الشرط والقسَم وواو الحَال عند النحَاة وفي كلام البُلَغاء - صَلاح الدين الزعبَلاوي

هاتان مسألتان يشكل بحثهما على الكتاب ويلتبس فيهما الحكم: تحقيق الجواب عند اجتماع الشرط والقسم، وواو الحال متى تجب أو تجوز أو تمتنع. وقد يُعضل الأمر في تبين وجه الصواب في المسألتين عند اعتراضهما كتابة الكاتب. وهذا ما دعاني إلى معالجتهما والتلطف لهما والاهتمام بطلبهما لعلّي ألتمس إليهما مساغاً وأبتغي سبيلاً، فأوضح المبهم وأجلوا الغامض وأبسط الموجز فأخفف الكلفة في فهم ما تصعب منهما ليتسنى ما تعذر ويستيسر ما تعسر.

ولا شك أنه لا يكفي في تبين وجه الصواب ومعرفة المباح في ذلك والمحظور، والجائز والممتنع، أن يُحتكم في الأمر إلى أقوال النحاة وعلماء اللغة وحدهم بل لا بد من مراجعة كلام الفصحاء نثراً وشعراً، والإطلاع على أنماط تعبيرهم وأساليب تأليفهم والاسترشاد بمناهجهم وطرائقهم، تحرياً للرأي الراجح من آراء أئمة اللغة ودرءاً لما يمكن أن يعترضنا في ذلك من شبهة أو يخامرنا من ريب. وهذا ما يفوت النقاد أن يوطنّوا النفس عليه ويستمسكوا به، في غالب الأحيان، فلا ينصرفوا عنه أو ينثنوا عن قصده وطلبه.

الشرط والقسم :
الشرط ما يتوقف عليه المشرط، وما يسميه النحاة شرطاً هو في المعنى سبب لوجود الجزاء، و تدخل على الشرط أداة مخصومة دالة على سببيته للجزاء، كما جاء في كليات أبي البقاء الكفوي. ومن ثم كان للشرط جملتان جملة للشرط وأخرى للجزاء أو الجواب، وهما بمنزلة الجملة الواحدة وجاء في حاشية الإمام حسن العطار على شرح الأزهرية في علم النحو للشيخ خالد الأزهري: "وأما وجه تسميته جواباً فلأنه لما لزم عن الأول صار كالجواب الآتي بعد كلام السائل، وأما وجه تسميته جزاء فلأنه لما كان مترتباً على ما قبله أشبه الجزاء على الفعل من ثواب أو عقارب... ص/ 177".

والقسم هو الحلف أو اليمين، وهو ضرب من ضروب الإنشاء غير الطلبي. وهو يتم بجملة فعلية أو اسمية كما يتم بأدوات القسم الجارة كالباء والواو والتاء واللام.. وللقسم كما للشرط جملتان جملة قسم هي جملة المقسم به، وجملة جواب هي جملة المقسم عليه.

ومن ثم كان لا بد للشرط من جواب هو جزاؤه، كما لا بد للقسم من جواب هو المقسم عليه، ولا يصلح جواب أحدهما جواباً للآخر. ويشكل الأمر إذا اجتمعا في الكلام أيكون الجواب فيه للشرط أم للقسم؟.

اجتماع الشرط والقسم واتفاق الجمهور على أن الجواب للمتقدم منهما:

إذا اجتمع في الكلام شرط وقسم، وتقديمهما ما يطلب الخبر كالمبتدأ واسم كان ونحوهما، جُعل الجواب للشرط كقولك (خالد والله أن يطعني أكرمه) وقولك (أن ولدي أن يسئ إليّ، والله، أعف عنه) بالجزم في (أكرمه) و(أعفُ) لأنهما جواب الشرط.

أما إذا اجتمعا ولم يتقدمهما ما يطلب الخبر فالجواب للسابق منهما وهو يغني عن جواب الآخر، تقول: (أن يزرني والله خالد، أكرمه) بالجزم لأن الجواب للشرط فهو المتقدم، كما تقول: (والله أن يزرني خالد لأكرمنه) بتشديد النون لأن الجواب للقسم وهو السابق. ولعل من المفيد هنا أن نشير إلى ما ذكره صاحب الكليات من أن القسم لا يدخل على المضارع إلا مع النون المؤكدة، وأنه إذا اجتمع القسم والشرط على جواب واحد يجعل ذلك الجواب لأحدهما لفظاً ومعنى وللآخر معنى فقط..

وقد جاء في كتاب (شرح شذور الذهب –ص 347 –350) لابن هشام الأنصاري في المواضع التي يجب فيها حذف (جواب الشرط): "أن يتقدم على الشرط قسم نحو –والله أن جاءني لأكرمنه –فإن قولك لأكرمنه، جواب القسم، فهو في نية التقديم إلى جانبه، وحذف جواب الشرط لدلالته عليه. ويدلك على أن المذكور جواب القسم، فهو في نية التقديم إلى جانبه، وحذف جواب الشرط لدلالته عليه. ويدلك على أن المذكور جواب القسم توكيد الفعل في نحو المثال، ونحو قوله تعالى: )ولئن نصروهم ليَُوَلُّنَّ الأدبار( الحشر /12 ورفعه في قوله تعالى: )ثم لا يُنصرون( ذلك أن نص الآية )لئن أُخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولّنَّ الأدبار ثم لا يُنصرون(. وأردف ابن هشام يقول: "ثم أشرت إلى أنه –كما وجب الاستغناء بجواب القسم المتقدم. يجب العكس في نحو: أن تقم والله أقم. وأنه إذا تقم عليهما شيء يطلب الخبر وجبت مراعاة الشرط تقدم أو تأخر، نحو: زيد والله أن يقم أقمْ".

وذكر ابن هشام ذلك في كتابه (مغني اللبيب –2 /168) أيضاً، إذ أورد من أمثلة حذف جواب القسم (إن جاءني زيد والله أكرمته)، إذ أثبت فيه جواب الشرط لتقدمه وحذف جواب القسم، كما أتى من أمثلة حذف الشرط قوله (والله إن جاءني زيد لأكرمنّه)، إذ أثبت جواب القسم لتقدمه وحذف جواب الشرط.

ما يميز جواب الشرط من جواب القسم:

الذي يميز جواب الشرط من جواب القسم أن جواب القسم يقترن بالفاء أو بجزم، وهو يقترن بالفاء إذا لم يكن صالحاً لأن يكون شرطاً، كأن يكون جميلة اسمية أو فعلاً جامداً أو طلبياً أو ماضياً لفظاً ومعنى أو اقترن بقد أو ما النافية أو لن أو السين أو سوف، أو صدر بربّ أو كأنما أو أداة شرط. فإذا كان الجواب صالحاً لأن يكون شرطاً فلا حاجة به إلى الفاء.

ويجوز الوجهان الربط بالفاء وتركه إذا كان الجواب مضارعاً أو منفياً بلا.

أما جزم المضارع إذا كان جواباً فهو واجب إذا كان الشرط مضارعاً، فإذا كان الجواب وحده مضارعاً، جاز الوجهان الجزم وتركه.

أما القسم فإن كان جوابه جملة فعلية مصدرة بمضارع مثبت اقتران باللام ونون التوكيد للاستقبال، ومن المفيد هنا أن نشير إلى أن النون المؤكدة هذه لا يؤكد بها الماضي ولا الحال، ولا ما ليس فيه معنى الطلب، وطرح هذه النون ضعيف في القَسَم.

قال تعالى: )قال فبعزتك لأغوينّهم أجمعين –ص /82.( ويكتفي هنا باللام إذا دخلت على جارّ، كقوله تعالى: )ولئن متّم أو قُتلتم لالى الله تُحشرون –آل عمران -158( . وكذلك يكتفى باللام إذا كان للحال دون الاستقبال.

وإذا صدرت الجملة الفعلية مضارع منفي اقترن جواب القسم بـ (لا) النافية، كقوله تعالى: )وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت –النحل /38( أو بأن النافية.

وإذا كانت الجملة فعلية مصدرة بماض مثبت متصرف اقترنت باللام وقد غالباً كقوله تعالى: )قالوا تالله لقد آثرك الله علينا –يوسف /91(. وقول الفضل بن يحيى لسعيد بن وهب: "لئن قلّ القول ونزر لقد اتسع المعنى وكثر".

وإذا كان الجملة مصدّرة بجامد اقترنت باللام كقولهم "والله لنعم الخلق الصدق). أما إذا كانت مصدّرة بماض منفي اقترنت بما النافية، كقوله تعالى:

)ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك –البقرة /145(.

وإذا كانت الجملة اسمية مثبتة اقترنت بـ (أن) مشدّدة أو مخففة، أو باللام، أو بهما، كقوله تعالى: )يس والقرآن الحكيم أنك لمن المرسلين –يس /1 -3(، وقوله تعالى: )حم والكتاب المبين انّا أنزلناه في ليلة مباركة –الدخان /1 -3(. فإذا كانت الاسمية منفية كان النفي بما الحجازية، العاملة عمل ليس، أو التميمية، غير العاملة، أو لا التبرئة، أي النافية للجنس. كقولك (والله ما زيد فيها ولا عمرو)، وقولك (والله لا يجعل في الدار) أو بأن النافية.

***

ومن أمثلة اجتماع القسم الشائعة مع تقدم القسم (لئن)، فاللام موطئة للقسم، أي مؤذية بأن ما بعدها جواب للقسم، لتقدمه، دون الشرط، والتقدير (والله لئن..). و(ان) هذه حرف شرط جازم. وقد جاء في التنزيل: "لأن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولُنّ الأدبار ثم لا ينصرون –الحشر /12(. فقوله تعالى (لا يخرجون) جواب القسم، وقد أغنى عن جواب الشرط. ولان الجواب للشرط، لقيل (لئن أخرجوا لا يخرجوا معهم) بحذف النون.

وهكذا قوله تعالى: (لا ينصرونهم) فهو جواب القسم، ولو كان الشرط، لقيل (ولئن قوتلوا لا ينصروهم) بحذف النون. وشاهد آخر، قال الشاعر:

حلفت برب الراكعين لربهم * خشوعاً وفوق الراكعين رقيب

لئن كان برد الماء حرّان صادياً * إليَّ، حبيباً، إنها لحبيب

فجملة (أنها لحبيب) في البيت الثاني جواب القسم المذكور في البيت الأول وهو (حلفت) كما جاء في خزانة الأدب للبغدادي. ولو كان الجواب للشرط لقيل (فإنها لحبيب) مقترناً بالفاء.

ما جاء من الشعر خلافاً للقياس، فكان جواب فيه للشرط مع تقدم القسم:

قد جاء (لئن) في الشعر واتفق الجواب للشرط مع تقدم القسم، خلافاً للقياس، قال الشاعر:

لئن منيت عن غب معركة * لا تلفنا في دماء القوم ننتفل

فقوله (لا تلفنا) هو جواب الشرط دون القسم بدليل الجزم، وقد أولوه، فمنهم من حمله على ضرورة الشعر، كما جاء في كتاب (الضرائر) لمحمود شكري الآلوسي (ص /216)، و منهم من لم يجعله من الضرائر فأوله على وجه من الوجوه كابن عصفور الأندلسي في كتاب (الضرائر). وكذلك فعل ابن هشام في كتابه (مغني اللبيب – 1/ 189)، إذ اعتد اللام في (لئن) زائدة في أمثاله، لكنه خص ذلك بالشعر واستشهد بقول الشاعر:

لئن كان ما حُدثته اليوم صادقاً * أصمْ في نهار القيظ للشمس باديا

والبيت لأمرأة من عقيل.

وقد ذهب ابن هشام إلى أن اللام في (لئن) زائدة وأن الشرط أجيب بالفعل المجزوم (أصمْ)، إذ قال: "ولو كنت اللام للتوطئة لم يُجب إلا القسم، هذا هو الصحيح، وخالف في ذلك الفرّاء فزعم أن الشرط قد يجاب مع تقدم القسم عليه".

وإذا عدنا إلى الفحول من الشعراء وجدنا أنهم لم يستكرهوا مخالفة القياس أو يستبعدوه في هذا الباب، فجاء الجواب للشرط في أشعارهم، مع تقدم القسم عليه، فهذا الإمام الشافعي يقول في حديث عن أهل العلوم:

لعمري لئن ضُيِّعت في شر بلدة * فلست مُضيعاً فيهمُ غرر الكلم

والشافعي حجة فقد استظهر القرآن منذ صباه، وخرج إلى البادية فحفظ كثيراً من أشعار الهُذليين، وكانوا من أفصح العرب، وروي عن الإمام الشافعي الأصمعي أنه صحح عليه أشعار هؤلاء. وهذا المتنبي فقد جاء في مرثيته لجدته من أمه.

لئن لذَّ يوم الشامتين بيومها * فقد ولدت مني لآنافهم رغماً

فكان الجواب للشرط في قوله (فقد ولدت) مع تقدم القسم، وقد روي أيضاً (فقد ولدت مني لأنفهم رغماً).

وهذا أبو الفراس الحمداني يقول في مفاخر قومه:

لئن كان أصلي من (سعيد) نجاده * ففرعي لسيف الدولة القرم ناصر

و(سعيد) هو ابن عم الشاعر، والقرم هو السيد والعظيم.

وقال أبو تمام يرثي محمد بن حميد الطوسي:

لئن أُبغض الدهر الخؤون لفقده * لعهدي به حياً يُحَبُّ به الدهر

لئن غدرت في الروع أيامه به * فما زالت الأيام شيمتها الغدر

فجواب (لئن) في البيت الثاني (فما زالت) وهو جواب للشرط مع تقدم القسم.

وعلى ذلك قول الشاعر:

لئن بكيت دماً والعزم من شيمي * على الخليط فقد يبكي الحسام دما

وقد أورده الأستاذ محمد الخضر حسين التونسي في كتابه (الخيال في شعر العربي) في صدد كلامه على (التفاصيل في التخييل /58).

ما جاء من النثر خلافاً للقياس، فكان الجواب فيه للشرط مع تقدم القسم:

لم يقتصر مجيء الجواب للشرط مع تقدم القسم على الشعر، بل تناول النثر أيضاً.

من ذلك ما حكاه ابن عبد ربه في الجزء الأول في كتابه المعروف (العقد الفريد) من كلام عمر بن الخطاب لمعاوية، رضي لله عنهما، حين قدم عمر على معاوية بالشام. إذ قال معاوية: "فإن أمرتني بذلك أقمت عليه، وأن نهيتني عنه انتهيت"، ولا شيء في ذلك.

لكن عمر قد أجابه: "لئن كان الذي تقول حقاً فإنه أريب، وأن كان باطلاً فإنه خدعة أريب". فقوله (فإنه أريب) جواب للشرط مع تقدم القسم.

وفي نهج البلاغة (1/ 188) قال علي كرم الله وجهه: "لئن أُمهل الظالم فلن يفوت أخذُه"، فجاء الجواب للشرط دون القسم. ذلك أن جواب القسم في جملة فعلية منفية فعلها مضارع، كما هو الحال في القول السابق، يتقدم الفعلَ فيها أحد أحرف النفي (ما وأن ولا) ويندر أن يتقدمه (لن أو لم)، ولا تدخل الفاء هذه الأحرف في جواب القسم خلافاً للشرط.

وجاء في نهج البلاغة أيضاً قول علي كرم الله وجهه (2/ 105): "ولعمري لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتى تحضرها عامة الناس، فما إلى ذلك سبيل"، فجاء الجواب للشرط أيضاً، ذلك أن جواب القسم في جملة اسمية منفية تتصدره أحرف النفي (ما أو لا النافية للجنس أو إن) ولا تدخل الفاء هذه الأحرف.

ما الرأي في جواز كون الجواب للشرط مع تقدم القسم:

أقول الرأي عندي أن اتفاق الجمهور على أن الأصل في الجواب أن يكون للمتقدم من الشرط أو القسم، إذاً جميعاً، لا يمنع إجازة مجيء الجواب للشرط مع تقدم القسم ما دام قد جاء ذلك مجيئاً متعالماً في شعر فحول الشعراء ونثر الأئمة البلغاء، مما أتينا بشواهده قبل. وهذا ما دعا بعض الأئمة إلى التصريح به كالإمام الفراء وابن مالك.

وقد أشار إلى ذلك الإمام السيوطي في كتابه (همع الهوامع –2 /43)، إذ قال:

"فالجواب للسابق في الأصح قَسَماً كان أو شرطاً وجواب الآخر محذوف، نحو: والله إن قام زيد لأقومنّ وأن يقم والله أقمْ" وأردف: "وجوَّز الفراء وابن مالك جعل الجواب للشرط وإن تأخر، كقوله:

لئن كان ما حُدثته اليوم صادقاً * أصمْ نهار القيظ للشمس بادياً

قد يجزي الشرط بجواب القسم:

قد يتصدر الكلام شرط فلا يجاب بجزائه وإنما يجاب بجواب القسم. ومن ذلك قوله تعالى: )وان لم ينتهوا عما يقولون ليمسّن الذين كفروا منهم عذاب أليم –المائدة /73(. فجاء الجواب للقسم وليس في الآية قسم فذهب الأئمة إلى تقديره، وحذف جملة القسم كثير. قال العكبري في كتابه (البيان أعراب القرآن): "ليمسَّنَّ: جواب قسم محذوف سدّ مسدّ جواب الشرط الذي هو وان لم ينتهوا – 1/ 125". أي أن القسم مقدر في الآية لأن الجواب فيها لا يكون إلا لقسم. قال ابن هشام في كتابه (مغني اللبيب): )وكقوله تعالى: وان لم ينتهوا عما يقولون ليمسَّنّ، فهذا لا يكون إلا جواباً للقسم –1/ 189(.

وقال تعالى: )وان أطعتوهم إنكم لمشركون –الأنعام /121، فأجيب الشرط بجواب القسم. واختلف الأئمة في تأويله، فذهب جماعة إلى جعل الجواب للشرط على أضمار (الفاء) فقدّر (فإنكم لمشركون). قال العكبري في كتابه (البيان في أعراب القرآن): حذف الفاء في جواب الشرط وهو حسن إذا كان الشرط بلفظ الماضي، وهو هنا كذلك، وهو قوله: وان أطعتموهم –1 /145". وكذلك فعل البيضاوي في تفسيره الموسوم بأنوار التنزيل: "وانما حَسُنَ حذف الفاء فيه لأن الشرط بلفظ الماضي".

وعندي أن هذا هو الرأي المرجوح. ذلك أن حذف الفاء من جواب الشرط مقصور على الشعر عند الأكثرين. قال الشاعر:

من يفعل الحسنات الله يشكرها * والشر بالشر عند الله مثلان

أي: فالله يشكرها. وذهب أبو العباس المبرّد في كتابه الكامل إلى أنه لا يجوز ذلك حتى في الشعر وأن البيت المروي محرّف والأصل فيه (من يفعل الخير فالرحمن يشكره)، الجمهور النحاة على أن فاء الجزاء لا تسقط إلا في الشعر وللضرورة، كما جاء في كتاب (الضرائر 64) لمحمود شكري الآلوسي. قال ابن هشام في (مغني اللبيب –1 /189) بصدد تأويل الآية السابقة )وان أطعتموهم انكم لمشركون –الأنعام –121): "وقول بعضهم ليس هنا قسم مقدّر وأن الجملة الأسمية جواب الشرط على اضمار الفاء كقوله: من يفعل الحسنات الله يشكرها، مردود لأن ذلك خاص بالشعر..". وقد جاء في (شرح شواهد المغني –1 /178) للإمام جلال الدين السيوطي: "من يفعل الحسنات الله يشكرها –هو لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت، رضي الله عنه، وقيل لكعب بن مالك وتمامه: والشر بالشر عند الله مثلان.. وقوله: الله يشكرها جملة اسمية وقعت جواب الشرط وحذفت منها الفاء ضرورة، وزعم المبرّد أن الرواية من يفعل الخير فالرحمن يشكره".

خلاصة القول في جواب الشرط والقسم:

يمكن إيجاز القول في هذه المسألة بالشرح التالي:

1ً-إذا تصدر الكلام ما يطلب الخبر كالمبتدأ واسم كان ونحوه، واجتمع بعده شرط وقسم كان الجواب للشرط جميعاً، كقولك (خالد والله يُطعني أكرمْه) بالجزم و (ان ولدي ان يسيء إليّ والله أعفُ عنه) بالجزم أيضاً.

2ً-إذا اجتمع الشرط والقسم ولم يتقدمهما ما يطلب الخبر كان الجواب السابق منهما، شرطاً كان أو قسما، واستغني عن جواب الآخر، كقولك (ان يزرني والله خالد أكرمْه) بالجزم لأن الجواب للشرط فهو المتقدم، وقولك (والله أن يزرني خالد لأكرمنه) بنون مشددة بعد لام الجواب، لأن الجواب للقسم، وهو السابق. وجواب المتأخر محذوف.

3ً-قد يأتي ما يتقدم فيه القسم ويكون الجواب فيه للشرط، خلافاً للقياس.

وقد جاء هذا في النثر نثر البلغاء وفي الشعر شعر الفحول مجيئاً متعالماً يؤذن بجوازه. قال الشاعر:

لئن كان ما حُدثته اليوم صادقاً أصمْ في نهار القيظ للشمس بادياً

فجاء الجواب (أصمْ) للشرط مع تقدم القسم عليه. وقال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، "لئن كان الذي تقول حقاً فإنه أريب"، فجاء الجواب للشرط أيضاً مع تقدم القسم. وإذا كان في هذا الصحيح للشرط على القسم فذلك لأن تعليق المعنى على الشرط في الأصل، وإنما يساق القسم للتأكيد.

4ً-قد يُجزي الشرط بجواب القسم، ولكن لا بد في هذا من تقرير القسم، لأن جواب الشرط لا يُجاب به إلا عن القسم. قال تعالى: )وان لم ينتهوا عما يقولون ليَمَسَّنَّ الذين كفروا منهم عذاب أليم –المائدة /73(. فجاء الجواب للقسم فقدّر وخُرّجت الآية على حذف جملة القسم، وكأن الأصل (والله ان لم ينتهوا..) فيكون الجواب للقسم لتقدمه على الشرط جرياً على الأصل.

***

الحال

تعريفه: الحال في تعرف النحاة وصف (فضلة) وقد عنوا بفضلة أنها ليست مسنداً أو مسنداً إليه، وهم ركنا الجملة من الوجهة النحوية. كالفعل والفاعل في الجملة الفعلية، والخبر والمبتدأ في الجملة الاسمية، فالحال تأتي في الأصل بعد استيفاء هذين الركنين في الجملة، تقول (جاء خالد راكباً) فتأتي بالفعل والفاعل ثم تذكر بعدهما (الحال –راكباً) لبيان هيئة صاحب الحال وهو الفاعل (خالد). ويقول الشاعر (أنا ابن دارة معروفاً بها نسبي) فيأتي بالمبتدأ والخبر ثم يأتي بـ (الحال –معروفاً) تأكيداً لمضمون الجملة.

وإذا قلنا (الحال فضلة) فليس يعني ذلك أنه يمكن الاستغناء عنها لتمام المعنى المقصود دونها، ذلك أنها تأتي لأداء دلالة خاصة. وإلا فهل يمكن الاستغناء عن (الحال) في قوله تعالى: )وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين –الأنبياء /16(، أو الاستغناء عن (الحال) في قوله تعالى: )يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون –النساء /44(.

قال ابن هشام في كتاب (شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب /244(: "السابع من المنصوبات –الحال –وهو وصف فضلة مسوق لبيان هيئة صاحبه، نحو قوله تعالى: فخرج منها خائفاً –القصص /21، أو تأكيده نحو قوله تعالى: )لآمن من في الأرض كلهم جميعاً –يونس /99، أو تأكيد عامله، نحو قوله تعالى: فتبسم ضاحكاً –النمل 19، أ وتأكيد مضمون الجملة، نحو قوله تعالى: )وأرسلناك للناس رسولا –النساء /98، وقول الشاعر: أنا ابن دارة معروفاً بها نسبي(.

والحال وصف نكرة أي اسم مشتق في الأصل، وصاحبها معرفة. قال ابن هشام في كتابه المشار إليه: "وحقها، أي الحال، أن تكون نكرة منتقلة مشتقة وأن يكون صاحبها معرفة.." والمراد بمنتقلة ألا يكون وصفاً ثابتاً لازماً، وربما كان الحال وصفاً ثابتاً كقوله تعالى: )هو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصَّلاً –الأنعام( أي مبيناً.

وإنما يقع الوصف على صاحب الحال، ويكون صاحب الحال فاعلاً أو مفعولاً لفظاً أو معنى. والمراد بالفاعل اللفظي والمفعول اللفظي ما يكون فاعلاً أو مفعولاً في التركيب، والمراد بالمعنوي ما لا يكون كذلك كأن يكون مبتدأ أو خبراً، أو يكو مفعولاً مطلقاً أو مفعولا معه، أو مضافاً إليه للمفعول، بشرط أن يصح المعنى بحذف المضاف كقوله تعالى:

)بل نتبع ملة إبراهيم حنيفاً –البقرة /135( فإن حنيفاً حال من إبراهيم ولو حذف المضاف فقيل: بل نتبع إبراهيم حنيفا. لصح المعنى. قال ابن هشام في كتابه المشار إليه:

"ويأتي الحال من الفاعل، ومن المفعول، ومنهما مطلقاً ومن المضاف إليه إن كان المضاف بعضه نحو: أن يأكل لحم أخيه ميتاً –أو كبعضه نحو: بل نتبع ملة إبراهيم حنيفاً، أو عاملاً فيها نحو: إليكم مرجعكم جميعاً –يونس /4..." فـ (جميعاً) حال من الضمير وهو الكاف المجرورة بإضافة (مرجع) إليه. والعامل ف الحال هنا هو (مرجع) وقد صح عمله لأنه مصدر وهو بمنزلة الفعل، كما لو قلت: إليه ترجعون جميعاً، والأصل أن يكون العامل في الحال هو العامل في صاحب الحال. ولا يشترط في عامل الحال أن يكون فعلاً أو شبهه إذ يحوز أن يعمل فيه معنى الفعل كالظرف والجار والمجرور وحرف التنبيه واسم الإشارة وحرف التنبيه واسم الإشارة وحرف النداء والتمني والترجي وحرف الاستفهام، لأن فيها معنى الفعل.

الجملة الحالية وافتقارها إلى رابط يربطها بصاحب الحال:

تقع الحال مفردة كما رأينا، ولكنها تقع كذلك جملة خبرية فعلية أو اسمية، فتكون الجملة في تأويل المفرد، ولا بد حينئذ من رابط يربطها بصاحب الحال: أي بالاسم الذي تصفه الحال. ويكون الرابط أما الواو وحدها كقولك (جاء خالد الريح تعصف) وقوله تعالى: )ولئن أكله الذئب ونحن عصبة –يوسف /14(، أو الضمير وحده، نحو (خرج زيد يركض)، وقوله تعالى: )وجاءوا أباهم عشاءً يبكون -يوسف /16(، وأما الواو والضمير معاً كقولك (لِمَ ضربته وهو يأكل)، وقوله تعالى: )ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف - - البقرة /243(.

واو الحال متى تجب:

يشكل على الكتاب متى تجب واو الحال ومتى تمتنع، وهي تجب في مواضع ثلاثة:

-الأول: أن تكون جملة الحال اسمية خالية من ضمير يربطها بصاحب الحال، كقولك: (جئت والناس نيام) وكقوله تعالى: )ولئن أكله ؟؟ ونحن عصبة(.

-الثاني أن يتصدر الجملة الاسمية الضمير العائد لى صاحبها، كقولك (لا تتكلم وأنت تأكل)، وقوله تعالى: )لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى –النساء /43(.

فقد جاء ربط الجملة الاسمية بصاحب الحال في غاية القوة باجتماع الواو والضمير معاً

وقد ناسب ذلك الجملة الاسمية لقوتها في الاستقلال. وهذا الربط بالواو وحدها أو بها مع الضمير إنما يكون الحال المبينة التي تُذكر للتوضيح والتبيين، وأما في الحال المؤكدة فلا يجوز الواو تقول –هو الحق لا شك فيه –وذل لأن الواو لا تدخل بين المؤكد والمؤكد لشدة الاتصال بينهما، كما جاء في شرح كافية ابن الحاجب للإمام عبد الرحمن الجامي. وسيأتي الكلام على امتناع الواو في الحال المؤكدة.

-والثالث أن تتصدر الجملة الفعلية الحالية، المثبتة أو المنفية، فعل ماض، وهي تخلو من ضمير يعود إلى صاحبها. فإذا كانت مثبتة وجبت معها قد، وجيء بـ (قد) بعد الواو ها هنا، لأنها تقرب الماضي من الحال فيصح أن يقع حالاً، كقولك: (جئت وقد انصرف الناس). وإن كانت منفية انفردت الواو كقولك: (جئت وما طلعت الشمس).

واو الحال متى تمتنع:

الأولى: أن يتصدر الجملة عاطف كقوله تعالى: )فجاءها بأسنا بياتاً أو هم قائلون –الأعراف /3( أي ليلاً أو نهاراً.

الثانية: أن تقع مؤكدة لمضمون جملة نحو (هو الحق لا شك فيه)، وقوله تعالى: )ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين –البقرة /2 و3(. وتمتنع الواو هنا لأن المؤكِد نفس المؤكد فتكون معها في صورة المعطوف على نفسه.

الثالثة: أن تكون ماضية بعد (إلا) فتمتنع الواو وقد منفردين ومجتمعين، ويكتفى بالضمير، نحو قوله تعالى: )يا حسرة على العبادة ما يأتيهم من رسول ألا كانوا به يستهزئون –يس /30( وقوله تعالى )وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين –يوسف /46(. ونحو قولك (ما تكلم إلا ضحك).

وما جاء بالواو أو قد مخالف للمشهور.

الرابعة: أن تكون الجملة ماضية قبل (أو) نحو قولك (لأضربنّه عاش أو مات) وقول الشاعر (كن للخليل نصيراً جار أو عدلاً). وتمنع الواو هنا لأنها في تقدير الشرط أي (إن عاش أو مات) و (أن جار أو عدل).

الخامسة: أن يتصدر الجملة الحالية مضارع مثبت دون قد، فتربط بالضمير وحده، كقولك (ومضى زيد يكتب رسالته)، فقد جاءت الجملة الحالية كالوصف فعوملت كذلك. فإذا وجدت (قد) اقترنت الجملة بالواو، تقول (قدمت المدرسة وقد يزورني فيها زائر) وعليه قوله تعالى: )وإذ قال موسى لقومه يا قوم لِمَ تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم –الصف /5( فوجب اقتران الواو هنا لأن دخول (قد) نقض شبه الجملة بالوصف، لامتناع دخولها على الوصف.

السادسة: أن يتصدر الجملة الحالية مضارع منفي بلا، فتمتنع الواو وقد منفردين ومجتمعين، ويكتفي بالضمير وحده، كقوله تعالى: )وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق –المائدة /84(. وتقول على هذا (جاء زيد لا يركب)، وهو في تأويل: جاء زيد غير راكب. وهكذا إذا كان النفي بما على ما هو المشهور. أما إذا كان بلم فإنه يجوز إثبات الواو وحذفها ودليل إثباتها مع الضمير قوله تعالى: )ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحي إليّ ولم يُوح إليه شيء –الأنعام /93(. ودليل حذفها قوله تعالى: )فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء –آل عمران /174(. وإذا كان النفي بلمّا كان الأكثر إثبات الواو كقوله تعالى: "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يعلم الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين _آل عمران /142(.

واو الحال: متى يجوز إثباتها وحذفها:

يجوز إثبات الواو وحذفها في مواقع ثلاثة، فقد مر بنا:

أولاً: أن الأصل في الجملة الحالية الفعلية المرتبطة بالضمير، أن تمتنع فيها واو الحال، إذا تصدرها منفي بما الحالية، هذا هو المشهور، لكن من الأئمة من أجاز إثباتها في هذا الموضع وحكم بصحة قول القائل (جاءني زيد وما يتكلم غلامه). جاء هذا المثال في شرح الإمام الجامي لكافية ابن الحاجب. وقد ساوى بينه وبين حذف الواو في قولك (جاءني زيد ما يتكلم غلامه). وهكذا فعل الإمام جلال الدين السيوطي في (همع الهوامع) إذ قال: "والمنفي بما فيه الوجهان أيضاً نحو: جاء زيد وما يضحك، أو جاء زيد ما يضحك".

ثانياً: وقد تقدم أن الأصل في الجملة الفعلية المثبتة إذا تصدرها فعل ماض، وخلت من ضمير رابط، وجوب إثبات الواو الحالية وقد، كقولك (جاء زيد وقد طلعت الشمس) ويعني هذا أنه إذا وجد الضمير الرابط لم تجب الواو. تقول (جاءني زيد وقد خرج غلامه) و(جاءني زيد قد خرج غلامه)، وقد ساوى الجامي في شرح الكافية بين المثالين.

وأورد النحاة على ربط الجملة بالضمير وقد فقط دون الواو، قول الشاعر:

وقفت بربع الدار قد غيَّر البلى معارفها والساريات الهواطل

والساريات هي السحب تأتي ليلاً.

ثالثاً: ذكرنا الأصل في الجملة الحالية الفعلية المنفية إذا تصدرها فعل ماض، وقد خلت من ضمير رابط وجوب إثبات الواو منفردة، كقولك (جئت وما طلعت الشمس).

أما إذا وجد الضمير الرابط فلا تجب الواو، وعلى ذلك تقول (جاءني زيد وما خرج غلامه) و(جاءني زيد ما خرج غلامه)، وقد ربط الأول بالواو والضمير. وربط الثاني بالضمير وحده وهكذا قولك (رجع خالد وما صنع شيئاً) و(رجع خالد ما صنع شيئاً)، كما أورده الشيخ مصطفى الغلاييني في كتابه (جامع الدروس العربية).

رابعاً: كما ذكرنا أن الأصل في الجملة الحالية الاسمية، المثبتة والمنفية، أن تربط بالواو والضمير معاً إذا تصدر الجملة الضمير العائد إلى صاحبها. ومثال الجملة الحالية الاسمية المثبتة، قوله تعالى: )فلا تجعلوا الله أنداداً وأنتم تعلمون –البقرة /22(، ومثال المنفية نحو قولك "رجعت وما في يدي شيء". أما إذا لم يتصدر الجملة الضمير العائد إلى صاحبها فقد أجاز النحاة الوجهين إثبات الواو وحذفها، والمشهور الحذف كقوله تعالى في الجملة الحالية المثبتة "اهبطوا بعضكم لبعض عدو –البقرة /36" ومثال المنفية قوله تعالى:)والله يحكم لا معقب لحكمه –الرعد /43(.

امتناع واو الحال بعد الا عند النحاة إذا تلاها فعل ماض:

الأصل أن تمتنع الواو بعد الا، إذا تصدر الجملة الحالية فعل ماض، كقوله تعالى: )وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون –الحجر /13(، وقوله تعالى:

)ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون –الأنبياء /2(. وقد تقدم بحث ذلك فتقول على هذا مثلاً (ما من أحد إلا جزع) فتمتنع الواو بعد الا. وجاء في شرح الأشموني على ألفية ابن مالك أن هناك سبع مسائل تمتنع فيها الواو ومنها الماضي التالي لـ (الا) نحو (ما تكلم الا قال خيراً).

ولكن هل ثمة من يجيز دخول (الواو) بعد (الا) في مثل هذا الموضع؟

أقول: قال الصبيان في تعليقه على الأشموني وتعليله سبب امتناع الواو ها هنا:

"أي لأن ما بعد الا مفرد حكماً"، أي هو مفرد في الأصل لا جملة، لكنه استدرك فقال:

"وذهب بعضهم إلى جواز اقترانه بالواو تمسكاً بقوله:

نعم امرأً هرمٌ لم تعر نائبة * إلا وكان لمرتاع بها وزراً

وحكم الأول بشذوذه، وهذا يعني ذهاب بعضهم إلى جواز اقتران الواو أخذاً بقول الشاعر، أما الأكثرون فقد حملوا بيت الشاعر على الشذوذ.

مجيء واو الحال بعد الا في كلام البلغاء إذا تلاها فعل ماض:

الذي عندي أن الحكم بامتناع الواو أو جوازها بعد إلا إذا تلاها فعل ماض، مرهون باستعمال الفصحاء، فهل جاء في كلامهم اقتران الواو بالفعل الماضي بعد الا.

أقول قد ورد ذلك فيما أُثر عن الفصحاء مورداً متعالماً، ومن ذلك ما جاء في نهج البلاغة، إذ قال:

ووأى على نفسه ألا يضطرب شبح مما أولج فيه الروح إلا وجعل الحمام موعده والفناء غايته (2 /92 و93). والوأي هو الوعد والحمام هو الموت. وقال:

ولم يترك شيئاً رضيه أو كرهه إلى وجعل له عَلَماً بادياً وآية محكمة (2 /133)، وقال:

ما من أحد أودع قلباً سروراً إلا وخلق الله له من ذلك السرور لطفاً (3 /210) ونحو ذلك كثير في نهج البلاغة.

ومما جاء من ذلك في كتاب (أخلاق الوزيرين) لأبي حيان التوحيدي، قال:

وما رأَّس الله أحداً إلا وفرض عليه الافضال والإحسان (ص /265) وقال:

وما رأيت أحداً سكت عن أحد من سفائهم تغافلا عنه.. إلا ورأيته يقول ويطنب في ابن عباد غير خاشٍ ولا متحاشٍ (ص /474).

فصح بذلك قولك في المثال السابق: (ما من أحد وجزع) باقتران (الواو) بالفعل الماضي.

اقتران واو الحال بعد بعد إلا إذا تلاها فعل ماض:

قد جاء مما تمتنع فيه الواو وقد منفردين ومجتمعين ويكتفي بالضمير أن تقع الجملة الحالية الفعلية بعد إلا ويتصدرها فعل ماض، كقوله تعالى: )ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون –يس /30(. وجاء في شرح الأشموني (3 /22) أن (قد) تمنع مع الماضي الممتنع ربطه بالواو وهو تالي الا، وندر قوله:

متى يأت هذا الموت لم يُلف حاجة * لنفسي إلا قد قضيت قضاءها

لكنه جاء في حاشية الصبان: "في شرح الرضي أنهما يجتمعان بعد الا نحو: ما لقيته إلا وقد أكرمني –3 /22". فما الرأي في ذلك؟

أقول جاء في كلام الفصحاء اقتران الواو بقد بعد (الا) قبل الفعل الماضي، كما جاء انفرادها بالفعل الماضي على ما تقدم. ومن شواهد اقتران الواو بقد قبل الفعل الماضي التالي لـ (الا)، ما جاء في نهج البلاغة، قال:

ولا جُعلتْ لهم الأفئدة في ذلك الأوان الا وقد أُعطيتم مثلها في هذا الزمان (1 /156)، وقال:

ما منهم رجل الا وقد أعطاني الطاعة وسمح لي بالبيعة طائعاً غير مكره (2 /104).

وقال ابن جني في الخصائص:

لسنا نراك الا وقد أغلقت العينين جميعاً (2 /65). وجاء في شرح الحماسة لأبي علي المرزوقي:

فلا يمكنهم تجاوزه الا وقد فرغوا منه (ص /192) وقال:

لا تكون راشدا الا وقد رشد جارك معك (ص /438).

فساغ بذلك قولك في المثال السابق (ما من أحد الا وقد جزع)، وقولك (ما حدثني أحد الا وقد استمعت إليه)، استناداً إلى ما ذهب إليه الإمام الرضي وجاء في كلام الفصحاء.

مجيء واو الحال بعد الا إذا تلاها فعل مضارع:

الأصل أن تمتنع الواو إذا تصدر الجملة الحالية مضارع مثبت دون (قد)، فترب بالضمير وحده، كقولك (جئت أحمل ثيابي) وقوله تعالى )وآية لهم الليل نسلخ منه النهار –يس /31(. فإذا اقترن بقد جاز ذل كقوله تعالى )لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم –الصف /5(. والحكم في هذا جاء بعد الا ودونها.

وقد أخذ الدكتور مصطفى جواد عضو المجتمع العراقي في كتابه (المباحث اللغوية) على زميله الأب ماري أنستاس الكرملي قوله (لا ندع ديواناً... الا ونورد فيه شيئاً من المصطلحات)، قال الدكتور جواد: "والصواب نورد بحذف الواو" مستشهداً بقوله تعالى )وان من شيء الا يُسبح بحمده –الإسراء /44(.

كما أخذ الأستاذ علي نجدي ناصف على الدكتور شوقي ضيف في كتابه (المدارس النحوية) مثل ذلك. قال الأستاذ ناصف في مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة (25 /190):

"ويدخلها –أي واو الحال –الأستاذ الدكتور شوقي ضيف في كتابه، المدارس النحوية –على المضارع المثبت غير المقرن بقد حين تقع جملته حالاً، كقوله: لا يسجل قاعدة الا ويرى –ص /100. ويوجب النحويون أن تربط هذه الجملة بالضمير لا بالواو، ويؤولون ما ورد مقروناً بها".

وقد بحث هذا أبو البقاء الكفوي في (الكليات) فقال: "ودخول الواو في المضارع المثبت كالممتنع أعني الحرام إذا أجري على ظاهره. وأما إذا قدر معه مبتدأ فدخول الواو جائز ومسموح كثيراً –5 /165". وهذا يعني أنك إذا قلت (وليس شيء مما يضطرون إليه إلا ويحاولون به وجهاً) بإثبات الواو قبل المضارع كان كالممتنع في الأصل، فإذا قدرت فيه المبتدأ على أن المراد (الا وهم يحاولون به وجهاً) كما أثبته ابن جني في الخصائص (1 /52) جاز ذلك.

على أننا إذا عدنا إلى كلام الفصحاء، كما فعلنا قبل، رأينا أن اقتران الواو بالمضارع المثبت هنا جائز، ولو امتنع تقدير المبتدأ. وشاهد ذلك ما جاء في نهج البلاغة، قال: "واعلموا أن ليس من شيء الا ويكاد صاحبه أن يشبع منه ويمله الا الحياة 2 /23"، فقد دخلت الواو على المضارع المثبت مع تعذر تقدير المبتدأ، فتأمل.

موجز القول في الجملة الحالية، المثبتة، إذا تلت الا:

ويحسن أن نوجز الحكم في الجملة الحالية، الفعلية المثبتة، بعد الا، من حيث اقترانها بالواو وقد أو امتناعها عنهما، بما يلي:

الأول: الأصل في الجملة الحالية بعد إلا إذا تصدرها الماضي المثبت أن تكتفي بالضمير وحده، ولكن جاء في كلام الفصحاء اقترانها بالواو وقد مجتمعين، كما اتفق ذلك في كلام علي، كرم الله وجهه، وقد قال به بعض الأئمة. وجاء إلى ذلك في كلامهم اقترانها بالواو وحدها.

الثاني: الأصل في الجملة الحالية إذا تصدرها المضارع المثبت أن تكتفي بالضمير وحده، فإذا اقترنت بالواو فلا بد أن تضم إليها قد، سواء تلت الجملة (الا). أو جاءت دونها.

لكنه جاء في كلام الفصحاء اقترانها بالواو وحدها، كما اتفق ذلك في كلام علي كرم الله وجهه.

***

وبعد فهذا ما رأيت أن أبسط القول فيه للكشف عن المسلوكة إلى تبين جواب الشرط من جواب القسم وتحري الواجب منهما إذا اجتمعا، وتعرّف مواضع ربط الجملة بواو الحال وجوباً وجوازاً وامتناعاً. وقد اعتمدت في ذلك آراء النحاة وأقلام أرباب البيان شعراً ونثراً فهؤلاء وأولئك أصحاب الصناعة. وأرج أن أكون قد أوضحت البحث فأفصحت عن مضمونه وجلوت غامضه في المسألتين. التماساً لوجه الرأي فيهما وابتغاء للصواب، ومن الله العون.

ثبت بمصادر البحث:

1-الكليات الأبي البقاء الحسيني الكفوي.

2-حاشية الشيخ حسن العطار على شرح الأزهرية للشيخ خالد الأزهري.

3-شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب لابن هشام الأنصاري.

4-مغني اللبيب لابن هشام الأنصاري.

5-الضرائر لمحمود شكري الألوسي.

6-خزانة الأدب لعبد القادر البغدادي.

7-الضرائر لعلي بن عصفور الاشبيلي.

8-ديوان الإمام الشافعي.

9-ديوان المتنبي، وأبي تمام، وأبي فراس الحمداني.

10-العقد الفريد لابن عبد ربه.

11-الخيال في الشعر العربي لمحمد الخضر حسين التونسي.

12-نهج البلاغة.

13-همع الهوامع للإمام جلال الدين السيوطي.

14-البيان في إعراب القرآن لمحب الدين أبي البقاء العكبري.

15-الكامل لأبي العباس محمد بن يزيد المبرد.

16-شرح شواهد المغني للإمام جلال الدين السيوطي.

17-شرح كافية ابن الحاجب لعبد الرحمن الجامي.

18-جامع دروس اللغة العربية للشيخ مصطفى الغلايني.

19-شرح علي بن محمد الأشموني لألفية ابن مالك.

20-حاشية محمد بن علي الصبان على شرح الأشموني.

21-أخلاق الوزيرين لأبي حيان التوحيدي.

22-الخصائص لأبي الفتح عثمان بن جني.

23-المباحث اللغوية للدكتور مصطفى جواد.

24-شرح ديوان الحماسة لأبي علي المرزوقي.

25-مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة (25 /190).
-------------
مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 50 - السنة 13 - كانون الثاني "يناير" 1993 - رجب 1413
http://awu-dam.org/trath/50/turath50-012.htm

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: