قراءة في رواية (دفء الليالي الشاتية) لعبد الله العريني - د. حسين علي محمد

(1)

حاولت الرواية العربية أن تلمس قضية الصراع الحضاري بين الشرق والغرب، ومن خلال هذا تناقش الآخر في الرواية، من خلال تصوير الشخصية العربية ـ حينما تغترب، أو تذهب للغرب لكي تتعلّم ـ مصطدمة مع الآخر الغربي، ومحاولة ـ كل على طريقتها ـ أن تُرينا التأثُّر والتأثير الذي يُمكن أن نراه نحن من خلال النص السردي.

ومن هذه الروايات "عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم، و"قنديل أم هاشم" ليحيى حقي، و"الحي اللاتيني" لسهيل إدريس، و"موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، و"الشاطئ الآخر" لمحمد جبريل، و"السنيورة" لعصام خوقير.

وتأتي رواية "دفء الليالي الشاتية" لعبد الله بن صالح العريني في هذا السياق، لتُقدِّم لنا نموذجاً غائباً ليس له حضور في الرواية العربية.

وتقدِّم الرواية شخصية "عبد المحسن"، الشاب السعودي المبتعث، الذي ذهب إلى أمريكا، وقضى بها سبعة أعوام، للحصول على الماجستير والدكتوراه من جامعة "كلورادو"، وتصحبه في هذه الرحلة زوجته "أمل"، وابنته "مناير".

وتُسجِّل الرواية ما أحدثه البطل في عالمه الصغير من تغيير في هذه الأعوام.

وتبدأ الرواية بتصوير الرحلة من السعودية إلى أمريكا، فالوصول إلى مدينة "نيويورك"، ثم الذهاب إلى ولاية "كلورادو" التي اختيرت جامعتها لبعثته. وتنتهي الرواية بحزم الحقائب، والعودة إلى الوطن بعد الحصول على الدكتوراه.

وما بين الذهاب والعودة، يُطلعنا الروائي على شخصية "عبد المحسن"، البطل الإيجابي، القادر على التأثير في محيطه. فقد اختار أن يُقدِّم لنا بطلاً ملحميا، يُنازل الحضارة الغربية، ويكشف سوءتها، وبدلاً من الروايات التي نرى فيها البطل ناقلاً للحضارة الغربية، مهزوماُ أمامها، اختار أن يُقدِّم لنا بطلاً مُجابها، فاعلاً، مؤثِّراً.

ومن الفصل الأول من الرواية نرى شخصية البطل مكتملة، إنه يُقدم على أمريكا، قدوم العارف لها، غير المنبهر بهذه الحضارة، ويكشف عن ذلك هذا المقطع، الذي ينتقل فيه السرد من الوصف الذي يقدمه الراوي العليم بكل شيء إلى تصوير أحاسيس البطل وانطباعاته، بعد وصوله إلى "نيويورك":

"كانت سيارة الأجرة تجوب شوارع المدينة الأمريكية الكبيرة بسرعة، وبدا أن الثلاثة في سباق مع كل شيء، كان المارة يجرون مسرعين .. ليست هناك لحظة واحدة لالتقاط الأنفاس .. خُيِّل إلى "أمل" أن كل شيء يسير بسرعة شديدة .. لطالما سمعت عن المدن الصناعية وما فيها من ضوضاء وصخب، وها هي ذي الآن في واحدة من أكبر تلك المدن .. "نيويورك" مدينة العمل والتجارة .. ذات القلب الصلد القاسي .. مدينة الآلة الكبيرة التي تطحن كل شيء في دورانها .. إنها كغيرها لا تعرف شيئاً اسمه العواطف، والمشاعر الإنسانية، ولا تدين إلا للقوة .. ها أنت يا "أمل" في "نيويورك" كبرى مدن أمريكا، وسادسة مدن العالم من حيث كثرة السكان.

لم يكن ليخفى على الزوج ما بدا على الأم وابنتها من مظاهر التوجس والانبهار .. وهنا قال لنفسه:

"تُرى ما شعور "أمل" لو عرفت أنها الآن في أكثر المدن الأمريكية ارتفاعاً في معدَّل الجريمة؟ وأنَّ فيها أكثر مدمني المُخدِّرات؟ وأنه رغم كثرة هذه العمارات التي تُناطح السحاب إلا أن مشكلة السكن من أبرز مشكلاتها المستعصية على الحل!! ومرّت بخياله الإحصاءات الخاصّة بمعدلات الجرائم المختلفة في هذه المدينة".

(2)

يُهدي عبد الله العريني روايته الأولى "إلى الذين يفضلون أن يضيئوا شمعة، بدلاً من سبِّ الظلام". وقد فضَّل أن يُضيء شمعةً في درب الأدب الإسلامي ـ بإبداع رواية إسلامية ملتزمة، يقوم الحوار فيها بدور بنائي هام لا يُمكن إغفاله في النص السردي، يتمثّل في إضاءة جوانب الحدث، أو تطوير الموضوع الروائي، أو الكشف عن دواخل الشخصية المتحدثة … إلى غير ذلك.

وقد وجدناه يصور الاضطراب النفسي، وبعض التداعيات التلقائية العفوية، ذات البُعد الواقعي في بعض الشخصيات، مثل وليد، ابن خالة عبد المحسن، والذي كان يريد الوصول إلى أمريكا ليعب من الشهوات المُتاحة فيها.

قال عضو اللجنة لوليد حينما كان يُجري معه مقابلة شخصية، قبل سفره إلى أمريكا:

ـ ما البلد الذي تودُّ السفر إليه؟

أجاب بسرعة:

ـ أمريكا.

ـ ما التخصص؟

ـ أمريكا.

حدّق إليه السائل، وقال له بلهجة فيها الكثير من الاستغراب:

ـ نعم؟

ونظر إليه أعضاء اللجنة بكل اندهاش، بم يكن خافياً أن كلمة "أمريكا" قد انطلقت بصورة لا شعورية.

التفت عضو اللجنة إلى العضوين الآخرين، ونظر إليهما وهو يبتسم ابتسامة ذات معنى جعلت وليد يرتبك، ويعرف أن عليه أن يضبط نفسه أكبر، فراح يُضيف بلهجة متعثرة:

ـ التخصص .. علاقات عامة .. إدارة وعلاقات عامة.

وحسم الأمر رئيس اللجنة فإذا به يقول:

ـ مادمت راغباً في الذهاب إلى هذه الدرجة فترى أنه … لا .. ثم ترك الكتابة، ونظر في وجه محدثه برهة، ثم عاد مواصلاً الكتابة .. لا مانع من ابتعاث المذكور ..

كانت مزحة ثقيلة عليه، لكنه (بلعها) مرغماً".

ومن الحوار الجاد الذي تبدو فيه الصرامة والتحدي ما دار بين عبد المحسن والدكتور بهاء حنا النصراني المتعصب ضد الإسلام والمسلمين، والذي يحاول جاهداً أن يشوه صورة الإسلام والمسلمين في أمريكا، ويشكل هذا الحوار إضاءة على شخصية عبد المحسن، المُجابهة، التي لم تقف ساكنة إزاء ما يواجه عالمنا الإسلامي من كيد بعض النصارى العرب في أمريكا.

"وانتهى "د. بهاء حنا" من محاضرته عن "الجريمة والعقاب لدى المسلمين"، ولبث برهة يرتب أوراقه ثم وضعها في حقيبته، وفي طريق الخروج التفت إلى عبد المحسن وقال:

ـ أظن المحاضرة لم تعجبك؟!

ـ بكل تأكيد.

ـ عليك ألا تنتظر مني أن أتحدّث بما تحب فقط!

ـ وأنت عليك ألا تنتظر مني أن أُوافق على مُغالطاتك وتشويهك للحقائق.

وأردف عبد المحسن:

ـ سوف أطلب من إدارة الكلية إتاحة الفرصة لتوضيح الحقائق التي طمستها في محاضرتك.

ـ هذا يرجع إليك وإليهم.

ومضى د. بهاء حنا إلى الخارج فيما بادر عبد المحسن إلى قسم إدارة العلاقات الثقافية بالكلية، وأوضح للمسؤول هناك ضرورة أن تكون هناك محاضرة في الموضوع نفسه يُلقيها أحد المسلمين".

وينجح الحوار في كشف روح الدعابة والرقة في شخصية أمل زوجة عبد المحسن؛ فحين أخبر عبد المحسن زوجته أمل أن وليد سيزورهم، وأنه قد لاحظ عليه الكثير من التغير، قالت أمل:

"ـ هل تغير فيه شيء؟!

ـ كثير.

ـ مثل ماذا؟

ـ أصبح أكثر التصاقاً بي وبزملائي، بصراحة كنا نُعاني تهربه منا، وتحاشيه للقائنا، أما هذه الأيام فما أكثر اتصالاته ولقاءاته وأسئلته.

ـ تريد أقول لك بصراحة؟

ـ نعم.

ـ هذا وليد ابن خالتك حاسة الشم عنده قوية .. منذ أن جهزت وجبة العشاء وبدأت رائحتها تتصاعد، حتى اخترع هذا العذر ليأتي!!

ضحك من دعابتها وقال:

ـ عنده حق يا أمل. وهل سيستطيع أحد مقاومة إغراء طبخك الذي لا يُمكن أن يعده أي فندق من فنادق الخمسة نجوم، ولو اجتمعت كلها.

ـ لا .. يكفي واحد منها.

ـ ترى كلامي ليس بعيداً عن الحق، لأنهم لا يعرفون هذه الأكلات الشعبية الشهية".

ولكن الملاحظ على بعض فقرات الحوار فيها، أنها لم تقم بالأدوار المنوطة بالحوار التي أشرنا لها سابقاً، بل نجدها تسير على درجة واحدة من النمطية والثبات، وعلى مستوى واحد من مستويات الأداء اللغوي، فلا نشعر بفروق بين المتحدِّثين، ولا يُضيف الحوار في هذه الحالة شيئاً لبناء النص أو شخصية البطل، بل يمكن حذفه، ووضع جملة أو فقرة تقوم بأداء معناه. ومن ذلك الحوار الذي دار بينه وبين زوجته، عند التفكير في بناء المسجد:

ـ هل أستدين لاستئجار موقع؟ لا يُمكنني ذلك .. إنّ التضحية هنا أكبر ممّا أتحمّله.

ـ هل أنتَ وحدك في هذا الهمِّ؟

ـ لا.

ـ هل معك من يؤيِّد هذه الفكرة؟

ـ أكيد؟

ـ نعم ..

ـ إذن هي ليست مشكلتك وحدك!

ـ ماذا تعنين؟

ـ أعني أن أصدقاءك المؤمنين معك بهذه الفكرة، سوف يدعمون مشروعك، أو على الأقل من النّاحية النفسية يُخففون عنك عبء التفكير بالحل ..

ـ جزاكِ الله خيراً يا "أمل".

فهنا نجد أن الحوار لا يُضيف شيئاً للصنعة الروائية، أو لتقنية كتابتها، وكان يُمكن اختزاله في فقرة تُفهم القارئ أن زوجة "عبد المحسن" اقترحت عليه أن يُشرك أصدقاءه المؤمنين معه بفكرة إقامة المسجد الذي يريد تشييده، وسوف يدعمون مشروعه، وسيخففون عنه من النّاحية النفسية عبء التفكير بالحل وحده.

(3)

لكنَّ الرواية باعتبارها العمل الأول للروائي، وقعت في بعض المزالق، نشير إلى مزلق منها، لعل المؤلف يتجاوزه في رواياته القادمة، وهو عدم قيام الوصف أحياناً بدور بنائي في النص.

فأحياناً كثيرة نشعر أن الوصف لم يقم بدور بنائي في الرواية، بل كان عبئاً عليها؛ ففي الفصل الأخير (الفصل السابع عشر) من الرواية، يقوم الروائي بأخذ أيدينا، ويعظنا، وكأننا وحدنا غير قادرين على فهم الرواية، أو غير قادرين على الإحاطة ببطله الذي قدّمته الرواية، أو دوره المؤثِّر في مجتمعه، فيقول:

"ها هي ذي سبع سنوات مضت قضاها "عبد المحسن" وأسرته في الغربة، في هذا البلد الغريب البعيد .. لقد استطاع أن يُنهي مرحلة الماجستير ومن بعدها الدكتوراه بمدة قياسية وجيزة .. ولقد تمكّن أن يُحيل الوقت إلى إنتاج .. فكانت ساعات يومه تعني الشيء الكثير.

وشتاء "كلورادو" الكثيرة أيّامه، الطويلة لياليه، استطاع بالسّهر والجد والمُثابرة أن يُحيل برودة جوِّه القارس إلى دفء يسري في أوصال الليالي الشاتية، كان الهدف رائعاً مؤتلقاً، وكان يشعر أنّه في كل يوم يخطو خطوة في الاتجاه الصحيح لتحقيق ذلك الهدف .. ولم تكن علاقاته الاجتماعية، ونشاطاته الثقافية، وقبل ذلك دراسته العلمية المتخصصة، لتمنعه من التفوق في كل تلك المجالات".

لقد قالت الرواية ذلك في كل صفحاتها، فما الدَّاعي إذن لإعادته في نهاية الرواية بصوت خطابي زاعق؟

***

إن هذه الرواية محاولة جادة على طريق الأدب الإسلامي الصحيح، وإن شابتها بعض عثرات البداية، لكنها محاولة جديرة بالقراءة والتنويه، وسط الأدب الروائي الذي سقط معظمه الآن في التعبير عن الجنس، فلا نكاد نبصر رواية تخلو من مشاهد جنسية مفتعلة، حذفها لا يؤثِّر على السياق، ولا تدفع إليه أحداث الرواية.

ولعلّ الدكتور عبد الله العريني يفيد من هذه التجربة، فيكتب لنا أدباً إسلاميا متميزاً على طريق السرد، ويكون قامة متميزة في الإبداع الروائي الإسلامي بعد علي أحمد باكثير، ونجيب الكيلاني.

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: