قراءة في ديوان (وقفات على الماء) لإبراهيم صعابي - د. حسين علي محمد

1-من هموم الذات إلى هموم الجماعةديوان "وقفات على الماء" (1412هـ-1991م) هو الديوان الثالث للشاعر السعودي الشاب إبراهيم صعابي الذي أصدر من قبل ديوانين هما: "حبيبتي والبحر" وزورق في القلب".

وفي هذا الديوان يمتزج الهم العام بالبوح الخاص، فلا تعرف هل كانت المحبوبة التي غنّى لها أنثى بعينها أم كانت الوطن؟

يقول في قصيدة "بوح من القلب":

ألهـمي أصْغريَّ سحْرَ المعاني واستريحي على جبينِ الزمانِ
ودعـيني أبادلُ الموْجَ عشقاً وأُغنِّي روائعَ الألْحانِ
واحمليني على يديْــكِ ملِيا فلقدْ ملَّني أسى الحرمانِ
واكتبيني على الشراعِ هبوباً وعلى الساحلِ الجميلِ أماني
بينَ صمْتي وأضْلعي هَمَسَاتٌ تتوارى كغيْمةِ النِّسْيانِ
فامنـحي الشَّــاعرَ المُقِلَّ صباحاً شاعـــريا معطَّـرَ الأوزانِ

وتمضي في قراءة القصيدة فتعرف أنه يُخاطب مدينة سعودية ارتبطت حياته بها؛ فهي السفين وهي المرفأ، وكيف لا وهي المدينة التي شهدت طفولته وصباه فصارت شيئاً من كيانه؟

لا غرو إذن أن يفتتن بهذه المدينة الجميلة الساحرة، ويهيم بها:

يا عروسَ الجنوبِ ، يا كلَّ نبْضي بوريدي ، وأحرفي ، وبياني
يا عـروسَ الجنوبِ .. هذا شعورٌ أريحيٌّ بساعديْكِ رمـاني
سُفُني أنْتِ أعْبُرُ اليَمَّ فيها مستريحاً وأنْتِ أنْتِ المواني
فهـنا كـانت الطفـــولةُ تلْهو وبهـــذا المكانِ كانَ افْتِتاني

وهذه العاطفة الجيّاشة نفسُها نراها في قصيدة "هدية البحر"، التي يُخاطب فيها مكة المكرمة مخاطبةَ العاشق المدنف للمحبوبة التي تملك على الشاعر كلَّ مشاعره؛ فهي البلد الحرام الذي به تتعلّق الأفئدة، وفي حماها يرشف المؤمن صفو الطهر، فتملأ السكينة أرجاء روحِه ونفسِه:

لبَّيْكِ مكةُ والأشواقُ ملءُ فـمي أُصارِعُ الوجْدَ في صمْتي وفي كَلِمي
رِيـمٌ على القلبِ لا ينْوي مُغـادرةً حَطَّ الرِّحالَ بقلْبِ للحنانِ ظَمِي

لمْا هفا حدَّثَتْهُ النَّفسُ قائلةً يا لائمي في الهوى المكِّيِ لا تلمِ
لا أقبلُ اللَّوْمَ في خِلٍّ يُبادلُني صفْوَ المحبَّةِ في إضْمامةِ الشِّيَمِ
أتيْتُ مكَّةَ والآفاقُ مُصْغِيةً لنبْضِ جُرْحٍ جميلٍ غيْرِ ذي أَلَمِ
الآنَ أُعْلِـنُها .. إنَّ الهوى عَلَنٌ كَمْ ذابَ قلبي جوارَ البيْتِ والحَرَمِ
لأرْشـفَ النورَ والآياتُ تسْكُنُـني الحـقُّ يملأُ بالبَرهانِ كلَّ دمـي!

وتتسع دائرة الشاعر لتشمل العالم الإسلامي، فيعانق همومه، ويُعذِّبُه ما يراه من إحباطات تحوط العالم الإسلامي شرقاً وغرباً، فيقول في المقطع الأول من قصيدة "الأسئلة":منْ قتَل الصحوةَ في جوْفِ الأُمَّهْ ؟

منْ أجهضَ في الليْلِ بياناتِ العتْمَهْ ؟

منْ نسَجَ الليْلَ على كتفِ الأرضِ

وزاولَ تشويهَ العصْمهْ ؟

ومن اغتالَ بشرفتنا أجملَ .. أجملَ غيْمَهْ ؟وإذا كانت الأسئلة التي طرحها في المقطع الأول عن واقع الأمة الإسلامية الفاجع والحزين لم تجد إجابة، وظلت حائرة، فإنه في المقطع الثاني يوجه السؤال إلى نفسه ومن حوله:إني أسألكمْ

منْ منّا أغمدَ شمعتَهُ الحمراءَ ، وأسرجَ شمْساً ؟

منْ منا اشتملَ الجرأةَ كيْ يُصبحَ ناراً أوْ حجراً ؟

منْ منّا انتفضَتْ في داخلِهِ (صبْرا) أوْ (كابلْ) ؟واستخدام ضمير المتحدثين (نا) هنا، يُدين الجماعة ـ وهو منها ـ التي تكتفي بالمشاهدة، والإدانة والرفض، دون الفعلْ ! فلا تتخذ خطوة للأمام لتُواجه واقعها المؤسف.

2-الأمل في مواجهة المثبطات:

وقد تواجه الشاعر بعض المثبطات، ولكنه يتجاوزها، فهو حالم دائماً بصباح جديد، يتجاوز فيه العقبات التي تُقابله في حاضره، أو تلك التي تُوضع في طريقه.

يقول في قصيدة "بين البحر والقاع أنت":جئتُ للصبحِ أُغنِّي

سيعودُ الطائرُ الهاربُ منيِّ

جئتُ لا شيءَ على دربي سواكِ

قدمي في الماءِ

ووجهي ضائعٌ بيْنَ ادّعاءاتِ هواكِ

ملءُ نفسي أمنياتٌ .. حطّمتْها بيدِ الضَّعْفِ يداكِ

صاعِدٌ كالمجْدِ قلبي

شامخٌ كالخيْلِ قلبي فنحن نرى هنا شاعراً ذا رؤية إسلامية واضحة ترى "إن مع العسر يُسراً" (سورة الشرح: 6)، ولذا فهي ترفض الهوان.

إن كلمة "الصبح" في السطر الشعري الأول توحي بالإشراق وتجدد الأمل، و"الماء" في السطر الخامس توحي بالثورة والعنفوان والتجدد. وتنكير "أمنيات" في السطر السابع يوحي بكثرة الأمنيات التي يتعلق بها قلب الشاعر، فإن كان قد تحطّم بعضُها يوماً، وضاع، فهو سيُحقق الكثير منها، لأن قلبه "صاعد" و"شامخ"، واستخدامه اسم الفاعل فيهما يُرينا دوام صعوده وشموخه، فهو لم يهبط، ولم يتدنَّ يوماً، ولم يعرف الانكسار الذي تصنعه الهزيمة، أو يُسببه ضياع بعض الأماني التي تعلّق بها القلب!

3-رؤية فنية:

يكتب الشاعر إبراهيم صعابي القصيدة الخليلية باقتدار، كما نُلاحظ في قصائده "وصية البحر" (ص9)، و"بوح من القلب" (ص15)، و"من أجل عينيك يا وطني" (ص27)، و"إلى الطين المُسجّى بالغياب" (ص43) … وغيرها، كما يكتب قصيدة التفعيلة بجودة ـ غالباً ـ كما نرى في قصائده: "أيتها المضيئة في دمي تتشكّلين" (ص21)، و"إلى صديق ما .. وإليه فقط" (ص49)، وغيرهما، وأحياناً يمزج في القصيدة الواحدة بين القصيدة الخليلية وقصيدة التفعيلة، كما نرى في قصيدتيه: "مقاطع تقتلها التحولات" (ص33)، و"الأسئلة" (ص97).

لكننا نرى أن شعر التفعيلة عند إبراهيم صعابي ـ أحياناً ـ يقع في مزلقين:

الأول: أن الشاعر في محاولته الحفاظ على التقفية قد يلجأ مضطراً لاستخدام الكلمات التي تقلل من شاعرية القصيدة، لعدم ملاءمتها للتعبير عمّا يريد الشاعر التعبير عنه؛ ففي قصيدة "الأسئلة" يقول:منْ قتَل الصحوةَ في جوْفِ الأُمَّهْ ؟

منْ أجهضَ في الليْلِ بياناتِ العتْمَهْ ؟

منْ نسَجَ الليْلَ على كتفِ الأرضِ

وزاولَ تشويهَ العصْمهْ ؟

ومن اغتالَ بشرفتنا أجملَ .. أجملَ غيْمَهْ ؟فاستخدامه في السطر الثاني للفظة "العتمة" استخدامٌ غير ملائم؛ فالبيانات التي يتحدّث عنها في هذا السياق من المفترض أن تكون بيانات تُبشِّر بالإشراق والنصر والفجر، ولو وضع إحدى هذه المفردات: الإشراق، أو النصر، أو الفجر لاستقام الوزن، واستقام التعبير، وكان أجود. ونرى أن محاولة الشاعر المحافظة على موسيقا القافية هي التي جعلته يأتي بكلمة "العتمة"، مع أن استخدامه لها غير ملائم، فهو في هذا السطر الشعري نفسه أخبرنا أن هذه البيانات قد أُجهِضَت في الليل، فضلاً عن أن إضافة العتمة إلى بيانات قد يجعل القارئ يفهم عكس ما يُريد الشاعر، فيظن أنّ بيانات الليل والعتمة هي بيانات التضليل والبهتان، بينما المُراد غير ذلك.

الثاني: أنه قد يُخطئ أحياناً في الوزن، ففي "وقفة 3" من قصيدة "وقفات على الماء" يقول:لهذا المساء

جحيمٌ يُساومُ في الظّلِّ دفْءَ المكانْ

ويُدهشُني وجهك المستطيلُ كوجْهِ الهوانْ

فأرسمُ بحراً على شفتيْكَ

وعيداً جميلاً وباقة إقحوانْ (ص122)

والسطر الأخير مكسور؛ فالشاعر يستخدم تفعيلة بحر "المتقارب" (فعولن)، ولكن السطر الأخير جاء وزنه على النحو التالي:

وعيدا / جميلاً / وباقـ / ة أقحوان

فعولن / فعولن / فعول / مفاعلان

***

ورغم هذه المآخذ اليسيرة على الديوان، فإن ديوان "وقفات على الماء" للشاعر إبراهيم صعابي من الدواوين الشعرية الجيدة التي تُرينا شاعراً مقتدراً يكتب الشعر الخليلي والشعر التفعيلي باقتدار، وهو شاعر منتمٍ إلى أمته الإسلامية يؤرقه ما يؤرقها، ويحلم معها بصبح مبتسم مشرق جميل.

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: