هل "انقرض" العرب ثقافياً من أجل أن يولدوا من جديد؟

هل صحيح أنّ العرب انقرضوا ثقافيا (مثلما قال أدونيس) أم أنه من الأصحّ القول إنّ السياسة ماتت من أجل أن  يولد العرب ثقافيا من جديد؟ فما مدى صحة مثل هذه الكلام؟ هل هو كلام سيحمله الريح أم كلام تُزكيه قواعد اللغة وعلوم الخطاب؟

بالمناسبة،في كل لغة، لا يقدرالمتعلّم أن ينتج كلاما سليما بواسطة الزاد اللغوي الذي في حوزته إلاّ في حال تمتّعَ هذا الزاد بالحد الأدنى من الاندماج؛ وهو انسجام العناصر المكوّنة له مع بعضها البعض: تراكيب وتعابير ودلالات، وكفاءة لغوية وأخرى تواصلية وغيرها من المكوّنات. وهذا الحد الأدنى، الولاديّ منه والمُكتسَب، يضاهي في قيمته وقياسه ومعياره ما يسميه علماء الأوبئة، عافانا وعافاكم الله، "نقطة التحوّل" (وهي ترجمة للعبارة الانكليزية "تِبِنج بُينْتْ"). وهي النقطة التي يبدأ منها  انطلاق ُحركةُ ما في الانتشار. وليس الشرط أن تكون الحركة وبائية لكي يصحّ مفهوم التحوّل من وضع السكون إلى وضع التحرّك. بل، بالرغم من كونها مستنبطة من دراسة نموّ الأوبئة، إلاّ أنّ  نقطة التحوّل هذه تنطبق عل كل ما هبّ ودبّ؛ على انتشار الموضة كما على انتشار الجريمة، وعلى تفشي الايدز كما على تطوّر ظاهرة البناء الفوضوي.

فاللغة إذن نعمة ولُو ثبت أنها تنمو وتنتشر مثل الوباء. ونحن العرب والمسلمون لا نرضى لأنفسنا بالوباء، إذن نأمل أن تساعدنا نعمة اللغة على رصد مدى "السكون" ومدى "الحركة" في  وصف حالة السياسة عندنا. ومن المفارقات أننا ربما سوف نكون مجبرين على التمنّي أن تشيع بذرة السياسة السليمة. وافتراضا منّا أنّ السياسة القديمة (الحالية) قد استوفت شروطها (منذ زمان)، لا بأس أن نحلم بعقل سياسي بديل، يكون باعثا على الأمل والحياة، بفضل أصالة خطابه و نجاعة وسائله وسرعة إنجازه، ولو كان شيوعه مثل شيوع الوباء.

ومن أجل هذا لا بُدّ أن نحدّد مَن الذي له صلوحيات الارتقاء بالأداء السياسي إلى ما هو أفضل. والأفضل، في قواميس اليوم، يكون نسبيا وعالميا في نفس الوقت. ومن أجل هذا لا بُدّ أن يكون المؤدّي الذي سيقع عليه الاختيار مُدركا للهدف: تمكين السياسة في الأقطار العربية والإسلامية من تقديم الأداء الأفضل إلى أن يحين وقت بلوغها  ونضجها فتبلغ "نقطة تحوّل" على الطريقة الوبائية، خاصة بها. مثلما يتمتّع الكلام الطيب والخطاب الجذاب والفعّال بـ"نقطة تحوّل" خاصة به.

كما أنه لا بُدّ للمؤدّي أن يكون مستوعبا للغاية: ابتغاء انتشار فاعليته العمل السياسي إلى حدّ التأثير في القرارات العالمية الكبرى. لكن هل أنّ التوفيق في توليد السيطرة على وسائل الأداء السياسي، ومنه تكريس القدرة على الممارسة السياسية الناجعة من مشمولات السياسة والسياسيين اليوم؟ أعتقد أنّه من الصعب أن نقول للمغنّي "غنّي". كما أننا نعتقد أنّ فاقد الشيء لا يعطيه.

إلاّ أننا قد نكون أدركنا بعدُ أنّ ما سيسمح للسياسة أن تولَد من جديد يشبه كثيرا  قوّة مثل قوّة اللغة، وهي التي تسمح للكلام وللخطاب أن يرتقي وينتشر. وبسبب نفوذ اللغة والسبق الذي تتمتّع به من حيثُ ثبوت نجاعتها في تحويل الحروف إلى كلمات، والكلمات إلى جمل، والجُمل إلى خطاب مفهوم ومتداول أو إلى كلام معروف ومتفاعل،سنترك للُغة مهمّة تحديد ملامح المؤدّي الذي سيسمح بتلميع  السياسة.

فلننظُر لحظة إلى حالة السياسة لدى العقل العربي والإسلامي اليوم. ولنفترض أنّ التعبير السياسي لا بدّ عليه أن يكون منبثقا من صلب شيء اسمه الثقافة، أو لا يكون. وفي هذا السياق من الأجدر أن نشير إلى تجربة العمل الثقافي في بلادي، لكي نفهم الانزلاق في الكلمات والمصطلحات والمعاني، الذي حصل والذي لا يجب أن يتكرّر مستقبلا. فلطالما نادت فئة من خيرة المثقفين في بلادي في الثمانينات من القرن المنقضي إلى ضرورة "العمل الثقافي"، إلاّ أنها لم تفلح إلى الحد المطلوب ("التربنج بوينت" أو نقطة التحوّل) في تبليغ هذه الرسالة النبيلة. فشلت في تبليغها كاملة للسلطة. و بقي الغرض الرئيس من فكرة "العمل الثقافي" وما لها من أبعاد مختلفة، غامضا. لا لشيء سوى لأنّ هذه الفئة من المثقفين الكرام لم يفهموا، هم أنفسهم من باب أولى وأحرى، ماذا كانوا يريدون إنجازه. لكنّ السلطة آنذاك فهمت من الرسالة ما أمكنها أن تفهم . فتبنّت من عندهم ما تيسّر من الأفكار المستنيرة وحققت بها بعض إصلاحا جريئا في مادة التربية الدينية بالمدارس (في التسعينات من القرن الماضي). وهو سبق عربي وإسلامي لا محالة في مجال الإصلاح. ساهم في "تجفيف" منابع ولكنه ساهم أيضا في سيلان عيونٍ ومنابع. إلاّ أنّ الفكرة لم تحض بالمتابعة الفلسفية والفكرية اللازمة.والسبب هو سوء التفاهم السابق ذكره.

ويحدث مثل ذلك النوع من سوء التفاهم في أيّ قطر عربي أو إسلامي. وهو راجع إلى بُطيء العقل السياسي عموما في مواكبة أنساق الثقافة، إن وجدت. كما أنه راجع إلى المخاطرة بتبجيل القرار السياسي على القرار الفكري والحال أنّ العقل السياسي عاجز، بطبعه، على تقديم نفسه أمام القرار الفكري،في كل الحالات. ويعود سوء التفاهم في آخر التحليل إلى غياب منظومة ثقافية حية تكون هي المقدمة للسياسة. وهذه المنظومة ليست "العمل الثقافي" نفسه، كما ذهب إليه بعض مثقفينا من المتدينين المستنيرين ("الإسلاميون التقدّميون" آنذاك) في تونس، وإنما نتاجه بالأساس.

إذن يكون العامل الأول المسئول عن ذلك الخلط في الأدوار أو بالأحرى القفز على بعضها هو ما كانت وما تزال السياسة بحاجة إليه:  الفكر القادر على توليد الثقافة الحية والفاعلة والمُحَيَّنة. فالفكر يأتي من عند المفكرين والمثقفين. ولكن الثقافة هي الممارسة الفعلية لتصريفات الفكر في الواقع اليومي للناس أجمعين. وهذا العوز حاصل لا محالة في مجتمع بلادي وفي سائر المجتمعات المماثلة له، دينا ولغة وتاريخا. ولمّا يكون العقلَ السياسي، من بين واجهات أخرى تابعة للثقافة، محروما من حقّ و واجب التزوّد من بحر الثقافة العميق فإنّه يقف عند مجرّد الغَرف مباشرة إمّا من وعاء الفكر الخام (الدين النصي والحَرفي)، ما يفرز التعصب الديني بألوانه، وإمّا من وعاء الفكر الراسب والمتكرّر. وقد حصل رسوب الفكر في السبعينات، حين استبدل العرب الحفر عن الأفكار بالحفر عن البترول و قايضوا الفكر بالرفاهة وبتكديس خيرات البترودولار، ما لم يسمح إلاّ بتكرير البلادة العقلية من صُلب مؤسسة التقليد.

إنّ "قرار" الفكر ليس بعدُ مقدمة لقرار السياسة، أي ليس بعدُ وقودا للثقافة الناجحة التي تكون قادرة على إفراز القرار السياسي الصائب. إذن يسهل التنبؤ بما استقرأََته رموز السياسة في بعض مجتمعاتنا من مقولة "العمل الثقافي": لمّا وقع تأويل النداء من أجل العمل لبعث ثقافة حية ومُحَينة وفاعلة على أنه العمل الثقافي نفسه، عمدت الهيئات السياسية المحلية في عدد من البلدان العربية إلى فتح باب الإبداع في المسرح والسينما والغناء والرقص وغيرها من الفنون. ونحن شاهدون اليوم على إبداعات حقيقية فوق مسارح قرطاج وجرش وبعلبك والاسكندرية وغيرها. وهذا شيء ممتاز، لكن من الزاوية الفنية والجمالية والترفيهية فحسب. ويكون أفضل إن يتمّ ربط نسق الإبداع الفني بنسق الإبداع الفكري.والإبداع الفكري يتغذى من الفن من دون شك. وعندئذ تتغذى السياسة نفسها، بواسطة الفكر، من الآثار الطيبة للفن. وعندئذ سيتسنّى للسياسة أن تنتقل إلى وضع طبيعي لم نألفه في حياتنا المعاصرة. وهو وجودها في وضع تابع للثقافة الحية، المستديمة، والمُحَوَّلة من المخزون التراثي والحديث على حد سوى. وهذا ما لم  يحصل بعدُ في حياة الأجيال الحاضرة، إذ بقيت السياسة، في ضعها غير الطبيعي منتوجا مباشرا لثقافة مبتورة، ما أجبر العقل السياسي العربي والإسلامي على أن يشتغل بمحرّك واحد. وحتّى إن اشتغل بكل محرّكاته، فالوقود الذي تتزوّد به هذه المحركات ليس من النوع الرفيع، المُحَوَّل والمصفّى. إنّ محركات العقل السياسي العربي والإسلامي تشتغل دون وقود ثقافي. وحريّ بمثقفينا أن يقصدوا "العمل الفكري الرامي إلى إرساء ثقافة متجددة". وهذا التصحيح هو الذي أعتمده لمواصلة بناء ما تخلّى عنه غيري بسب الخلط في المفاهيم، والقفز على المراحل، من بين أسباب أخرى.

الثقافة السليمة جدّ شبيهة باللغة السليمة. ونظام الثقافة جدّ شبيه بنظام اللغة من حيث وظيفة التعبير لدى الاثنين كقاسم مشترك. فكلاهما يُعدّ بمثابة الرحم إزاء عدد لامُتناهي من التعابير والمعاني ، وكذلك مَخزِنا لها. والفرق بين نظام اللغة ونظام الثقافة يبرز بالخصوص في كون الأول يساهم في إنتاج "لغة" سياسية وأخرى اقتصادية وأخرى اجتماعية وأخرى طبّية وأخرى قانونية وما إلى ذلك من أصناف اللغة وهي التي تتعدد بتعدد المجالات المعبّر عنها، بينما يكمن دور الثاني في إنتاج تعبير معيّن للسياسة وآخر للاقتصاد وآخر للاجتماع وما إلى ذلك من مجالات التثقف والتثاقف المعرفي والحرفي والمعلوماتي وغيرها. كما أنّ اللغة والثقافة مُكمّلتان لبعضهما البعض. فباللغة الطبّية يعبّر الطبيب عن حرفته وعن ثقافته الطبية. و باللغة الطبّية يصف المرء غير المختص في الطب معارفه في هذا المجال، فيقال إنّه يكسب ثقافة طبّية.

ومن هنا، لمّا أسأل نفسي "هل لنا لغة سياسية" فكأنّي أقول "هل لنا ثقافة سياسية؟". ثم لمّا يخطر ببالي أن أبحث في معيار واحد على الأقل أقيس به مدى متانة "اللغة السياسية" عند مجتمعٍ ما، فلا مناص من أن أختار الحقل الدلالي لـ"الثقافة السياسية"، فألتقط منه ما يلزمني من عينات لغوية للبتّ في المسألة. لكن هل سيكفيني الاطمئنان على صلابة اللغة السياسية أو ثراءها لكي أحكم لفائدة الثقافة السياسية هي أيضا بالقوة والثراء؟ لا أبدا. والسبب في ذلك أنّ اللغة (السياسية) ليست فقط أداة كما كان يعتقده الناس قديما. هي أداة وفكر. ومن هذا المنطلق، لمّا تكون غايتي البحث في مدى متانة "الثقافة السياسية" (ولا أقتصر على اللغة) لدى المواطن العربي المسلم، فلا مناص من أن أختار مقياس النجاعة السياسية، بعنوان أنّ السياسة ضرب من ضروب الفكر، فألتقط بواسطته عينات من الممارسة السياسية  تفرض نفسها كشواهد على النجاعة أو عدمها.

وليس من العسير تحديد حقل النجاعة السياسية عند العرب والمسلمين طالما أنّ معظم من لهم لسانٌ عربيّ وقدرٌ أدنى من الشعور بالانتماء إلى ثقافة الإسلام أجمعوا، بل وشبعوا إجماعا، أنّ لديهم قضية وأنّ قضيتم لها مركز. فالقضية هي النهوض والانعتاق من التبعية والتخلف. أمّا مركزها فهو المسألة الفلسطينية، ومنها تتفرّع عيّنات الثقافة السياسية تباعا. وتتفرّع بالموازاة معها عينات من الإنجاز السياسي. وتكون الحصيلة كالآتي:

للأسف ظللنا شاهدين على قضية مركزية تُمنى بالفشل تلو الفشل. كما أننا شاهدون على قضايا متفرّعة، من جولان وعراق ولبنان وأفغانستان وشيشان وغيرها، تُمنَى بفشل لا أحد يدري حقيقة أبعاده. وليس من العسير أيضا أن نستنتج أن لا يتوفر لدى السياسات العربية الكبرى ما يملأ عقل المواطن العربي والمسلم شغفا وتطلّعا إلى المزيد، ولا ما يملأ نفسه اعتزازا، ولا ما يضمن له حق البقاء الثقافي. وليس هذا مجال يكفي لكي نتوسع بخصوص عُمق الخيبة السياسية في نفوس عامة العرب والمسلمين: ضآلة الإشعاع في المحافل السياسية الدولية، وضحالة المدّ الإيديولوجي على الساحة العالمية، وعدم الكفاءة في المسك بناصية العصر وترويض الحداثة ثمّ تطويعها للإرادة الذاتية.

وليس من الغموض بمكان أن ندرك أنه على قدر عطاء الثقافة وتزويدها للفضاء المعرفي والرمزي والعقلي والسلوكي للمواطن العربي و المسلم، يأتي الإنجاز السياسي. ولم يعُد جديرا، لا بداعي السرية  والستر والكتمان والتكتّم، ولا بعنوان النفاق والتملّق، ولا من  باب المحاباة والمجاملة والمداعبة، أن نتردّد لحظة في توجيه إصبع الاتهام إلى الثقافة العربية الإسلامية وإلى مثقفيها عموما، بتشعّبات هذه الثقافة وتفرّعاتها كاملة، وبروافدها ومفاصلها؛ جملة وتفصيلا. كما أنه لم يعُد جديرا بإنسان عربي ومسلم عاقل أن يتمادى في توخي أسلوب دفاعي مرَضي يتمثل في إدانة السياسة والسياسيين بداعي اقترافهم إثم الانقراض الثقافي. كما أنه لا فائدة تُرجى، لا من تخوين السياسيين بعضهم البعض ولا من الالتصاق بشمّاعة السلطة والحاكم، محمّلين إياهما وحدهما مسؤولية الاندثار الثقافي. فالعمل الفكري وهندسة الأفكار لا تتطلّب سلطة لتعطيها إشارة الانطلاق في إنجاز الأفكار.

في الأصل إنّ ثقافتنا المعاصرة ثقافة عائمة، أصلُها يتحرّك في الفضاء، ولم يبقَ في السماء سوى بعض الفتات من فرعها. وهل يفي بالحاجة فرعٌ، ولو كان كاملا، وهو في وضع تعليق في السماء، إذا لم يكن الأصل ثابتا في الثرى؟ بالكاد لا يفيدنا ذلك شيئا. بل يضرّ بنا  ولا يفيد. فهل انقرضنا ثقافيا مثلما قال أدونيس، أم أننا نِمنا إلى حين، وجاء الوقت لنستقيم؟

لئن كان ما جاء في الشطر الأوّل من السؤال أمرا محسوما، فلا أحد يدري هل ما جاء في شطره الثاني  صحيحا. لكنّ التحلّي بالتفاؤل المنهجي قد يضعنا أمام مجموعة من المعاينات قد تصمد أمام النقد والانتقاد وقد يتبيّن جليا أنّها صحيحة إلى مدى، لكنّها قد تكون أيضا حافزا على إحياء الكفاءة في البناء لدى المثقف العربي والمسلم. وهي عينات من الواقع الثقافي المتدهور قد تساعدنا، على الأقل وفي أسوء الحالات، على المسك بما هو عائمُ من الثقافة، قاصدين الهبوط (البنّاء) والتأصيل في الثرى. وفي ما يلي موجز لها في عنوانين اثنين:

* يتّهم الشباب أولي الأمر أنّهم يكبحون جماح الحريات لديهم. وتتبنّى الفكرةَ ذاتها معارضة أقلّ ما يُقال عنها إنّها فقدت كل مقومات المعارضة بالجملة وبالتفصيل. فهي معارضة عائمة مثل الثقافة. فلا هي ولا الشباب الذي لا تسمع عنهم إلاّ في الكتب، قادرون أن يعبّروا عن طموحاتهم ومطالبهم وإنسانيتهم وعلمانيتهم ودينهم، بواسطة خطاب مفهوم ترتاح الأذن للإصغاء إليه ويطمئنّ  له القلب ويُشحذ ُبه العقل والعزائم. بل قل لا نرى أية رابطة روحية أو عقلانية أو معنوية أو تربوية  بين المعارضة السياسية من جهة والشباب العربي والمسلم من جهة ثانية.

* يواصل ذلك الاستلاب باتجاه الفوق (السلطة) فِعلتَه المُروّعة حين ترى المعلّم، رجُل الأمس ورجُل الغد، فاقدا لأبسط مهارات المسك بالأحداث وبالأفكار وبالأحاسيس وبالسلوكيات، من مَنابتها. وإذا به يسقط في المتاهة التي سقط فيها المثقف على وجه العموم والسياسي عل وجه الخصوص. بل قد يكون هو الذي أوقع الجميع في الفخ. فقد لاذ المعلّم بالفرار ثم بالانحراف، مبجّلا القطوف الدانية على تسلّق الجبال.

إنّ أيّ تقويم لتلك النظرة التي بات يحملها المثقف عن الحياة وعن المصير، إلى درجة أن فقد المجتمع معلّميه، يجب أن يبدأ بالهبوط البنّاء وينتهي بالطلوع. ولكي تتشكّل ثقافة فاعلة تكون واسطة خير بين الماضي (الذي في الحاضر) والمستقبل، بين التراث (الذي في العقل الحي) والحداثة، لا بدّ أن يترك المثقف جانبا منهج التدليل ("المعرفة المدلّلة" بكلام عبد الكريم سروش)، وهو منهج طالما كرّس التحرك من الأعلى إلى تحت (وليس هذا هبوطا بنّاءا). وتقسيم الفكر العربي والإسلامي إلى "علماني" و"إسلامي" تجسيم لذلك لمنهج الخاطئ. فالتشكّل، بسبب أنه تشكّلٌ، يتطلّب منهج التعليل ("المعرفة المعلّلة" بكلام سروش) تكون من أوكد مهامه ومشمولاته الهبوط من أجل الصعود. والهبوط يكون بِنِيّة تأصيل ما هو عائم. أمّا الطلوع فهو بِناء ثقافة وسيطة أي قادرة على توليد المستقبل من الحاضر، بِما في هذا الحاضر من ماضٍ، وعلى تحويل ما نحمله في صدورنا من  خطاب ديني وفلسفي وفني مشتت العناصر، إلى خطاب يُترجم معنى الحياة  بدلالات ومفاهيم وتراكيب وكلمات مستحدثة. ويكون استحداث هذا الخطاب استحداثَ تأصيل وليس استحداث استلاب.سواء كان  خطاب الثقافة الوسيطة في بُعده الديني أو في بعده السياسة أو في بعده الاجتماعي أو في بعده الاقتصادي، فإنّ ما يوحّده هي وِحدة الكلمة الجميلة. والكلمة الجميلة هي وحدةُ المعيار لكلّ مجهود مهما كان هزيلا أو جبّارا، ولكل إنجاز مهما قصُر أجله أو طال.

-------------------------

محمد الحمّار :

mohamed.hammar@hotmail.com

باعث مشروع "الاجتهاد الثالث" و"الإسلاميات اللغوية التطبيقية"، تونس

 

 

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: