل :
المِئْزَر، المِئْزَرَة، المِئْزار، وهكذا بقية أسماء الملابس.

¤ مداخل فيشر :

بنى فيشر مداخل معجمه على الكلمات التي أوردها تحتها، حيث فرق بين الكلمات العربيّة والأعجميّة في وضعها في معجمه على النحو التالي :

·جعل المدخل الرئيس في الكلمات العربيّة المادّةَ الأصليّة مجردة من الزوائد، ووضع تحتها مشتقاتها، شأنه شأن أغلب المعجميّين الذين يدركون قيمة وضع المشتقات تحت مادّة واحدة في العربيّة.

·جعل لكلّ كلمة أعجميّة مدخلاً خاصّاً، حيث أوردها في موضعها على صورتها التي هي عليها، دون أنْ يعيدها إلى أصل عربيّ، إلاّ إذا تصرّف بها العرب، قال في مقدّمته :" والكلمات الأعجميّة المعرّبة الزائدة على ثلاثة أحرف تتبع الكلمات العربيّة في ترتيب المعجم إنْ تصرّف فيها العرب بالاشتقاق، مثل : إبريق، دكان، ديباج، أسوار، سراويل، وهلمّ جرّاً ( تجدها في مادّة " برق "، "دكن"، " دبج "، " سور "، " سرول " وهلمّ جرّاً ).

أمّا ما لم يتصرّف فيه العرب بالاشتقاق فتعتبر حروفه كلّها أصليّة، مثل إبريسم، إستبرق، بنفسج، سفرجل، شطرنج، وهلمّ جرّاً، غير أنّي أوردت أيضاً "· إبريق، دكان، ديباج، أسوار، سراويل "، وهلمّ جرّاً على حدة، مشيراً إلى مادّة " برق "، " دكن "، " دبج "، " سور "، " سرول " وهلمّ جرّاً، لكي يتيسر العثور على جميع الكلمات الأعجميّة المعرّبة دون عناء "([40]).

ومن أمثلة الكلمات الأعجميّة :

أورد بعد ( آح ) : ( آذين ) وهي فارسيّة، ثم ( آزاذمرد، آزادمرد· ) وهي فارسيّة، ثم ( آسمانجونيّ، أسمانجونيّ ) وهي فارسيّة، وكلّ تلك الكلمات في مداخل مستقلّة.

¤ مداخل المعجم المفهرس لألفاظ
الحديث النبوي :

جعل واضعو المعجم الموادَّ الأصليّة مجرّدة من الزوائد مداخلَ له، مثل دوزي في التكملة، وهو ما سار عليه أكثر المعجميّين.

الأساس الثالث : الترتيب :

ترتيب المعجم من أهم أسسه، ويكشف عن الاتّجاه المعجميّ لصاحبه، وكما هو معلوم فإنّ المعجم مرّ باتّجاهاتٍ عدّةٍ لترتيبه، حتى استقر على الترتيب الألفبائيّ الشائع.

ولكي نعرف اتّجاهات المستشرقين لا بُدّ من النظر في معاجمهم، لمعرفة التزامهم بالترتيب الألفبائيّ أو مخالفتهم له في ترتيب المداخل، مع النظر في ترتيبهم المشتقات تحت المداخل، وفيما يلي بيان ترتيبهم المداخل ثمّ ترتيبهم المشتقات تحت المداخل :

أ- ترتيب المداخل :

نستعرض الترتيب لدى بعض المستشرقين ممّن كان له جهد في صناعة المعجم :

¤ ترتيب دوزي في التكملة :

سلك دوزي في ترتيب مداخل معجمه الترتيب الألفبائيّ، بالنظر إلى الحروف الأصليّة للكلمة، وهو الترتيب الذي استقرت عليه المعاجم العربيّة، وبُنيت عليه أكثر المعاجم الغربيّة، وهو وإنْ كان لم يذكر منهجه في الترتيب، لكنّه واضح في معجمه ولا يحتاج إلى أمثلةٍ عليه، غير أنّه خرج عنه حين تكون الألفاظ مضعفة العين واللام، ومن الأمثلة عليه : وضع ( بحّ ) قبل ( بحث )، و ( بخّ ) قبل ( بخت )، و (·بدّ ) قبل ( بدأ )، و ( برّ ) قبل ( برأ )، و (·حزّ·) قبل ( حزب )، و (·حشّ ) قبل (حشد )، ويظهر أنّ سبب تقديمه هذه الألفاظ في بداية موادّها توهّمه أنّ الحرف المضعّف حرف واحد، بحيث نظر إلى صورتها ولم ينظر إلى مادّتها التي تصرّفت منها ([41]).

وأوقعه هذا التّرتيب في مآخذ، فالقسم الكبير من المادّة المعجميّة التي دوَّنها لا يخضع لقواعد الفصحى لأنّ كثيراً منه أعجمي وضعه تحت المداخل العربيّة، فكان إخضاعه للتّرتيب بحسب الجذور اعتباطيّاً([42]).

وسأذكر نماذج من أخطائه في وضع المداخل وهو ثلاثة أنواع :

الأوّل في الكلمات المفردة، ومن الأمثلة عليه ذكرُ المؤلّف مداخل مستقلّة قبل موقعها الصحيح أو بعده، بالنظر إلى المداخل التي قبله وبعده، ومن أمثلته :

·ذكر ( آذق ) بين ( أذريون ) و ( أذن )، وصواب وضعه أنْ يكون بعد ( آخور ) بين ذوات الهمزة الممدودة في أوّل المعجم([43]).

·ذكر ( آنُك ) بين ( أنقون ) و ( إنكليز )، وصوابُه أنْ يكون بعد (·أأمليليس )([44]).

فقد جمع المبدوءة بالهمزة الممدودة في بداية باب الهمزة إلاّ في بعض الكلمات مثل ( آذق ) و (·آنك ).

·ذكر ( بَلْبَشة ) بعد ( بلبل )، ومكانه بين ( بلبز ) و ( بلبشيخ ) السّابقين لـ ( بلبل )([45]).

الثاني في المركبّات، ومن الأمثلة عليه :

·وضعه مداخل مركبّة من جزأين في مداخل مستقلّة بحسب الجزء الثاني من المركب، مثل :
ذكر ( جلد قشيني ) في حرف القاف.

ذكر ( صيام كيهك ) في حرف الكاف.

ذكر ( عود قاقُلّي) في حرف القاف.

ذكر ( نعال كنْبَنَانيّة ) في حرف الكاف، وصواب وضْعِهَا أنْ تكون تِبَاعاً في أبْواب الجيم والصّاد والعيْن والنون([46]).

·تكرار بعض المركّبات بذكرها بحسب الجزء الأوّل ثمّ بحسب الجزء الثاني، مثل :

حجر الإسفنج : عرّفه تحت (حجر)3/65، وتحت (إسفنج )1/133.

سمك الترس : عرّفه تحت ( سمك ) 6/150، وتحت ( ترس ) 2/33.

طير أبابيل : عرّفه تحت ( طير ) 7/108، وتحت ( أبل ) 1/68 ([47]).

الثالث : وضع الكلمات الأعجميّة تحت مداخل عربيّة :

السبب الرئيس في وقوع هذا الخطأ اعتماده وضع جذور لكلمات المعجم، وطبّق هذا المنهج على الكلمات العربيّة والأعجميّة، " وهذه الظاهرة في الحقيقة من مشاكل المعاجم العربيّة القديمة والحديثة، وهي دالة على اعتباطيّة حقيقيّة، لأنّ اللفظ الأعجميّ لا يمكن أنْ يخضع لأصل اشتقاقي عربيّ إلاّ تعسّفاً، وهذا الخطأ يمكن أنْ يقبل عندما يكون اللفظ الأعجميّ مجهول العجمة، أو صعب الإدراك، لكنه لا يُقبَل ألبتّة عندما يكون اللّفظ ظاهر العجمة معروفاً "([48])، ومن أمثلة هذه الظاهرة :

وضع ( بُرَة ) و( بُرُوريّة ) الأسْبَانيَّين تحت جذر ( برّ ) 1/264-265

و ( بَرُوتا ) – وهو سُريانيّ – تحت ( برت ) ········· 1/272

و ( بُقّ )· - وهو إيطالي - تحت ( بقّ ) ·················· ··1/389

و ( بُل مرين ) - وهو لاتيني - تحت ( بلّ ) ············· ··1/414

و ( تفّاف ) –وهو بَرْبَريّ - تحت ( تفّ ) ··············· ··2/47

و ( حَقّة ) – وهو أسباني – تحت ( حقّ ) ····· ········· ··3/250

و ( شَوْبَك ) - وهوَ فارسيّ - تحت ( شبك ) ··· ··6/242

ولا حاجة إلى الوقوف طويلاً هنا، فهذه الأمثلة العديدة – وهي نماذج فحسب – تكشف عن الخطأ الذي وقع فيه دوزي، فهو مع تمكّنه من عدد من اللغات – وهو ما لم يحظ به معجميّ عربيّ – لم يستطع تجنّب هذه الأخطاء المنهجيّة في الترتيب.

¤ ترتيب دوزي في معجم الملابس :

أمّا ترتيب المداخل في ( المعجم المفصل بأسماء الملابس عند العرب ) فلم يقع فيما وقع في ( التكملة )، ذلك لأنّه معجم خاصّ بموضوع محدّد هو الملابس، ولذا فلا مكان للمشتقات فيه، ذلك أنّه يقتصر على اسم اللباس مجرّداً من أيّ مشتقات تحته، فجعل أسماء الملابس مداخل معجمه دون تجريد الزوائد، كما فعل في ( التكملة )، أمّا ترتيبها فهو الترتيب الألفبائيّ.

¤ ترتيب فيشر :

قال فيشر عن ترتيب المداخل في كتابه :" وقد رتّبت الكلمات على حسب الموادّ الترتيب المألوف لحروف الهجاء العربيّة، على اعتبار الحرف الأوّل والثاني والثالث أساساً... "، والتزامه بهذا الترتيب الشائع نابع من اقتناعه بأنّه أفضل ترتيب.

أبدى رأيه في الترتيب القائم على الحرف الأخير ثمّ الأوّل ( أي الباب والفصل )، لكونه في مرحلة سابقة على الترتيب الشائع، فذكر أنّ ترتيب الموادّ على أواخر الأصول كما هو موجود في أغلب المعجمات العربيّة التي ألفها العرب، مثل : ( الصحاح، ولسان العرب، والقاموس، وتاج العروس )
ليس بحسن، وذكر أسباب رأيه :

أوّلاً : لأنّه إذا كان الحرف الأخير حرف علة فكثيراً ما يقع التباس.

ثانياً : لأنّ الحرف الأخير يكثر إلاّ يكون أصلياً، كما في ( أب ) من مادّة ( أبو ) وفي· ( أخ ) من مادّة ( أخو ) وفي ( ابن ) من مادّة ( بنو ) وفي (·است ) من مادّة ( سته ) وفي ( ماء ) من مادّة ( موه ) وغيرها.

ثالثاً : لأنّه بهذه الطريقة يصعب ترتيب الكلمات الأحاديّة، والكلمات الثنائيّة، كالحروف الدالة على معنى في غيرها، والضمائر ([49]).

أمثلة على ترتيب المداخل :

أمّا المداخل العربيّة فرتّبها على المادّة وذكر تحتها مشتقاتها، وأمّا الأعجميّة فرتّبها حسب صورتها التي هي عليها، إذا لم يتصرّف بها العرب بالاشتقاق منها، وللتمثيل على ترتيبه أورد ترتيبه بداية معجمه :

بدأ فيشر المعجم بحرف الألف عامّة، ثمّ ألف الاستفهام، ثمّ حرف القسم، ثمّ ألف النداء، ثمّ ( إ ) ثمّ ( آ ) ثمّ ( آء ) ثمّ ( آ حِ ) ثمّ ( آذين ) ثمّ (·آزاذمرد، آزادمرد ) ثمّ ( آسمانجوني، أسمانجوني ) ثمّ ( آهندال ) ثمّ ( آي ) ثمّ ( آئين، آيين ) ثمّ ( أب ) ثمّ ( أبب ).

ونلاحظ هنا أنّ فيشر رتّب الكلمات الأعجميّة على صورتها التي هي عليها، حيث لم يتصرّف بها العرب بالاشتقاق، فأوردها بجميع حروفها في الترتيب.

ولو وازنّا بين ترتيب دوزي وترتيب فيشر لوجدنا ترتيب فيشر أسلم فيما يخصّ الكلمات المعرّبة، فقد حاول دوزي وضع كثير منها تحت جذر عربيّ مع أنّها أعجميّة، ووضع بعضها مع الكلمات العربيّة في المداخل، فأوقعه ذلك في اضطراب واضح، أمّا فيشر فتجنب ذلك الخطأ بوضعها في مداخل مستقلّة.

¤ ترتيب المعجم المفهرس :

رُتّبت مداخله ترتيباً ألفبائيّاً، ولكون مداخله كلّها عربيّة، لأنّها من كلمات الأحاديث النبويّة فلا تحتاج إلى
تمثيل عليها لوضوح القصد.

ب- ترتيب المشتقات تحت المداخل :

ترتيب المشتقّات تحت المداخل هو الشقّ الثاني من شقّي الترتيب، ونستعرض هنا ترتيب بعض المستشرقين للمشتقات :

¤ ترتيب دوزي :

سلك دوزي في ترتيبها مسلك الغربيين في ترتيب المشتقات، حيث بدأ بالأفعال المجرّدة ثمّ المزيدة ثمّ الأسماء، ومن الأمثلة عليه :

·مادّة ( أثر ) فقد بدأ بالماضي ( آثَر ) ومعانيه ثمّ ( استأثر ) ثمّ الأسماء (·أَثَر ) و ( آثَرُ ) و ( أَثارة ) و ( مَأْثرة ) و ( مُؤَثّر). 1/82-83

·مادّة ( أدب ) حيث بدأ بـ ( أَدّب ) ثمّ ( تأدّب ) ثمّ ( استأدب ) ثمّ الأسماء ( أَدَب ) وما يضاف إليها، ثمّ ( مَأْدُبة ) ثمّ ( مُؤَدّب ) ثمّ ( مأدُوب ) ثمّ (·أدبخانة ). 1/95-96

لكنّه لم يلتزم بهذا الترتيب دائماً بل خالفه أحياناً، وأورد هنا مثالاً واحداً·:
 ( جبذ ) : لم يرتب مشتقاتها على نسق واحد بل جاءت مختلطة، حيث أورد الخماسي قبل الرباعي ( انْجَبَذ ) ثمّ ( جَبّذ )، و ( مُجَبّذ ) من الرباعي ثمّ (مَجْبُوذ ) من الثلاثي، وقد كان ورودها هكذا : جَبَذ، جابَذ، انْجَبَذ، جَبّذ، وهي أفعال، ثمّ جَبْذَة، جَبّاذ، جابِذَة، مُجَبّذ، مَجْبُوذ، وقد التزم بإيراد الأفعال أوّلاً ثمّ الأسماء. 2/134- 135

وقد تجد الكلمات المشتقة من كلمة واحدة ومعنى واحد غير متوالية، ومن الأمثلة :

ذكر ( زَبّل ) وما يتبعها في المعنى، ثمّ ذكر ( زِنْبِيل ) وهو مختلف في المعنى، ثمّ ذكر ( مِزْبَلة ) ومعانيها، وهي تابعة للكلمة الأولى. 5/285- 286 فصل بين ( سَأَل ) ومعانيها واشتقاقاتها الأخرى مثل ( سُؤال، سائل، مسؤوليّة ) بـ ( سُؤْل أي أمل رجاء ، وسُوْل بدون همز للمعنى نفسه·) 6/14، وهي مادّة أخرى ذكرتها المعاجم في مادّة ( سول ) مثل اللسان.

¤ ترتيب فيشر :

أمّا الترتيب الداخلي لكلّ مادّة فيرى فيشر أنْ تكون البداية بإيراد الفعل المجرّد، ثمّ المزيد بحرف، وحرفين، وثلاثة أحرف، ثمّ أبنية الأسماء على ترتيب أبنية الأفعال.

وترتيبه أبنية الأفعال على التالي :
فَعَل، فَعِل، فَعُل، فعَّل، فاعَل، أَفْعَل، تَفَعّل، تفاعَل، انْفَعَل، افْتَعَل، افْعَلّ، استفعل، افْعالّ، افْعَوعَل، افْعَوّل، افْعَنْلَل، افْعَنْلى.

وأبنية الأسماء تذكر كلّها بعد الأفعال سواءً أكانت مشتقة أم جامدة، وترتّب على نظام ترتيب الأفعال، فيذكر المجرّد منها أوّلاً، ويتبعه المزيد، فيكون ترتيب أبنية الأسماء كما يلي : فَعْل، فِعْل، فُعْل، فَعَل، فَعِل، فِعَل، فِعِل، فُعُل، فُعَل، فَعُل، فاعِل، فاعَل، فَعال، وهكذا "([50]).

ومن اللغويّين المعاصرين من استحسن هذا الترتيب عند حديثه عن ضرورة ترتيب المشتقات في المعجم العربيّ، تجنّباً لما وقعت فيه المعاجم القديمة من عدم التنظيم، وقد نسبه إلى الغربيين، ونوّه بتجربة فيشر([51]).

وطبّق فيشر هذا الترتيب على المشتقات في معجمه، ومن الأمثلة عليه :

·مادّة ( أبب ) : بدأ بـ ( أبَّ ) ثمّ ( إيتبّ ) ثمّ الأسماء ( أَبّ ) ثمّ (·أُباب ) ثمّ ( أَبابة وإبابة ) ثمّ (·إبّان )([52]).

·مادّة ( أبد ) : بدأ بذكر أصلها السامي، ثمّ بدأ بالمشتقات : الأفعال ( أَبَدَ ) ثمّ ( أَبِدَ ) ثمّ الرباعي (·أَبَّدَ ) ثمّ الخماسي : ( تَأبّدَ ) ثمّ الأسماء : ( إبْد ) ثمّ ( أَبَد ) ثمّ ( أَبِدٌ ) ثمّ ( إِبِدٌ ) ثمّ ( إِبِدَة، أَبِدَة ) ثمّ (·أَبَدِيّ·) ثمّ ( أَبَدِيّة ) ثمّ (·آبِد ) ثمّ ( أَبِيد ) ثمّ ( أَبُود ) ثمّ ( أَيْبَد ) ثمّ ( مُؤبّد ) ثمّ (
مُتَأبِّد )([53]).

ترتيب الكلمات المعرّبة :

لكون الكلمات المعرّبة غير أصيلة في العربيّة جعل فيشر لها ترتيباً خاصّاً - بخلاف ما سار عليه أكثر المعجميّين - يضبط موقعها دون حدوث اضطراب فيه على الطريقة التالية :

لم يتحدّث عن الكلمات المعرّبة الثلاثيّة إذا وُجدت، ممّا يفهم أنّها تتبع الكلمات العربيّة، أمّا الكلمات الزائدة على ثلاثة أحرف ففصّل فيها على النحو التالي :

·تتبع الكلمات العربيّة في الترتيب إنْ تصرّف فيها العرب بالاشتقاق مثل : إبريق، دكان، ديباج، أسوار، سراويل…( تجدها في مادّة : برق، دكن، دبج، سور، سرول )، ثمّ وضعها في مداخل مستقلّة أيضاً، وأحال إلى مواضعها ليتيسّر العثور عليها، أي أنّه ذكر الكلمة في موضعين: في المادّة العربيّة الأصيلة، لأنّ العرب تصرّفوا فيها، وفي مدخل خاصّ بها على صورتها، وأحال إلى المادّة العربيّة التي ذكرها تحتها، والسبب في ذكرها مرّتين للتسهيل على المُطالع، لأنّها كلمات أعجميّة ينصرف الذهن عند البحث عنها لمدخل خاصّ بها.

·تُعدّ حروفها كلّها أصولاً، وتُرتّب على صورتها إذا لم يتصرّف فيها العرب بالاشتقاق مثل : إبريسم، إستبرق، بنفسج، سفرجل، شطرنج([54]).

¤ ترتيب المعجم المفهرس للمشتقات :

سلك واضعو المعجم طريقاً مختلفاً في بعض جوانبه عن ترتيبَي دوزي وفيشر، سلكوا في ترتيب المشتقات من الأسماء والأفعال مسلك الغربيين في ترتيبها، حيث بدأوا بالأفعال المجرّدة ثمّ المزيدة بحرف ثمّ بحرفين ثمّ بثلاثة، ثمّ بالأسماء المجرّدة ثمّ المزيدة.

وجعلوا لكلّ صيغة من صيغ الأسماء أو الأفعال ترتيباً داخلياً لما يذكر تحتها، أمّا الأفعال فجعلوا لمشتقات كلّ صيغة ترتيباً خاصّاً على النحو التالي :

الأفعال : الماضي ثمّ المضارع ثمّ الأمر ثمّ المصدر ثمّ اسم الفاعل ثمّ اسم المفعول، وبالنظر إلى البناء للمعلوم والمجهول تأتي صيغ المبني للمعلوم المجرّدة ثمّ المزيدة، ثمّ صيغ المبني للمجهول المجرّدة ثمّ
المزيدة.

أمّا الأسماء فجعلوا لكلّ صيغة ترتيباً خاصّاً لما يذكر تحتها بالنظر إلى حالتها الإعرابيّة في الحديث الواردة فيه، على النحو التالي :

الأسماء المرفوعة بالتنوين ثمّ بدونه ثمّ بالزوائد، ثمّ الأسماء المجرورة أيضاً، ثمّ الأسماء المنصوبة أيضاً.

ولكون المعجم فهرساً قائماً على الألفاظ دون شرح نلاحظ أنّه أولى عناية بترتيب صيغ الفعل، فرتّبها على الاشتقاق، بجعل الماضي كالأصل، يتلوه المضارع، ثمّ بقيّة المشتقات.

ومن أوجه اختلافه عن معجمي دوزي وفيشر أنّه جعل الأسماء المشتقة تحت الفعل الماضي - غالباً - ولم يضعها مع الأسماء، كما أنّه ذكر الأفعال بصيغها المختلفة : الماضي فالمضارع فالأمر، ثمّ الأسماء المشتقّة : المصدر فاسم الفاعل فاسم المفعول، وهي كلّها صورٌ صادرةٌ من الفعل الماضي على رأي مَنْ يرى أنّ الماضي هو الأصل، أمّا فيشر فاكتفى بصيغة الماضي، لأنّ بقية المشتقّات قياسيّة.

وسببُ الاختلاف بين الكتابين كون معجم فيشر معجماً لغويّاً ينظر إلى المادّة اللغويّة فيكتفي بذكر الماضي، وما يُشتقّ منه يقع تحته، أمّا المعجم المفهرس فهو فهرس لكلماتٍ وردت في الحديث النبويّ، فكان لا بُدّ من ذكرها على الصور التي وردت عليها وترتيبها بالنظر إلى صورها لتسهيل الرجوع إليها.

الأساس الرابع : الشرح :

من أهمّ أسس المعجم معرفة طريقة مؤلّفه في شرح المعنى، وهنا يختلف المعجميّون في الأسلوب الذي يسيرون عليه في الشرح، وهو يعتمد على علم صاحبه وثقافته وأثر العلوم الأخرى عليه، ولكي نعرف طريقة المعجميّ في الشرح وأسلوبه فيه نحتاج إلى تفصيل ذلك، بذكر ما نلحظه في المعجم من أساليب مختلفة في شرح الكلمة، وما يؤخذ عليه في ذلك.

ولكون الشرح أساساً كبيراً يحتاج إلى التفصيل لتعلّقه بأغلب ما في المعجم، وما تحت المداخل من كلام، فإنّ الحديث عن الشرح لا يجزئ فيه الإيجاز، لتعلّقه بالأساليب وعيوبها ومحاسنها، وطريقة إيراد المعاني، وغيرها من القضايا، وهو ما لا يتّضح إلا بمطالعة المعاجم نفسها لملاحظة ذلك.

ما مضى من الحديث كان عن أسس الصناعة المعجميّة التي سلكها بعض المستشرقين في تأليفهم المعاجم العربيّة، وهي في عمومها الأسس التي يحتاجها المعجميّ ليكون معجمه متّبعاً ما اتُّفق عليه، وكان الحديث
بالتطبيق على بعض معاجمهم، مستشهداً بأمثلةٍ منها لمعرفة مدى التزامهم بأسس الصناعة.

خاتمة البحث:

في نهاية البحث تجدر الإشارة إلى أهمّ النتائج التي تظهر للباحث :

- اعتماد المستشرقين على النصوص الأصلية في الكتب العربية المختلفة - للاستشهاد على المعاني - لا على المعاجم العربية، وقد اتّضح لدينا هذا عند دراسة معجمي دوزي وفيشر، حيث رجعا إلى كتب النصوص ككتب التاريخ والرحلات والأدب وغيره، ولم يرجعا إلى المعاجم العربية إلاّ في مواضع قليلة.
- اعتنى المستشرقون عناية جليّة بصناعة المعجم العربي لإدراكهم بأنه مفتاح اللغة، حيث سعوا إلى تعلّم العربية وتيسير تعلّمها بوضع معاجم ثنائيّة، بالعربية ولغات واضعيها، واستفادوا من النظريات المعجمية في صناعة المعاجم في لغاتهم.

  • - في ميدان الصناعة المعجمية العربية تبدو أهمية الاطّلاع على جهود المستشرقين فيه، حيث نال قدراً كبيراً من الاهتمام في لغاتهم، ثمّ نقلوه لتطبيقه على العربية .
  • - عند الموازنة بين الدراسات حول صناعة المعجم لدينا والدراسات لديهم يظهر افتقارنا إلى دراسات  متخصّصة تتّجه هذا الاتّجاه، لا لدراسة المعاجم القديمة ومعرفة مدارسها فحسب، وإنما لمعرفة النظريّات
    التي اعتمد عليها واضعوها، لمعرفة محاسنها وعيوبها، للاستفادة منها في صناعة المعجم في العصر الحاضر .

في نهاية بحثي هذا يحدوني الأمل بأن تلقى الدراسات اللغوية حظّها من الاهتمام، لاتّصال واقع العربية في هذا العصر بها اتّصالاً وثيقاً، لكي تشهد الساحة اللغوية بحوثاً جادّة تثري اللغة، وتتناول القضايا الجديدة فيها .

وصلى الله وسلم على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

د. عبد العزيز بن حميد الحميد

كلية اللغة العربيّة – جامعة الإمام بالرياض

البريد الإلكتروني : abuferas1@hotmail.com

شبكة صوت العربيّة : www.voiceofarabic.net

رقم الجوال / 00966504404612

-----------------------
حواشي البحث :
([1]) هذا العنوان هو الذي ذكره يوهان فك، ويترجح لديّ أن هذا المعجم هو الذي ذكره دوزي في مصادر معجمه ( تكملة المعاجم العربية ) بعنوان ( المعجم اللاتيني العربي ).

([2]) ينظر : تاريخ حركة الاستشراق ص 19-21، موسوعة المستشرقين ص 386-387

([3]) وقع اختلاف في تاريخ النشر، فذكر يوهان فوك أنه ( 1881م ) في كتابه تاريخ حركة الاستشراق ص 32، وفي معجم دوزي ( ترجمة النعيمي ) ما اخترته، وفي ( ترجمة أكرم فاضل لمقدمة دوزي ) أنه ( 1871م ).

([4]) ينظر : مقدمة دوزي لمعجمه ( تكملة المعاجم العربية ) 1/20

([5]) ينظر : تاريخ حركة الاستشراق ص 32-34، موسوعة المستشرقين ص 288-294

([6]) ينظر : تاريخ حركة الاستشراق ص 40-43، موسوعة المستشرقين ص 49-50

([7]) تراث الإسلام ( القسم الثاني ) – شاخت، بوزورث – ترجمة د. حسين مؤنس، إحسان صدقي العمد ص 172 (·سلسلة عالم المعرفة – الكويت ).

([8]) ينظر : تاريخ حركة الاستشراق ص81-82، موسوعة المستشرقين ص107، المستشرقون 1/417

([9]) تاريخ دراسة اللغة العربية بأوربّا ص 23

([10]) تاريخ حركة الاستشراق ص 87

([11]) ينظر عن مصادر جوليوس : تاريخ حركة الاستشراق ص 85-86، تاريخ دراسة اللغة العربية بأوربّا ص 22-23، المستشرقون 2/304

([12]) نشرته مكتبة لبنان عام 1975 مع مسرد ألفبائيّ بالألفاظ اللاتينية من إعداد هـ. إ. بند سيلو

([13]) تاريخ حركة الاستشراق ص 171، وينظر : المستشرقون 2/358

([14]) معجم اللغة العربية الفصحى – مانفريد أولمان ( ألمانيا والعالم العربيّ – هانس روبرت رويمر ص 328 ).

([15]) منزلة مستدرك دوزي من المعجميّة العربية – إبراهيم بن مراد ( في المعجميّة العربية المعاصرة ص 271-272 )، وينظر : المعجم المفصل بأسماء الملابس عند العرب – ترجمة د. أكرم فاضل ( اللسان العربيّ، مجلد 8 جزء 3 ص 26-27 ).

([16]) تكملة المعاجم العربية 1/15

([17]) هذه الملاحق من مصادر دوزي في معجمه ( تكملة المعاجم العربية )، فقد ذكرها في مصادره.

([18]) ينظر : النحويون واللغويون وموقف دوزي من التراث العربيّ – كيس فرستيخ (في المعجميّة العربية المعاصرة ص 402- 403).

([19]) السابق ص  410

([20]) يعدّ دوزي في نظر بعض الباحثين – وهو ما تبيّن لي – أوّل من بدأ بالتاريخ للألفاظ العربيّة، بالاستعانة بالمنهج التاريخي في معجمه ( تكملة المعاجم العربية )، ينظر : تاريخ المعجم التاريخي العربيّ في نطاق العربية : المبادرات الرائدة – د. محمّد رشاد الحمزاوي ( مجلة المعجميّة 5-6/18 ).

([21]) ينظر : المعجم الإنجليزي بين الماضي والحاضر – داود حلمي السيد ص 35-36، ط الأولى 1978م – جامعة الكويت.

([22]) ينظر : معجم اللغة العربية الفصحى – مانفريد أولمان ( ضمن كتاب : ألمانيا والعالم العربيّ – هانس روبرت رويمر ص 328 ).

([23]) ينظر: مقدمة ( مد القاموس ) ص 47 وما بعدها (مجلة المورد - المجلد الخامس – العدد الثاني 1396هـ 1976م).

([24]) ينظر : محاضرات في تاريخ الاصطلاحات الفلسفية العربية – ماسينيون ص 11-13، 33

([25]) تقرير خاصّ بطريقة تأليف المعجم التاريخي الكبير للغة العربية – وضعه أ. فيشر – ملحق في مجلة المقتطف – الجزء الثالث – المجلد ( 114 ) ص 3-36، وكان المجمع قد أصدر قراراً بأن يقوم فيشر بعمل نموذج لجزازات المعجم، وأن يضع تقريراً يشرح فيه طريقة العمل. ينظر : محاضر الجلسات – دور الانعقاد الثاني – الجلسة ( 3 ) ص 29

([26]) ينظر : محاضر الجلسات - دور الانعقاد الثاني - الجلسة ( 13 ) ص 136

([27]) معجم الدكتور أ. فيشر – وصفه ونقده ( مجلة المجمع العلمي العربيّ ج 4 – مجلد 24 ص501، 504 ).

([28]) مقدمة فيشر لمعجمه ( المعجم اللغويّ التاريخيّ ) ص 7

([29]) ينظر : المعرّب والدخيل في المعجم اللغويّ التاريخي – د. حلمي خليل ( مجلة المعجميّة – وقائع ندوة المعجم العربيّ التاريخي – قضاياه ووسائل إنجازه 5-6/307 ).

([30]) أشار المستشرق الفرنسي شارل بلاّ إلى أن المعاجم العربية التي رتّبت على الحرف الأخير، مثل الصحاح ولسان العرب والقاموس المحيط وتاج العروس هي مصادر المستشرقين الذين اكتفوا - عند إعدادهم معاجم ثنائية اللغة -· بإعادة تبويبها بحسب الحرف الأوّل، دون الفصل بين المشتقات.
ينظر : تاريخ اللغة والآداب العربية - شارل بلاّ· ص 50-51، ط الأولى 1997م - دار الغرب الإسلامي - بيروت.

([31]) مقدمة مدّ القاموس ص 46-47 ( مجلة المورد – المجلد الخامس – العدد الثاني 1396-1976 )

([32]) محاضر الجلسات – دور الانعقاد الأوّل – الجلسة ( 23 ) 1/333

([33]) ينظر : المراحل الزمنية للغة العربية الفصيحة – فولت فيشر – ترجمة د. إسماعيل عمايرة (·المجلة الثقافية : تصدر عن الجامعة الأردنية – عدد 12، 13، 1408 / 1987 ص 161-165 ) ثمّ نشره المترجم في كتابه ( بحوث في الاستشراق واللغة ص 431-436،· ط الأولى 1417هـ 1996م – مؤسسة الرسالة – بيروت، دار البشير – عمان، وينظر : النحويون واللغويون وموقف دوزي من التراث العربيّ – د. كيس فرستيخ ( في المعجميّة العربية المعاصرة ص 410 ).

([34]) ينظر : تكملة المعاجم العربية 1/17-25

([35]) منزلة مستدرك دوزي من المعجميّة العربية – إبراهيم بن مراد ( في المعجميّة العربية المعاصرة ص 275 ).

([36]) ينظر : مقدمة مد القاموس (المورد – المجلد الخامس– العدد الثاني 1396-1976 ص43-59)، تاريخ حركة الاستشراق ص 174-175، والمصادر التي رجع إليها مخطوطة في مصر وأوربّا.

([37]) لمعرفة مصادر ماسينيون ينظر : محاضرات في تاريخ الاصطلاحات الفلسفية العربية ص 11-13، 33

([38]) سأذكر في هذا الموضع عدداً قليلاً من مصادره على سبيل التمثيل، وهي المصادر التي وجدت في بطاقاته التي اطّلعت عليها إحدى لجان المجمع، وقدّمَت تقريراً عن المعجم ومصادره.

([39]) تاريخ المعجم التاريخي العربيّ في نطاق العربية : المبادرات الرائدة – أ. د. محمّد رشاد الحمزاوي ( مجلة المعجميّة 5-6/26 ).

([40]) مقدمة فيشر ص 27

([41]) سلك مؤلّفو المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي مسلك دوزي في تقديم مضعّف العين واللام، ومثلهم الألماني فلوجل في فهرسته لألفاظ القرآن الكريم في كتابه ( نجوم الفرقان في أطراف القرآن )، وهو دليل على أنه منهج شائع لديهم.

([42]) ينظر : مقدمة تكملة المعاجم العربية ( للمترجم ) ص 9-10، منزلة مستدرك دوزي من المعجميّة العربية – إبراهيم بن مراد ( في المعجميّة العربية المعاصرة ص 279-280 ).

([43]) ينظر : تكملة المعاجم العربية 1/98 حيث ذكره، وموقعه الصحيح بعد ( آخور ) في 1/61.

([44]) تكملة المعاجم العربية 1/204 حيث ذكره، وينظر موقعه الصحيح في 1/63 في بداية المعجم.

([45]) السابق 1/416

([46]) ينظر : منزلة مستدرك دوزي من المعجميّة العربية – إبراهيم بن مراد ( في المعجميّة المعاصرة ) ص·280-281

([47]) ينظر السابق ص 286

([48]) السابق ص 281 -282

([49]) ينظر : مقدمة فيشر ص 28

([50]) ينظر السابق ص 28-29، ولمعرفة أوزان المشتقات عند المستشرقين وترتيبها يراجع (·تقرير خاصّ بطريقة تأليف المعجم التاريخي الكبير للغة العربية ) وضعه فيشر، مجلة المقتطف –· ملحق بالجزء الثالث من المجلد الرابع عشر بعد المائة ص 3-36، وقد ذكر فيشر في هذا البحث تسعين وزناً من أوزان الأسماء مضبوطة بالشكل ومرتبة.

([51]) ينظر : من قضايا المعجميّة العربية المعاصرة – عفيف عبد الرحمن ( في المعجميّة العربية المعاصرة ص 388 ).

([52]) معجم فيشر ص 23-27

([53]) السابق ص 32-53

([54]) السابق ص 27

--------------------

مصادر البحث :

بحوث في الاستشراق واللغة،· ط الأولى 1417هـ 1996م – مؤسسة الرسالة – بيروت، دار البشير – عمان.

تاريخ اللغة والآداب العربية - شارل بلاّ ، الطبعة الأولى 1997م - دار الغرب الإسلامي - بيروت.

تاريخ المعجم التاريخي العربيّ في نطاق العربية : المبادرات الرائدة – د.محمّد رشاد الحمزاوي ( مجلة المعجميّة ).

تاريخ حركة الاستشراق – الدراسات العربية والإسلامية في أوربا حتى بداية القرن العشرين – يوهان فوك، تعريب عمر لطفي العالم، ط الأولى 1417هـ 1996م، دار قتيبة – دمشق .

تاريخ دراسة اللغة العربية بأوربا – المستشرق النمساوي يوسف جيرا، القاهرة، مطبعة الشباب 1348هـ· 1929م .

تراث الإسلام ( القسم الثاني ) – شاخت، بوزورث – ترجمة د. حسين مؤنس، إحسان صدقي العمد ص 172 ( سلسلة عالم المعرفة – الكويت ).

تقرير خاصّ بطريقة تأليف المعجم التاريخي الكبير للغة العربية – وضعه أ. فيشر – ملحق في مجلة المقتطف – الجزء الثالث – المجلد ( 114 ) ص 3-36

تكملة المعاجم العربية – رينهارت دوزي، ترجمه د. محمد سليم النعيمي، ونشرت أجزاؤه في تواريخ متوالية، ونشرت أجزاءه دار الحريّة للطباعة ببغداد، ووزارة الثقافة والإعلام – دار الرشيد للنشر والمركز العربيّ للطباعة والنشر – بيروت، ومطابع كويت تايمز – الكويت.

محاضر الجلسات – مجمع اللغة العربية بالقاهرة، دور الانعقاد الأوّل والثاني.

محاضرات في تاريخ الاصطلاحات الفلسفية العربية – لويس ماسينيون، تحقيق د. زينب الخضيري، المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة .

المراحل الزمنية للغة العربية الفصيحة – فولت فيشر – ترجمة د. إسماعيل عمايرة ( المجلة الثقافية : تصدر عن الجامعة الأردنية – عدد 12، 13، 1408 / 1987 ص 161-165 )

المستشرقون – نجيب العقيقي، الطبعة الرابعة، دار المعارف – القاهرة .

المعجم الإنجليزي بين الماضي والحاضر – داود حلمي السيد، ط الأولى 1978م – جامعة الكويت.

معجم الدكتور أ. فيشر – وصفه ونقده ( مجلة المجمع العلمي العربيّ ج 4 – مجلد 24 ص501، 504 ).

معجم اللغة العربية الفصحى – مانفريد أولمان ( ضمن كتاب : ألمانيا والعالم العربي، دراسات تتناول الصلات الثقافية والعلمية والفنية بين الألمان والعرب – حققه بالألمانية أ. د. هانس روبرت رويمر، ترجمه د. مصطفى ماهر، د. كمال رضوان ص 327-337 ).

المعجم المفصل بأسماء الملابس عند العرب – رينهارت دوزي - ترجمة د. أكرم فاضل – اللسان العربي ( المجلد 8 الجزء· 3 ص 25-51 )، ( المجلد 9 الجزء 2 ص 10-86 )، ( المجلد 10 الجزء 3 ص 154- 207 ).

المعرّب والدخيل في المعجم اللغوي التاريخي – د. حلمي خليل ( مجلة المعجمية 5-6/297-347 ).

مقدمة ( مد القاموس )- إدوارد وليم لين (مجلة المورد - المجلد الخامس – العدد الثاني 1396هـ 1976م).

من قضايا المعجمية العربية المعاصرة – أحمد شفيق الخطيب ( في المعجمية العربية المعاصرة ص597-636 ) .

منزلة مستدرك دوزي من المعجمية العربية – إبراهيم بن مراد ( في المعجمية العربية المعاصرة ص271-289 ).

موسوعة المستشرقين – د. عبد الرحمن بدوي، ط الثانية 1989م – دار العلم للملايين – بيروت.

نجوم الفرقان في أطراف القرآن – جوستاف فلوجل – ليبزج 1898م .

النحويون واللغويون وموقف دوزي· من التراث العربي – كيس فرستيخ ( في المعجمية العربية المعاصرة ص 401- 413 ) .

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: