لغتنا العربية كي لا تضيع

جاءنا من الّلواء الركن المتقاعد الدكتور ياسين سويد ما يأتي، تعقيباً على مقالة الزميل عقل العويط في "الملحق"، العدد 956. "حسناً فعل الأستاذ عقل العويط، عندما استعاد مشكلة، في المجتمع اللبناني، إثارتها، منذ نحو أسبوعين، نخبة من المثقفين، في تظاهرة فريدة من نوعها، وكان عنوانها "اللغة العربية"، وقد حرص الأستاذ العويط على استعادتها، بأسلوبه الرصين المعتاد، لكي يقول للبنانيين جميعاً: انتبهوا، فلغتكم العربية في خطر، وهو ما حفزني لكي أشاركه في التنبه لهذا الخطر الداهم، ذلك أن "تظاهرة اللغة العربية" التي جرت في شارع الحمراء لم تجد لها صدى، حتى في صفوف المثقفين في لبنان، إلى أن التقطها الأستاذ العويط، وأظن أن حواراً مفيداً سوف ينجم عن مبادرته هذه .
والذي دفعني إلى خوض غمار هذه المسألة، إلى جانب الأستاذ العويط، هو أنني، أنا ابن العائلة الجنوبية التي أتقن أفرادها اللغة العربية، اتقاناً جيداً، بل امتازوا بها، أجد نفسي مخطئاً، إلى درجة لا أستطيع احتمالها، عندما أفكر أنني قصّرت، بل عجزت، عن أن اعلّم أولادي وأحفادي، لغتنا الأم، فأنا أب لخمسة أولاد، وجدّ لعشرة أحفاد، أكاد أقول إنهم يكادون يجهلون اللغة العربية جهلاً تاماً، والذي يزيدني أسى وألما، أنهم لا يهتمون بما لديّ من مؤلفات بالعربية، تفوق الأربعين مؤلفاً، وهو أمر مؤلم إلى درجة الضنك والعذاب، والذي أثار اهتمامي، بل زاد من عذابي، أنني كنت، ذات يوم، إلى طاولة الغداء، مع أحفادي (تسع حفيدات إحداهن في الجامعة، وحفيد)، وبدأت أنصت إلى حوارهم الطويل، في ما بينهم، باللغتين الفرنسية والانكليزية من دون أن ينطقوا، ولو بكلمة واحدة، بالعربية، إلى درجة أنني كدت احترق خجلاً من نفسي، ومن تقصيري الآثم في حقهم.
وإن كنت أجد، لنفسي، عذراً في أن أهمل تعليم أولادي العربية، بنفسي، وذلك بسبب الحرب الأهلية الآثمة التي عشناها طوال خمسة عشر عاماً (1975 – 1990)، حيث كان الأولاد يكبرون ونحن منهمكون بأن نوفر لهم أسباب النجاة قبل التعلم، فإنني لا أجد العذر، نفسه، لي، ولا لأولادي، أن يتركوا الأحفاد يكبرون وهم يجهلون لغتهم الأم.
إلا أن المشكلة ليست فيَّ، ولا في أولادي، وحدهم، وإنما هي في نظام التعليم، في هذا البلد، فهو قد أعطى الحرية للمدارس لكي تهتم باللغة التي تريد، ولا تحاسب على إهمالها لأية لغة، فالمدارس الأجنبية، أو ذات الطابع الأجنبي (الفرنسية والانكليزية) تعنى بلغاتها على حساب اللغة العربية، والمدارس الوطنية (وخصوصا الإسلامية منها) تعنى باللغة العربية على حساب اللغة الأجنبية، ولأجل هذا، ترانا، جميعاً نتسابق لتعليم أبنائنا في المدارس الأجنبية، لكي يتعلموا الفرنسية أو الانكليزية، من دون أن نلتفت إلى عدم اهتمام هذه المدارس باللغة الوطنية (أي العربية)، فنقع في الشرك الذي نصبناه لأنفسنا، ولأولادنا وأحفادنا، فنندم، ولات ساعة مندم.
لقد تعلمت، وإخوتي، اللغة العربية، على يدي والدي الذي كان يتقن العربية، ثم في المدارس التي تهتم بالعربية أكثر من اهتمامها باللغات الأجنبية، ومع ذلك، فقد استطعنا الإلمام بنصيب كافٍ من الفرنسية، وها هم أبناؤنا وأحفادنا يجيدون الفرنسية والانكليزية، ويجهلون لغة آبائهم وأجدادهم، لأننا آثرنا أن نعلّمهم في مدارس تهتم باللغات الأجنبية على حساب اللغة العربية.
والآن، ما العمل لكي نخلص إلى حل نستطيع، من خلاله، أن ننشئ، في لبنان، أجيالا تتقن اللغة الأم أولا، والى جانبها إحدى اللغات الأجنبية، أو اللغتين معاً، الفرنسية والانكليزية، وفي اعتقادي:
1- إن الدولة هي المخطئة أولاً وأخيراً، إذ أنها المسؤولة عن تنشئة الأجيال في الوطن كله، وبمختلف طوائفه، ومسؤوليتها هذه تحتم عليها أن تفرض على المدارس جميعها، في لبنان، رسمية أكانت، أم خاصة (إلى أية طائفة انتمت)، وكذلك أجنبية (فرنسية أو انكليزية أو غيرهما) المناهج التي تحقق للأجيال اللبنانية، تعلّم اللغات بالمستوى نفسه، عربية أكانت أم أجنبية، ولا يكفي أن تسنّ الدولة قوانين في هذا الشأن، فإن أي قانون، إن لم ترع الدولة أمر تنفيذه، هو بلا جدوى، ولذا فعليها أن تفرض إرادتها على المدارس، كل المدارس، لتنفيذ قوانين التعليم هذه، وذلك تحت طائلة العقوبات الشديدة، وإن أدى الأمر إلى إقفال أية مدرسة تهمل التقيد بهذه القوانين.
2- ثم إن إصدار القانون هو تدبير غير كاف لإصلاح الحال، ذلك أن تطبيق القانون والتقيد به هو الأهم. على هذا، فإن على الدولة أن تنشئ جهازاً تفتيشياً صارماً لتنفيذ القوانين التعليمية التي تصدرها، بحيث تكره المدرسة، كل مدرسة، على تطبيقها، تحت طائلة العقوبات التي يمكن أن تؤدي إلى إقفال المدرسة المخالفة، مهما تكن جنسيتها. . 3- يجب أن تصحب هذه التدابير تدابير أخرى تتعلق بالإعلام المرئي والمسموع والمكتوب (وخصوصاً المرئي والمسموع) حيث تُنحر اللغة العربية، في النشرات الإخبارية خصوصاً، في التلفزيون والإذاعة، وهو ما يجعل الأطفال يلتقطون التعابير الخاطئة والمغلوطة، ويحفظونها بما فيها من أخطاء وأغلاط.
4- في انتظار أن تتحرك الدولة للقيام بواجباتها تجاه هذا الشأن المهم، هذا إن تحركت، على الأهل أن لا يتخلوا عن واجباتهم في تعليم أولادهم اللغة العربية تعويضاً لهم عما يلاقونه، في مدارسهم، من نقص وإهمال للغة الأم، بحيث تنال هذه اللغة، في النتيجة، الاهتمام اللائق بها، لكي تكون في المستوى الواجب والمطلوب، كلغة وطنية، للأجيال القادمة. 5-إن تعمد الدولة إلى حظر الإعلان عن أسماء المحال والمعارض التجارية وما شابه، باللغة الأجنبية، إلا إذا كانت مرفقة باللغة العربية، وذلك تحت طائلة العقوبات التي تصل إلى حد الإقفال.
6 -أن يتم تشكيل لجان رسمية لمتابعة التحقق من تنفيذ هذه التعليمات وتحديد العقوبات والغرامات التي تناسب المخالفات الناتجة من عدم التقيد بها . هذه بعض الأفكار التي راودتني عندما قرأت الأستاذ العويط في مقالته بعنوان "انتبهوا" في عدد "ملحق النهار" ما قبل المنصرم، وإنني، إذ اشكره لإحيائه الفكرة التي بدأتها "تظاهرة شارع الحمراء لإحياء اللغة العربية"، أدعو المثقفين اللبنانيين إلى الانضمام إلى حركة "انتبهوا"، ولنبدأ، جميعاً، حملة صارمة وجادة، ترغم الدولة (نعم: الدولة)، على التجاوب مع نداءاتنا، رحمة بالأجيال اللبنانية القادمة، بل رحمة بلبنان نفسه".

جريدة النهار الأربعاء 21 تموز 2010 - السنة 77 - العدد 24109
----------------
المصدر : مؤسسة الفكر العربي:
http://www.arabthought.org/index.php?option=com_content&task=blogcategor...

شارك: