حوارٌ مع أحمد بيضون

أحمد بيضون : اللغة هي في جملة مستوياتها وليست مستوى واحداً .
على صعيد الأنظمة الذهنية ليس هناك ما يصحّ أن نسميه نقصاً في اللغة العربية .

صباح زوين
_____________________
أحمد بيضون اسم بارز في الساحة الثقافية العربية واللبنانية, يتميز بالدقة في التعبير الشفهي كما الكتابي, منتقياً بشأن كلمته, واضح الفكرة, فيأتي بها كاملة صحيحة منجزة في رده عن الأسئلة, متكلماً, وكأنه يكتب. ومن كثب راقب جملته وشذ بها وأعاد قراءتها وصححها. في هذا المعنى, أريد أن أقول إني أثناء نقل حوار بيضون المسجل إلى الورقة, لم أحتج إلى قطع كلامه ووصله, فالأخير كان مرتباً  جاهزاً  للتدوين ولن يبقى لي سوى أن أضع على الأسطر ما أملاه علي .
من يكتشف أحمد بيضون متقناً اللغة العربية, يكتشفه أيضاً متيناً لا بل بليغاً في اللغة الفرنسية. هو المهتم بعلم الاجتماع ومعضلاته, نراه شغوفاً  كذلك باللغة, أي باللغات, فعلاوة على العربية, وإضافة إلى فرنسيته الممتازة, يتقن الانجليزية, له مؤلفات بالعربية والفرنسية, شارك في عشرات الندوات والمحاضرات في نحو 20 بلداً . نال وسام السعفات الأكاديمية من رتبة فارس (فرنسا, 1993), وجائزة المنتدى الثقافي اللبناني في فرنسا (لكتابه - 1998).

* ما الذي دفعك إلى كتابة ؟
- الكتاب مجموع نصوص ولكل منها مسوغ أدى إلى وضعه. النص الذي أعطى الكتاب اسمه وهو مقالة نشرت عام 1978, هو حصيلة تأمل طويل كان يحصل على جبهتين إذا صحّت العبارة, من جهة كان اهتمامه بالألسنية العامة وبالمدرسة البنيوية التي كانت تسود هذا العلم في تلك المرحلة, ومن جهة ثانية كان اهتمامه اعتق من ذاك, باللغة العربية وبنظامها الصوتي وموسيقى ألفاظها وعلاقة هذه الموسيقى بالدلالات.
التأملان كانا يبدوان متضاربين لأن وجهة نظر البنيوية قائمة على افتراض تعسفية العلامة اللغوية, أي عدم وجود علاقة ما بين الصورة الصوتية للعلامة اللغوية ومضمونها الذهني. هذا بينما كان التأمل في أحوال اللغة العربية لهذه الجهة يوحي باستنتاجات أخرى.
والمقالة هذه, وهي أساسية في تحديد نفس الكتاب بتمامه ، وهي أيضاً التي أعطت الكتاب عنوانه كما سبق وقلت, كانت تصدّياً من جهة العربية للنظرية البنيوية في الألسنية وفي العلامة اللغوية تحديداً.
كان هذا يحصل إذن في وقت كانت البنيوية فيه سيدة الساحة أيضاً في مجالات لا تحصى, إلى اللغة من الانتروبولوجيا إلى الفلسفة إلى علم الاجتماع إلى النقد الأدبي الخ. فكان التصدي لها على هذا النحو الرأسي والذي يطول في الواقع إلى أساسها الأعمق أمراً غير مأمون العواقب.

* ما سبب تسميتك الكتاب أو هذه المقالة ? ثم هل تناقض أنت البنيوية في بعض وجوهها ؟
- سبب التسمية هو أن المقالة الأولى التي ذكرت منصبة على أربعة أصوات لغوية من الأصوات العربية وهي الكاف واللام والميم والنون. وفي الترتيب الأبجدي للحروف تتكوّن من هذه الأصوات الأربعة كلمة تسعف في حفظ الأحرف وهي كلمن. ويتفق أن لهذه الكلمة معنى يشير إلى الكلام, وفي العنوان استثمار لهذه الصفة المزدوجة, أي الصفة الأحرفية والصفة المعنوية. الكتاب اسمه ( كلمن ), ولكن هو كلمن في مفردات اللغة ومركبات الثقافة. وهو يحاول إنشاء تواصل في النظرة في البحث في أصوات اللغة وحروفها إلى البحث في ظواهر ثقافية ضخمة وشديدة التعقيد.
وما من شك  في أن التصدي للبنيوية حاصل في هذا الكتاب, على أكثر من مستوى وأكثر من جهة ، وليس على صعيد العلامة اللغوية فحسب ، بل ذلك صعيد النظرة إلى تاريخ الثقافة ، لأن للبنيوية أيضاً نظرتها في التاريخ ، لأن البنيوية هي بمعنى ما أمّ  النظريات التي لا يزال بعضها يتوالد في أيامنا, متجها إلى نفي التاريخ. هي تقول إن التاريخ سياق متقطع, سياق تحكمه الانقطاعات المتكررة, وهو عبارة عن صفوف في الظواهر والأحداث المتزامنة والتي ينبغي أن نغلّب في النظر إليها تزامنها وتراكبها في لحظة معينة على اتصالها وتعاقبها في الزمن. النظرة البنيوية سواء أكانت نظرة إلى التاريخ أم إلى اللغة هي نظرة تغليب للتزامن على التعاقب.
وهذا الكتاب في نظرته الأساسية إلى الظواهر التي يدرس, يقيم على طرفي نقيض مع النظرة البنيوية في هذا المعنى.

* ما الفرق بين التزامن والتعاقب في هذا الإطار؟
- التزامن يعني أن ثمة عناصر تتركب بنظام, وأن العلاقة بين هذه العناصر في لحظة معيّنة من الزمن هي الأساس الذي ينبغي أن يستحوذ على النظر لأن المعنى يكمن هنا.
أما التعاقب, أي تتالي الظواهر في الزمن فهو أمر ثانوي. وهذا ما كان يسميه سارتر في نقده للبنيوية , أي أنه كان يرى, وهو موفق في هذه الكناية, أن التاريخ في نظر البنيوية هو صور تتلو الواحدة منها الأخرى كما في صندوق الدنيا ، ولا يظهر بينها تواصل. هذا بينما تفترض النظرة التاريخية أن هناك نوعاً من المجرى في التاريخ.

* في سياق هذا الكلام, أين اللغة العربية, من أشكال التزامن والتعاقب ؟
- اللغة العربية احتفظت بسمات أساسية لنظامها كما وصلنا من الأصول التي اطلعنا عليها في أوائل ما نعرفه من تاريخ اللغة. أي الشعر الجاهلي, القرآن, النصوص التي تحدّرت إلينا من مرحلة ما قبل الإسلام. هناك قواعد أساسية تحكم بنية العبارة العربية بقيت مستمرة. ولكن حصلت أيضاً تحوّلات جاءت نتيجة للحاجة, للاستجابة إلى ضغوط وتأثيرات كانت اللغة تواجهها في كل مرحلة زمنية مرّت بها.
هكذا فنحن إذا قارنا على سبيل المثال لغة الصحافة اليوم بلغة الخطابة في صدر الإسلام, نقع بلا شكّ على عناصر استمرار هي أوفر مما نقع عليه في أي لغة أخرى على هذه المسافة الزمنية الطويلة, لكننا نقع أيضاً على عناصر تغيير, على مستجدّات في التركيب, على مستجدات في معجم الألفاظ, على مستجدات في البلاغة. إذن في كل هذه المجالات تغييرات لا شكّ في أهميتها.

* بمناسبة الكلام على الاستمرارية من جهة, وعلى التغييرات من جهة أخرى, هل في رأيك من حلٍّ فيما يتعلق بلغة الكتابة الحديثة, وخصوصاً الروائية منها, ذلك أن نقصاً كبيراً في المفردات اليومية الحيوية نواجهه ويسبب لنا مأزقاً حقيقياً ؟
- ما تشيرين إليه نسميه استراتيجية المجانبة عند الأدباء. أي أنهم يجتنبون مواقف بعينها لصعوبة التعبير عنها في اللغة الفصحى التي يكتبون بها. سبب هذه الصعوبة هو أن أشياء العالم التي تتوالد وتتكاثر من حولنا وتصل إلينا من آفاق بعيدة, تبلغنا بأسمائها الأجنبية التي كسبتها من بلاد المنشأ. وهذه الأسماء, برطانتها تندرج بسهولة في العاميات ولكن الفصحى تقاومها, ولا تقبلها على علاتها. لهذا نرى أننا حينما نتحدث بلهجاتنا الدارجة لا نجد صعوبة في استعارة أية لفظة من أية لغة أجنبية ولا نتوقف عند مشكلة تعرض لنا من هذه الجهة. وأما عندما نكتب فالمشاكل كثيرة.

* ما الحلّ إذن ؟

- الحل , في نظري, هو الاعتراف بالعاميات على أنها مستويات مشروعة من اللغة. هناك شيء تعرفه العربية هو ما نسميه مستوى اللفظ ومستوى العبارة, أي ما يقال له بالفرنسية مثلاً  LE NIVEAU AE LANGUE. واللغويون العرب لم يكونوا يطلقون عليه هذا الاسم, وإنما كانوا يتحدثون عن , و. كان عندهم لفظة شريفة ولفظة أقلّ شرفاً ,- وهذا يشير إلى الوهدة نفسها في الواقع.
فالحلّ إذن, أن نعترف بأن اللغة هي جملة مستوياتها وليست مستوى واحداً, أن نعترف بأن طرق التعبير التي نلجأ إليها هي كلها ذات حقّ تامّ في الوجود, وإذا اعترفنا بهذا الحق, أصبح يسيراً علينا أن نتقبل ما يتقبله هذا المستوى أو ذاك من مستويات اللغة طالما أننا نقف عليه في عمليات التعبير.

* هل تدعو إلى الكتابة باللغة العامية? وفي هذه الحال, ألا يفترض ذلك قواعد لغوية إذ الكتابة لا تجوز بدون القواعد ؟
- لا أدعو إلى الكتابة باللغة الدارجة على نحو مطلق, أدعو إلى الاعتراف باللغة الدارجة, وأعني بذلك أن الكلمة التي تشير في اللغة الدارجة إلى شيء معيّن يجب أن تضبط في المعجم طالما أنها موجودة ومستعملة. ويجب أن يقال في المعجم : إن هذا لفظ عامي.
ويجب أن تُعلّم الفصحى وتُعلّم معها العاميات على أنها من فروعها ولهجاتها.

* كما يحصل في المعاجم الإنجليزية والفرنسية... والخ.
- نعم, نعم. اليوم على صعيد الفرنسية, أصبح يميز بين الفرنسية والفرنكوفونية.

* هذا صحيح, بالنظر إلى الفوارق بين فرنسية كيبيك وفرنسا وسويسرا وبلجيكا... الخ.

- في الفرنكوفونية فرنسيات مختلفة, وهذا الاختلاف مقبول ومدوّن في المعاجم ومعترف به في التعليم. فلم لا يكون الأمر على هذه الشاكلة فيما يتصل بالعربية ؟

* ما العقبة التي حالت دون فعل ذلك حتى اليوم ؟
- العقبة أنه ليس ثمة عناية جامعة باللغة العربية. بمعنى أن ما تصنعه مجامع اللغة وهي عديدة في العالم العربي, قيّم وهو عميم الفائدة, ولكن يبقى محصوراً في دائرة ضيقة من العارفين.

* لماذا ؟

- لأن الدول لا تكترث له ولأن وسائل الإعلام لا تكترث له, ولأنه لا يجد منفذاً إلى التعليم.

* لكن هل يعود سبب ذلك إلى تعصّب لغوي ؟
- لا, لا دخل كبيراً للأمر بالتعصب فيما أظن, بل أعتقد أن ثمّة غياباً في التنسيق فإن مثل هذا العمل ينبغي أن يصدر عن مركز ، وينبغي أن يكون لهذا المركز سلطة معترف بها. ثمّة في مجال التقنين, شيء اسمه السلطة اللغوية, ويجب أن يكون موجوداً. صحيح أن الاستعمال هو الذي ينتج القاعدة, ولكن الاعتراف بالقاعدة وظهورها في مجال التعليم وبالتالي تعميمها هو أمر يجب أن يصدر عن سلطةٍ ما. هذه السلطة غير موجودة في العالم العربي لأسباب ذات خلفية سياسية بكل تأكيد, ولكن أيضاً بسبب الإهمال والتقصير.

* هل تستطيع أن تحدّد لي السبب السياسي الحقيقي في ذلك? الخوف على السلطة مثلاً ؟
- أفترض أنه يجب أن يوجد في جامعة الدول العربية نوع من مجمع للمجامع يعمل باستقلال ، ويكتسب بموجب القاعدة التي تحكم اختيار أعضائه والقواعد التي تحكم عمله, درجة من الاحترام في شرق العالم العربي وغربه ، فيسوّغ له ذلك أن يقترح قواعد يؤخذ بها في البلاد العربية المختلفة أكان ذلك على صعيد التعليم, وهو الأهمّ , أم مثلاً على صعيد الإعلام وهو لا يقلّ أهمّية عن الأول بكثير, أم أيضاً في صفوف الكتبة والأدباء من الأفراد.
مثل هذا المشروع يقتضي توافقاً سياسياً ، ويتطلب مالاً وكذلك جرأة في التعامل مع الموضوع اللغوي. هذا كله لا يبدو بين أولويات السلطات السياسية التي تقتصر علاقاتها في الغالب على التنسيق الثنائي. لا نجد حضوراً فعلياً لمؤسسةٍ كجامعة الدول العربية على الصعيد اللغوي الثقافي.

* ما سبب رداءة اللغة العربية, كتابة, لدى كثيرين من العرب ؟
- ثمة آثار فادحة على معرفة العرب بلغتهم, بما فيهم الكتّاب, تركها التطوّر الذي عرفه في مختلف الأقطار ما نسميه التعليم الجماهيري.
فهذا التعليم صحبه انحدار في مستوى المعرفة باللغة وبغير اللغة. المشكلة لا تقتصر على اللغة ولكنها أكثر بروزاً في مجال المعرفة بالفصحى. وقد أسعف التعليم الجماهيري في عملية التجهيل هذه, إضافة إلى أثر الإعلام. الإعلام محكوم بالميل إلى السهولة والى الطبعيّة في التوجّه نحو جمهوره ، وهذا ما جعل الفصحى تخرج بالتدريج من مجال المشافهة. مكتوبة وحسب, أو هي تكاد تصبح كذلك. هذا وضع لم يكن قائماً قبل خمسين سنة. أي أن السياسي حين يدلي بتصريح, كان يدلي به بالفصحى, رجل الدين حين يلقي عظةً كان يلقيها بالفصحى, المعلم حين يلقي درساً في الصف, كان يلقيه بالفصحى... الخ. كانت هناك عدة مجالات لاستعمال الفصحى استعمالاً شفوياً, وقد أدّى تطوّر الإعلام خصوصاً إلى الإغراء باستعمال العاميات مكانها, في كل هذه المجالات تقريباً, بما فيها مجال التعليم. حتى إن اللغة الفصحى تعلّم اليوم داخل الصفوف بالعامية.
لا ننسى كذلك أن اللغة الفصحى لا يمكنها الركون إلى السليقة وحدها لأن مفعول السليقة ضعف وتراجع من قرون طويلة.

* لكن ألا تظنه أمراً طبيعياً أن تتحول اللغة الواحدة الأولى إلى عاميات? أم أنك ترى بحنين إلى الفصحى التي كانت تُحكى يومياً ؟
- لم يحصل في أي وقت أن وُجدت الفصحى وحدها في طول العالم الناطق بالعربية وعرضه. الفصحى كانت دائماً تصحبها عاميات. هذه الظاهرة ليست بنت اليوم إذن, وعمرها مساوٍ لعمر اللغة الذي نعرفه. فحتى إذا رجعنا إلى عصر القرآن, وجدنا أن اللهجات كانت مختلفة, ولعل  لهجة قريش كما يفترض بعض مؤرخي اللغة, كانت تلعب دوراً ما يشبه دور الفصحى بالنسبة إلينا لأنها كانت لغة مشتركة تستخدم في التبادل بين جماعات ذات لهجات مختلفة.
الفصحى جرى نشرها بواسطة التعليم, بين أناس لم تكن هي في يوم من الأيام لغتهم اليومية. ومن حيث الأساس, هذا الوضع لا يزال هو نفسه اليوم. نتعلم الفصحى اليوم في المدرسة, والعباسي أيضاً كان يتعلمها في المدرسة, ولم يكن ينطق بها إجمالاً على صورتها السوية في حياته اليومية.
الفصحى أمرٌ حيويٌّ لاستمرار الثقافة التي هي حاملتها, أي أن ثمّة تراثاً عمره نحو ألف وخمسمائة سنة مدوّن بهذه اللغة, وهذا التراث لا يجد ما يقابله بالعاميات, إطلاقاً, فالانقطاع عن هذا التراث بالانقطاع عن تعلّم الفصحى, هو أولاً تضييق الأفق الثقافي أمام كل شعب من الشعوب العربية من خلال حصره في بقعته الضيقة ، وهو حكم أيضاً بنوع من الأميّة التراثية على كل شعب من هذه الشعوب بقطعه عن هذه الثروة المستمرة في النمو طيلة هذه المئات من السنين.
نحن اليوم نقرأ من المحيط إلى الخليج جرائد تكتب بلغة معينة وليس عندنا مشكلة في فهم بعض ما يردّد في وسائل الإعلام هذه إذا أتى في إحدى هذه العاميات. ولكن نحن نحس  بالحاجة إلى هذه اللغة المشتركة التي توحي إلينا بألفة حينما نقرأ رواية مصرية, حينما نقرأ جريدة عربية تصدر في لندن, حينما نقرأ ديوان شعر صادر في صنعاء.
إذا حصرنا أفق كل جماعة وطنية من الجماعات العربية في عاميّتها, فإننا نخسر هذا المدى ونحكم على كل هذه الجماعات بنوع من الاختناق النفسي والمعنوي.

* ماذا عن مسألة اللغة الحميرية? أليست الحميرية عربية ؟

- أنا أعرض لهذه المسألة في المقالة التي يحتويها هذا الكتاب ، عن المناظرة المستمرّة في أي حال في شأن كتاب طه حسين في الشعر الجاهلي, وذلك لأن موضوع الحميرية والعربية مطروح في كتاب طه حسين.

* أليست جذورها عربية ؟
- إنها لغة يمنية لحمير وهم عرب الجنوب. أي أن ثمة شعباً من شعوب الجزيرة له لغة خاصة به هي غير العربية التي نعرفها اليوم, فهذه, في الأصل, لغة عرب الشمال.

* لكنهم يتكلمون العربية.
- بعد الإسلام, انتشرت لغة الشمال في جنوب الجزيرة, كما تمّ تعريب أصقاع أخرى من الأرض. فالمشكلة, اليوم, غير مطروحة.

* أودّ العودة إلى مشكلة اللغة المكتوبة في الرواية العربية : هل سيظل الروائي يستعمل مفردات أجنبية في أحرف عربية أمثال ديبرياج وإشبمان وغيرهما, أم عليه الامتناع عن الغوص في واقع الحياة العملية اليومية ؟
- لنأخذ كلمة دبرياج. انها كلمة فرنسية. واللفظة المستعملة بالفرنسية فعلاً للإشارة إلى هذه الدواسة, هي اللفظة المعاكسة.

* امبرياج (EMBRAYAGE)
- هذه نقطة أولى. فضلاً عن ذلك, البلاد العربية التي تغلب فيها الثقافة الانجليزية, تستعمل المفردة الانجليزية, وهي كلاتش. فإذا افترضنا أننا ننهي مشكلة مع استعمالنا الألفاظ الأجنبية فنحن مخطئون لأن الأمر لا يخلو من إنشاء مشكلات. أعتقد أنه لا ينبغي لنا أن نأخذ موقفاً مطلقاً في هذا الموضوع. ينبغي أن يستمرّ جهد اقتراح الكلمات المقابلة للألفاظ الأجنبية. فنضع كلمات عربية, على أن تكون هذه مأنوسة وميسورة الحفظ والاستعمال.

* هذا ما قصدته في سؤالي.
- إذن ينبغي أن تُسعف عمليةَ الوضع هذه, سياسةٌ تساعد هذه الكلمات على الانتشار. فنحن إذا قصدنا المغرب العربي, وجدنا أن ثمة سياسة تعريب ظاهرة في اللافتات, في أسماء المؤسسات, في ألفاظ نجدها في كثير من الحالات أكثر توفيقاً من الألفاظ المقترحة في المشرق العربي.

* ما السبب ؟
- الفضل يعود إلى نوع من الدعم المنظم لعملية التعريب هناك. كل عملية في الواقع لها هذا الاتساع وهذه الأهمية لا يمكن الركون فيها إلى مجرد العفوية, كما لا يمكن الركون فيها في المقابل, إلى دور السلطة. أي أنه لا الفرضُ يأتي بالثمرة المرجوّة, ولا تركُ الأمور على غاربها يوصلنا إلى النتيجة المطلوبة أيضاً.
يجب أن يكون ثمة قدر من المساعدة لعملية الوضع لا يصل إلى حد الفرض وإنما يتوسل الترغيب. وهذا يهيئ لتجاوز الثغرات التي تقع فيها العاميات بأخذها العفوي لكلمات لا تطوّع  للترسيمات الصوتية أو للوزانات العربية. فثمّة ألفاظٌ أجنبيةٌ تعوزها الألفة لوزانات الألفاظ العربية. فإذا اعتُمِدت بالعامية بقي ظاهراً عليها خروجها عن نطاق اللغة التي يتكلمها من يستعمل هذه الألفاظ.

* هل تعتبر حركة التعريب في المغرب, شكلاً من أشكال إعادة النظر في الشخصية العربية ؟
- حركة التعريب في المغرب كانت جانباً من تصفية إرث السيطرة الاستعمارية. ولكن بصورة عامة المشكلة التي نطرحها هنا هي وجهٌ رئيسي من وجوه الخلل في علاقة العرب بالعالم المعاصر, المشكلة تكمن في أن الذي يصنع الأشياء هو الذي يسميها.

* طبعاً . لذا لا تزال مشكلتنا مع اللغة العربية تتفاقم لأننا عاجزون عن تسمية الأشياء اليومية وأغلبها غربية .
- الأشياء تصل إلينا مع أسمائها التي أطلقت عليها حيث صُنعت. ونحن نلهث على نحو لا يخلو من الاصطناع للحاق أو لسدّ الفجوة الحاصلة في لغتنا نتيجة هذا الخلل, أي نتيجة غربتنا عن المواقع التي تُصنع فيها أشياء العالم المعاصر. والعالم المعاصر هو عالم الأشياء المصنوعة بامتياز. نحن حيثما ننظر من حولنا نكاد لا نقع على شيء طبيعي. الأشياء التي نقع عليها مصنوعة, فإذا كانت اللغة, لغتنا الأصلية في وضعها القديم تشتمل على أسماء العصافير والنباتات وعناصر الطبيعة المختلفة, فليس هذا ما نقع عليه بالأولوية في حياتنا الحاضرة. فما نقع عليه بالأولوية إنما هو سيلٌ له أولٌ وليس له آخرٌ من الأشياء المصنوعة.
إذن مشكلتنا مع اللغة هي مشكلة علاقتنا بالعالم لا أكثر ولا أقلّ . ولا نستغرب هذا, بل ينبغي علينا أن نعثر على أكثر السبل حكمة لتدارك ما يمكن تداركه. وليس علينا أن نأمل في حلٍّ  قطعيّ ونهائيّ. علينا أن ندرك أن الحلّ لا يمكن أن يكون حلاً لغوياً وحسب ، وإنما هو حلّ  واقعيّ في الأساس, أي حضاري تاريخي.

* صحيح أن اللغة العربية غنية من حيث تسمية الأشياء الظاهرة, شأنها شأن لغة شعوب القطب الشمالي التي تحوي أكثر من ألف تسمية للثلج مثلاً (ولهذا تفسير سوسيولوجي بديهي كما أرى), لكن اللغة العربية من ناحية أخرى تفتقر إلى مفردات لا تحصى للدلالة على معانٍ مجرّدة دقيقة.
- على صعيد الأنظمة الذهنية ليس هناك ما يصحّ أن نسمّيه نقصاً في اللغة العربية. هناك اختلاف بين نظام ذهني متحدّر إلينا عبر هذه اللغة, وأنظمة ذهنية أخرى مختلفة عنه جاءتنا من مصادرها الغربية بصورة خاصة ، وفرضت نفسها بصفتها الأنظمة الفكرية الموائمة لوقائع العالم المعاصر وحاجاته ومشكلاته. لا نستطيع أن نتحدث عن نقص في اللغة العربية إذن إلا بمقدار ما نعترف للأنظمة الوافدة من الغرب بعمومية تتجاوز نطاق البلدان التي نمت فيها هذه الأنظمة وتكوّنت ، وبمقدار ما نعترف بحاجتنا نحن أيضاً إلى هذه الأنظمة. حينما نقع على نظام فلسفي أو على نظرية علمية في مجال من المجالات ونعاين الصعوبة التي تعترضنا في نقل هذا النظام أو نقل هذه النظرية إلى اللغة العربية, ليس لنا أن نستغرب هذا على الإطلاق, وليس لنا أن نسمّي هذا نقصاً. ولكن إذا كان هذا مجرّد اختلاف ولم يكن نقصاً من ناحية الأصل, فهو نقص بلا شكلٍ من ناحية الحاجة لأننا غير قادرين على الاستغناء عن هذا الدفق من المفاهيم والأفكار التي أصبحت تؤطّر عمل التفكير عندنا وأصبحت تؤطّر أيضاً تنظيمنا لشؤون حياتنا ومجتمعاتنا.

* لكن هل نستطيع أن نفصل أنفسنا عن لغتنا? أي لا أستطيع بعد الآن أن اكتفي بما تقدّمه لي اللغة العربية وقد تقولب عقلي حسب المفاهيم ومفرداتها التي توفرها لي اللغات الغربية. إنها مشكلة حقيقية أعيشها كل يوم, وخصوصاً في الترجمة: عليّ دائماً أن أرصف ثلاث أو أربع كلمات لأقترب من الكلمة الواحدة الفرنسية مثلاً .
- المفردات التي نتحدّث عنها هنا, مفردات اصطلاحية ، وليس هناك من مفردة لا يمكن العثور لها على مقابل في العربية. ولكن المقابل لغوي فيما مقابله الذي نبتغي نقله مقابل اصطلاحي. أي أن الذي استعمل هذه اللفظة بهذا المعنى باللغة الفرنسية اصطلح على أن يجعل لها هذا المعنى بالذات. حينما أختار أنا كمترجمٍ مقابلاً عربياً لهذه اللفظة الفرنسية, أصطلح له أيضاً أن يؤدّي هذا المعنى. ولكن ليس للاصطلاح عند المترجم في القوة ما نجده له عند المؤلف. كتب فوكو GOUVERNEMENTALIT , مثلاً ، وأردت أنا أن أترجم هذه الكلمة. فنفترض, وهذا ليس بالأمر المحتّم, أنني اقترحت لها . ليس مضموناً على الإطلاق أن يستقرّ في إدراك القارئ العربي, المضمون الذي قصده فوكو لهذه اللفظة بمعناها الاصطلاحي فهذا المعنى من وضعه هو أصلاً, بل اللفظة أصلاً هي من وضعه.
هناك إذن مشكلة لا يمكن أن نتّهم بها اللغة, وإنما هي مشكلة ثقافة.

* لكن الثقافة بحاجة إلى لغة: وهنا يكمن لبّ سؤالي.
- أستطيع أن أجد لأي كلمة أجنبية مقابلاً عربياً, ولكن المحيط الثقافي لهذا المقابل هو الذي يساعده على أن يفرض نفسه أو لا يساعده بهذا المعنى الاصطلاحي.

* هذا جائز في الحقول العلمية. لكن لا أزال أطرح هذه المشكلة في الحقول غير العلمية, حيث لا لغة اصطلاحات ، إنما لغة فكرية أدبية قائمة على مفردات تجدها في القاموس الفرنسي مثلاً ، ولا تجد ما يقابلها بدقة في اللغة العربية. في أيّ حال, وبالمناسبة, أنت ذاتك قلت في كتابك :" نحن, وإن لم نغادر ديارنا, نقيم في عالم أجنبي. ونحن وإن نطقنا بلساننا لا ننفكّ نترجم" . إذن أين سيطرتنا على اللغة? وأين مصالحتنا مع لغتنا, مع أنفسنا ؟
- المصالحة مع النفس والمصالحة مع العالم, هما رغبتان وهمّان, ولكن لا هذه المصالحة ولا تلك تصل إلى نهاية ومستقرّ . البشر دائماً في حال قلق من حيث علاقتهم بأنفسهم وبالعالم. والوجهة التي يجب أن تسلكها الرغبة هي في الواقع وجهة السيطرة على مقاليد النفس, أي عدم ترك أمر النفس في غير يد صاحبها. ليس المقصود أن نغلق الأبواب دون تأثير الخارج, دون رياح الخارج, بل المقصود أن تكون لنا دفّة, أن نكون ممسكين بهذه الدفة فيما نحن نخوض هذه التأثيرات ونواجه هذه الرياح.
الاستقلال بالنفس هو المطلب الذي يمكن أن نطرحه على أنفسنا. الاستقلال بالنفس لا بمعنى عزلها ولا بمعنى وضعها في مواجهة العالم بأسره, إنما بمعنى العثور لها على السبل المناسبة, على المسالك المناسبة في هذا العالم.

* في الفصل تقارن بين الفرد الغربي والصعلوك في العالم العربي القديم. ماذا أردت تحديداً ? أن تقول : إن هذا الصعلوك ضاع, أم أن الفردية الغربية هي التي بدأت تجتاح عالمنا ? أم أننا اليوم بدون هذا وبدون ذاك ؟
- فردية القاعدة قصدت بها ما تنتجه المجتمعات الغربية بكميات صناعية إذا صحّ التعبير, أي هؤلاء الأفراد الذين نجدهم على أرصفة المدن في الغرب والذين لا يحكم سلوكهم ونظرتهم إلى أنفسهم انتماؤهم إلى الجماعات الأولية, بل يغلب في حالتهم الانتماء إلى جماعات طوعية مثل النادي أو الجمعية أو الحزب أو الشركة... الخ. هذا النوع من الفردية لا يضع الفرد في مواجهة الجماعة, بل إن الجماعة كلها مكوّنة على وجه الإجمال من هذا النوع من الأفراد.
الصعلوك, على خلاف هؤلاء الأفراد القاعديين إذا صحّت العبارة, فردٌ شاذّ, فردٌ واقع خارج الجماعة وواقف في مواجهة هذه الجماعة, وهو ينتج مبدئياً بأعداد قليلة.
في هذه الحالة أي حالة المجتمعات التي تنتج الصعاليك, القاعدة هي غياب الفردية, وهي غلبة الجماعة الطبيعية.

* هذا صحيح, إذ الصعلوك هو الهامشي, بينما أفراد الغرب ليسوا هامشيين إنما هم القاعدة.
- هذا ويبقى الصعلوك منبوذاً من قبل الجماعة.

* أعتقد أن الصعلوك الجاهلي لم تعد مجتمعاتنا تنتجه, كما أننا لم ندخل بعد عصر الفردية الغربية. ففي أي نوع من المجتمعات نعيش اليوم في العالم العربي ؟
- ثمة دوائر في حياة البشر العرب, ويختلف, باختلاف الدائرة, مقدار الفردية المأذون لها. فتوجد طقوس للإعلان عن جماعات وإعادة إنتاجها يلزم الناس بها, ويستدعون بقوة معنوية شديدة في الغالب إلى المشاركة فيها. هذا بينما يؤذن لهم في مجالات أخرى بنوع من الحياة الهامشية أو الممارسة غير المنضبطة بالأصول طالما أنها لا تمسّ أركان الجماعات. مثلاً يصوم الجميع رمضان أو يتظاهرون بصيامه لأن هذا الشهر ركنٌ من أركان هويةٍ ذات طاقة إلزامية قوية جداً . ولكن الذين يصومون يتناول قسم معتبر منهم الكحول في أشهر السنة الأخرى. بل إن بعضهم يكتفي من الصيام بالإفطار, رغم ما في هذا من تناقض ، أي أنه لا يصوم لكنه يشارك في الإفطارات. نجد في هذا مثالاً للحرص على تشديد تماسك الجماعة على الرغم من خلوّ هذا الحرص من الأساس المفترض لهوية الجماعة وهو الأساس العقيدي أو الإيماني.
فنحتفظ بالشكل الذي يستبقي الجماعة متجانسة متضامنة, ولا يهمّ بعد أن نترك للأفراد هامشاً يتحركون فيه على هواهم, ما دام الأمر يجري في دائرة تخصّهم وحدهم ولا تخصّ الجماعة بصورة وجودها العامّة.

* هل يمكننا القول : إن الفرد العربي في حالٍ أفضلَ من حال الفرد الغربي, لكون الأول محمياً من قبل جماعته ومترفاً في حريته في الوقت ذاته, بينما الفرد الغربي ليس محمياً ؟
- لا أرى أن في إمكاننا الحديث هنا عن أفضلية للفرد العربي. فهو في الواقع مأسور في أكثر المجالات حسماً في تحديد مصيره ومصير مجتمعه. فالأسر يمارَس على الصعيد السياسي, على صعيد القرارات الاستراتيجية المتعلقة بالحياة الفردية, على صعيد التعبير عن العقيدة. مقابل هذا الأسر المتعدد الوجوه, هناك, كما قلت ، نوعٌ من الطمأنينة الموفرة للفرد, وهي بمعنى من المعاني مكافأة له على تقبّله الذليل لسائر أصناف الكذب المفروضة عليه.

* وهل تؤمن بأن الفرد الغربي هو أكثر حرية وأقلّ ذلاً من الفرد العربي? فالفرد الغربي لا يقرّر كثيراً حياته الفردية, إذ من يقررها له هي السلطات الاقتصادية, التي ما من سواها يتحكم اليوم في الغرب بالسياسي والفردي.
- صحيح. الفرد الغربي يخرج منذ عشرات من السنين من دائرة القرار. المشكلة هناك مطروحة بصيغة مختلفة جداً من الصيغة التي تُطرح فيها عندنا. ولكنها مع ذلك مشكلة ضخمة وأساسية, المشكلة تكمن في التمركز التدريجي للقرارات في دوائر تخرج عن دائرة التمثيل التي يشارك الأفراد في صناعتها. هذا الخروج جعل الفرد متناقص الأثر باطراد ، فيما يخصّ مصيره ومصير المجتمع بعامة. المشكلة اليوم أن القرارات الكبرى لم تعد في يد المجالس النيابية, لم تعد في يد الحكومات, إنما في يد الشركات الكبرى والهيئات الاقتصادية والتجمعات, المجانسة لهذا نجد أن الصيغة التي تطرح فيها مشكلة الفردية في الغرب اليوم, هي مشكلة تجويف المواطنية.

* تماماً , وهذا ما يفسد حياة الفرد الغربي دون أن يدري: تغييب المواطنية من خلال تغييب السلطات لشتى الجماعات الأولى وذلك لصالح سلطة الاقتصاد.
- النموذج الغربي بدأ يتجاوز نفسه لكن في المقابل هذا لا يعني أننا لا نواجه مشكلة أساسية وعميقة لا تردّ إلى مجرّد الشعور بالضيق المعنوي, وإنما تنتهي إلى خنق الرغبة في الخلق أصلاً, خنق القدرة عليه, الإلزام بالتقليد.

* تقول في أحد فصول الكتاب : . كما ترى الآن انتقل كلياً إلى المسائل اللبنانية, وأريد منك توضيحاً لهذا القول.
- عادة ما يصوّر المجتمع اللبناني ( مجتمع مسيحي- إسلامي ). لكن المجتمع اللبناني, فوق كونه مجتمعاً مسيحياً - إسلامياً ، وفيما يتعدى هذه الازدواجية, هو أساساً, مجتمع متعدد الطوائف يتشكل في الماروني والأورثوذوكسي والكاثوليكي والشيعي والسني والدرزي... الخ, وليس يستغرق واقعه هذا الازدواج المسيحي- الإسلامي.

* هل نسميها تعدّد ثقافات ؟
- إنها تعدّد هويات.

* أوَ ليست الهوية ثقافة (الثقافة في معناها الحياتي) ؟
- أنا أميل إلى القول إن الهويات اللبنانية الطائفية هي هويات شبه فارغة من حيث المضامين الثقافية. ويمكن أن ننظر إلى الأمر من زاوية انطروبولوجية, وبهذا المعنى هناك فوارق هي أشبه بالفوارق بين القبائل, وهذه الفوارق يمكن أن نجد آثاراً لها في أمور مختلفة من الحياة اليومية ، من مأكل ومشرب وملبس وما إلى ذلك, وهناك بالطبع الفارق الأساسي في المعتقد الديني أو المذهبي. ولكن إذا خرجنا من هذا المستوى إلى المستويات المتصلة بالثقافة العليا, الثقافة بالمعنى الضيق للكلمة, أي الآداب, الفنون... الخ, فان أساس الانفراد الثقافي يصبح شديد الهشاشة.

* بعيداً عن مفهوم الثقافة المؤسساتية الرسمية التي يشارك فيها الجميع على حد  سواء, هل ترى أنت فوارق أساسية جوهرية فيما بين الهويات اللبنانية? هل ترى لبنانيتك غير لبنانيتي ؟
- المجتمع مبنيّ سياسياً على أساس طائفي, لا يمكن ألا يكون هناك هويات متقابلة ومتنازعة. مصدر التنازع بين الهويات الطائفية هو أن ثمة إقراراً أصلياً بكون المبدأ الطائفي هو المبدأ الناظم سياسياً للمجتمع وللدولة في لبنان. وحين يتعلق أمر التمثيل والمصالح في مجال الدولة وفي جميع المجالات التي تطول إليها سلطة الدولة بالمبدأ الطائفي, فالتنازع يصبح محتّماً .
المشكلة ليست في المضمون الثقافي للهويّات الذي هو في رأيي مضمونٌ ضحلٌ وينطوي على الكثير من الافتعال والتضخيم لما هو موئل للفوارق. المشكلة هي في صيغة التنظيم التي تفرض الصيغة عينها للنزاع.
القاعدة الطائفية معطلة ولا تحلّ أي مشكلة من مشكلات البلاد الكبرى والاستراتيجية. لا تحلّ مثلاً مشكلة الخلل المتزايد في الميزان السكاني, وهو خلل أصبح هائلاً . لا تحلّ مشكلة التحوّل في ميزان القوى المالية والاقتصادية داخل البلاد. أي انتقال الثروات من يدٍ طائفية إلى يدٍ طائفية أخرى. ويُفترض أن يعبّر عن ذلك في تكوين السلطة لأن الأخيرة مسؤولة أيضاً عن تمثيل الموازين الاقتصادية وغيرها في البلاد. وهذا أمر لا يحصل.
القاعدة الطائفية تفترض أن البلاد ثابتة ديموغرافياً , ثابتة اقتصادياً , ثابتة تعليمياً , أي أن هذه القاعدة تفترض بكل بساطة أنه لا يطرأ أي تغيّر في أوضاع البلاد الأساسية كافة, هذا بينما واقع الأوضاع الأساسية للبلاد, لا ينفكّ يتغيّر.
لذلك أقول : إن القاعدة الطائفية معطّلة. هي معطّلة, لأنها بعزوفها عن مواجهة المشكلات الأساسية في البلاد تترك منفذاً وحيداً لهذه المشكلات, هو العنف, لا أكثر ولا أقلّ .
الحل هو إلغاء القاعدة الطائفية.

* على ماذا ستركز العلمنة ؟
- العلمنة تفترض أن الناس يتوزّعون على قاعدة مصالح معينة, على قاعدة انتماءات طوعية, وهناك احتياطات في الأنظمة السياسية وخصوصاً في الأنظمة الانتخابية تتّخذ كما في كل مجتمع آخر, حتى لا تكون هناك هيمنة جديدة على أساس طائفي, معلن أو مستتر.
--------------------
مجلة نزوى – عُمان :
http://www.nizwa.com/volume35/p151_158.html

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: