المنظمة العربية للترجمة - جابر عصفور

مفيد للثقافة العربية أن تتزايد مؤسسات الترجمة الحكومية وغير الحكومية على المستوى القطري أو القومي، ففي تزايد هذه المؤسسات ما يصل بحركة الترجمة العربية إلى أفقها المنشود، ويتيح للثقافة العربية أن تنفتح على أقطار العالم من حولها من دون تحيز، وتقلّل من اتساع الهوة بينها وعوالم التقدم، وتفيد من الحوارات الدائرة في الكوكب الأرضي، وتسهم فيها بما يعود بالنفع عليها وعلى غيرها.

ولذلك تحمستُ للدعوة إلى إنشاء مؤسسة عربية للترجمة، وهي الدعوة التي تبنّاها مركز دراسات الوحدة العربية الذي يشرف عليه الأستاذ خير الدين حسيب، ورأيت في هذه الدعوة تجسيداً لإمكانات العمل العربي المشترك، بعيداً عن حالة التكلس والخمول التي أصابت المؤسسات الثقافية لجامعة الدول العربية، كما رأيت في نجاح هذه المؤسسة وعداً جديداً من وعود تنمية الثقافة العربية.
وقد تأكدت هذه المعاني في ذهني حين لاحظت أن الدعوة إلى إنشاء مؤسسة عربية للترجمة قد اتخذت منحى علمياً واضحاً، فقد أعد مركز دراسات الوحدة العربية ندوة فكرية عن الترجمة في الوطن العربي ، في 11 - 13 أيار (مايو) سنة 1998، هدفها إنشاء هذه المؤسسة العربية للترجمة. واشترك في هذه الندوة يوسف زيدان بورقة عن الترجمة في التراث العربي، محاولاً الكشف عن الدروس التاريخية المستخلصة من تاريخ الترجمة العربية. وقدّم شوقي جلال تقرير المسح الميداني للوضع الراهن للترجمة في الوطن العربي. وأكمل المهمة محمود إسماعيل صالح ( الصيني ) بورقته عن الاتجاهات المعاصرة في حركة الترجمة في العالم. وأضاف حسن الشريف تقريره المسحي عن الترجمة الآلية في الوطن العربي. وتحدث نبيل علي عن هندسة اللغة وتكنولوجيا الترجمة. وأضاف جون هتشنز (من جامعة إيست انغليا - إنكلترا) دراسته المهمة عن تطوير نظم الترجمة الآلية وأدوات الترجمة التي تستخدم الحاسوب في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية. وطرح عبد الله القفاري مقاربة ميدانية عن كيفية بناء قاعدة بيانات شاملة للكتاب العلمي العربي والمعجم المختص .

 وتولّت ورشة عمل خاصة وضع تجارب الترجمة الآلية موضع البحث، ابتداء من تجربة أي تي أي لتقنية البرامج، مروراً بتجربة مجموعة التطبيقات ((Apptek التي تستخدم نظام ترانسفير ((Transfer للترجمة الآلية إلى اللغة العربية، وانتهاء بتجربة شركة سيموس، حيث نظام الترجمة الآلية متعددة اللغة إلى اللغة الإنكليزية وبالعكس .
واكتملت الأوراق والأبحاث بدراسة جدوى أولية لمشروع إنشاء مؤسسة عربية للترجمة، وهي دراسة قام بها كل من أسامة الخولي وعبد الإله الديوه جي وحسن الشريف ومحمد مراياتي. وكانت المناقشات حول دراسة الجدوى لا تقل في أهميتها عن المناقشات حول الأوراق والأبحاث وجلسات ورشة العمل في الوقت نفسه. وبعيداً عن تقويم هذا البحث أو ذاك، أو الإشارة إلى أن بعض التقارير المسحية لم تكن تقارير مسحية بالمعنى الدقيق أو الشامل، فإن ثراء المناقشات أدى إلى مجموعة من التوصيات والمقترحات التي كان أهمها:
- الدعوة إلى إنشاء نقابات أو جمعيات للمترجمين في كل الدول العربية، جنبا إلى جنب الدعوة إلى إنشاء اتحاد للمترجمين العرب.
- الدعوة إلى إنشاء معهدٍ عالٍ لتنمية مهارات المترجمين.
- توثيق التعاون بين المؤسسة المقترحة والاتحادات والمراكز العلمية المعنية بشؤون الترجمة عربياً ودولياً.
- ضرورة أن تضطلع المؤسسة المقترحة بعمل مسح ببليوغرافي شامل في جميع الأقطار العربية لما تمت ترجمته من اللغات الحية إلى اللغة العربية، بحيث تشمل الببليوغرافيا دور النشر والجامعات والهيئات والمؤسسات.
- أهمية أن تقوم المؤسسة المقترحة بصياغة استراتيجية شاملة لكل أنشطة الترجمة ومجالاتها، وتتولى عقد المؤتمرات والندوات وورش العمل لتبادل الخبرات بين العاملين.
- التنسيق مع اتحاد الناشرين العرب لتعزيز تسويق الكتاب المترجم.
- توثيق الروابط مع الجاليات العربية في الخارج باعتبارها سوقاً للكتاب المؤلَّف أو المترجم عربياً، وفي الوقت نفسه الإفادة من خبراتهم ومواقعهم.
- التنسيق مع أجهزة الإعلام للتعريف النقدي بالإصدارات المترجمة.
- إنشاء مجلة دورية تعنى بشؤون الترجمة، وتعمل على وصل القارئ العربي بدراسات الترجمة في كل مكان من العالم.
- الاقتصار على الترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية في المرحلة الأولي، وذلك من منظور أن حاجة القارئ العربي حاجة ماسة، ولها الأولوية القصوى ، أما تعريف العالم بالإنجازات العربية فأمر يمكن تأجيله إلى حين توافر الدعم المالي وتوسيع دوائر المترجمين والمترجمات إلى اللغات الأجنبية.
- السعي إلى تنسيق جهود الجهات العاملة في حقل الترجمة من طريق الربط بين هذه الجهات والمؤسسات إلكترونياً أو بالوسائل الأخرى المتاحة، وتنشيط تعاونها مع بعضها البعض وتمهيد وسائل هذا التعاون. وتقع على قمة هذه الجهات : دور النشر، والمؤسسات العاملة في مجال المصطلح، ومؤسسات التعريب، وشركات الترجمة الآلية، والمترجمون العاملون في الميدان.
وقد أفضت أعمال ندوة الترجمة في الوطن العربي التي عقدها مركز دراسات الوحدة العربية إلى إنشاء المؤسسة العربية المقترحة، وذلك في الوقت الذي صدرت فيه بحوث الندوة نفسها ومناقشاتها وتوصياتها في كتاب بالغ الأهمية لكل المشتغلين بالترجمة والمهتمين بتطوير أنشطتها ومؤسساتها في الوقت نفسه. وأعلنت المؤسسة الجديدة عن حضورها باسم المنظمة العربية للترجمة . واختير الباحث التونسي الصديق الطاهر لبيب مديراً عاماً للمنظمة، كما أصبح خير الدين حسيب رئيساً لمجلس أمناء المنظمة. وعقدت المنظمة الاجتماع الأول للجنة الاستشارية الموسعة في بيروت، خلال الفترة 18 - 19 كانون الأول (ديسمبر) 2000، وذلك لتدارس الإمكانات التنفيذية لعمل المنظمة التي تجمّع لديها من رأس المال (على هيئة وديعة) ما يسمح لها بالحركة المحدودة، أملاً في تزايد الدعم المالي في المستقبل، سواء من الأفراد أو الهيئات الدولية، وهو الأمر الذي أرجو اكتماله، داعياً أثرياء العرب المهتمين بالثقافة والمؤسسات والهيئات القائمة إلى دعم هذه المنظمة الوليدة بما يمنحها القدرة على الحركة الواسعة والعمل الممتد. وأرجو أن تكون الإنجازات القليلة للمنظمة في المستقبل خير إعلان عن حضورها، وباعثاً للجميع على الثقة فيها، ومن ثم عدم التردد في دعمها مالياً.
وقد اتخذ اجتماع اللجنة الاستشارية الموسعة شكل الحلقة البحثية التي تدارست القضايا الأساسية من خلال مجموعة من الأوراق التي قدمها كل من هنري عويس ومحمد الجوهري وأسامة الخولي وحسن الشريف ومحمد مراياتي وغيرهم. وقدّم الطاهر لبيب نتائج الاستبيان الذي قام به على عينة مختارة، وهي نتائج تجمعت من الإجابة عن أسئلة من قبيل: لماذا نترجم؟ ولمن نترجم؟ وماذا نترجم؟ وكيف نترجم؟ وناقشت اللجنة مجموعة من المشاريع المقدمة، منها المشروع الذي قدمه الأستاذ مطاع صفدي لترجمة الأعمال الكاملة للفلاسفة المؤسِّسين لفكر العالم الحديث، ومشروع المعجم النقدي المقارن في علم الاجتماع الذي قدمه الدكتور محمد نجيب بوطالب والدكتور عبد الوهاب حفيظ، ومنها مشروع بإصدار سلسلة من المترجمات في علم الحاسوب. وأخيراً، اقتراح بترجمة بعض الدوريات الأجنبية.
وقد اتسمت المناقشات هذه المرة بالطابع العملي الخالص قياساً إلى الندوة السابقة عن الترجمة في الوطن العربي ،فقد عرف الجميع رأس المال المتوافر، والذي يمكن الانطلاق منه بوصفه بداية متواضعة، لكنه يمكن أن يؤسس نقطة انطلاق قادرة على جذب الانتباه وتأكيد الحضور. واشترك بعض أعضاء اللجنة الاستشارية الموسعة في صياغة مشروع تنفيذي للسنوات القليلة المقبلة، وتشكلت لجان لاختيار النتاج العالمي المقترح ترجمته في حدود الإمكانات المالية التي لا تزال محدودة. وكان المبدأ الأساسي الذي يحكم الصياغة هو تشكيل نواة خطة قومية تنهض بحركة الترجمة، وتصل بين المترجمين والمترجمات العرب في كل مكان، وتعمل على تطوير أوضاع الترجمة وتقنياتها.
وقد خرجتُ، شخصياً، من اجتماعات اللجنة الاستشارية بالأمل في إمكانات التنفيذ، نتيجة حماسة المشاركين تطوعاً، ونتيجة الحماسة المماثلة عند القائمين على أمور المنظمة، وهي حماسة جذبت إليها - حتى الآن - عدداً لا بـأس به من مقترحات المترجمين الذين يريدون الإسهام في تحقيق أحلام المنظمة وتحويلها إلى واقع ملموس، تتزايد إيجابياته وإنجازاته عاماً بعد عام. ولكن هل ستنجح هذه المنظمة في تحقيق كل الأهداف التي أعلنت عنها، وتعمل على تجسيدها، وتسبق غيرها من المشاريع الموازية أو المماثلة، خصوصاً أن ما تجمّع لديها من دعم مالي أقل بكثير من طموحاتها وطموحات المتحمسين لها؟ غالب الظن أن الإجابة عن هذا السؤال ستتوقف على الجهد الذي لا بد من أن يقوم به الصديق الطاهر لبيب في مجالات التنسيق بين لجان الاختيار، وتقديم نماذج المترجمات الأولى التي لا بد من أن تكون بمثابة شهادة على مدى عافية المولود الجديد، والتفكير في أساليب جديدة لزيادة رأس المال ، والبحث عن مصادر لتوفير الدعم المالي من المنظمات الدولية، وذلك لجذب المترجم المتميِّز وتشجيعه بالمكافأة المالية التي يستحقها. وأضيف إلى ذلك حماسة المترجمين وصبرهم على الأعمال الكبيرة والتأسيسية، في كـل مـجال من مجالات المعرفة، وهـي الأعـمال التي لا يمكن ترجمتها إلا بعد جهد وصبر وتفرغ كامل لوقت طويل.
-------------

جريدة الحياة 29 -10 -1421هـ / 24 -01 -2001م ( العدد : 13829 )

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: