شعرية التوليد الشعري عند ولادة بنت المستكفي - هشام الدركاوي

توطئة:
عندما وصل الشعر إلى الأندلس، كان قد وصل فعلا إلى ذروة الإبداع وسنام البراعة، حيث وجد نفوسا متعطشة إلى صحبة الجمال وكل شيء رائع، بإيعاز من تلك البيئة الطبيعية إلى تسحر العيون وتحير الظنون.
ولم تقتصر صناعة الشعر على فئة الشعراء فحسب؛ بل امتدت لتشمل فئة الشواعر التي شكلت مساحة تحتاج إلى دراسة خاصة، ولربما كانت ولادة بنت المستكفي إحدى هؤلاء الشواعر اللائي تركن بصمات واضحة في خريطة الشعر العربي.

1. ولادة والتوليد الشعري:
تميزت ولادة بنت المستكفي بقدرة هائلة على التوليد والخلق الشعريين، ولربما كان السبب في ذلك راجعا بالأساس إلى تعلقها بشاعر فحل هو؛ ابن زيدون، وقد يكون هذا التعلق قد أكسبها مراسا ومرانا واضحا وساعدها في تسلق مراقي السلم الشعري، علما أن الشعر باب طويل سلمه كما قال زهير بن أبي سلمى.
وسأتوقف عند مظاهر شعرية الخطاب الشعري عند ولادة من خلال النصين الآتيين:
النص الأول:
لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا           لم تهو جاريتي ولم تتخير(1)
وتركت غصنا مثمرا بجماله                 وجنحت للغصن الذي لم يثمر
ولقد علمت بأنني بدر السما               لكن ولعت لشقوتي بالمشتري

النص الثاني:
ألا هل لنا من بعد هذا التفرق            سبيل فيشكو كل صب بما لقي(2)
وقد كنت أوقات التزاور في الشتا          أبيت على جمر من الشوق محرق
فكيف وقد أمسيت في حال قطعة              لقد عجل المقدور ما كنت أتقي
تمر الليالي لا أرى البين ينقضي          ولا الصبر من رق التشوق معتقي
سقى الله أرضا قد غدت لك منزلا           بكل سكوب ما طل الوبل مغدق

1-1     النص الأول:
1-1-1   البنية الخارجية:

نتناول في هذه البنية الشكل الخارجي للنص الأول، والتي يمكننا أن نستجلي منها:
• يتكون هذا النص من ثلاثة أبيات، وهو ما يسميه العروضيون "المقطوعة" وهي عادة شعرية دأب عليها الأندلسيون، فأصبحت لهم اليد الطولى فيها، لتناسبها مع بعض الأغراض الشعرية وليدة البيئة الأندلسية والمرتبطة بلحظات الزهو والطرب والافتنان بجمالية الطبيعة.
• تنتظم هذه المقطوعة في بحر "الكامل" الذي أتت تفعيلاته على النحو الآتي:
مستفعلن متفاعلن مستفعلن   * مستفعلن متفاعلن متفاعلن
حيث نلاحظ أن الإضمار(3) قد لحق في الشطر الأول التفعيلة الأولى والثالثة، وفي الشطر الثاني لحق التفعيلة الأولى، وما تبقى فهو تام.
وينسجم بحر "الكامل" مع المضمون العام الذي ينزع إليه النص؛ وهو مضمون ذو طابع حجاجي - يُستهل بطرح الدعوة المحملة بحس العدالة (لو كنت) والتدليل عليها (الدعوة) في الشطر الثاني مع تضمين معنى السجال والإدانة وتوريته؛ أي إدانة ابن زيدون بعدم حفاظه على سرية الهوى – يحتاج إلى وزن فسيح يحتويه، لذلك يقول حازم القرطاجني (ت 684 هـ) عن بحر الكامل: « ومجال الشاعر في الكامل أفسح منه في غيره »(4).
أما القافية فهي مطلقة (متحركة) تتواءم مع مضمون النص الذي يفتقر إلى مد الصوت وانفتاحيته؛ وفي إطلاق القافية، إطلاق لعنان نفسية ولادة المنكسرة – لما تلقته من خيانة ابن زيدون لها – في لا يكاد يخرج حرف الروي "الراء" عن هذا الاتجاه، إذ يأتي مجهورا متوسطا تكراريا، الشيء الذي يقتضيه مقام النص؛ ففي استعمال روي مجهور، جهر بالآهات والآلام التي يختزنها صدر ولادة المكلوم.

1-1-2   البنية المضمونية (بنية التوتر):
تنعى ولادة من خلال هذه الأبيات الثلاثة على محبوبها ابن زيدون الذي مال عنها إلى جاريتها السوداء التي تقل جمالا وافتتانا عنها، وتلومه على أنه ليس بمنصف في الهوى مادام قد ترك الحسن وجنح إلى القبح، متهمة إياه بخيانة القيمة؛ أي أنه ليست له أخلاق الحب. كما أنها قد طعنت في ذوقه المبتذل عندما اختار جاريتها التي لا ترق إلى مستواها من حيث الجمال أو من حيث الحسب والنسب والشرف والسمعة.

1-1-3   البنية الأسلوبية :
تحبل هذه القطعة بجملة من الظواهر الأسلوبية التي أضفت على المقطوعة مسحة جمالية، وحاولت أن تجمع فيه بين فتنة الإمتاع ورصانة الإقناع والبرهنة؛ لأن النص يبتغي ذلك ويلح عليه ومن ذلك:
• القياس الشرطي: تفتتح الشاعرة نصها بقياس شرطي (لو كنت...) تنزع من خلاله إلى الإقناع والدفاع عن وجهة نظرها مع دحض وجهة النظر المناقضة.
ومعلوم أن القياس الشرطي أليق بالشعر واعلق به لأنه « أعذب في الذوق وأسهل في التركيب »(5) ففي البيت الأول: (لو كنت تنصف... لم تتخير).
ويبدو أن المقدمة الكبرى هي الوحيدة الحاضرة في هذا القياس الشرطي، فيما المقدمة الصغرى والنتيجة غائبتان، لكن الكبرى تدل عليها على النحو الآتي:
- المقدمة الصغرى: لكنك هويت جاريتي وتخيرت.
- النتيجة: أنت غير منصف في الهوى.
• الاستعارة: تتفشى الاستعارة في هذا النص، لاسيما في البيتين الثاني والثالث، ومعلوم أن الاستعارة هي سيدة الكلام كما يقول أرسطو، وهي العنصر الذي يخلق الشعر ويصل به إلى مراق عالية.
في البيت الأول: حضرت الاستعارة في عبارة "تركت غصنا – جنحت للغصن" حيث جاءت الاستعارة تصريحية، لأنه صرح فيها بلفظ المشبه به/المستعار منه (الغصن)، كما أنها أصلية لأن المستعار منه غير مشتق، فضلا عن انها مرشحة لأنها أتت بما يلائم المستعار منه. هذا فضلا عن استعمال عبارة "جنحت" التي تمثل استيحاء لصورة طبيعية وإسنادها للذات الإنسانية، وهذا ليس بغريب على شاعرة نشأت في جنة الدنيا (الأندلس) التي انمازت بنظرة طبيعتها الخلابة.
البيت الثاني: وفيه استعارتان: (علمت بأنني بدر السما – ولعت لشقوتي بالمشتري). وجاءت هاتان الاستعارتان على سبيل التصريحية المطلقة. والواضح من خلال ما سبق أن الإتيان بالاستعارة التصريحية فحسب في هذه المقطوعة يدل دلالة واضحة على أن الشاعرة لا تهدف إلى الإغماض الذي تعبر عنه الاستعارة المكينة، بل هي تعيش مشكلا تروم التعبير عنه بكل وضوح، دون أن تقع في مطب الأسلوب التقريري المباشر.
• التكرار: يأتي في البيت الثاني التكرار لإضفاء لمسة جمالية مونقة على المقطوعة. وهو تكرار بناء كما يصطلح عليه أبو القاسم السجلماسي معرفا إياه قائلا: « ولا غرو، والبناء بلاغة بديعة وسبيل من البيان عجيبة، تدل على قوة منه المتكلم في العبارة عن معانيه وتحفظه فيها بما يخل في القول بمبانيه »(6)
والتكرار الواضح في كلمة "الغصن" لم يأت تكرارا فجا من دون غاية أسلوبية محددة؛ بل إن الكلمة الأولى أتت في معرض إيجابي؛ وهو معرض الحسن والجمال. أما الثانية فجاءت في معرض سلبي وهو معرض القبح وعدم "الإثمار بالجمال". كما لو أن الشاعرة تروم القول لمخاطبها؛ صحيح أننا نشبه الغصن، غير أنه شتان ما بين غصنين أحدهما غض طري مثمر ومعطاء والآخر يابس ولا حياة فيه(7).

1-2     النص الثاني:
1-2-1   البنية الخارجية:

يمكننا ملاحظة البنية الخارجية للنص الثاني من خلال العناصر الآتية:
• يتكون النص من خمسة أبيات؛ أي أن النص ينتمي إلى المقطوعة – متوسطة الحجم – التي حددها العروضيون بين ثلاثة أبيات إلى ستة.
• تنتظم هذه المقطوعة في إطار بحر الطويل الذي أتت تفعيلاته على الشكل الآتي:
فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن      *       فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن
حيث إن العروض والضرب لحقهما قبض(8)، وهو الصورة التي يأتي عليها بحر الطويل في الغالب الأعم.
وينسجم نفس هذا البحر مع الموضوعات التي تحتاج إلى مزيد من التعبير وطول النفس؛ كالتعبير عن لواعج الحب وتباريحه كما هو الحال في هذه المقطوعة.
أما القافية فهي مطلقة تولد عنها خروج(9) أحيانا، أي إشباع الحركة بالمد، للدلالة على امتداد الحزن الذي يسببه الفراق والهجر في أنساغ الجسم بكاملها، وحسب المحب ألم الفراق والهجر وألم التلاقي والوصال، وفي ذلك يقول أبو  القاسم:
أغالب فيك الشوق والشوق أغلب             وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب
أما حرف الروي فقد بني على حرف "القاف" الذي يعد حرفا مهموسا شديدا يتناغم مع الهمس الذي يكون بين المحبين للتعبير عن شدة الولع والهيام.
كما جاء الروي مكسورا تماشيا مع نفسية ولادة المكسورة والمحطمة بفعل هجر ابن زيدون لها واشتياقها لملاقاته.

1-2-2   البنية المضمونية (بنية الانكسار والمكابرة والتطلع):
تشكو الشاعرة في هذا النص ألم انفصالها عن محبوبها وانفراط عقد المودة بينهما، وتتمنى وصاله لها ليشكو كل واحد منهما ما يعتوره من صبابة ويعتمل قلبه من عشق ومودة.
لكن الملاحظ على هذا النص هو بنية التغاير والمفارقة التي يحملها بين طواياه، فكما هو معلوم أن الرجل هو الذي يبكي الهجر ويتألم من الفراق طالبا الوصال وعودة المودة، لا يحلو له أكل وشرب؛ بل يصل به الحد إلى الجنون وتعذيب نفسه وحسبك من هؤلاء الشعراء العذريون أمثال (جميل، كثير، قيس...) في حين نجد في هذا النص أن ولادة قتلت بداخلها ذلك الغنج والتدلل والشكل الذي تعتمده المرأة لإغواء الرجل وجعله يعلق بأهدابها علوق القرط في الأذن وعلوق السيف بغمده إبان السلم.

1-2-3   البنية الأسلوبية :
• الاستفهام: وظفت الشاعرة أسلوب الاستفهام الذي يأتي في أصله لطلب العلم بشيء لم يكن من قبل معلوما.
لكن الاستفهام هنا جاء على خلاف مقتضى الظاهر ليلبي أبعادا تداولية تفهم من سياق الكلام(10).
ألا هـــــل لنا بعد هــــذا التفرق              سبيل فيشكو كل صبّ بما لقي
حيث إن الاستفهام بحرف "هل" الذي أتى هنا ليفيد التمني والرجاء؛ أي رجاء حصول اللقيا من جديد، فالتمني يتوسل به « لإبراز المتمنى – لكمال العناية به – في صورة الممكن »
وقد عمق هذه الدلالة حرف التحضيض والاستفتاح "ألاّ".
فكيف وقد أمسيت في حال قطعة              لقد عجل المقدور ما كنت أتقي
• الصورة: يلعب التصوير الفني في هذه المقطوعة دورا بارزا في إكساب النص شعرية خاصة، ويمكننا ملاحظة هذا المر انطلاقا من مكونين:
الاستعارة: وينقسم إلى استعارة مكنية وأخرى تصريحية.
- الاستعارة المكنية: وتظهر في "رق التشوق".
- الاستعارة التصريحية: وتظهر في "تمر الليالي".
 الكناية: وتظهر في "أبيت على جمر من التشوق" التي جاءت كناية عن ألم الانتظار.

على سبيل الختم (عودا على بدء):
يستشف من هذه المقطوعات لشاعرتنا الأميرة ولادة بنت المستكفي، أنها تتمتع بشعرية مرهفة وسلاسة في التعبير وتسلسل وتدرج منطقيين حسب ما يقتضيه أسلوب السجال والحجاج من اتباع مراحل منهجية تنطلق من تقرير للحال وذكر مسبباته. هذا فضلا عن جمالية التضمين في شعرها والابتعاد عن التقريرية المباشرة في الكلام، فالشعر كما قال البلاغيون لمح تكفي إشارته، ومن أخص دقائقه ومميزاته هو غموضه المراوغ الذي يحجب المعنى عن القارئ السطحي ويسلمه في خضوع للقارئ الحصيف. لكن يظل التصوير البلاغي العميق الميسم الذي وسم شعر ولادة وجعله متدفقا عذبا زلالا يفتح الأفق أمام الم
تلقي. وهذا راجع للبيئة التي عاشت فيها والتجارب التي مرت بها، وغزارة معارفها.
وكل هذه المؤشرات إن دلت فإنما تدل على أن الشعر النسوي – أيضا – له خصائصه ومميزاته التي أكاد أقول دون مبالغة، تفوق شعر شعراء أنجاد؛ فهو يجمع بين نغمة الإيقاع وجرس الأحرف، ورحابة التصوير الفني وعذوبة اللغة ثم مسحة الإحساس النسوي المرهف الذي يوالف بين كل هذه المقومات ليخرج لنا دررا متناثرة من أفواه نساء وضعن بصماتهن على جدار الفن والأدب.
لذلك وانطلاقا من هذا البحث المتواضع يجب على النقد أن يعيد النظر في نفسه ويعيد الاعتبار لهؤلاء الشواعر العالمات اللائي حفل بهن التراث العربي والأندلسي على وجه الخصوص بعيدا عن أي تعصب.
------------
الهوامش:
(1) المقري: نفح الطيب، ج/5، ص 336، 337.
(2) نفسه، ص 338.
(3) الإضمار عند العروضيين هو تسكين الثاني المتحرك.
(4) حازم القرطاجني: منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تح: محمد الحبيب بن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 3، 1986، ص 268 .
(5) ابن حجة الحموي: خزانة الأدب وغاية الأرب، شرح: عصام شعيتو، دار الهلال، بيروت، ط 1، 1986، ج 1 / ص 365 .
(6) أبو القاسم السجلماسي: المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع، تق و تح: علال الغازي، مكتبة المعارف، الرباط، ط 1، 1980، ص 478.
(7) في البيت تناص وغحالة على المثل العربي الشهير "أحشفا وسوء كيلة".
(8) القبض عند العروضيين هو حذف الخامس الساكن. وإذا أتى كل من العروض والضرب مقبوضتين كما هو الحال في النص، فإنهم يسمونه تقفية.
(9) الخروج هو مد يلحق القافية، ذلك أن حرف القافية إذا كان مكسورا تلحقه الياء، وإذا كان مفتوحا تلحقه الألف، أما إذا كان مضموما فتلحقه الواو.
(10) إن أي أسلوب من الأساليب الإنشائية (النهي، الاستفهام، الأمر،...) فإنه إنما يدل على معناه أو يدل على معان أخرى تستفاد من سياق التخاطب، وبذلك يطلق عليه اسم الاستلزام الحواري بلغة أهل الخطاب المحدثين.

--------------------

هشام الدركاوي : باحث في مناهج النقد وتحليل الخطاب

المملكة المغربية

 

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: