حوار مع د.سعيد بن محمّد القرنيّ - كلية اللغة العربية بجامعة أم القرى

مجلّة الإسلام اليوم ( الرّياض )
س1/ كيف هي مكانة اللغة العربية في الإسلام؟! وهل الحديث عن اللغة العربية يُعد نوعًا من أنواع التعصب لها؟ أم أن لها مكانة عظيمة أعلى من غيرها من اللغات الأخرى؟!
ج1 : اللسان العربيّ لا اللغة العربيّة ؛ فكلمة "لغة" يونانيّة المنشأ ؛ فأصلها " Ologus " ؛ أي : كلمة أو وحْي ، والوحي لديهم ذو ظلالٍ أسطوريّةٍ .

أمّا مكانة اللغة العربيّة في الإسلام فهي لسانه النّاطق بمعانيه وأفكاره وأصوله وشرائعه وأخلاقه ؛ فالله غايرَ بين الأديان وفاضلَ كما غايرَ بين ألسنتها . فالله كتبَ الخلود لشريعته الخاتمة شريعة الإسلام وجعلها ديناً مستديماً للنّاس جميعاً لا يدين الله أحدٌ إلاّ به ، واختار الله له العربيّة لساناً ، فهي وعاؤه ودالّته . ولقدْر هذا اللسان من الشّريعة والإنسان استُرضِع رسولُه ( صلّى الله عليه وسلّم ! ) في بني سعدٍ ؛ لبناء لسانه وإنسانه ، حتّى إذا تنزّل الدّين بهذا اللسان أحاط بحدوده ومادّته لفظاً ومعنًى .
وقد أدرك سلف هذه الأمّة هذه المعاني ؛ فكان تعلّمُ العربيّة فرضاً من فروض هذا الدّين لا يُدرَك إلاّ به ، فهي منه بمنزلة الرّوح من الجسد . ومنهم غيرُ العرب ، ولنا في كون سيبويه صاحب علوم الآلة وأوّل كتابٍ في العربيّة هو الكتاب ، وأصحاب الصّحيح ، وابن جنّي الرّوميّ ، وغيرهم ـ عبرةٌ وعظةٌ ، وقد كانوا بُناةَ علوم العربيّة حين دخل النّاس في دين الله أفواجاً واختلطت الألسنة ، وخِيف على هذه اللغة الضّياع .
ومن زعمَ أنّ الألسنةَ سواءٌ من حيثُ الفضلُ والتّفاضل فقد جهِلَ ناموسَ في الخلْق للألسنة والنّاس على السّواء ؛ فالله فاضل بين الرّسل ، وبين النّاس ، والأمكنة ، والأزمنة ، وسائر خلْقه ، ولذلك خلقهم .
والعربيّة فاضلةٌ لا مفضولةٌ متوفّرةٌ على أسباب الخلود في ذاتها ، وفي غيرها ؛ فمن حيثُ ذاتُها تمتاز من غيرها صوتاً وصرفاً ونحواً ودلالةً ؛ فعلى المستوى الصّوتيّ هي لغةٌ ثلاثيّة المخارج والمدارج ( Triple Language ) ؛ فأصواتها تخرجُ من فضاء الحلْق أو تجويفه ( Thoaracic cavity ) ، ومن فضاء الفم وحدوده ( Oral cavity ) ، ومن فضاء الأنف وخياشيمه ( Nasal cavity ) . في حين أنّ الإنجليزيّة مثلاً أحاديّة المخرج فمويّة . استبدلنا الّذي هو أدنى بالّذي هو خيرٌ ، ونسينا مقالة عمر ـ رضي الله عنه ! ـ : " إيّاكم ورطانة العجم " .
وعلى المستوى الصّرفيّ توفّرت العربيّة على السّوابق واللواحق والحشو ؛ فجمعت الشّرف بأبعاده الثّلاثة ، ونحن نعلم أنّ الرّؤية بأبعادها الثّلاثة تفضل الرّؤية الأحاديّة في التّكوين الأوّليّ ، أو الثّنائيّة في التّكوين المستوي .
وعلى المستويين النّحويّ والدّلاليّ توفّرت العربيّة على ثراءٍ في مواضع الكلم وتأثير بعضها في بعضٍ  
وثراءٍ في الدّلالات الإفراديّة والتّركيبيّة ، ولسنا هنا بسبيل سردها واستقصائها ، فهي أشهر من أن تُذكَر ، والعالِمون بالألسنة بحقٍّ يعرفون للعربيّة قدرَها ، وسرّ اجتبائها لكتابه ورسالته الأخيرة الآخِرة .
س2/ على من يقع الدور الأكبر في المحافظة على اللغة العربية؟
ج2 : على الحكومات العربيّة الإسلاميّة والعلماء ؛ فالله يَزَعُ ؛ أي : يمنع ، بالسّلطان ما لا يزع بالقرآن . ومؤتمرات التّعريب والتّرجمة في الجملة في ما مضى من مؤتمراتٍ وندواتٍ ومناشط مختلفةٍ تُجمِع على دور الإرادة السّياسيّة في سيادة اللغة أو تنحّيها في مجالات استخدامها المختلفة في الحياة . وتتدرّج المسئوليّات تنازليّاً بعد ذلك ؛ كلّ بحسب وُسْعه وطَوْقه .
س3/ هل استخدام اللغة العربية .. هي كاللغة تخاطب فقط .. أم يوجد ما هو ابعد من ذلك؟

ج3 : الحكمُ عن ذلك فرعٌ عن تصوّر اللسان من الإنسان ؛ فاللسان في حقيقته كاشفٌ عن طبيعة الإنسان في كلٍّ أمرٍ من أموره ، وليس أصواتاً مفردةً أو مركّبةً فحسبُ . ومن أجراه كذلك فقد فصل بين الوسائل والغايات ، وليس ذلك بسبيل المحسنين الصّادقين المهتدين . فاللسان هو فكرُ الإنسان ومشاعره وحسّه وطبْعه ، وهو كاشف ذلك كلّه ودليله الرّئيس .
س4/ اللغة العربية من أهم أدوات التواصل الفكري والثقافي بين عناصر المجتمع المختلفة, كما أنها إحدى أهم وسائل الأمن القومي. كيف تلعب اللغة العربية دورًا في توحيد الأمة؟!
ج4 : التّسليم بما سبق يفضي إلى الجواب ؛ فهي مقدّماتٌ تفضي إلى نتائج . ولو قلّبنا النّظر واستقرأنا التّاريخ على الوجه استقراء تدبّرٍ وتفكّرٍ لوجدْنا أنّ اللغة أو اللسان ركيزةٌ من ركائز الوصْل بين النّاس ، وانتشارها أمرٌ سياديٌّ دالٌّ على سيادة أصحابها ؛ إذا اقترنَ ذلك بوَحْدة الفكر في المسلّمات وتغايرها في غير تضادٍّ في ما سواها . فلو وإذا أردت الحكمَ على على أمّةٍ فتأمّل لغتها دالاًّ ومدلولاً ! .
الأمّة الإسلاميّة في عصور سيادتها اللسان العربيّ لسانها إعلاماً وتعليماً ، وثقافةً واقتصاداً واجتماعاً وسياسةً وفنّاً . وإذا أدركتَ سنّة التّداول في الحياة علمتَ أنّ انتشار الإنجليزيّة اليوم في النّاس دالٌّ على سيادة أهلها أصلاً وفرعاً ، وما حرصُ أهلها على نشْرها في النّاس طلباً للسّيادة والكسْب إلاّ دليلٌ على دورها السّياديّ في نشر الفكر والثّقافة الطّارفة والتّليدة .
ومن فضل الله على العربيّة أنّه حافظٌ لها بحفظ كتابه ، وحفظ هذا الدّين ؛ فمقوّمات بقائها علويّةٌ لا سُفليّةٌ ، وإذا رغب عنها أهلها رغب فيها غيرهم . ومن عجبٍ أن نجد المسلمين غير العرب أشدّ حرصاً على تعلّمها وتعليمها ونشرها من أبنائها العرب ، ويبين ذلك لك لأوّل وهلةٍ إذا سرتَ في الأرض شرقاً أو غرباً وجُزتَ حدود أهلهل الجغرافيّة السّياسيّة .
س5/ إن كثيرين يزعجهم التخاطب باللغة العربية, وبعض الناس يستشعر شيئًا من التكبر والتعالي من المخاطِب له بهذه الطريقة, ويتهمه بأن عنده شيئًا من الإعجاب بذاته أو الترفع عن الآخرين؟
ج5 : رعاية حال المخاطَب من الخطاب من أهمّ مقاصد بلاغتها ؛ فإذا كان المخاطَب ممّن لا يُحسنها ، أو لا يتّخذها سبيلاً للوصْل والتّواصل فليس لك أن تحدّثه بما يكره ، بل سبيل الإحسان به أو إليه أن تبصّره بمحاسنها ، وفضل الحديث بها . والجواب هنا موقوفٌ على الغرض أو القصْد بالحديث . وأما وسْم المتحدّث بها بالرّفعة أو الضّعة فقد يكون مردّه لقرائن غير لغويّة.
س6/ هل بإمكان اللغة العربية أن تسهم في تقوية الأمة؟!و كيف؟
ج6 : سبق بيانه ؛ وأمّا إجراء ذلك فموقوفٌ على النّيّة والقصْد ، والتّوافق في الفكر والحركة ، والإيمان بمنزلة اللسان من الإنسان .
س7/ تواجه اللغة العربية عقبات كثيرة في سبيل ترسيخها في أذهان أبنائها, فبصفتكما متخصصيْن في تدريس اللغة العربية,ما هو واقع اللغة العربية بين طلابها, لاسيما المتخصصين فيها؟!!
ج7 : النّاس منصرفون عن تعلّمها في الجملة ؛ لقيمٍ نفعيّةٍ سائدةٍ مقرونةٍ بسوق العمل الّذي يُجلّ دارس غيرها ويوسّع عليه رزقه ، ويُذلّ دارسها ويقدُر عليه رزقه ، وما أكثر النّاس ولو حرصْت بمؤمنين .
وكم دارسٍ للعربيّة ومدرّسٍ وعالمٍ بها ومعلّمٍ ؛ هي منه براءٌ . فلو قلّبتَ النّظر في حال طلاّبها ومطلوبيها في مؤسّسات العالم العربيّ التّعليميّة النّظاميّة والأهليّة لوجدْت أنّ كثيراً منهم أُلجِئ إليها إلجاءً في الطّلب ، ولم يأتها مؤمناً بفضلها ، طالباً لثواب تعلّمها في الدّين والدّنيا معاً .
س8/ ماذا عن تجربتك كمعلم للغة العربية في الجامعة؟!
ج8 : تجربتنا في جامعة أمّ القرى مهد اللسان العربيّ مشبهةٌ ما حولها من جامعاتٍ قريبةٍ أو غريبةٍ ؛ في تواضع مستويات طلاّب الجامعة بإجمالٍ في تحصيل مسائلها وموضوعاتها ، فالمتغيّرات الثّقافيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة ذات أثرٍ بعيدٍ في الإقبال على تعلّمها وتعليمها . على أنّ منهم وفيهم من تسنّم وبلغ الغاية النّسبيّة في الفضل .
ولو بإحصاءٍ نسبيٍّ لإقبال طلاّبنا على تعلّمها وتعليمها لوجد النّسبة في تضاؤلٍ ، ولئن لم نولّها ونولِها همّاً وهمّةً ؛ بتحديث وسائل نشرها وتعليمها وتعلّمها ، ليكوننّ الأمرُ في سُفولٍ . وليس ذلك بقصْرٍ على المرحلة الجامعيّة الدّنيا ، بل بالغٌ الدّراسات العُلَى إجازةً وعالِميّةً .  
س9/ حدثنا عن الموقف الذي حصل لكم في المؤتمر الذي عقد في الرياض ؟
ج9 : يسوءني أن نشخّص أدواءنا في التّعليم والإعلام بلسانٍ غير لساننا ؛ ومن ذلك ما رأيتُ في ندوة الاعتماد الأكاديميّ ( Academic Accreditation ) الثّانية الّتي كانتْ في قاعة الملك فيصل ( رحمه الله ! ) للمؤتمرات ، وقد كنتُ بمعيّة وفدٍ من الجامعة في تلك النّدوة ، وقد بقينا من الثّامنة صباحاً إلى الرّابعة عصراً نصِفُ حال التّعليم لدينا إدارةً وتنظيماً وتحديثاً بأثرٍ من أوراق عملٍ بلسانٍ إنجليزيٍّ غير مبينٍ ، ويتسابق المنتدون ذكراناً وإناثاً من أساتذة جامعاتنا ومؤسّساتنا العلميّة على الحديث بها وفق السّمات الأصليّة لها بإكبارٍ وإعزازٍ يُنبي عن غيبة الحسّ بواقع الطّلب ومأموله ، والرّغبة في التّبعيّة حسّاً وفكراً لبيئتها . ورجوتُ بعضهم في ورش العمل البَعديّة أن يثوبوا إلى لسانهم ، ويأطروا أرباب تلك الأوراق على التّرجمة ، أو الحديث بوسيطٍ آليٍّ ، لا لعجْزٍ عن الحديث بها ، بل إعلانٍ عن صدْقٍ في الانتماء للساننا ، وإظهارٍ لمهابته .
س10/ هل كان الاحتلال أو كما يحلو للبعض أن يسميه "الاستعمار", هل كان يقف وراء ذلك المستوى المتدني للغة العربية التي نعيشه الآن في حياتنا؟!
ج10 : نعم ، وهذا ناموسٌ ألفناه في ما غبر من أزمنةٍ فضلاً عن زماننا هذا . وأذنْ لي بتسميته استحماراً لا استعماراً ، فما من أمّةٍ ذات عمْقٍ تاريخيٍّ وثقافةٍ متجذّرةٍ تركَن إلى ذلك أو تُسلّم له . بل تستعين على تكييف ما يستجدّ من نتاجٍ للإنسانٍ مادّيٍّ وغير مادّيّ وإخضاعه للسانه . وقد فعل ذلك غيرنا من الأمم شرقاً وغرباً ؛ فما اليابان وغيرها من دول الشّرق ودول الاتّحاد الأوروبّيّ عنّا ببعيدٍ ؛ فقد أقرّ ذلك الاتّحاد كلاًّ على لسانه من غير حيْفٍ أو زيفٍ ؛ لبصَرهم بقدر اللسان من الإنسان ، ووضعوا لصوغ الحضارة ونشرها مع عدم اخترام الألسنة ومراعاة المتغيّر اللغويّ آليّاتٍ ؛ كمراكز التّرجمة الآليّة وبنوك المصطلحات اللغويّة ، وغيرها ؛ فأكسبهم ذلك ثراءً وإثراءً ، وظهر أمرهم في النّاس .
ومن أراد أن يسود فلن يسود إلاّ باتّباع سنن الله في التّسويد ولن تجد لها تبديلاً ، واستقراء تجارب من ساد عن بصرٍ وبصيرةٍ .
أمّا اللغة فلم يتدنّ مستواها بل تدنّى مستوى اللاغين بها أو المتحدّثين والمستعملين .
س11/ هل ترى ان برامج الابتعاث الحالية و الكثيرة على مستوى الوطن العربي ستؤثر على اللغة العربية؟
ج11 : نعم ؛ فقضايا الصّراع اللغويّ وقيم الإحلال والإبدال في تعلّم اللغات ناموسٌ لا يتخلّف ولا يخضع لأهوائنا ، وإذا لم نعتنِ بنوْع التّعليم في الابتعاث وكمّه بين الدّارسين فقد يقضَى الأمر على غير ما نرتضي .
س12/كيف السبيل إذن للنهوض بهذه اللغة من كبوتها والمحافظة عليها؟!!
ج12 : في ما تقدّم غناءٌ وكفاءٌ . وأمّا سبُلُ التّرقّي باللسان والإنسان على السّواء فموقوفٌ على عامليْن اثنين على ما قرّره علماء الحضارة اليوم :
أوّلهما : عامل الوعْي بالذّات ( Awareness Identify Factor ) : فقد ساوى الله بين خلْقه في أصْل الخلْق ، ونحن جميعاً غربيّنا وشرقيّنا متكافئون ، وليس لأحدٍ على أحدٍ مزيّةٌ في ذلك ، بل التّفاضل في استعمال ذلك الخلْق وتوظيفه وفق سنن الله في التّرقّي .
وثانيهما : عامل الوعْي بحركة التّاريخ ( Belonging Identify Factor ) : فالإنسان السّويّ هو من ينسُبُ نفسَه إلى أمّته في غير إغفالٍ لعامل النّشأة التّاريخيّ ، إذا استقام له أمرها ، وصحّ له منهجها .
ومن طريف ما وقفتُ عليه حديثُ وزير التّعليم الأردنيّ للسّفير الكوريّ الجنوبيّ في عمّان ؛ إذ سأله عن تدريسهم العلوم بإجمالٍ الطّبّيّة والهندسيّة وغيرهما باللغة الإنجليزيّة ، فلم يردّ عليه ، فسأله ثانيةً فأجاب عنه بقوله : وهل هناك أمّةٌ تقيم لذاتها وزناً تفعلُ ذلك ؟!!! .
اللغة العربيّة لم تكبُ بل كبا أهلُها ، وإذا أرادوا التّرقّي بحقٍّ فلن يكون ذلك بحقٍّ إلاّ بها وبما جاءتٍ به من قيمٍ شموليّةٍ حضاريّةٍ . وأدواؤنا في ذواتنا ، لا في لسانٍ لا تصحّ نسبتنا إليه عند التّحقيق ؛ فمنّا قاصرٌ ومنّا متقاصِرٌ .
----------------------
المجيب : د.سعيد بن محمّد القرنيّ
عضو هيئة التّدريس بجامعة أمّ القرى بمكّة المكرّمة
عضو الجمعية العلمية السعودية للغة العربية ـ الرّياض
عضو لجان التّعريب بمكتب تنسيق التّعريب بالرّباط
المراجع اللغويّ لمعجم علم الوراثة الصّادر عن مؤتمر التّعريب العاشر بدمشق 2002 م
عضو المراجعة العلميّة للمعجم
للمراسلة الورقيّة : مكّة المكرّمة ـ العوالي ـ الرّمز البريديّ : ( 21955) ، ص.ب : ( 13732)
وللمراسلة الشّبكيّة :
qsmaf@yahoo.com
qsmaf@hotmail.com

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: