نظرات في إعجاز القرآن الكريم

الحمدُ لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه ، وسلم تسليماً كثيراً . وبعد .
فقد بعث الله نبيه الكريم وأيّده بالحجج والبراهين والمعجزات المادية، والروحية، وأجرى على يده صلى الله عليه وآله وسلم خوارق كمجيء الشجرة ورجوعها مكانها، وسقي الكثير واطعامهم من الماء القليل والزاد اليسير، وما تُنوقل في الكتب من كلام الذئب وانشقاق القمر، وحنين الجذع إليه عندما تحوّل عنه إلى المنبر، وما إلى ذلك من المعجزات المادية التي بهرت العقول، فضلاً عن معجزة الإسراء والمعراج التي كثر حولها اللغط من أعداء الإسلام. إلا أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يتحدَّ العرب بهذه المعجزات المادية الحسيّة الوقتية التي تصعب تصديقها بمعزل عن الإيمان. وإنّما تحدّاهم بالقرآن الكريم، المعجزة العقلية الباقية، إذ كانت أخصّ معجزاته لأسباب سنشير إليها.
والمعجزة هي : (( أمرٌ خارقٌ للعادة، مقرون بالتحدي، سالم عن المعارضة، وهي إمّا حسّية وامّا عقلية )).
لقد أوجب العلماء - رحمهم الله – على كل مسلم ذي عقل دراسة اعجاز القرآن والوقوف عليه. وقد عدّ بعضهم التهاون في ذلك خيانة منه لعقله ودينه . ويبدو ان هذا أحد أسباب كثرة الدراسات والمؤلفات القرآنية، ولاسيما في الإعجاز بحيث يصعب حصرها، إذ بدأت في عهد مبكر إلى يومنا هذا . إلا أن السبب الرئيس هو انبهار العلماء لهذه الحادثة الكبرى والنبأ العظيم في تاريخ البشرية، ومحاولة دراسة تأثيرها العجيب على الناس، ونفي الشبه عنها التي أثارها الملحدون، فضلاً عن أسباب أخرى ليس هذا مكان ذكرها .
ـ وجوه الإعجاز : (( هي الأمور التي اشتمل عليها القرآن الكريم وتدل على أنه من عند الله تعالى، وليس من استطاعة أحد من الإنس والجن أن يأتي بمثله )). 
إن أكثر القدماء ومن تبعهم من المتأخرين والمعاصرين. حاولوا حصر وجوه الإعجاز بعدد محدود، أو في وجه واحد كبلاغة القرآن ونظمه أو اخباره بالمغيبات او بالصرفة وغير ذلك. فأبو الحسن الرُّماني (386 هـ) يرى وجوه الإعجاز تظهر في سبع جهات منها البلاغة وتحتها عشرة أقسام فصَّل الحديث عنها . والقرطبي (671 هـ) ذكر عشرة وجوه أكثرها بلاغية ، وأبو الحسن الماوردي الشافعي (450 هـ) ذكر عشرين وجهاً . والزركشي (794 هـ) ذكر أحد عشر وجهاً ، والفيروز أبادي (817 هـ) ذكر اثني عشر وجهاً ، والسيوطي (911 هـ) في الإتقان ذكر وجوها كثيرة وآراء العلماء في الإعجاز ، وقد أفرد كتاباً كبيراً بسط فيه الحديث عن وجوه الإعجاز، وقد بلغت عنده خمسة وثلاثين وجهاً، جعلها كالأمهات لكل ما يتعلق بها، وقال : ((والصواب أنه لا نهاية لوجوه اعجازه)) .
ومن المعاصرين الأستاذ محمد الزرقاني، ذكر أربعة عشر وجهاً ، والأستاذ محمد أبو زهرة بلغت الوجوه عنده المائة . والأستاذ مصطفى صادق الرافعي في كتابه : (إعجاز القرآن والبلاغة النبوية) ، ذكر وجوهاً أكثرها بلاغية. وكذلك الدكتور عمر الملاحويش في كتابه: (تطور الدراسات إعجاز القرآن وأثرها في البلاغة . والدكتور محمد عبد الله دراز أجمل وجوه الإعجاز في ثلاثة: اللغوي ، والعلمي ، والإصلاحي الإجتماعي ، وآخرهم الشيخ الأستاذ أحمد خلف الله ذكر مئات الوجوه، جعلها على أقسام، وكان كتابه اكثر شمولاً وأعمق دقه .
إنّ أكثر الوجوه التي ذكرت متداخلة بعضها في بعض، وإن بعضها يدخل في خواص القرآن الكريم وفضائله وعلومه، لا في إعجازه. والملاحظ أن جُلّ هذه الوجوه تتعلق ببلاغة القرآن وبيانه، حتى عُدّ الإعجاز فرعاً من علوم البلاغة العربية كما سنرى.
هذا ويمكن إجمال الوجوه على ثلاثة أقسام رئيسة في كل قسم منها معجزات مطلقة غير متناهية :

القسم الأول : الإعجاز اللغوي : بمستوياته المختلفة : التركيبي والصرفي والصوتي والبياني والدلالي والكتابي ، وقد أولى القدامى ذلك جلّ عنايتهم فخلفوا تراثاً كبيراً زاخراً لم يشهد له التاريخ مثيلاً في جميع الأمم، على الرغم من أنَّ هذا القسم من الإعجاز خاصّ التحدّي، موجه للعرب دون غيرهم، مما جعل المسلمين من غير العرب يبذلون جهوداً متواصلة لتعلم لغة العرب ودراستها دراسة دقيقة شاملة، حتى نبغ بها كثير منهم.
وقبل أن نوجز أهم الدراسات والآراء في هذا الجانب الذي يتعلق باللغة نبيّن، لِمَ كانت معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم كلاماً ملفوظاً ، وقولاً محفوظاً مع أن الله تعالى قادر على كل شيء، ما نعلم وما لا نعلم، ألا تحداهم بآلة غريبة عجيبة ، كما هم اليوم أهل التكنولوجيا والعلوم الحديثة تبهرهم التكنولوجيا وتصدّهم عن المعجزة اللغوية، ذلك أن الإنسان مهما بلغ من معجزات تكنولوجية إلا أنها وقتية، تفقد أهميتها مع تقدم الزمن كما رأينا كثيراً من الأجهزة التي نستخدمها اليوم التي أحدثت تغييراً في حياة الإنسان.
يرى كثير من العلماء أن الله تعالى تحدّى البشر وخاصّة العرب بما كانوا يحسنون ويتفوقون به آنذاك، وهو ما كان يشيع في عصرهم كشيوع السحر في عصر النبي موسى عليه السلام، وانتشار الطب في عصر عيسى عليه السلام، فجاءت معجزاتهما تناسب ما يشيع وينتشر آنذاك .
يصف الجاحظ العرب زمن البعثة النبوية بقوله : ((كان أغلبُ الأمور عليهم وأحسنُها عندهم وأجلّها في صدورهم، حُسْنَ البيان، ونَظْمَ ضروب الكلام، مع علمهم له، وأنفرادهم به، فحين استحكمت لفهمهم وشاعت البلاغة منهم، وكثُر شعراؤهم، وفاق الناس خطباؤهم، بعثه الله عزّ وجل، فتحداهم بما كانوا لا يشكّون أنهم يقدرون على أكثر منه، فلم يزل يقرِّعهم بعجزهم وينتقصهم على نَقْصهم، حتى تبين ذلك لضعفائهم وعوامِّهم كما تبيّن لأقويائهم وخواصهم)) .
والمتتبع كتب فقه اللغة وتاريخ اللغات الجزرية، لا يشك في الحكمة الربانيّة والتدخل الإلهي في تطور هذه اللغات وتفرّعها، لتبلغ ذروتها لدى العرب في عصر نزول القرآن.
يصف القاسمي ذلك العصر بقوله : ((لقد كان العرب في عصر نزول القرآن، فرسان الكلام، وأساتذة فنون القول، وقد خُصّوا في البلاغة والحكم ما لم يُخص به غيرهم من الأمم، وأوتوا من ذرابة اللسان، ما لم يؤتَ إنسان، ومن فصل الخطاب ما يأخذ بالألباب، جعل الله لهم ذلك طبعاً وخلقة، وفيهم غريزة وقوّة، يأتون منه على البديهة بالعجب، ويدلون به إلى كل سبب، فيخطبون بديهاً في المقامات، وشيد الخطب، ويرتجزون به بين الطعن والضرب، ويمدحون ويقدحون، ويتوسلون ويتوصلون ويرفعون ويضعون فيأتون بالسحر الحلال، ويطوقون من أوصافهم أجمل من سمط اللألي، فيتخذ عون الألباب، ويذللون الصعاب، ويُذْهبون الأحن، ويهيّجون الدفن، ويجرِّئون الجبان، ويسطون يد الجعد البنان ويصيّرون الناقص كاملاً، ويتركون البنيه خاملاً )) .
يبيّن لنا هذا النص أهمية اللغة في حياة الإنسان، ولاسيما العربي في عصر نزول القرآن. وفي توجهاته وتفكيره وقوته وضعفه وخوفه وشجاعته وهمته وانتكاسه وغير ذلك مما يتعلق بالإنسان خليفة الله تعالى في الأرض.
لقد أثبتت الدراسات الحديثة ولاسيما الغربية أن اللغة توازي الوجود. ويرى الفلاسفة المسلمون أن الألفاظ تقابل الأشياء وتساويها . وإن قول الشيء هو انجازه .
إن أهمية اللغة تتضح من خلال العناية الواسع بها في النهضة الغربية الحديثة بحيث يصعب احصاء دراساتهم اللغوية المعاصرة وتنوعها، وعلاقتها بالعلوم الأخرى، اذ تعادل عشرات الأضعاف مما كتبوا في كل العصور . ويرى الفلاسفة أن أهم المشكلات التي تواجههم هي اللغة .
كان لسماع القرآن الكريم الأثر البالغ في قبول العرب الإسلام واعتناقهم إياه، كاسلام عمر رضي الله عنه ساعة سماعه أخته وهي تتلو آيات من القرآن الكريم، وكان قبلُ يريد البطش بها وبزوجها لإسلامهما، وكسجود الإعرابي حين سمع آية كريمة فقال : أشهد أن مخلوقاً لا يقدر على مثل هذا الكلام . فليس غريباً أن نجد تراثاً هائلاً من الدراسات اللغوية التي قام بها المسلمون عناية بكتابهم الكريم، وانبهاراً بلغته الكريمة فشرعوا يبحثون عن إعجازه في لغته وبلاغته قبل كلّ شيء ، حتى عُدّ درس الإعجاز القرآني فرعاً من فروع علم البلاغة . ثم اتفقوا على أن وجه الإعجاز هو نظم القرآن الكريم وطريقة تأليف كلمه على نحو خاص ، حتى اكتملت هذه الفكرة على يد الإمام عبد القاهر الجرجاني .الذي عرّف النظم بأنه ((ليس شيئاً غير توخي معاني النحو واحكامه فيما بين الكلم )) . ولسنا بحاجة إلى ذكر تفصيلات النظرية ، وآراءه لكثرة ما كتبوا عنه قديماً وحديثاً حتى عاد موضوعاً لا يحتمل المزيد.
ثم بقيت النظرية كما هي في كتب اللاحقين، لم نجد اضافه تذكر إلا اعادة ما قاله الجرجاني او ترتيب كتابيه : دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة ، أو اختصارهما . 
فالإعجاز ليس بالألفاظ المفردة ولا في تركيب الحركات والسكنات، ولا في المقاطع والفواصل ولا في الإستعارة ولا في غريب القرآن انما هو في النظم، وليس النظم في ضمّ الشيء إلى الشيء كيف جاء واتفق ولكنه تناسق دلالات الألفاظ وتلاقي معانيها على الوجه الذي يقتضيه العقل، فادراك العلاقات بين الألفاظ ونظمها نظماً معيناً يؤدي إلى معنى معين بحيث لو تغيّر النظم لتغيّر المعنى، ولا فصاحة في اللفظ إلا وهي موصولة بغيرها ومعلقة معناها بمعنى ما يليها .
هكذا أولى جمهور علمائنا نظرية النظم عناية كبيرة، وتحمسوا لها مما جعلهم يهملون كثيراً من الجوانب الأخرى من وجوه الإعجاز القرآني غير المتناهية، فضلاً عن التساؤلات التي لم تجب عليها هذه النظرية منها، عموم التحدّي القرآني ، إذ لم يكن التحدي موجّها للعرب أهل الفصاحة وانما لعامة البشر من عرب وغيرهم من الأمم باختلاف لغاتهم وبمختلف العصور. وإذا كان الأمر كذلك كيف يُدرك مَنْ لا عِلمَ له بالعربية اعجازه في نظمه المتفرّد وبلاغته العالية، ولاسيما أن علماء العربية قرّروا أن في القرآن الكريم الفصيح والأفصح وليس ما فيه أرفع درجات الفصاحة، يدلنا على ذلك ردُّ النحاة بعض قراءاته التي أقرّها الرسول صلى الله عليه وسلم، لأنها شذّت عن مقاييس الفصاحة التي استنبطوها من العربية نفسها ، نحو من قرأ ((والأرحام)) بالرفع والنصب والجر .
إنّ ((القرآن ليس معجزة موقوفة بالفترة التي نزل فيها، ولا محصورة في القوم الذين دعوا إلى هذا التحدي، وإنما القرآن معجزة قائمة على الزمن كله، وعلى الناس جميعاً في أجيالهم المتعاقبة)) .
((إن التحدي عام في الإتيان بمثل هذا القرآن بأية لغة تريدون وسترون أن هذا القرآن سيظل المعجز الممتنع عن التقليد على جميع المخلوقات، فاعجازه جامع بين بلاغته واسلوبه وروعة نظمه وسمو طبيعته وبين ما احتواه من المبادئ والأسس … وبين تاثيره في السامعين، وروحانيته القوية النافذة … )) .
إن التركيز على الوجوه البيانية واللغوية دون غيرها أمر يرفضه العقل، وقد نبّه إلى ذلك ابن حزم . وناقش استشهادهم بآيات من الذكر الحكيم لا تطّرد في جميع القرآن في ضوء نظرية النظم، فرفض مقولتهم بأنه معجز كونه في أعلى مراتب البلاغة. ويبدو أن مذهبه الديني أو السياسي (الظاهري) كان وراء قوله هذا ، ولاسيما أن المعتزلة والأشاعرة تبنوا فكرة النظم والإعجاز اللغوي وهؤلاء لا يتفقون مع المذهب الظاهري، وكان أكثرهم لغوييون ونحاة وأدباء كالجاحظ والفراء وأبي عبيدة وابن قتيبة والرماني والخطابي والباقلاني والجرجاني وغيرهم.
لقد تنبه كثير من المعاصرين إلى ذلك فاتجهوا إلى البحث عن وجوه أخرى للإعجاز، تبتعد قليلاً أو كثيراً عن نظرية الجرجاني، يقول الأستاذ أحمد خلف الله:
((إن التحدي القرآني لا يعني كما يذهب الجهلة، أنه بضعة دراسات كلاسيكية في البلاغة والأدب يجترها من لا يفهمها ويلوكها من لا يهضمها فيتشنج صاحبها على دراسات سطحية لا تستوعب من شؤون التحدي شيئاً ولا تصلح لتجليته على الصعيد الإسلامي ولا على الصعيد العالمي، وقد فشل أصحابها فشلاً تاماً في تبليغ التحدي للعالمين)) .

ثانياً : إعجاز المضمون :
ثمة اتجاه يقصر الاعجاز على المضامين الفكرية المطلقة الصحة، التي لو نقلت إلى لغة أخرى لكان في نطقها وقع مثل وقعه في العربية .
يقول أحد الباحثين: ((جوهر الإعجاز فيما اعتقد مضمون فكري لا متناهٍ في المعيارية معبّر عن الحقائق المطلقة ومصاغ بأرفع الأساليب بلسان عربي مبين)) . والذين يذهبون إلى هذا الإتجاه لا يقفون عليه دون غيره من وجوه الإعجاز الأخرى ولاسيما النظم، وإنما يقولون : بنظمه وبمضمونه، أي بلفظه ومعناه، أمّا لفظه فإعجازه موجه إلى العرب أهل البلاغة، وأما مضمونه فلعموم البشر من عرب وغير عرب وبمختلف العصور. أو كما قالوا : معجز بمعانيه المؤتلفة مع ألفاظه المؤاخية لها وكأنّ الألفاظ قطعت لها وسويت على حجمها .
قال السلطان الخطّاب (533 هـ) في رسالة له في إعجاز القرآن :
إن إعجاز القرآن ليس من حيث بلاغة الأسلوب وجزالة الألفاظ ووجازة الكلام بل اعجازه من حيث المعنى أيضاً . وإذا كان الإعجاز من ناحية الأسلوب والكلمات لم يقم حجة على العجم لأنه أنزل باللسان العربي، وإنما بعث الرسول لكافة الناس من عرب وعجم .
والذي أراه أن إعجاز المضمون يقتصر على عَدّ القرآن الكريم كله معجزاً مع أن الظاهر من القرآن الكريم أن التحدي بعشر سور أو سورة واحدة أقلها ثلاث آيات وهي سورة الكوثر.
فإن إعجازها لديهم إعجاز سورة البقرة .
أما المعاصرون فيرون : ((أن كل قول قرآني ، ولو كان حرفاً واحداً في موضعه من القرآن فهو معجز لا يستطيع أن يأتي بمثله البشر)) .

فإذا كان القرآن ((قد أعجز العرب ببيانه فقد أعجز الناس أجمعين بمعانيه وشرائعه وما أشتمل عليه من علوم)) . وإذا كان الإعجاز اللغوي خاصّاً موجهاً للعرب فإنّ الإعجاز بالمضمون عام، للعرب وغيرهم من الأمم، فلا يصحّ أن يتحدى الله تعالى العجم بلغة لا يعرفونها ، وإن أوجب الإسلام تعلم العربية على من يدخل الإسلام من غير العرب.
أما أهم المضامين المعجزة في القرآن الكريم فنذكر منها:
ـ التشريع المحكم الذي أشتمل عليه القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر إلا من عند الله تعالى، وليس بمقدور انسان أمّي لا يقرأ ولا يكتب في بلد أمي. وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن الأحكام الشرعية التي وردت في القرآن الكريم هي الأصلح من غيرها في تنظيم شؤون الحياة والعلاقات العامة ونشر العدالة. وقد كتب الأستاذ محمد أبو زهرة بحثاً، تُرجم إلى الفرنسية والإنجليزية، قال فيه: أن الأوروبيين وهم المتقدمون في علم القانون يرون أن العقل البشري لم يصل إلى خير مما ورد في القرآن الكريم في قانون الميراث . وعدّ الدكتور محمد عبد الله دراز وكثيرٌ من الباحثين ناحية الإعجاز الإصلاحي التهذيبي الاجتماعي أحد نواحي الإعجاز الثلاثة التي عدّها وجوه الإعجاز القرآني .
ـ الإعجاز العلمي ، أو العلوم الكونية التي أشتمل عليها القرآن الكريم، والحقائق العلمية التي لم تكن معروفة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، يطول شرحها ويشق حصرها ، ولاسيما العلوم الكونية، ففي تفاصيلها من الدقة والخفاء ما يعلو على إفهام العامة والخاصة، منها ما عرف بعد أكثر من ألف سنة، ومنها ما لم يعرف حتى الآن، على الرغم من أنه كتاب دين وهداية لا كتاب علم في العلوم الكونية أو الهندسية أو الطبية وغيرها. فقد
كان للقرآن الكريم وكذلك للحديث النبوي الشريف الأثر الكبير في تطور الدراسات العلمية والفكرية والتوصل إلى اكتشافات مهمة، فإن كثيراً من الكتب الفكرية والعلمية والفلسفية وغيرها ألفت انطلاقاً من آية كريمة أو حديث شريف تفتح أبواباً للتفكير، وتصبُ في مجرى تطور العلوم ونشرها.
ـ وغير ذلك من المضامين المعجزة في القرآن الكريم التي يطول ذكرها وهو ما ينافي هدفنا في البحث منها النبوءة الغيبية والإخبار عن الأمور الماضية والمستقبلية التي وقعت كما ذكر القرآن الكريم ، وما تضمنه من الحجج والبراهين والجدل والعقل. 
ثالثاً : وجوه أخرى :
ثمة وجوه للإعجاز القرآني كثيرة ذكرها العلماء متفرقة لا تدخل تحت القسمين السابقين منها :
ـ الصَّرفَةُ : ذهب أبو اسحق النظام كبير المعتزلة في عصره، أن الله تعالى قد صرف العرب عن معارضته، وسلب عقولهم مع توفّر الدواعي وشدّة الحاجة إلى التحدي . ولا يكاد أحدٌ ممن عُني بالإعجاز منذ عصر النظام إلا ردّ هذا الرأي وسفّه صاحبه، ذلك أن الإعجاز والحالة هذهِ سيكون في المنع لا في القرآن نفسه. والحق إنهم أساؤوا فهم النظام فإنّه يقصد أن المخلوق لا يمكنه تحدي خالقه، خالق العقول التي تُدرك الإعجاز، خالق كلّ شيء، والسموات والأرض مطويات بيمينه، فكيف يتحدى مخلوق خالقه !؟.
ـ المتشابه : يرى الدكتور محمد شحرور أن الإعجاز القرآني والتحدّي، إنما وقع في الآيات المتشابهات التي تخضع للتأويل على مرّ العصور، ذلك أن التشابه هو ثبات النصّ وحركة المحتوى. وقد تمّ إنزال القرآن متشابهاً عن قصد، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ممتنعاً عن التأويل عن قصد أيضاً مما يدل على أن القرآن الكريم يؤوّل ولا يفسّر .
ـ الإعجاز العددي : لقد كشف البحث المعاصر معجزات عددية في القرآن الكريم، باستخدام العمليات الرياضية والإحصائية، مستفيدين من التطور المعاصر للأجهزة الإلكترونية. فوجدوا ارتباطاً بين عدد مرات ذكر اللفظ وبين ما يقابله من الألفاظ الأخرى، وقد أصدر الدكتور عبد الرزاق نوفل كتاباً وضّح فيه التوازن العددي بين الألفاظ القرآنية، فلاحظ أنّ الألفاظ تتساوى أرقامها الإحصائية عند عدّها في القرآن الكريم مثل الدنيا والآخرة، فقد ذُكر كل من اللفظين مئة وخمس عشرة مرة، والشيطان والملائكة ثماني وستون مرة، والموت والحياة مئة وخمس وأربعون مرّة وهكذا. وبعضهم كشف اعجازاً في العدد تسعة عشر ، وبعضهم كشف توازناً بين عدد كلمات وعبارات الآذان وبين عدد الركعات والسجدات في الصلاة . فضلاً عن علم الحروف الذي خصّ به الله عباده الصالحين والذي يعتمد حساب الجمل .
ـ المثلية : يرى الدكتور عبد الحليم محمود إعجاز القرآن كامناً في المثلية، والمثلية لا تختص بجانب دون جانب، وإنما تعم جميع النواحي، قال بعد أن ناقش وردّ كثيراً من الآراء في مواضع الإعجاز : ((إنما هو نقاش لا يتمش مع الفكرة القرآنية التي هي في التماثل من جميع النواحي)) .
ـ دعا سيد قطب أن نبحث عن منبع السحر في القرآن الكريم قبل الوجوه التي ذُكرت، ذلك أن السحر الذي قالوا عنه في نبعه الأصل، ((إن هذا إلا سحر يؤثر)) . لنجد الجمال الفني الخالص عنصراً مستقلاً بجوهره . وقد عرض الدكتور صبحي الصالح جهود المعاصرين في ذلك، وكشف عن الإعجاز القرآني المتمثل في نغم القرآن الكريم وإيقاعه .
ـ فضلاً عن وجوه أخرى كثيرة ذكرها العلماء، يصعب ذكرها أو تتبعها في هذهِ العجالة، منها: وفاؤه بحاجات البشر في كل عصر على وفق لا نجد له نظير في اصلاح كل شيء، ومنها الإخبار بضمائر القلوب التي لا يعلمها إلا الله من غير أن يظهر منهم بقول أو فعل. ومنها نقضه للعادة الجارية في أنواع الكلام وفنونه المعروفة لدى العرب فأتى بطريقة مفردة خارجة عن العادة .
وبعدُ فإن الإعجاز القرآني مطلق لا يحدّه علم ولا زمن . غير متناهٍ فهو بكل الوجوه التي ذكرناه، والتي لم نطلع عليها، بل لم تصل إليها العقول بعد.
إن البحث المعاصر يتجه إلى تخطئةِ المنهجِ الذي يحاول تحديد الإعجاز في وجوه محدودة، ويحصرها في آراء معدودة. بل إعجازه مطلق يُدرك منه كل ذي قوة فكرية بمقدار علمه وتوجهه، وبحسب الأرضيات المعرفية لكل عصر، ذلك أن النص القرآني ثابت اللفظ، متحرك المعاني، إذ ان المعاني لا نهائية أما الألفاظ فمحدودة، ولعل هذا سرّ وجود المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله ومّنْ شاء من عباده الصالحين .
يقول الشيخ أحمد خلف الله بعد أن ذكر عشرات الوجوه التي ذكرها العلماء: ((وجوه الأعجاز القرآني لا تنحصر في وجه دون وجه بل إن كلّ متأمّل قد يظهر له منها ما لا يظهر لغيره، كذلك لا تكون وجوه الإعجاز بدرجة واحدة من الوضوح بالنسبة لطالبيها، وقد يكون بعضها ظاهراً في نظر أحدهم، ولكنه خفي على غيره )) . وقال : ((وقد يدرك الواحد وجهاً، ويدرك غيره المئات من وجوه الإعجاز كما أن أهل كل عصر يختلفون عن غيرهم فيما يدركونه من وجوه الإعجاز فقد يدرك أهل عصر ما لا يدركه غيرهم في عصر آخر )) وفي هذا حكمة إلهية لتبقى عجائب الكتاب لا تنقطع ولتبقى النفوس تتشوق إلى المزيد منها، لذا قال صلى الله عليه وآله وسلم: لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الترداد. ذلك أنه صادر عن الله خالق كل الأشياء المادية والروحية. ويبدو أن المنهج الذي اتخذه جمهور القدامى وكثير من المعاصرين في تحديد وجوه الإعجاز، يفرضه المنطق وطبيعة التفكير العلمي التي تحاول حصر الأفكار وتنظيمها ورسم حدودها إلا أن نص القرآن الكريم نص مطلق لا يطّرد ذلك عليه، ولأن تحديه ما زال قائماً لا ينقطع فوق طاقة البشر.
يتبين أن ثمة منهجين في دراسات الإعجاز القرآني:
الأول: وهو الأكثر، يتجه إلى حصر الوجوه، لإدراكهم أن للإعجاز وجهاً أو موضعاً يمكننا الوقوف عليه. وإن تعدد، فراحوا يبحثون عنه، ويختلفون فيه حيناً ويتفقون، ويرفضون بعض الآراء ويرجحون بعضها.
الثاني: يتجه أصحابه إلى عدم حصر وجوه الإعجاز وإطلاقها كما بيّنا .
نظرات في الإعجاز :
يمكن عدّ هذا الرأي قسماً رابعاً من أقسام وجوه الإعجاز السابقة، باسم: الإعجاز الروحي ولا يعني هذا أن القرآن الكريم معجز بهذا الوجه حصراً ، ولكنه وجه من وجوه الإعجاز المطلقة.
سأدلو بدَلْوِي بينَ الدلاء، فلي رأي في الإعجاز يدعمُهُ المنطق والعقل وكثير من أقوال العلماء السابقين والمعاصرين:
إنّ للّغة مظهرين أو مرحلتين :
الأولى : مرحلة (ظاهرة) منطوقة مسموعة، تتألف من أصوات ومفردات وتراكيب على وفق قواعد مطّردة، يفهمها الإنسان دون عناء لاستعداده الخلقي لذلك. وهي وسيلة الاتصال بين بني البشر باختلاف ألسنتهم وثقافاتهم، يعبّرون بها عن أفكارهم وعن حاجاتهم، وهي مرحلة متعددة الأصوات والأنظمة اللغوية بتعدد لغات العالم.
الثانية : مرحلة (باطنة) غير متعددة تسبق المرحلة الأولى، أو هي خلفها، لا يُدركها الإنسان لأنها لا تتألف من أصوات وتراكيب، بل هي معانٍ وأفكار خافية تنتقل عبرَ الأثير، وهي وسيلةُ الاتصال في عالم الغيب بين الله ومخلوقاته على اختلافهم وكثرتهم. وقد عبّر عنها العلماء ولاسيما المتصوفة من المسلمين والفلاسفة غير المسلمين وعلماء اللاهوت بتسميات مختلفة منها : التجلي والايحاء والإشراق وغيرها .
من هذه المرحلة يستمد القرآن إعجازه ذلك أنّه مرتبطٌ بها، أو أنه روح من أمر الله حي باقٍ. فالقرآن قرآنٌ في هذه المرحلة (الباطنة) من اللغة وبعدها، أنزله الله تعالى على نبيّه الكريم وأوحاه إلى قلبه، ويسّره على لسانه العربي الشريف، بعد أن قدّر الزمان والمكان لنزوله، حيث بلغت العربية من القوة والقدرة على التعبير والإتساع والبلاغة درجة عالية بعد عصور من التطور كما هو مبسوط في كتب تاريخ اللغات الجزرية، لتتمكن من التعبير عن القرآن العظيم.
وبذلك نقله الله سبحانه إلى مرحلة اللغة المنطوقة المسموعة بشكلها العربي ليفهمه الناس وليرحمهم به ويعلمهم ما ينفعهم، قال تعالى : ((إنّا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون)) .
إنّ المرحلة القبلية للغة خفيّة في عالم الغيب تمدّ لغة عالم الشهادة لا يعلمها إلا الله وملائكته ومن شاء من عباده الصالحين كالأنبياء والأولياء، لا تعتمد الأصوات المسموعة بل هي معانٍ لطيقة تدرك في القلب بصمت وبوسائل أخرى وصفها المتصوفة بأنها تنعدم فيها اللغة، وهذا يفسّر غموض لغة كبار المتصوفة . من هنا يمكننا فهم علم الله جميع اللغات باختلاف الألسنة وعلمه منطق الطير والحيوان وغيرها من المخلوقات، ويعلمها مَنْ شاء من عباده الصالحين كتعليمه سليمان عليه السلام منطق الطير.
هذهِ الأفكار يدعمها الأثر والمنطق والتفكير السليم بمقدرة الله العظيم لكنها لم تُؤيّد بالتجربة المادية لصعوبة ذلك. وهي ما يضمره الناس وما يختمر في عقولهم من أفكار قبل أن تترجم إلى أصوات. فكثير ما نتخبط أحياناً في حلّ مشكلة فنزداد حيرةً، ثم فجأة تأتي فكرة تحلّ المشكلة وتزيل الاضطراب والحيرة. مِمَّ جاءت، وكيف سنحت؟ قد لا نغالي اذا قلنا أنّ ثمّة ارتباطاً بين الغيب مصدر كلّ شيء وبين العالم المادي، وأن الغيب يحفظ الله به عالمنا. 
هذا الارتباط بين الغيب وبين ظاهر القرآن الكريم هو الذي يميّزه عن المعارضات الشكلية كحماقات مسيلمة نحو : ((إنّا أعطيناك الجواهر، فصلِّ لربِّك وجاهر، إن شانئك هو الكافر)) ، وغير ذلك من التفاهات والمعارضات الشكلية اللفظية، التي تحاكي المفردات والفواصل والإيقاع، إلا أنها ألفاظ ميتة، منقطعة عن تلك المرحلة الغيبية للغة أو عن اللوح المحفوظ، أو روح الله ، والله أعلم.
إن الأدلة على ما نذهب إليه كثيرة نقلية وعقلية يدركها من له أدنى إيمان، وسعة في العقل. منها قوله تعالى : ((أولم يكفهم إنّا أنزلنا عليك الكتاب يُتلى عليهم * إن في ذلك لرحمة وذكرى لقومِ يؤمنون )) . وقوله تعالى : ((قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله)) ، وغيرها من الأدلة النقلية.
إن الجن لا يتكلمون كلامنا وليس خلقتنا خلقتهم، لأنهم في عالم الغيب. معنى هذا أن التحدي قائم في المرحلة القبلية للغة والبعدية أيضاً الموجّهة للإنسان في عالم الشهادة ونقله إلى هذه المرحلة على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم رحمةً، ذلك أن نقله مما يصعب ادراكه لولا رحمة الله، ليكون متلوّاً عليهم فينفعهم ويخرجهم من الظلمات إلى النور .
يقول الباقلاني في ردّه على المعتزلة : ((كيف يجوز التحدي بمثل القرآن وهو عندكم قديم لا مثل له من كلام الآدميين ولا يجانس كلام المخلوقين؟ قيل له : لم يتحدَّ النبي صلى الله عليه وسلم بمثل الكلام القائم بالله سبحانه، وإنما تحداهم بمثل الحروف المنظومة التي هي عبارة عنه في براعتها وفصاحتها واختصارها وكثرة معانيها)) .
وجاء في الإتقان قول بعض العلماء : إنّ التحدي وقع بالكلام القديم الذي هو صفة الذات وأن العرب كلفت في ذلك ما لا يطاق . إن اللغة ليست موضع الإعجاز إنما هي دليل عليه وباب إليه لا يمكن معرفته بدونها تستمد الإعجاز من المرحلة القبلية للغة، فلابد أن يُلْبِسْ اللهُ القرآنَ بعد نزوله أحلى ثوباً وأعلى نظماً، ويكسيه أجل جسداً ، بهر العلماء مما جعلهم يتجهون إلى دراسة لغته فقالوا أن وجه إعجازه في لغته العالية وبلاغته المتفردة ونظمه العجيب. وأهملوا الجانب القبلي له.
إن عزل المرحلتين في دراسة الإعجاز أو إهمال جانب منهما يجعل الدرس يعاني نقصاً، لأن المرحلتين تكملان بعضهما. أي أن إعجازه باطنه الذي يدل عليه ظاهره وهو لفظه ونظمه وشكله الناقض للعادة، فهو معجز قبل نزوله وبعده. وهو موجود قبل نزوله عربياً وبعده، وهذا ما اتفق عليه العلماء إلا أنهم اختلفوا أهو مخلوق أم قديم غير مخلوق .
يرى الإمام عبد القاهر الجرجاني واضع نظرية النظم والقائل بأن وجه إعجاز القرآن بها لا بمفرداته اللفظية مهما كان شأن هذا اللفظ . وإن العمدة في إدراك البلاغة، الذوق والإحساس الروحاني .
فإذا كان الجانب اللغوي والبياني المذكور سابقاً يمثل الجانب الظاهري المادي المحسوس المنال بالتحصيل الدراسي، فإن هذا الجانب الذي ندعو إليه، روحي غير محسوس بالحواس المادية ولا يتحصّل إلا لأهل القرآن الذين خصهم الله به.
وإذا كان الجانب اللغوي أوضح جوانب إعجاز القرآن، وأخصّه لأنه موجه إلى العرب، فإن الجانب الروحي خفي، عام موجه لجميع البشر من عرب وعجم.
وهذا الوجه الروحي واسع أيضاً يشمل معجزات مطلقة، يحتاج إلى اهتمام الدارسين اللغويين بعد الإيمان به لأنه يكمّل الدراسات اللغوية في القرآن الكريم ولاسيما أنه نشأت هكذا واتجهت دهراً طويلاً هذا الاتجاه، وتراثنا زاخر بمثل هذه الدراسات . لانقطاع أصحابها إلى الله مخلصين له الدين، لا لإغراض دنيوية كالشهرة أو الترقية أو التجارة وغير ذلك فإن الارتباط بالدنيا يغلق عليهم هذا الجانب من الدراسة. وهذا لا يعني ترك الكلام كما يحلو للبعض أو باعتماد الخيال والخرافات والأساطير، وإنما بوضع منهج علمي أكاديمي نفسر في ضوئه كثيراً من النصوص الدينية والتراثية التي ترفضها المناهج الدراسية الحديثة لتأثرها بالمناهج الغربية المادية، التي تتناقض مع كثير من الآيات البينات والأحاديث النبوية الشريفة وأقوال العلماء في صفة القرآن الكريم، كقوله صلى الله عليه وسلم : ((لو كان القرآن في إهاب، ثم وقع في النار لما احترق)) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ((كتابُ الله سببٌ بينكم وبينه، طرَفُهُ بأيديكم)) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : أن الله قال له : ((أنزلتُ عليك كتاباً لا يغسلُهُ الماءُ تقرأه نائماً ويقظان)) ، وقال العلماء : أنّ القرآن وقَعَ بالدّال على القديم، وهو الألفاظ .
وقالوا : أن القرآن كلامُ ربّ العالمين : ((من نورِ ذاته جلّ وعزّ، وأن القراءة أصوات القُراء ونغماتُهم)) .
فهو قرآنٌ ولو نزعت عنه لفظَهُ. وقد أجازَ اللهُ فيه قراءاتٍ متعددة. وفي هذا وجه آخر للإعجاز يُفسر في ضوء ما قدّمنا. كتابٌ واحدٌ يقرأ بأكثر من قراءة، لابدّ أنه فوق ادراك البشر. جاء في الأثر أنّ جبرائيل عليه السلام، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم : ((إن الله يأمُرُكَ أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف فإيّما حرف قرؤا عليه فقد أصابوا)) .
وهذا يدلّ أيضاً على الفرق بين قراءة القرآن الكريم الإيمانية وقراءته غير الإيمانية فالأولى مرتبطة بما خلف الكلمات والحروف بهدي من الله. والثانية لا تتعدى الأصوات والحروف. ويدلل أيضاً استمرار معجزته على مرّ العصور ، فللغة عمقٌ روحي أو غيبي لا نُدْرِكهُ يمدُّ القرآن إعجازه وحفظه : ((إنا نحن نزلنا الذكرَ وإنا له لحافظون)) ، والله أعلم، هو حسبنا ونعم الوكيل. والحمد لله رب العالمين.
----------------------
أهم المصادر والمراجع:
- القرآن الكريم.
- الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين السيوطي (911هـ)، تح: أبو الفضل إبراهيم، مكتبة ومطبعة المشهد الحسيني، القاهرة ، (د،ت).
- أضواء على الدراسات اللغوية الحديثة، د. نايف خرما، عالم المعرفة، ع 9، أيلول 1978.
- إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، مصطفى صادق الرافعي، تصحيح محمد سعيد العريان، مطبعة الإستقامة بالقاهرة 1952.
- إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة، د. منير سلطان، منشأة المعارف بالإسكندرية، مصر 1977.
- أعلام النبوة، أبو الحسن علي بن محمد الماوردي الشافعي (450هـ)، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت 1986.
- البرهان في علوم القرآن، الإمام بدر الدين الزركشي (794هـ)، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم 1972.
- بصائر ذوي التمييز في الطائف الكتاب العزيز، مجد الدين الفيروز آبادي (817هـ)، تح: محمد علي النجار، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة 1383هـ.
- تفسير التحرير والتنوير، الشيخ الطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر، (د.ت).
- تطور دراسات إعجاز القرآن وأثرها في البلاغة العربية، عمر الملاحويش، جامعة بغداد 1972.
- التفسير الحديث، محمد عزة دروزة، دار أحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه، مصر 1962.
- التمهيد.القاضي ابو بكر الباقلاني، تح: د. محمد ابو ريدة، ومحمود الخضيري 1947م.
- الجامع لإحكام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي (671هـ)، دار الكتاب العربي، بالقاهرة 1967.
- حجج النبوة، ضمن (رسائل الجاحظ) ج3، تح: عبد السلام محمد هارون، ط1، مكتبة الخانجي بمصر 1979.
- الحيدَة، الإمام عبد العزيز يحيى الكناني (240هـ)، تح: د. جميل صليبا، طَ2، دار صادر، بيروت 1992.
- خصائص التجربة الصوفية في الإسلام، دراسة ونقد، د. نظلة الجبوري، بيت الحكمة، بغداد 2001.
- دلائل الإعجاز، الإمام عبد القاهر الجرجاني (471هـ)، تح: محمد عبد المنعم خفاجي، ط1، مطبعة الفجالة الجديدة بمصر 1969.
- الزينة في الكلمات الإسلامية العربية، الشيخ أبي حاتم بن حمدان الرازي (322هـ)، تح: حسين بن فيض الله الحمداني، ط1، مركز الدراسات والبحوث اليمنية، صنعاء 1994.
- السلطان الخطّاب، حياته وشعره، اسماعيل قربان حسين، دار المعارف بمصر، (د.ت).
- شرح الأصول الخمسة، القاضي عبد الجبار (415هـ) ، تح: سمير مصطفى رباب، ط1، دار أحياء التراث العربي، بيروت 2001.
- شرح مواقف النّفري، عفيف الدين التلمساني، تح: د. جمال المرزوقي ، الهيئة المصرية العامة للكتاب 2000.
- ظواهر دلالية في التعبير القرآني، مقاربة في المضمون وأدوات التعبير، د. عبد الإمير كاظم زاهد، بحث شارك في ندوة إعجاز القرآن السنوية لقسم اللغة العربية، كلية التربية للبنات 2002.
- علم الحروف وأقطابه، د. عبد الحميد صالح حمدان، ط1، مطبعة مدبولي، القاهرة 1990.
- الفتوحات المكية، الشيخ محي الدين بن عربي (628هـ)، دار صادر، بيروت، (د.ت).
- الفصول والغايات في تمجيد الله والمواعظ، أبو العلاء المعري (449هـ)، تح: محمود حسن زناتي، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1977.
- الفلسفة التأويل، دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين بن عربي، د. نصر حامد أبو زيد، ط1، دار الوحدة، بيروت 1983.
- القرآن، القول الفصل بين كلام الله وكلام البشر، محمد العفيفي، المطبعة العصرية بالكويت (د.ت).
- القرآن يتحدى، الأستاذ أحمد عز الدين خلف الله، ط2، دار صادر، بيروت 2001.
- اللغات السامية.
- لغة آدم، عطاء أبدي لبني آدم، محمد رشيد ناصر ذوق، ط1، جرّوس برس بيروت 1995.
- اللمحات للسهروردي شهاب الدين (587هـ)، تر أميل المعلوف، دار النهار للنشر، بيروت 1969.
- محاسن التأويل، محمد جمال الدين القاسمي (1332هـ)، الجزء الثاني، 1376هـ.
- مفتاح السعادة ومصباح السيادة، طاش كبري زادة ، دار الكتب العلمية، بيروت 1985.
- المعجزة الكبرى، القرآن، محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، (د.ت).
- معجم القراءات القرآنية مع مقدمة في القراءات واشهر القراء، د. عبد العالم سالم مكرم وأحمد مختار عمر، ط2، جامعة الكويت 1988.
- المغني في ابواب التوحيد والعدل، القاضي عبد الجبار (415هـ)، ج 16، تح: امين الخولي- وزارة الثقافة والارشاد القومي – مصر 1965.
- مناهل العرفان في علوم القرآن، محمد الزرقاني، دار الفكر ، (د.ت).
- النص، السلطة، الحقيقة، د. نصر حامد أبو زيد، ط2، المركز الثقافي العربي، المغرب 1997.
- النشر في القراءات العشر، ابن الجزري (833 هـ)، تر علي محمد الضباع، المكتبة التجارية الكبرى بمصر، (د.ت).
- نظرية النظم، حاتم الضامن، الموسوعة الصغيرة، العدد (7)، بغداد، أيلول 1979.
- النكت في إعجاز القرآن، أبو الحسن علي بن عيسى الرماني (386هـ) ، ضمن ثلاث رسائل في الإعجاز، تح: محمد خلف الله ومحمد زغلول سلام، دار المعارف بمصر (د.ت).

__________________
أ.د. حسن منديل حسن العكيلي /جامعة بغداد
البحث منشور ·في مجلة كلية التربية للبنات2001
التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: