إلى مزيدٍ من الاهتمام

تبدو اللغة العربية في عصرنا الحاضر كاليتيم الذي فقد مَنْ يرعاه ، فتراه يتعثّر في مشيته لا يدري ما مصيره ، فكثيرٌ من أبنائها فقَدَ الرغبة في بذل شيءٍ من جهده ليُسهم في إقالة عثرتها ، ليسَ ذلك عن عجزٍ منهم بل عن إهمالٍ وضعف الشعور نحوها بالمحبّة والتعظيم .

إنّ انتشار بعض اللغات العالمية وتقدّمها لم يأتِ بسبب قوّتها فقط ، بل بأسبابٍ خارجةٍ عنها كقوّة أهلها واعتزازهم بها وسعيهم إلى نشرها ورفعتها ، وتذليل الصعاب التي تحول دون ذلك .

أمّا عن لغتنا العربية فإنّ تعليمها يأتي من أهمّ القضايا التي تمسّ حياتها ووجودها ، فاللغاتُ تتفاوت في انتشارها وثباتها بسبب اختلافِ وسائلِ تعليمِها ، وما تتعرّض له من إخفاقٍ ونجاحٍ في التعليم .

والعربية كغيرها من اللغات تأثرت بالنجاح والإخفاق في تعليمها على مدى التاريخ ، وحينما ننظرُ إلى واقعِ تعليمِ العربيةِ ندرك مدى الإخفاق الذي يلاقيه في مختلفِ مستوياتِ التعليمِ ، وندرك البَونَ الواسعَ بين العربيةِ في الكتبِ وفي حياةِ العرب .

وعند النظر في تعليم العربية قديماً وحديثاً نلحظ الفرقَ بين الحالتين ، فقد كان تعليمُها في أكثر عصورها غيرَ مرتكزٍ على تلقين قواعدها دون تطبيقها ، بل كان الهدف المنشود هو الوصول إلى تطبيقها ، أمّا عن طُرق عرض تلك القواعد فقد اختلفت عند العديد من العلماء ، وكتبُ النحو المختلفة دليلٌ واضحٌ على أنّ الكثير من العلماء لم يكن أسيرَ التقليد ، فمنهم مَنْ بنى كتابه على القواعد النحويّة مستشهداً عليها بالنصوص المختلفة ، ومنهم مَنْ انطلقَ من النصوص للوصول إلى القواعد ، مع اختلاف تلك الكتب في أساليبها لعرض القواعد النحويّة .

ونظرةٌ واحدةٌ إلى كتب العربية المتعدّدة تؤكّد لنا أنّ طرقَ تعليمها تعدّدت بتعدّد جهود علمائها ، لكنّها كانت كلّها تسعى إلى هدفٍ واحدٍ ، ولم يقعْ تعليمها أسيراً للتقليد الأعمى الذي يكتفي بترديد القواعد دون الالتفات إلى النجاح والإخفاق فيه إلا حينما ضعفَ أهلُها .

أمّا في هذا العصر الذي تطوّرت فيه علوم اللغة بسبب التواصل بين الأمم ، وكثرة إجادة الفرد لأكثر من لغةٍ - وهو ما مكّن من التواصل مع ما كُتب باللغات الأخرى عن التعليم - فلم يستفدْ معلمو العربية من هذا التغيّر والانفتاح على الأمم الأخرى بأخذ ما يصلح من وسائل ومناهج لتعليمها ، بل انكفأ الكثير منهم على أنفسهم غير عابئين بما يدور حولهم.

في هذا العصر غلبَ على تعليم العربية للعرب الجمودُ المصاحِبُ للتمسّك ببعض الكتب القديمة دون غيرها ، فأصبح الهمُّ الأكبرُ للمعلِّم ترديدَ تلك القواعد دون الاهتمام بضرورة استيعاب المتلقّي وقدرته على تطبيقها ، وعلى الجانب الآخر تطوّر تعليم العربية لغير العرب لتحرّره من التمسّك بكتاب معين ، مع استفادة القائمين عليه ممّا كتب عنه في الدراسات الحديثة سواءً كانت عربيةً أم غير عربية.

ولرغبتي بأن يكون تعليمُ العربية همَّنا جميعاً نشترك فيه بالآراء والمناقشات فإنني أدعو إلى إنشاءِ ( رابطةٍ لأساتذةِ العربيةِ ) في هذا الموقع ، لتكون رِباطاً بين المهتمّين بالعربية وتعليمها ، ولتكونَ وسيلةَ تواصلٍ بينهم ، وأملي كبيرٌ في أن تكون بدايةَ حوارٍ جادٍّ عن معضلةٍ من معضلاتِ العربيةِ في عصرنا ، راجياً الخروجَ بنتيجةٍ تنعكس على تعليمها ، ويمكنك تعبئة نموذج الاشتراك في الرابطة في هذا القسم ، ليمكن التواصل بينهم .

التصنيف الرئيسي: 
شارك: