الاشتقاق النحتي وأثره في وضع المصطلحات ـــ د.ممدوح محمد خسارة

"معنى النحت أن تُؤُخَذ كلمتان، وتُنْحَت منهما كلمةٌ تكون آخذةً منهما جميعاً بحظِّ، والأصلُ في ذلك ما ذكره الخليلُ من قولهم: حَيْعَل الرجلُ إذا قال: حيَّ على...."([1]). هذا ما وَضَعَه ابنُ فارس من تعريفٍ لهذه الظاهرة اللغوية في العربية؛ وقد كرَّره في كتابه (فقه اللغة) على ما نقل السيوطي من قوله: "العربُ تَنْحَت من كلمتَينْ كلمةً واحدة، وهو جِنْسٌ من الاختصار، وذلك نحو: رجلٌ عَبْشَمي، منسوبٌ إلى اسمَيْن.. وهذا مَذْهَبُنا في أنَّ الأشياءَ الزائدةَ على ثلاثةِ أحرف فأكثرُها منحوتٌ، مثل قول العرب للرجل الشديد ضِبَطْر من ضَبْط وضَبْر... وفي الصِّلْدِم أنه من الصَّلْد والصَّدْم.”([2]).

أمَّا المحدثون فقد زادوا التعريفَ السابق بعضَ التأصيل والتَّفصيل. يقول عبد الله أمين في تعريفه- بعد أن يسمِّيَه الاشتقاق الكُبار: "النحتُ في اللغة القَشْر والبَرْيُ والتَّرقيقُ والتسويةُ، ولا يكون إلا في الأجسام الصُّلْبة كالخَشَبِ والحَجَرِ ونحوهما. والنحتُ في اصطلاح أهلِ اللغة أخذُ كلمةٍ من كلمَتيْن أو أكثر مع المناسبةِ بين المأخوذِ والمأخوذِ منه في اللَّفظِ والمعنى معاً، بأن تَعمِد إلى كلمتين أو أكثر فتُسقِطَ من كلٍّ منها أو من بعضها حرفاً أو أكثرَ، وتضمَّ ما بقي من أحرفِ كلِّ كلمةٍ إلى الأخرى، وتُؤَلِّفَ منها جميعاً كلمةً واحدةً فيها بعضُ أحرف الكلمتين أو الأكثر، وما تَدُلاَّن عليه من معان"([3]).

أشكال النحت وحالاته:

آ- نحت فعلي من اسمين، وذلك بصياغة فعلٍ رباعي منهما على وزن (فَعْلَل)، نحو (بَسْمَل) إذا قال: بسم الله.

ب- نحت فعلي من جملةٍ وذلك بصياغةِ فعلٍ رباعي منها على وزن (فَعْلَل)، نحو (حَوْلَق) إذا قال: لا حولَ ولا قُوَّةَ إلا بالله. وبَأْبَأَ إذا قال: بأبي أنت..
جـ- نحت اسميّ من اسميْن نحن (حَبْرَمان) نحتاً من حبّ الرمَّان و(الحَزْرَمَة) من الحَزْم والرأي.
د- نحت نسبيّ من عَلَمٍ مَرَكَّبٍ إضافيٍّ: نحو عَبْقَسيّ من عبد القيس، وعبشميّ من عبد شمس، وتَيْمَليّ من تَيمْ الله.. أو مركبٍ مزجي: نحو حَضْرَمِي من حَضْرَموت. أو عَلَمِ كنية: نحو: بَلْحارث من بني الحارث، وبَلْعَنْبَر من بني العنبر.

وزاد بعضُهم النحتَ الوصفيَّ، نحو (صِلْدِم) من الصَّلْد والصَّدْم.([4]) وجعَلَ منه آخرون النحتَ الحَرْفيّ، وهو المُؤَوَّل في بعضِ أحرف المعاني، كما ذهب ابنُ جني إلى نحتِ (كَأَنَّ: من الكاف وأنَّ؛ ولكنَّ من لا وأنَّ والكاف؛ وليْس من لا وأَيْس)([5]).

والذي يُهم من هذه الأنواع في التوليد هو النحتُ الفِعْلي والاسمي، بل إن بعضَهم أنكرَ النحتَ إلا في الأفعال حيث يقول: "إن النحت اتُّخِذ للأفعال لا للأسماء، أي إنهم كانوا يقولون: (سَبْحَل فلانٌ وحَوْقَل) ولم يقولوا في العادة: (اعتاد فلانٌ السَّبْحَلةَ والحَوْقَلة) فالمصدرُ لم يكن مراداً في استعمالهم النحت"([6]).

ولابد من التنبه بداءةً إلى أن مفهوم النحت قد تداخل مع مفهومين آخرين في العربية هما مفهوم الإلحاق ومفهوم التركيب المزجيّ.

آ- فمن جهة الإلحاق، نرى أن كثيراً ممَّن دَرَسَوا ظاهرةَ النحت قد خَلَطُوا بينها وبين ما يمكن أن نسمِّيَه بالإلحاق الدلالي، تمييزاً له من الإلحاق الصرفي الذي قد لا يحمل دلالةً ما، كقولهم إن (جَدْوَل) ملْحَق به الواو لإلحاقه بجَعْفَر، والذي قال يه ابنُ جني: "اعلم أن الإلحاقِ إنما هو بزيادة في كلمة تَبْلُغ بها زِنةَ المُلْحَق به لضربٍ من التوسُّع في اللغة.. ولا يبقى بعد ذلك غرض مطلوب".([7])

وأول ما ظهر هذا الخلط بين المفهومين عند ابن فارس الذي قال مُمَثِّلاً للنحت: "فمِمَّا جاء منحوتاً من كلام العرب في الرباعي أوله باء (البُلعوم) مجرى الطعام في الحلق، وقد يُحْذَف فيقال: بُلْعُم، وغير مشكِلٍ أن هذا مأخوذٌ من [بَلَع]، إلا أنه زيْدَ عليه ما زيد لِجنسٍ من المبالغة في معناه"([8]). وظاهرٌ هنا أن النحتَ لم يستوف الشرطَ الأساسي وهو الأخذُ من كلمتيْن، فما وَقَع في هذا المثال لم يكنُ أَخْذاً من كلمتين، بل زيادة على كلمة واحدة. وكنا نظن أن هذا المثال مفردٌ عنده بين مجموعةِ أمثلةٍ تُمَثِّل نحتاً على مذهبهِ كقوله: "من ذلك (بُحْتُر): القصير المجتمع الخَلْق، فهذا منحوتٌ من كلمتين، من الباء والتاء والراء، وهو من بَتَرْتُه فبُتِر، كأنه حُرِم الطول فبُتِر خَلْقُة، والكلمة الثانية: الحاء والتاء والراء، وهو من (حَتَرْتَ) وذلك ألا تُفْضِل على أحدٍ، يقال: أَحْتَر على عياله أي ضيَّق عليهم، فقد صار هذا المعنى في القصير لأنه لم يُعْطَ ما أعطيَه الطويل"([9]). إلا أنه عاد وذكَرَ في الباب التالي مباشرة ما يدل على أن زيادةَ أيِّ حرفٍ في كلمةٍ ولو لم يَكُن مأخوذاً من كلمةٍ أخرى تُعَدُّ عنده من النحت. قال في (باب من الرباعي آخر): "ومن هذا الباب ما يجيء على وزنِ الرباعي، وهو من الثلاثي على ما ذكرناه، لكنهم يَزيدون فيه حرفاً لمعنىً يريدونه من مبالغةٍ، كما يفعلون ذلك في (زُرْقُم وخَلْبَن)، لكن هذه الزيادة تقع أولاً وغَيْرَ أول"([10]).

ويبدو أن هذا الخلاف قديمٌ بين اللغويِّين إذ كان الإمام أحمد بن يحيى ثعلب يرى في (زَغْدَب) أنه من (زَغَد) والباء زائدة، وكان محمد بن حبيب يرى في (عَنْسَل) أن أصله (عَنْس)؛ لكن ابن جني في الكلام على (بُغْثُر بن لقيط قال: "كأنه من معنى (الأَبْغَث)، ولست أقول إن الراء زائدة كما قال أحمد بن يحيى إن الباء من (زَغْدَب) زائدة، لأنه أخذَه من (الزَّغْد) وهو الهدير يُقَطِّعه البعيرُ من حَلْقه، هذا ما لا أستجيزه وأعوذُ بالله من مثله"([11]).

وعلى مذهب ابن فارس في الخَلْط بين المنحوت والمزيد إلحاقاً سار الدكتور صبحي الصالح إذْ قال: "فمن الأفعال المنحوتة تصديراً بزيادة حرفٍ معبِّر في أولها (بَحْظَلَ الرجلُ بَحْظَلَة): قفز قَفَزات اليُربوع، فالباء زائدة على حظَل"([12]).

إننا وانطلاقاً من تعريف ابن فارس نفسِه للنحت، لانَعُدّ أمثالَ هذه الحالة نحتاً، فإنْ هي إلا نوعٌ من الإلحاق الذي سنعقد له فقرةً لاحقة.

ب- أمَّا من جهة التركيب المزْجيّ فقد خَلَطوا بينه وبين النحت أيضاً؛ وكثيراً ما استشهد الباحثون بكلماتٍ مثل (بَرْمائي ورَأْسمالي) التي هي تراكيبُ مزجية وليست نَحْتاً([13]). كما استشْهدوا بمصطلحاتٍ مثل اللاَّأَدرية واللاَّمتناهي([14]) واللاَّسلكي؛ وهذه ليست إلا تراكيبَ مزجيَّة على حدٍّ التركيب المزجي بأنه "ضَمُّ كلمتَيْن إحداهما إلى الأخرى وجَعْلُهما اسماً واحداً إعرابا وبناءً سواءٌ أكانت الكلمتان عربيَّتينْ أم معرَّبتين"([15]). إننا نَعُدَّ نحو (صِلْدِم وضِبَطْر) من الإلحاق لا من النحت الوصفي كما عدَّها ابن فارس، وإن القول بنحت الرباعي من اسمين ثلاثيين ليس إلا من قبيل الغيبيَّات اللغوية والتخمينات التي يُغذِّيها خيالٌ لغوي خصيب.

2) النحت من السماع إلى القياس:

المتقدمون على أن النحتَ سماعي فيوقَفُ عند ما سُمِع، وليس لنا أن نَنْحت؛ ولم يُنْقَل عنهم ما يبيح قياسيَّتَه، إلا شيئاً يسيراً ورد عن نُحاة متأخرين، فقد "قال الخضري في حاشيته على ابن عَقيل: ونُقل عن فقه اللغة لابن فارس قياسيَّته، ومثل ذلك نقل الأشموني"([16]). لكن عبارة ابن فارس في (فقه اللغة) كما نقلها السيوطي لا تنص على قياسيته، وهي: "العربُ تَنْحَت من كلمتين كلمةً واحدة، وهو جنسٌ من الاختصار وذلك نحو (رجل عَبْشَمي) منسوبٌ إلى اسمين.. وهذا مذهُبنا في أن الأشياءَ الزائدة على ثلاثة أحرف فأكثرُها منحوت". هذه العبارةُ لا تجيز القياس إلا على مذهبِ ابن فارس في أنَّ ما فوق الثلاثي معظُمه منحوت.

وهو فرضيَّة لا يُقرُّه عليها غالبيةُ اللغويين، لأنه قد "ركب التعسُّف والشَّطَط في حَمْل ما زاد على ثلاثة أحرف على النحت".([17]) كما نقل السيوطي عن ابن مالك قياسيته، إلا أن عبارة التسهيل لا تقرِّر قياسيته فهو يقول: "قد يُبنى من جزأي المركَّب (فَعْلَل) بفاء كل منهما وعينه، فان اعتلت عين الثاني كُمِّل البناء بلامه أو لام الأول ونُسب إليه."([18]).وفي الصفحة ذاتها ينقل السيوطي منعَ قياسه عن أبي حيان، قال: "قال أبو حيان في شرحه: وهذا الحكمُ (أي حكم ابن مالك) لا يطَّرد، إنما يقال فيه ما قالته العرب، والمحفوظُ منه: عَبْشَمي وعبدري ومُرْقُسي وعَبْقَّسِي وتَيْمَلي."([19]).

هذا ما قاله القدماء عن النحت، وهو لا يُقَرِّر قياسيته، فماذا كان من المحدَثين؟

إن اللجنة التي شكلها مجمعُ القاهرة سنة 1953 والتي لا تَضُمُّ سوى واحدٍ من اللغويين على ما يبدو من أسماء أعضائها (إبراهيم الحمروش ومحمود شلتوت وأحمد زكي ومصطفى نظيف وعبد القادر المغربي)، لم تَقْتَرح قياسية النحت، بل قالت بجوازه في العلوم والفنون([20]). وعليه قرَّر المجمعْ جوازَ النحت عندما تُلجىء إليه الضرورة العلمية..([21]). ولعل هذا القرار المقيَّد كانت وراءه آراءُ الأعضاء اللغويين، كالشيخ أحمد الاسكندري الذي هدَّد بمغادرة الجلسة إن أُقِرَّ النحتُ وسيلةَ توليدٍ لغويٍ([22]). وفي سنة 1965 وبعد ثلاثين سنة من أول طرحٍ لقضية النحت اتخذ مجمع القاهرة قراراً أكثرَ حَسْماً يقول فيه: "النحتُ ظاهرةٌ لغوية احتاجَتْ إليها اللغة قديماً وحديثاً، ولم يُلْتَزم فيها الأخذُ من كلِّ الكلمات، ولا موافقةُ الحركات والسكنات، وقد وردَتْ من هذا النوع كثرةٌ تجيز قياسيَّته. ومن ثم يجوز أن يُنحَت من كلِّ كلمتين أو أكثر اسم أو فعلٌ عند الحاجة، على أن يُراعى ما أمكن استخدامُ الأصلي من الحروف دون الزائد، إن كان المنحوتُ اسماً اشتُرط أن يكون على وزنٍ عربي، والوصفُ منه بإضافةِ ياء النسب، وإن كانْ فِعْلاً كان على وزن (فَعْلَل أو تَفَعْلل)، إلا إذا اقتضت غيرَ ذلك الضرورةُ، وذلك جرياً على ما ورد من الكلمات المنحوتة"([23]).

لقد نجح أنصارُ النحت بتقييسه على الرغم من الإحساس العام بأن النحت ليس من أصول العربية، بدليلِ أن ابن جني لم يَعُدَّه من أصولها ولا من خَصائصها فلم يذكره في كتابه (الخصائص)([24]).

أمَّا لجنة اللغة العربية في المجمع العلمي العراقي، فقد كانت أكثرَ تشدُّداً في قرارها: "عدمَ إجازة النحتِ إلا عند عَدَم العثور على لفظٍ عربي قديمٍ واستنفادِ وسائلِ تنمية اللغة، على أن تلجئَ إليه ضرورةٌ قصوى وأن يُرَاعى في اللفظ المنحوت الذوقُ العربي وعدمُ اللبس".([25]).

3) النحت لدى المحدثين:

لم يكثر الحديثُ والجدل في وسيلة من وسائلِ التوليد اللغوي كثرتَه حول النحت. لقد تَميَّز موقفُ أنصار النحت بالجَمْع بين النظرية والممارسة:

1- يُعَدُّ ساطع الحصري في طليعةِ المدافعين عن النحت وسيلةَ توليدٍ لغوي، يقول: قلَّما رأينا إقداماً على الاستفادة من النحت بصورة فعلية، ونحن نعتقد أن الضرورةَ ماسةٌ لذلك، إننا نُعَبِّر عن كثير من المعاني العلمية بتراكيب متنوعة، فإذا كانت هذه التراكيب قصيرةً وسهلة فيمكننا أن نستمر في استعمالها على حالها، أمَّا إذا كانت طويلةً صعبة فمن مصلحة العلم واللغة أن ننحتها لأجل تسهيلِ استعمالها وانتشارها"([26]). ومن منحوتاته: (قَبْتَاريخ) مقابل المصطلح الفرنسي (Prehistoire) أي (قبل التاريخ)، فيقال على مذهبه: الإنسان القَبْتاريخي، وآثارٌ قَبْتَاريخيَّة؛ وطريقته هنا هي اختزالُ الظروف، يقول: "وكذلك يمكننا أن ننحت كلمات (خارج، فوق، تحت) على شكل: (خا، فو، تح) ونقول: خامَدْرَسي وفَوْسَوِي وتَحْشُعوري([27])" بدل خارج المدرسي وفوق السوي وتحت الشعوري. ويرى ترجمةَ السابقة الفرنسية (Past) بالظرف (غِبّ) بدل (بَعْد) وبالتالي ترجمةَ ما رُكِّب معها بكلمةٍ منحوتة نحو: (غِبْمَدْرَسي وغِبْجَليدي وغِبُّلُوغ)([28]). ومن منحوتاته غير الظرفية كلمة (السَّرْمَنَة) لحالة (السَّيْر في المَنَام)([29]). وقد حاول الحصري أن يضع قواعد للنحت، مستنبطاً ذلك مما ورد عن العرب من نماذجه.

2- وممن أَجْلَب في الدعوة إلى النحت وأكثرَ من ممارسته الدكتور صلاح الدين الكواكبي، فهو بحكم تخصُّصه في الكيمياء كان أكثرَ تَقَبُّلاً لهذه الظاهرة من غيره، يقول: "فدفَعْتني الحاجةُ الملحة إلى النحت، مثلَما فَعَل الغربيون في مصطلحاتِهم العلمية، لأني وجَدْت فيه حَلاً للمعضلة وتَيْسيراً لاجتياز العَقَبات التي تَعْتَرض المؤلفَ والمترجم، وذلك لمرونةِ وسهولةِ الاشتقاق والوصفِ من الكلمة المنحوتة، وإليكم البرهان في المصطلحات العلمية التي وضَعْتُها نحتاً لما يقابلها من الكلمات الإفرنجية وأكثرها مما أَلِفتْه الأسماع وشاع استعماله في البيئات العلمية:

خَلْمَهة : تحليل خَلِّي من (خلّ وإماهة).

حَمْضَئيل : حامض كحول، من (حمض ومائيل).

حَمْضَئيد : حامض أَلدْهَيد، من (حمض وغوليد).

حَمْضَلون : حامض خَلوُّن، (من حمض وخَلُّون).

غَوْسَل : من (غول وعسل)، واشتق منها (مُغَوْسَل)([30]).

ثم يعرض الكواكبي في الجزأين 3 و4 من المجلد (39) لمجلةِ مجمع دمشق (107) مئةً وسبعة مصطلحاتٍ كيماوية منحوتة على هذه الشاكلة.

3- أما عبد الله أمين فيرى أن الكلمة المنحوتة التي توفَّرت فيها شروطُ النحت "هي عربيةٌ على القاعدة التي وضعها المازني وتابعه عليها الفارسي ثم ابن جني وهي: (ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم)([31]).. ويُضيف أن "الكلمة المنحوتة على نحوٍ من الأنحاء السابقة هي خيرٌ من استعارة كلمة أعجمية بمعناها..

لأنها وإن لم توضَع وضعاً لغَوياً أصيلاً، فإنها قد وُضِعت على أسسٍ عربية..([32]). وتطبيقاً لقواعده في النحت فقد اقترح لبعض المركبات الإضافية أربعَ كلمات ليُصار إلى ترجيحِ بعضها، فاقترح:

لِفَحْم السكر : فَحْمَس وفَسْكَر وفَحْسك وفَحْكَر.

ولقلم الحبر : قَلْمَح وقمْبَر وقلْحَب وقَلْبَر.

ولِسمُ الفَأْر : سَمْفَر وسَفْأَروسَمْأَر وسَمَّف.

ثم عرض بعضَ منحوتات مجلة مجمع القاهرة في علم الكيمياء نحو؛ كَبَنْحَس لكبريتور النحاس، وأَزْأَكْفَض لآزوتات الفضة.([33]).

4- ومِمَّن مارس النحت في المصطلحات العلمية لجانُ مجمعِ القاهرة ومن منحوتاتها: (رباط خلْفمَامي)([34]) نحتاً من خلْفي وأَمامي، وقالت عن المحاريات: (بُلْطَقَدَميَّات) وعن الوَدَعيَّات:(بَطنَقَدميَّات) وعن رأسيات القدم (رسْقَدميَّات). وإن كان مؤتمرُ المجمع قد ردَّ هذه المنحوتات عندما عرضتْها عليه اللجنة المختصة.([35]). ومن منحوتات المجمع (شِبْقِلي) من شبْه قِلْي و(حَلْمأ) من حَلَّل الماءَ، و(فَحْمَائيات) من فَحْم وماء تعبيراً عن (carbohydrates)([36]).

5- وقد أفاد من النحت مصنِّفو معجم الرياضيات المعاصرة، فنَحتُوا (تَدَاكُل) من تشَاكُل داخلي، ونَحَتوا لمصطلحِ (إيزومورفزم): (تَماكُل) ولمصطلح (أوتومورفيزم): (تَذَاكُل)، ولمصطلح (هيومورفزم): (تَصَاكُل).

وعقَّبوا على منحوتاتهم بقولهم: "ونكون بذلك قد جرينا مع الزملاء في قسم الكيمياء في جامعة دمشق حيث اختاروا كلمة (تَمَاكُل) المصطلح (ايزومورفزم)..([37])

6- وممَّن بحث أو كتب مؤيداً استخدامَ النحت جرجي زيدان في كتابه (الفلسفة اللغوية والألفاظ العربية)، وهو يذهب إلى وقوع النحت في الأفعال والأدوات أيضاً. ومنهم محمود شكري الآلوسي في كتابه (بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب). وعبد القادر المغربي في كتابه (الاشتقاق والتعريب). ومصطفى صادق الرافعي في كتابه (تاريخ آداب العرب).. و د. رمسيس جرجس فيما كتَبَه في الجزء /13/ من مجلة مجمع القاهرة عام 1961. والدكتور أحمد عيسى في كتابه (التهذيب في التعريب)([38]).

أما منْ عارض النحت فقد ذهب في معارضته مذاهب شتى:

1- فالأب أنستاس ماري الكرملي يقول: "ولغتنا ليست من اللغات التي تقبل النحتَ على وجه لغاتِ أهل الغرب([39])." وقال في اعتراضه على خُطة المجمع بعد أن ذهب معظمُ أعضائه إلى قبول النحت في هذا العصر: "لا أرى حاجة إلى النحت، لأن علماء العصر العباسي مع كل احتياجاتهم إلى ألفاظ جديدة لم ينحتوا كلمةً واحدةً علمية، هذا فضلاً عن أن العرب لم تنحت إلا الألفاظ التي يكثرُ تردُّدها على ألسنتهم، فكان ذلك سبباً للنحت، وأما التي لا يكثر ترددها على ألسنتهم، فكان ذلك سبباً للنحت، وأما التي لا يكثر ترددها على ألسنتهم فلم يحكموا بنحتها"([40]) وتابعه على هذا الدكتور مصطفى جواد متعللاً مُعْتلاً بأنه "لا يصح التفريطُ في الاسم بإضاعة شيء من أحرفه، كأن يقال: (النَّفْسَجي) في النفسي الجسمي، أو (النَّفْسَجِسْمي) ممَّا يُبْعد الاسم عن أصله([41]).

2- ونجح المجمعي مصطفى الشهابي بمعارضتِه النحتَ في استصدار قرارٍ من مجمع القاهرة" بألا مجالَ للنحت ولا التركيبِ المزجي في تصنيف المواليد، ولا حاجة إليهما..([42]). فالمُسْجَنيَّات أو المُسْجَنَاحِيات بدلاً من مستقيمات الأجنحة، وغُضْرُ عُنْفيَّات بدلاً من غُضْرُوفيَّات الزعانف، وأشباه هذه الرَّطانات المستهجنة التي يَلْجا إليها بعضُ المؤلفين لا حاجةَ إليها البتةَ، وكلمتان هنا أصلحُ بكثيرٍ من كلمةٍ نابية تَشُذّ عن التراكيب العربية ويَسْتَغلق فيها المعنى."([43]).

3- ولا يرى أمين الخولي النحتَ من وسائل نماءِ اللغة، لأن نماءها إنما يكون "بزيادة داخلية ذاتية من كيانها ومادِتها ولا بتعريبٍ من كلماتِ غيرها، ولا بنحتٍ مصطنعٍ من كلماتها([44])..

4- وكان المعجمي المهندس وجيه السمان ميَّالاً إلى معارضة النحت على الأغلب، لما في المنحوتات من مجافاة للدقة والوضوح، وهما أهمُّ خصائص اللغة العلمية، فهو يقول: "وفي اعتقادي أن النحت مسْتثقَل على الأغلب، وينبغي ألاَّ يستَعمل إلا عندما تدعو إليه الضرورة، ولاسيما عند ترجمة المصطلحات التي هي مركَّبة في اللغات الأجنبية ([45])".. ويرى أن بعض الغموض في المصطلح مردُّه إلى النحت. وعاد إلى النحت في مقالةٍ أخرى فقال: "وعلى كلّ حال ينبغي أن يظلَّ النحتُ قليلَ الاستعمال حديثاً، لأن اللغة العربية لا تَتَقَبَّله بسهولة؛ وخيرٌ للمصطلحِ أن يتألف من كلمتين مضافتين أو من ثلاثِ كلمات أحياناً، من أن يُنْحَت نحتاً مُسْتَثْقَلا.... ومن العجيب أن بعض أصحابِ النظر في اللغة ومِمَّن ألفَّوا فيها مؤلفاتٍ حسنةً عالجوا النحت، فجاءَتْ منحوتاتُهم رديئةً سقيمة لا يَقبلها أحد([46])".. واستشهد على ذلك بما اقتُرح لِفَحْم السكر من منحوتات مثل: فَحْمَس، فَسْكَر، فَحْسَك فحْكَر مِمَّا كنا ذكرناه.

وممن عارض هذا اللونَ من الاشتقاق المستشرقُ (هنري فليش) الذي أنكر وجودَ النحت والعملَ به في اللغة العربية وقال: "إن نظام العربية يجعلُها غيرَ قادرة على وضْع الكلمات المنحوتة بصورة سوية، ولا يمكنها كذلك وَضْعُ سوابق ولواحق جديدة، ذلك أن طريقتَها الأساسية في ابتكار المفردات هي التَّحْوير الداخلي([47])..

لكن مواقفَ هؤلاء العارضين كانت في غالبيَّتها تَتَّسم بالتحفُّظ أكثرَ منها بالإنكار. فلم يكن رائد هؤلاء المعترضين- ولاسيما المعرِّبين من العلميين كالشهابي ووجيه السمان- ردَّ هذه الظاهرة كليَّة بل التوجيهُ إلى حسن استخدامها كأداةِ توليدٍ لغوي، وإن كانت "أداةً صغيرةَ الأثرِ إذا ما قيست بالأدوات السائدة من اشتقاقٍ وتضمينٍ وتعريب([48])"؛ وليس كما يُدَّعى من أنها من أكبرِ الوسائل المُفْضية إلى نموّ اللغة وتقدُّمها.

4) ضوابط النحت وشروطه:

في محاولةٍ لتَفْعيل هذه الأداة وتحسينِ مردودها الاشتقاقي وضَعَ بعضُ اللغويين والمعرِّبين من الضوابط ما رأَوْه ضرورياً للوصولِ إلى منحوت لغوي يخدم الإبانةَ والإفصاح دون أن يَخْدِش الأسماع أو الأذواق.. ولقد استعملنا كلمة (ضوابط) بدلاً من قواعد لأنها لا ترتقي إلى أحكام القواعد القياسيَّة.

وما نظن أن بالمستطاع وضعَ قواعد النحت، ليس لأنه لم تَوْضَع له قواعد حتى الآن ([49])، بل "لأنه لا سبيل إلى إيجاد قواعد للنحت يمكن تطبيقُها في كل الحالات([50])".. ومن يتابع ما كُتب حول موضوع النحت في مجمع القاهرة يستخلص "انعدامَ قواعدَ واضحة يُعَوَّل عليها لوضع المنحوتات"([51]).. وهذه الضوابط هي:

1- يُؤْخَذ الحرفان الأوَّلان من الكلمة الأولى والحرفان الأوَّلان من الكلمة الثانية، وإذا كان الحرف الثاني في أيِّ منهما معتَلاً تُجُووِزَ إلى الحرف الثالث نحو: عَبْشَمي من عبد شمس وعَبْقَسي من عبد القيس وحَصْكَفي من حصن كيفا.

2- تُسْقط همزةُ الوصل عن النحت نحو: مُرْقسي من امرئ القيس.

3- تُسْقَط ألف التعريف عند النحت نحو: عَبْدَري من عبد الدار.

4- قد يُؤْخّذ ثلاثةُ أحرف من الكلمة الأولى وحرفٌ من الثانية نحو: تَيْملي من (تيم الله)، وبَسْمَل من (بسم الله). ويُلْحظ أن الياء قد ثَبَتَتْ في (تيملي) لأنها ليست حرفَ مدٍّ هنا، بل حرف لين، فعُوملت معاملة الحرف الصحيح.

5- المُعَوَّل عليه في النحت هو حروفُ التركيب الأصليَّة، ولذا فإن الضمائر والحروف الزائدة المُتَّصلة بكلماتِ التركيب تَسْقُط عند النحت نحو: حَسْبَل من حسبي الله. وسَبْحَل من سبحان الله.

6- قد لا يُؤْخَذ من بعضِ كلماتِ التركيب أيُّ حرف، كما في (حَوْلَق) من قولهم: لا حولَ ولا قوة إلا بالله. فلم يُؤْخذ من لفظِ الجلالة أيٌّ من حروفها.

7- قد تُبْقى حَروفُ الكلمتين كلُّها وتتغيَّر فيهما الحركاتُ والسَّكَنات فقط نحو: شَقَحْطَب من (شِقّ حَطَب).

وشَذَّتْ عن هذه الضوابط منحوتاتٌ مثل: دَرْبَخيّ نحتاً من دار البطِّيخ، وسَقْزَني نحتاً من سوق مازن، وكان الضابط يقتضي (دَرْبَطي وسَقْمَزي)([52]).

ومهما كانت ضوابطُ النحت فلابد من توافر شروط هي:

1- ألا يَلْتَقي في الكلمة المنحوتة حرفان متنافران كالذال والسين والهاء والعين، مما سنذكره مفصَّلاً في فصل التعريب. وأضاف بعضُهم أن يكون في الكلمة الرباعية أو الخماسية حرفٌ من حروف الذلاقة ([53]). ونرى أن هذا يعود لحروف التركيب المنحوت منه، وغالباً ما يتوافر هذا الشرط، لأن احتمال غيابِ حرف من حروف الذلاقة([54]) التي هي أكثرُ من خُمس حروف الهجاء العربي، من تركيبٍ هو أمرٌ نادر، نحو قولنا: (قَطْعَصَة) لعمليَّة قَطْع العَصَب- مثلاً- قياساً على من نحت (قَطْشَرة) لعملية قطع الشِّريْان([55]).

2- مراعاةُ الوزن العربي، وهو وزن (فَعْلَلَ) للفعل الرباعي، أمَّا الاسم فقد يأتي على أيِّ وزنٍ عربي تستدعيه الحالةُ النحتية، فقد يأتي على (فَعْلَل) نحو (حَبْقر) من حَب القَر، وهو البَردَ، أو (فَعْلَلَة) نحو البَلْكَفَة والفَذْلَكة من (بلا كيف)، ومن قولهم في الحساب: (فذلك يكون كذا..) أو فَعْلَل) منسوباً نحو: عَبْشَمي، أو فِعَّوْل نحو جِلَّوْز من جوز ولوز، أو فِعْلَول نحن مِشْلَوزْ من مشمش ولَوز...

3- مراعاةُ ترتيبِ حروف كلمات التركيب المراد النحتُ منه؛ ولذلك أنكر (ابنُ دحية) أن تكون (الحَوْقَلة) نَحتاً من قولنا (لا حول ولا قوة إلا بالله) لأن الترتيب يقضي أن يقال: حَوْلَقة. أما الحوقلة فهي مِشّيَة الشيخ الضعيف([56])، على أن (الحوقلة) أُجيزت وشاعَت. وعيبَ على الخفاجي ذِكرهُ (الطَّبْلَقة) نحتاً من (أطال الله بقاءك)، لأن الترتيب يقتضي أن يقال: (الطَّلْبَقة)([57]). كما خُطِّىء من قال (الجَعْفَلة) نحتاً من (جُعلت فداك)، وإنما هي (الجَعْفَدَة) بحسب ترتيب الحروف ولتسويغ عدمِ التزامهم الترتيب نَسَبوا إلى أحد العلماء قولَه: إن عدمَ الترتيب يكون تَفَنُّناً([58]).

وعلى الجملة فإنه لم يُوضُع ضابطٌ أو شرطٌ إلا وقد خُرق.

5) موقفنا من النحت:

أما نحن فإننا نُنْكِر مع الشيخ أحمد الاسكندري أن يكون النحتُ وسيلةَ توليدٍ لغوي، ونُقِرّ بأنه كان وسيلةَ اختزالٍ ليس غير؛ وأدلَّتُنا على ذلك ما يلي:

1- إن ابن فارس أكبرَ القائلين بالنحت، لم يَعُدَّه وسيلةَ توليدٍ بل وسيلة اختصارٍ إذْ قال: "العربُ تنحت من كلمتين كلمةً واحدة، وهو جنسٌ من الاختصار"([59]) وكل المنحوتات المتداولة- ومعظمُها من بعدِ عصر الاحتجاج- لم يكن فيها معنى جديد، وإنما هي اختصارٌ لتركيبٍ طويل مألوف كأنْ يقال: عَبْشَمي بدل (عبد شمسي)، أو هي وسيلةٌ لإزالة اللَّبْس كأن يقال (بَهْشَمي)([60]) بدل قولهم: (أبو هاشمي) نسبةً إلى (أبي هاشم) أحد أصحاب الفِرَق.

2- إنَّ ما استقرَّت عليه العربيةُ هو الجذرُ الثلاثي، وقد صارت الثلاثيَّةُ من خصائصها، عليها بُنيِتْ معاجمُها، وعليها بُني ميزانُها الصرفي، وعليها بنيت تقاليبُها الستة عند من يعتقدها، ويَأَنَسُ بها لمعرفةِ معاني كلمات غريبة من الجذر ذاته. إن السليقةَ العربية أو الذهن العربي سَرْعَانَ ما يَلْجأ إلى هذه الثلاثية لمعرفة الدلالات العامة لكلمةٍ ما، فعندما يمر بكلمةٍ مثل (ملاذات) مثلاً، يردها عفويَّاً إلى الثلاثي (لاذ) الذي يعطيه المنطلَق الدلالي للكلمة وما تحمله من معنى اللجوء إلى الشيء أو النزوعِ إليه أو الاحتماء به. وكذا عندما يَسمع كلمة (مُدَرَّعة) فانه يردها عفويَّاً- إن كان لا يعرف معناها- إلى الجذر الثلاثي (درع). هذه الطريقة من التحليل فرضتْها خصائص اللغة العربية على الذهن العربي. من هنا تبدأُ مشكلتنا مع المنحوتات في أنها كَسْرٌ لهذه الخاصية الثلاثية للجذر العربي الذي تقومُ عليه غالبيةُ اللغة، فالإنسانُ العربي عندما بمر بكلمة مثل (النَّقْحَرَة)([61]) لا يجدُ سبيلاً لفهمها إلا إعادتَها إلى الثلاثي فيجد أمامه (نَقَح أو نَقَر) وأين هذه الجذور مما أراده الناحتُ من تحميلها معنى (نَقْل الحروفِ) من اللغات الأجنبية إلى العربية. وكذا لو مَرَّ بالنحيتة (صَلْكَل)([62])، فان ذهنَه سينصرف إلى الجذور (صلك، صكل) وأنَّى له أن يعرف أن مُراد الناحت بها هو (استأصل الكلية). فقد يُعْترض علينا بأن شرح المصطلحات يبين المراد منها، وجوابُنا أننا نولِّد كلماتٍ جديدة لنُفْهم ونُبين، ومتى احتاج المولَّد- لفظاً حضارياً أو مصطلحاً- إلى تعريفٍ فَقَدَ مُسَوغَ توليدهِ وهو الإيضاح والتبيين، ومن أهم شرائط اللفظ المولَّد أن يشف- ولو يسيراً- عن دلالته.

3- إن في النحت خروجاً على الخاصية الأساسية في اللغة العربية وهي الخاصيَّة الاشتقاقية، لأن النحت تركيبٌ لَصْقي، وتحليلُ المنحوت بغيةَ فهمه لا يكون بإرجاعه إلى جذوره وبنائه، بل بإرجاعه إلى جُزْأَيْ أو أجزاءِ التركيب؛ وإن العَرَب عندما أرادوا التعبير عن المعاني المركَّبة لم يلجؤوا إلى النحت بل إلى الاشتقاق؛ لقد قالوا مثلاً (أَشْعَر) لمن كان غزيرَ الشعر أو كثيفَه، لكن عندما أرادوا أن يُبَيِّنوا أن كثافة الشعر في الرأس قالوا: (شَعْرَاني)، ولم يقولوا: (شَعْسِي أو شَعْرَسي) نحتاً من شعر ورأس. كما يذهبُ بعضُ دعاة النحت المعاصرين.

4- إنَّ عقدَ مقارنة بين مصطلحاتٍ منحوتة وأخرى مركَّبة وصفياً أو إضافياً تُبَيِّن ما هو أدخلُ في العربية منها. لقد وضع الأستاذ عبد الحق فاضل مجموعةَ مصطلحاتٍ حول صيانة الطبيعة في المجلد(12) من مجلة اللسان العربي بطريقتَيْ النحت والتركيب الإضافي والوصْفِي، فكان مايلي([63]):

 

المصطلح المنحوت
المصطلح المضاف
المصطلح الأجنبي
كرة أرضية - الأغْلِرضَانيَّة
الأغِلفَة الأرْضانية
geasphère
نظام بيئي- التنظطبيعي
التناظمُ الطبيعي
ecosystème
كثافة سكانية- الكثاسَكَن
كثافة السكان
papulation denssity
مستوطن- وبائي- نُعْتَوطن
نوع مستوطن
endemic
العمطبيعة
العوامل الطبيعية
naturacl fotor
المصطلاجدة
المصادر الطبيعية اللامتجددة
non reneweable resaurces

وعلى القارئ أن يحكمُ بنفسه على النحت طريقةَ توليدٍ وأداة تعبير، بالقياس إلى التركيب الوصفي أو الإضافي. إن ما رأيناه من أشكال النحت جَعَلَنا نظنّ كأن الناحتين يريدون إبطالَ المركَّبات الإضافية والوصفيَّة، وهي قياسيَّةٌ ولا تحصى في لغتنا، وتعويضَها بصياغاتٍ نحتية ما ثبَت منها في لغتنا لا يجاوز العشرات.

5- إن أهمَّ وظائف الكلمة هي الإبانة والتوضيح بل هي مهمة اللغة إجمالاً. وما رأيناه من المنحوتات أو معظمها يُلْغي هذه الوظيفة الدلالية الميسورة للكلمة. وإن وضوحَ الدلالة في بعض المنحوتات ليس مردُّه إلى وضوح المنحوت بل إلى أحد أمرين:

آ- إمَّا أُُلفةُ بعض المركبات أو العبارات المنحوتة منها وتكرارُها على الألسنة، ممَّا يجعل ذكرَ جزءٍ منها يستدعي معناها، وذلك كالنحيتات: بَسْمل وحَوْلَق وعَبْقَسي.

ب- وإما قلَّةُ الحروف المحذوفة من المنحوتات كما في قولنا (كهرَطيسي)، وكلَّما قلَّ الحذف كان المنحوت أوضحَ دلالةً. ولعلَّ هذا علةُ قبول بعض المنحوتات الظرفية كقول الحصري (قبتاريخ)([64]) نحتاً من (قبل التاريخ) و(غِبُّلوغ) نحتاً من (غِبّ البلوغ)، فلم يُحذف من هذين التركيبَينْ الإضافيين إلا حرفٌ واحد هو اللام من (قبل) والباء من (غب).

6- قلنا إنه كلَّما قل الحذف من جزأَيْ التركيب المنحوت منه كان معنى المنحوت أوضح، وانعدامُ الحذف يوصلنا إلى التركيب المزجي الذي هو أوضح دلالةً من النحت، فالنَّفْسَجِسْمي أوضح من النَّفْسَجي. نحن لا نقول بالتركيب المزجي خاصيَّةً من خصائص لغتنا، لكنه نوعٌ من التراكيب العربية المعبرة، وإن كانت أهميته ضئيلةً جداً في لغتنا العربية بالقياس إلى التركيبَيْن الوصفي والإضافي، ذلك لأن ما ورد منه لم يتجاوز أسماء أعلامٍ كحضرموت وبعلبك، فهو يمثل مَتَارِك مرحلةٍ لغوية قديمة على الأرجح. لكنه على ما فيه، فهو أسلم مَرْكباً عند الضرورة من النحت.

7- إذا كان مسوغُ النحت عند القائلين به هو قابليةَ المنحوت للاشتقاق والتصريف، فان هذا الاشتقاق لن يمُرَّ دون إشكالات، فلو أرَدْنا أن نشتق من (ماغول) فِعْلاً لوجب أن نقول (مَغْولَ)، فماذا بقي من هذه الكلمة مِمَّا ينم عن أصلها؟ ثمَّ ألا يفرز هذا الاشتقاق كلمةً مُلْبِسةً مشتركة مع الفعل الممكن اشتقاقه من اسم العلم (المُغُول). نحن لا نُنكر وجودَ المشترك اللفظي كما قدَّمنا، لكننا نكرر أنه إذا كان بمكنتنا تجنُّبُه فإننا خيراً نفعل. ثم هَبْنا أرَدْنا الاشتقاق والتصريف من النحيتة (نَقْصَوَة) بمعنى نقل الأصوات عند ناحِتها، فهل نقول (نقَصَ) أم (نَقْصَى)؟ وهل في العربية أندرُ من هذا البناء، أو مثل هذا البعد بين لفظ الفعل وما أُريدَ له.؟ ولو أردنا أن نشتق من النحيتة (المُتبَرْجِعين)([65]) فعلاً، أو نْعيدها إلى أصلها فهل نقول (تَبَرْجَع)؟ ومَن مِنّا يمكن أن يقدر أن معنى هذا الفعل هو: سَلَك مَسْلَك سُكَّان البروج العاجيَّة؟

8- أمَّا ما شرطَه بعضُ الباحثين الوسطيِّين من وجوب تحكيم الذوق اللغوي في المنحوتات، فما ندري من يملك المقدرة على تقييس الأذواق وتمييز ما تقبله الأذن العربية ممَّا تنفر منه. إن بعضاً من كبار لغويِّي العصر لم تَنَلْ منحوتاتُهم حظاً أكثرَ من الرفوف.

مُجْمَل ما خَلَصْنا إليه أن النحتَ أداةُ اختصارٍ واختزالٍ لا أداةُ توليد لغوي، وإذا حَمَلتْنا الضرورةُ على ركوبه فما أوعرَه من مركب! يؤيد موقفَنا هذا أن المصطلحات المنحوتة في ثلاثة معجمات صادرة عن مكتب تنسيق التعريب هي معجم الفيزياء ومعجم النفط ومعجم الطب لا تضم إلا (13) ثلاثة عشر مصطلحاً منحوتاً من مجموع (11232) أحد عشر ألفاً ومئتين واثنين وثلاثين مصطلحاً، بنسبة لا تكاد تُذكر، تقرب من الواحد بالألف([66]). وليس إنكارُنا للنحت سببُه أن ما ورد من منحوتاتٍ عربية لا يتجاوز الستين كلمةً، وصلت عند بعضهم إلى مئة وثلاث، وأن هذا العدد ليس من الكثرة بحيث يُقاس عليه، إذ إننا لا ننكر أبداً القياسَ على القليل في وضع المصطلحات، بل نحن مع ذلك كما قدمنا؛ ولكن سببَه أن أهم خصائص اللغات هي الإبانةُ والتوضيح، ولاسيما اللغة العلمية، وأيُّ مسلكٍ لغوي يتعارض مع الإفصاح والوضوح فهو حريٌّ بالتخلي عنه.
-----------------------------------------
([1]) ابن فارس/ مقاييس اللغة 1: 328- 329- وينظر: الخليل- العين : 60- 61.

([2]) السيوطي/ المزهر 1: 482.

([3]) عبد الله أمين/ الاشتقاق: 391. وينظر: تقرير لجنة النحت في مجمع القاهرة/ مجلة مجمع القاهرة ج7: 51.

([4]) د. رمسيس جرجس/ النحت في العربية/ مجلة مجمع القاهرة 13: 65 نقلاً عن ابن جني.

([5]): د. ابراهيم السامرائي/ التركييب والبناء في العربية/ مجلة المجمع العراقي ج6: 287.

([6]) د, مصطفى جواد/ المباحث اللغوية في العراق: 88.

([7]) ابن جني/ المنصف 1: 34.

([8]) ابن فارس/ مقاييس اللغة 1: 329.

([9]) المرجع نفسه.

([10]) ابن فارسي/ المقاييس 1: 332.

([11]) د. أسعد علي/ تهذيب المقدمة اللغوية للعلايلي: 176.

([12]) د. صبحي الصالح/ دراسات في فقه اللغة: 285.

([13]) محمود شلتوت ومصطفى الشهابي/ تعليق على بحث النحت/ مجلة مجمع القاهرة ج13: 77.

([14]) ساطع الحصري/ في اللغة والأدب: 87- 88.

([15]) ينظر: ثلاثة قرارات لمجمع القاهرة: مجلة مجمع دمشق 40/3 :711.

([16]) مجمع القاهرة/ تقرير لجنة النحت/ مجلة مجمع القاهرة 7: 203.

([17]) مجمع القاهرة- تقرير لجنة النحت- مجلة مجمع القاهرة ج7: 203.

([18]) السيوطي/ المزهر 1: 485.

([19]) المرجع السابق نفسه.

([20]) مجمع القاهرة/ تقرير لجنة النحت/ مجلة مجمع القاهرة 7: 203.

([21]) مجمع القاهرة/ قرارات الدورة (14)/ مجلة مجمع القاهرة 7: 158.

([22]) د. محمد رشاد الحمزاوي/ أعمال مجمع القاهرة: 330.

([23]) مصطفى الشهابي/ المصطلحات العلمية في اللغة العربية: 204.

([24]) د. أحمد مطلوب/ حركة التعريب في العراق: 174.

([25]) المرجع السابق نفسه: 82.

([26]) ساطع الحصري/ في اللغة والأدب: 87.

([27]) المرجع السابق نفسه: 89.

([28]) المرجع نفسه: 88.

([29]) د. مصطفى جواد/ المباحث اللغوية في العراق: 101.

([30]) صلاح الدين الكواكبيي/ النحت والمصطلحات العلمية/ مجة مجمع دمشق 39/3 :508- 509.

([31]) عبد الله أمين/ الاشتقاق: 446.

([32]) عبد الله أيمن- الاشتقاق: 446.

([33]) المرجع نفسه: 441.

([34]) مجمع القاهرة/ مجموعة المصطلحات العلمية مجلد 6 : 7.

([35]) المرجع نفسه: 9.

([36]) د. محمد رشاد الحمزاوي/ أعمال مجمع القاهرة: 334.

([37]) د. صلاح أحمد وموفق دعبول والهام حمصي/ معجم الرياضيات المعاصرة: 7.

([38]) د. أحمد عيسى/ التهذيب في التعريب: 119.

([39]) د. مصطفى جواد/ المباحث اللغوية في العراق: 103.

([40]) -المرجع نفسه: 88

([41]) المرجع نفسه: 88- 89.

([42]) مصطفى الشهابي/ المصطلحات العلمية في اللغة العربية: 162، 205.

([43]) المرجع نفسه: 157.

([44]) د. أسعد علي/ تهذيب المقدمة اللغوية للعلايلي: 125 (عن مشكلات حياتنا اللغوية).

([45]) وجيه السمان/ الدقة والغموض في المصطلح العلمي/ مجلة مجمع دمشق 49/1 :85.

([46]) وجيه السمان/ النحت/ مجلة مجمع دمشق 57/3: 349.

([47]) د. محمد المنجي الصيادى/ التعريب وتنسيقه في الوطن العربي: 76.

([48]) مصطفى الشهابي- النحت في العربية/ مجلة مجمع دمشق 34/3 :551.

([49]) د. رمسيس جرجس/ النحت في العربية/ مجلة مجمع القاهرة 13: 63.

([50]) مصطفى الشهابي/ تعليق على بحث النحت في العربية/ مجلة مجمع القاهرة 13: 77.

([51]) د. محمد رشاد الحمزاوي/ أعمال مجمع القاهرة: 334.

([52]) مجمع القاهرة/ تقرير لجنة النحت/ مجلة مجمع القاهرة 7: 202.

([53]) عبد الله أمين/ الاشتقاق/ 434.

([54]) حروف الذلاقة هي (ف- ر-م- ل-ن- ب). وينظر: الخليل بن أحمد الفراهيدي: العين 1: 51- 52.

([55]) د. رمسيس جرجس/ النحت في العربية/ مجلة مجمع القاهرة 13: 66.

([56]) مجمع القاهرة/ تقرير لجنة النحت/ مجلة مجمع القاهرة 7: 202 وينظر المزهر 1/483..

([57]) المرجع السابق نفسه 7 : 201.

([58]) المرجع نفسه: 7: 201.

([59]) ابن فارس- الصاحبي: 227. والمزهر 1/482.

([60]) د. سليم النعيمي/ النحت/ مجلة المجمع العراقي 23: 90- 91.

([61]) د. محمد رشاد الحمزاوي/ أعمال مجمع القاهرة: 213.

([62]) د. رمسيس جرجس/ النحت في العربية/ مجلة مجمع القاهرة 13: 66.

([63]) وجيه السمان /النحت/ مجلة مجمع دمشق 57/3: 352.

([64]) ساطع الحصري/ في اللغة والأدب: 89.

([65]) د. إبراهيم السامرائي/ فقه اللغة المقارن: 155- والكلمة المنحوتة هي لبعض الكتاب المحدثين.

([66]) د. وجيه عبد الرحمن/ اللغة ووضع المصطلح/ مجلة اللسان العربي 19/1: 73.
-------------------------
نشر هذا البحث في :
مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العددان 71 - 72 - السنة 18 - تموز "يوليو" 1998 - ربيع الأول 1418

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: