ليس للمسلمين ما يقرءون وعقيدة التراث بها مُبتلُون

رُبما من العلامات المضيئة في الحياة الفكرية للعرب والمسلمين أن تتوالى أمام أعين القراء (الالكترونيين) العناوين تلو العناوين التي تعنى بالقراءة وبأزمتها. لكن ما من شك في أنّ مشكلة أمة 'اقرأ' التي لا تقرأ لن يقع حلها بالسهولة التي تمر بها تلك العناوين ولا بالسيولة التي يتكلم بها المنخرطون بالمنتديات الفكرية (الالكترونية طبعا) محاولين إيجاد الحلول لها.

فالحديث حول مشكلة القراءة ضروري، إلاّ أنّ هنالك مسلمات غير مرغوب فيها، لأنها ماسكة بالناصية الفكرية لعامة المسلمين، ومن ورائهم بناصية المتحاورين والمثقفين على وجه الخصوص. وهي مسلمات لن تسمح، إن لم نقاومها، بأن نتقدم شوطا واحدا على مسار البحث لحلّ جذري ونهائي لمشكلة القراءة.

وفي ما يلي طرحٌ للبّ القضية التي أختلف فيها مع ما هو سائد وبائد من الأفكار والمواقف والأحكام. وقد استلهمني عرض هذا الطرح تعقيبٌ كتبه واحد من قرائي الكرام على إثر تعليق لي مفاده أني لم أقرأ ولن أقرأ لمحمد أركون (ولا لطارق رمضان الداعية الأوروبي، على سبيل الذكر لا الحصر)، رغم اهتمامي عن كثب بالفكر العربي الإسلامي المعاصر.

إنّ مسألة غضب مُحاوري واتقاد قلمه لوعة واستنكارا تجاه موقفي أمر يقلقني، لكنه لا يقلقني لأنه رأي مخالف. فالمسألة تتجاوز حدود حرية التعبير والذوق والاختيار والتفكير وما إلى ذلك من الحريات (التي لم نتدرّب عليها بعدُ). بل هي مسألة تمسّ أصول أزمة القراءة.

أعتقد في هذا السياق أنه لمّا يرفض مثقف أن  يقرأ ما كتبه أركون أو محمد عبده أو حسن حنفي أو الطاهر الحداد أو طه حسين أو توفيق الحكيم أو محمود المسعدي أو علال الفاسي أو الشيخ ابن باديس(على سبيل الذكر لا الحصر)  أو غيرهم من رموز الأدب والفكر في العالم العربي والإسلامي الكبير، القدامى منهم والمعاصرين، فهذا لا يعني أنّ المثقف فوّت على نفسه فرصة القراءة أو أنه مرّ بجانب المنهاج السوي الموصل إلى حلول تخص النهوض والتقدم. فهو ليس مُلزما بقراءة كتاباتهم. وإلاّ فسوف يكون كل واحد من المثقفين المعنيين بالشأن الحضاري مطالب بقراءة كل ما كتب ويُكتب بواسطة أقلام عربية ومسلمة. ثمّ لِمَ لا يصبح المثقف مطالَبا بقراءة كل ما كتب بواسطة كل الأقلام وفي كل الأزمنة؟ هكذا؟

إنّ كل قراءة مادة نافعة لا محالة، إلاّ أنّ المرء لا يقدر على الإطلاع على الكل. وهذه مفارقة عجيبة لا بدّ أن يجد المثقف العربي حلا لها . ومن أجل إيجاد بعض حلّ أعرض جملة من المواقف في ما يمكن تسميته مرافعة الدفاع عمّن لا يقرءون.

إنّ اختيار المثقف الباحث خصوصا والقارئ عموما أن يترك جانبا أعمال حسن البنا أو علي عبد الرازق أو محمد أركون (على سبيل الذكر لا الحصر) أو غيرهم لا يعني لا احتقار أعمالهم، معاذ الله، و لا عدم صلاحية تلكم الأفكار في المطلق. لكنها عملية طبيعية تفرض نفسها بموجب قانون الانتقاء؛ انتقاء ما يصلح الآن وهنا. وانتقاء مَن أقرأ ومتى أقرأ يعود إلى معرفة لماذا أقرأ. ولماذا يقرأ المسلم سؤال تصب كافة الإجابات عنه في مسلك واحد أحد: عقيدة التوحيد.

كما أنّ الانتقاء بحسب متطلبات التوحيد يفترض أن أدمج ما أقرأ في داخل تصميم مُعيّن وتصوّر مُعيّن توحيدي للحياة، وبالتالي أن أزيح من مسلكي الذاتي في البحث عن الحقيقة (الكلية وأينما كانت) كل فكر لا ينخرط في مساري وكل أفكار لا تندرج في الإطار المرسوم.

وبهذه المعايير قد يكون الاطلاع، هنا والآن، على فكر 'رالف ولدو أمرسن' و'ألبار كامي' و'نعوم تشومسكي' (حصرا) وغيرهم من جهابذة الفكر والأدب العالمي أنفع للمسلم وأجدى لتخصيب ثقافته الذاتية، العربية الإسلامية، به.

في الأصل، من المفترض أن تكون مثل هذه الجوانب لمسألة القراءة الهاجس الأكبر اليوم لدى المثقف عموما، إذ هذه الجوانب تطال حاجة التفكير في الحاجيات إن صح التعبير. وليس من المعقول أن ينقاد المثقف، ومن ورائه أمة القراء قاطبة، إن لم نقُل أمة المسلمين كافة، إلى هاجس المعرفة الجاهلة، معرفة لماذا لا يقرأ أحدهم للكاتب الفلاني أو للكاتب العلاني.

والذي يحز في النفس أكثر في هذا السياق أنّ المثقفين الذين أصبحوا يعتبرون عدم قراءة أعمال الباحث زيد أو العالم عمرو تهمة يتوجهون بها إلى أتباع سياسة الانتقاء الرشيدة لا يعيبون على أنفسهم، وعلى الفكر العربي الإسلامي، الابتعاد عن المصدر المباشر للمادة التي تستحق فعلا ملاحظة آنية ومتابعة مسترسلة، ألا وهو الواقع المعيش. وهذه مشكلة بحد ذاتها، فضلا عن كونها ذات صلات متينة بمشكلة القراءة.

أعتقد فعلا أنّ الواقع المعيش أفضل كتاب يُقرأ لو عرفنا كيف يُقرأ، إذ إنه الخزان الذي تجتمع فيه كل الآراء والمواقف والأفكار في صيغة الحياة. وهو الخزان الذي يلجأ إليه العام والخاص لكي يتعرفوا على حاجياتهم من خلاله ومن ثمة لكي يحدث بناء القرارات والإجراءات والإنجازات طبقا لغايات وأهداف في الحياة.

أمّا السبب الأصلي الذي أدّى إلى تهميش عملية القراءة عندنا هو أنّ المسلمين، بزعامة المثقف الغير رشيدة، لم يتدربوا على المنهجيات الميدانية المخوّلة لقراءة الواقع بما ينطوي عليه من تجسيد للآراء والمواقف والأفكار. وكانت النتيجة أن زاغوا عن مسلك التوحيد فصاروا يتحركوا بمنأى عن حاجياتهم الحقيقية والمتغيرة، وبالتالي أضحت حركة ضبط الأهداف والغايات لديهم معوقة.

هكذا انفلتَ الواقع من قبضة المسلمين ولم يعودوا مسيطرين عليه مثلما كان الأمر في زمن أجدادهم في العصر الذهبي. وأصبح الاستلاب للتراث الملاذ الوحيد الذي قدّم نفسه هبة لهم. لكأنّ قراءة التراث فرضت نفسها كبديل عن القراءة الشاملة والطبيعية.

و للأسف قد استجاب الفكر العربي الإسلامي لهذه الحاجة المفتعلة والمرَضية للتراث. وإذا بأدبيات التراث تعوّض أية أدبيات يزعم أصحابها أنهم أنشئوها ليعيدوا بواسطتها ربط الصلات المقطوعة بين المسلمين والواقع. لكنّ الأدب التراثي لم يساهم في التطوير المباشر لحياة المسلمين. والسبب في ذلك أنّه ليس في متناول القارئ العادي من عامة الناس حتى وإن كان من المثقفين نسبيا. وهل يقرأ المرء ما لا يُقرَأ؟

وكانت النتيجة ذلك الصنف من عدم الاستطاعة، ويقابلها استفحال العقلية التراثية لدى المثقفين ولدى العامة على حدّ سواء، من جرّاء الإصرار على حلّ تراثي لن يأتي. وكان تأثير هذه النتيجة على مسألة القراءة أن صار المسلمون يعتقدون أن لا شيء سيُغنيهم من جوع التثقف والتثاقف ما لَم تُحلّ "مشكلة التراث"، ولو قرءوا كل مجلدات وكتب الدنيا كلها. وصار كل ما يُكتب يؤخذ على أنه لا يفي بحاجة الحل التراثي المفتعل.هذه هي الذروة في أزمة القراءة.

في المقابل، وموازاة مع ذلك، ترى المثقفين متمادين في البكاء على أطلال الكتب ومهووسين بالفقر في القراءة ومصدومين من خيبة ظنهم في أمة 'اقرأ' التي لا تقرأ، لكنهم رافضون البحث عن النظر إلى "سنامهم"، مُمانعين في الشك في أنهم طرفٌ في المشكلة. بل تركوا ذلك الحل، وهو الأنسب، ولجئوا إلى الحل الأسهل، وهو الحل الذي يكبّرهم في عيون العامة لكنه في الحقيقة يصغّر العامة والأمة قاطبة: الحل الزاعم أنّ كل شيء يُقرأ ولا بدّ أن يُقرأ، وأنّ من قرأ فلا بدّ أن يَقرأ كل ما يُكتب. وبما أنّ الشرط بلغ الإجحاف فمَن لا يَقرأ من الناس إنما هو ليس فقط جاهلا بل عالة على من يقرأ.

هكذا تمّ زج الذات العربية المسلمة، بمثقفيها وبدهمائها، في دوامة من الشك (في القدرة على القراءة) بعد أن حصل الطعن الذاتي بخنجر الجهل، إذ صار المسلمون يريدون الكل. ومن أراد الكل أضاع الكل.

وسؤالي هنا: هل كلّ من يَقرأ ليس بجاهل، وهل أنّ من يقرأ أقل جهلا ممّن لا يقرأ؟ في الشروط التي شرحتُها أنفا يكون الجواب بالنفي هو الصحيح في كلتا الحالتين. فمن الممكن أن يكون من يقرأ جاهلا هو الآخر. وهذا حاصل لدى غالبية قرّاء العرب والمسلمين. والدليل على جهل القارئ العربي والمسلم أنه لم يضطلع بمهمته كمُكمّل للمعرفة لدى العقل المجتمعي ككلّ. بل اكتفى بالتظاهر بالعلم (وهي العلموية) مع عدم الاعتراف بفشله في تمرير شرارة القراءة (لو كانت في حوزته بالفعل) إلى من هُم أقلّ منه نضجا في الفكر وضلوعا في الشأن الثقافي.

وتمرير شرارة القراءة وشعلتها لا يحدث بواسطة الكتابة فحسب، بل بالوسائل الشفوية والسمعية والبصرية أيضا. فيبدو إذن أنّ مَن يتعامل مع النص المكتوب ومع الرسالة الصوتية ومع الصورة المرئية من بين هؤلاء القرّاء (في الاتجاه الصادر كما في الاتجاه الوارد) لم يتوصل إلى الإيفاء بالحاجة، حاجة المسلمين إلى من يُعلمهم كيف يُنزع كابوس التراث عن عقولهم وقلوبهم. فهل نأمل أن يُكتب ويُذاع ويُبثّ ما يُقرأ؟

ذلك هو الهاجس الحيوي اليوم.  وتلك هي الحالة التي نعيشها في ربوعنا. أمّا ما يزيدها  تعقيدا أننا في عصرٍ تتولّد فيه يوميا المفاهيم العالمية المستحدثة المكرسة للتحولات في عالم القراءة و من أهمها أذكر "مجتمع المعلومات" و"مجتمع المعرفة". إنما كأنّي بهذه المفاهيم جاءت لتزيد الطين بلّة عندنا ، لا لتضع حدّا للجعجعة الغير مصحوبة بالطحين.

في سياق العودة إلى ضرورة إرساء فكر ميداني وعملي يكون ثمرةً للتدريب على منهجية التعامل مع الواقع المعيش ككتاب مفتوح ابتغاء نزع كابوس التراث عن الوجدان والفكر وذلك بواسطة كتابة ورسالة مسموعة وأخرى مرئية تكون كلاها مستجيبة لنداء الوجود العربي الإسلامي ككل، أتساءل هل من باب الصدفة أم من باب الحتمية التي تفرضها السنن التاريخية أن كان فكرٌ (مكتوب) مثل فكر محمد أركون و محمد عابد الجابري وحسن حنفي ونصر حامد أبو زيد فكرا متسما بـ "تفكيك التراث" دون سواه من الأغراض، وأن تزامنَ هذا التوجه التفكيكي في البحث العلمي مع أزمة القراءة عند المسلمين.

في الحقيقة لا أزعم الإجابة عن هذا التساؤل. أمّا الذي أقدر عليه، في المقابل، هو استنتاج أنّ التزامن المذكور يدعّم فرضية كانت ومازالت تلازمني. ومضمون هذه الفرضية أنّ فكر هؤلاء (عدا ربما فكر حسن حنفي) لا يمتّ للواقع بصلة. وفضلا عن ذلك يثبت لديّ اليقين بأنّ الفكر المنبثق عن التفكيك التراثي لا يملك تأثيرا مباشرا على الواقع المعيش. فلِمَ يصلح هذا الفكر إذن؟

إنّ الجواب عن مثل هذا السؤال يفترض أمرين على غاية من الخطورة: إمّا أنّ الحياة الفكرية عندنا صارت تخلط الأنماط الفكرية بشكل لم يعد فيه الفكر فكرا؛ وإمّا أنّ ما أنّ فكرا وسيطا هو الذي يعوزنا لكي يقوم بمهمة الربط بين ما تفكك وما تشكل؛ وبين ما تفكك ولم يتشكل بعدُ. وإن كان مجتمع القراء على علم بأدب التفكيك فلا بدّ أن يكون أيضا على علم بأدب التشكل والتشكيل. لكن الملاحظ أنّ المجتمع دارٍ بالأول وجاهل بالثاني. بل قُل إنّ الثاني غير موجود.

ولمّا كانت الحالة هذه، أعتقد أن لو يتربّى المسلمون عموما و المثقفون منهم خصوصا، والمفكرون من باب أولى، على الاستلهام، مثلما بيّنّا أعلاه، من الواقع ككتاب مفتوح قبل أي كتاب مكتوب، عدا كتاب الله العزيز(وهو الذي نقرأه بغير موعد)، عندئذ يصير فكر أركون والجابري وأبو زيد (حصرا) من المكمّلات إن لم نقُل من الكماليات أحيانا. في انتظار بروز فكر وسيط يستوعب، حسب مقتضيات الواقع، ما يصلح من المُفكك ويدمجه في المتشكل من هذا الواقع، ومنه في الواقع مباشرة. تلك هي أفضل مرتبة يجدر بفكر التفكيك الانتصاب فيها. وليس أكثر من تلك المرتبة وإلاّ فستعاود المسلمين متلازمة ('سندروم') التراثية.

ومن أجل تربية الذات على النزول عند رغبة المسلمين "الواقعية" لا بدّ من حدوث قناعة لدى الباحث والمفكر والمثقف والناس أجمعين بضرورة معاودة التواصل مع عنصرين اثنين كان انفصال جمهور المسلمين عنهما سببا رئيسا في تدهور القدرة الاستطلاعية على الواقع، والتي تسببت في انفلات هذا الأخير من قبضة المسلمين، قبل استلابهم للتراث وسقوط إمبراطورية القراءة. والعنصران هما الطبيعة والحداثة (1).

فطالما أنّ علاقتنا بالطبيعة في أسوء ما تكون الأحوال يبقى سؤال "لماذا نقرأ" مطروحا. هل كُتب لنا أو أذيع لنا أو صُوّر لنا كيف نعمل لكي يترك صغارنا القطط في حال سبيلها وهي التي ما تزال يُمسك بها من ذيلها لترى العجب العُجاب أثناء تدويرها البهلواني؛ وهل عمِل خبراءنا الأجلاء على نشر ثقافة تربية الكلاب حتى يكون الكلب عندنا لا يُعرّفُ به فقط بمقتضى قدرته على مطاردة الإنسان وكفاءته في العض؛ وهل فسّرت لنا وسائل التثقيف والتسلية والتوعية لماذا الحمام يروم المارة في ساحات وميادين روما وباريس ولندن، ويستأنس بهم، بينما ينفر من المارة في ساحات وميادين تونس أو دمشق أو عمّان أو الدار البيضاء؛ وهل في حوزة علمائنا تعليل ضافٍ لموقف الضأن لمّا تراه يقترب طوعا من بني آدم في أوروبا، بينما تراه يهرب هروبا من الآدميين في الضيعة أو في المروج في البلاد الإسلامية؟

بالتأكيد لستُ أجاري النفاق الغربي فأتعلق بعقيدة حقوق الحيوان على حساب العناية بالمنكوبين والمحرومين من بني الإنسان، لكني أعتقد أنّه لو تمّت توعية المسلمين بضرورة احترام أنفسهم أوّلا، ثم احترام الآخر المسلم وغير المسلم ثانيا، فستكون حُسن معاملتهم للحيوان خاصة وللطبيعة عامة نتيجة منطقية لذلك الاحترام الأصلي بين بني الإنسان. والعكس صحيح أيضا إذ إنّ الاحترام لا يحصل من العدم، بل إنّ السيطرة على الطبيعة والغوص في أغوارها وفهْم سُننها وقوانينها سيكون خير دافع لاكتساب المسلم للثقة بالنفس وبالتالي خير دافع لاحترام الإنسان للإنسان، خادم الطبيعة وراعيها والمنتفع بها والمستخلف فيها.

وستكون حينئذ حسن معاملة المسلمين للطبيعة بما فيها الحيوان برهانا على تحصيلهم على القدرة التي ستدعم سعيهم إلى إنجاز البحث العلمي و إلى الاستدامة في تحصيل المعرفة. وستكون حينئذ طريقتهم في تنفيذ التصاميم والنماذج والنظريات الرامية إلى الارتقاء بالبناء الإنساني، المجتمع، مدعّمة بآليات العقلانية والعلم ومؤطرة خير ما يكون التأطير بالصلات الوثيقة بين الطبيعة والمجتمع.

وطالما أنّ علاقتنا بالحداثة، من جهة أخرى، في وضع جدّ رديء سيبقى سؤال "لماذا نقرأ" مطروحا. كيف لا وعدد السيارات في بلداننا يكاد يتنافس مع عدد السكان؛ كيف لا والرضيع عندنا يمتطي حضن  أبيه وهو أمام المِقود؛ كيف لا وفتى وفتاة الثمانية عشرة سنة من العمر كلاهما يقود السيارة، طامعَين في أن تزداد درجة "الطموح" لدى من يصغرونهم سنا لتبلغ الستة عشرة سنة كمطلب للحصول على رخصة القيادة؛ كيف لا وكلانا صار في حوزته اثنان وحتى ثلاثة أجهزة للهاتف الخلوي مع أنّنا نزداد افتقادا للخلية الأم، خلية التواصل المباشر والطبيعي مع بعضنا البعض ومع الآخر؟

إنّ العمل على السيطرة على الحداثة المتهورة من أولويات اللحظة الآنية. والسيطرة على الحداثة عملية تعادل ما ينبغي علينا القيام به إزاء الطبيعة. فلن نقدر على احترام بعضنا البعض كما تُمليه عليه كل القيم مجتمعة وعلى رأسها عقيدة التوحيد إلاّ إذا اضطلعنا بمهمة ترويض الحداثة لكي تنفتح على الإسلام فتكون النتيجة تسهيل التنفيذ لبرامج الارتقاء بالبناء المجتمعي.

وفي سياق منهجي متصل، أعتقد أنّ القضاء على العقلية التراثية، مع الالتفاتة العلمية والميدانية والتجريبية الصارمة قبالة ثنائية الطبيعة والحداثة، مثلما شرحتُ أنفا، لن يتحقق إلا بتوفر شرط إجرائي وضروري. و يتمثل الشرط في نمذجة عنصرَي الطبيعة والحداثة، بالاتساق طبعا مع العنصر الإنساني المركزي، في مشاهد من الواقع يكون كلاها متماسكا ومتكاملا وقائما بذاته.

والقصد من النمذجة البناءُ لا التفكيك. إذ لا يقاوَم التفكيك إلاّ البناء؛ بل قُل ليس للتفكيك (التراثي وغيره) معنى وجدوى ما لم يكن متبوعا بما يتسق معه من بناء؛ بناء الواقع الجديد. وهل أفضل من البناء اللغوي، لا فقط وسيلة لمقاومة تفكك واقع المسلمين، بل وأيضا علاجا وحلا بديلا للمضامين المتهرّئة والبائدة لهذا الواقع؟

فالواقع متعدد الأوجه. وإن أردنا إعادة توحيد ما انقسم وتفتت وتشتت في حياة المسلمين فالأجدر أن يتمّ إنجاز ذلك من كافة الزوايا؛ السوسيولوجية والسيكولوجية والأنسنية والجغرافية والتاريخية وغيرها. لكن الإشكالية تمثلت إلى حد الآن في غياب المنهاج أو النموذج الواضح الذي سيضفي على عملية الاسترداد، استرداد الوحدة الواقعية، صفة علمية معيارية، لكي يسهل الحُكم على سير العملية ويتيسّر التجسيد في مسار بناء الواقع الجديد. واللغة هي التي تهبُ لنا الحل البديل اليوم.

لمّا أقدّم ضرورة إرساء عقلية لغوية على أنها البديل العلمي للعقلية التفكيكية للتراث (وهي التي تحولت إلى عقلية تراثية) بالنسبة لنا كمسلمين، وعلى أنها منهاج يُسلك ونموذج يُحتذى، أعني بكل بساطة أنك لو علّمتَ الناشئة اللغة كما يجب التعليم، فإنهم في مأمن من كل أصناف التفسخ والانغلاق الثقافيين بما في ذلك الاستلاب للتراث.

لماذا اللغة، لأنّ اللغة ملكة طبيعية فلا يمكن بهذا الموجب أن نخشى تحوّل العقلية الراسخة فيها، والمُزمع إنشاؤها، إلى عقلية تراثية أو خرافية أو سحرية، مثلما نحن شاهدون عليه بخصوص الاستعمال الاعتباطي للتراث العربي الإسلامي. ومن ناحية أخرى فاللغة تفرض نفسها أداة لفك رموز المشكلة الحضارية وأيضا دواء لهذه العلة، لأنّ النص (المسموع والمكتوب) هو صورة (من الواقع) بحد ذاته. وإن أراد "معلم الواقعية" (المدرّس والكاتب والصحفي والمرشد الاجتماعي والطبيب والمهندس والطبيب النفساني والمسرحي والسينمائي وغيرهم) تدريب الشباب على المنهج الميداني العملي، فسيجد نفسه مضطرا لتبنّي الصورة (الصوتية والمكتوبة و المرئية). ولن تتوفر له صورة أفضل، في وحدتها وفي تكامل عناصرها، من الصورة التي ينطوي عليها النص اللغوي.

وهذا الغرض قابل بأن يشمل كافة اللغات بما فيها العربية. وهو عمل الغاية منه لا فقط نمذجة السلوك الديني (بالأساس، كما شرحتُ في دراسات سابقة) وأيضا المدني وغيره من أصناف السلوك، في السلوك اللغوي، بل الغرض منه بالخصوص تحويل السلوك اللغوي إلى سلوك في الواقع. إنّ اللغة سلوك كما هو معروف. واللغة العربية ستكون أول مستفيد من هذا المنحى إذ إنّ الفرصة ستُتاح لها، كما لم تُتح لها من قبل، لتوضَع في محك الواقع الاجتماعي بعناصره الطبيعية وبأبعاده الحداثية.

على أية حال، سواء اطلع القراء المسلمون على أدب تفكيك التراث أم لم يطلعوا عليه، فالحدث التاريخي ينذرنا بأنّ التحري أمرٌ لازم اليوم. والتحرّي يستهدف القراءة في كامل شروطها وظروف تنميتها من جديد على أسس علمية. والقراءة هي تلك التي وضّحتُ أنها لا يمكن أن تقتصر فقط على الإطلاع على النص المكتوب. كما أنّ القراءة هي بالخصوص تلك التي لم يقتنع المسلمون بعدُ بجدواها طالما أنه لا يُكتبُ لهم ما يقرءون، إذ هُم رافضون قراءة ما يُكتبُ خارج إطار عقيدة التوحيد، ولنكون أوضح، هُم رافضون قراءة ما يُكتبُ خارج الأُطر المُيسّرة للاستطلاع والاستكشاف والمُساءلة ومُعاودة الاتصال بالتراث كمعطى حيوي يعيش في العقل الفردي وفي العقل المجتمعي.

ولعلّ الحدث التاريخي يؤذن، على الأقل من الناحية الرمزية، بأنّ الأوان قد آن لبدء حركة التقدم نحو حلّ بديل لِحلّ قد يكون استوفى العديد من شروطه، لمّا نعلم أنّ كبار علمائنا الثلاثة في مجال التراث تفكيكا وتشريحا قد رحلوا ثلاثتهم إلى الرفيق الأعلى. و الله أعلم.

محمد الحمّار

"الاجتهاد الثالث": الكلام إسلام.

(1) نُشر لي على المشباك قبل بضعة أشهر دراسة في هذا الموضوع عنوانها "أمة اقرأ لا تقرأ لأنها مفصولة عن الطبيعة والحداثة". 

(2) في ظرف أربعة اشهر، بين شهر ماي وشهر سبتمبر من سنة 2010؛ تغمدهم الله بواسع رحمته.

التصنيف الفرعي: 
شارك: