التـرجمـة العربيـة بعد ثلاثة أجيـــال من الـمــورد - علي درويش

لا ينكر إلا جاحدٌ فضلَ الأستاذ منير البعلبكي على اللغةِ والترجمةِ والعملِ المعجمي والخدمةَ الجليلةَ التي أدّاها ذاك العلامةُ الكبيرُ لحركة النقل والتعريب في الوطن العربي في القرن العشرين وبخاصة في العقود الثلاثة الأخيرة منه. فقد كان الموردُ المعجمَ الثنائيَّ الأوحدَ الذي ترعرع عليه ثلاثة أجيـــال من الطلاب العرب عموماً والمترجمين خصوصاً. فصار معينهم وموردهم بل ومنجدهم حيث لا منجد غيره في كل أمر يتعلق باللغة والترجمة والتعريب. وبعد ثلاثة أجيال من أَتْبـَاعِ المورد أو المورديـين – إن صحّ التعبير – فإننا نلاحظ نهجاً واحداً يطغى على تلك الأجيالِ من المثـقفين والمترجمين العرب. ويتمثل هذا النهج في حرفية النقل والترجمة التي تعتمد اعتماداً صارخاً على المعجمية البحتة خارج السياق الوظيفي للغة. فها أنت على متن طائرة عربية في رحلة طويلة يعذبك ويضنيك - إن كنت ممن يحرصون على سلامة اللغة والدقة في الترجمة والتعبير - أن تسمع تنبيه المضيف المتكرر طوال الرحلة وهو يصدح في المجهــار بكل فخر وثقة واجترار (يرجى ملاحظة إشارة ربط الأحزمة) تتلو أصلها الإنجليزي (Please observe the “fasten your seatbelt” sign)، كلما أصاب الطائرة ارتجاج جوي. فتلاحظها بأم عينك ولا مناصَ لك من ذلك.

لقد جاء المورد في مطلع السبعينات ليسد ثغرةً كبيرةً في المكتبة العربية آنذاك، إذ لم يكن هناك سوى قاموس أساسي واحد متداول هو القاموس العصري للأستاذ إلياس إلياس الذي أصدره للمرة الأولى عام 1913، وتكررت طبعاته منقحةً ومزيدةً ومستنسخةً على حالها حتى عام 1963. فكان ذاك القاموس العصري مرجعاً ثرياً للطلاب الذين يدرسون المعارف والعلوم في غير لغتهم أو يتعلمون اللغة الإنجليزية كلغة ثانية أو ربما ثالثة. وكان دُرةَ المعاجم مقارنةً بالمعاجم الأخرى آنذاك. ولكنه كان كغيره من القواميس الثنائية يتخلف تخلفاً سريعاً عن مجاراة التغيرات والتحولات التي كانت تصيب اللغة الإنجليزية في مجالات شتى من المعارف والعلوم. مما دفع البعلبكي إلى إعداد مورده وإصداره لأول مرة عام 1967، فحل في وقت وجيز محل المعاجم الأخرى كمصدر أساسي للمعرفة الثنائية اللغة ،وسرعان ما اكتسب قدسية خاصة عند نفر كبير من المترجمين والمثقفين وصار مرجعاً يُعتد به، لا نقاش فيه ولا جدل (هكذا قال المورد ، وكذا قرأتها في المورد، الخ). وهنا الخطر البَـيّن.

عندما وضع البعلبكي مورده لم تكن في نيته، وهو أميرُ المترجمين العرب في العصر الحديث، أن يكون معجمه مصدراً حرفيا للكلام، حيث قال بكل وضوح في تصديره للمعجم آنذاك: " ...أستيقنت منذ اللحظة الأولى أن المقابل العربي مهما يكن دقيقاً قد لا يكفي لتوضيح المراد أو حصره في الحدود التي رسَمَتها له المعجمات الإنكليزية – الإنكليزية . ومن ثـَمَّ أخذتُ نفسي بضرورة إتباع المدلولات في أكثر مواد المورد بأمثلة إنكليزية حيّة اقتبستها من مختلف المعاجم ، مع شيء من التعديل حيناً ، ومن غير تعديل حيناً (...) وبذلك جاء المعجم معلِّماً للغة الإنكليزية يستعين به من شاء الكتابة بهذه اللغة ، إلى كونه قاموساً يرجع إليه من شاء الاهتداء إلى معنى كلمة من الكلمات أو تعبير من التعابير". وهنا بيت القصيد ، فالمعجم لم يكن مصمماً للمترجمين بالدرجة الأولى وإنما لمن شاء أن يعرف معنى مفردة أو أراد أن يتعلم اللغة الإنجليزية من خلال المعاني التي حصرها المعجم في متنه. وهذا يعكس بوضوح الطريقة التي كانت مهيمنة آنذاك في تعليم اللغات الأجنبية في الوطن العربي وما تزال في الأغلب إلى يومنا هذا. ولكن هذه الناحية المهمة في المورد تغيب عن بال معظم الذين يلجأون إليه في الترجمة. فكم مورديّـًا توقف برهة لقراءة تصدير المعجم؟

لا شك أن المعجميين والمشتغلين في علم المصطلحات يعرفون أن هناك ثلاثة أنواع من المعاجم : الأول معجم للفهم والإدراك ، وهو ما يسعى المورد إلى تحقيقه في معظم أرجائه. وهذا النوع من المعاجم تفسيري تعريفي يعتمد المرادفات والمعاني الدلالية والمعجمية البحتة عموماً والشرح والأمثلة أحياناً. وخير مثال على هذا النوع من المعاجم معجم "مريم وبستر" و معجم "أميركان هريتيج" ومعجم "أكسفورد" البريطاني. و الثاني معجم للإنتــــاج، وهو معجم يمكّنُ الباحثَ من استيعاب الكلمات واستعمالها استعمالاً صحيحاً وسليماً ، وذلك من خلال الأمثلة والشروح التي تركز على المعاني الوظيفية إضافة إلى المعاني المعجمية والدلالية، كمعجم "كولينز-كوبيلد" و "فليب دكشنيري" والمعجم المعكوس، وهي كلها معاجم أحادية . والثالث معجم للترجمة والنقل، وهو نادر في اللغات الأوربية لتقاربها إجمالاً ، ومنعدم أو يكاد في اللغة العربية، إهمالاً. وقد حاول الكرمي في معجم المنار عام 1971 تحقيق ذلك فنجح قليلاً ، إذ جمع بين المعجم والمجمع في متن واحد وضِمْنَ المادة الواحدة، ولكنَّ معجمه ، على فصاحته وسلاسته وتنوعه، لم يلق النجاح والشهرة اللذين أحرزهما المورد.

النوعان الأول والثاني من هذه المعاجم يكونان عادة بلغة واحدة، أو بلغتين — وهو ما اعتمده المورد وغيره في تخريج الطبعات العربية الثنائية. وهذه المعاجم الثنائية مترجمة في جُلّها عن معاجم أحادية، موضوعة في الأصل لتعريف القارئ بمفاهيم المفردات والمصطلحات. فإن أراد القارئ مفردات ومترادفات تسعفه في الكتابة استشار مجامع المترادفات (الثيسورات) وغيرها من المراجع اللغوية ليجد ضالته فيها. أما بالنسبة إلى عمل الترجمة ، فهذه المعاجم لا تؤدي سوى دور محدود . ومن الخطأ بل الخطل أن يلجأ المترجم إليها بغية فهم معاني الكلمات، بدلاً من استشارة المعاجم الأحادية ، وذلك لسببين. الأول هو أن المترجم يُحدُّ من الخيارات المتاحة له من خلال تفاعله الطبيعي مع اللغة ، وبلجوئه إلى المعاجم الثنائية يحكم على نفسه بتـأطير فكره، فيفهم الكلام من خلال الترجمة قبل أن يفهمه من خلال الأصل نفسه أو من المعاجم الأحادية. وفي هذا خطر قد لا يتبين لجمهرة من المشتغلين في الترجمة. فلنتأمل الجملة الآتية:

البرلمان الياباني يوافق على إرسال قوات عسكرية إلى العراق وسط معارضة متنامية.

لعلكم ترون في هذه الجملة مثالاً جيداً على التأثر بالحرفية المعجمية والفوضى اللغوية التي تعتري الفكر العربي بسبب ذلك. فالتنامي لا يكون عادةً إلا لما فيه الخير زيادة من نفسه. فالنبت ينمو ويتنامى. ولذا سُمي الشجر والنبات بالنامي. فكيف إذاً تتنامى المعارضة، وهي ، لغةً ، الاحْتِجَاجُ والْمُخَالَفَةُ والْمُمَانَعَةُ؟ للإجابة عن هذا السؤال ينبغي الرجوع إلى الأصل الإنجليزي وهو:

The Japanese parliament agrees to send military forces to Iraq amid growing opposition.

فإن اطلعنا على كلمة (growing) في المورد وقفنا على الآتي:

Grow: (1) "أ" ينمو ، "ب" ينبت (2) يكبر ، يقوى ، يزداد (حكمة الخ) ، (3) "أ" ينشأ ؛ ينتج عن "ب" يبرز ؛ يظهر إلى حيز الوجود (4) "أ" يصبح تدريجياً (to ~ old or pale). "ب" يستحوذ ؛ يمتلك (a habit ~s on one) (5) يُنبت ؛ يزرع (6) يربي ، يطلق (to ~ a beard).

وقد أسقط المورد (growing) ظناً منه على الأرجح بأن الباحث يستطيع أن يتعامل مع لغته على نحو سليم إن هو فهم المعنى الأولي للفظ. ولكنَّ المترجم أخذ بأول معنى للكلمة وهو (ينمو) واستخدمه في ترجمته دون مراعاة شروط تلازم الكلمات والنواحي الوظيفية للكلمة فجاءت طبقاً للنهج الفسيفسائي الذي يطبع الترجمة العربية بطابعه الحرفي على مستوى المفردة والجملة. وكان حرياً بالمترجم أن يقول (وسط معارضة متزايدة أو متعاظمة أو متفاقمة).

أما السبب الثاني فهو أن تفسير المفردات كلمة مقابل كلمة في تلك المعاجم غالباً ما يكون خارج السياق العام للكلام، إذ أنه في أفضل الاحتمالات تقريب استنسابي للمعاني الأولية والثانوية ، وتقابل نسبي بين مفردتين في لغتين حيتين آخذتان في التحول والتبدل والتفاعل كلاً في بيئتها الطبيعية، فتقتربان حيناً وتبتعدان أحياناً. ولهذا السبب فإن المعاني الدلالية لا تؤدي دائماً مؤداها في الترجمة على نحو سليم. فلنتأمل على سبيل المثال كلمة (prolific) في اللغة الإنجليزية في الجملة الآتية والاستعمال الجديد الذي طرأ عليها في العقد الأخير:
A prolific serial killer was found hanged in his prison cell yesterday.

استعمال (prolific) في هذا السياق يعيبه بعض الحريصين على اللغة الإنجليزية، فهو جديد يخرج اللفظ عن مدلولاته الأساسية الإيجابية . فلو نظرنا إلى المورد ، لوجدنا المقابلات الآتية التي تعكس تلك المدلولات:

(1) مثمر ؛ وافر الإثمار (2) ولود ، كثير النسل (3) خصيب ، منتج ، كثير الإنتاج (a ~writer).

وهكذا ، تجد المترجمين المورديـين يهرعون إلى المورد أو ما شابهه لترجمة الجملة السابقة، فإما أن يأخذوا بإحدى هذه المقابلات ، لا سيما المجموعة الثالثة منها، أو أن يبحثوا عن ضالتهم في مصادر أخرى ، فإن لم يجدوها اجتهدوا على النحو الآتي:
العثور على أكبر سفاح بريطاني مشنوقاً داخل زنزانته أمس.
العثور على اشهر مرتكبي جرائم القتل في بريطانيا مشنوقا في زنزانته أمس.
العثور على السفاح هـارولد شـيبمان مشنوقا في زنزانته في بريطانيا.
فهنا يصبح ( prolific serial killer) أكبر سفاح أو أشهر مرتكبي جرائم القتل.
وفي غياب منهجيات واضحة ومقيسة للترجمة والمصطلحات يتخبط المترجمون – ومعظمهم دخل المهنة من غير تدريب أو تخصص ، فهي مهنة من لا مهنة له ، على حد قول أحدهم ، وتعـلَّم أو لم يتعلمْ من التجربة والخطأ – يتخبطون بين الحرفية من جهة كـ أيـدز وسارس وشزوفرنيا وألزهايمر وخلوي وخليوي وجوال ومحمول وسليولير وغيرها ، والتصرف الفاضح الذي يطرح بالمعاني خارج أطرها المرسومة لها ضمن معالم النصوص وحدوده ، ويخرج بالمصطلح إلى حيز الإنشاء والترجمات الركيكة والملتفة من جهة أخرى. فنجدهم يصدرون الفتاوى الاعتباطية بشأن اسم أجنبي مستعار ويصرون على استعمال أسماء الأمراض مثلاً على حالها ودون أدنى تغيير كـ "الزهايمر"[1] (بأي طريقة تلفظت بها) ، بدلاً من إخضاعها للنظام الصوتي العربي وصوغها في زنة فُعال على هذا النحو (.زُهـــَام) و(شُـــزَاف) و (سُـــرَاس) كزكام وسعال ورُهــَـاب و صُداع وغيرها، وتجدهم كذلك يقترحون ألفاظاً غريبة عجيبـةً لا تخضع للقياس أو المنطق اللغوي أو قواعد الاشتقاق والنحت كـ "بريدون" لـ (email) (وهذه تحتاج إلى حبة سريدون)، أو تعوزها الدقة والضبط كـ"الترجمة إلى إجراءات" لـ (proceduralization)، بدلاً من استخدام زِنة (اسْتَفْعَلَ) التي تفيد الطلبَ والصيرورةَ (انظر مقررات مجمع اللغة العربية) ، على هذا النحو (استجراء) أو (استجرائية) بمعنى جعل منه وأخضعه لإجراءات محددة. فمن معاني (اسْتَجْرَى) المشتقة من (جَرَى) طلب التسيير والتوكيل، ولا ضير من إضفاء هذا المعنى الجديد عليها. فهذه طبيعة اللغات الحية ومسيرة تطور المصطلحات والمفردات فيها. ومَنْ اتَّجَرَ بغَيرِ فِقْهٍ فقد ضَلَّ.
وسبب هذا الاعتلال هو وجود ثلاثة مواقف فلسفية ومنهجية وسياسية واجتماعية بالنسبة إلى العمل المصطلحي في الوطن العربي. يتمثل الأول في العداء المطلق للاقتراض والاستعارة من اللغات الأخرى، بحجة أن اللغة العربية قادرة على التعبير عن أي فكر ورأي ، ولا خلاف في ذلك ، (فنجد الحاسوب والمذياع والمريـاء). ولكنه موقف غير عملي في ظل التبعية المعرفية الاستيرادية للعرب والناطقين بالضاد . والثاني يفتح الباب على مصراعيه للغزو الثقافي واللغوي ولاقتراض المصطلحات كما هي ودون تعديل أو تبديل (فنجد سارسْ ، ونيتو إنجليزياً وناتو فرنسياً ، وبارلومان ، بالباء المعجمة والنون المخففة على الطريقة الفرنسية)[2] ، وهذا موقف لا يمكن قبوله، وذلك لسببين رئيسين بسيطين هما ثنائية المصادر اللغوية بين فرنسية وإنجليزية تختلفان في مفرداتهما وطرائق التلفظ بهما، ومخالفة المقترضات للنظام الصوتي العربي (فنجد سيدا وأيدز مجتمعتين)[3]. والثالث يتمثل في المحافظة على التوازن بين الاقتراض من جهة والتعريب من جهة أخرى على أساس منهجيات مقيسة.
ومما لا شك فيه أن المترجم يؤدي دوراً أساسياً ومهماً في صياغة المصطلحات وعملية التعريب فهو في طليعة الأفراد الذين يتعاملون يومياً مع عشرات المصطلحات والمفاهيم الجديدة والذين يقومون بدورٍ حيوي في نشر المصطلحات. ولما كانت اللغة العربية في هذا العصر لغةً مستقبِلة للعلوم والمعلومات والمفاهيم الحديثة من الإنجليزية بشكل خاص واللغات الأخرى عموماً فمن المهم جداً أن يكون المترجم واعياً لدوره في عملية صياغة المصطلحات ونشرها وأن يكون على دراية بالمنهجيات السليمة التي تضمن صياغة مصطلحات لا تشذ عن القياس ولا تخالف المنطق اللغوي — تذرعاً بالحداثة والتطور والتقدم ، والذي لا يلقى صدى إلا عند من تخونهم الملكة اللغوية أو تعجزهم المنهجيات والأساليب وتتجافى عن أذهانهم قواعد ضبط الكلام، وعند طائفة من المرتزقين والمتطفلين على مهنة الترجمة.
وعلى الرغم من أهمية المصطلحات ومحورية دور المترجم فيها فإن المناهج الجامعية وغيرها ، بجلها لا تقدم مساقات خاصة بالمصطلحات ، إلا بشكل عابر عرضي أحياناً ، ولا تُدربُ المترجمين أو طلاب الترجمة على صياغة المصطلحات، ولا تعلمهم حتى كيف يستعملون المعاجم وكيف يختارون المفردات والمعاني السليمة، كأدنى درجة من درجات التدريب والإعداد . بل تكتفي بالنظريات المجزوءة والنماذج المنقوصة والمستوردة في غالبها من الغرب والتي تتعلق بالترجمة والنقل ضمن اللغات الأوربية، غافلـةً أو متغافلةً عن دور المصطلحات في الترجمة العربية والمشكلات التي تعرض للمترجمين بالنسبة إلى المصطلحات التي تصادفهم يومياً. بل والأغرب من ذلك كله أنها تستورد أخصائيين أجانب لتعليم الترجمة العربية وأصولها، ولا يشترط في هؤلاء المستورَدين أن يجيدوا اللغة العربية أو أن يكونوا على اطلاع عليها ودراية بها، فذلك مزية عارضة ، وليست شرطاً من شروط تعليم الترجمة للعرب. أما المعاجم والقواميس المتوافرة ، بما فيها المورد ، فإنها تعجز أحياناً كثيرة عن توفير ما يصلح من المصطلحات والمفردات أو تُسقِط من موادها مصطلحات هامة حتى يكاد يتراءى للمطالع والباحث أن واضع المعجم قد واجه صعوبة في إيجاد مصطلح مناسب في اللغة العربية فأسقطه من حسابه وتجاوزه إلى ما هو أسهل وأقرب منالاً. ولاشك أن للعامل التجاري دوره الأساسي في مجموعة المصطلحات والمفردات التي تضمها القواميس والمعاجم والمسارد . فما يُطبع منها أول مرة يتكرر استنساخه كما هو دون إضافات أو ملاحق أو تحديث فيتخلف عن الركب بينما تتطور اللغة الأجنبية وتزيد مفرداتها ومصطلحاتها. فاللغات ، كما أسلفنا، بين تقارب وتباعد مستمرين وتجاذب وتنافر دائمين. ولقد نشأ وترعرع على المورد ثلاثة أجيال من المترجمين الذين وإن لم يستشيروا المورد في كل شاردة وواردة ، قد أصبحوا مبرمَجين به. فقد أدى المورد دوراً جوهرياً في ترسيخ مقابلات عربية لمفردات إنجليزية صارت في المتعارف عليه بين المشتغلين في الترجمة والنقل. ومهرت طائفة من المتخصصين في حفظ تلك المقابلات عن ظهر قلب واسترجاعها كما هي.
وبعد ثلاثة عقود على المورد ، ونشوء المذهب المورديّ في الترجمة، ما يزال العجز واضحاً في المكتبة المعجمية العربية. وما انفك المترجمون يتبعون منهج الحرفية المعجمية في ترجماتهم ، رغم وجود مدققين لغويين ومحررين وناشرين على جانب من المعرفة اللغوية ، إذ يطالعك مثلاً عنوانُ النسخة المترجمة لأوليفر نورث (Under Fire) على هذا النحو (تحت النار) ، فهل رأيت ما هو تحت النار؟ وكتاب آخر بعنوان الإرهاب والإرهاب المقابل ، ترجمة لـ (Terrorism and Counter Terrorism) أخذاً بالمقابل رقم (14) في المورد ، بدلاً من الإرهاب والإرهاب المضاد. فكلمة (counter) لا تقابل (مقابل) في هذا السياق. إذْ من معاني (قابل): واجهه والتقى ، جازى ، عارض وقارن وماثلَ. فأنت لا تجزي ولا تجازي الإرهاب بالإرهاب. وما يقال عن قابله بالمثل فهو اصطلاح. وما يتقابل لا يكون بالضرورة مضاداً.

نحن لا شك في أمس الحاجة إلى معاجم مصممة للترجمة ، لا إلى مسارد تؤخذ من الإنترنت جملةً وتفصيلاً ومن مصادر مشكوك في صحتها فتُترجم من جانب أناس تعوزهم الخبرة والمعرفة اللغوية والتقنيات الخاصة بالترجمة ومنهجيات صياغة المصطلحات. فمع انتشار شبكة الإنترنت عالمياً ودخول الترجمة العربية عالم تقنيات المعلومات ، يتزايد عدد المواقع المترجمة إلى العربية، ويصبح توثيق المصطلحات والتحقق منها والاستشهاد بصحتها بالاستناد إلى ترجمات عوراء تتوافر وتتواتر على الإنترنت، فيتكرر الخطأ مرة تلو الأخرى حتى يصبح في المتعارف عليه. وهذه ظاهرة خطيرة أخرى تضاف إلى ظاهرة المورد في الترجمة العربية الحديثة ، تبيّن الحاجة الماسة إلى تدريب المترجمين على طرائق البحث والتنقيب والتوثيق والتحقيق (وسوف نعرض لها في حديث آخر). وكم نحن بحاجة فعلية أيضاً إلى تدريب المترجمين على أسس صياغة المصطلحات والتعامل معها ومع النصوص الأجنبية على نحو يكفل صحتها ودقتها ويستوفي معايير الترجمة وشروطها — ناهيك عن ضرورة التحرر من قيود الطرائق القديمة البالية في الترجمة ، التي لا تعير انتباهاً للنواحي الوظيفية للنصوص الأصلية والغايات المختلفة منها ومن الترجمة، ولا تلتفت إلى التغيرات والتحولات التي تطرأ على لغة المصدر ، وذلك بما يكفل عدم المساس بالأعراف والاصطلاحات المتعارف عليها في اللغة الهدف.
------------------------------
[1] القاعدة في تعريب الأسماء والمختصرات التي تلفظ كالأسماء ، نحو (SARS) هي اخضاعها للنظام الصوتي العربي والأوزان الصرفية العربية.
[2] هذه ظاهرة منتشرة في وسائل الإعلام العربي إلى درجة أن كلمة هَــاون تلفظ على الطريقة الأجنبية بتسكين الواو والنون ، ظناً منهم أنها لفظ أجنبي. ولكنها عربية تـلفظ (هَــاوَنُ) و (هَـــاوُنٌُ)، وشاعت في العامية بكسر الواو.
[3] للتعمق ، لا يجتـمع حرفا الدال والزاي في العربية على هذا النحو (أيدز)، فهو ليس من كلام العرب . لذلك عندما اقترض العرب لفظ (مهندز) وأَصله (آوْ أَنْـدازْ) من الفارسية ، قلبـوا الزاي سيناً، لفظاً وخطاً ، على عكس اللغات الأوربية ، لا سيما الإنجليزية ، حيث يبقى الحرف خطاً ويخفف لفظاً لمجاورته ما يتعارض معه ، فيما يعرف في علم اللسانيات بـ conditioned allophone أو التغيير الصوتي الـمُشـرَط، أو بالإقـلاب في علم تجويد الكلام عند العرب.
----------------
جميع حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 2004
* علي درويش : أستاذ الترجمة والتواصل التقني في جامعات ملبورن ـ أستراليا، ومؤلف وكاتب تقني.
----------------
مصدر المقال : صحيفة المناخ ( صحيفة استرالية بالعربية ) :

http://www.al-manac.com/kutta_almanac/three_generations_Mawrid_08.htm

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: