صديقي الضاد..

فصديقي الضاد يحسن استقبالي دائماً ، يفتح لي صالونه الأدبي على مصراعيه ، يستقبلني بابتسامة ودودة ، وفي ثوان معدودة بسط لونه الأخضر على عقلي وأصبح صديقاً خالصاً ، واحتل مكانة تليق بمقامه داخل نفسي ، وهكذا كان صديقي شهماً في توزيع مداده على قلب الورق الأبيض.

 فمنذ الحديث الأول الذي جمع بيني وبينه ، نشأت علاقة وطيدة بيننا ، وليس هذا غريباً على فارس مثله أن تكون له خيل يركض بها في البراري بكل حرية واطمئنان.

وصديقي الضاد يتقن إخراج كل كلمة من محراب عقلي ،أسلوباً ولغة وجمالاً، وهو يكاتبني إخاله يتأملني بهدوء، يعرف مكامن تفكيري، وكأنه يراقبني من بعيد، ليست مراقبة السطوة والتسلط ، بل مراقبة اللطف والحنان ، حتى أنني لا أنسى ما قاله لي يوماً عبر حروفه الجميلة  وكنت ساعتها أبحث بين رفوف الكتب عن كتاب أريده، ناداني بصوت هادئ ، عن ماذا تبحثين ..؟ قلت له وهل رأيتني ؟ فقال نعم .. بقيت واجمة ولم أستطع كيف أجيب، أحسست أنه معي يبحث بين الرفوف عن نفس الكتاب..

 أجد نفسي أصغي إليه بكلي وهو يتحدث عن جمال العربية وأناقتها وسر بقائها شامخة، ازددت عشقاً لها ، كلما حدثني عن طبعها وجمالها، ولم أعد أخاف الغربة والوحدة ، لأن حروفي قوية ونقية.

 هكذا علمني صديقي الضاد أقصد معلمي، كان شديداً ولطيفاً معي، لدرجة أنني أحسست أنه أبي أو جدي يعطيني دروساً في فن الحياة، ودروساً في فن الحب، ودروساً في فن اللغة، إنه حقاً جدير بالاحترام والاستماع.

  أصغي إليه وباندهاش هذه المرة وأنا أتذكر لقاءنا الأول على شاطئ الحرف الساحر ، هو الفارس القادم من زمن الإخلاص والوفاء محملاً بروح التحدي وببعض الأمنيات ، وبكل الحبر الممدود على رقعة أوراقه البيضاء، أما أنا فقد كنت زهرة طبيعية، لكنني لم أكن أعرف جيداً كيف أحيى وسط الأشواك ، كنت أبحث عن خط سير لأحلامي النقية ، أفتش عن مساحة تكفي لاستقبال مدادي ، لأنني أردته يوماً أن يكون نهراً جارياً لا تحده حدود ولا تقف في طريقه حواجز ، لكنني كنت أشعر بالتعب وعدم الثقة ، وفي كل مرة أقيم عزاء لأمنياتي حتى كادت تنقضي كلها، لولا مجيء الضاد في موعده ، ليكون حرفه روحاً صافية تسري في عروقي من جديد، وقد استطاع أن يعيدني لحروفي ولنفسي ولأرضي ولسمائي..

هذا هو صديقي الضاد من داخل عالمه الفكري الناضج ووجدانه نحو وفائه الشديد للعربية والبحث المتواصل للكلمة الراقية واحترامه لها مما يجعله يجتهد ويتعب لكي يضعها في قالبها المطلوب فلا كلمة زائدة ولا حرف في غير مكانه،لأنه كان دائماً وسيظل ينادي بضرورة الصدق والدقة في أسلوب الكتابة ، لأنها أمانة من خلالها نزرع أشجاراً طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: