الاستشراق الألماني ودوره في نقل الثقافة العربية - د. محمد أبوالفضل بدران

في تناول ادوارد سعيد للاستشراق أغفل- عن عمد- الاستشراق الألماني، وربما كان عامل اللغة حائلاً بينه وبين تناول المستشرقين الألمان، وقد جاءت بعض الدراسات التي تناولت الاستشراق الألماني أبحاثاً جادة ومفيدة، ألقت بعض الضوء على بعضهم إلا أننا نفتقد دراسة جادة تتناول الاستشراق الألماني ككل لما يحتله هذا الاتجاه من أهمية بالنسبة لنا نحن إذ إننا- نحن- موضوع الاستشراق تراثاً وتاريخاً وواقعاً واستشرافاً، وسواء أوافقنا على نتائجهم أم اختلفنا حيالها فلن يقلل من أهميتها، ومن ثم دراستها ونقدها.

وقبيل أن أتناول الاستشراق الألماني المعاصر، أود أن أذكر هنا عدة أمور تساعدنا في فهم واقع الاستشراق الألماني:
أولاً: لم تستعمر “تستخرب” ألمانيا أية دولة عربية، ومن هنا ينتفي الغرض الاستعماري “الاستخرابي” عنها، وقد يقول قائل: ربما لو استطاعت لفعلت، ولكن هذا الحكي غير مقبول منهجياً فالباحث عليه أن يحلل التاريخ الذي حدث وليس الذي من المفترض حدوثه في الماضي.
وربما كان هذا البعد ذا أهمية في نقد المستشرقين الألمان، إذ انهم لم يكونوا- أعني غالبيتهم- أدوات استعمارية.
ثانياً: لا نغفل التوسعات الطموحة لهتلر نحو السيطرة على العالم، ولكننا لا ننسى أن بعض الدول العربية الإسلامية كانت واقفة الى جواره وقوفاً حقيقياً أو معنوياً لا حباً فيه بل كراهية للاستعمار البريطاني الذي كان يجثم على أرضها، وقد كان كتاب هتلر “كفاحي” من العوامل التي ساعدت على الاهتمام باللغة العربية في ألمانيا، وربما نعجب إذا عرفنا أن أهم قاموس عربي في اللغة الألمانية قد وضع لاهتمام سياسي بترجمة كتاب كفاحي لهتلر.
ثالثا: ان الموقف الألماني في عهد هتلر كان ضد اليهود، ولعل قراءة في كتاب هتلر سالف الذكر توضح إلى أي مدى كانت الكراهية في صدره ضد اليهود، ولم يكن فرداً في ذلك التوجه بل كان يعبر عن رأي قطاع من الشعب. وربما كان ذلك من العوامل المساعدة التي حدت ببعض المستشرقين الى أن يسيروا في فلكه فألفوا آنذاك العرب والمسلمين أعداء لليهود فأخذوهم مادة للدرس والاستشراق.
رابعاً: من السذاجة القول إن الاستشراق الألماني المعاصر محايد أو مع العرب والمسلمين في قضاياهم وليس ذلك لمصلحة العرب ولا المسلمين لأننا في حاجة إلى من ينقدنا بمنهج علمي قد نتفق معه أو نختلف لكننا في حاجة إليه، وحتى نرى كيف يرانا الآخر لا كما نرى ذواتنا من منظار تضخيم الذات وإعلائها، أو التقليل من شأنها، ومن هنا فإن بعض المستشرقين الألمان ضد العرب وضد المسلمين وضد المنطق أحياناً إلا أننا في حاجة إلى هؤلاء وإلى أولئك حتى نعرف موطئ أقدامنا في عالم معاصر متغير يسبح فوق بحار الكونية والعولمة وتختفي فيه المساحات والرؤى الأحادية، وحتى نكشف هؤلاء الذين يسيئون إلينا وإلى تراثنا وديننا ينبغي علينا قراءتهم ومن ثم نقد ما يكتبون بغية الوصول إلى الحقيقة.

أود هنا أن أوضح دور المستشرقين الألمان حيال اللغة العربية والعرب، وذلك من خلال نقاط هي:
أولاً: حفظ المخطوطات العربية إذ من المؤسف ومن المفرح في آن واحد أن آلاف المخطوطات العربية والإسلامية قد وجدت طريقها نحو المكتبات الألمانية فربما لو ظلت قابعة في بيوتنا لقضي عليها وقد آلت إلى المكتبات الألمانية في الجامعات والبلديات من خلال الشراء والاستيلاء عليها من الأقطار العربية لكنها- وبحق- وجدت من يسعى إلى حفظها وتصنيفها وفهرستها والعمل على تحقيقها، وإن نظرة في أعداد هذه المخطوطات لتوضح لنا أهميتها كذخائر تراثية لا تقدر بثمن.
وقد احتلت مكتبة برلين الوطنية نصيب الأسد من هذه المخطوطات إذ إن عددها يربو على عشرة آلاف مخطوط، فهرست في عشرة مجلدات، وفي مكتبة جامعة جوتنجن حوالي ثلاثة آلاف مخطوط من نفائس التراث العربي، وفي مكتبة جامعة توبنجن في جنوب المانيا العديد من المخطوطات والذخائر ناهيك عما فيها من كل اصدارات العالم العربي والإسلامي من كتب ودوريات منذ اختراع المطبعة، جاوز عمر بعضها المائة عام واختفت من المكتبات العربية وصار الحصول على بعضها ضرباً من المستحيل، كل ذلك محفوظ في مكتبة جامعة توبنجن مما يجعل دورها دوراً ثنائياً في خدمة المخطوط والمطبوع من الفكر العربي، ولقد عثرت في إحدى زياراتي على مخطوط فريد في العروض العربي وهو مخطوط “كتاب العروض” لعلي بن عيسى الربعي المتوفى سنة 420 ه وقمت بتحقيقه وعلى الرغم من مضي أكثر من ألف عام على المخطوط إلا أن حالته جيدة، وقد اغتظت ذات مرة من المبالغة في حفظ المخطوطات، وكانت إحدى موظفات المكتبة ترمقني وأنا أقلب المخطوط، وودت أن تقلب لي المخطوط بدلاً مني فصحت بها في لطف ممازحاً: ربما يكون هذا المخطوط بخط جدي.
فأردفت على التو: لكن لم يحافظ عليه أبوك. وربما كانت على حق في ذلك، حتى لو قلنا إنهم قد سرقوا هذه المخطوطات.
ثانيا: تحقيق المخطوطات العربية والإسلامية. ولم يقتصر دور المستشرقين الألمان على حفظ هذه المخطوطات فحسب بل عمدوا الى تحقيقها تحقيقاً علمياً ذا فهارس متعددة واستوجب تحقيقهم وضع مؤلفات تعد عمدا في موضوعاتها كالمعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم الذي وضعه المستشرق الألماني فلوجيل Flugel والمعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، ومعجم شواهد العربية، وهي بحق مؤلفات رائدة يعتمد عليها المحققون العرب، وقد قام بعض العرب بالسطو عليها وكتبوا اسماءهم كمؤلفين لها وربما تواضعوا وذكروا اسم المستشرق الألماني في سطر في مقدماتهم الطويلة.
وقد حقق المستشرقون الألمان عدداً كبيراً من أمهات التراث العربي “الكامل” للمبرد و”تاريخ الطبري” الذي استغرق تسعة عشر عاماً من العمل المتواصل، ومؤلفات البيروني و”بدائع الزهور” لابن اياس و”طبقات المعتزلة” لابن المرتضى و”مقالات الإسلاميين” لأبي الحسن الأشعري، و”الفهرست” لابن النديم ومؤلفات ابن جني وعدداً كبيراً من دواوين الشعراء القدامى، وقد عكف ايفالدفاجنر على ديوان “أبي نواس” قرابة عشرين عاماً حتى أكمله تحقيقاً.
وهو دور يجب أن يحمدوا عليه، وقد يقال: إن بعض ما حققوه كان اختياراً متعمداً لبعض الكتب التي تعنى بالفرق الإسلامية واللهجات، وهي مقولة صحيحة لكن جل تحقيقهم كان بعيداً عن ذلك، فما علاقة تحقيق المعلقات وترجمتها بحالة العرب الآن وتشرذمهم وتخاذلهم؟
كما أن أخطاء كثيرة وقعت في تحقيقاتهم وهذا أمر منتظر، فسر العربية عصي على أبنائها، فكيف على غير ابنائها، وقد جاءت بعض الأخطاء مضحكة، فقد قرأت لأحد المستشرقين تحقيقاً لكتاب ورد فيه مقولة “أشهر من قفا نبك” وجاءت في المخطوط “أشهر من قفا نبك” وقام المستشرق الألماني بالبحث في المعاجم والقواميس عن شخصية “قفان بك” ومن عجب أنه قد وجد أن قائداً تركياً قديماً كان يدعى بهذا الاسم فعزا إليه الشهرة، ولم يهتد إلى معلقة امرئ القيس المبدوءة بقوله:

“قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * * بسقط اللوى بين الدخول فحومل”

لكن ذلك الأمر لا يخلو منه المحققون العرب الذين يخطئون في أشياء مضحكة أيضاً.
وأود هنا أن أنوه بجهود مركزين هما: معهد الدراسات الشرقية في اسطنبول بتركيا، ومعهد الآثار والدراسات الشرقية في بيروت، اذ يعملان على تحقيق المخطوطات العربية والاسلامية ونشرها في سلسلتين هما: المكتبة الاسلامية، وسلسلة بيروت، وقد أسهمتا في نشر الكثير من النصوص الأدبية المخطوطة وتحقيقها كالوافي بالوفيات للصفدي على سبيل المثال.
ثالثاً: تأليف الكتب والدراسات حول الفكر العربي والاسلامي، ولا يمكن لأي دارس في الأدب والنقد العربيين أن يتجاهل اعمال مستشرقين ألمان كبار مثل كارل بروكلمان Carl Brockelmann وكتابه تاريخ الأدب العربي، على الرغم مما ورد فيه من بعض الاخطاء التي حاول دارسون عرب ان يتداركوها عليه كما فعل عبدالله بن محمد الحبشي، لكن يبقى لكتاب بروكلمان فضل السبق في التعريف بالتراث العربي والاسلامي المخطوط في جميع مكتبات العالم وهو جهد فردي لم نستطع نحن للأسف فرادى وجماعات ان نقوم به، وقد احسن الدكتور محمود فهمي حجازي وجمع من المهتمين باللغة الالمانية في ترجمته لهذا الكتاب ترجمة وافية أفادت المتلقي العربي.
كما ان المعاجم التي وضعت في الالمانية كمعجم هانزفير Hans Wehr العربي/ الالماني يعد معجماً رائداً، كما يعد كتاب “العربية” ليوهان فك Johan Fuck من المصادر التي لا يستغنى عنها، وقد تحدث نجيب العقيقي في كتابه “المستشرقون” عن بعض المستشرقين الالمان وعن اسهاماتهم الفكرية ويعد هذا الكتاب مرجعاً في بابه حتى زمن نشره.
وقد وجه بعض الباحثين نقداً لهذه المؤلفات تركز معظمه على النحو التالي: ان معظم هذه المؤلفات قد اتجه الى اللهجات وان هذه الدعوة لتعميم اللهجات ورعايتها لم تكن لمصلحة البحث العلمي بل هي لإشعال الفتن المحلية والقوميات غير العربية ولا أبرىء نفراً منهم قصدوا الى ذلك قصداً لكن ذلك لا يجعلنا نلقي الاتهام على الآخرين وبيننا نفر قد نحوا هذا المنحى، واضافة الى ذلك يجب ألا نرى كل الابحاث حول اللهجات المحلية أو العامية بعين الريبة فقد تكون من أجل البحث العلمي الداعم للفصحى.
اتجه بعض الدارسين الى وضع مؤلفات عدة في التراث الروحي في الاسلام وألقوا باللائمة عليهم اذ انهم قد اهتموا بالتصوف مثلاً الداعي الى الزهد والى الخلوة، وهذه نظرة حقيقية، فالتراث الصوفي من تراثنا وهو فرع من تاريخ الآداب العالمية وأظن ان تجاهله او التعالي عليه يفقد الأدب العربي والاسلامي رافداً كبيراً من روافده المتجددة.
ولقد جاءت جهود بعض المستشرقين الالمان في دائرة التصوف من أفضل ما كتب، اذ ان معظمهم أجاد عدة لغات بجانب العربية كالفارسية والأردية وبعض لغات الهنود والتركية ولغات بعض الاقليات الاسلامية في ربوع الارض مع اجادتهم للغات القديمة ومعظم اللغات الحديثة الحية مما جعل نظرتهم في الآداب المقارنة تبدو اشمل وأكثر عمقاً.
ورأى البعض ان جل كتابات المستشرقين الالمان مجدت الفرق الاسلامية المناوئة ورأت من واضعيها أبطالاً وأضفت على المرتدين والمنافقين هالة من البحث والضوء، فمنهم من عني بابن الراوندي وغيره من الزنادقة، ومنهم من أعلى من دور الشعراء الفاسقين كأبي نواس وابن ابي حكيمة وبشار وغيرهم من شعراء المجون، وربما كان لهم في مقولة القاضي عبدالعزيز الجرجاني “ان الدين بمعزل عن الشعر” حجة، بيد انهم لن يجدوا حجة في اذكاء روح التعصب والطعن ضد الاسلام والمسلمين في بعض كتاباتهم.
رابعاً: نشر اللغة العربية في ربوع ألمانيا، بجانب دورهم ذاك انصب اهتمامهم على تعلم اللغة العربية وتعليمها، ولقد كان للمعاهد الاستشراقية في الالمانيتين قبل الوحدة وفي الدول الناطقة بالالمانية كالنمسا وسويسرا وجانب كبير من هولندا او بلجيكا ولوكسمبورج وغيرها دور كبير في نشر اللغة العربية، وقل ان نجد مدينة كبرى في المانيا دون ان نرى مركزاً لتعليم اللغة العربية وبغض النظر عن المقاصد فإن ذلك اتجاه محمود.
خامساً: ترجمة الأدب العربي الى الالمانية، ففي ظل وجود حوالي مائة وخمسين مليوناً ينطقون بالالمانية او يجيدون قراءتها فإن ترجمة ادبنا العربي الى الالمانية تبدو مهمة، وقد قام بعض المستشرقين بهذا الدور الرائد وقد وصل الأدب العربي الى القارىء الالماني من خلالهم، وغدا نجيب محفوظ والغيطاني وجبران خليل جبران ومحمد شكري وغيرهم اسماء مشهورة في الاوساط الثقافية الالمانية، وربما يعيب هذا الاتجاه عدم وجود خطة للترجمة التي تخضع للانتقاء الشخصي والمزاج الشخصي ايضاً، بل ان بعضها لا يخلو من سوء القصد كترجمة الأدب الذي يتحدث عن اضطهاد المرأة بحيث تغدو أليفة رفعت، أديبة كجونتر جراس في المانيا، وتغدو كتابات الختان والأقليات والطعن في الاسلام هي الكتابات التي يتلقفها بعضهم للترجمة لا من الأدب العربي بل من غير العرب كما فعلوا بتسليمة نسرين التي ودوا ان يجعلوا منها سلمان رشدي الجديد لكنهم فشلوا وعادت الى ادراجها كسيرة.
-----------
د. محمد أبوالفضل بدران : باحث وأكاديمي في جامعة الإمارات
---------------
ملتقى أهل التفسير :
http://www.tafsir.org/vb/archive/index.php?t-3405.html

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: