اللغة العربية وآراء الكتاب العرب - الأستاذ إدريس بن الحسن العلمي

يجدر بنا ضمن هذا البحث أن نستمع إلى آراء الذين في هذا العصر فحصوا لغة الضاد وسبروا أغوارها، ورازوا ثقلها في ميزان الإفصاح عن كل الخواطر والمشاعر والأفكار من بني جلدتها ؛ وفي بحث قادم إن شاء الله سنتعرض لآراء المفكرين الغربيين وهم يفحصون اللغة العربية ومدى إعجابهم بها وبقدراتها.
يقول الأستاذ عبد الرحمن الكيالي في بحثه "عوامل تطور اللغة العربية وانتشارها" : « تمتاز اللغة العربية عن سائر أخواتها اللغات السامية وعن سائر لغات البشر بوفرة كلماتها حتى قال السيوطي في (المزهر) إن المستعمل والمهجور منها يبلغ عدده 78.031.312 والزبيدي يقول في "تاج العروس" : إن الصحيح يبلغ 6.620.000 والمعتل يبلغ 6.000 كلمة وذكر أيضاً أن كتابه حوى 120.000 كلمة. وعدا وفرة المفردات فإنها ذات اطراد في قياس أبنيتها... وتمتاز بتنوع أساليبها وعذوبة منطقها، ووضوح مخارجها ووجود الاشتقاق في كلماتها. ومن خواص اللغة العربية ومميزاتها أنها أوسع ثروة في أصول الكلمات والمفردات من أخواتها اللغات السامية. هذا، إلى أنه قد تجمع فيها من المفردات في مختلف أنواع الكلمة : اسمها، وفعلها، وحرفها، ومن المترادفات في الأسماء، والأفعال، والصفات ما لم يجتمع مثله في لغة أخرى. فلقد جمع للأسد خمسمائة اسم وللثعبان مائتا اسم، وللعسل أكثر من ثمانين اسماً. ويروي الفيروزبادي صاحب القاموس أن للسيف في العربية ألف اسم على الأقل،

ويقدر آخرون أن للداهية أربعمائة اسم، ولكل من المطر والريح والظلام والناقة والحجر والماء والبئر أسماء كثيرة تبلغ عشرين في بعضها إلى ثلاثمائة في بعضها الآخر».
وكتب الأستاذ أحمد عبد الرحيم السائح من جامع الأزهر في مقال له : « للغة العربية خصائص ومميزات بزت بها غيرها، لا تدانيها فيها لغة من اللغات... إن طريقة توليد الألفاظ بعضها من بعض تجعل من اللغة جسماً حياً تتوالد أجزاؤه، ويتصل بعضها ببعض، بأواصر قوية واضحة، وتغني عن عدد ضخم من المفردات المفككة المنعزلة التي كان لا بد منها لو عدم الاشتقاق. وأن هذا الارتباط بين ألفاظ العربية الذي يقوم على ثبات عناصر مادية ظاهرة، وهي الحروف والأصوات الثلاثة، وثبات قدر من المعنى، سواء كان مادياً ظاهراً أو مختفياً مستتراً، خصيصة عظيمة من خصائص هذه اللغة تُشْعِرُ متعلمها بما بين ألفاظها من صلات حية تسمح لنا بالقول بأن ارتباطها حيوي، وأن طريقتها حيوية توليدية وليست آلية جامدة » .
« اللغة العربية من أعرق اللغات منبتا، وأكثرها رسوخاً، وأقواها جلادة، وأشدها بنياناً.
وفي ظل الحضارة الإسلامية صارت أبعد اللغات مدى، وأوسعها أفقاً، وأقدرها على النهوض بتبعاتها الحضارية، عبر التطور الدائم الذي تعيشه الإنسانية. واستطاعت العربية في رحاب عالمية الإسلام أن تتسع لتحيط بأبعد انطلاقات الفكر وترتفع حتى تصعد أرقى اختلاجات النفس، وقد زادتها مرونتها وقدرتها على التفوق تبلورا، وتفاعلاً، ونماءً، وأعطتها طاقة خلاقة وحياة مدهشة » .
وفي رأي الدكتور أحمد شفيق الخطيب « أن اللغة العربية تتميز بمرونة ومطواعية فائقة، تيسر صياغة الألفاظ الدقيقة التعبير، والواضحة الدلالة بحيث أن وزن اللفظة كثيراً ما يحدد مدلولها : إن كان اسم آلة، أو اسم مكان، أو زمان، أو اسم هيئة، أو مرة أو اسم فاعل، أو مفعول، أو اسم تفضيل، أو صفة مشبهة، أو مصدراً، أو صيغة مبالغة، أو تصغير، إلى غير ذلك مما ليس له نظير في اللغات الأخرى » .
ويرى الأستاذ إلياس قنصل من الأرجنتين : « أن اللغة العربية تختلف عن غيرها من اللغات بأن "الحياة" التي فيها حياة خلاقة، مبدعة ذات عبقرية خاصة، وفي الوقت الذي نجد فيه اللغات أدوات للتعبير، متى بلغته فقد بلغت غايتها القصوى، وانتهت مهمتها، نجد أن الضاد لا تكتفي بهذه الغاية، بل هي تريد أن يكون التعبير جميلاً، وتريد أن يمتد هدفها إلى أكثر من ذلك فيتحول إلى فكرة مستمرة الجمال والذوق والذكاء، فكرة تندفع بصورة تلقائية، وتتولد من نفسها كالطاقة الذرية سواءً بسواء » .
« ولو أحببنا أن نضع للأمر مثلاً بسيطاً يقربه إلى الأذهان لاستطعنا القول إن بقية اللغات كالساعات العادية تضبط لك الوقت أقرب ما يكون إلى الدقة، أما اللغة العربية فكالساعة الذهبية التي لا يمكن إلا أن تكون مثال الدقة في ضبط الوقت لأن معدنها يحمل صانعها على مراعاة قيمتها، وتوفير الانسجام بين آلاتها الداخلية، وغلافها الثمين - دفعة واحدة - آلة لمعرفة الوقت بالدقة المتناهية وأداة للزينة، تلفت الأنظار، ورصيد مادي يحتفظ بقيمته الابرائية ».
ويلاحظ الدكتور شكري فيصل أن : « العالم بأسره شهد على ما تتميز به العربية من الحيوية، والغنى، والمرونة، والقدرة على تقبل الجديد وتوليد اللفظ، وقدر ما تحمل من إرث علمي إنساني كبير، وما تتصف به من قدرة على الوفاء بسائر الأغراض، فاعترفت منظمة الأمم المتحدة والمنظمة العالمية للتربية والعلوم والثقافة والمنظمات والوكالات الدولية الأخرى، بأن العربية لغة حية واعتمدتها لغة رسمية إلى جانب اللغات الخمس الأخرى : الانكليزية والفرنسية والإسبانية والروسية والصينية » .
ويقرر الأستاذ رشاد دارغوت : « ما حفظ اللغة العربية وصانها من الانقراض سوى الحيوية التي امتازت بها، وهي التي حببتها إلى شتى الشعوب والأمم المستعربة، فاستبدلتها بلغتها الأصلية ( أي اتخذت العربية بدلاً من لغتها ) وذلك بالإضافة إلى أنها لغة القرآن . وليس أدل على تلك الحيوية المرنة من تقبلها الاشتقاق على أوسع نطاق يمكن أن ترضخ له اللغات... وإني لأعتقد أن الوسائل التي وضعتها الطبيعة تحت تصرف الناطقين بالضاد جديرة بأن توسع اللغة، وتغنيها، وترقيها، وترفعها إلى مستوى عال سام » .
ويحدثنا الأستاذ عبد الرحيم السائح، من مشيخة الأزهر أن : « اللغة العربية أعرق اللغات العالمية منبتاً، وأعزها نفراً : سايرها التاريخ وهي مهذبة، ناضجة مليئة بالقوة والحيوية وبفضل القرآن الكريم صارت أبعد اللغات مدى، وأبلغها عبارة، وأغزرها مادة، وأقواها جلادة، وأدقها تصويراً لما يقع تحت الحس، وتعبيراً عما يجول في النفس، تتسع لتحيط بأبعد انطلاقات الفكر، وتصعد حتى تصل أرقى اختلاجات النفس، واسعة سعة الجو، وعميقة عمق البحر، وليس هناك فكرة من الأفكار، ولا معنى من المعاني، ولا عاطفة من العواطف، ولا نظرية من النظريات عجزت اللغة العربية عن تصويرها تصويراً صادقاً، بارز القسمات، حتى المقاطع » .
ويروي لنا الأستاذ عبد العزيز بنعبد الله عضو أكاديمية المملكة المغربية والأمين العام للمكتب الدائم لتنسيق التعريب في الوطن العربي سابقاً : « أن اللغة العربية أصبحت في العصور الوسطى لغة الفلسفة والطب ومختلف العلوم والفنون، بل أصبحت لغة دولية للحضارة. ففي عام 1207 م لوحظ وجود معهد في جنوب أوروبا لتعليم اللغة العربية. ثم نظم المجمع المسيحي بعد ذلك تعليمها في أوروبا، وذلك بإحداث كراسي في كبريات الجامعات الغربية.
وفي القرن السابع عشر اهتمت أوروبا الشمالية والشرقية اهتماماً خاصاً بتدريس اللغة العربية ونشرها. ففي 1636م قررت حكومة السويد تعليم العربية في بلادها. وعند ذلك الحين انصرفت السويد إلى طبع ونشر المصنفات الإسلامية، وبدأت روسيا تعتني بالدراسات الشرقية والعربية على الخصوص في عهد البطرس الأكبر الذي وجه إلى الشرق خمسة من الطلبة الروسيين. وفي عام 1769م قررت الملكة كاترينا إجبارية اللغة العربية. وفي عام 1816م أحدث قسم اللغات السامية في جامعة بتروكراد ».
ويلاحظ الدكتور محمود الجليلي عضو المجمع العلمي العراقي :
« إن اتساع اللغة العربية يجعلها قابلة للتطور لتستوعب النمو السريع في مختلف العلوم والفنون، وقد سبق لها أن استوعبت العلوم والفلسفة قبل مئات السنين، وهي الآن ماضية في نفس السبيل » .
ويجزم الأستاذ خير الدين المهندس في كلية الهندسة بجامعة حلب السورية : « أن عبقرية اللغة العربية متأتية من توالدها. فكل كلمة فيها تلد بطوناً ، والمولودة بدورها تلد بطوناً أخرى، فحياتها منبثقة من داخلها، وهذا التوالد يجري بحسب قوانين، وصيغ، وأوزان، وقوالب، هي غاية في السهولة والعذوبة » .
ويؤكد الأستاذ عبد العزيز بنعبد الله : « في مصنفات العلوم والفنون ذخيرة لغوية، كانت هي القوام الأساسي للتفاهم بين العلماء، والتعبير عن أعمق النظريات التقنية يوم كانت الحضارة العربية في عنفوان ازدهارها، ويكفي أن تتصفح كتاباً علمياً أو فلسفياً لتدرك مدى هذه القوة وتلك السعة الخارقة. ففي العربية إذن مقدرات شاسعة لا يتوقف حسن استغلالها إلا على مدى ضلاعتنا في فقه اللغة » .
يقول ابن الأنباري تحت باب ( اللغة العربية أفضل اللغات وأوضحها) : « أين لسائر اللغات من السعة ما للغة العربية ؟ » ويستطرد فيضرب لنا مثلاً بقوله : « وقد نقل الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية، والرومية، وترجمت التوراة، والزبور، وسائر كتب الله عز وجل إلى اللغة العربية، أما القرآن فلا يمكن ترجمته للغات الأخرى، لأن ما فيه من استعارة، وتمثيل، وقلب، وتقديم، وتأخير، لا تتسع له طبيعة اللغات الأخرى » .
ويستطرد قائلاً : « إن العجم لم تتسع بالمجاز اتساع العرب بالمجاز » .
يقول الأمير أمين آل ناصر الدين أمير الدولتين في كتابه : "دقائق العربية" ما يلي تحت عنوان "خصائص العربية" : « لا مبالغة في القول إن اللغة العربية هي لغة الأعاجيب في وضعها المحكم وتنسيقها الدقيق، فمن استطاع أن يستجلي غوامضها، ويستقري دقائقها، ويلم بما هنالك من حكمة وفلسفة وبيان للدقائق وأسبابها المنطبقة على العقل والمنطق استيقن أن العربية قد وُضعت بإلهام من المُبدع الحكيم جلت قدرته، فالمحدث عنها كالمحدث عن السماء وكواكبها وبُروجها ونظامها الفلكي، يذكر الأقل ويند عنه الأكثر، أو كالمحدث عن البحر الجياش الغوارب الدائم الجزر والمد، يقول شيئاً وتفوته أشياء » .
ولعل لأكثر الكتاب في هذه الأيام عذراً على ما في كلامهم من خطإ مترادف، وشذوذ عن القواعد، وجهل للدقائق، وإيثار للمبتذل السخيف على الفصيح المتين من التراكيب والأساليب لأنهم لم يدركوا في المدارس من أصول العربية إلا الشيء الأقلّ الذي لا يقيهم العِثار في الإنشاء، ولا يمكنهم من مجاراة الفصحاء البلغاء، ولكنهم يلامون أشد اللوم على اكتفائهم بشهادات مدرسية وقعت في أيديهم، وإعراضهم عن كتب اللغة والأدب بدل العكوف عليها يطالعونها ويستفيدون ما فاتهم في المدارس، فالمطالعة هي في الحقيقة المدرسة الفذة التي يخرج منها الطالب الذكي متبحراً في اللغة مستطلعاً الكثير من خفاياها مجيداً في الإنشاء ، متخيراً أحسن الأساليب، أما الشهادة وحدها فما تبل لظامئ غليلاً، ولا تنيله من الفوائد اللغوية كثيراً ولا قليلاً .
« إن أقطاب اللغة والأدب في هذا العصر وما قبله لم يجعلهم أعلاماً يستطير ذكرهم في الخافقين إلا الانصراف إلى المطالعة والبحث والتحقيق، وما عهدنا أحداً ممن اكتفوا بالشهادة المدرسية موثوقاً بقوله في صرف أو نحو أو لغة أو بيان، ومن هذا شأنه فهل يتسنى له أن يكون كاتباً بليغاً أو شاعراً فحلاً أو خطيباً مصقعاً، أو أستاذاً في مدرسة يلقن تلاميذه قواعد الفصحى ويعلن لهم أسرارها ».
هذه آراء ثلة من اللغويين والمفكرين العرب كلها تشيد بعبقرية اللغة العربية، وتحكم بصلاحيتها لتدريس جميع العلوم والفنون والتقنيات وسائر المعارف والمفاهيم البشرية. ولعل البعض يرى في هذا الإطناب شيئاً من الذاتية العاطفية، والمغالاة، والمحاباة وإعجاباً ناشئاً عن تحيز وتعصب قومي للغة الأم. ولذلك يكون من الخير ومن المفيد بهذا الصدد أن نأخذ آراء بعض المفكرين، واللغويين، والعلماء الغربيين، الذين لا يمتون إلى العروبة ولا إلى الإسلام بأي صلة تسمح لهم بإصدار أحكام غير موضوعية، بل منهم من جاهر بعداوته للعرب وللمسلمين، وخلدها في بعض ما ألف من كتب ومصنفات، مثل ارنست رينان، فإن شهدوا بعبقرية اللغة العربية وقدرتها الكامنة فيها على استيعاب جميع العلوم، والتعبير بلغة سليمة ودقيقة عن كل المفاهيم والمصطلحات فإن شهدوا بذلك فهو كما قال الشاعر : "والحق ما شهدت به الأعداء". ...

التصنيف الرئيسي: 
التصنيف الفرعي: 
شارك: