التراث العربي والعولمة - سيدي محمد سيدنا

يسعى هذا المقال إلى إثارة إشكال العلاقة بين التراث العربي والعولمة، فيناقش طبيعة الاتصال والانفصال بين هذين المجالين..

وهو محاولة لفتح سجوف الحوار مع المثقفين والأكاديميين عن طبيعة العلاقات التي تميز وشائج الارتباط بين التراث والعولمة، ما طبيعة تأثيرها، كيف يبقى هذا التراث حيا في ظل ثقافة النيت واليوتيب والسرعة والفضاء المفتوح..

وفي هذا المقال الذي  لا يستهدف وضع الأصبع على طبيعة العلاقة بتحديد ملامحها، ورسم تجلياتها، بقدر ما يستهدف  إثارة النقاش وطرح الإشكالات الأولية التي نرجو أن تكون مهمازا يدفع أهل الرأي، وقادة الفكر إلى أن ينيروا الموضوع، ويثروه دون تعصب ولا تمجيد مزيف لا يركن إلا إلى شواهد الحق الواضحة المعالم..

وقبل أن نسترسل في الموضوع نشير إلى أن الموضوع ليس موضوعا سجاليا إديولوجيا، يتخذ موقفا منحازا  متبنيا لفكر إديولوجي  مسكون  بحب التراث بطريقة مزيفة ساذجة عاطفية، تحجبه عن تناول الظواهر تناولا موضوعيا، كما قد يفهم من لا ينظر بعين البصيرة، ويقف عند ظواهر الأشياء، فليس ذلك من سنن البحث العلمي الذي ينشد الحقيقة مجردة من كل لبس، وليس كذلك موقفا يلغي التراث ويحنطه، فهو موقف الباحث تدفعه الحيرة العلمية في كشف سجوف طبيعة هذه العلاقة..

وإذا تأملنا هذا العنوان وجدنا أنه مركب من دالين، هما "التراث والعولمة"، تربط بينهما واو، لاشك أن النحاة من فئة عبد القاهر الجرجاني لا يصنفونها في  هذا السياق في خانة أدوات العطف والربط !، بل يمكن أن يطلقوا عليها واو المغايرة إن سمح سيبويه وابن مالك..

فالتراث معطى فكري تاريخي يعكس وجهة نظر الثقافة العربية الإسلامية في موقف فكري محدد في تفاعلها مع الإنتاج الفكري للأمم الأخرى التي أسهمت في إنتاج المعرفة والتاريخ والحضارة..،  فالنحو والموسيقى والطب مثلا.. في الثقافة العربية مواضع تراثية، و صناعة عربية، ولكنها صناعة متأثرة بمناخ فكري له أدواته وإجراءاته العلمية التي أنتجها تفاعل الثقافات وتبادل الأفكار بين الأمم، ، وبهذا تكون مثلا صناعة النحو صناعة متأثرة ولا شك بمناهج الدراسات  النحوية اليونانية والهندية..

أما العولمة التي حوَلت العالم إلى قرية واحدة، بإزالتها حدود المكان، وحواجز اللغات، وتبشيرها بعهد للمعرفة جديد،  روج له التطور العلمي الهائل الذي شهده العالم  في العقود الأخيرة في مجال الإعلاميات، عهد تتأسس فيه المعرفة بشكل يسهم فيه الإنسان من حيث هو إنسان بغض النظر عن جنسه أو انتمائه الحضاري..

وبالرغم من الفائدة العلمية الكبيرة التي أسدتها العولمة للبحث العلمي،  فإن جملة من الملاحظات قد وجهت إلى هذه العولمة، من أهمها أنها:

  • عولمة أحادية المصادر، تطرح الفكر انطلاقا من رؤية حضارة بعينها، دون أن تشرك حضارات أخرى، في بناء الفكر الجديد في مختلف مستويات المعرفة الإنسانية، وهو أمر يمكن أن تدركه باستعراض النظريات اللسانية المعاصرة فأنت لا تجد فيها – غالبا-  على سبيل المثال إشارات إلى جهود العرب اللسانية في التصورات التي بناها اللغويون الغربيون المعاصرون للنظرية اللسانية ..
  • عولمة محكومة بنظام نشر عابر للمكان، ومخترق للزمان، وبالتالي فإن مواكبتها تقتضي ليس معرفة التعامل مع آلة إنتاجها، ولكنها تقتضي معرفة إنتاج وسائل المعرفة والاتصال ، والقدرة على التحكم فيها..
  • عولمة سريعة في تغييرها، وفي تطورها المستمر في كافة المجالات..

هذه العولمة التي رأينا سماتها العامة، ورأينا أنها قادرة على خدمة الثقافة الإنسانية تقتضي من العرب اليوم أن يعيدوا تقويم تراثهم في ضوء ما تتميز به من إمكانيات تقنية وفنية بتحقيقه ونشره، ودراسته وتقويمه ليكون صالحا لأن يقدم للآخر باعتباره فكرا لغويا أو فلسفيا أو دينيا، يسهم في إعطاء صورة عن التراث العربي الإسلامي، وهو أمر يجب أن يقوم المثقف العربي والجامعات العربية المختصة، ووزراء الثقافة في البلدان العربية كل من موقعه..

والمتأمل لجهود العرب في العصر الحديث في هذا الميدان يلاحظ أن جمعيات عديدة باسم التراث ، وإحيائه تتناثر على طول وعرض الخارطة العربية، وتدعم من وزارات الثقافة في البلدان العربية أحيانا..، ولكن أعمالها في الأغلب الأعم تفتقد الجدية ، والموضوعية، والعمل في إطار خطة ، وتصور يمكن من الخروج من النظر إلى مسألة التراث باعتباره إديولوجيا إلى التراث باعتباره معطى علميا قابلا لأن يدرس وقف مقاربة منهجية موضوعية..

ولعل أنضج هذه التجارب، وأكثرها وعيا بضرورة تناول التراث في ضوء نتائج العولمة هو تجربة وحدة دراسة وتحقيق التراث المغربي الشفوي والمكتوب بجامعة الحسن الثاني المحمدية ابن أمسيك، التي تشرف عليها الدكتورة السعدية العزيزي(1)، فقد خصصت هذه الوحدة أطاريح جامعية عليا  متعددة، ومتنوعة لدراسة التراث المغربي من زواياه المختلفة، ووفقا لمقاربات علمية، تحاول الاستفادة بشكل كبير من معطيات العولمة في مجال التحقيق والبحث والنشر، انطلاقا من وعي عميق بضرورة دراسة هذا التراث، لتتشكل في النهاية صورة موضوعية له  بشكل خاضع لطرائق البحث المتعارف عليها..

كما أن  الأستاذة الدكتورة  السعدية العزيزي التي تشرف على هذه الوحدة وترأسها قد أعدت كتابا دالا في هذا المجال أطلقت عليه اسم المكنز، تجمع فيه التراث المغربي بكل أبعاده، وتنوعه، وتعدده الثني واللغوي، فهو مكنز بما تعنيه العبارة من الاكتناز، والكنز الذي يحيل في الذهنية العربية إلى كل جميل وغال وثمين ..

والكتاب تجربة جديدة في دراسة التراث العربي تستحق أن تكون نواة لدراسة التراث العربي في كل الأقطار العربية، لتعاد صياغة الخطاب العربي التراثي بعد ذلك، بعد أن تشكلت صورته النهائية في موسوعة موحدة، يمكن بثها عبر الشبكة العنكبوتية ولا مانع من ترجمتها إلى لغات أخرى، وهو أمر لن يتحقق إلا بجهود الخيرين والغيورين من أبناء هذه الأمة، بتضافر جهودهم في وزارات الثقافة، وفي الجامعات وفي الجمعيات والنوادي ..

ولا يمكن في نظرنا أن نلوم الآخر؛ لأنه لم يراع تراثنا اللغوي والأدبي والتربوي و ..في وضعه لبعض النظريات العامة؛ لأننا ببساطة لم ننشر تراثنا بطريقة يعرفه بها غيرنا، ولا يمكن أن ننتظر  من الغرب أن يقدم لنا صورة عن تراثنا دون أن نسهم نحن في دراسة هذا التراث بتحقيقه وتصنيفه، ودراسته، وأن نقدمه للإنسانية بشكل يمكن أن يسهم في توضيح صورة الثقافة الإنسانية..

--------------

أ/سيدي محمد سيدنا باحث موريتاني مقيم في قطر

Agba1964@gmail.com

----------

(1) أستاذة النقد والتراث بجامعة الحسن الثاني المحمدية ابن أمسيك الدار البيضاء المغرب.
التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: