ملجأ الأيتام - د. حسين علي محمد

اسمي حمدان

أتحدثُ معكمْ عبرَ قرونِ التاريخْ

بلدي الفسطاطُ العربيَّهْ

أصنعُ سجَّاداً وأُزخرفُهُ كعروسْ

تعرفُني كلُّ المدُنِ وتعشقُ مصنوعاتي

في أثتاءِ الأسفارْ

أجدٌ الأطفالَ عرايا .. يفترشونَ ترابَ الأرضِ فأحزنَ

أتمنَّى أنْ يجدَ الأطفالُ بيوتاً

تحميهمْ منْ حرِّ الشمسْ

وتقيهمْ شرَّ الأمطارْ

لكنْ .. ماذا أفعلْ؟

ماذا يُمكنُني أنْ أفعلْ؟

***

بالأمسْ

جاءَ إلى السوقِ الفارسُ "نعماتْ"

كان يُرافقُهُ قارعُ طبْلِ الملكِ .. وأعلن في الطرقاتْ

أنَّ الملك يُنظِّمُ في غَدِهِ أُمسيةً للقصصِ وللأشعارْ

والفائزُ في هذهِ الأمسيةِ سيأخذُ ألفيْ دينارْ

***

حانَ الوقتُ

ووقفْتُ أمامَ البابِ كثيراً أنتظرُ الدَّوْرْ

قال الشعراءُ الشِّعْرَ

وقصَّ القصاصونَ حكاياتْ

لمّا أدخلني الفارسُ "نعماتْ"

قلت:

"أفسِحْ لي صدْراً يا موْلايْ

كانْ ..

يا ما كانْ"

في يوْمٍ منْ أيَّامِ الصَّيْفْ

ذهب "سمارا" النجَّارُ لقطْعِ الأشجارِ من الغابهْ

فاقتربَ الفارسُ منهُ وقالْ:

أرجو أن تبتعِدَ الآنْ

فالملكُ سيأْتي بعدَ ثوانْ

في موْكبِهِ الملكِيّْ

وقف "سمارا" خلفَ الأشجارْ

يرقبُ هذا الملكَ المحبوبْ

وتصادفَ أنْ جلَسَ الملكُ وأصحابُهْ

في ظلِّ الشَّجَرهْ

أغفى الملكُ قليلاً

فتشاجَرَ رجلانْ

منْ حاشيَتِهْ

وصحا الملكُ سريعاً مفْزوعاً

وهو يقولْ:

"لآ أقدرُ أن أغْفُوَ أبداَ

في ظلِّ مكانٍ تصطحباني فيهْ

لا أدري أيّكما الملَكُ وأيُّكما الشَّيْطان؟"

في هذا الوقتْ

لمحَ الملكُ خيالَ "سمارا" النجار

فأشارَ إليْه

حضرَ النجَّارُ ووقفَ شجاعاً بينَ يديْه

قال الملكُ: لماذا جئتَ هُنا؟

قال سمارا:

إني أسمعُ عنْ عدْلِكْ

ولذا أحببْتُكْ

مثلَ جميعِ رعاياكْ

كان الحلمُ الشاغلُ ذهني

أن أُبصرك وأن أستمتعَ بجميلِ حديثِكْ

ولقدْ جئتُ ليعرفَ مولايَ الآنْ

هذيْنِ الرجليْنْ

أيُّهما الملكُ، وأيهما الشيْطانْ؟

**

رسمَ "سمارا" خطَّيْنْ

أحدهما أكثرُ طولاً منْ صاحبِهِ

وتوجَّهَ للشَّخْصيْنْ:

يسألُ ويُحاورُ:

كيف يصيرُ الخطُّ الأقصرُ أطولَ من صاحبِهِ الأكثرِ طولا؟

قالا في صوتٍ واحدْ:

"نمسحُ جزءاً من هذا الخطِّ الأكثرِ طولاَ"

ضحك "سمارا" النجارُ، وقالْ:

لا يلمسْ أحدُكما هذا الخطَّ الأكثرَ طولاً

فدعاهُ وشأنَهْ

العاقلُ منْ يجعلُ هذا الخطَّ الأقصرَ أكثرَ طولاً

حينَ يُضيفْ

بعضَ السنتيمتْراتْ

وابتسمَ الملكُ، وقالَ: أصَبْتْ

إنَّ الإنسانْ

لا يقدرُ أنْ يُصبحَ شيئاً في هذي الدُّنيا

إلا لوْ قدرَ يُضيفْ

بعضَ اللبناتِ ويسعى للخيْرْ

لا تمُحُ الشخصَ الآخرْ

بلْ حاولْ أنْ تتفوَّقَ وتُضيفَ إلى ما يفعلُهُ الآخرْ

فرح الملكُ وقالْ:

إنَّكَ رجلٌ عاقلْ

أنتَ من الآن "وزيري"

***

سُرَّ الملكُ من القصَّهْ

أعطاني ألفيْ دينارْ

شكراً للهْ

فسأبني ملجأَ أيْتامْ

لنْ تجدَ الأطفالَ عرايا بعدَ اليوْمْ

هأنذأ أقدرُ أنْ أفعلَ شيئاً

منْ أجلِ قلوبٍ تتعذَّبُ ونفوسْ

في أوقاتِ فراغي

ستراني أصنعُ سجّاداً

وأُزخرفُهُ كعروسْ

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: