حكاية فيلٍ مغرور - د. حسين علي محمد

كنتُ أعيشُ بأرضِ الأحباشْ
بينَ النهرِ وبينَ الأشجارْ
أستمتعُ بثمارِ اللوزِ وأفياءِ الغاباتْ
أخوضُ النهرَ ..
أُقاومُ أسرابَ أُسودٍ تترصَّدُ غيري في الغابةِ
وتُطاردُهُ
فأنا اكبرُ أفيالِ الحبشةِ
أفتاها
أقواها
***
أُعجب بي ملكُ الحبشهْ
صادقَني
قدَّمني للقائدِ (أبرهةَ) مُعيناً له
في أيَّامِ الحربْ
***
وعبرْتُ النهرَ .. البحرَ
اجتزْتُ السَّهلَ
ومَشِيتُ إلى "صنعاءْ"
لمْ أشعرْ بالغربةِ أبدا
أرضُ العُربِ تُشابهُ أرضَ الأحباشْ
فجبالٌ .. وهضابٌ ,, ووهادٌ
وزروعٌ .. وقِفارٌ
وسيولٌ منْ أعلى .. تنحدرُ إلى أسفلَ
***
وعبرْتُ سيولَ زبيدْ
وهضابَ "رداعْ"
جاوزْتُ "ذمار"
ووصلتُ إلى "صنعاءْ"
هذا القائدُ "أبرهةُ الأشرمْ"
أخلصُ قوّادِ الأحباشِ صديقي!
لا يُبرمُ أمراً دوني
ما يشغلُهُ الآنْ
أن يبني كعبتَهُ الذهبيةُ في صنعاءْ
فيحجُّ العربُ إليها ..
بدلاً من كعبةِ إبراهيمَ بمكةَ
***
وبنى "القُلَّيْسْ"
جمَّلَها بالذهبِ وبالياقوتْ
حتى صارتْ تُحفهْ
***
لمْ يأتِ الحجَّاجُ إلى "صنعاء"
لمْ يزرِ "القلَّيْسَ" أحدْ
بلْ جاءَ إليها منْ قذَّرَها
***
استدْعاني "أبْرهةُ" وقالْ:
ـ يا فيلي الأعظمْ
إني متَّجِهٌ في الفجرِ إلى مكَّهْ
كيْ أَهْدِمَ كعبةَ إبراهيمْ
فتحجَّ العربُ إلى "القُلَّيْس"
وَأَشرْتُ برأْسي
أُعلِنُ عن رفضي هذا الأمْرْ
أوْثَقَني الحُرَّاسُ، ومنعوا عنِّي الأكلْ!
***
أعلمُ أنَّ الكعبةَ بيْتُ اللهِ بمكَّةَ
أولُ بيتٍ مبْنيٍّ في الأرضْ
ليستْ كعبةَ إبراهيم كما قالْ
"إبراهيمُ" بناها عنْ أمرِ اللهْ
"إبراهيمُ" نبيٌّ ورسولٌ
أُلقي في النَّارِ .. فلمْ تحرقْه
لكنِّي أذهبُ رغماً عنِّي مع "أبرهةَ الأشرمْ"
كيْ أهدِمَ هذي الكعبةَ
فتعودَ إلى "أبرهةَ" البسمةُ
ويُولَّي الحزنْ!
***
" سيري .. سيري .. يافِيَلهْ "
مكَّةُ ليستْ قادرةً
أن تقفَ بوجْهِك يوماً
دُكِّي الكعبةَ
دوسي مكةَ تحتَ السيقانِ الضَّخْمهْ
لا كعبةَ في مكَّةَ بعدَ اليومْ!"
***
مكةُ خافتْ .. فَزِعتْ
حتى عبدُ المطَّلبِ .. كبيرُ قريْشْ
خافَ من الفيلِ، ولمْ يمكثْ ليُدافعَ عنْ بيْتِ اللهْ
خَرَجَ إلى الصحراءِ وقالْ:
"للبيْتِ إلهٌ يحميهْ"
***
لا أقدرُ أنْ أمشي
هذي مكةُ قُدَّامي
فلماذا لا أهدِمُ كعْبتَها؟
منْ ذا يمْنعُني أنْ أفعلْ؟
من ذا يمنعُني؟
أصحابي الفِيَلَهْ
ساختْ منها الأقدامُ وغارتْ في الأرضْ
تلكَ جماعاتٌ كُثرٌ منْ طيرِ أبابيلَ
أراها .. تتقاذفُني بالويْلْ
وحجارتُها تملأُ أعيُننا بلهيبٍ
يجعلُنا نتساقطُ ..
في كفِّ الموتْ!
***
هلْ تلكَ نهايتُنا المُرَّهْ ..
يا أبرهةُ الأشرمْ
تأكلُنا الصحراءْ؟!
نأتي كيْ نفتحَ مكَّةَ
كيْ نهدمَ كعْبتَها
نتساقطُ صرْعى غُرباءْ
قِطَعاً منْ أَلَمٍ .. ودِماءْ!
***
هذا بيْتُ اللهِ مكيناً
يعلو في شَمَمٍ .. وإباءْ
***
أُبصِرُ "عبدَ المطَّلبِ" وجبهتُهُ ترتفعُ
إلى علياءِ سماءْ
يضحكُ جذلاً مسروراً
: قدْ جاءَ الطفلُ مُحمَّدْ
نوراً يرتفعُ إلى آفاقِ الجوزاءْ
ينحازُ إلى الضُّعفاءِ الفقراءْ

***
تيهي يا مكةُ .. صبحاً ومساءْ
فالفيلُ انهزمَ .. وأبرهةُ كسيحٌ
مسمولُ العينينِ يُناوشُهُ الدَّاءْ
والصبحُ تألَّق في عيْنيْكِ
فكانَ النصرُ
وكانَ دُعاءْ
فظلَّي للأرضِ سماءً
ظلَّي للأرضِ سماءْ

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: