اللغة وهاجس المصطلح - د. حسناء عبدالعزيز القنيعير

اللغة روح الأمة ونسغها النابض وعنوان من عناوين تقدمها وازدهارها, ولهذا تحرص الأمم على تجديد لغاتها لتجعلها صالحة لمواكبة المستجدات العصرية, ومزاحمة اللغات الوافدة, لتكون أداة طيعة للتفكير والتعبير, وعندما أقول التجديد فاني لا أعني التيسير أو التسهيل الداعيين الى تخفيف أصولها من نحو وصرف, والمؤديين في نهاية المطاف الى التردي والركاكة اللغوية, بل هو التجديد الذي يشحذ العزائم ويتحدى الارادة المتوثبة.
ويؤدي المصطلح العربي دورا متميزا في عمليتي التجديد والتوليد, حيث يشكل مدخلا لغرس المفاهيم الجديدة في الذهنية العربية.
والمصطلح إما ان يكون ابن بيئته أعني ان يكون معبرا عن مفهوم مستحدث في البيئة نفسها وليس وافدا عليها من بيئة أخرى, ومثاله معظم المصطلحات التي استجدت اثر مجيء الاسلام وهو هنا يدين في وجوده للمنظومة الفكرية واللغوية للمحيط الذي ولد فيه. وإما ان يكون منقولا عن طريق الترجمة, بمعنى ان يفد المصطلح الينا بلفظه الأجنبي حاملا مفهومه الخاص, وهنا يأتي دورنا لترجمته بالتعبير عنه بمكافئ عربي يدل عليه بدقة, ومثاله كل المصطلحات الوافدة في جميع الحقول المعرفية, فعندما وفد المصطلح TELEPHONE وضع له المقابل مسرة وهو اسم آلة على وزن م ف علة, جاءوا به من الإسرار بالحديث الى الشخص الذي على الطرف الآخر من الخط, وفيما بعد نظروا في دلالة السابقة الأجنبية (tele) (prefix) التي تدل على البعد فمن يتكلم على الهاتف تسمعه ولا تراه (1), فوضع العرب له المقابل العربي هاتف.
وإما أن يكون المصطلح مقترضا من لغة أخرى, ومثاله كل المصطلحات التي دخلت العربية وبقيت مستعملة بالفاظها وأصواتها الأجنبية, كأسماء الأمراض والأدوية والآلات وكثير من السلع التجارية وعلاماتها.
ولعل الحديث عن قدرة اللغة العربية على مواكبة العصر تكرار نحن في غنى عن الخوض فيه لكن هذا لا يمنع ان نؤكد على انه ثمة عائق يحول بين العربية والقيام بدورها في التعبير عن منجزات العصر, ألا وهو موقف ابناء العربية منها وعجزهم عن تفعيل آليات تجديد ثروتها اللفظية من اشتقاق ومجاز وتركيب ونحت وان كان الاشتقاق يمثل الرافد الأكثر تدفقا والأقوى انصبابا فما ذاك الا لكونه يقوم فيما يقوم على صيغ معروفة لها دلالات خاصة فتصب الجذور في قوالب يحمل كل منها هيئة مختلفة وزيادات صوتية وتبقى دلالة الألفاظ المشتقة مرتبطة الى حد بعيد بالجذر, وهذا التنوع الدلالي للصيغ مصدر اثراء لفظي كبير للغة ذلك ان ارادة توليد لفظ أو مصطلح جديد يقتضي النظر في هذه الصيغ ومعرفة دلالاتها ثم يقاس المعنى الجديد الذي يراد التعبير عنه على الصيغة بمعناها الذي استقر لها.
وان كان الاشتقاق قد ساعد العربية على تجديد ثروتها اللفظية والمصطلحية بعد مجيء الاسلام كماساهم إبان العصر العباسي في خلق المصطلح العلمي لكل العلوم التي استجدت بفضل اتساع حركة الترجمة, فقد شهد هذا العصر اعظم استخدام لآلية الاشتقاق وذلك في مطلع عصر النهضة, حيث اخذت تتوافد على البلاد العربية علوم الغرب ومخترعاتهم ومنتجاتهم حاملة معها المصطلحات الدالة عليها, فعندما وصلتهم الآلة التي يركبها الناس لتنقلهم من مكان لآخر باسم (AUTOMOBILE) نظروا في عملها فوجدوها تسير فاشتقوا اسما لها من السير وقالوا سيارة, على وزن فع الة من أوزان صيغ المبالغة, وأيضا من أوزان اسم الآلة للدلالة على كثرة ما تقوم به, وقد وجدوا ان هذه السيارة تحتاج الى من يقودها, فنظروا في رصيدهم اللغوي القديم فوجدوا كلمة (سو اق) وكانت تطلق على من يرعى القطيع, فنقل اللفظ من معناه القديم الى المعنى الجديد, أما (AIRPLANE) فقد اشتقوا لها اسم فاعل من الجذر الثلاثي فقالوا (طائرة), وأما (AIRPORT) فقد نقلوا له مصطلحا من رصيدهم القديم (مطار) وكان يعني المكان الذي تطير منه أو اليه الطيور كما اشتقوا من (ص ع د ) اسم آلة على وزن م ف عل فقوال (م ص عد), وكان القدماء قد اشتقوا من الجذر نفسه اسم آلة على زنة (م فعال) للدلالة على الآلة أو الطوق الذي يلبس لتسلق النخل.
وفيما يتعلق بالمصطلح العلمي فقد واجه العرب فيما واجهوا سيلا من المفاهيم العلمية التي أصبحت تتدفق عليهم بكثرة لم تمكنهم من السيطرة عليها بوضع المصطلحات المقابلة لها ذلك ان وضع المصطلح العلمي يحتاج الى تكاتف جهود جهات عديدة, وواقعنا العربي يشهد تشتت الجهود وتبعثرها ليس في مجال المصطلح وحسب بل في مجالات عديدة, ومع هذا فقد ظلت آلية الاشتقاق خير معين لهم على التسريع في وضع المكافآت العربية, فمثلا استفاد العرب من الصيغ الاشتقاقية في وضع المصطلح الطبي, وذلك نحو صيغة فعلان بفتح الفاء والعين, الدالة على الحركة والاضطراب التي استخدمت للتعبير عن المصطلح: (DIS ORIENTATION) الذي يدل على (اضطراب فكري في علاقة الشخص الطبيعية بمحيطه, وخاصة فيما يعود للزمان والمكان والبشر, يرافقه خلل في الدماغ) بـ (توهان) والتوهان في اللغة يعني الحيرة والضلال, واما المصطلح (FIPRILATION) فيعني التقلصات المستقلة التلقائية للألياف العضلية, ولما كان المفهوم يدل على الاضطراب, اختير له المقابل (رجفان).
كذلك استفاد العرب من صيغة (فـع ال) بضم الفاء وفتح العين الدالة على المرض المفهوم من قول سيبويه (وأما السـك ات فهو داء كما قالوا العـط اس, فهذه الأشياء لا تكون حتى تريد الداء) (2).
وتأتي بعض المصطلحات الأجنبية مختومة بلاحقة المرض (OSIS), ويأتي بعضها الآخر مختوما باللاحقة (AI) التي تعني ان الظاهرة غير سوية, ومن المصطلحات التي عبر عنها بصيغة فعال, جـلاد (DERMATOSIS), وعـص اب (NEUROSIS) وفـص ام (SCHIZOPHRENIA) وهـراع (HESTRIA) , ويلاحظ في هذه المصطلحات تعدد عناصر المصطلح الأجنبي مقابل تكثيف المفهوم في صيغة عربية واحدة اكسبت المصطلح العربي خفة ورشاقة.
وفي هذه الثورة المصطلحية العربية لا يخفى دور الكتاب والمبدعين العرب الذين يساهمون ايما مساهمة في ابتكار المصطلح العربي خفة ورشاقة.
وفي هذه الثورة المصطلحية العربية لا يخفى دور الكتاب والمبدعين العرب الذين يساهمون أيما مساهمة في ابتكار المصطلح وتوليده, ولا يكاد يمر يوم دون ان يطالعنا الاعلام العربي مسموعا ومقروءا بذخيرة مصطلحية جديدة, فيأخذنا الزهو الإعجاب ونطرب لهذا الترف والثراء اللذين جاءا نتيجة وعي وفهم لطبيعة العربية المطواع, فوـض ع المصطلح ثم قـذف به في ساحة الاستعمال, تلك التي تكفل له فرص الانتشار والشيوع. ومن هذه المصطلحات على سبيل المثال, مصطلح (إعذاب الماء) الذي يستخدم في المغرب الشقيق للدلالة على معالجة المياه لتكون صالحة للشرب, ولعله مقابل ما اصطلح عليه عندنا بـ (تحلية المياه) خصوا به مياه البحر التي تعالج لتكون صالحة للشرب, وقد جاء على صورة مصدر الفعل الثلاثي المزيد بهمزة في أوله على وزن (إفعال) الدال على التعدية والصيرورة, فأغذبتـ الماء إعذابا صيرته عذبا .
ورأيت يوما في إحدى صحفنا المحلية مصطلح (المسافنة), وأظنه يعني الأماكن التي ترسو فيها السفن في حال عدم إشغالها, وربما كان كالمواقف للسيارات, وقد اشتق من اسم العين (سفينة) مصدرا للثلاثي المزيد بالألف بين فائه وعينه (ف اع ل) على نحو (ص اف ح), وذلك لضرب من التوسع في دلالة الصيغة التي من أبرز معانيها المشاركة, غير ان هذا المعنى غير واضح هنا. (3).
وقرأت في الصحيفة نفسها خبرا عن (مسح كائنات البحر الأحمر المشاطئة للسواحل السعودية) حيث اشتق المصطلح من (شاطئ) على وزن اسم الفاعل من الفعل الثلاثي المزيد بالألف (ف اع ل) كقاتل, واسم الفاعل منه (مـفاع ل), وتعني المشاطئة; عيش الكائنات البحرية بمحاذاة الشواطئ, ومعنى المشاركة المستفادة من صيغة فاعل واضح هنا.
وفي موطن إحلال المواطنين في الوظائف التي يشغلها غيرهم, صارت الصحف الخليجية والمحلية تكثر من استعمال مصطلح (توطين الوظائف) بمعنى اشغالها من قبل المواطنين, اشتقاقا من الوطن على صورة مصدر الفعل الثلاثي مضعف العين (و ط ن, توطين), ومثله ما ذكرته صحيفة الحياة عن الدور الذي قامت به الجزائر في (تثوير أفريقيا) من الثورة ضد المستعمر.
ومن مصطلحات النقد الأدبي ما ذكره الشاعر عبده وازن في صحيفة الحياة, من أن أحد النقاد العرب ابتكر مصطلحا جديدا للسرقة الأدبية بقوله "وقد نجح أحد النقاد العرب في اشتقاق كلمة على وزن التناص هي التلاص; ليسخر من السارقين الذين يبررون سرقتهم تبريرا ثقافيا" (4) والأصل في (التناص والتلاص) تناصص وتلاصص, على وزن تفاعل ثم ادغمت الصاد في الصاد لأنهما مثلان, وفي السياق نفسه عبر الشاعر محمد علي شمس الدين عن السرقة الأدبية بمصطلح أخف وطأة من التلاص, فاشتق من الأخذ مصطلحا على وزن تفاعل فقال (تآخذ) للدلالة على المشاركة في الطرح, وأن كان بصفة غير مشروعة. (5).
ويكثر في الصحافة العربية ورود المصطلح (تسيس) اشارة الى اقحام السياسة في القضايا غير السياسية, كما حدث من تسييس للثقافة من قبل بعض المثقفين العرب لدن انتخاب رئيس جديد لمنظمة اليونيسكو, وقد اشتق المصطلح على صورة مصدر الفعل الثلاثي مضعف العين (سي س), ولا تخفى على المتتبع دلالة هذه الصيغة على الكثرة.
ومن هذه المصطلحات (مأسسة) الذي يعني تفعيل دور المؤسسات عن طريق استحداث النظم والقوانين اشتقاقا من (مؤسسة) على وزن فعللة مصدر للرباعي المجرد, وأما محمد رضا نصر الله فقد جعل المصطلح (ممأسسة) وذلك عند حديثه عن ميلاد أنظمة عدة في بلادنا كنظام التأمينات الاجتماعية وغيرها, جاء به على وزن اسم المفعول المؤنث مما فوق الثلاثي.
ولعل الاستاذ عبدالعزيز الذكير أكثر كتاب صحيفة "الرياض" إثارة لقضايا المصطلح, وذلك في زاويته (نافذة الرأي), تشدني اليها تلك الومضات اللغوية التي يأتي بها بين الحين والآخر شاهدة على انه مسكون باللغة شأنه شأن كثير من اللغويين. وكان المصطلح وما يتعلق به من قضايا من الأمور التي نطالعها في زاويته بين الحين والآخر, ذلك ان المصطلح يشكل لنا ـ نحن اللغويين ـ هاجسا يوميا, وأحسبني لا أبالغ اذا قلت استفزازا يوميا, لكنه استفزاز لذيذ يجعلنا نؤمن أن اللغة ليست في نهاية الأمر سوى وضع واستعمال, ومعاناة يومية نحيا لها وبها, إذ لا حياة للغة تقبع بين دفات الكتب والمعاجم.
ومن أطرف ما كتبه الأستاذ عبدالعزيز تفسيره ـ إن جاز لي التعبير ـ للمصطلح (تسبيع) الذي شاع استخدامه لدى العامة في منطقة القصيم, وأضيف الى ما قاله ان المصطلح مصدر الثلاثي مضعف العين الدال على الكثرة (سب ع) اشتقاقا من العدد (سبعة) الذي جاء استخدامه فقهيا في معرض ازالة النجاسة من الوعاء إذا ولغ فيه الكلب, حيث يغسل سبع مرات إحداها بالتراب, لهذا جاء استخدام الفعل (سب ع) ومصدره (تسبيع) استخداما مجازيا في غسل آنية المطبخ التي لا يزيد غسلها عن مرتين واحدة بالصابون وأخرى بالماء.
ومن القضايا التي يكثر من إثارتها في زاويته, قضية ترجمة المصطلحات الأجنبية, فهو يرى (أننا لن نفلح ـ ولو حرصنا ـ على جعل الجيل الجديد يستوعب مفردات عربية تتعامل مع المستجد من المخترعات), ويستثني (الجوال) ـ واني وان كنت اتحفظ على هذا المصطلح, لأنه ليس هو الذي يجول وانما يـجال به, وأفضل عليه المنقول أو المحمول وهما وصفان لموصوف محذوف (أي الهاتف) المنقول أو المحمول) جاءا على وزن اسم المفعول ـ فاني أوافقه في أن (الجوال) صمد أو كاد على الرغم من مزاحمة مقابله المعر ب موبايل (MOBILE) .
كما اني لست من المطالبين بوضع مقابل مترجم لكل منتج أو سلعة غربية تفد الينا ذلك ان الترجمة علاوة على انها سوف تستغرق وقتا ليس باليسير يستحسن ان نستغله في ترجمة علوم الغرب, فان المنتجات الغربية والسلع التجارية تأتينا حاملة معها أسمها التجاري, فكم من لفظ عربي وضع مقابل (COMPEUTER) ومع ذلك لم يصمد منها الا اللفظ المعرب (كمبيوتر).
ولا ريب ان خفة المصطلح الأجنبي ورشاقته يساهمان في نشره واشاعته وابعاد مقابله العربي, فمصطلح (دش) الذي ذكر الاستاذ عبدالعزيز ان ابناءه (سيضحكون لو انه استخدم مقابله العربي وهو طبق أو صحن) وكذا مصطلح (فاكس) الذي لم يوضع له حتى اللحظة مقابل مناسب, اقول: ان هذين المصطلحين اصبح لهما من الرواج على ألسنة المثقفين والعامة بحيث لن يقدر أي مقابل عربي على ازاحتهما والحلول مكانهما, فالاستعمال هو الفيصل في الحكم على المصطلح عربيا كان أم معربا, وهذان المصطلحان وغيرهما من المصطلحات التي دخلت اللغة العربية بهيئتها الأجنبية واستعملت كما هي أو أـجري عليها تغيير في ابنيتها وأصواتها, تعرف بالمصطلحات المعربة وتعريب اللفظ حسب ما ورد في الصحاح هو (ان نتفوه به العرب على منهاجها) (6) أي ان يجزي استعماله على ألسنة الناطقين بالعربية وكأنه لفظ عربي صميم, فيشتقون منه وينسبون اليه ويصغرونه ويجمعونه ويثنونه وما الى ذلك.
ولهذا لا ندهش حين نسمع العامي يجمع (الدش على دشوش) قياسا على (كف وكفوف وح ص وحصوص), فيخرق القاعدة التي تنص على أن يجمع الاسم الأعجمي بالألف والتاء, أي جمع مؤنث سالم نحو تليفونات وتلفزيونات, فللعامي أقيسته وأوزانه مثله مثل الطفل الذي يقيس القياس الخاطئ, وهو أي العامي جرئ في وضع مصطلحاته, بخلاف المثقف والمؤهل الذي يحترس في أقيسته وكثيرا ما يتمترس خلف المصطلح الأجنبي حينما لا يجد المقابل المناسب عربيا كان أم معربا.
لقد تسللت بعض الألفاظ والمصطلحات الأعجمية الى اللغة العربية منذ القدم, ولا يختلف اثنان في شأن ورود شيء منها في القرآن الكريم, وذلك سنة من سنن اللغات في التلاقح والاقتراض, غير ان العرب غيروا بعضها بالنقص من أصواتها للتخفيف من ثقل العجمة وكي ينزلوها على أوزان العربية فبقيت هذه الألفاظ في متن المعجم العربي شأنها شأن العربي الفصيح.
إن البحث في أصل الألفاظ غير العربية لا يفتأ يشغل حيزا غير يسير من اهتمام الذين يشتغلون باللغة وكنت قد رأيت لوحة لأحد الرسامين الغربيين, تمثل سوقا شعبيا قديما في مدينة جدة, وقد بهرتني براعة الرسام وقدرته على تصوير الدقائق بمهارة بالغة, لكن الذي استوقفني اكثر من ذلك هو اسم السوق (الجودرية) وقد كتب هكذا بالحرف العربي واللاتيني, وسرعان ما تبينت ان هذا الاسم ربما كان تعريبا للمصطلح الأجنبي (GALLERY) الذي من معانيه في المهاجم الأجنبية (ممر طويل مسقوف لحفظ الأعمال الفنية او عرضها) (7) وربما كان قد دخل جدة عن طريق الجالية الأجنبية التي كانت تقيم فيها, فغير أهل جدة اللفظ بالتصرف في أصواته فصار الجودرية. ويعد النحت من وسائل تنمية المصطلح العربي, وهو (ان تؤخذ كلمتان وتنحت منهما كلمة تكون آخذة منهما جميعا بحظ) وذلك كقول العرب (عبشمي) من عبد شمس, وقد تحمس بعض العرب في العصر الحديث للنحت, وعارضه بعضهم الآخر, بحجة أنه لا يتناسب وطبيعة اللغة العربية, كما يفتقر الى قاعدة تنظمه وتضبط ما يسقط من حروفه وما يبقى منها, ثم اتفقت المجامع اللغوية العربية على تقييد استخدامه بالضرورة, وأن يكون على وزن من أوزان العربية, وأن يكون شفافا دالا على الأصل الذي أخذ منه, وأن يمكن الاشتقاق منه وتثنيته وجمعه والنسبة اليه. ولهذا طالعتنا الصحافة العربية إبان حرب الخليج بمصطلح الفرق المجوقلة على وزن مفوعلة, نحتا من (المنقولة جوا), كما استخدم الكاتب الفلسطيني أميل حبيبي آلية النحت في وضع عنوان إحدى رواياته وهو (المتشائل) نحتا من المتفائل والمتشائم, وقد جاء هذا المصطلح منسجما والشروط التي وضعتها المجامع العربية للنحت, فكان المصطلح شفافا موحيا بالاصل الذي أخذ منه, كما جاء على وزن من أوزان العربية, وقد ساعد هذا المصطلح على إدخال لفظ بمعنى جديد إلى العربية, وهي الحال التي يكون فيها المرء بين التفاؤل والتشاؤم, وقد شاع هذا الاسلوب في لغة العلوم حيث ينحو واضعه منحى الاختصار, فرارا من طول المصطلح الأجنبي ومقابله العربي أو المعرب, ومن ذلك المصطلح زمعنة أي (ازالة المعادن من الماء) DE MINERALIZATION OF WATER وقد جاءوا به على وزن (فعللة), كذلك المصطلح (كـر يضة) على وزن (فـع يل ة) للدلالة على كريات الدم البيضاء (LAUCOCYTE) ومن آخر المصطلحات التي وضعت نحتا المصطلح (ضبخان) تعبيرا عن المصطلح الأجنبي (SMOGA) ويعنى الضباب المختلط بالدخان الذي يلوث اجواء المدن الكبرى وهو منحوت في لغته من (SMOK) و (FOG) وقد ترجم الى العربية بمركب وصفي هو الدخان الضبابي, وأرى المصطلح المنحوت أليق بلغة العلوم وأخف. لكن تبقى العبرة في الاستخدام وشيوع المصطلح على ألسنة المستخدمين فهما اللذان يحققان له فرص الانتشار, أما بقاؤه حبيس المعاجم فلن يساهم الا في تضخم معاجمنا العلمية والحضارية المختصة.
1 ـ ينظر لسان العرب, طبعة دار صادر, بيروت د.ت (هتف).
2 ـ كتاب سيبويه, بتحقيق محمد عبدالسلام هارون 4/10.
3 ـ "وقد يجيء فاعلت لا تريد بها اثنين, لكنهم بنوا عليه الفعل كما بنوه على أفعلت, وذلك قولهم: ناولته وعاقبته..." السابق 4/68.
4 ـ ملحق آفاق, الحياة, 26 يناير 1998م.
5 ـ ثقافة اليوم "الرياض", 2 مارس 2000م.
6 ـ ينظر الصحاح, اسماعيل الجوهري, تحقيق أحمد عبدالغفور عطار, طـ (2) دار العلم للمعلمين بيروت 1979, 179.1.
7 ـ ينظر WEBSTER, S NEW WORLD DICTIONARY OF THE AMERICAN LANGUAGE P.571 - 1972
==============
نشر في صحيفة الرياض الاثنين 18 صفر 1421 العدد 11655 السنة 37
http://www.alriyadh.com.sa/Contents/2000/05/22-05-2000/page7.html

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: