قراءة في رواية «الأسرى يُقيمون المتاريس» لفؤاد حجازي - د. حسين علي محمد

أثيـرت في الأعوام الأخيرة مشكلة تعامل إسرائيل مع الأسرى المصريين في حربي 1956، و1967م، وبصرف النظر عن تعامل مصر الرسمية مع هذه الجريمة التي اقترفتها إسرائيل فإن رواية فؤاد حجازي التي صدرت طبعتها الأولى في فبراير 1976م، قدّمت لنا من خلال عيني السّارد صورة لما حدث للأسرى المصريين في حرب 1967م، في سجن الأسرى المصريين والعرب في عتليت بإسرائيل.
وقد كتب عبد التواب يوسف في جريدة "العرب" (لندن) في أكتوبر 1995م ـ بعد إثارة قضية الأسرى المصريين الذين قتلتهم إسرائيل بعد أن أثارها في إسرائيل من يسمون بـ«المؤرخين الجدد» ـ كتب يقول:
"لكن الشيء المذهل أن الكتاب في كل صفحة من صفحاته ـ تقريباً ـ يتحدث عن قتل أسرانا، بوضوح شديد وببساطة وصراحة. غير أننا لا نقرأ، وإذا قرأنا لا نتوقف عند هذا الذي نقرأه … ومع ذلك (فوجئنا) بهذا الذي نقرأه!".
والرواية ـ كما يشيع الآن ـ هي ديوان عصرنا، ومن خلالها يُمكننا أن نرى صورة المجتمع بوضوح، وأن نقرأ تفاصيله ونتعرّف على همومه، ونُشاهد حياة الناس اليومية ورؤاهم وأحلامهم، ونجاحهم وإخفاقهم، وتُحاول الروايات الجادة ـ في فنية ـ أن تُشير إلى مواضع الألم، ولا تخاف من مواجهة القضايا الساخنة، بل تُواجهها في شجاعة. والرواية حين تقوم بذلك فإنها لا تضع حلولاً، ولكن حسبها أن تفتح عيوننا لنرى، وتُثير هي الأسئلة لنبحث ـ نحن القراء ـ عن الإجابات!

وإذا كان هذا شأن الرواية عموماً فإن الرواية السياسية تطمح أن تعبِّر عن هموم الشعب، وتصور مراحل كفاحه ضد المستعمر، وتطمح أن تكون ضمير الشعب في نضاله المرير، وتطلعه إلى التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي، وسعيه الحثيث والدائم للأفضل والأحسن والأرقى.
ورواية «الأسرى يُقيمون المتاريس» لفؤاد حجازي رواية سياسية من أدب الحرب؛ وهي تصوِّر تجربة ذاتية للسارد / المؤلف في حرب 1967م، فقد كان المؤلف جنديا في هذه الحرب التي هزمت فيها القيادة، بينما ظل الشعب مقاوماً صانعاً للحياة، رافضاً الهزيمة!
ومن خلال أحداث الرواية نرى أن مصر قد هزمت قبل أن تُحارب؛ هاجمتها الطائرات الإسرائيلية في الساعة التاسعة من صباح الخامس من يونيو 1967م، وقضت على سلاح الطيران المصري في الهجمة الأولى، ومن ثم فقد أصبحت سماء المعركة مكشوفة أمام العدو.
ولم يكن سلاح المشاة مستعدا أيضاً، فقد تكوّن على عجل قبل أسبوعين من بدء المعركة. يقول السارد عن نفسه: «استدعيت مع زملائي لخدمة الاحتياط في التاسع عشر من مايو».
ويقول عن جندي آخر هو أحمد الزرقا تاجر الخضر، والذي قتله الإسرائيليون في أول يوم من أيام الحرب: «أخذوه فجأة من السوق دون أن يتمكّن من الاتصال بأهله».
ولقد كان الجنود يستبعدون وقوع الحرب مع إسرائيل، يقول السارد: «كنا ننتهي في كل مرة إلى أن الحرب مستحيلة الوقوع، نظراً لقدراتنا واستعداداتنا التي نسمع عنها في الإذاعة ونقرأها في الصحف».
وتصوِّر الرواية إيقاع الحرب، ونرى السارد يسجل عدداً من الأحداث التي تكون بسيطة، لكنها توضح صورة الحرب، ولكل من هذه الأحداث دلالته في كشف جانب من جوانب الحرب. وسنتوقف أمام بعض الأحداث التي رواها السارد، ونحاول أن نكشف عن دلالتها في رواية تُصور عالم الحرب.

 

هزيمة النظام :
ولأن الرواية تصور عالم الجنود الذين عانوْا من هزيمة 1967م أمام إسرائيل، فإنها تبدأ بحدث يتناول أحد جنود الشرطة العسكرية الذي أزاحته طلقة من مكانه، مفسحة الطريق لدخول الإسرائيليين العريش، بله سيناء، ويُطلعنا السارد على هيمنة إسرائيل العسكرية على ميدان الحرب، ثم انتصارها المجلجل فيما عُرف فيما بعد بمعركة "حرب الأيام الستة"!:
فتقرأ في أولى فقرات الرواية: "في صبيحة الخامس من يونيو الحزين عام 1967م، وبالتحديد في الساعة التاسعة كان جندي الشرطة العسكرية الذي يُنظِّم المرور المتجه من العريش إلى رفح ـ يمدُّ ذراعه الأيمن مشيراً إلى رفح، معترضاً بذراعه الأيسر أي عربة من الجيش مهما كانت رتب الراكبين فيها، أن تتقهقر إلى العريش، وظل هذا الجندي يؤدِّي واجبه هو وزملاؤه في الكشك المجاور على أكمل وجه، حتى جاوزت الساعة الرابعة بقليل، حينئذ أخذت دانة ملتهبة، منطلقة من دبابة، على عاتقها مهمة فتح الطريق، أزاحت الجندي والكشك، وعمت الفوضى"..
ويكشف هذا الحدث في أول الرواية عن الهزيمة التي أشاعت الفوضى في المكان، بعد إزاحة جندي الشرطة العسكرية الذي يمثل النظام. وستكون إزاحة «الكشك» الذي كان يمثل رمزاً لاستقرار السلطة، ستكون إزاحتهما مدخلاً للفوضى التي سبقت القضاء على الكثير من الجنود، والقبض على القليل منهم ليكونوا أسرى.
*ويكشف الحدث الثاني الذي تقدمه الفقرة الثانية من الرواية عن سوء التخطيط الذي قاد إلى الهزيمة، فهو يُطلعنا على إعداد العتاد وتجهيزه للحرب، لكننا لم نجهز الخطط الكفيلة بمواجهة العدو في إعدادنا للحرب!، فنقرأ بعد الفقرة السابقة مباشرة:
«كان هناك قطار لا يقل عدد عرباته عن الأربعين يقف في دوران محطة الأبطال، محملاً بالقنابل وذخيرة الدبابات والرشاشات، نقرته مدافع الدبابات الإسرائيلية فتحول بعد دقائق إلى جهنم حمراء، وتطاير مقذوف الطلقات إلى مواقعنا القريبة».
لقد كانت الذخيرة موجودة إذن، وكان الجنود كثرة، فلم نهزم عن قلة، ولكن هُزمنا عن سوء الإدارة، وافتقار قادتنا إلى التخطيط المحكم الذي ننتصر به في الحرب.
حتى الطيور ماتت!
وفي حدث ثالث يُرينا أثر الهزيمة على طيور ضعيفة كانت تُقاسم الـجنود المكان، وهي لوحة قصصية تُذكرنا بقصة أرنست همنجواي «الرجل العجوز عند الجسر»:
«جاء الليل غير هياب، احتل العدو المحطة التي أرقد فيها مع خمسة من الجرحى. نصبوا المدافع فوق رؤوسنا تماماً ووجهوها ناحية البحر. تلفت حولي أفتش في الظلام ، وجدتُ وجوهاً لم أتبيّن ملامحها. وكان زملاؤنا قبل رحيلهم قد تركوا لنا بعض الذخيرة في فناء المحطة، امتدت لها نيران الحرائق. ظلت تنطلق دون توقف على فترات متباعدة. وكان في الفناء بعض دجاجات، ملك لعمّال المحطة فيما يبدو، تركوها وهم في عجلة من أمرهم، وبين كل دانة وأخرى تصيح الدجاجات المذعورة صيحات يائسة، وبين حين وآخر نسمع صيحات إحداها وقد تحشرجت، وتصمت الأخريات كأنما تمنح لها الفرصة لتنتهي في هدوء».
إنه حدث يعبر في فنية عالية عن الحرب التي تأكل في طريقها كل شيء، فها هو الدجاج لم يسلم منها، وكأن تربية الدجاج والعناية بها كانت تعبيراً عن الحياة واستمرارها، أما موتها بين الطلقات المجنونة، وصيحاتها المتحشرجة فليس إلا تعبيراً عن قسوة الحرب، التي تدرك الطيور الأليفة التي لم تجن ذنباً كما تُدرك الجنود.
وما أكثر الأحداث الصغيرة الدالة التي رسمتها ريشة الفنان عن وقع الهزيمة على نفوس الجنود الذين أُسِروا، حيث يختلط تقديم الحدث بالوصف المأساوي لحالة الجنود.

صورة المرأة :
تمثل المرأة حضوراً هامشيا في حياة الأسرى، لكنه حضور دال؛ فمن الطبعي أن يكون دور المرأة هامشيا في رواية تدور عن الحرب والصراع، الذي يتفنن فيه الرجال، لكن حضور المرأة يمثل رمزاً للوطن الغائب / الحاضر، وسنتوقف أمام بعض المشاهد القليلة التي وردت فيها المرأة ، لنرى مرموزاتها.
ويأتي أول ذكر للمرأة في الصفحة الثانية من الرواية حيث السارد يتهدده الموت، وفي هذه اللحظات التي ينشغل الإنسان فيه بهواجس الرحيل، ينشغل السارد بتذكُّر زوجته، وكأنها تمثل الحضور/ في مواجهة الرحيل، أو الحياة / في مواجهة الموت الذي يُحيط به من كل جانب:
«طوال الليل أسمع قصف المدافع وحركة الجنود الإسرائيليين فوق سطح الحجرة التي نرقد داخلها، وأتوقّع النهاية بين لحظة وأخرى. أخذت أبتهل إلى الله أن ينجيني. ليس من أجلي .. أعلم أني عاق .. ولكن .. من أجل زوجتي. أخذت أسأل الله: ما ذنبها حتى تترمّل مبكراً؟! وقد تزوّجنا عن حب، ولم يمض على زواجنا أربعون يوماً … في الحقيقة عجبت من نفسي. كنت وأنا في الطريق للجبهة أستهين بالموت وأرى فيه راحة، وعلى الأقل الواحد يخلص من مرضه، فأنا مُصاب بالتهاب مزمن في القولون يجعل حياتي جحيماً. ولكن الآن كل ذرة في كياني ترغب في الحياة وتتشبث بها في قوة. أعاود دعاء الله: حياتي لا تهم .. فقط من أجل المسكينة زوجتي».
وحينما يقبع السارد أسيراً، فإننا نجد المرأة تذكر الأسير بصورة الوطن، والحياة، والمستقبل. ويُقدِّم ذلك السارد من خلال الأحداث الملتبسة بالسرد.
فبعد فترة من الأسر، وجد الأسرى أن حياتهم ينقصها الكثير، وأنهم يشتاقون إلى التواصل مع المرأة، هذا التواصل الحيوي الذي يصنع الحياة، ومن الطبيعي أن يتنبهوا أولاَ إلى التواصل الجسدي الذي فقده المتزوجون، ببعدهم الإجباري عن زوجاتهم، وافتقادهم لأنس الأسرة:
"عشرات الحكايات .. نُحاول بها أن نقهر الليالي .. وأخيراً لم يعد يُجدي الكلام .. أصبح ليلنا جوعاً جنسيا .. وتحول كثير من كلامنا إلى تلميحات عن النساء .. وجعلنا نستعذب سماع النكات الجنسية .. والبذيئة.
في أغوار نفوسنا حنين إلى صوت امرأة .. حنين إلى لطف الأنثى .. حنين إلى لحظ سارق .. إلى رمش مسبل .. إلى ضحكة ذات صليل .. إلى دلال فتاة.
ومع الوقت توارى اشتياقنا للجسد في المرأة تحت رماد متقد في الأعماق، وأصبحنا نهفو لأريج جميل يملأ شذاه نفس المرء فيعبقه بالحياة .. كنا نحس إلى لمسة حنان .. إلى ربتة عطف .. إلى نظرة ولهى .. إلى شيطنة ماكرة .. إلى عبث أطفال .. إلى مكيدة صبيانية".
وحينما يفقد زقوت الأسير الفلسطيني زوجته، فإن الأسرى يتجمعون حوله ويُواسونه وكأنه فقد مبرر الحياة، ولكن منطق الحياة نفسها يدفعه للعيش وتجاوز منطقة الحزن:
"وكان زقوت أحد هؤلاء القلائل الذين لم تصلهم أية رسائل، وعندما وصلته كانت غما. كانت من صديق له أخبره أن والدته العجوز وشقيقاته وأولادهن اضطروا للنزوح من قطاع غزة إلى الأردن، وأن زوجته أُصيبت في بداية المعركة، عندما هاجم الإسرائيليون غزة بالدبابات، وأن منزله دُمِّر عن آخره، ولم يكن به في تلك الساعة غير زوجته وطفلها. وظلت زوجته في المستشفى تُقاوم أكثر من شهرين، ثم ماتت متأثرة بجروحها … تحلق زملاء العنبر حول زقوت، صحا النائمون. ظهرت قهوة فاخرة ـ طرف من يعملون بالمخازن ـ بين دهشتنا جميعاً، وامتلأ العنبر بالدخان، ووُزِّعت القهوة .. جاد بعضنا بسجائر .. تطوّع الشيخ جمعة لقراءة القرآن، وشاركه آخرون. ظللنا في جو مفعم بالحزن والكآبة حتى ساعة متأخرة من الليل".

 

المرأة المصرية والإسرائيلية :
بعد أن أُسِر السارد، وعانى من الأسر مع رفاقه افتقد دفء الأسرة، وبعد مُطالبات للصليب الأحمر وصلت الرسائل من مصر للأسرى المصريين في "عتليت"، وأصبحوا يلتحمون من خلالها بالحياة، التي فقدوها ـ أو عاشوا على هامش نهرها الدفاق ـ وهم يُعانون الأسر!
"كنا نقرأ رسائل بعضنا، ونشعر بأن أي رسالة موجهة إلينا جميعاً، وإن كان من لا تصله رسالة يظل حزيناً ساهماً الليل كله. حتى بدر الذي لا يكف عن الصخب، والذي يُعلن ـ بمناسبة وبدون مناسبة ـ أنه لا يهمه ولو مكث هنا بضعة سنوات دون وصول رسائل إليه، وجدناه مرة مختلياً بنفسه يدمع، وعلمنا منه فيما بعد أنه ترك زوجته حاملاً، ويودُّ أن يطمئن عليها وعلى الوليد إن كانت قد وضعت، وأخبرنا أن أخاه كان في سيناء، وآخر في اليمن، ولا يعلم عنهما شيئاً، ولم تصله أي رسالة من مصر حتى الآن".
إن هذه الفقرة تكشف لنا عن دور الرجال في مصر الستينيات ـ مصر عبد الناصر: الرجال في جبهات القتال: في سيناء واليمن، يحاربون أعداءهم تحت رايات شتى: محاربة الصهيونية في فلسطين حتى يتم تحرر آخر أقطار الوطن العربي المحتل (فلسطين)، مما يُمهِّد للوحدة العربية الشاملة، بعد زوال العائق المكاني المتمثل في إسرائيل، ومحاربة التخلف والرجعية في اليمن، وضمها لمعسكر قوى التقدم العربي كما كان يرى عبد الناصر في خطابه السياسي. وبقي للمرأة مهمة الصمود في البيت، واحتضان الأطفال وتنشئتهم (رمز المستقبل).
*وفي حدث دال يُقدِّم لنا السارد المرأة الإسرائيلية، في مقابل المرأة المصرية والعربية التي تستدعيها ذاكرة الأسرى؛ حيث نرى المرأة الإسرائيلية المُحاربة ـ كالرجل، وإن كانت أقل شراسة منه ـ والتي في وسط دمدمة الحرب عندها وقت لتستمتع بأغاني فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ وأم كلثوم:
"حضرت فتاة قصيرة بدينة كانت ستبدو جميلة، ولكن لسبب ما أخطأها الجمال، سألت: تسمعون فريد؟ لم يُجب أحد .. طلبت من زميلنا لنا كان مُصاباً بمقذوف ناري في إحدى خصيتيه أن يُغني لها إحدى أغنيات فريد .. قال بصوت متحشرج "قسمة .. قسمة". ومع ما نحن فيه، فقد كادت الضحكات تفلت منا، والزميل مع ما يُعاني منه ابتسم، والدمعة تفر من عينيه. ولما أدركت الفتاة ما في صوته من تهكم جنائزي خجلت من نفسها وانصرفت، ولم تلبث فتاتان كاعبان أن أقبلتا. متماثلتان كأنهما شقيقتان، عيونهما كفصوص من الزمرد الأخضر وجنتا كل منهما نصف تفاحة. تلبسان سروالين ضيقين، وعلى كتف كل منهما رشاش قصير. إحداهما متكلمة وزميلتها صامتة. المتكلمة شعرها مقصوص خلف رأسها. الصامتة شعرها ملفوف على رأسها "كالحواية". قالت أم شعر مقصوص: تعرفون حليم .. تعرفون أم كلثوم؟ .. أشارت إلى أحدنا: احك إيشي (أي شيء) لحليم (عبد الحليم حافظ)؟ .. ولما يئستا من استجابتنا لهم تمخطرتا في الصحراء كغزالتين".
وتمثل المرأة الإسرائيلية في الحدث السابق حدثاً مُغايراً للمرأة التي يحلمون بها في وحدتهم وسط مجتمع ذكوري مُحاصر بالأعداء في الصحراء! فها هي امرأة مقاتلة، تشعر بنشوة النصر على عدوّها، وتطلب منه أن يُغني وهو مهزوم، تائه في الصحراء، مات رفاقه جميعاً من الجنود.
وفي اختيار الجندي لأغنية فريد الأطرش «قسمة» ما يشي بأن الجندي كان يعزي نفسه بأنه مقسوم عليه أن يغني لأعدائه في انتصارهم عليه!!
وقد لاحظنا من الفقر السابقة كيف وظّف الروائي أحداث قصته لتكشف عن بشاعة الحرب، التي هزمنا فيها دون أن تتاح لنا فرصة مجابهة العدو، فقد هزمنا بسوء الإدارة والتخطيط.

من الهزيمة إلى المقاومة:
تُبرز الرواية ـ بجانب تصويره لبشاعة الحرب ـ روح التحدي والمقاومة، حيث يُصور السارد صمود الأسرى بعد أن وصلوا إلى سجن «عتليت»، وبعد أن تجاوزوا أحزان الانكسار والهزيمة، حيث يدور حوار بين الأسرى وميخا أحد قواد العدو في معسكر الأسرى حينما أراد أن يقص رؤوس الأسرى عقاباً لهم، بعد معركة محبس المياه التي قادها زكريا:
«بعد مشادة كلامية رضخ على مضض، وهو يقول:
ـ أنتم يا جماعة نسيتم أنكم سجناء .. أسرى.
أجبناه وعجبه يزداد:
ـ نحن لسنا أسرى يا ميخا .. نحن مقدمة للجيش المصري في عتليت».
***

وشخصيات الرواية عموماً شخصيات مقاومة، وقد حاول فؤاد حجازي من خلال رسمه لصورة بضعة عشر شخصاً من الأسرى أن يصور مأساة الهزيمة ووقعها الثقيل على نفوسهم، ثم محاولتهم التماسك، فالتصدي لجنود العدو ومحاولة بطشه بهم، فالمقاومة المستمرة حتى العودة لأرض الوطن بعد قرابة ستة أشهر. ومن ثم نرى شخصية الأسرى الجماعية تبرز في هذا السياق، ويبرز ضمير الجمع «نا» كشخصية اجتماعية تقاوم، وتُقيم المتاريس الواقعية والنفسية.
ولم يقدِّم فؤاد حجازي شخصياته من خلال الوصف ـ كما يفعل نجيب محفوظ مثلاً ـ وإنما يمتزج الوصف عنده بالحدث، تستوي في ذلك الشخصية الرئيسة ـ وهي في هذه الرواية شخصية السارد ـ والشخصيات الثانوية.
ولنأخذ على ذلك مثالاً لشخصية ثانوية يقدمها من خلال الوصف الذي يمتزج بالحدث، ولنأخذ مثالاً على ذلك شخصية «زكريا حسن» يقول:
«كان جاري في العنبر …عملاقاً أسمر، من أسوان. دائماً يقول لي: لا تصحني إلا إذا نادوني لأذهب إلى مصر. لم يتجاوز الثلاثين من عمره وتظنه في الأربعين. سمين جدا. لطيف المعشر. حلو الحديث. ابن نكتة. عريف في سلاح الحدود. متزوج أب لطفلين. كنا نناديه «عم زكريا» احتراما لهيئته الضخمة واعترافاً بأقدميته في الجيش. رغم رتبته البسيطة فقد التحق بالجيش منذ خمسة عشر عاماً، ولكن ترقيات سلاح الحدود صعبة».
ويتضح الوصف الجسدي هنا في قوله «عملاقاً أسمر … لم يتجاوز الثلاثين من عمره … سمين جداً»، ويشير في المقطع إلى «هيئته الضخمة». أما الوصف النفسي لـه فنلمحه في قوله: «لطيف المعشر. حلو الحديث. ابن نكتة». ونجد وصفه الاجتماعي في قوله «عريف في سلاح الحدود. متزوج أب لطفلين. كنا نناديه «عم زكريا» احتراما لهيئته الضخمة واعترافاً بأقدميته في الجيش. رغم رتبته البسيطة فقد التحق بالجيش منذ خمسة عشر عاماً، ولكن ترقيات سلاح الحدود صعبة».
وأما الحدث الذي يتخلل هذا المشهد الوصفي، فهو مشهد يعبر عن كراهيته لمعتقل الأسرى في إسرائيل، تجعله يكره الإقامة فيه، بل يكره مجرد ا فيه، فهو حدث متكرر «دائماً يقول لي: لا تصحني إلا إذا نادوني لأذهب إلى مصر». وتشير كلمة «دائماً» إلى تكرار هذا الحدث، الذي يجمع بين القول والحركة، فهو كلما يذهب إلى النوم، يتمنى أن ينام طويلاً فلا يصحو إلا على نبأ العودة إلى بلاده، وهو حدث دال على حب مصر، وشدة الانتماء إليها.
وبدلا من أن يصفه السارد بالجرأة في مواجهة جنود الأعداء في المعتقل (وهو أسير)، فإنه يورد حدثاً دالاً على ذلك، حيث يُعرِّض نفسه للموت حين يذهب لفتح محبس الماء حتى يستطيع أن يشرب هو وزملاؤه من الأسرى:
«فوجئنا بأحد الحراس يقطع المياه … كان زكريا يشرب ساعتها، طلب من الحارس إسالتها لمدة بسيطة حتى يُنهي كل فرد ما في يده، ثم يقطعها، رفض الحارس. لم يكن عندنا ماء للشرب، فطلبنا فتح المحبس حتى نملأ أوعيتنا، لم يُعرنا الحارس التفاتاً. ذهب زكريا وفتح المحبس بنفسه، معرضاً نفسه لضرب النار، لأن المحبس يقع بعد الخط الأبيض المحرم علينا اجتيازه. وقف حراس البوابة مبهوتين. لم يجرؤ أحدهم على التقدم نحو زكريا. زكريا مربد الوجه، عيناه تكادان تُطلقان شرراً. قامته العملاقة تُوحي أنه سيحطم من يقترب منه».

***

إن رواية «الأسرى يقيمون المتاريس» لفؤاد حجازي رواية من الروايات السياسية القليلة، التي تصور حرب 1967م في واقعية صادقة، وتُبرز روح النضال والمقاومة في شخصيات لم تخضع للعدو، ولم تُحن جبهتها أمامه، ولم تستسلم للهزيمة.

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: