الرئيسية | التعريب والترجمة
 

صفحة شبكة صوت العربية في فيسبوكtwitterقناة شبكة صوت العربية في يوتيوبشبكة صوت العربية في موقع فليكر

التعريب و الترجمة
أزمـة التـرجمة والرقــابة الذاتيـة في الفضائيات العربية ومدرسة الإعـلام العــربي الجديدة - علي درويش طباعة إرسال إلى صديق
تقييم المستخدمين: / 6
سيئجيد 
الكاتب صوت العربية   
الجمعة, 04 يوليو 2008 16:36

لطالما شكلت المصطلحات السياسية معضلةً أساسيةً في العلاقات الدولية والمجالس السياسية والصراعات القومية والنزاعات الإقليمية وغيرها. ولطالما أبرزت هذه الأنشطةُ والأحداثُ الهوةَ الكبيرةَ القائمةَ بين اللغات والحضارات العامة والثقافات الفردية عند البشر. فمن خلال الترجمة تظهر للعيان فوراً أبعادُ الفهم الإنساني لنواحي كثيرة من اللغة سواء أكانت لغة أصلية أم إضافية ، وتتكشف كذلك قدرة المرء على الإحاطة بجوانب كثيرة من استعمالاتها التي تتغير من واقع إلى واقع ومن جيل إلى جيل، فتتخذ معاني جماعية عامة أو فردية خاصة وظلالاً من المعاني لا علاقة لها بالمعاني الأصلية. وهذا التغيّرُ الطبيعي الصامت الذي يطرأ على اللغة يتجاوز المعاجم والقواميس التي تُسقطه في الأغلب من حسابها لانشغالها بضبط القديم من الألفاظ والمفردات التي تخصصها لطائفة مميزة معينة من البشر، ولا يُرَخَّصَ في استِعْمَالِها للمُتَكَلِّمِ العَادِيِّ إلاّ حِيْنَ لا يَكُونُ هُنَاكَ نَصٌّ صَرِيْحٌ بذلك، على حد قول مجامع اللغة العربية، فكأن الواحد من أولئك النخبة الخاصة "سُوبرمان اللغة" ومعصومٌ أو منزّهٌ عن الخطأ. وكأننا بذلك النهج النخبوي الإقصائي المتحجر ننتظر رجوع المتنبي أو سيف الدولة لنتواصل معه بلغة يفهمها ويألفها، فيحل مشاكلنا ويعيد لنا مجدنا التليد وماضينا العتيد. فنحن دائماً بلا مبالغة أو تجنٍ نعيش في الماضي ونمشي القَهقرى، ولا ننظر إلى الحاضر بعين المستقبل، اللهم إلا من منظور أجنبي مجتزأ ومشوه ومفروض إما مباشرة أو بالإيحاء والوحي والإلهام.

ولا شكَّ أن الحفاظ على اللغة أمر في غاية الأهمية لضمان الصلة بالرصيد اللغوي والإرث الفكري، لاسيما في ظل هجمة خارجية شرسة على اللغة والحضارة تتجلى في بعض جوانبها في الدعوات المحلية لنبذ الانتماء القومي، والارتكاس إلى الشعوبية، والانبطاح بلا شروط أمام الفاتحين، عملاً بالمثل القائل "إن لم تغلبْ فاخلبْ"، بل أَغرِبْ[1] ! فكما يذكرنا روبرت فيليبسون في كتابه "الإمبريالية اللغوية"[2] ، فالمفهوم الغربي للعنصرية والاستعمار اللغوي يقوم على ثلاثة مبادئ هي : تمجيدُ المسيطر لذاته ورسمُ صورة مثالية لنفسه (فهو مصدّر للديمقراطية والحرية والحضارة والتقدم وهو نبراس العلم والقيم الاجتماعية والانفتاح الفكري)، والحـطُ من قدر وقيمة المسيطَر عليهم والمغلوبِ على أمرهم وكبتُ حضارتهم ومؤسساتهم وطرق عيشهم وفِكَرِهم (فهم متخلفون ورجعيون وإرهابيون، ومناهجهم التربوية والتعليمية والعلمية وقيمهم الاجتماعية والخلقية بالية وبحاجة إلى تحديث وتغيير وإلغاء)، والتبريرُ العقلاني الممنهجُ للعلاقات بين المسيطِر والمسيطَر عليه بحيث تكون اليد العليا والغلبة للمسيطر دائماً (الوصاية الأدبية والسياسية والعسكرية والانتداب دون استشارة أو إذن من الشعوب المعنية لأنها شعوب قاصرة لم تبلغ الرشد وهي بحاجة إلى رعاية لأنها غير قادرة بعد على إرساء قواعد الديمقراطية، وتحديد الأدوار وتوظيف العملاء والأتباع والأبواق لتكريس الفوقية والتبعية). ولكنْ لا يتأتى الحفاظ على اللغة بإهمال المستجدات فيها وما يطرأ على المفردات من معاني جديدة تواكب التطورات في ميادين المعارف والعلوم والأنشطة الإنسانية الحديثة. فذلك يحكم عليها بالجمود والتقوقع والانغلاق على نفسها وما تلبث أن تنفجر على ذاتها، فتصبح لغة الخاصة من الخاصة.
ومن الأمثلة على التغيّر في العربية المعاصرة كلمة إنجاب. فهذه الكلمة تعني في الأصل ولادة النجباء فقط. فإذا أنجبت المرأة ولدت طفلاً نجيباً. وأَنجَبَ الرجلُ والمرأَةُ إِذا وَلَدا ولداً كَرِيماً أو فاضلاً على مثله. ولكننا اليوم نرى هذا اللفظ يُطلق على جميع الولادات بغض النظر عن مستوى الذكاء والنجابة عند الأطفال، الذين إن شاءت الأقدار لهم، صاروا يوماً مترجمين، ليسهموا في الفوضى اللغوية القائمة. فإذا وَلَدتِ المرأةُ أنجَبت مَوْلوداً ذكراً كان أو أُنْثَى. ويختلط الحابل بالنابل بين اللفظين. والقرد في عين أمه دائماً غزال. ومثال آخر على تغير اللغة الذي لم تثبته المعاجم الحديثة هو لفظ زبانية. فالزبانية في الأصل هم ملائكةُ التّعْذيب في جهنّم لأنَّهم يدفعون أهلَ النَّارِ إليها. ولكنه اكتسب في المصطلح السياسي العربي الحديث معنى أتباع النظام وجلاوزته وأزلامه. وهذه الأخيرة كانت أيضاً في الأصل تعني السهام التي كان أَهل الجاهلية يستقسمون بها. ولم تثبتها المعاجم الحديثة بمعناها الجديد[3].

في عالم السياسة والإعلام ، تحتل الترجـمة حيزاً كبيراً ومهماً في نقل الخبر من قلب الحدث، بل وفي اختلاقه أحياناً. ولطالما اعتمدت القوى العظمى والمؤثرة وسائلَ الإعلام للترويج لسياسات معينة وإيديولوجيات خاصة، ولتأليب الرأي العام ، وفرض الهيمنة الحضارية واللغوية، إما من خلال تغيير المواقف الفردية والجماعية وتبديلها أو من خلال تكوين مواقف جديدة إزاء أمور وأوضاع وشؤون معينة. وتختلف أساليب الإقناع في الاستخدامات المختلفة لوسائل الإعلام الموجه، كما يفصّلها ج. بروان في كتابه المرجعي الشهير "أساليب الإقنـاع: من الدعاية إلى غسيل الدماغ"[4] ، من استخدام ما أصبح يعرف اليوم في العربية بالصور النمطية وإظهار خصائص وصفات معينة حقيقية أو زائفة والمبالغة فيها عند الأفراد والجماعات، بل وسلخ الصفات الإنسانية عنهم، واعتماد المفردات والألفاظ البديلة السلبية أو الإيجابية المشحونة بالعاطفة لتحل محل الألفاظ المحايدة والموضوعية، والانتقائية في إبراز الحقائق أو ما يعرف بتجزئة الحقيقة أو تشظية الواقع، والكذب، والتكرار، والتوكيد، وتحديد العدو وتحويل الغضب والعدائية نحوه، واللجوء إلى السلطة دون تحديد مصادرها (وقال خبراء في علم الجينات الوراثية إن العرب بطبيعتهم ميالون إلى العنف والإرهاب...).
وأنجح الأساليب اختلاقُ مجموعات بؤرية توفر للناس منتدى للنقاش وتبادل الآراء حول مواضيع معينة قد تبدو منفصلة في ظاهرها وتكون مترابطة في باطنها إما اتفاقاً أو اعتباطاً أو عن سابق عمد وإصرار ، بحيث تشكل إطاراً تحليلياً تعبوياً يهيئ الأرضية والمناخ لقبول فكرة أو نهج أو سياسة ويمتص الآراء المعارضة من خلال الإيحاء للمشاهدين بإتاحة المجال للتعبير عن أفكارهم ومخاوفهم ومواقفهم، وذلك باستضافة المتخصصين وأصحاب الرأي والشأن، الذين ينكشونهم من أقبية المراكز الاستراتيجية الوهمية أو المنحازة ، ومن متاحف معاهد الدراسات الهلامية (الافتراضية)، ويأتون بهم بشكل متكرر لتعزيز مواقف وأراء مخالفة. ولا يفسحون في المجال إلا لحفنة من المتصلين المتملقين في أغلبهم ، على طريقة العرب في التملق والمداهنة والنفاق ، فتنشرح أفئدتهم وتطرب آذانهم لذاك المديح كطفل صغير كافأته أمه بقطعة حلوى، ومن مدحك بما ليس فيك ذمك بما فيك، ويسارعون إلى إخراسهم إن هم تجاوزوا ما صار يعرف بالخطوط الحمراء لتعارضهم مع النهج المرسوم لتلك المنتديات، إما خشية من السيد الأعظم الذي يراقب كل كبيرة وصغيرة ، أو اتقاءً لغضبه الحقيقي أو المدرك. والويل لمن لا يمتثل للأوامر. فنستشعر أنهم يوجسون خيفة من كل رأي معارض، إذ يسارعون إلى تذكيرنا بكل سذاجة واستخفاف بذكاء المشاهد في عصر صار الطفل الصغير يعلّم أباه كيف يستعمل الحاسوب، والفتاة تعلم أمها البضاع ، بأن ذلك هو رأي المتصل بهم وليس رأيهم. ورب سائل ومتسائل عن هذا الخوف والتوجس ودور الرقابة فيه. ثم ينقطع الخط فجأة لعطل طارئ صادق أو مفتعل. وتلك أقدم حيلة في قاموس الإعلام المرئي والمسموع في البلدان المستنمية. فمعذرة لرداءة الخطوط هذه الليلة.
وهذه المنتديات البؤرية مدرسة قديمة في التأثير والإقناع. ولطالما استخدِمت في الدعاية في الحروب العالمية وطوال الحرب الباردة، وكذلك في الإعلان والترويج للبضائع والسلع التجارية في أسواق استهلاكية. وهي تتخذ الآن صيغة جديدة وحديثة في الإعلام الموجه، الذي يبدو في ظاهره حميداً يخدم مصالح الأمة، أو الفئات والجماعات المعنية، بنهج "تقدمي" حديث يستخدم آخر صرعات العصر والتقنيات في تقديم الخبر ومناقشة شؤون الساعة والاتجاهات السائدة في المجتمع، فيستمع إلى الآراء المختلفة والمتضاربة، بحجة الانفتاح على الآخر والعقلانية والخروج من العزلة الحضارية والثقافية وإعطاء صوت أجش مخنوق لمن لا صوت لهم وما إلى ذلك من أمور. ولكنه بالفعل يُغلف حبة الحنظل بالسكر ويموّه جرعة السم بالعسل. وهذه "الصَّبْلِمَانِيَّةُ" في الترويج اللاشعوري التي تقترن باستطلاعات الرأي التي وإن افتقرت إلى المنهجية العلمية والقيمة الإحصائية تؤدي إلى التطبيع والتهجين وإعادة ترتيب الأولويات وتغيير المواقف الجماعية والفردية، وتسهم إلى درجة كبيرة في تعزيز وترسيخ الأهداف والغايات التي يسعى الإعلام إلى تحقيقها.
وتبني خطاب معين ومصطلحاته وترجمتها إلى العربية جانب مهم من عملية غسل الأدمغة وتغيير المواقف. وقد كان التخبط واضحاً في البداية في استعمال عبارة (العمليات الاستشهادية) في مصادرها العربية من جهة و(العمليات الانتحارية) المنقولة في البداية عن مصادر إنجليزيـة (suicide operation). فكانت الفضائيات والأرضيات تستعمل الاستشهادية تارة ، والانتحارية طوراً، إلى أن تبدلت الأوجه الممثلة وتبلورت سياسة تحريرية (لا علاقة لها بتحرير الأرض) فرست على عبارة المنتصر في الحرب الحضارية الإعلامية، أي (العمليات الانتحارية)، بحجة أنّ ما على الرسول إلا البلاغ ... أما الأمين ، فهذه مسألة أخرى لا علاقة لها لا بالإعلام العربي عامة أو الترجمة الأمينة والصادقة على وجه الخصوص. والطريف في الأمر في الآونة الأخيرة أن إحدى الشبكات الأميركية اضطرت في إحدى نشراتها الإخبارية ، ولعلها كانت زلة لسان من مذيعين أصولهم باكستانية وهندية وأفغانية، إلى استعمال اللفظ العربي (استشهادي) على هذا النحـو (istish-hadi operation). ثم سرعان ما ذهبت هذه العبارة إلى حيث ألقت. وحالُ هذه العبارة حال أختها (الإرهاب) ، ففي البداية كان هناك بعض التردد في استعمالها في الإعلام العربي. ثم ما لبث أن صارت أمراً عادياً وعبارة يرددها المرددون، في حالة تعرف في علم النفس بـ (الخدر العاطفي)، بل ويبررونها بحجة التحضر والمدنية والعقلانية والإنسانية والانفتاح. والمضحك أن هذه المواقف التي تعبر عن مناهج فكرية ومناظير اجتماعية معينة تدعي التحضر والتقدم تتعارض وتتناقض مع نظم القيم الأخرى والممارسات الخلقية والاجتماعية التي يتبناه بعضهم في حياته اليومية، بين ديمقراطية وحرية وعدالة ومساواة ينادون بها ودكتاتورية وقمع وإرهاب يمارسونه في حياتهم الخاصة. فهم مثلاً ينبذون العنف من جهة، وهذا أمر يستحق الثناء، ويمارسون القمع والإرهاب في علاقاتهم مع زوجاتهم وأخواتهم وبناتهم من جهة أخرى، ويحرّمون عليهن ما يجيزون لأنفسهم. فترى في كل بيتٍ عربيٍ رجلاً متسلطاً صدامي النزعة يتحكم في رقاب العباد. فإن غاب رب البيت تبوأ سدة الحكم الابن الأكبر ، فإذا به نسخة مصغرة عن المتسلط الأكبر (mini me).
ومن الأمثلة الجديدة على الرقابة الذاتية لدى الإعلاميين العرب ، والتي يجرنا إليها الحديث عن الكبير والأكبر، المشروع الأميركي الجديد للمنطقة. وهو ما يعرف بالإنجليزية بـ (Greater Middle East Project)، أو كما تتناقله وسائل الإعلام العربية (مشروع الشرق الأوسط الكبير). ولا بد لنا هنا من السؤال لماذا لم تُترجم العبارة الإنجليزية على هذا النحو (مشروع الشرق الأوسط الأكبر). وهل كان هناك مانع يمنع من ذلك ، لاسيما وأن الإعلام العربي برمته مغرق في الحرفية العمياء والحمقاء لنصوص ومصادر أجنبية. فنحن نجد مثلاً بيروت الكبرى (Greater Beirut)، وعماّن الكبرى (Greater Amman)، ومانشستر الكبرى (Greater Manchester) ، ودولة إسرائيل الكبرى (Greater State of Israel). ولم يجد العرب حرجاً في ترجمتها على ذلك النحو، لا في ذروة الصراع ولا في أوج التطبيع. فلماذا إذاً لم يشأ المترجمون في تلك المؤسسات الإعلامية التي تقرأ الخبر لنا بصدق وتنقله بمصداقية ، أن يترجموا العبارة بـ (مشرع الشرق الأوسط الأكبر)؟ فلفظ (greater) يفيد المفاضلة ومنتهى الغاية، كما في (Greater London) وهي المدينة الرئيسة وضواحيها والمناطق التابعة لها، و(great) يفيد غاية المنتهى. والكبير عكس الصغير. فمتى كان الشرق الأوسط صغيراً ، وهو الأوسط (وإنْ مسافةً) بين شرقين؟
قد نجد الجواب عن هذا السؤال في المضامين الدينية لكلمة (أكبر) ، ولكن هذا الاحتمال بعيد جداً، ولعله تصيد في ماء عكر ، لا سيما في وسائل إعلام تتجاوز خطوطاً حمراء كثيرة، وتتجاذبها تيارات وتأثيرات داخلية وخارجية متناقضة ومختلفة. وقد يكون مرد ذلك عدم دراية المترجم بمعنى (greater)، وهذا مستبعد أيضاً. وقد يكون ذلك لسهولة اللفظ. وهذا جائز. ولكن يبقى هناك أمر محير. هل اختار المترجم أو رئيس التحرير هذا اللفظ تعرضاً وتغرضاً؟ فقد يكون للفظ (الأكبر) مضامين إيجابية، أو ربما مضامين سلبية (كالشيطان الأكبر). ولعل في هذا تجنباً لربط مفهوم الشرق الأوسط الأكبر بالشيطان الأكبر الذي كانت تطلقه الجمهورية الإسلامية الإيرانية على أميركا. مرغ ، مرغ أمريكا حتى جاءت أميركا بجحافلها لتمرغ أنوفنا في وحول الشرق الأوسط الأكبر.
لقد شغل المثقفين والإعلاميين العرب في الآونة الأخير مصطلح الجدار العازل والسور والسياج بين (fence) و (wall). فتارة هو الجدار العازل، ضماناً لحياد الإعلام العربي في نقل الخبر، على حد زعمهم ، وتارة هو جدار الفصل العنصري. والغريب في هذه الخيارات أن كلمة (fence) في اللغة الإنجليزية هي أشد سوءاً من الجدار. فالسياج في الإنجليزية (fence) غالباً ما يستعمل لمنع المواشي والدواب من الدخول إلى منطقة معينة أو لاحتوائها في حظيرة مسيجة ، نحو (fence off wild animals) و (fence in goats and sheep) أو لدرء خطر محتمل. والسياج كذلك ليس له صفة دائمة، فقد تهب عاصفة أو زوبعة فتهدمه أو تقتلعه من أساسه، أو يزيله صاحبه لزوال الحاجة إليه. أما الجدار فهو أصلب وأبقى من السياج. وإصرار العرب ، إعلاميين وسياسيين، على استعمال (جدار العزل) حياداً و(جدار الفصل العنصري) تشبيهاً له بجدار برلين ، يسقط هذه المعاني السلبية والزمنية التي يحملها لفظ (السياج) في الإنجليزية. فنجد من جهة جدار العزل لشعب فلسطاني. وهذا ليس خطأ مطبعياً. بل يُسمع من مذيعات في الفضائيات إما لعلة في نطقهن يتجاهلها القائمون على المدرسة الإعلامية العربية الجديدة، والغاية تبرر الوسيلة ، أو لغاية في نفس يعقوب ، فالفلسطاني عند بعضهم هو الفلسطيني القديم المقبلُ على الدنيا والمعرضُ عن الثقافة والحضارة والأدب (Philistine). ومن يقلّب بين القنوات الفضائية العربية والأميركية والبريطانية لا يرى فرقاً كبيراً في أولويات الإعلام أو في هيئته وشكله. فإن أخرستَ صوت التلفاز ، لم تجد فرقاً كبيراً لا في الألوان والأصباغ والديكور والأزياء. فرغم الأموال الطائلة التي تنفق على التخريجات اللامعة والديكورات الباهرة والبرامج الحاسوبية الجاهزة ، فإن نشرة الأحوال الجوية في إحدى الفضائيات العربية مثلاً تبدأ بحالة الطقس في أميركا وتنتهي بأستراليا، وتمر مرور الكرام ، أو كما يقول العامة ، رفعَ عتَبٍ، بالبلدان العربية. وتُقدم بلهجة محلية تطغى على الفصحى (وهي مذكر الأفصح، نحو الكبرى والأكبر ، والشرق الأوسط الأكبر والكبير، والأفصح هو الأجود لغةً وبيانًا. والعربيَّةُ الفصحى هي الخالصةُ السليمةُ من كل عيب ولا يخالطها لفظ عاميٌّ أو أعجميّ) ، فتحسبها من مدرسة غوار الطوشي وياسن بقوش. ولطالما تغنى العرب بقدرة العربية الفصيحة على إزالة الفوارق في اللهجات المحلية. ولكن الناس في هذا الزمن مناظر لا محابر.
لقد جرت العادة عند الأستراليين على توظيف مذيعات شُقْر ذوات عيون زرقاء لعقدة نفسية عندهم. ولا يبتعد الإعلام العربي كثيراً عن هذه العقدة النفسية المتأصلة في وجدان القائمين على الإعلام، لإظهاره بمظهر يروق للمشاهدين.ولعل تحديث المناهج ينبغي أن يبدأ بتعديلٍ للمعلقات السبع وتبديلٍ لقصيدة امرئ القيس خاصة، "وبيضاء غير ...". أما المشاهدات اللواتي يرمن ذلك فحِساً ولا أنيسَ.
ولكنك تجد فرقاً كبيراً في فظاعة الصور والمشاهد. وهنا تشترك الفضائيات العربية مع زميلاتها اللاتينية، بل تتفوق عليها وعلى بلدان جنوب أميركا، حيث لا قيمة للإنسان، وحيث الموت والجوع والبؤس أمر طبيعي وحدث يومي، لدى السواد بل السمار الأعظم من الناس.
لا شك أن مقاييس الرقابة في الإعلام المرئي والمسموع والمطبوع تختلف من بلد إلى بلد حتى في البلدان الغربية، وتتغير من زمن إلى زمن، ففي بريطانيا مثلاً ، يجوز للمرأة أن تُظهر عُريها على شاشات التلفاز العام من دبر وقُدام ولكن عورة الرجل ممنوعة من الأمام، أو كذا كانت منذ عقد من الزمان. أما في أستراليا فالعكس صحيح. وفي أميركا أحدث ثدي مغنية "يهب الحياة للأطفال" ضجة كبرى (لا كبيرة) لظهوره لثوان معدوات أمام الناس وعلى شاشات التلفاز. وفي العالم العربي، ورغم الخلاعة والانحطاط الخلقي في شرائح كثيرة من المجتمع المترنح، والتقليد السطحي المتفشي في الأرضيات والفضائيات وما بينها، والانفصام في العلاقات الاجتماعية والخلل في الروابط العاطفية والجنسية، وآنية الوجود والحياة، والبون الشاسع بين الوجه العام والوجه الخاص للفرد، فإن القبلة ومظاهر الحب والحنان ما تزال محرمة في الإعلام. أما مشاهد الموت والدمار والأوصال المقطعة والأشلاء المتناثرة والدم والموتى الذين ينزف الدم من عيونهم وأفواههم وهم يشيعون ويسجَّون ويُحال التراب عليهم ويوارون الثرى، صورةً صورة وإطاراً إطاراً ، فهي جائزة تدخل كل بيت ويراها كل طفل دون إنذار. أمارات الحب تبقى وراء الكواليس وتحت المناضد وفي بطون الكتب وفي خلوات الإنترنت، وتخضع لسطوة مقص الرقيب. أما العنف فلا شبع منه ولا ارتواء. ثم يسألونك عن الإرهاب وأسبابه!
----------
جميع حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف 2004
________________
[1] أَغْرَبَ يُغْرِبُ إغْراباً : أتَى الغَرْبَ.
[2] Phillipson, R (2003). Linguistic Imperialism. Oxford University Press: Oxford.
[3] مفردها الزلم. السهمُ الذي لا ريش فيه، وكان أهل الجاهلية يستقسمون بالأزلامِ، يكتبون عليها الأمرَ أو النهي، ويضعونها في وعاء، فإذا أراد أحدهم أمراً أدخل يده فيه وأخرج سهماً، فإن خرج ما فيه الأمر مضى لقصده، وإن خرج ما فيه النهيُ كفّ . والزلمة في العامية الراجل ويُراد بِه الرَّجُل أيضًا. وأصلها الهيئة.
[4] Brown, JAC (1963). Techniques of Persuasion. From Propaganda to Brainwashing. Pelican: London.
-----------------------------------------
* علي درويش : أستاذ الترجمة والتواصل التقني في جامعات ملبورن ـ أستراليا، ومؤلف وكاتب تقني.
مصدر المقال : صحيفة المناخ ( صحيفة استرالية بالعربية ) :

http://www.al-manac.com/kutta_almanac/azamat%20altarjama.htm

 
فوضى المستندات الرسمية عند العرب ومشكلات ترجمتها إلى اللغات الأجنبية - علي درويش طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب صوت العربية   
الجمعة, 04 يوليو 2008 16:35

يُقاس التقدم عند الأمم في بعض نواحيه بمقدار تنظيمها الإداري ونظم توثيق المعلومات فيها، لا سيما فيما يتعلق بالأحوال الشخصية والمستندات والوثائق الرسمية. ولقد حملت الإدارة الأميركية على العراق في مجمل ادعاءاتها ومزاعمها ، عقب تسليم الحكومة العراقية مجلس الأمن تقريرها حول أسلحة الدمار الشامل وقبيل الهجمة على بغداد ، أنه بلد يمتلك نظاماً محكماً في توثيق المستندات والوثائق الرسمية، ولا يمكن القبول بزعم الحكومة العراقية أنها لم توثق عمليات التخلص من الأسلحة المحظورة.
ومن يعمل في مجال ترجمة المستندات الرسمية من جوازات سفر وبطاقات هوية ووثائق زواج ورخص قيادة وشهادات ميلاد ووثائق أخرى تتعلق بالأحوال الشخصية والمدنية للمواطنين العرب يدرك تماماً عدم دقة هذا الإدعاء في جوانب كثيرة من التنظيم الإداري والتوثيق في البلدان العربية. فما نصادفه، نحن المترجمين، يومياً من فوضى في توثيق المستندات والمعلومات المهمة فيما يتعلق بالمواطنين وشؤونهم الحياتية يثبت أن الدول العربية باستثناء واحدة أو اثنتين ، تغرق في فوض عارمة مذهلة وجهل مطبق من حيث توثيق المعلومات وضبطها ، على الرغم من النظم البيروقراطية والسلطوية والاستبدادية والقمعية في معظمها، والتي لا تترك مجالاً للمواطنين للتنفس بحرية والعيش بكرامة. ولا غرو أن تختلط الأسماء ويقع العرب ضحية الشبهات في الغرب. فتجد مثلاً محل الولادة في وثيقة ميلاد من مصر أو السودان هو مستشفى الولادة أو المركز الطبي الإنجيلي بدلاً من المدينة أو القرية. وتجد كذلك المسؤولين في دوائر الأحوال الشخصية والنفوس في كثير من الدول العربية يجهلون الفرق بين الجنس والجنسية. فتجد جنس أحدهم في وثيقة ميلاد هو سوري أو كويتي أو سعودي أو مصري ، على سبيل المثال لا الحصر، بدلاً من ذكر أو أنثى. وتتلمس من ترك هذا الحيز فارغاً أحياناً أن مأمور النفوس أو منظم الوثيقة لم يعرف الفرق ، بين المفردتين لا الجنسين ، فهو بالطبع أدرى بالفرق والتفريق والتمييز والفرز والعزل بينهما. فتحسبه ترك الحيز فارغاً تجنباً للحرج. ومع دخول الحاسوب تلك الدوائر الرسمية ، أدرك بعضهم هذا الالتباس ، فاعتمدوا (النــوع) بدلاً من (الجنــس). فما هو نوعك وما هو طرازك؟ ولعل (النوع) ترجمة غريبة عجيبة لكلمة (gender).
ورغم التشديد على الاسم الثلاثي في الدول العربية ، ورغم لجوء السلطات إلى التأكد من هوية الأفراد بالتأكد من اسم الأم، فالأغرب من ذلك كله اختلاف شهرة أفراد العائلة الواحدة من فرد إلى آخر، كل بحسب اسم الأب والجد وجد الجد إلى أن تصل إلى أرومة القبيلة أو العشيرة. فذاك مثلاً ، أحمد محمد حسن وأبوه محمد حسن أحمد ، وجده أحمد محمد حسن. وهكذا دواليك حتى تختلط الأمور وتضيع الطاسة كما يقولون بالعامية اللبنانية.

 ولعل من أشد الأمور إيلاماً شهادة تقدير العمر (أو التسنين) التي لا تُظهر جهل القائمين على تنظيم تلك الوثائق وغياب النظم الإدارية الضابطة فحسب ، بل جهل الشعوب التي ما تزال ترزح تحت وطأة التخلف والأمية في مطلع القرن الحادي والعشرين . فبينما ينعم المواطن الغربي بالحرية والديمقراطية ورغد العيش يتم تقدير عمر المواطنين في بعض الدول العربية كالبعير أو البقر أو بالتأكد من أسنانهم، إن كانت ما تزال في أفواههم لغياب العناية الطبية وانعدام العادات الصحية السليمة أو سقطت منها نحت وطأة الضرب والتعذيب والتنكيل. ويرى الطبيب أن تاريخ ميلاد المذكور أعلاه هو 1 / 1/ -- (أول يناير سنة ألف وتسعمائة و ---). فلقد ولدتهم أمهاتهم جميعاً في اليوم الأول من الشهر الأول أو في اليوم السابع من الشهر السابع. وجاء من أقصى القرية مختار يسعى لتسجيل مواليد قريته دفعةً واحدةً فكأن زيارة دائرة النفوس والأحوال الشخصية موسمية كرحلة الشتاء والصيف.
وتتنافس الدول العربية وتتبارى في نظم التقويم والتأريخ بين تقويم ميلادي وهجري وليبي ومصري قديم فتنشأ حالة من الازدواجية التأريخية في المستندات الرسمية. فكأننا نعيش في كوكب آخر لا يعير انتباهاً للمعايير والمقاييس المتبعة بين الأمم والشعوب ووظيفة التقويم في تنظيم شؤون الحياة وتوثيق البيانات ، فإن أهمل منظم الوثيقة ذكر التقويم الميلادي اضطر المترجم إلى اللجوء إلى برامج الحاسوب المتوافرة على شبكة الإنترنت التي تخطئ حيناً وتصيب أحياناً . وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا .
ولا شك أن هناك حالةً من الاستهتار تعم الدوائر الرسمية ومراكز الأحوال الشخصية ، تتجلى جزئياتها في رداءة الخط المستخدم في تدوين بيانات أصحاب العلاقة . فلا يعرفُ فكَّ رموز ذاك الخط الرديء سوى المشتغلين في تلك الدوائر الرسمية، إذ يتخذ بعض الكلمات أشكالاً هيروغليفية تحتاج إلى خبراء متخصصين في تحليل المخطوطات الأثرية ، أو تفقد معالمها كلياً فتكون أقرب إلى التوقيع من الكتابة المقروءة في مستندات من المفروض أن تحمل بيانات واضحة بكل بداهة ويسر. ولكن هؤلاء العضارطة لا يعرفون أن معنى كلمة بيانات هو البيان أي الإيضاح والإفصاح. فيُعمِلون في التمويه والتعتيم . ولعل السبب في ذلك هو ضعفهم في الإملاء فـ"يمغمغون" ويغمغمون خطوطهم لتصبح مجرد شكل لا معالم له. ويبالغون في استعمال الأختام والتواقيع إثباتا لسلطتهم وإرضاءً لغرورهم وأناهم التي تتعاظم مع كل ختم وتوقيع . فتجد المصادقات التسلسلية من مختار الضيعة وختمه ومأمور النفوس وختمه ورئيس الدائرة وختمه وهكذا دواليك حتى تختفي البيانات ، التي تكون مغلوطة أحيانًا، تحت وطأة الأختام والتواقيع. فإن كنت تترجم من نسخة مصورة مصادقة فأمرك إلى رب العباد.
ورغم الفوضى العارمة هناك أمران لا يخطئ فيهما مسؤول أو مأمور: الجنسية والدين، حتى عندما لا يكون هناك حيز مخصص في الوثيقة لهما. وما عدا ذلك فهو مباح للفوضى والاستهتار والإسقاط. فتلك رخصة قيادة أو سوق أو سياقة ، أو سمها ما شئت حسب البلد الذي تصدر تلك الوثيقة منه ، يتبرع منظمها بتدوين جنسية حاملها في ركن من أركانها، دون أن يكون فيها حقل أو حيز لها. ثم تجد شهادات جامعية من المفترض أنها صدرت عن مراكز العلم والمعرفة تفتقر إلى الدقة والوضوح. فتلك شهادة صادرة عن كلية الحقوق ، والتي من شأنها أن تحرص على القوانين ، تشير إلى صاحبتها بصيغة المذكر من أول النص إلى آخره، لا مساواة لها بالذكر ، وإنْ شكلياً ، على طريقة الشمولية في اللغة الإنجليزية، بل لأن كاتب الوثيقة لم يكلف نفسه عناء التأكد والتحقق من جنسها.
ويمكنك أن تترسم التحولات السياسية والإدارية في البلد الواحد من خلال أسماء الوزارات والدوائر الحكومية التي تتغير من حقبة إلى أخرى. وكذلك اختلاف أسماء الدوائر الرسمية والوثائق من ولاية أو محافظة أو منطقة إلى أخرى. وترى التخبط في جهات الاختصاص والإصدارات المشتركة في البلد الواحد، فتصدر وثائق الميلاد تارة عن وزارة الداخلية ووزارة الصحة معاً ، أو وزارة الصحة والسكان ووزارة الداخلية معاً. وتارة عن وزارة المالية والاقتصاد ، وطوراً عن وزارة الصحة الاتحادية ، وهلم جرا.
وما يزيد في الدف نقراً الترجمات الرسمية المغلوطة الإنجليزية لأسماء الدوائر والأقسام ، فتجد في وثيقة ميلاد مثلاً ، المركز القومي للمعلومات الصحية وبجانبه (National Center for Health Formation) بدلاً من (National Center for Health Information). هذا العيب في وثيقة رسمية تمثل وجه الدولة الحضاري. فإذا كانت الغاية مِن ذكر الاسم بالإنجليزية هي التواصل مع الدوائر الرسمية الأجنبية وغيرها، فإن وجود هذا الخطأ وغيره لا يسعف أحداً، بل يظهر مدى الجهل عند القائمين على تلك الشؤون. ولكن لا أحد يدري ما يجري.
والمحزن في ذلك كله ، أن المواطنين يَقبلون بتلك الوثائق المغلوطة صاغرين خائفين عاجزين عن مناقشة أو مراجعة مأمور "مويظف صوغير"، جاهل متسلط يمثل السلطة. فأين هم المسؤولون وماذا يعملون؟
إن تقدم الأمم يُقاس كذلك بمقدار تكريمها لمواطنيها وأبطالها ومبدعيها في حياتهم ومماتهم ونبذها للنظم البالية والعفن الاجتماعي والوخم الإداري القائم على المحسوبيات العشائرية والقبلية والتقسيمات الطائفية والمذهبية والعرقية التي تسيطر على عقولهم وتُمرض قلوبهم. ومن المذهل أن الذين يدعون ، رغم هذا الانحطاط كله ، أن العرب لا يقدمون جديداً ولا يسهمون في الحضارة والتقدم يعجزون عن الإحاطة بمنجزات أبناء جلدتهم أو يستخفون بها لعدم مقدرتهم على استيعابها وتقدير أهميتها. بل يتجاهلون أن إنجازات الغرب لا تتحقق في معظمها إلا بجهود وطاقات باحثين ومبدعين مهاجرين ومستبعدين عن أوطانهم في بيئات توافر لهم الأجواء المناسبة والفرص الملائمة للإبداع والابتكار، سواء أكان أولئك من أبناء وبنات الدول العربية أو الدول المستنمية الأخرى، التي تفقد خيرة عقولها بسبب نظمها البالية التي تعيق تطور المرء في بيئته الطبيعية.
لقد قدم الفريق سعد الدين الشاذلي ، رئيس الأركان الأسبق في الجيش المصري ، خطةً عمليةً في إعداد الجيش المصري لحرب رمضان المبارك عام 1973 في أقل من سنة . ومما يذهل المرء أن العرب لا يستفيدون من نهج ذاك العبقري الفذ في برامج لمحو الأمية ورفع الجهل عن عقول السواد الأعظم من العرب – الجهل الذي يتجلى في فوضى الوثائق الرسمية والسجلات المدنية ، فبإمكان المرء أن يكتب ملامح المعايير الإدارية لامة بأكملها من خلال دراسة مستنداتها ونظم توثيقها – ولا يوظفون نهجه في إعداد المواطنين للأغراض السلمية والحضارية والمعرفية والإعمار ، لينهضوا بالأمة والوطن إلى مصاف الشعوب الراقية .
وفي تعارض صارخ مع هذا الوضع الحزين ، راح الجنرال الأميركي نورمان شوارتسكوف ، عقب حرب الخليج الأولى وتحرير الكويت، يسوّق نهجه العسكري في الجامعات والمحافل الإدارية والمؤسسات الخاصة والعامة بوصفه نهجاً يمكن الاقتداء به في المجالات السلمية والنظم الإدارية. ومن العجب أن العرب لا يرون في عبقرية ذاك الرجل ، أي الفريق الشاذلي، ونهجه ما يعود عليهم بالنفع والخير والتقدم. ولعل من الأجدر بالفريق أن يكتب كتاباً باللغة الإنجليزية يصف فيه التطبيقات السلمية لنهجه ، فيتبناه الغرب ، ليصبح مرجعاً معتمداً لا في المجالات العسكرية فحسب بل في المجالات المدنية والسلمية، أو أن ينشره باسم أجنبي ، فلعل العرب المنبهرين بكل ما هو أجنبي ، يترجمونه إلى العربية ويشرعون في تطبيق بعض نواحيه في شؤونهم وأمورهم، لا سيما في تدريب الموظفين في دوائر الأحوال الشخصية.
إنّ مشكلة الوثائق الرسمية العربية وترجمتها إلى اللغات الأجنبية تكشف عيوباً ضاربة في عمق المجتمع العربي والنظم الإدارية التي تتحكم فيه وفي مصائر الشعوب والمواطنين. وهي أول السيل ، أو أنْ رَاقَ لكم ، رأس جبل الجليد . وإحدى السبل إلى معالجة هذا الجانب المعيب من الآلية الإدارية هي توحيد الوثائق والمستندات الرسمية عبر الأقطار والبلدان العربية ، أسوة بأوروبا والبلدان المتحضرة، إن لم يكن في الشكل ، فبالتفاصيل وطرائق التوثيق والمصطلحات ، وتوحيد أسماء الوزارات والدوائر والمحاكم والشهادات والألقاب والرتب وما إليها. أفما آن الأوان للعرب أن يستفيقوا من غياهب الجهل واللحاق بركب الحضارة والتكنولوجيا واستخداماتها في توثيق المستندات الرسمية؟
________________
* علي درويش : أستاذ الترجمة والتواصل التقني في جامعات ملبورن ـ أستراليا، ومؤلف وكاتب تقني.
مصدر المقال : صحيفة المناخ ( صحيفة استرالية بالعربية ) :
http://www.al-manac.com/kutta_almanac/Fawda%20al%20mustanadat.htm

 
الإنـترنـت وأدب الاســتبـاحـة: أثــرهما في توثيق المعـــارف المترجمـة إلى العربية فـي عصـر العولـمـة والمسكـنة - علي درويش طباعة إرسال إلى صديق
تقييم المستخدمين: / 1
سيئجيد 
الكاتب صوت العربية   
الجمعة, 04 يوليو 2008 16:34

يشهد العقد الأول من القرن الحادي والعشرين تطوراً مطرداً في تقنيات المعلومات والاتصالات، ويتزايد الاعتماد بشكل كبير على شبكة الإنترنت في أنحاء كثيرة من العالم كمصدر رئيسٍ للمعلومات الحية والمباشرة والمهمة، فيما أصبح يعرف إجمالاً بعصر العولمة من جهة والمسكنة من جهة أخرى. إذ يقوم التواصل في هذا العصر بشكل أساسٍ على شبكات الاتصالات الساتلية[1] واللاسلكية والفضائيات التلفازية والإنترنت، لنشر المعارف والعلوم وآخر مستجدات العصر ، حيثما كان جهاز حاسوب أو هاتفٌ نقال، وصارت عبارة (القرية العالمية) تطلق مجازاً وجزافاً على الكرة الأرضية ، فيرددها المرددون ، لا سيما المترجمون ، نظراً لتقلص الرقعة الجغرافية وانهيار الحدود والحواجز والسدود المصطنعة أو يكاد بين الدول والشعوب والأمم. ولم يعد تبادل المعلومات والفِكَرِ والمعارف أمراً يقتصر على النخب ، بل أضحى في متناول الجميع ، أينما توافر خط اتصال.
بيد أن هذا الانفتاح التواصلي بين البشر يصاحبه انهيار عالمي ملحوظ في المعايير والمقاييس الفكرية والاجتماعية والإدارية وتردٍ في مستويات الأداء والإنتاج والعمل وغيرها ، في حالة يمكن وصفها (لا توصيفها ، كما يحلو لبعضهم أن يقول)[2] بعصر المسكنة، أو كما يقول المثلُ اللبناني (خُد إيدك والحقني). إذ يندر اليوم من يسعى إلى إنجاز عمل أو إنتاج منتج يتسم بالجودة والكمال. فمعظم المنخرطين في الأعمال والتصنيع والتجارة وما إليها من أنشطة لا يعير انتباهاً إلا لمقدار الربح الذي قد يجنيه من عمله والفائدة المادية والمعنوية الآنية التي قد تعود عليه من مجرد الخوض مع الخائضين والقول مع القائلين. فتجد أصحاب الشأن أينما وجدوا منهمكين في التظاهر بأنهم يعملون وهم لا يعملون ، أو منشغلين في مهنة التظاهر بالقيام بالمهنة، في سوق استهلاكية تستهلك الجهد والمال والمستقبل . فيصبح لكل أمر أجلٌ مسمى وصلاحية محدودةٌ تنتهي بإصدار منتج جديد أو نسخة مجددة ، سواء أكان ذلك برنامج حاسوب أو مكنسة كهربائية أو قطعة غيار في محرك سيارة ، وهكذا دواليك. فقد انقضى عهد الجودة وولى زمن البحث عن الكمال ، في أواخر التسعينات ، الذي كان من دوافعه وحوافزه الالتزام بمعايير منظمة المقاييس الدولية بغية الحصول على الأعمال الكبيرة من الحكومات والمؤسسات الرسمية والخاصة. فتجد الشركات الكبرى والصغرى وما بينها تقلص أعداد الموظفين وتسرح العاملين وتبقي على الأغبياء والعاطلين والمنتفعين والمتملقين وضروب أخرى من الطفيليات ، في عمليات تحجيم تقليصي وتحجيم مناسب ، وإعادة التنظيم والهيكلية وغيرها من المصطلحات والتعابير المبهرجة التي يبدعها المبدعون في الإدارة والأعمال.

 وهكذا يزداد اليوم، بعدما ثَبِطَت الهممُ وفترت العزائم ، التركيزُ في البلدان النامية بل المستنمية ، التي تدور في فلك التبعية والتقليد ، على المؤهلات الشكلية والأوراق الفارغة من أي محتوى فكري أو علمي ، وذلك كصِمَامِ أمان في حال انفجار الوضع في وجه أرباب العمل ومن يقوم بتوظيف هؤلاء الناس ، الذين إن تلقوا العلم في الخارج على أيدي محاضرين من الدرجة العاشرة وربما الخمسين في الأغلب ، في جامعات ومعاهد هَمُّها الأوحد تحقيقُ مكاسبَ ماديةٍ باجتذاب أكبر عدد ممكن من الطلاب الأجانب ، أو في أوطانهم من أساتذة ومعلمين مستلبين فكرياً واجتماعياً ومنبطحين ثقافياً ومنبهرين حضارياً، ولا يعرفون سوى ترداد ما تعلموه من هؤلاء القيمين على تعليمهم وتثقفيهم وإعدادهم للريادة والقيادة والتبعية ، فاعتنقوه مذهباً واتخذوه منهجاً فلا يعرفون غيره ولا يحيدون عنه ولا يكلفون أنفسهم عناء البحث والتنقيب ومشقة الإحاطة بتراثهم الفكري والحضاري واللغوي، في حالة أقرب ما تكون إلى الاستغراب والاستلاب والإنكار من أي شيء آخر.
ومع سهولة النشر الإلكتروني وانهيار المعايير اللغوية والفكرية والقيم الاجتماعية والنفسية ، يواجه المرء غزارةً في الإنتاج وضحالةً في المادة الفكرية والإبداعية واجتراراً للمفاهيم والمناهج ، بصيغ وحلل جديدة وأسماء مستحدثة . وتصبح الإنترنت بلا مبالغة مزبلة يكثر غثها ويقل سمينها. وهنا الأمر الجلل. ففي ظل هذه الأوضاع ، تتخذ الترجمة في البلدان النامية أو المستنمية طابعاً جديداً يعتمد اعتماداً كلياً أو يكاد على مصادر مختلفة من الإنترنت مشكوك في صحتها أحياناً ومفتقرة إلى التوثيق والتدقيق في أغلب الأحيان، إما لاقتباس النصوص كما هي ، قصاً ولصقاً وبصقاً ، وادعاء ملكيتها الفكرية ، بلا وازع أو رادع ، أو لتوثيق ترجمات من مواقع ومصادر أٌخرى، فيما يمكن تسميته بأدب الاستباحة. وهي ظاهرة قديمة جديدة مستفحلة في الترجمة والنقل والعمل اللغوي والفكري . ومن يستبحْ كنزاً من المجدِ يَعظُمِ. ولكن ليس هناك مجدٌ أو شرفٌ في استباحة النتاج الفكري للناس ، وانتهاك نتاجهم الإبداعي ، مهما يكن أمره وشأنه ومصدره ، سواء أكان ذلك من الإنترنت أو من كتاب مطبوع بلغة أخرى، أو رسالة أو بحث أو أطروحة لطالب أو متخصص في جامعة من الجامعات.
وكما أسلفنا فلا شك أن الإنترنت قد قلصت رقعة التواصل بين البشر، وكسرت كذلك احتكار دور النشر أمام المؤلفين والباحثين. فقد كان النشر الورقي التقليدي وما يزال حكراً على مجموعة لها اتصالاتها وعلاقاتها ومحسوبياتها لدى تلك الدور ، وتحت رحمة رؤساء تحرير عضارطة، يخافون كل جيد ، ويخشون كل جديد ، وعبثية المراجعين الأقران. ولكنها في الوقت ذاته فتحت الباب على مصراعيه بل خلعته من مفاصله وأرخت العِنان لكل من هبَّ ودبَّ وشبَّ عن الطوق لينشر ما شاء نشره على صفحات الإنترنت، في منتديات ومقاهٍ وبوابات وجمعيات وإسطبلات إبداعية وفكرية. و"هذه الصفحة مازالت تحت الإنشاء. تفضل بزيارتنا قريباً"[3] . ولم لا ونحن في عصر العولمة والحرية والديمقراطية المعلبة، بل زمن الضعة والمسكنة والواقع الافتراضي؟
من الواضح أن جمهرة كبيرة من المترجمين والمؤلفين والباحثين والإعلاميين العرب ، الذين لا تعجزهم لغات العالم أجمع ، فيقفون صاغرين عاجزين أمام مفعولٍ منصوبٍ وفاعلٍ مرفوعٍ وممنوعٍ من الصرف يُصرف في سوق الاستلاب اللغوي والنخاسة الفكرية، يعتمدون اعتماداً صارخاً على شبكة الإنترنت لتقصي المعلومات ونقلها إلى اللغة العربية، إما من مصادر أجنبية يقومون هم أنفسهم بترجمتها وتعريبها ، بأساليب وطرائق غريبة عجيبة ، أو من مصادر مترجمة جاهزة، لا تخلو هي الأخرى من العيب والخلل. فيتكرر العيب ويصبح الشائنُ والخطأُ هو الصواب ، وذلك لكثرة ترداده وتَكراره واجتراره. ويمتزج الجهل بالغرور والغطرسة والعجرفة والصلف، وحب الذات والنرجسية والأنا الكبرى. فلو كان الواحد منهم شكولاتة ، كما يقول الاسكتلنديون ، لأكل نفسه، من حبه لذاته.
لقد كان للتوثيق في ذروة حركة النقل والتعريب في عصور القوة الأدبية والفكرية عند العرب مركز محوري في عملية التأكد من المعلومات المتناقلة في اللغة الواحدة والمعارف المنقولة من اللغات الأخرى إلى العربية. فكان العرب أول من أبدع فن الإسناد والإسناد المتسلسل أو المعنعن، واعتمدوه في تدوين السنة الشريفة . والعنعنة اصطلاحاً هي إسناد الكلام إلى صاحبه بأن يُذكر لفظ "عن"، ولو مرة واحدة في السند. أما المترجمون فقد اعتمدوا منهجية ثابتة في تخريج الكتب المترجمة إلى العربية. "وانتقل العلم من الرواية إلى الدراية ، ومن الترجمة إلى التأليف ، ومن النقل إلى الاجتهاد والبحث والاستقصاء، وازدهر الإنتاج العقلي في أرجاء العالم الإسلامي ... فالعرب في الواقع هم الذين ابتدعوا طريقة البحث العلمي الحق القائم على التجربة ، فعندهم فقط بدأ البحث الدائب الذي يمكن الاعتماد عليه ، يتدرج من الجزئيات إلى الكليات ، وأصبح منهج الاستنتاج هو الطريقة العلمية السليمة للباحثين"[4].
وفي هذا الصدد ، يقول لاندو: "ولعل مما يسر أمر الترجمة ، مرونة اللغة العربية ، وثراء لفظها ومعانيها وكثرة مترادفاتها وقدرتها على التعبير، ولما كان الأدب العربي غنياً بتعابيره، فقد أمكن له أن يصف أدق الحالات"[5]. ولكن هذه المزية تغيب عن بال المستلبين من العرب اليوم ، فيبررون لمن يعانون نقصاً في المفردات وعجزاً في التعبير ووهناً في المنطق اللغوي وضعفاً في المعرفة ، بأن ذلك أمر طبيعي ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. بل يتهجمون على اللغة ويتهمونها بالترهل والتخلف. ويطالبون بتبسيط اللغة وحصرها في مفردات معدودة. ويغيب عن بالهم أن وضوح الفكر يقتضي وضوح الكلام ووضوح الكلام شرط من شروط وضوح الفكر وسلامة المنطق إنْ قلّت أو كثرت مفردات المرء وألفاظه. ويكثر الخلل والعيب والاعتلال فنسمع مثلاً عن عُنـَــاز[6] الطيور:"وفاة ثالثِ حالة مرض أنفلونزا الطيور في تايلاند." فبالله عليكم كيف تموت الحالة إن لم يكن موتها موتاً مجازياً؟ تلك هي حال أولئك الناس الذين ضربت عليهم المسكنة في عصر الانحطاط الثاني.
__________________________
[1] الساتل: هو التابع ، وستل الدمع تتابع دمعة إثر أخرى، وهو هنا القمر الاصطناعي.
[2] التوصيف : نعتُ الشيء بما فيها أو بما ليس فيه ؛ إضفاءُ صفة معينة على الشيء ، نحو: رَفَضَ وَزِيرُ الإعْلامِ تَوْصِيْفَ الاجتماعِ بأنه فاشلٌ. مترجمة عن الإنجليزية (characterize)، على نسق توظيف. من الفعل: وَصَّفَ يَوصِّفُ توصيفًا ، وهو شاذ وزائد ومتكلف ولم تثبته المعاجم. ووَصَّفَ على زنة المبالغة والتضعيف فَعَّلَ كوظّفَ . ويرى مجمع اللغة العربية أن التضعيف في وَصّفَ مقصود به التفصيل الدقيق (الكثير)، ولا يرى مانعاً من استعمال التوصيف بهذا المعنى. ولكن الاستعمال الجاري لـ "توصيف" لا يفيد التفصيل الدقيق، بل مجرد الوصف. فعلام التكلف؟
[3] هذه ترجمة للجملة الإنجليزية (This page is under construction…). ونرى فيها تأثير الحرفية في ترجمة حرف الجر الإنجليزي (under). وهنا يكمن الخلل في العربية. فالتعبير السليم في العربية هو (قيد الإنشاء) وليس (تحت الإنشاء) ، فإذا أنت أنشأت الشيء أوجدته ورفعته ، فكيف يكون الشيء المرفوع تحت الإنشاء؟
[4] المصدر نفسه. ص 314.
[5] المصدر نفسه.
[6] من الأمور المضحكة المبكية أن العرب اليوم ، مترجمين وإعلاميين ومؤلفين وباحثين وغيرهم ، يفتقرون إلى المعرفة المصطلحية فيؤثرون اقتراض المصطلحات الأجنبية جملة وتفصيلاً . فمنهم من يمهر في لفظها كما هي ، ومنهم من يخرجها عن لفظها الأصلي بصورة هزيلة كما هي الحال بالنسبة إلى أنفلونزا . فنجد معظم العرب الذين يستخدمون هذا اللفظ ينطقونه أنفي الونزا ، وذلك بسبب اضطرارهم بحكم طبيعة اللغة العربية التي لا مفر منها ومن نظامها الصوتي ، مهما تكن شدة الاقتراض والاستلاب ، إلى منع التقاء الساكنين ، أو ما يعرف في اللسانيات بـ epenthesis. وهو إدخال حرف علة بين ساكنين. أفليس من الأجدر إذاً استعمال لفظ عُنَـاز المشتق من عنزة ، على زنة فُعال كزُكام وجُذام وغيرها ؟ ذلك أن أصل (influenza) عربي ، وهو كما أخبرنا الدكتور صبري القباني منذ عقود خلت ، أنف العنزة ، وذلك لسيلان أنف المصاب كسيلان أنف العنزة. وعندما سمعها الأعاجم شوهوا لفظها لعدم قدرتهم على النطق العربي السليم ، فصارت (أنفو لونزا)، كما ينطق الأجانب اليوم اسم (علي) كـ (ألي). ولكننا نفتقر إلى الجرأة اللغوية والثقة والالتزام بلغتنا ونرضى بالضعة والمسكنة . فتباً لنا.
---------------
* علي درويش : أستاذ الترجمة والتواصل التقني في جامعات ملبورن ـ أستراليا، ومؤلف وكاتب تقني.
مصدر المقال : صحيفة المناخ ( صحيفة استرالية بالعربية ) :
http://www.al-manac.com/kutta_almanac/Alinternet%20wa%20adab.htm

 
مسيرة الحضارة العربية الإسلامية من الاقتباس إلى الأصالة والإبداع والعالمية - أ. د. أحمد إياد الشطي / أ. د. برهان العابد طباعة إرسال إلى صديق
تقييم المستخدمين: / 3
سيئجيد 
الكاتب صوت العربية   
الجمعة, 04 يوليو 2008 16:32

مرت الحضارة العربية الإسلامية بمراحل ثلاث قبل أن تنضج وتبدع وتسهم في بناء حضارة الإنسان أولها مرحلة الترجمة والاقتباس والتمثل التي دامت طوال العصر العباسي الأول وتلتها مرحلة الإبداع والخلق (1) أما المرحلة الثالثة فكانت حقبة العالمية حين أخذ الغرب ينقل إلى لغاته العلوم التي حصلها العرب والتي أبدعوها .
ففي العصر الأموي بدأت حركة ترجمة فردية محددة على يد الأمير خالد بن يزيد الذي دعا بعض علماء مدرسة الإسكندرية إلى دمشق لكي ينقلوا له بعض كتب الإغريق في الطب والفلك والكيمياء ويقول ابن خلكان: كان خالد عالما بالطب والكيمياء وكتب في هذين العلمين وتعلم الصنعة من الراهب اليوناني (مريانوس) . ويؤكد صاحب الفهرست بأن هذه الترجمات هي الأولى من أية لغة منذ ظهور الإسلام (2).
ثم أمر الخليفة عمر بن العزيز بترجمة كتاب طبي من السريانية هو كناش (أهارون) لضرورات عملية بحتة. وبعد نصف قرن استؤنف هذا العمل على نطاق أوسع وأعم جعل من القرن التاسع عصرا فريدا من نوعه في تاريخ الإنسانية.
ففي نهاية القرن الثامن الميلادي لم يكن بحوزة العرب من الثروة العلمية إلا ترجمة لموسوعة طبية وكتب فلكية ولكن لم ينته القرن التاسع إلا وقد تمثلوا كل علوم اليونان وأصبح لديهم علماء من الطراز الأول. فقد تعرفوا على مدرسة جنديسابور التي لعبت الدور الرئيسي في الحركة العلمية التي كانت بغداد مسرحها كما زودتها بخميرة حركت العالم الإسلامي برمته (3).
كان مرض المنصور واستدعاء الأطباء من جنديسابور على رأسهم جرجس بن جبرائيل الشرارة التي إضاءات مشعل عصر نقل العلوم اليونانية والهندية والفارسية والسريانية والقبطية إلى اللغة العربية. فقد أمر المنصور طبية بترجمة بعض الكتب الإغريقية في الطب والفلك والتنجيم ثم مشى حفيده الخليفة هارون الرشيد على خطاه فوسع العمل وأكثر من التراجمة وجلب الكتب الإغريقية إلى بغداد شراء واستنساخا وغنائم حرب وفدية أسرى شملت كتبا في الطب والهندسة والرياضيات والفلك والتنجيم.

 ففي هذا العهد كان من أشهر التراجمة ابن المقفع الذي يقترن اسمه بترجمة كتاب كليلة ودمنة. ويذكر ابن النديم بأن الفرس ترجموا إلى لغتهم في غابر الزمان كتبا بالمنطق والطب نقلها ابن المقفع إلى العربية. ويؤكد ذلك وجود عدد كبير من الكلمات الطبية الفارسية التي بقيت مستعملة في الكتب العربية إما كما هي أو بعد تعديل بسيط. كما ترجم محمد بن إبراهيم الفرازي كتاب السند هند في الفلك وقد اختصره فيما بعد الخوزامي ويذكر ابن القفطي أن العرب نقلوا عن الهند كتبا في الموسيقا والحساب (4) هذا وترجمت من اليونانية والسريانية كتب أرسطو في المنطق وكتاب المجسطي في الفلك. ومن أبرز المترجمين في هذه الفترة يوحنا بن البطريق وقسطا بن لوقا ويوحنا ابن ماسويه وقد ألف هؤلاء النقلة كتبا كثيرة في الطب والفلك والفلسفة والرياضيات إضافة إلى ما ترجموه وشرحوه. وبدأ الناس بالإفادة من الكتب المترجمة وتداولوها، على رأسهم المعتزلة، إذ اتصلت بالكتب الجديدة وتعرفت على أرسطو وتأثرت أبحاثهم بالمنطق (5) وبدا هذا التأثير جليا في جميع الكتب التي ظهرت في ذلك العهد والمثل على ذلك كتاب سيبويه الذي كان ترتيبه وتبويبه منطقيا . وفي عيون الأنباء في طبقات الأطباء مسرد لأسماء النقلة يتضمن خمسين منهم إضافة إلى من نقلت له كتب وترجمت باسمه من أكابر الأطباء كيوحنا بن ماسويه وجبرائيل بن بختيشوع بن جبرائيل وداوود بن سيرابيون (6).
وفي زمن الخليفة المأمون كان أشهر التراجمة على الإطلاق حنين بن إسحق الذي يعد مدرسة كاملة إذ كان يشرف في بيت الحكمة على عدد كبير من المترجمين والنساخ ويصلح أخطاءهم ويزودهم بالكتب النادرة التي يجمعها بنفسه ويسعى للحصول عليها ويذكر أنه رحل في نواحي العراق وسافر إلى الشام والإسكندرية وبلاد الروم يجمع الكتب النادرة (7).
لم يكتف حنين بن إسحق بالترجمة بل قام بتأليف كتب في الطب والمنطق والطبيعة وفلسفة أفلاطون وأرسطو (8) ووضع الشروح لما ترجم ولخص المطولات وصحح تراجم السابقين. ويقول مانفرد أولمان (Manfred Ullmann) إنه أسهم في تطوير اللغة العربية وجعلها لغة علوم فهو لم يغن المصطلحات العلمية بإعطاء أشكال جديدة للكلمات أو باستعمال كلمات أجنبية فحسب ولكنه أدخل طريقة التحليل - التركيب التي جعلت من العربية أداة قادرة على التعبير عن أفكار مجردة معقدة وأن هذا الإنجاز عمل فلسفي من الطراز الأول يستحق كل تقدير لأنه لم يلق أية مساعدة من معجميين محترفين فقد كانوا في ذلك الزمن مهتمين بالشعر البدوي وبتفسير القرآن (9). ومن حسن الحظ أن هذه الحركة الجليلة التي قام بها طوال حياته ظلت تسير وتعمل بعد مماته على يد ولديه وتلاميذه (10).
إن أكثر ما ترجمه حنين كان من الكتب الطبية وخاصة كتب جالينوس الستة عشر )كان بعضها من نقل حبيش) كما نقل إلى اللغة العربية سبعة وخمسين كتابا اشترك في نقلها تسعة مترجمين يذكر أسماءهم ابن النديم (11) إضافة إلى تصحيح سبعين كتابا ترجمها تلاميذه إلى العربية، وفي عيون الأنباء ثبت الكتب التي ترجمها وألفها وصلحها وشرحها في مختلف العلوم ملأت صفحات كثيرة ونلحظ من خلال مراجعة التاريخ بأن حركة الترجمة التي دامت قرنين من الزمن ابتدأها الحكام لكنها تنامت وأصبحت حركة شعبية عامة دخلت في صميم حياة وتبناها وغذاها مئات منهم جلهم من الميسورين والأطباء والتجار والوراقين. ويقول جرجي زيدان في هذا الصدد: واقتدى بالمأمون كثيرون من أهل دولته وجماعة من أهل الوجاهة والثروة في بغداد فتقاطر إليها المترجمون من أنحاء الجزيزة و العراق والشام وفارس وفيهم النساطرة واليعاقبة والصابئة والمجوس والروم والبراهمة يترجمون من اليونانية والفارسية والسريانية والسنسكريتية و النبطية واللاتينية وغيرها. وكثر في بغداد الوراقون وباعة الكتب وتعددت مجالس الأدب والمناظرة وأصبح هم الناس البحث والمطالعة وظلت تلك النهضة مستمرة بعد المأمون (13).
ويذكر ابن أبي أصيبعة أسماء أحد عشر من الذين غذوا حركة الترجمة بمالهم وجهدهم ويقول بأن محمد بن عبد الملك الزيات كان يقارب عطاؤه للنقلة والنساخ في كل شهر ألفي دينار ونقلت باسمه كتب كثيرة (14).
لقد انتشرت الكتب التي ترجمت بين الناس فتداولوها ونسخوها وقرءوها وأنشأت الدولة دورا للكتب في كل مكان. ففي عام 891م أحصى مسافر عدد دور الكتب في بغداد فكانت أكثر من مائة (15) . وكان في سوق الكتب عند بوابة البصرة ببغداد أكثر من مائة متجر لبيع الكتب (16) .
فمن هذا الوسط التجاري برز علماء ألفوا الكتب وصنفوها، على رأسهم محمد بن إسحق بن النديم البغدادي صاحب الفهرست، الكتاب الذي يحوي أسماء جميع الكتب والترجمات التي ظهرت خلال القرون الهجرية الأربعة الأولى.
لقد شجع الخلفاء المسلمون هذه الحركة العلمية الشاملة بدافع من حبهم الشخصي للعلم وشعورهم بالمسئولية تجاه الدين الذي يحث على طلب العلم ويرفع من منزلة العلماء. ويقول الدكتور فؤاد سيزكين في هذا المعني: لا بد من فهم موقف الدين الإسلامي من العلم، وموقفة هذا كان المحرك الكبير لا للحياة الدينية فحسب بل للحياة الإنسانية من جميع جوانبها وموقف الإسلام هذا هو الدافع الأكبر في السعي ووراء العلوم وفتح الأبواب للوصول إلى المعارف الإنسانية ولولاه لا نحصرت الترجمة في الأشياء الضرورية للحياة العملية وحدها (17)، ولعل أكبر دليل على أن رغبة المسلمين في العلم لم تنبع من حاجاتهم المادية هو انكبابهم على تحصيل العلوم النظرية البحتة منذ بزوغ شمس هذه الحركة في عهد المنصور فقد ذكر حاجي خليفة أن المنصور أرسل سفراء إلى القسطنطينية جلبوا منها كتب إقليدس وكتبا بالفيزياء ترجموها وقرءوها بسرعة فائقة (18).
كما أن العناية بالفلسفة بدأت في وقت مبكر فقد طرق بابها أبو يوسف يعقوب بن إسحق الكندي منذ أوائل القرن التاسع وإليه يعود الفضل في نشر التفكير الحر المبني على فلسفة أرسطو.
إن تمثل الناس السريع لهذه الثقافة الجديدة على الإسلام أدت إلى ظهور تيار فكري اجتماعي جديد والتعرف على الأفكار الخارجة عن نطاق التفكير الديني جرف فيمن جرف الخليفة المأمون الذي كان لدعمه هذا المنحى الجديد تأثير في حدوث اضطرابات ومع ذلك وبالرغم من معارضة المحافظين فقد عاشت فلسفة أرسطو وترعرعت بين المفكرين والكتاب العرب وعلى رأسهم الفارابي الذي كرس الكثير من أعماله لكتب أرسطو كشرح كتاب البرهان وشرح كتاب الخطابة وشرح المقالة الثانية والثامنة من كتاب الجدل والمغالطة والقياس وغيرها من الموضوعات المتنوعة التي ملأت صفحتين كبيرتين من كتاب عيون الأنباء في طبقات الأطباء (19) . كما سار ابن سينا على خطاه فحاول التوفيق بين الدين والمذاهب الفلسفية وبذلك وضع حجر الأساس للبناء الذي شاده ابن رشد بعد قرن من الزمن. ولقد بدا تأثيره واضحا على كثير من المراكز العلمية الأوربية وخصوصا الحركة المدرسية (السكو لاستيك) الممثلة بألبير الكبير ولعل من أكبر المفكرين العرب الذين أثروا في توجيه الفكر الأوروبي أبو حامد الغزالي الذي ساقتة مغامراته في فلسفة أرسطو وتفكيره العقلاني إلى النزوع إلى الشك والالتجاء إلى التأمل الروحي والعزلة والتصوف وقد ترجمت دراساته المتعلقة بالمنطق والفيزياء وما بعد الطبيعة إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر في طليطلة (20).
لقد وصلت الفسلة العربية الإسلامية إلى قمة تطورها في أسبانيا على يد ابن رشد الذي بدت فلسفته متناقضة فيما يتعلق بتأثيرها على الشرق والغرب. فبينما دخلت إلى أعماق الفكر الأوروبي في القرون الوسطى وبقيت مسيطرة حتى قيام العلم التجريبي لم تحظ بنفس المنزلة والقبول في العالم الإسلامي (21) وأكثر من ذلك فقد تعرض ابن رشد للنقد اللاذع وإلى الاتهام بالزندقة والإلحاد من قبل الفقهاءالمسلمين الذين أو غروا عليه صدر المنصور أمير الموحدين فنفاه إلى مراكش وأحرق بعض كتبه ثم رضي عنه وأذن له بالعودة إلى وطنه (22) ومع ذلك فقد اعتبره أتباع الفلسفة الإنسانية (هومانيست) في الغرب أكبر معلق وشارح لأرسطو في التاريخ واعتبرت أعماله في علم النفس والمنطق والإلهيات والفقه كأرفع إسهام في ثقافة القرون الوسطى (23). إن تأثير ابن رشد على آراء القديس توما الإكويني واضح المعالم بالرغم من نقد هذا الكاهن له والتقليل من شأنه فقد ألف القديس توما كتبه بعد أن شاعت بين الرهبان دروس الفلاسفة الأندلسيين وفلاسفة المشرق من المسلمين ولم يكن في كل ما كتب في الله والروح ووسائل الوصول إلى الحقيقة رأي واحد لم يتناوله قبله ابن سينا والغزالي وابن رشد على الخصوص )24 ) . فقد تأثر بأفكاره التي تؤمن باستعمال المذاهب الفلسفية كأدوات لدعم الدين وهي الفكرة التي سيطرت على عقل هذا القديس وأتته مباشرة عن طريق أستاذه ألبير الكبير وترجمات ميشيل سكوت التي قام بها في طليطلة قبل سنوات من مولد القديس توما (25) وتجدر الإشارة إلى أنه بالرغم من محاربة الكنيسة لتفاسير ابن رشد فقد أوصى أساتذة جامعة باريس طلابهم علنا بدراستها (26) .
ومن أوائل العلوم التي طرق العرب بابها وأبدعوا فيها الكيمياء وهي بلا شك وليدة مدرسة الإسكندرية وقد وجدت بدمشق أرضا خصبة فقد تعهدها رجلان ينتميان إلى أشرف البيوت خالد بن يزيد والإمام جعفر الصادق الذي أنجب تلميذا ارتبط اسمه مع الكيمياء أبد الدهر وهو جابر بن حيان الذي يعتبر بحق أول رائد لهذا العلم يشهد بذلك أبوبكر الرازي الذي كان يقول: قال أستاذنا أبو موسى جابر بن حيان (27) وهو أول من بشر بالمنهج التجريبي إذ أن التجربة تصدرت منهجه العلمي فقد أورد في كتاب الخواص الكبير "والله قد عملته بيدي وبعقلي من قبل وبحثت عنه حتى صح وامتحنته فما كذب" هذا وقد عرف جابر كثيرا من العمليات الكيمياوية ووصفها وصفا دقيقا كالتبخير والتقطير والتكليس والصهر والتبلور والتصعيد ويعود الفضل له في تحضير كثير من المواد الكيمياوية والحموض كما ينسب إليه تحضير مركبات كيمياوية ككربونات الصوديوم والكالسيوم والصودا الكاوية (28).
لقد اعتبر جابر بن حيان أحد كبار علماء القرون الوسطى الذين مهدوا بأعمالهم الطريق أمام ظهور العلوم الحديثة واعتبرت منزلته من تاريخ الكيمياء كمنزلة أبقراط من تاريخ الطب (29) وأن إدخال التجربة في دراسة الكيمياء على يد جابر بن حيان كانت أبرز إبداع حققه العرب في فجر نهضتهم العلمية فقد أضفوا على هذا العلم أصالة البحث العلمي وخلصوا دراساته من السرية والغموض والرمزية التي أحاطت به عند أسلافهم من علماء الإسكندرية بوجه خاص واصطنعوا له منهجا استقرائيا سليما يعتمد على الملاحظة الحسية والتجربة العلمية (30).
ومن العلوم التي شغل فيها العرب مركز الريادة علم الحساب إذ أن ترجمة كتب كبار العلماء اليونان كإقيلدس وبطليموس وهيرون وغيرهم أثار في نفوس العرب الرغبة في استكشاف مجاهل العلوم الدقيقة، ففي نهاية القرن العاشر أصبح العرب على علم تام بحساب براهماكوبتا الهندي وبالجبر واستعملوا الصفر والنظام العشري الذي أحدث ثورة في عالم الرياضيات ولا أدل على أصالة جهدهم وسبقهم الأمم الأخرى في هذا الميدان من أن كلمات الجبر والكيمياء واللوغاريتم والصفر كلها ذات أصول عربية صريحة. فقد وضع العرب أسس الهندسة التحليلية والمثلثات المسطحة والكروية التي لم تكن معروفة من قبل الرياضيين الإغريق (31) . إذ نشر الخوارزمي منذ عام 825م أعماله الهامة المتعلقة بالجبر وسماها "كتاب حساب الجبر والمقابلة" وأهداه إلى الخليفة المأمون وأشار في مقدمته إلى أنه يسهل حساب الميراث والوصايا والقسمة والمحاسبة التجارية ومسح الأراضي ومخططات حفر الترع وغيرها من الأعمال الهندسية (32) هذا وإن رسالته المشهورة في الحساب والتي تقوم على التدوين العشري وعلى نظام عددي جديد نقله جيرار دوكريمون إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر وكان له أكبر تأثير على الرياضيات في أوربا. وبوساطة هذه الرسالة دخلت الأرقام العربية والصفر والكسور العشرية الحساب الغربي. كما نفحت جدواله الرياضية من قبل المجريطي وترجمت إلى اللاتينية بيد أديللار دوبات عام 1126م (33) . وليس بوسعنا أن نأتي على ذكر جميع الأعلام الذين ساهموا في تطوير العلوم الرياضية في بحث محدود الأغراض كبحثنا فهنالك علماء كثيرون أدلوا بدلوهم في هذا المجال يجدر بمن يريد الإحاطة بالموضوع أن يستعرض أعمالهم كالبيروني والبتاني والبوزجاني وغيرهم .
أما في الفيزياء فلم يكتف العرب بإعادة النظر بنظريات الإغريق وتوضيحها بل إنهم أضافوا إليها الكثير من مكتشافتهم فابن الهيثم المولود في البصرة عام 965م كان بلا شك أكبر فيزيائي عربي فقد عارض في كتابه "البصريات" إقليدس وبطليموس في تصورهما الخاطئ بأن الشعاع البصري يخرج من داخل العين إلى الأشياء الخارجية وبذلك قلب النظرية اليونانية بالنسبة لوظيفة "الحجرة المظلمة" كما درس انكسار الضوء وفي علم الحيل " الميكانيك " عرف مبدأ العطالة التي صاغها فيما بعد إسحاق نيوتن في قانونه المتعلق بالحركة. لقد أصبح كتاب المناظير لابن الهيثم أساس جميع البصريات في القرون الوسطى خصوصا أعمال روجيه بيكون في القرن الثالث عشر. أما في عصر النهضة فقد تأثر به ليوناردو دافنتشي ويوهان كيبلر (35).
لقد وجد العرب لدى الهنود ثروة ضخمة من المعارف الفلكية في كتاب السند هند سرعان ما أمر الخليفة المنصور بنقلة إلى اللغة العربية فقام بذلك محمد بن إبراهيم الفزاري الذي جمع أيضا الجداول الفلكية الساسانية "الزيج" وكان أول عربي يبني إسطرلابا على الطريقة اليونانية.
ونظرا لافتقار العرب لتفهم مبادئ العلوم الرياضية وهي وثيقة الصلة بعلم الفلك فقد أمر الخليفة هارون الرشيد في وقت لاحق بترجمة المجسطي لبطليموس الكتاب الذي يضم المبادئ الأساسية للمعلومات الفلكية كما قام محمد بن موسى الخوارزمي في زمن الخليفة المأمون باختصار كتاب السند هند وعمل منه زيجا اشتهر في كافة البلاد الإسلامية. كما بنى الخليفة مراصد فلكية في كل من دمشق وبغداد كانت بداية انتشار بناء المراصد وتقدم العلوم الفلكية إذا قام الفاطميون بإنشاء مراصد في مصر أشهرها مرصد المقطم. كما أنشأ نصر الدين الطوسي مرصد مراغة في آذربيجان الذي أصبح معهدا للبحوث الفلكية وزوده بآلات رصد متقدمة ونقل إلى مكتبته 400 ألف مخطوط (36) من الكتب التي أنقذت من مكتبات بغداد وسورية في زمن هولاكو . هذا وقد قامت مراصد أخرى في الأندلس والشام وإيران وسمرقند اشتهر من علمائها الطوسي والفرغاني والبتاني وابن يونس والبوزجاني والمجريطي و البيروني وغيرهم.
ومن بين العلوم التي برز فيها العلماء العرب وأنتجوا وأفاضوا على غيرهم مما أبدعوا من معارف علم الجغرافيا فقد ظهر من بينهم منذ بداية القرن التاسع رحالة وجغرافيون طافوا العالم المعروف في زمانهم كالخوارزمي وسليمان تاجر صيراف اللذين بلغا الهند والصين ولحق بهما ابن جبير في القرن الثاني عشر وابن بطوطة في القرن الرابع عشر. وبين الخوارزمي وابن بطوطة ظهرت أعداد من الرحالة والجغرافيين والخرائطيين ومؤلفي المعاجم الجغرافية جمعت أعمالهم في موسوعة من ثمانية مجلدات تحت اسم المكتبة الجغرافية العربية قام بهذا العمل الجليل M.J. GOEJE في ليدن بهولندا في عام 1870 (37).
هذا وتعد أعمال الشريف الإدريسي المولود في سبتة بالمغرب الأقصى أهم ما أنتجه العرب في حقل الجغرافيا لأنها بقيت حتى عصر النهضة، المراجع التي اعتمد عليها الأوربيون في إغناء معلوماتهم الجغرافية.
وبعد زمن الإدريسي بقليل قام الرحالة ابن جبير برحلته إلى مشرق العالم العربي دون خلالها الكثير من المعلومات التي تعتبر وثائق من الدرجة الأولى لأنه حسن الملاحظة وصريح العبارة (38).
كما ظهرت في القرن الثالث عشرة معاجم جغرافية جمع فيها ياقوت والقزويني كثيرا من المعلومات الجغرافية رتبوها على الحروف الهجائية.
لقد ساهمت المنجزات العربية في دفع حركة التجارة بين آسيا وأوربا وبما نجم عن ذلك من تقدم في التجارة الدولية وبالعلاقات بين مختلف الأمم غيرت مجرى التاريخ.
ففي الوقت الذي كان فيه الخلفاء المسلمون يسعون لإحياء علوم اليونان ويحرضون الناس على قراءة كتبها (39) كانت الكنيسة في الغرب تبذل جهودا جبارة للقضاء على العلوم والدراسات واللغة اليونانية في بلاد الغال وبريطانية لأنها تمثل حضارة الكفار غير المسيحيين فقد قال الأب هيرونيموس إن الفكر اليوناني لعنة على البشر (40). لذلك كانت الترجمة العربية لهذا الإرث عملية إنقاذ لكنوز حضارة مهددة بالفناء لأن العالم المسيحي مهد تلك الثقافة اضمحل قسمه الغربي تحت وطأة ضربات البرابرة الذين نهبوا وأحرقوا روما ثلاث مرات بحيث لم يبق بين الخرائب التي خلفها الغزو إلا بعض الرهبان الذين أخذوا يفتشون بين الأنقاض عن بقايا العلوم والمعارف التي بقيت من حضارة ألف عام. وبالرغم من أن هؤلاء الرهبان أنقذوا ما يمكن إنقاذه إلا أن آفاقهم الفكرية كانت محدودة لأن همهم كان محصورا بالآخرة (41) أما بيزنطة وهي وريثة العالم الروماني اليوناني الذي نجا مما أصاب قسمه الغربي من خراب ونهب ودمار فقد تقوقع أباطرتها حول أنفسهم وراء سبعة كيلومترات من الأسوار التي أحاط بها تيودوس عاصمة ملكهم وكأن الأمر لا يعنيهم (42) في هذه الظروف ظهر العالم الإسلامي كقوة متماسكة منسجمة ملأت الفراغ الذي خلفه انقسام العالم المسيحي إلى عالمين غربي وشرقي هدمت العداوة بينهما كل ما خلفته روما وأثينا من صروح حضارية . مما خلق تربة صالحة لنمو التعصب وانتشار الجهل في المجتمعات الغربية التي كانت منذ قرون ترزح تحت كابوسين يقفان في طريق تقدمها. أولهما التعصب الديني وثانيهما انتشار الجهل الذي سماه المؤرخون Penuria Latinitatis القحط اللاتيني وقد التفتت الكنيسة وهي المسئولة عن الدين والدنيا في عالم القرون الوسطى فلم تجدحلولا لهاتين العقدتين إلا لدى العرب فقد وجدت متنفسا للتعصب الديني في شن الحروب الصليبية على عرب المشرق وفتشت عن مناهل المعرفة فوجدتها لدى عرب المغرب في أسبانيا وصقلية وقد سارت هاتان الحركتان العظيمتان بشكل متواز في طرفي العالم الإسلامي (43). وفي وقت واحد تقريبا فبينما كان غودفرو اديوبون وريمون دوسان جيل والإمبراطور كونراد وريشاركور دوليون ولويس التاسع يحرقون المدن ويدمرون الحصون ويقتلون الآمنين في أنطاكية ومعرة النعمان والقدس وحول أسوار دمشق وحلب ودمياط كان أديلار دوبات وجان دوسيفيل وميشيل سكوت وجيرار دوكريمون وغيرهم يصلون الليل بالنهار في مكتبات طليطلة يترجمون كنوز الكتب العربية في مختلف العلوم وينقلونها إلى اللغة اللاتينية التي أصبحت لغة العلم في العالم الغربي . منذ القرن العاشر اجتذب التفوق الفكري لدى عرب الأندلس الكاهن جيربير دواوريلاك فنقل نماذج من علومهم أكسبته من الاحترام والتقدير ما أوصله إلى كرسي البابوية وجاء القرن الحادي عشر بقسطنطين الأفريقي الذي نقل للعالم المسيحي كتاب كامل الصناعة الطبية لعلي بن عباس وزاد المسافر لابن الجزار وشرح لأقوال جالينوس المأثورة وغيرها.
وبالرغم من كل ما ألصق بقسطنطين من اتهامات تتعلق بانتحاله لبعض الكتب العربية التي ترجمها إلى اللاتينية وبالرغم من ترجماته التي تنقصها الدقة فإن العالم الغربي مدين له بفتح أبواب كنوز المشرق وتوجيه الأنظار إليها. فقد مضت ثلاثة قرون على العمل الرائع الذي تناول ترجمة العلوم الإغريقية بالدرجة الأولى والهندية والفارسية والسريانية بالدرجة الثانية إلى اللغة العربية عندما نما وعي الغرب لتأخره ونضج لدرجة أشعرته بحاجته للمعرفة . وعندما أراد إعادة الصلة بالفكر القديم التفت أولا وقبل كل شئ لا للمنابع اليونانية بل إلى العربية التي تنبض بالحياة والموجودة على عتبة داره ففي هذا الوقت عمت العالم الغربي حركة ترجمة واسعة بين لغات العصر وقد كانت الترجمة من العربية إلى اللاتينية أهمها بحيث يمكن القول بأن ما ترجم من اللغة العربية إلى اللاتينية يعادل ما نقل من كل اللغات الأخرى (44) ويعود الفضل فيه إلى رئيس أساقفة طليطلة الفرنسي ريمون الذي جعل من طليطلة منارة اجتذبت كل علماء أوربا خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر . وكانت أول الأعمال التي أوحى بها تتناول الفلسفة وتلي ذلك ترجمات كتب في الرياضيات والتنجيم والفلك والطب ومن أوائل المترجمين في طليطلة جان دوسيفيل الذي ترجم كتاب الروح لابن سينا وكانت حفظ الصحة لأرسطو وكتاب الفرق بين النفس والروح لقسطا بن لوقا وكتاب الأشكال لثابت بن قرة . وترجم غونديسالفي كثيرا من كتب الفلاسفة العرب كابن سينا والفارابي والغزالي واشترك هيرمان دلمات في ترجمة القرآن مع روبير دوريتين وبيرلوفينرابل كما ترجم خارطة نصفي الكرة السماوية لبطليموس. وترجم أفلاطون دوتيفولي كتبا للبتاني طبعت مرات عديدة في بولونية والبندقية و نورامبورغ وقام آديلاد دوبات بزيارات كثيرة إلى البلدان الأوربية والعربية قبل أن يترجم إلى الإنكليزية واللاتينية أصول إقليدس وكتبا في الهندسة وشروحا للمجسطي وجيزا للخوارزمي (45).
على أن أكثر المترجمين إنتاجا و أوسعهم شهرة كان جيرار دوكريمون الذي تميز بتنوع ترجماته فقد شملت علوم المنطق والهندسة والفلك والتنجيم والفلسفة والطب والكيمياء والضرب بالرمل (46) فقد بدأ بتعلم اللغة العربية والتعمق بتقاناتها، وقد جمع هذه الترجمات وحقق وثبت نسبتها له بعد جهود قرنين من الزمن بون كومباني في روما عام 1852م ولوسيان لوكليرك في باريز عام 1874م فقد تبين أن مجموع ما ترجمه جيرار وحده يتألف من واحد وسبعين كتابا على الأقل (47)، ومما لا شك فيه بأنها ثروة علمية ضخمة انتقلت إلى الغرب وأسهمت في تكوين أجيال من العلماء في جامعاته. ومن المؤكد أن كمية الأفكار التي نشرها جيرار دوكريمون وحدة تزيد عن ما نشره جميع أقرانه ومنافسيه. على أن ما تم إنجازه في طليطلة لا يقارن بما أنتجه المشرق العربي من حيث الدقة والأهمية ولكنه لم يكن أقل تأثيرا وأقل فائدة على الصعيد العالمي نظرا لتعطش الغرب للمعرفة فبدون العرب ما كان لعصر النهضة أن يرى النور (48).
هذا وقد كانت صقلية أيضا أحد المناهل التي استقى منها الغرب العلوم العربية ففيها عاش الشريف الإدريسي الجغرافي الذي عهد إليه الملك روجيه الثاني بتأليف كتب في الجغرافيا فقام بذلك خير قيام كما رسم مجموعة من الخرائط شاملة للعالم المعمور ضمت سبعين خريطة إضافة إلى كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق المشهور بكتاب روجار ظل الأوربيون يستقون منه معلوماتهم الجغرافية مدة طويلة (49) كما ترجم في صقلية كتاب المجسطي والبصريات المنسوبة إلى بطليموس ونقل كتاب كليلة ودمنة من العربية إلى اليونانية . ويقول العلامة جورج سارتون إن روجيه الثاني كان أكثر حكام عصره تنورا وقد استطاع أن يجعل من صقلية في مدة قصيرة أرقى وأغنى دولة في أوربا.
وقد تابع الإمبراطور فريدريك الثاني هذا المنهج إذ استدعى إلى بلاطه عددا كبيرا من العلماء والمترجمين على رأسهم ميشيل سكوت الذي ترجم إلى اللاتينية كتاب الفلك للبطروجي إضافة لشروح ابن رشد على مؤلفات أرسطو وقام بتوسيع مدرسيتي الطب في ساليرنو و بادوفا وجعلهما جامعتين كاملتين جاء إليهما بأساتذة من عرب صقلية (50-51).
لقد ازدهرت الحضارة العربية الإسلامية في صقلية في عهد الأمراء الكلبيين واستمر تأثيرها في عهد ملوك النورمان والإمبراطور فريدريك الثاني الذي قام بتنظيم الحياة الاقتصادية في بلاده متبعا الأساليب التي كان النورمان أخذوها عن العرب سواء فيما يتعلق بمصانع الطراز أو أصول المحاسبة المالية التي انتقلت إلى التجار اللومبارديين ومنهم إلى جميع المدن التجارية والدوائر الحكومية في بلاد الغرب ومن المفيد أن نذكر هنا إقدام فريدريك الثاني على وضع نظام جديد للنقد.
كما نقل إلى الأوربيين التفكير العلماني الحر الذي مهد السبيل لعصر النهضة وقد قال عنه المؤرخ السويسري (بوكهاردت) إن فريدريك تلميذ العرب كان أول إنسان أوربي حديث. كما أن ابنه الإمبراطور مانفريد مشى على خطاه في تقريب العلماء وتشجيع الترجمة إذ ترجم له هيرمان الألماني واسطفان المسيني كتبا عربية كما ترجم بنفسه كتابا لأرسطو. وحتى بعد القضاء على عائلة هوهانشتاوفن واستيلاء شارل دانجو على مملكة صقلية لم تتوقف الترجمة إذ أرسل هذا الملك سفارة إلى تونس يطلب من ملكها نسخة من كتاب الحاوي لأبي بكر الرازي.
هذا ولم تقتصر الترجمة على هذه المراكز التي مر ذكرها إذ قام أرمانغو في مونبيليه بترجمة ثلاثة كتب هي الكليات وأرجوزة ابن سينا وشروح ابن رشد للأرجوزة كما ترجم أرنودوفيل نوف في مونبيليه أيضا كتابا لقسطا بن لوقا.
وفي مرسليا ترجم كرومير دوبلزانس كتابا في النبات لحنين بن إسحق وحتى في روان في أقصي شمال فرنسا قام الكاهن سيمون دوجين بترجمة كتاب الأدوية المفردة لسيرابيون.
إن الكتب التي نقلتها أوربا إلى لغاتها كانت تمتاز بالوضوح والترتيب والتسلسل لذلك فقد ظل بعضها كتبا مدرسية بين أيدي الطلاب قرونا عديدة كالقسم الخاص بالجراحة من كتاب التصريف لأبي القاسم الزهراوي الذي طبع في البندقية عام 1497 وفي بال عام 1541 وفي أكسفورد عام 1778 وبقي كتابا مدرسيا للجراحة قرونا عديدة في مدرستي سالرنو ومونبيليه (52) كما ظل كتاب القانون لابن سينا سبعة قرون بين أيدي الطلاب الغربيين.
لقد ألف العلماء العرب كتبا مختصرة وموسوعات مطولة وجداول بشكل أسئلة وأجوبة ونظموا بعضها شعرا بشكل أراجيز يسهل حفظها على الطلاب وسهلوا بشروحهم ومنهجية تأليفهم سبل تحصيل العلوم وطوروا الطرق القديمة التي شاع فيها الغموض والإبهام ولا أدل على ذلك من رأي علي بن عباس حين قال:
إني لم أجد بين مخطوطات القدامى كتابا واحدا يحوي كل ما هو ضروري لتعلم فن الطب فأبقراط يكتب باختصار وأكثر تعابيره غامضة بحاجة إلى تعليق كما وضع جالينوس عدة كتب لا يحوي كل منها إلا قسما من فن الشفاء ومؤلفاته طويلة النفس وكثيرة التردد ولم أجد كتابا واحدا له يصلح كل الصلاح للدراسة (53).
إن هذه العيوب في كتب الأقدمين هي التي حدت بالأطباء العرب لتحاشي ما وقع فيه أساتذتهم الإغريق فعكفوا على وضع كتب جامعة يغني الواحد منها عن مجموعات كثيرة من كتب الأئمة الأولين ومنها الملكي والحاوي والقانون والتصرف وزاد المسافر والتيسر ومئات من الكتب العربية التي شهد مؤرخ الطب (نيوبيرجر)Neuberger بفضلها على طلاب المعرفة في أوربا القرون الوسطى إذ قال:
إن العرب هم الذين أدخلوا النور والترتيب على تراث القدماء الذي طالما اكتنفه الغموض وأعوزه التسلسل . وعوضا عن النقل الآلي للفقرات وتجميع المعلومات واضطراب المخطوطات الكثيرة لدى البيزنطيين صنف العرب كتبا مختصرة جامعة عظيمة التماسك صبوا فيها كل المواد الدراسية الخاصة وعرفوا كيف يقدمون العلوم في أشكال سهلة وصاغوا من لغتهم الحية تعابير علمية مثالية.
هذه الشهادة وأمثالها مما أتى على ألسنة المنصفين من مؤرخي العلوم لهو دليل قاطع على أصالة ما أبدعه العرب في شتى العلوم التي طرقوا أبوابها فقد قال الدكتور عبد الحميد صبرة: إن التراث الذي خلفه العرب شىء آخر غير التراث الذي ورثوه (54) لذلك فإن الادعاء بأن العرب لم يكونوا إلا نقلة لكتب الإغريق افتراء محض على الحقيقة الناصعة التي تؤيدها أعداد وأنواع الكتب العربية التي نقلها تراجمة طليطلة وسالرنو ونابولي والتي أحصها مؤرخ الطب العربي لوسيان لوكليرك. فقد تضمن مسرده كتب خمسة عشر عالما يونانيا بينما كان عدد الذين ترجمت كتبهم من العلماء العرب خمسة وخمسون مع الأخذ بعين الاعتبار أن عدد الكتب العربية تزيد أضعافا مضاعفة عن ما ترجم من الكتب اليونانية. فقد ترجمت تقريبا كل كتب ابن سينا والخوارزمي وحنين ابن إسحق وعلي ابن عباس والرازي وبعض كتب الكندي وثابت بن قرة وابن رشد والغزالي وكثير غيرهم. لقد تلقت أوربا هذه الكتب كما تتلقى الأرض العطشى ماء السماء إذ لم تكد تخرج من بين أيدي التراجمة في طليطلة حتى تلقفها أشهر علماء العصر أمثال روجيه بيكون وألبير الكبير وفانسان دوبوفيه وغيرهم (55).
ففي نهاية القرن الثالث عشر كان طريق الثقافة يبدأ عند أبواب طليطلة ويقطع جبال البيرينيه مارا بالبروفانس ومضائق جبال الألب حتى يصل إلى اللورين وألمانيا وأوربا الوسطى وعبر القناة إلى إنكلترا . وكانت مرسيليا وتولوز وناربونه مونبيليه مراكز فرنسية للفكر العربي. وفي شرق فرنسا كان دير كلوني الذي يضم عددا من الرهبان الأسبان مركزا مهما لنشر العلوم العربية وكان رئيسه بيير لوفينير ابل يشرف عام 1141 على أول ترجمة لاتينية للقرآن إلى جانب نشرات مختلفة ضد الإسلام. فالعلوم العربية التي دخلت اللورين في القرن العاشر جعلت من هذه المنطقة مركزا للنفوذ العلمي في القرنين القادمين بحيث أصبحت لييبج وغورز وكولون وغيرها من المدن أرضا خصبة لنمو المعرفة العربية ومن اللورين انتقلت إلى أجزاء أخرى من ألمانيا ومنها إلى إنكلترا النورماندية وهكذا فقد انتشرت الثقافة العربية الآتية من أسبانيا وصقلية في جميع أنحاء غرب أوربا (56).
أما دور الحروب الصليبية في نقل التراث العلمي العربي فقد كان ضئيلا جدا إذ لم يكترث الصليبيون باقتباس أي شىء من العلوم والمعارف التي كانت قريبة منهم في دمشق وحلب والقاهرة ولم يعرف بأنهم أنجبوا أي عالم اللهم إلا المؤرخ وليم الصوري وبعض الأمراء الصغار الذين تعلموا العربية لأغراضهم اليومية.
إن كل ما نقله الصليبيون من العربية إلى اللاتينية لا يتعدى ترجمة كتاب كامل الصناعة الطبية لعلي بن عباس وسر الأسرار لأرسطو وإن جل ما اكتسبوه من مظاهر الحضارة العربية هو إنشاء المشافي وبيوت العزل والمحاجر الصحية التي كانت الأنموذج الذي قلده الغربيون عند إنشاء المستشفيات في أوربا. إضافة إلى تبدل عاداتهم وتغير سلوكهم من خلال احتكاكهم بالمسلمين. ففي فترات السلم التي كانت أطول من فترات الحرب نشأت بين المجتمعين صلات أدت إلى إزالة الأفكار الثابتة التي جاءت مع فرسان الصليب فقد اكتشفوا من خلال العلاقات الاجتماعية التي نمت بين المعسكرين بأن المسلمين مؤمنون من طراز آخر صلتهم وثيقة بالمسيح وبأمه مريم وبما جاء في العهد القديم من أنبياء ورسل وأن الإسلام ليس ببعيد عن الإرث المسيحي اليهودي الذي عرف به الأوربيون . وبفضل استيطانهم للشرق واختلاطهم بأهله أصبح الفرنجة أكثر إنسانية من آبائهم وأجدادهم الذين رافقوا بطرس الراهب. وقد أكد ذلك الأمير أسامة بن منقذ في كتاب الاعتبار حيث قال: فكل من هو قريب العهد بالبلاد الإفرنجية أجفى أخلاقا من الذين قد تبلدوا وعاشروا المسلمين (57) لقد كان مجرد الإقامة في الشرق وسيلة من وسائل صقل الطباع وتهذيبها ويقول Anthony C.Kerr إنه خلال المائة الثانية للاستعمار الصليبي أصبحت الأرستقراطية الغربية تعتقد بأن خير وسيلة لتربية أبنائها وتنشئتهم نشأة راقية هي إرسالهم إلى الشرق لقضاء سنة أو أكثر لكي يعودوا إلى أهلهم في أوربا أنعم طباعا وأرفع أذواقا وألين في تعاملهم مع الناس نتيجة لاحتكاكهم مع مجتمع ينعم بحضارة أصيلة تتفوق على ما لديهم من مقومات المدنية والقيم الأخلاقية والثروة الثقافية .
إن آثار تغلغل الحضارة العربية الإسلامية وعلومها في صميم حياة الأوربيين يبدو واضحا في الأعداد الهائلة من الكلمات العربية التي دخلت لغات العالم الغربي. فقد فرضت لغتنا نفسها وتركت بصماتها في كل اللغات الأوربية وتسربت إلى كل مناحي الحياة وبرزت جلية في المأكل والملبس والمسكن والبيع والشراء وفي العلوم والفنون والصناعات التي نقلتها أوربا عن العرب.
وما كلمات الجبر والكيمياء والصفر والعنبر والكتيار والأميرال والقطن والليمون والسكر والياسمين والشيك والصوفا وطرف الغار والموسلين والدامسكو البطيخة والبرقوق إلا نماذج أخذت من حقول كثيرة تطفح بالمئات من التعابير والمصطلحات ذات الأصول العربية . وإن آلاف الكلمات التي دخلت اللغتين الاسبانية والبرتغالية احتفظت بجرسها العربي كالقاضي والمخدة والزيتونة والمعصرة والوادي الكبير والناعورة ووداي الحجارة وغيرها. .. ولابد لمن يجتاز الاطلنطي باحثا عن كلمات عربية في لغة القوم إلا أن يجد عشرات منها نقلها المهاجرون الأوائل مع ما نقلوا من متاع وأفكار فكلمات الكامل والساهارا والشريف والكازيل والديفان والماترس والكاندي إلا أدلة على وجود غيرها من الكلمات ذات الأصول العربية .
هذا وقد قام الأستاذ ارنولدشتيجر Prof. Arnold Steiger من جامعة زوريخ في سويسرا بعمل علمي فيلولوجي رائع إذ جمع وصنف أعدادا كبيرة جدا من الكلمات العربية التي دخلت اللغات الرومانسية (أي الناشئة عن اللاتينية) وردها إلى أصولها العربية إن هذا العمل في فقه اللغة التاريخي يكاد يكون الوحيد من نوعه ويتميز بالدقة والكم عن كل ما سبقه من أبحاث (58).
ويتجلى انتقال الإرث الحضاري العربي الإسلامي من القومية إلى العالمية في انتشار الكتب العربية بين أيدي الطلاب في كل البلدان الأوربية ولا أدل على ذلك من أن كتاب القانون طبع ست عشرة مرة حتى عام 1500 مقابل طبعة واحدة لجالينوس وفي القرن الذي تلاه زاد عدد الطبعات فبلغت العشرين وظل القانون يطبع سنة بعد سنة حتى النصف الأول من القرن السابع عشر وبذلك يكون هذا الكتاب العربي أكثر كتاب طبي درسه طلاب المعرفة في تاريخ العالم (59).
ولم يقتصر نقل الغرب لعلوم العرب على ترجمة الكتب بل كانون مضطرين إلى أخذ المعارف وإلى أخذ أنظمة المؤسسات المختلفة والجامعات (60).
فقد تأسست في كثير من المدن الكبرى في الأندلس معاهد عليا يمكن مقارنتها بجامعاتنا في العصر الحاضر، ولا شك في أنها النماذج التي قلدتها أوربا عندما أسست جامعاتها إذ كان في كل من مدن قرطبة واشبيلية وملقا وغرناطة جامعة تحتوي على أقسام للفلك والرياضيات والكيمياء والطب والحقوق والفلسفة إضافة لعلوم الدين وكان عدد طلابها يبلغ الآلاف وشهاداتها تمهد الطريق للوصول إلى أعلى المراتب. وقد تدفق على هذه المؤسسات العلمية الكثير من القشتالين وغيرهم من الطلاب الأجانب لا من أسبانيا فحسب بل من أوربا وأفريقيا وآسيا (61) لأن أقدم الجامعات الأوربية وهي أوكسفورد وكمبريدج وباريز وبادوفا لم تؤسس إلا في العقود الأولى من القرن الثالث عشر (62) أي بعد الجامعات العربية بعدة قرون .
إن انتشار العلم وشغف الناس بالحصول على المعرفة رافقته رغبة جامحة في اقتناء الكتب وجمعها وتداولها إضافة إلى بناء المكتبات التي كانت تعد بالعشرات في المدن الكبرى فضلا عن المكتبات الخاصة التي أصبحت من سمات الثراء وسعة الحياة فقد ذكر أن مكتبة ابن عباد الخاصة كانت تحوي ما يزيد على مائتي ألف مجلد.
إن وجود هذه الأعداد الضخمة من الكتب بين أيدي الناس ما كان ليحصل لولا وجود صناعة الورق وهي أفضل هدية قدمها العرب لأوربا . فمن مراكش حيث دخلت صناعة الورق لأول مرة انتقلت إلى أسبانيا في منتصف القرن الثاني عشر ومنها إلى إيطاليا على يد مسلمي صقلية عام 1270 ومن أسبانيا انتقلت هذه الصناعة إلى فرنسا ومنها انتشرت في أوربا.
هذا ولم يبق في أسبانيا بعد خروج العرب منها إلا أقل من ألفي مجلد جمعها فيليب الثاني (1556-1598) ومن أتى بعده وهي النواة التي كونت مكتبة الاسكوريال (63). لقد عكف المتنورون من ملوك أسبانيا على إنقاذ ما بقي من الكتب بعدما عملت الكنيسة على إحراق كل ما خلفه العرب من مكتبات، و كافحت بنفس الهمة اللغة العربية والحضارة العربية فأحرقت كل ما عثرت عليه من الكتب وخصوصا ما يبحث منها في العلوم الإسلامية فلقد ترأس الكاردينال كسيمنيس دوسيسنيروس Ximenez De Cisneros كاهن الملكة حملة التنصر الإجبارية لمن تبقى من المسلمين في أسبانيا فبدأ بإشعال النار بالكتب العربية في غرناطة عام 1499 وتكفلت محاكم التفتيش بإكمال رسالته في محو كل أثر علمي أو اجتماعي للمسلمين في أسبانيا بما في ذلك الحمامات (64).
لقد أحرقت الكنيسة كل ذلك ولكن النار لم تتعد حدود أسبانيا ولم تصل إلى كتب الجبر والحساب والفيزياء والكيمياء والطب والفلك والفلسفة التي ترجمت إلى اللغة اللاتينية في طليطلة والمكدسة في مكتبات جامعات نابولي وساليرنو وأوكسفورد وباريز ومونبيليه وبادوفا وغيرها ولم تتمكن الكنيسة من نزع تلك الكتب من بين أيدي الطلاب في أوربا كلها فقد أصبحت منذ القرن الثاني عشر جزءا من الثروة العلمية العالمية بعد أن استحوذت عليها كل الشعوب الأوربية ونقلتها إلى لغاتها الوطنية. إذ كان نقلة العلم العربي خليطا من الإنكليز والفرنسيين والإيطاليين والألمان والبرتغاليين والأسبان واليونان والفلمنكيين والدلماسيين.
لم تكن العلوم والفلسفة هي الشيء الوحيد الذي نقله الغرب عن الحضارة العربية بل كان للأدب نصيبه في ترك بصماته على حياة الناس العاطفية. فقد كان الشعر العربي بصورة عامة والغزلي منه بصورة خاصة موضع إعجاب المسيحيين الأسبان الذين تأثروا به لدرجة جعلت سماته تبدو واضحة على الشعر الشعبي القشتالي الواسع الاستعمال في التراتيل المسيحية بما في ذلك ترانيم عيد الميلاد (65) كما ظهرت في الأدب الأسباني معالم جديدة واضحة للحب العذري وشعر الهيام واللوعة وحرقة الهوى على طريقة مجنون ليلى وهو ما لم تعرفه أوربا قبل تعرفها على الشعر العربي (66). كما وقلد المغنون الجوالون )التروبادور في جنوب فرنسا والمينيسينغر Minnesingers في ألمانيا ) الزجل الأندلسي في أغانيهم (67) وبفضل الاتصال المسلح مع مسلمي أسبانيا ظهرت أغنية رولان وهي أنبل أثر للأدب الأوربي في أوائل عهده.
هذا ولا يتسع المجال للكلام عن أثر ألف ليلة وليلة على الأدب الغربي العاطفي فقد خلفت من ملامحها الشئ الكثير على أعمال جيوفاني بوكاشيو Giovanni Boccaccio أبو النثر الإيطالي وعلى إنتاج تشوسر Chaucer رائد الأدب الشعري الإنكليزي ) 68 ) في القرن الرابع عشر . ومما لا شك فيه بأن رائعة دانتي الكوميديا الإلهية La Divine Comedie استقت مادتها من منابع إسلامية،فقد نشر المستعرب الأسباني والعالم اللاهوتي ميكيل بالاسيوس عام 1919 بحثا يثبتفيه التطابق المذهل بين الصورة الصوفية الإسلامية والكوميديا الإلهية سواء فيما يتعلق بالمخطط الأساسي أو بالتفاصيل فالتشابه واضح مع ما في رسالة الغفران للمعري وقصة المعراج لمحي الدين بن عربي. مما لا يدع مجالا للشك كما يقول آسين بالاسيوس بأن أبا أدب عصر النهضة مدين بنسيج قصيدته الخالدة للصوفية الإسلامية أسطورة وكلمات (69).
ولعل أرقي القيم الأخلاقية التي حملها العرب المسلمون إلى أوربا القرون الوسطى هي التسامح الديني والمجتمعات المتعددة الديانات فقد تعرف الغرب لأول مرة على المجتمعات المختلطة بوساطة إسلام أسبانيا وصقلية والمشرق حيث أعطى المسلمون في تلك البلاد أمثولة للانفتاح والتعايش مع المخالفين لهم بالعقيدة وأقاموا دولا وممالك عاشت قرونا عديدة تعايشت فيها مجموعات متنافرة وطوائف مختلفة وتعاونت على خلق مجتمعات سادها العدل واحترام الحق مما لم يكن له وجود في البلدان المسيحية الغربية، فالإسلام كما يقول الباحث سيسيل موريسون Cecile Morisson يعترف بوجود مجتمعات وطوائف مخالفة له ضمن كيان دولته ويخص أهل الكتاب من المسيحيين واليهود بنوع من الضيافة والحماية شريطة اعترافهم بالسلطة ) 70 ) كما يقول المؤرخ اليهودي كلودكاهين Claude Cahen: كان العالم الإسلامي حتى نهاية القرن الحادي عشر صورة رائعة لمجتمع متعدد الديانات حيث يسيطر الإسلام سياسيا ويسود في نفس الوقت تعايش قل وجوده في مجتمعات أخرى (71) . إن هذه الأفعال والأقوال أوسمة على صدر الإسلام ولقد حاول ملك فرنسا هنري الرابع تقليد الأنموذج الإسلامي بعد انتهاء الحروب الدينية في القرن السادس عشر فمنح البروتستانت في مملكته بموجب مرسوم نانت L’edit de Nante بعض الحقوق ما لبث أن ألغاها لويس الرابع عشر بعد قرن من الزمن Revocation de l’edit de Nante فعاد الاضطهاد الديني إلى ما كان عليه وبقي حتى قيام الثورة الفرنسية.
إن هذا النوع من التطور الاجتماعي الذي حمله المسلمون وطبقوه منذ إقامة ملكهم في أسبانيا وصقلية في القرنين الثامن والتاسع لم تطبقه أوربا إلا بعد قيام الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر أي بعد المسلمين بألف عام.

________________________________________

المراجع
العربية والفرنسية والإنكليزية

1- الدكتور فؤاد سيزكين- أبحاث الندوة العالمية الأولى لتاريخ العلوم عند العرب، مكانة العرب في تاريخ العلوم ص48 معهد التراث العلمي العربي جامعة حلب 1977.
2- محمد بن إسحاق بن النديم البغدادي: الفهرست ص680 تحقيق الدكتورة ناهد عباس عثمان- دار قطري بن الفجاءة 1985.
3- Lucien Leclerc- Histoire de la Medicine Arabe, Page 90 Tome I Paris Ernest Leroux 1876
4- الوزير جمال الدين أبي الحسن
على بن القاضي الأشرف يوسف القفطي: إخبارضم العلماء بأخبار الحكماء ص175 دار الآثار للطباعة والنشر والتوزيع- بيروت .
5- أحمد أمين: ضحى الإسلام الجزء الأول ص277 مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر- القاهرة 1952.
6- موفق الدين أبي العباس أحمد بن قاسم بن خليفة بن يونس السعدي الخزرجي المعروف بابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، شرح وتحقيق الدكتور نزار حنا ص276-284 منشورات دار مكتبة الحياة- بيروت 1965.
7- ضحي الإسلام أحمد أمين ج1 ص299.
8- نفس المصدر السابق ص300.
9- Manferd Ulmann,Islamic Surveys II P. 9 Edinburgh University Press 1978.
10- أحمد أمين: ضحى الإسلام ج1 ص300.
11- ابن النديم- الفهرست: ص579 وما بعدها.
12- ابن أبي أصيبعة- عيون الأنباء في طبقات الأطباء ص271 -274.
13- جرجي زيدان: تاريخ التمدن الإسلامي ج3 ص142 مطبعة الهلال بالفجالة مصر 1904.
14- ابن أبي أصيبعة ص284.
15- زيغريد هونكة: شمس العرب تسطع على العالم ص385 المكتب التجاري للطباعة والتوزيع والنشر - بيروت 1964.
16- نفس المرجع السابق ص390.
17- فؤاد سيزكين: أبحاث الندوة العالمية الأولى لتاريخ العلوم عند العرب- مكانة العرب في تاريخ العلوم ص48 معهد التراث العلمي جامعة حلب- 1977.
18- Lucien Leclerc. Tome I Page 125.
19- ابن أبي أصيبعة عيون الأنباء ص608-609 .
20- Aziz S. Atiya: Crusade , Commerce and Culture p. 217 Indiana University Press, Bloomington 1962.
21- Ibid p. 218
22- خير الدين الزركلي- الأعلام ج6 ص213 الطبعة الثالثة- بيروت 1969.
23- Aziz S. Atiya p. 217
24- عباس محمود العقاد- أثر العرب في الحضارة الأوربية ص106 دار المعارف بمصر الطبعة الثانية 1960 .
25- Aziz S. Atiya p. 76
26- Ibid. page 219
27- ابن النديم: الفهرست ص683 طبعة دار قطري بن الفجاءة 1985.
28- تاريخ العلوم والحضارة الإسلامية- مطبوعات جامعة الإمارات العربية ص339.
29- Lucien Leclerc P. 76
30- Ibid
31- Aziz S. Atiya p. 222
32- Ibid P. 222
33- Ibid P. 223
34- 223 Ibid P.
35- Ibid P. 249
36- تاريخ العلوم والحضارة الإسلامية ص270 وما بعدها. مطبوعات جامعة الإمارات العربية المتحدة الطبعة الأولى 1989.
37- Aziz S. Atiya the Crusade , Historiography and Bibliography VII Bibliotheca Geographorum Arabicorum P.P 73 , Indiana University ,Press Bloomington 1962.
38- Encyclopaedia Universalis. Vol II p. 213.
39- جرجي زيدان: تاريخ التمدن الإسلامي ج3 ص142 مطبعة الهلال 1904.
40- زيغرند هونكه- شمس العرب تسطع على العالم ص361.
41- Benoist Mechin Frederic de Hohenstaufen p. 42 Librairie Academic Perrin 1980.
42- نفس المرجع السابق.
43- Lucien Leclerc. Tome II P. 343
44- Georges Sarton.Introduction to the History of Science p.114
45-Lucien Leclerc.Tome II P.295 Ibid p. 427
47- Georges Sarton.Introduction to the History of Science p.p. 339 Vol II part I Published by Williams and Wilkins Company, Baltimore 1931.
48- Lucien Leclerc. Tome I p. 367
49- الدكتور كامل عياد: أثر صقلية في نقل الحضارة العربية الإسلامية إلى الأوربيين ص11- أبحاث المؤتمر العالمي لتاريخ الحضارة العربية الإسلامية دمشق 2-7 نيسان 1981.
50- نفس المرجع السابق.
51- زيغرند هونكه ص450.
52- زيغرند هونكه ص347.
53- نفس المرجع السابق.
54- الدكتور عبد الحميد صبرة- مدخل إلى تاريخ العلوم عند العرب ص16- عاديات حلب الكتاب الثاني 1976- جامعة حلب- معهد التراث العلمي العربي.
55- Lucien Leclerc. Tome II p. 347
56- Philip K. Hitti. the Arabs, a short history p. 177
57- أسامة بن منقذ- كتاب الاعتبار ص233 مطبعة وزارة الثقافة والإرشاد القومي دمشق 1980.
58- Aziz S. Atiya p. 240
59- زيغرند هونكه- شمس العرب تسطع على العالم ص315.
60- الدكتور فؤاد سيزكين: مكانة العرب في تاريخ العلوم - أبحاث الندوة العالمية الأولى لتاريخ العلوم عند العرب ص55 جامعة حلب 1977.
61- Philip K. Hitti. the Arabs, a short History p. 159
62- Encyclopaedia Universalis. France Vol. 10 page 786. Editeur A Paris 1968.
63- Philip K. Hitti p. 166
64- Ibid
65- Ibid
66- Ibid
67- Aziz S. Atiya p. 242
68- Ibid
69- Ibid p.257
70- Cecile Morrisson , Les Croisades p. 121 , Presses Universitaires de France 1977
71- Claude Cahen , Orient et occident au temps des croisades page 20. Aubier Collection Historique, 1983.
--------------------
أحمد إياد الشطي ( وزير الصحة بالجمهورية العربية السورية )
الأستاذ الدكتور : برهان العابد

 
المنظمة العربية للترجمة - جابر عصفور طباعة إرسال إلى صديق
تقييم المستخدمين: / 3
سيئجيد 
الكاتب صوت العربية   
الجمعة, 04 يوليو 2008 16:28

مفيد للثقافة العربية أن تتزايد مؤسسات الترجمة الحكومية وغير الحكومية على المستوى القطري أو القومي، ففي تزايد هذه المؤسسات ما يصل بحركة الترجمة العربية إلى أفقها المنشود، ويتيح للثقافة العربية أن تنفتح على أقطار العالم من حولها من دون تحيز، وتقلّل من اتساع الهوة بينها وعوالم التقدم، وتفيد من الحوارات الدائرة في الكوكب الأرضي، وتسهم فيها بما يعود بالنفع عليها وعلى غيرها.

ولذلك تحمستُ للدعوة إلى إنشاء مؤسسة عربية للترجمة، وهي الدعوة التي تبنّاها مركز دراسات الوحدة العربية الذي يشرف عليه الأستاذ خير الدين حسيب، ورأيت في هذه الدعوة تجسيداً لإمكانات العمل العربي المشترك، بعيداً عن حالة التكلس والخمول التي أصابت المؤسسات الثقافية لجامعة الدول العربية، كما رأيت في نجاح هذه المؤسسة وعداً جديداً من وعود تنمية الثقافة العربية.
وقد تأكدت هذه المعاني في ذهني حين لاحظت أن الدعوة إلى إنشاء مؤسسة عربية للترجمة قد اتخذت منحى علمياً واضحاً، فقد أعد مركز دراسات الوحدة العربية ندوة فكرية عن الترجمة في الوطن العربي ، في 11 - 13 أيار (مايو) سنة 1998، هدفها إنشاء هذه المؤسسة العربية للترجمة. واشترك في هذه الندوة يوسف زيدان بورقة عن الترجمة في التراث العربي، محاولاً الكشف عن الدروس التاريخية المستخلصة من تاريخ الترجمة العربية. وقدّم شوقي جلال تقرير المسح الميداني للوضع الراهن للترجمة في الوطن العربي. وأكمل المهمة محمود إسماعيل صالح ( الصيني ) بورقته عن الاتجاهات المعاصرة في حركة الترجمة في العالم. وأضاف حسن الشريف تقريره المسحي عن الترجمة الآلية في الوطن العربي. وتحدث نبيل علي عن هندسة اللغة وتكنولوجيا الترجمة. وأضاف جون هتشنز (من جامعة إيست انغليا - إنكلترا) دراسته المهمة عن تطوير نظم الترجمة الآلية وأدوات الترجمة التي تستخدم الحاسوب في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية. وطرح عبد الله القفاري مقاربة ميدانية عن كيفية بناء قاعدة بيانات شاملة للكتاب العلمي العربي والمعجم المختص .

 وتولّت ورشة عمل خاصة وضع تجارب الترجمة الآلية موضع البحث، ابتداء من تجربة أي تي أي لتقنية البرامج، مروراً بتجربة مجموعة التطبيقات ((Apptek التي تستخدم نظام ترانسفير ((Transfer للترجمة الآلية إلى اللغة العربية، وانتهاء بتجربة شركة سيموس، حيث نظام الترجمة الآلية متعددة اللغة إلى اللغة الإنكليزية وبالعكس .
واكتملت الأوراق والأبحاث بدراسة جدوى أولية لمشروع إنشاء مؤسسة عربية للترجمة، وهي دراسة قام بها كل من أسامة الخولي وعبد الإله الديوه جي وحسن الشريف ومحمد مراياتي. وكانت المناقشات حول دراسة الجدوى لا تقل في أهميتها عن المناقشات حول الأوراق والأبحاث وجلسات ورشة العمل في الوقت نفسه. وبعيداً عن تقويم هذا البحث أو ذاك، أو الإشارة إلى أن بعض التقارير المسحية لم تكن تقارير مسحية بالمعنى الدقيق أو الشامل، فإن ثراء المناقشات أدى إلى مجموعة من التوصيات والمقترحات التي كان أهمها:
- الدعوة إلى إنشاء نقابات أو جمعيات للمترجمين في كل الدول العربية، جنبا إلى جنب الدعوة إلى إنشاء اتحاد للمترجمين العرب.
- الدعوة إلى إنشاء معهدٍ عالٍ لتنمية مهارات المترجمين.
- توثيق التعاون بين المؤسسة المقترحة والاتحادات والمراكز العلمية المعنية بشؤون الترجمة عربياً ودولياً.
- ضرورة أن تضطلع المؤسسة المقترحة بعمل مسح ببليوغرافي شامل في جميع الأقطار العربية لما تمت ترجمته من اللغات الحية إلى اللغة العربية، بحيث تشمل الببليوغرافيا دور النشر والجامعات والهيئات والمؤسسات.
- أهمية أن تقوم المؤسسة المقترحة بصياغة استراتيجية شاملة لكل أنشطة الترجمة ومجالاتها، وتتولى عقد المؤتمرات والندوات وورش العمل لتبادل الخبرات بين العاملين.
- التنسيق مع اتحاد الناشرين العرب لتعزيز تسويق الكتاب المترجم.
- توثيق الروابط مع الجاليات العربية في الخارج باعتبارها سوقاً للكتاب المؤلَّف أو المترجم عربياً، وفي الوقت نفسه الإفادة من خبراتهم ومواقعهم.
- التنسيق مع أجهزة الإعلام للتعريف النقدي بالإصدارات المترجمة.
- إنشاء مجلة دورية تعنى بشؤون الترجمة، وتعمل على وصل القارئ العربي بدراسات الترجمة في كل مكان من العالم.
- الاقتصار على الترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية في المرحلة الأولي، وذلك من منظور أن حاجة القارئ العربي حاجة ماسة، ولها الأولوية القصوى ، أما تعريف العالم بالإنجازات العربية فأمر يمكن تأجيله إلى حين توافر الدعم المالي وتوسيع دوائر المترجمين والمترجمات إلى اللغات الأجنبية.
- السعي إلى تنسيق جهود الجهات العاملة في حقل الترجمة من طريق الربط بين هذه الجهات والمؤسسات إلكترونياً أو بالوسائل الأخرى المتاحة، وتنشيط تعاونها مع بعضها البعض وتمهيد وسائل هذا التعاون. وتقع على قمة هذه الجهات : دور النشر، والمؤسسات العاملة في مجال المصطلح، ومؤسسات التعريب، وشركات الترجمة الآلية، والمترجمون العاملون في الميدان.
وقد أفضت أعمال ندوة الترجمة في الوطن العربي التي عقدها مركز دراسات الوحدة العربية إلى إنشاء المؤسسة العربية المقترحة، وذلك في الوقت الذي صدرت فيه بحوث الندوة نفسها ومناقشاتها وتوصياتها في كتاب بالغ الأهمية لكل المشتغلين بالترجمة والمهتمين بتطوير أنشطتها ومؤسساتها في الوقت نفسه. وأعلنت المؤسسة الجديدة عن حضورها باسم المنظمة العربية للترجمة . واختير الباحث التونسي الصديق الطاهر لبيب مديراً عاماً للمنظمة، كما أصبح خير الدين حسيب رئيساً لمجلس أمناء المنظمة. وعقدت المنظمة الاجتماع الأول للجنة الاستشارية الموسعة في بيروت، خلال الفترة 18 - 19 كانون الأول (ديسمبر) 2000، وذلك لتدارس الإمكانات التنفيذية لعمل المنظمة التي تجمّع لديها من رأس المال (على هيئة وديعة) ما يسمح لها بالحركة المحدودة، أملاً في تزايد الدعم المالي في المستقبل، سواء من الأفراد أو الهيئات الدولية، وهو الأمر الذي أرجو اكتماله، داعياً أثرياء العرب المهتمين بالثقافة والمؤسسات والهيئات القائمة إلى دعم هذه المنظمة الوليدة بما يمنحها القدرة على الحركة الواسعة والعمل الممتد. وأرجو أن تكون الإنجازات القليلة للمنظمة في المستقبل خير إعلان عن حضورها، وباعثاً للجميع على الثقة فيها، ومن ثم عدم التردد في دعمها مالياً.
وقد اتخذ اجتماع اللجنة الاستشارية الموسعة شكل الحلقة البحثية التي تدارست القضايا الأساسية من خلال مجموعة من الأوراق التي قدمها كل من هنري عويس ومحمد الجوهري وأسامة الخولي وحسن الشريف ومحمد مراياتي وغيرهم. وقدّم الطاهر لبيب نتائج الاستبيان الذي قام به على عينة مختارة، وهي نتائج تجمعت من الإجابة عن أسئلة من قبيل: لماذا نترجم؟ ولمن نترجم؟ وماذا نترجم؟ وكيف نترجم؟ وناقشت اللجنة مجموعة من المشاريع المقدمة، منها المشروع الذي قدمه الأستاذ مطاع صفدي لترجمة الأعمال الكاملة للفلاسفة المؤسِّسين لفكر العالم الحديث، ومشروع المعجم النقدي المقارن في علم الاجتماع الذي قدمه الدكتور محمد نجيب بوطالب والدكتور عبد الوهاب حفيظ، ومنها مشروع بإصدار سلسلة من المترجمات في علم الحاسوب. وأخيراً، اقتراح بترجمة بعض الدوريات الأجنبية.
وقد اتسمت المناقشات هذه المرة بالطابع العملي الخالص قياساً إلى الندوة السابقة عن الترجمة في الوطن العربي ،فقد عرف الجميع رأس المال المتوافر، والذي يمكن الانطلاق منه بوصفه بداية متواضعة، لكنه يمكن أن يؤسس نقطة انطلاق قادرة على جذب الانتباه وتأكيد الحضور. واشترك بعض أعضاء اللجنة الاستشارية الموسعة في صياغة مشروع تنفيذي للسنوات القليلة المقبلة، وتشكلت لجان لاختيار النتاج العالمي المقترح ترجمته في حدود الإمكانات المالية التي لا تزال محدودة. وكان المبدأ الأساسي الذي يحكم الصياغة هو تشكيل نواة خطة قومية تنهض بحركة الترجمة، وتصل بين المترجمين والمترجمات العرب في كل مكان، وتعمل على تطوير أوضاع الترجمة وتقنياتها.
وقد خرجتُ، شخصياً، من اجتماعات اللجنة الاستشارية بالأمل في إمكانات التنفيذ، نتيجة حماسة المشاركين تطوعاً، ونتيجة الحماسة المماثلة عند القائمين على أمور المنظمة، وهي حماسة جذبت إليها - حتى الآن - عدداً لا بـأس به من مقترحات المترجمين الذين يريدون الإسهام في تحقيق أحلام المنظمة وتحويلها إلى واقع ملموس، تتزايد إيجابياته وإنجازاته عاماً بعد عام. ولكن هل ستنجح هذه المنظمة في تحقيق كل الأهداف التي أعلنت عنها، وتعمل على تجسيدها، وتسبق غيرها من المشاريع الموازية أو المماثلة، خصوصاً أن ما تجمّع لديها من دعم مالي أقل بكثير من طموحاتها وطموحات المتحمسين لها؟ غالب الظن أن الإجابة عن هذا السؤال ستتوقف على الجهد الذي لا بد من أن يقوم به الصديق الطاهر لبيب في مجالات التنسيق بين لجان الاختيار، وتقديم نماذج المترجمات الأولى التي لا بد من أن تكون بمثابة شهادة على مدى عافية المولود الجديد، والتفكير في أساليب جديدة لزيادة رأس المال ، والبحث عن مصادر لتوفير الدعم المالي من المنظمات الدولية، وذلك لجذب المترجم المتميِّز وتشجيعه بالمكافأة المالية التي يستحقها. وأضيف إلى ذلك حماسة المترجمين وصبرهم على الأعمال الكبيرة والتأسيسية، في كـل مـجال من مجالات المعرفة، وهـي الأعـمال التي لا يمكن ترجمتها إلا بعد جهد وصبر وتفرغ كامل لوقت طويل.
-------------

جريدة الحياة 29 -10 -1421هـ / 24 -01 -2001م ( العدد : 13829 )

 
مــاهـيـة الـتـعـريب - الأستاذ/ إدريس بن الحسن العلمي طباعة إرسال إلى صديق
تقييم المستخدمين: / 16
سيئجيد 
الكاتب صوت العربية   
الجمعة, 04 يوليو 2008 16:26

مــاهـيـة الـتـعـريب - الأستاذ/ إدريس بن الحسن العلمي ( الرئيس سابقا لمصلحة التعريب التابعة لمكتب المراقبة والتصدير بالدار البيضاء - الخبير في اللغة والتعريب لدى المكتب الدائم لتنسيق التعريب بالرباط وأحد رواد حركة التعريب بالمغرب كاتب وشاعر)

مفهوم التعريب:

التعريب كلمة تعددت دلالاتها، واختلفت تحديداتها على ممر العصور، باختلاف الزمان، والمكان، والإنسان. فمدلولها عند اللغويين القدامى يختلف عن مدلولها عند المحدثين، وهو عند المشارقة غيره عند المغاربة، وقد اختلف قبلهم في تعريفها اللغويون الأولون فيما بينهم كما يتضح من هذا البحث.

" التعريب " عند القدامى

عند الجوهري العلامة اللغوي : " التعريب هو أن تتكلم العرب بالكلمة الأعجمية على نهجها وأسلوبها ". أما عند سيبويه النحوي المشهور : " التعريب هو أن تتكلم العرب بالكلمة الأعجمية مطلقا، فهم تارة يلحقونها بأبنية كلامهم، وطورا لا يلحقونها بها ".

فإن سرنا على منهج الجوهري ينبغي أن نقول في تعريب كلمة Pasteurisation مثلا البَسْـتَرَة مثلما فعل مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وأن نقول في تعريب كلمة appertisation الأَبْرَتَة كما فعلنا سيرا على نهج المجمع المذكور. فلفظ appertisation مشتق من اسم Appert العالم الذي أوجد طريقة لتصبير المعلبات كما أن Pasteurisation مشتق من اسم العالم Pasteur الذي اكتشف طريقة للتعقيم.
فعلى سبيل المثال لا يسوغ لنا حسب الجوهري إلا أن نقول لتعريب هذين المصطلحين البسترة والأبرتة ولا يجوز لنا بحال أن نقول باستوريزاسيون وأبيرتيزاسيون.

أما سيبويه فإنه يجيزهما معا. ففي رأيه يصح أن نقول : البسترة أو الباستوريزاسيون والأبرتة أو الأبيرتيزاسيون كليهما على حد سواء.

وينبغي أن نلاحظ أن التعريب على مذهب الجوهري له مزية كبرى ليست للتعريب على مذهب سيبويه. وهذه المزية تتلخص في إمكان الاشتقاق من اللفظ المعرب ما يشتق من أي لفظ عربي. ففي وسعنا مثلا أن نشتق من لفظ البَسْـتَرَة جميع الأفعال فنقول في الماضي بَسْـتَرَ للمفرد المذكر، ونقول في الجمع بَسْـتَرُوا وللمؤنث بَسْتَرَتْ وَبَسْتَرْنَ وفي الأمر بَسْتِرْ وَبَسْتِرِي وَبَسْتِرُوا وَبَسْتِرْنَ وفي المضارع يُبَسْتِرُ وَيُبَسْتِرَانِ وَيُبَسْتِرُونَ وَتُبَسْتِرُ وَتُبَسْتِرَانِ وَيُبَسْـتِرْنَ. ونقول في اسم الفاعل مُبَسْتِر وَمُبَسْتِرَانِ وَمُبَسْتِرُونَ وَمُبَسْتِرَة وَمُبَسْـتِرَتَانِ وَمُبَسْـتِرَات. وفي اسم المفعول مُبَسْتَر وَمُبَسْـتَرَة ومُبَسْتَرَات. وفي النسبة إلى المصدر بَسْـتَرِيُّ. وفي صيغة المطاوعة للمذكر تَبَسْتَرَ وتَبَسْتَرَتْ للمؤنث. وفي اسم الفاعل مُتَبَسْـتِر ومُتَبَسْـتِرَة. وفي صيغة الحرفة بَسْـتَار على وزن بَيْطَار وفي النسبة إليه بَسْـتَارِيّ. وفي العدد من اسم المرّة بَسْتَرَات وفي اسم الآلة التي يبستر بها مِبَسْـتَرة وفي اسم المكان مَبَسْتَر إلخ... وكل هذا لا يتأتى مع لفظ باستوريزاسيون المعرب على طريقة سيبويه.

يقول الشيخ عبد القادر بن مصطفى المغربي عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة : " على أننا مهما استحسنا رأي سيبويه في عدم اشتراطه رد الكلمة المعربة إلى مناهج اللغة وأوزانها، ينبغي أن نقف من تسامحه عند حد محدود، وإلا تكاثرت الكلمات الأعجمية ذات الأوزان المختلفة والصيغ المتباينة في لغتنا الفصحى وخرجت على تمادي الأيام بذلك عن صورتها وشكلها، وعادت لغة خلاسية لا عربية ولا أعجمية".

ولقد سار على نهج سيبويه ثلة من اللغويين منهم الخفاجي وابن سيده صاحب المخصص المعجم التصنيفي. وممن ذهب مذهب الجوهري الإمام اللغوي محمد مرتضى الزبيدي مؤلف تاج العروس من جواهر القاموس فأورد ضمن شرحه المستفيض لكلمة التعريب في معجمه المذكور الذي يعد من أكبر وأهم معاجم اللغة العربية : " ... وتعريب الاسم الأعجمي أن تتفوه به العرب على منهاجها ". ووافقه على هذا الشرح " المعجم الوسيط" الذي أصدره مجمع اللغة العربية بالقاهرة عند شرحه هذا اللفظ بقوله : " التعريب : صبغ الكلمة بصبغة عربية عند نقلها بلفظها الأجنبي إلى اللغة العربية ".

وأكد المجمع هذا المعنى في قراره السادس من مجموعة قراراته العلمية ونصه : " يجيز المجمع أن يستعمل بعض الألفاظ الأعجمية - عند الضرورة - على طريقة العرب في تعريبهم ".

ونص الجواليقي على " أن المعربات أعجمية باعتبار الأصل، عربية باعتبار الحال". وتبعه على ذلك الإمام ابن الجوزي وغيره " بأن الكلمات الأعجمية التي وقعت للعرب فعربوها بألسنتهم، وحولوها عن لفظ العجم إلى ألفاظهم، تصبح عربية، فيجري عليها من الأحكام، ما يجري على تلك، تتوارد عليها علامات الإعراب إلا في بعض الأحوال، وتعرف بـ " الــ "، ويضاف إليها، وتثنى، وتجمع، وتذكر، وتؤنث".

وذكر الأستاذ محمد بن تاويت في مقال بعنوان " مظاهر التعريب " نشر في العدد العاشر من مجلة " اللسان العربي " : " إن العربي كان إذا جلب كلمة، أو جلبت له، يستغني بإلباسها لباسه العربي، ولو بغطاء الرأس، أو الحذاء، جاءته كلمة " كروان " بمعنى القافلة فقال فيها [قروان] وغطى رأسها بالألف واللام فأصبحت القروان والقيروان، وبذلك صارت الكلمة تتمتع بكل الحقوق التي تتمتع بها الكلمة العربية في إعرابها، فلا تمتنع من الصرف لعلة العجمة ".

" وسمع النبي صلى الله عليه وسلم، من سلمان الفارسي، كلمة " خندق " فاستفسره عن معناها، وهي اسم مفعول من " كنده " الفارسي، بمعنى الحفر، فكانت " كنده " وعربت بأن أبدلت الهاء - التي لا تنطق - قافا فصارت " خندق ". فتقبلها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأنف من استعمالها، بل اشتق منها " خَنْدِقُوا " فسميت الغزوة بغزوة الخندق ".

وقبل أن ننتقل إلى تحديد معنى التعريب عند المحدثين، نرى لزاما علينا تلافيا لكل التباس أن نميز بين طرائق التعريب المختلفة ومن أجل ذلك سمحنا لأنفسنا بأن نطلق على طريقة التعريب عند الجوهري اسم التعريب الاقتباسي الصياغي، وعلى طريقة سيبويه التعريب الاقتباسي الصوتي. وزيادة في الإيضاح إذا عربنا كلمة "télévision " بـ تلفزة، على مذهب الجوهري، فهذا نسميه التعريب الاقتباسي الصياغي، فإذا ما نحن عربناها بـ تيليفيزيون سمينا تعريبنا هذا التعريب الاقتباسي الصوتي. ومما تجدر ملاحظته أن التعريبين يندرجان معا تحت اسم التعريب الاقتباسي. ومن هنا نقرر أن العرب في القديم لم تكن تعني بكلمة التعريب سوى التعريب الاقتباسي.

أما التعريب بمفهومه الشائع في أيامنا هذه، وهو إيجاد كلمة عربية الأصل لمقابلة لفظ أعجمي، فهذا نسميه التعريب الوضعي كما نسمي طريقة التعريب التي تجمع المذاهب الثلاثة على الإطلاق ويشملها الالتزام باتباع أي منها وفقا لما هو الأنسب وحسبما تقتضيه الضرورة، نسميها التعريب الشمولي.

وتتلخص هذه الطريقة فيما قاله أحمد فتحي باشا زغلول في سنة 1908 : " إذا عرض لنا لفظ أعجمي ترجمناه إلى اللغة العربية، وإذا تعذر لنا هذا اشتققنا له اسما من لغتنا، وإذا لم يتيسر جئنا بكلمة عربية، وأطلقناها عليه بضرب من التجوز، وإذا تعذر هذا عربناه (ويعني بـ " التعريب " التعريب الاقتباسي) وأدمجناه في تراكيب كلامنا ".

" التعريب " عند المحدثين

جاء في مقال للدكتور محمد السويسي : " ... هذا اللفظ (التعريب) يفيد في اللغة الإيضاح والتبيين، وفي الاصطلاح يطلق على مدلولين مختلفين : الأول إدخال اللفظ الأعجمي ضمن المعجم العربي، فيصقل ويصاغ في قوالب الأوزان العربية ويمكن من القبول لأبنيتها والخضوع لمقاييسها وقواعدها، فيشتق منه على الطريقة التي بها يشتق من اللفظ العربي الصميم ".

" المعنى الثاني، وقد شاع بيننا في السنوات الأخيرة، وهو إيجاد مقابلات عربية للألفاظ الأعجمية، حتى تصير العربية الفصحى وحدها هي لغة الكتابة والتدريس والإعلام، تستخدم في المدرسة والجامعة، وتستعمل في الدار والسوق وفي الصحافة والإذاعة ".

فيما قبل منتصف القرن العشرين

فيما قبل منتصف القرن العشرين، كان "التعريب" لا يعني سوى ما أطلقنا عليه "التعريب الاقتباسي" وكان الخلاف على أشده، في مطلع هذا القرن، بين أنصار "التعريب الاقتباسي" وأنصار "التعريب الوضعي" أما "التعريب" بمعناه الشائع عندنا اليوم في المغرب على الأخص، والذي أطلقنا عليه اسم " التعريب الشمولي" فلم يكن يستعمل عند المشارقة حينذاك بهذا المعنى، أما ما سميناه "التعريب الوضعي" فكان يعرف عندهم بلفظ "الترجمة".

ويحكي لنا عن هذا الخلاف الشيخ عبد القادر المغربي بقوله في مقدمة الطبعة الثانية لكتابه " الاشتقاق والتعريب " :
" أما السبب المباشر في حملي على تأليف الكتاب فهو ما كان يسمعنيه إخواني من العتب في استعمال كلمات من المعرب، والدخيل، في مقالاتي التي كنت أنشرها في "المؤيد" بين سنتي 1906 و1909 وكنت لا أرى رأيهم في أن القليل من هذه الكلمات يفسد المقال الطويل بعد أن تتوفر فيه سائر صفات الحسن.

وكان يحتدم الجدل بيني وبينهم حتى تخطى الجدل القول إلى الكتابة في الصحف.

ثم رأى أساتذة اللغة في مصر يومئذ أنه لا ينبغي أن يكتفى في حل هذه المشكلة بما يكتبه الكتاب في الصحف، ويتحدث المتحدثون في المحافل، فإن الأمر أعظم من ذلك، وأن الواجب أن يلجأ في الفصل لهذه القضية، إلى تنظيم الجدل، وتوجيه العمل.

وعقدت مناظرات في (نادي العلوم) تحت رئاسة كبير أدباء عصره، حفني بك ناصف.

فقامت المناظرات المنظمة على قدم وساق، بين أساطين الأدب، وأساتذة اللغة : حفني ناصف، والشيخ شاويش، والخضري والأسكندري وأحمد زكي وأخيرا أحمد فتحي زغلول.

وكان ختام المناظرات مناظرة عقدت مساء 20 فبراير عام 1908، خطب فيها طائفة ممن ذكرنا، واحتاج الأمر إلى حكم يحكم بينهم، فكان ذلك الحكم المرضي الحكومة، والمتفق عليه من الجميع : أحمد فتحي باشا. فألقى كلمة قطع بها قول كل خطيب...".

وخلاصة ما قال هو ما نصصنا عليه ضمن تحديد " التعريب الشمولي " وهذه الطريقة هي التي سار عليها مجمع اللغة العربية بالقاهرة حتى الآن

ومن رأي أحمد بك زكي : " أن ما يعانيه المترجمون من صعوبة ترجمة الكلمات الأعجمية إلى العربية، يستدعي الجري على قاعدة [الباب المفتوح] في اللغة، كما يجرون عليه اليوم في السياسة ". ثم شرط لفتح الباب أن يكون عليه من الحراس الأكفاء ما يحول دون دخول أي كلمة كانت.

يشير بذلك إلى المجمع اللغوي الذي تكون وظيفته تمحيص تلك الألفاظ الدخيلة وعدم السماح لها بالدخول في بنية اللغة ما لم تشذب وتهذب.

التعريب منذ بداية الستينات

لعل مدلول التعريب بمعناه الشمولي أول ما عرف، عُرف في المغرب الأقصى بعد تأسيس " المكتب الدائم لتنسيق التعريب في الوطن العربي " في 3 أبريل 1961. ثم أخذ هذا المعنى يستقر شيئا فشيئا، في أذهان المشارقة الذين ظلوا مع ذلك، وإلى جانب ذلك، يستعملون لفظ الترجمة يعنون به ما أطلقنا عليه اسم التعريب الوضعي، ويستعملون لفظ التعريب يَعنون به التعريب الاقتباسي بنوعيه الصوتي والصياغي

ولئن كان المكتب الدائم لتنيسق التعريب في الوطن العربي جرى في مفهوم التعريب على مدلول التعريب الشمولي، فإن المعهد الوطني للأبحاث والتعريب بالرباط الذي سبقه إلى الوجود، سار على مفهوم التعريب الوضعي الذي بقي إلى حين يتحمس له كل الحماس، ولا يقبل فيه الانصياع إلى ما قررته المجامع اللغوية، ولا إلى ما انعقد عليه الإجماع في كل البلاد العربية.

ولما راج استعمال مدلول التعريب الشمولي في المشرق العربي، أضاف المشارقة إليه ما ليس منه : فأطلقوه حتى على مجرد الترجمة إلى العربية.

وهكذا أصبحنا نقرأ على أغلفة الكتب، من روايات وقصص وغيرها، عبارة " تعريب فلان " أو " عربه فلان " بدلا من " ترجمه فلان " أو" ترجمة فلان "، أو " نقله فلان إلى العربية ".

ونظرا لما أحدثه هذا الإطلاق الأخير من بلبلة في الأذهان، وإبهام في مفهوم التعريب عند الجمهور من غير المعربين المتخصصين، ارتأينا من المفيد أن نوضح الفارق بين الترجمة والتعريب.بين الترجمة والتعريب

إن مفهوم التعريب الذي أجمع عليه أخيرا المشتغلون بعملية التعريب هو إيجاد مقابل عربي للفظ أعجمي لم يكن له ولم يعرف له مقابل عربي من قبل.

وإن كان هناك خلاف أحيانا فهو في الطريقة التي يتم عليها هذا الإيجاد. فهل يتم عن طريق الوضع بالاشتقاق أم المجاز أم النحت أم عن طريق التعريب الاقتباسي بنوعيه : الصياغي والصوتي أو ببعث المقابل العربي من مدفنه في بطون الكتب القديمة المتخصصة إن كان معناه معروفا عند العرب الأوائل من قبل. فنحن مثلا عندما نجعل قبالة لفظ "médecin" الطبيب أو عندما نجعل لفظ المريض قبالة "le malade" أو الدواء قبالة "le médicament" فإننا لم نزد على أن ترجمنا هذه الألفاظ.

لكن عندما جعل مجمع اللغة العربية كلمة " سيارة " قبالة لفظ "automobile" فقد عرب هذا اللفظ الأعجمي إذ أوجد له مقابلا عربيا لم يكن معروفا بمعناه من قبل لا عند القدماء ولا عند المحدثين.

لكننا عندما نستعمل نحن لفظ " سيارة " الذي اقتبسه المجمع لا نكون عربناه، بل ترجمناه، والذي عربه هو الذي أوجد له المقابل أو دل عليه وهو المجمع.

ومثل ذلك يمكننا أن نقول بصدد البسترة pasteurisation و"الأبرتة" appertisation والتلفزة la télévision فلفظ " سيارة " يعني في المعاجم العربية " القافلة ". و" السيارة " : القوم يسيرون، أنثت على معنى الرفقة والجماعة.

وورد هذا المعنى الأخير في سورة يوسف من القرآن الكريم : )قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابات الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين(. وبهذا المعنى يكون المجمع استعمل لفظ " سيارة " على سبيل المجاز. ويجوز أن يكون استعمله على سبيل الحقيقة بمعنى " الكثيرة السير " بوصفه صيغة للمبالغة التي تأتي على وزن "فَعَّال" و" فَعَّالة " كما يجوز استعماله على صيغة الآلة مثل " ثَلاَّجة " و" سَمَّاعة " و" حَصَّادة". ومهما يكن فإن المجمع قد وفق كل التوفيق في هذا التعريب.عندما نطمس عبقرية اللغة أو لا اتزان إلا بالأوزان

مَثَـلُ لغةِ الضاد مع أبنائها كمثل أعظم بطل عالمي في السباق، عمد قومه إلى يديه فأوثقوهما من خلف، ثم أنحوا عليه باللائمة لأنه لم يكن مبرزا في المباراة ؛ ثمَّ قيّدوا يديه مع رجليه وأنبوه على عدم ولوجه حلبة السباق.

لقد كثر منذ مطلع هذا القرن الذي أشرف على الانصرام - النحيب والتحسر والشكوى من تخلف لغة العروبة، و"قصورها" عن أداء ما استجدّ وما يستجدّ من مفاهيم ومصطلحات علمية، وتقنية، وفنية، وحضارية. وخاض الخائضون في تعليل "القصور" و"الضعف"، وذهبوا في تعليلاتهم كل مذهب، حتّى أنّ بعضهم لم يتردّدوا في اتّهام بنْية اللغة العربية نفسها، وندبوا حظّها لكونها " تنقصها " القابلية "للزوائد" (Les affixes) بما فيها "الصدور" (Les préfixes) و"الأواسط" (Les infixes) و"الكواسع" (Les suffixes) جازمين بأن مشكلة لغة الضاد الكبرى هي "افتقارها" لهذه الزوائد مع عدم قابليتها لها "لسوء حظها" وأنّ على أبنائها أن ينكبّوا على معالجة هذا "النقص" إن كانوا يريدون للغتهم مجاراة غيرها من لغات الدول المتقدمة التي ما كانت لتتطور وتساير التقدم العلمي والحضاري لولا اتخاذها تلك "الزوائد".

لكنّ أولئك "الناصحين" جهلوا، أو تجاهلوا، أو على أحسن تقدير، غفلوا عن أنّ الله قد أنعم على لغة القرآن بما لم ينعم به على أي لغة، فحباها ميزة أعظم وأكمل وأشمل وأجمل وأوفى بالتعبير عن الغرض وعن القصد من ميزة "الصدور" و"الأواسط" و"الكواسع" ميزة تتصل ببنية اللغة نفسها : ألا وهي الأوزان اللفظية، الدالّ كل وزن منها على غرض أو أغراض معيّنة.

فللدلالة على كل من الآلة ومكان الفعل، ومسبب الفعل، والمرض، والمرة من الفعل، والهيئة، والحرفة، والمحترف، والمبالغة، والفاعلية، والمفعولية، والكثرة، والقلة، والقابلية، والمطاوعة، والاشتراك في الفعل، وأسماء الألوان، وأسماء العاهات والمعايب الخلقية، والنفايات الخ... فللدلالة على كل غرض من هذه الأغراض وغيرها وزن خاص أو عدد محدود من أوزان معيّنة.

وقد أوصل اللغويون عدد هذه الأوزان إلى ألف ومائتين وعشرة (1210).
وهذه الأوزان هي أشبه ما يكون بقوالب المصانع التي تصب فيها مادة الإنتاج فتصوغ لك منتجات على أشكالها وحجومها.

فقوالب الأوزان تصبّ فيها المادة اللفظية فتعطيك ما أنت راغب فيه من ألفاظ سائغة، جزلة، دقيقة المعنى.

وأنت لا تحتاج معها إلى مصنع ولا إلى آلة ولا إلى مجمع لغوي، يكفي أن تكون لديك مادة تتكون من ثلاثة حروف لتحصل على اللفظ الذي ترغب فيه, وهي ميسورة الاستعمال، وفي متناول كل عربي.

فكم من لفظ صاغه رجل الشارع العربي بسليقته على صيغة وزن من هذه الأوزان فشاع وذاع وتناولته أقلام الكتّاب وألسنة المذيعين من أمثال "ثلاجة" و"غسّالة" و"حصّادة" الخ...

فالمشكلة الكبرى التي تعترض بنت عدنان هي إعراض كثير من الممارسين عمل التعريب عن توظيف كل الأوزان التي تدعو الحاجة إلى توظيفها. وذلك يتجلى بوضوح في الكثير ممّا عربوه أو ترجموه من مصطلحات في مختلف المجالات.

في كل وزن من تلك الأوزان تكمن قوة للدفع باللغة. فعندما نتخلّى عن استعمال هذه الأوزان للأغراض المجعولة لها فإننا نعطّل قوتها ثم نقيم مأتما للبكاء على "ضعفها" و"قصورها" و"تخلفها".

إننا لا ننكر الجهود المبذولة في هذا السبيل من لدن بعض الهيئات من أمثال مكتب تنسيق التعريب في الوطن العربي بالرباط ومجمع اللغة العربية بالقاهرة، والمجمع العلمي العربي بدمشق، والمجمع العلمي العراقي ببغداد، كما لا ننكر جهود بعض رواد تعريب المصطلحات العلمية من أمثال الدكتور محمد صلاح الدين الكواكبي، والأمير مصطفى الشهابي والدكتور محمود الجليلي، بيد أن تلك المنجزات وغيرها مما لم نشر إليه - مع نفاستها - ليست سوى بصيص في حالك من ظلمة لن تنقشع إلا بإحداث منهجية اشتقاقية تأليفية دراسية، لنا إلمام بها في ختام هذا البحث.

ونحن في هذه العجالة إنما نريد الإشارة إلى بعض الثغرات التي تحصل في عمل التعريب من جرّاء إعراضنا عن توظيف "الأوزان" تلك الطاقة الخلّاقة في لغة الضاد. فنسوق بعض الأمثلة التي تشخّص تهافت عمل التعريب الذي يتجاهل وجودها.
فمن هذه الأوزان التي تشتدّ الحاجة إليها في تعريب المصطلحات العلمية والحضارية وزن " مَفْعَلَة " بفتح الميم والعين، على وزن "مَرْتَبَة" و"مدرسة".مَـفْـعَـلَـة

أكثر ما يستعمل وزن " مَفْعَلَة " لثلاثة أغراض :

لِإِفَادةِ معنى مُسبِّب الشيء، أو مُكَوِّن الشيء أو مُنْشِئِ الشيء، أو مُوَلِّد الشيء، ونسمي في هذا البحث " مَفْعَلَة " الدالّة على هذا المعنى بِـ "مَفْعَلَة السَّبَبِيّة".

ِلإِفَادَةِ معنى المكان الذي يكثر فيه الشيء، ونسميها "مَفْعَلَة المكانية"

لِإِفادة مجرّدِ المصدر الميمي، ونسمّيها "مَفْعَلَة المصدرية"، وهذه الأخيرة لا تهمنا في هذا البحث.مَـفْـعَـلـة الـسَّـبَـبِيـة

من أمثال العرب "الولَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ" أي يُسَبِّبُ البخل، ويُسبِّب الجبن لوالديه.
جاء في معجم " لسان العرب " ِلابْنِ منظور في مادة "بخل" :
" المَبْخَلَةُ : الشيءُ الذي يحملك على البخل. وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم : " الوَلَدُ مَجْبَنَةٌ، مَجْهَلَةٌ، مَبْخَلَةٌ "هو مِنَ البخل، ومَظَـنَّةٌ لِأَنْ يحمل أبويه على البخل ". هـ
وأورد نفس المعجم في مادة "هرم" عند كلامه على لفظ " مَهْرَمَة " الحديث النبوي التالي : " ترك العشاء مَهْرَمَة " أي مَظَنَّةٌ للهرم. قال القتبي : " هذه الكلمة جارية على ألْسِنة الناس قال : ولست أدري أرسول الله ابتدأها أم كانت تقال قبله " هـ.
وروى الترمذي وأحمد والحاكم عن أبي أمامة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عليكم بقيام الليل فإنّه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم ومَكْفَرَةٌ للسيئات، ومَنْهَاةٌ لِلإِثم" وفي رواية : "ومَطْرَدَة للدّاءِ عن الجسد".

وروى البخاري والشافعي والنسائي عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" السواك مَطْهَرةٌ لِلْفَم، مَرْضاة للربّ". وشرح مؤلف كتاب "التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول" (الذي اقتبسنا منه هذا الحديث) كلمة " مَرْضاة " بقوله : " أي سبب في رضاه ". وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " نَوْمَةُ الصبحة مَعْجَزَةٌ، مَنْفَخَةٌ، مَكْسَلَةٌ، مَوْرَمَةٌ، مَفْشَلَةٌ، مَنْسَأَةٌ للحاجة " : أي أنّها تسبّب العجز والنفخ للجسد، وتسبّب الكسل، وتكوّن الورم، وتسبّب الفشل، وتسبّب نَسْءَ الحاجة، أي تأخيرها.
فوزن " مَفْعَلَة " بهذه الدلالة، له مجال واسع للاستعمال في تعريب المصطلحات العلمية وخصوصاً في اصطلاح الطب واصطلاح الكيمياء.

بيد أنّنا لا نجد لوزن " مَفْعَلَة " أثراً في " المعجم الطبي الموحَّد " (الانكليزي -العربي- الفرنسي. الطبعة الثالثة) الذي أصدره " اتّحاد الأطباء العرب " في السنة 1983، بل نجد في مظانّ " مَفْعلة " من المعجم فراغا اصطلاحيا شغلته شروح للمصطلحات الأعجمية. فقبالة المصطلح الأعجمي لا نجد مقابلا عربيا يصحّ أن يكون مصطلحا، بل نجد أحد الشروح التالية : " مكوّن كذا " أو " مولّد كذا " أو " منشئ كذا " أو " محدث كذا " فالجمهور العربي ينتظر من المشتغلين بالتعريب أن يمدّوه بمصطلحات، لا بشروح للمصطلحات. فشروح المصطلحات الأعجمية تتكفل بها المعاجم الأعجمية المختصة على نحو أفضل وأوسع وأكمل.

فعندما نبحث - مثلا- في " المعجم الطبي الموحد " عن المصطلح Adipogène نجد قبالته بالعربية : "مكوّن الشحم". فلو أن مؤلفي المعجم أفسحوا المجال لوزن " مَفْعَلَة " لوضعوا قبالة المصطلح الأعجمي adipogène كلمة "مَشْحَمَة" بدلاً من "مكوّن الشحم"، ولوضعوا قبالة المصطلح Ostéogène كلمة "مَعْظَمَة" بدلاً من "مكوّن العظم"، ولوضعوا قبالة Neurogène كلمة "مَعْصَبة" بدلاً من "مكوّن للعصب" ولوضعوا قبالة Ovigène كلمة "مَبْيَضة" بدلاً من "مكون البيضة" ولوضعوا قبالة Toxicogène و Toxogèneكلمة "مَسَمَّة" بدلا من "مولد السم"، ولوضعوا قبالة Acidogène كلمة "مَحْمَضَة" بدلا من "مولّد الحمض" ولوضعوا قبالة Erythrogène كلمة "مَحْمَرَة" بدلا من "منشئ الحمر"، ولوضعوا قبالة Goitrogène كلمة "مَدْرَقَة" بدلا من "محدث الدراق"، ولوضعوا قبالة Asthmogène كلمة "مَرْبَوَة" بدلا من "مولد الربو"، ولوضعوا قبالة Nephrogèneكلمة "مَكْلَوَة" أو "مَكْلَاةٌ" بدلا من "مكون الكلوة"، ولوضعوا قبالة Thermogène كلمة "مَحَرَّة" بدلا من "مولد الحرارة" ولوضعوا قبالة Androgène كلمة "مَذْكَرَة" بدلا من "أندروجين"، ولوضعوا قبالة Calorigène كلمة "مَحْرَرَة" بدلا من "مولد الحرور"، ولوضعوا قبالة Cétogèneكلمة "مَكْتَنَة"، بدلا من "مولد الكيتون". إن المعجم لم يمتنع من وضع مصطلحات على وزن "مفعلة" فحسب، بل إنه أوصد دفتيه في وجه المصطلح "مَوْرَمَة" الذي هو على وزن " مفعلة "، والوارد في الحديث النبوي الذي أسلفناه، والذي يعني "مكون الورم". فالمعجم قابل المصطلح الأعجمي Oncogèneبالعبارتين التاليتين :

مكون الورم

وَرَمِيُّ المنشأ.

فالمصطلح "مَوْرَمَة" لفظ متأصل في لغة الضاد منذ أن كانت للعرب لغة, ثم هو وارد في كلام أبلغ البلغاء، وأفصح الفصحاء سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس من وضع مجمع لغوي، ولا هيئة تعريبية حتى يكون لمؤلفي المعجم الخيار في قبوله أو رفضه، بل هو يفرض وجوده في الاصطلاح الطبي قبالة Oncogène في معناه "مكون الورم" بنفس القوة التي يفرض بها لفظ "الطب" وجوده قبالة لفظ La médecine ."افتعال" للالتهاب

نجد في "مجموعة قرارات مجمع اللغة العربية" بالقاهرة القرار التالي :
" لا مانع من أن تكون صيغة "الافتعال" مشتقة من العضو، قياسية، بمعنى المطاوعة للإصابة بالالتهاب ".

جل الأمراض الالتهابية في الاصطلاح الطبي الأعجمي تنتهي بالكاسعة -ite في اللغة الفرنسية، و-itis في الإنجليزية, أورد منها "المعجم الطبي الموحد" ثلاثمائة وتسعة (309)، وقابلها كلها بكلمة "التهاب" مضافة إلى إسم العضو المصاب.

ولا نجد من بينها مرضا واحدا جاء إسمه العربي على صيغة "افتعال" مشتقة من إسم العضو المصاب طبقا لقرار "مجمع اللغة" الموقر, فما الذي يمنع مؤلفي المعجم أن يطبقوا قرار المجمع فيضعوا -مثلا- قبالة gastrite كلمة "امْتِعَاد" بدلا من "التهاب المعدة" وأن يضعوا قبالة Hépatite كلمة "اكْتِبَاد" بدلا من "التهاب الكبد" وقبالة Cardite كلمة "اقْتِلَاب" بدلا من التهاب القلب، وقبالة adénite كلمة "اغْتِدَاد" بدلا من "التهاب الغدة"، وقبالة glossite كلمة "الْتِسَان" بدلا من "التهاب اللسان"، وقبالة dermatite كلمة" اجْتِلَاد" بدلا من "التهاب الجلد" وقبالةblépharite كلمة "اجْتِفَان" بدلا من "التهاب الجفن" إلخ..

فهذه العبارات التي أثبتها المعجم قبالة المصطلحات الأعجمية المتكونة من مفردات هي كما أسلفنا القول ليست بمصطلحات وإنما هي شروح للمصطلحات,وهذا الأسلوب في التعريب لا يسمن ولا يغني من جوع, ثم هو يحكم على اللغة العربية بالتخلف في ميدان الاصطلاح العلمي, ولقد سبق لنا أن نشرنا في العدد السادس من مجلة "اللسان العربي" الصادر في سنة 1969 مجموعة مما قمنا بتعريبه على وزن "افتعال" من هذه الفئة من المصطلحات الدالة على الالتهاب والمنتهية بالكاسعة -ite طبقا لقرار المجمع الموقر.وزن " تَفْعَالٌ " قبالة الصدر Hyper

من القرارات اللغوية التي اتخذها كذلك "مجمع اللغة العربية" بالقاهرة جزاه الله خيرا، القراران التاليان :

" تصح صياغة "التفعال" للمبالغة والتكثير مما ورد فيه فعل، طوعا لما أقره المجمع في دورته العاشرة، من صوغ مصدر من الفعل على وزن (التفعال) للدلالة على الكثرة والمبالغة، وكذلك تصح صياغته مما لم يرد فيه فعل طوعا لما أقره المجمع في دورته الأولى، من جواز الاشتقاق من أسماء الأعيان للضرورة في لغة العلوم."

في ترجمة المصطلحات الأجنبية المبدوأَة بالصدر Hyper تستعمل كلمة "فرط" مقابلة له، والمبدوأَة بالصدر Hypo تستعمل في مقابلة كلمة "هبط".
فجرى (المعجم الطبي الموحد) على منوال القرار الثاني للمجمع، وجرى الدكتور محمود الجليلي، عضو "المجمع العلمي العراقي" على منوال القرار الأول، فجاءت مصطلحات (المعجم الطبي الموحد) بمثابة شروح لمصطلحات الدكتور الجليلي المنشورة في الجزء الثاني من العدد الرابع والثلاثين من "مجلة المجمع العلمي العراقي" كما سيلاحظ القارئ من المقارنة التالية :

مصطلح الدكتور الجليلي


مصطلح المعجم الطبي الموحد


المصطلح الأعجمي

تَحْمَاض


فرط الحموضة


Hyperacidité

تَنْشاط


فرط النشاط


Hyperactivité

تَأْلاَم


فرط التألم


Hyperalgésie-Hyperalgie

تَقْرَان


فرط التقرن


Hyperkératose

تَحْراك


فرط الحراك


Hypercinésie

تَدْهان الدم


فرط دهن الدم


Hyperlipémie

تَصْباغ


فرط التصبغ


Hyperpigmentation

تَنْساج


فرط التنسج، تزيد


Hyperplasie

تَفْراز


فرط الإفراز


Hypersécrétion

تَحْساس


فرط الإحساس


Hypersensitivité

تَضْغاط


فرط ضغط الدم


Hpertension

تَهْواء


فرط التهوية


Hyperventilation

ولم يضع المعجم الطبي الموحد المذكور على وزن "تَفْعَال" سوى لفظ "تَقْيَاء" الذي جعله قبالة المصطلح Hyperémèse. وهنا نتساءل ما الذي يمنع إذن مؤلفي المعجم أن يجروا في تعريبهم سائر المصطلحات المبدوأَة بالصدر Hyper مجراهم في تعريب المصطلح Hyperémèse فيجعلوها كلها أو جلها على صيغة "تَفْعال"
فنحن نهيب بأساتذتنا الأفاضل، أعضاء "اتحاد الأطباء العرب" أن يراجعوا منهجهم هذا الذي يسجل على لغة العروبة عجزا صوريا هي سليمة منه، وقصورا وتقصيرا هي بريئة منهما، ويزكي تخلفا فرضه عليها أبناؤها بمثل هذا السلوك المتحفظ من توظيف الأوزان لصياغة المصطلحات. "فُعال" للداء و"فَعُول" للدواء

جاء في كتاب "فقه اللغة وسر العربية" للعلامة اللغوي أبي منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي (رحمه الله) ضمن "الباب السادس عشر في صفة الأمراض والأدواء" فصل في سياق ما جاء منها على "فُعَال" ما يلي :
" أكثر الأدواء والأوجاع في كلام العرب على "فُعَال" : كالصُّدَاع، والسُّعَال، والزُّكام، والبُحاح، والقُحاب، والخُنان، والدُّوار، والنُّحاز، والصُّدام، والهُلاس، والسُّلال، والهُيام، والرُّداع، والكُباد، والخُمار، والزُّحار، والصُّفار، والسُّلاق" والكُزَاز، والفُوَاق، والخُناَق").

"كما أن أكثر أسماء الأدوية على " فَعُول " : كالوَجُور، واللَّدُود، والسَّعوط، واللَّعُوق، والسَّنُون، والبَرُود، والذَّرُور، والسَّفُوف، والغَسُول، والنَّطُول ".

واعتبارا لكثرة مجيء الأدواء في كلام العرب على وزن " فُعَال " وعلى وزن " فَعَل " اتخذ مجمع اللغة العربية بالقاهرة القرار التالي :

"بما أن الضرورة العلمية في وضع المصطلحات تقتضي استعمال صيغة " فَعَل " للداء يجاز اشتقاق " فُعَال " و" فَعَل " للداء سواء أَوَرَدَ له فعل أو لم يرد ".

ونحن قياسا على لفظ " كُبَاد " المذكور أعلاه، والوارد في " المعجم الطبي الموحد " قبالة المصطلح الفرنسي Hépatose الذي يعني انخفاض الكبد بسبب ارتخاء معاليقها نقترح إقرار لفظ " مُنَاع " المشتق من " المناعة " على وزن " فُعَال " للداء المعروف الآن بـ "فقد المناعة" (سيدا SIDA).

ومن الإنصاف أن نقول إن جل أسماء الأدواء المذكورة أعلاه على وزن " فُعَال " موجودة في " المعجم الطبي الموحد " وكذلك جملة وافرة من أسماء الأدواء على وزن " فُعَال " وعلى وزن " فَعَل". وزن " أفْعَل " لمعايب خلق الإنسان

جل معايب خلق الانسان جاءت على " أَفْعَل " نسوق منها قليلا من كثير :

أَعوَر، أَعرَج، أَصْلَع، أَقْرَع، أَقْعَس، أَحْدَب، أَبْكَم، أَخْرَس، أَطْرَش، أَصَمّ، أَعوَج، أَلْثَغ الخ.. وزن " أَفْعَل " للألوان كذلك

" أَخْضَر، أحمر، أصفر، أبيض، أسود، أسمر، أزرق، أشهب، أدكن الخ... وزن " فُعَاَلة " للنُّفايات

على سبيل المثال نقتبس من " فقه اللغة " للثعالبي :
" بُرَايَة العود، بُرَادَة الحديد، قُرَامة الفرن، حُزَازة الوسخ، نُسَالة الوبر والريش، عُصَافة السنبل، مُشَاطة الشعر، خُلَالة الفم، قُرَاطة السراج، خُرَاطة، نُشَارة، نُحَاتة الخ...

ولا نود أن نسترسل أكثر من هذا القدر في عرض مختلف الأوزان التي قلنا عنها أنها تفوق الألف، والذي نريده بالسرد الذي قمنا به هو التنبيه أو التذكير بعظمة خطورة الأوزان في اللغة العربية. وكيف لا وهي منها تتكون بنيتها، فالأوزان بالنسبة للغة الضاد بمثابة الهيكل العظمي لجسم الإنسان.

فكلام العرب كله موزون أوزانا وظيفية تجعل لغتهم منظمة، ومقعَّدة، ومصنفة تصنيفا منطقيا جماليا دلاليا كأنهم قدروها تقديرا قبل أن يتكلموها فكأنهم اجتمعوا في أكاديمية لغوية اجتماعات عديدة لم ينفضّوا منها حتى اتفقوا على قواعدها وتحديد صيغ أوزانها، وتخصيص كل منها للدلالة على فئة متجانسة من أشياء أو أعمال أو أحوال أو مفاهيم مادية ومعنوية...الشيء الذي لا تستطيع ولن تستطيع أن تفعل مثله ولا قريبا منه، أكاديميات الدول المتزعمة الحضارة في هذا العصر.

لكنه صنع الله الذي أتقن كل شيء قد هيأها لتحتضن وحيه ورسالته العالمية الموجهة إلى جميع البشر في جميع العصور على ممر الدهور، مما جعل المفكر الفرنسي الحانق على العرب والإسلام "ارنست رينان" يتعجب فيقول في كتابه (تاريخ اللغات السامية) :

" من أغرب المدهشات أن تنبت تلك اللغة القوية، وتبلغ درجة الكمال، وسط الصحاري عند أمة من الرحَّل، تلك التي فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها، ودقة معانيها، وحسن نظام مبانيها، ولم يعرف لها في كل أطوار حياتها طفولة ولا شيخوخة.

ولا نكاد نعلم من شأنها إلا فتوحاتها، وانتصاراتها التي لا تبارى، ولا نعرف شبيها لهذه اللغة التي ظهرت للباحثين كاملة من غير تدرج، وبقيت حافظة لكيانها من كل شائبة، وهذه ظاهرة عجيبة، لاسيما إذا اعتبرنا مدى مساهمة الفلسفة الإسلامية في تكوين علم الكلام، خلال القرون الوسطى، والدور الذي قام به في ذلك كل من ابن سينا، وابن رشد، وما كان لهما من تأثير على أشهر مفكري المسيحية. ".

ويصف فيكتور بيرار اللغة العربية في القرن الرابع الهجري بأنها أغنى، وأبسط وأقوى، وأرق، وأمتن وأكثر اللهجات الإنسانية مرونة وروعة. فهي كنز يزخر بالمفاتن، ويفيض بسحر الخيال، وعجيب المجاز، رقيق الحاشية، مهذب الجوانب، رائع التصوير، وأعجب ما في الأمر أن البدو كانوا هم سدنة هذه الذخائر، وجهابذة النثر العربي جبلة وطبعا. ومنهم استمد كل الشعراء ثراءهم اللغوي وعبقريتهم في القريض.

ويقول (إغناطيوس كرانشوفسكي) : " أول ما نلحظه من أول نظرة نلقيها على هذه اللغة - أي العربية - الغنى العظيم في الكلمات، والإتقان في الشكل، والليونة في التركيب .".

ويقول (بلاشير) اللغوي المعجمي : " اللغة العربية خلاقة وبناءة ". فالكمال الذي بلغته لغة الضاد والذي يتحدث عنه (ارنست رينان) وكونها كنزا يزخر بالمفاتن كما وصفها (فيكتوربيرار) وكونها " خلاقة بناءة " كما يصفها (بلاشير) كل ذلك مرجعه إلى الأوزان، فالأوزان هي اللغة العربية واللغة العربية هي الأوزان.

ولا ينبغي أن يفهم مما تقدم أننا نحصر ملاحظتنا بشأن توظيف " الأوزان " في مجال الطب وحده، أو في ميدان العلوم على العموم، بل إننا لنحجم عن توظيف الأوزان حتى في تعريب المصطلحات الحضارية، والمتصلة منها بحياتنا اليومية.

فنحن -مثلا- عندما نعرب Cabine téléphonique بـ " غرفة الهاتف " كما هو في " المنهل " القاموس الفرنسي العربي، تأليف الدكتور جبور عبد النور والدكتور سهيل إدريس، وكما هو في " المنجد " الفرنسي العربي إصدار دار المشرق أو " مخدع الهاتف " كما هو في غيرهما، فإنما نعطّل وظيفة الوزن المخصص للمكان وهو " مَفْعِل " فيما كان عين فعله المضارع مكسورة، و" مَفْعَل " فيما عدا ذلك.

ولو وظفنا هذا الوزن لأعطانا لفظ " مَهْتِفْ " على وزن " مَنْزِل " و" مَجْلِس " بمعنى " مكان للهاتف ". والمكان هو المقصود بالعبارة الفرنسية لا شكل المكان.

ثم إن ترجمة لفظ cabine بـ " الغرفة " ترجمة غير صحيحة لأن اللفظ الفرنسي لا يقتضي معنى العلوّ وأكثر ما تكون cabine أرضية بينما لفظ " الغرفة " يعني حسب " المعجم الوسيط " تأليف مجمع اللغة العربية بالقاهرة وحسب (لسان العرب) لابن منظور " العِلِّيّة " وزاد هذا الأخير من معانيها " السماء السابعة " وفي القرآن الكريم : )لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار.(. (سورة الزمر الآية 20).

وعندما نعرب Standard téléphonique بـ "مَقْسِم هاتفي" كما هو في "المنهل" وفي "المنجد" فإنما نعطّل الأوزان المخصصة للآلة وأكثرها استعمالا "مِفْعَل" و"مِفْعَال" و"مِفْعَلَة" ولو استعملنا -مثلا- وزن "مِفْعَال" لأعطانا لفظ "مِهْتَاف" ولعرّبنا المصطلح Standardiste بـ "مِهْتَافي" بدلا من هذه العبارة الطويلة : "عامل المقسم التلفوني" التي في "المنهل" وبدلا من "عامل مقسم هاتفي" التي في "المنجد" الفرنسي العربي. ولو كنا وظفنا "مَفْعَلَة" المكانية لأعطتنا "مَهْتَفَة" لنقابل بها téléboutique أي المكان الذي تكثر فيه "المـَهَاتِف" جمع "مَهْتِف" فمن القرارات التي اتخذها مجمع اللغة العربية بالقاهرة القرار التالي : " تصاغ "مَفْعَلَة" قياسا من أسماء الأعيان الثلاثية الأصول للمكان الذي تكثر فيه هذه الأعيان سواء كانت من الحيوان أم من النبات أم من الجماد ".

وعندما نعرب communication téléphonique بـ "مخابرة هاتفية" كما في "المنهل" أو "مكالمة هاتفية" كما هو شائع في المغرب فإننا نغفل عن اتخاذ وزن "مُفَاعَلة" من مادة "هَتَفَ" وإلا لكنا عرّبنا العبارة الفرنسية بلفظ "مُهَاتَفة"، ولجعلنا لفظ "مُهَاتِف" للمخاطب بالهاتف فنقول مثلا "مَنْ مُهَاتِفِي" أو "مَنِ المـُهاتِف؟" لإفادة معنى العبارة الفرنسية المتداولة : qui est à l'appareil؟

الأمثلة كثيرة على تقييدنا يدي لغتنا، وامتناعنا من إطلاقهما للعمل. وذلك بعدم اهتمامنا باستغلال كل إمكاناتها التي توفرها الأوزان عندما نهتدي إلى تعريب مصطلح أعجمي، فلا نشتق من مادة المصطلح العربي (الذي وضعناه قبالته) جميع ما يتصل به من إسم الآلة والحرفة والمكان الخ... مما تدعو الحاجة إلى تعريبه.

ونكتفي هنا بإيراد مثال واحد على سبيل البيان :
لقد استخرج أحد الغوّاصين في بحر اللغة درة ثمينة طالما اشتدت حاجة لغة الضاد إليها لتقابل بها المصطلح الأعجمي Dactylographierالذي كان يترجم بـ "ضرب على الآلة الكاتبة". وذلك عندما عثر في (المخصص) لابن سيده ضمن فصل الكتابة على فعل "رَقَنَ" مع شرحه : "رَقَنَ : كتب كتابة واضحة" فتقدم به إلى المعهد المغربي "معهد الدراسات والأبحاث للتعريب" بالرباط الذي عمل على نشره في المغرب وفي تونس، ولكن لم يشتق منه حتى الآن سوى لفظ "راقنة" ليقابل Une dactylographe ولفظ "رِقَانَة" ليقابل dactylographie، فلو أننا التفتنا إلى بقية الأوزان لأمدتنا باسم الآلة "مِرْقَنَة" (Machine à écrire) ولأمدتنا بوزن "فَعْلَة" للمرة في صيغة "رَقْنَة" ليقابل une frappe ولأمدتنا بالوزن المخصص للمكان "مَفْعَل" في صيغة "مَرْقَن" ليقابل عبارة Pool de dactylos ليعني المكان الذي يضم الراقنين والراقنات. وذكر ابن سيده في نفس الفصل "الرِّقان ما يُرْقَنُ به" فيمكن جعله قبالة Ruban pour machine à écrire ثم يمكننا أن نشتق منه على وزن "فَاعُول" أو "فَاعُولَة" اللذين تستعملهما العرب للدلالة على الآلة الكبيرة فنصوغ منه لفظ "رَاقُون" لنقابل به Télex . فمما جاء على هذا الوزن في كلام العرب "ناقوس" (ناقوس الكنائس الكبير)، و"ناعورة" ومن الموَلَّد على هذا الوزن "نَافُورَة".

كما يمكننا أن نصوغ منه فعل "رَاقَنَ" لنقابل به فعل Télexer ووزن المحترف "رَقَّان" ليقابل Télexiste وتبقى سائر الأوزان بالمرصاد لما يستجد ويحدث من مصطلحات أعجمية في هذا المضمار : مضمار الرقانة.

ومن عوامل طمس عبقرية اللغة الخلط بين بعض أوزانها الناجم عن توهّم الترادف فيما بينها، فنجعل الواحد مكان الآخر غافلين عن أننا عطّلنا وظيفة أحدهما أو كليهما وبذلك أحدثنا التباسا خطيرا أو فراغا اصطلاحيا فرضناه على اللغة فرضا جائرا. فَعَلَ" و"فَعَّلَ "

فقلَّما يعني "فَعَّل" المضعف العين ما يعنيه "فَعَل" المخفف العين سواء بسواء. فمن أقوال الصرفيين : "الزيادة في المبنى زيادة في المعنى". فَفَعَّل المضعف يعني المبالغة في "فَعَل" المخفف. فـ "كَسَّر" يعني بالغ في الكسر ومصدره "التكسير" و"قَطَّع" يعني بالغ في القطع، ومصدره "التَّقطيع" بخلاف "كَسَرَ" و"قَطَعَ" المخففين فهما لا يعنيان سوى مجرد الكسر والقطع بدون مبالغة ولا تكثير. وبشأنهما اتخذ "مجمع اللغة العربية" بالقاهرة القرار التالي : " فَعَّل المضعف مقيس للتكثير والمبالغة" ولكن هذا لم يمنع الكثيرين من استعمال أحدهما مكان الآخر فـ "كَسَّر" المضعف يقابله في الفرنسية فعل briser و"كَسَر" المخفف يقابله فعل casser و"قَطَعَ" المخفف يقابله couperو"قَطَّع" المضعف يقابله Découper فعندما نستعملهما مترادفين قبالة couper مثلا كما هو جار به العمل.

فماذا يحدث ؟ الذي يحدث هو أننا نفقد مقابل découper فنضطر إلى استعمال عبارة كاملة لمقابلته مثل "قطع قطعا صغيرة" ثم نتحسر على "فقر" اللغة العربية التي "لا تملك" مقابلا للفظ Découper مكونا من لفظ واحد كما في الفرنسية.

ويتحسر مثل هذا التحسر من يشعر كذلك بـ "الفقر" الموهوم من يرادف أو يخلط بين " صَنَع " (Fabriquer) و" صَنَّع " (Industrialiser) أو بين مصدريهما "صُنْع"(Fabrication) و" تَصْنِيع" (Industrialisation) والأمثلة كثيرة.
ولا تنحصر عوامل طمس عبقرية اللغة في تجاهلنا الأوزان والإعراض عن توظيفها أو الخلط فيما بينها، بل عوامل الطمس متعددة ومتنوعة، وأكثر من أن تحصى فتذكر، ونكتفي منها بما يحضرنا عفوًا ساعة تحرير هذا البحث. تعجيم الأسلوب التعبيري

إن شدة حرص المترجمين على التشبث الأعمى بألفاظ العبارات الأعجمية أكثر من تشبثهم بمعانيها كاد أن يحدث خللا خطيرا في فصاحة اللسان العربي بما أدخل على عمل الترجمة من تعابير أعجمية المبنى خلاسية المعنى عربية الألفاظ فكثرت العجمة والرطانة وسرت العدوى إلى المحررين بلغة الضاد حتى أولئك الذين لا يعرفون لغة غيرها. والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصر. نكتفي منها بما يلي تزييف كاف التشبيه

نحن نعجِّم كاف التشبيه التي لا تعني في اللغة العربية سوى التشبيه عندما نستعملها لغير التشبيه، في مثل هذه العبارة : "عُيّن كوزير في الحكومة" أو "اشتغل كمراسل للصحيفة" وذلك لإفادة معنى العبارة الفرنسية :
"Il a été désigné comme ministre dans le gouvernement"
أو لإفادة معنى العبارة التالية :
"Il travaillait comme correspondant du journal" نقول : "اشتغل كمراسل للصحيفة".

فعندما نترجم هاتين العبارتين الفرنسيتين ومثيلاتهما على هذا النحو فإننا نأتي بترجمة خاطئة، لا تؤدي معنى العبارات المراد ترجمتها، وترجمة العبارتين الفرنسيتين المذكورتين هي على الأصح : "عُيِّن وزيرا في الحكومة" و"اشتغل مراسلا للصحيفة ".
لأن عبارة "عُيِّن كوزير" لا تعني في الفصحى أنه عين في منصب وزير بل في منصب شبيه بمنصب وزير. كما أن عبارة "اشتغل كمراسل" لا تعني أنه كان يقوم بعمل مراسل بل بعمل شبيه بعمل مراسل.

وترجمة هاتين العبارتين العربيتين إلى الفرنسية هي كما يلي : "Il a été désigné pour un poste semblable à celui de ministre"
و "Il exerçait un travail semblable à celui de correspondant du journal"
فالخطأ آت من حرص المترجم على إيجاد لفظ عربي مقابل للفظ الفرنسي comme الذي زيادة على معنى التشبيه له معان كثيرة جدا في اللغة الفرنسية مذكورة بتفصيل في معاجم (لاروس) و(بول روبير) ومن جملة معانيها إفادة الحال مثلما في العبارتين المذكورتين.

والترجمة الصحيحة تقتضي منا أن نترجمها في هاتين العبارتين بما يفيد الحال في العربية وهو جعل لفظي "وزير" و"مراسل" منصوبين على الحال, فلئن كان للفظ comme في الفرنسية معان كثيرة فكاف التشبيه في العربية لا تفيد إلا معنى واحدا وهو التشبيه, وفي استعمالها لإفادة الحال تعسف لا تقبله لغة العروبة ولن تستسيغه بتاتا.

مؤلفات للكاتب:

دواوين شعرية :

في شعاب الحرية (صدر عن مطبعة النجاح الجديدة. الدار البيضاء)

في رحاب الله (صدر عن مطبعة النجاح الجديدة. الدار البيضاء)

مع أزهار الحياة (صدر عن مطبعة النجاح الجديدة. الدار البيضاء)

الإسعاد (صدر عن مطبعة النجاح الجديدة. الدار البيضاء)

على الدرب

كتب باللغة العربية صدرت عن نفس المطبعة:

في اللغة

في التعريب

في الاصطلاح

مدخل لتعريب الطب

الفقه الواضح (كتاب الطهارة و الصلاة)

سفينة البحور الشعرية (في العروض)

معاجم:

معجم الطحانة والخبازة والفرانة (فرنسي – عربي)

المستدرك في التعريب (مصطلحات قام بتعريبها من الفرنسية) (مطبوع)

"معجم مهني" (فرنسي عربي لأعوان مكتب التسويق و التصدير مرقون في جزأين)

معجم المختزلات (مرقون)

كتب مترجمة للكاتب:

من العربية إلى الفرنسية:

Comment j'ai adopté l'Islam ( J'ai acquis la foi en votre Seigneur veuillez bien m'écouter ) Edition : Maison Fourkane pour édition moderne Casablanca.
ترجمة من العربية إلى الفرنسية لكتاب "آمنت بربكم فاسمعون" قصة إسلام الأمريكية إملي برامليت

"Traditions du Prophètes (Hadiths)"
ترجمة الأحاديث النبوية في "الإيمان"

من الفرنسية إلى العربية:

" الإسلام والثقافة الطبية " للدكتور أمل العلمي
(L'Islam et la culture médicale par Docteur ALAMI Amal - Maison
d'impression moderne, Casablanca )

-------------------

المصدر : موقع الجمعية الدولية للمترجمين العرب :

http://www.arabswata.org/?p=14&wid=35

 
دَوْر التعريبْ في تأصيل الثقافة الذاتيّة العربيّة ـــ عبد الكريم اليافي طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب صوت العربية   
الجمعة, 04 يوليو 2008 16:24

يشتمل هذا البحث على قسمين: يتناول أولهما قضايا التعريب من الناحية التاريخية وهو بمثابة التوطئة وإن طالت، ويتضمن ثانيهما تشوّفات الحاضر واستشرافات المستقبل في تأصيل الثقافة الذاتية العربية من خلال التعريب وهو هدفنا في هذا البحث.‏
-1-‏

*معنى التعريب:‏
قد يكون للفظ الواحد في كل لغة معان متعددة، وكذلك الشأن في اللغة العربية. والتعريب من الألفاظ المتعددة المعاني أي المشتركة. وهو مصدر عرّب بالتضعيف. يُقال عرّب فلان منطقه هذّبه من اللحن، وعرّب الاسم الأعجمي تفوّه به على منهاج العرب وصيره عربياً، وعرّب عن صاحبه تكلم عنه واحتج له. وقد ورد قولهم: أعرب الأعجمي وتعرّب واستعرب كل هذا للاغتم إذا فهم كلامه بالعربية. والأغتم من لا يفصح شيئاً. وللفظ عرّب معان أخرى نضرب صفحاً عن ذكرها لأنها بعيدة عن الموضوع الذي نعالجه.‏

ولقد تدرج لفظ عرّب بهذه المعاني المتقاربة بعض الشيء منذ القديم إلى معنى ترجمة النصوص الأجنبية ونقلها إلى العربية وتعليم العلوم الأجنبية بالعربية، وهو موضوعنا في هذا البحث.‏

 
*الإنسانية كيان واحد:‏
إن الذي ينظر إلى تطور الإنسانية نظرة عامة تشمل أحقاب الزمن البعيدة حتى العصر الحاضر لا يساوره الشك في أنها كيان واحد ينمو ويتقدم وتسري فيه شريانات التكامل مشتبكة على الرغم من الخلافات الناشبة والأمراض الفتاكة والحروب المدمرة والانحرافات المضللة. وليست الشعوب التي تحتويها الإنسانية منعزلاً بعضها عن بعض الانعزال كله ولا منطوياً بعضها على نفسه انطواء مطبقاً، بل بينها دائماً نصيب من الاتصال والارتباط ضئيل أو جسيم. ومثل هذا الارتباط والاتصال والميل إلى التقارب والتعارف أشد ما كان البشر شعوراً به اليوم، إذ ازداد عددهم ازدياداً كبيراً وتقدموا في العلم والصناعة وضروب التقنية الحديثة، فانتشرت الصحف والمجلات التي تحمل أخبار المجتمعات وأحوالهم انتشاراً واسعاً، وشاعت الإذاعات التي تبث أمواجها السمعية والبصرية في الفضاء فتبلغ كل مكان. وكذلك وصل الهاتفان السلكي واللاسلكي الأقطار المتباعدة وصلها الأقطار المتقاربة. ثم إن القاطرات والسيارات ناهبة المكان والسفن البخارية عابرة المحيطات والطائرات النفاثة ثم الصواريخ في المستقبل القريب تشج بين داني الأرض وقاصيها وتيسر الأسفار والرحلات وتختصر الأزمنة والمسافات وتقضي مع الأقمار الصناعية إلى ضرورة التعاون العلمي والتعاون التقني الدوليين وما إليهما من شؤون.‏

وكما أن ارتباط الأمور الثقافية والاقتصادية والصناعية والسياسية بعضها ببعض واضح لا ريب فيه في القطر الواحد كذلك طفق يتضح في العصر الحاضر ارتباط هذه الأمور في القطر أو الدولة بأمثالها في الدولة الأخرى أو القطر الآخر، مهما أُقيمت الحوائل والسدود تلقاء الاتصال والتعاون، لأن كل تقدم للإنسانية يقتضي بطبيعة الأمور هذا التعاون والاتصال.‏

ثم إن حصائل العلوم في العصر الحاضر وثمرات الحضارة الراهنة ليست هي من مبتكرات شعب واحد من الشعوب أو عرق ممتاز من العروق وإنما شاركت فيها فئات كثيرة وزمر متعددة كالجنود مجهولين ومعروفين في غمار شعوب جمة. ولئن كان لشعب أن يفتخر بالمعارف الفكرية التي قدمها والمكاسب العلمية التي حصل عليها والإتقان الذي وصل إليه فهو لا شك الشعب العربي ولا سيما في أحقاب حضارته الإسلامية. ويشهد على ذلك التراث الغني الضخم في العلوم والفنون والآداب والأخلاق والفلسفة وهو تراث يزين مفرق الدهر بجواهره المتلألئة الخالدة.‏

*تعريب الشعب العربي للعلوم في الحضارة العربية الإسلامية:‏

من مزايا الشعب العربي في حضارته الإسلامية رفعه مرتبة العلم والمعرفة فوق كل مرتبة. إنه اعتبر كلاًّ من التعلم والتعليم فرضاً، كما حثّ على النظر في آفاق الكون وفي أسرار النفس الإنسانية وجوانب المجتمع الإنساني بحيث يغدو كل كشف علمي في هذه الميادين تقرباً من الله وتفهماً لكلماته التي لا تنتهي، وكما اعتبر العالم أعلى من العابد بمراتب كثيرة. هذا الاتجاه جعل صفوة الناس الموهوبين من الشعب تنهد إلى تجميع تراث الشعوب الأخرى من صين وفرس ويونان وإلى الحث على ترجمته ونقله إلى اللغة العربية. فصانوا بعملهم ذلك التراث الذي كان معرضاً للتبعثر والضياع وسعوا لنشره وتنظيمه وتمثله والزيادة فيه ما أمكنتهم الزيادة من ثاقب فهم ومن تجارب جديدة ومن كشوف طريفة امتلأت بها الكتب والمؤلفات. وهذا جلي عند تصفح سجلات التاريخ وإن حاول بعض المتنطعين المتعصبين من الغربيين والأمريكيين أن يحجبوا تلك المآثر وأن يطمسوا تلك المكارم.‏

وقد بلغ التعريب أوجه في زمن الخليفة العباسي المأمون. ولقد كان عصره مزهواً بالعباقرة والعلماء والمفكرين في كل علم وفن. جاء في كتاب "الغيث المسجم في شرح لامية العجم": أن المأمون لم يبتكر النقل والتعريب بل سبقه قبله كثير، فإن يحيى بن خالد البرمكي عرّب من كتب الفرس كثيراً مثل كليلة ودمنة وعرّب لأجله كتاب المجسطي من كتب اليونان. والمشهور أن أول من عرّب كتب اليونان خالد بن يزيد بن معاوية لما أولع بكتب الكيمياء. ثم يقول المؤلف: "وللتراجمة في النقل طريقان: أحدهما طريق يوحنا بن البطريق وابن الناعمة الحمصي وغيرهما وهو أن ينظر إلى كل كلمة مفردة من الكلمات اليونانية وما تدل عليه من المعنى فيأتي بلفظة مفردة من الكلمات العربية ترادفها في الدلالة على ذلك المعنى فيثبتها وينتقل إلى الأخرى كذلك حتى يأتي على جملة ما يريد تعريبه. وهذه الطريقة رديئة لوجهين أحدهما أنه لا يوجد في الكلمات العربية كلمات تقابل جميع الكلمات اليونانية ولهذا وقع في خلال هذا التعريب كثير من الألفاظ اليونانية على حالها. الثاني أن خواص التركيب والنسب الإسنادية لا تطابق نظيرها من لغة إلى أخرى دائماً. وأيضاً يقع الخلل من جهة استعمال المجازات وهي كثيرة في جميع اللغات.‏

الطريق الثاني في التعريب طريق حنين بن إسحاق والجوهري وغيرهما وهو أن يؤتى إلى الجملة فيحصِّل معناها في ذهنه ويعبر عنها في اللغة الأخرى بجملة تطابقها سواء ساوت الألفاظ أم خالفتها. وهذه الطريقة أجود ولهذا لم تحتج كتب حنين بن إسحاق إلى تهذيب إلا في العلوم الرياضية لأنه لم يكن قيِّماً بها بخلاف كتب الطب والمنطق والطبيعي والإلهي فإن الذي عربه منها لم يحتج إلى إصلاح، أما أوقليدس فقد هذبه ثابت بن قرة الحراني وكذلك المجسطي والمتوسطات بينهما".‏

كان العلماء متعاونين يسعى الواحد منهم إلى تلمس المواهب عند الناشئة فيقدمهم ويعلي شأنهم ويدعمهم عند المسؤولين. تلك سنَّة العلماء الحقيقيين. يرجع الفضل في ظهور ثابت بن قرة بسلالته مثلاً إلى محمد بن موسى الخوارزمي يذكر صاحب الفهرست أن ثابتاً كان صيرفياً بحران، استصحبه محمد بن موسى لما انصرف من بلد الروم لأنه رآه فصيحاً. وقيل أنه قرأ على محمد بن موسى فتعلم في داره فوجب حقه عليه فوصله بالمعتضد وأدخله في جملة المنجمين. وأصل رئاسة الصائبة في هذه البلاد وبحضرة الخلفاء ثابت بن قرة ثم ثبتت أحوالهم وعلت مراتبهم وبرعوا.‏

إن محمد بن موسى الخوارزمي(1) يقول فيه وفي أخويه أحمد والحسن صاحب الفهرست "وهؤلاء القوم ممن تناهى في طلب العلوم القديمة وبذل فيها الرغائب واتعبوا نفوسهم وأنفذوا إلى بلد الروم من أخرجها إليهم فأحضروا النقلة من الأصقاع والأماكن بالبذل السني فأظهروا عجائب الحكمة وكان الغالب عليهم من العلوم الهندسة والحيل (الميكانيك) والحركات والموسيقى والنجوم.‏

ويدلنا نص الغيث المسجم على أن النقل لم يكن دائماً بالمستوى المناسب فكان يحتاج إلى تهذيب وإيضاح المستغلق منه، وعلى تكرير الترجمة فقد عرّب عبد الله بن هلال الأهوازي كليلة ودمنة مرة جديدة ليحيى بن خالد البرمكي سنة 165 بعد ترجمة ابن المقفع البليغة لها. كما يدل نص الفهرست على بذل المسؤولين المال والعون في دعم العلماء والنقلة.‏

وكان التعريب وتهذيبه متواصلين على مدى سنين طويلة ولسنا هنا بصدد تاريخ التعريب عند العرب، فلذلك موضع آخر. ولكنا نحبّ أن نشير إلى رغبة المسؤولين في استيضاح الدقائق من كل كتاب أيَّاً كان نوعه. فلقد نبغَ في بلاد الشام قديماً طبيب حشائشي اهتم بالعقاقير الطبية النباتية وهو ديسقوريدس ولد في عين زربى بشمال بلاد الشام من نواحي المصيصة في قليقيا، وساح يبحث عن الحشائش في البلاد ويتفهم خواصها وكتب إذ ذاك كتاب الحشائش والنباتات. ترجمه بمدينة السلام اصطفن بن بسيل في زمن المتوكل من اليونانية إلى العربية، وتصفح ذلك حنين بن إسحاق، فصحح الترجمة وأجازها، فما علم اصطفن من تلك الأسماء اليونانية في وقته له اسماً في اللسان العربي فسَّره بالعربية وما لم يعلم له في اللسان العربي اسماً تركه في الكتاب على اسمه اليوناني اتكالاً منه على أن يبعث الله بعده من يعرف ذلك ويفسره باللسان العربي إذ التسمية لا تكون إلاَّ بالتواطؤ مع أهل كل بلد على أعيان الأدوية بما رأوا، وأن يسموا ذلك إما باشتقاق وإما بغير ذلك من تواطئهم على التسمية فاتكلَّ اصطفن على شخوص يأتون بعده ممن قد عرف أعيان الأدوية التي لم يعرف هو لها اسماً في وقته فيسميها على قدر ما سمع في ذلك الوقت، كما ورد في كتاب ابن أبي أصيبعة.‏

وانتقل الكتاب إلى الأندلس ثم أهدى ملك القسطنطينة إلى الملك الناصر عبد الرحمن بن محمد بالأندلس هدايا منها كتاب ديسقوريدس مكتوباً بالإغريقية وأرسل إليه بعد ذلك راهباً يدعى نيقولا تعاون هو وجماعة من الأطباء الأندلسيين في تفسير عقاقير كتاب ديسقوريدس والدلالة على أعيانها. وألَّف ابن جلجل الذي أدرك الراهب نيقولا وجماعته وصحبهم كتاباً في "تفسير أسماء الأدوية المفردة من كتاب ديسقوريدس". ولسنا نعرف بالضبط هل ترجم كتاب ديسقوريدس ترجمة جديدة بالأندلس، أو بقي الاعتماد على ترجمة اصطفن وتصحيح حنين لها.‏

وكان كتاب ديسقوريدس قد نقله حنين بن إسحاق من اليونانية إلى السريانية أيضاً لرئيس الأطباء بختيشوع بن جبريل، ثم نقل الكتاب من السريانية إلى العربية أبو سالم الملطي نقلاً فيه شيء من اللكنة السريانية في زمن السلطان ألبي بن تمرتاش بن إيل غازي بن أرتق أحد الملوك التركمانيين في ديار بكر وماردين وميافارقين في القرن السادس الهجري ولما لم تكن الترجمة واضحة ولا سليمة كلف السلطان نفسه مهران بن منصور بن مهران أن ينقله مرة جديدة إلى العربية نقلاً سليماً ودقيقاً.‏

وأيَّاً كان الأمر فإن كتاب الطبيب الشامي الذي كتبه بالإغريقية غدا مصدراً مهماً بعده لجالينوس وليحيى النحوي ولأمثالهما في الحضارة الإغريقية المتأخرة ثم للعلماء والأطباء العرب في المشرق والمغرب فألفوا في الأدوية المفردة كتباً استفادوا فيها من كتاب الطبيب الشامي العين زربي وزادوا فيها عليه ما عرفوه بأنفسهم وما رسوه بخبرتهم. وحنين بن إسحاق هذا الذي مرّ ذكره آنفاً هو تلميذ الخليل بن أحمد الفراهيدي لزمه حتى برع في لسان العرب "ثم اختير للترجمة واؤتمن عليها وكان المتخير لها جعفر المتوكل على الله ووضع له كتَّاباً نحارير عالمين بالترجمة كانوا يترجمون ويتصفح حنين ما ترجموا كاصطفن بن يسيل وحبيش (بن الحسن الدمشقي وهو ابن أخت حنين) وموسى بن أبي خالد الترجمان ويحيى بن هارون، كما يذكر ابن جلجل في كتابه "طبقات الأطباء والحكماء".‏

هذه العلوم المنقولة إلى العربية غدت بالتهذيب واضحة المعاني جلية الدلالة جيدة البيان فلما وصلت إلى الأجيال التالية وجدوا فيها معيناً عذباً أمدّ عقولهم وغذّى قرائحهم فاستفاضت البحوث وتعاظم التقدم لأن المهم في التعريب إنما هو الفكر العلمي وغرسه في اللغة المنقول إليها ليزدهر ويؤتي ثماراً جديدة شهية. ولقد ناسبت اللغة العربية هذا النقل حتى أن تلك العلوم أنافت بحللها العربية الجديدة الدقيقة على ما كانت عليه في اللغات السابقة. يقول البيروني – وكان مطلعاً على عدة لغات منها الفارسية واليونانية والسريانية والعبرية – في مقدمة كتابه "الصيدنة" – نذكر هنا هذا النص على الرغم من شهرته الواسعة -: "وإلى لسان العرب نقلت العلوم من أقطار العالم فازدانت وحلت في الأفئدة، وسرت محاسن اللغة منها في الشرايين والأوردة، وإن كانت كل أمة تستحلي لغتها التي ألفتها واعتادتها واستعملتها في مآربها مع آلافها وأشكالها. وأقيس هذا بنفسي وهي مطبوعة على لغة لو خلد بها علم لاستغرب استغراب البعير على الميزاب والزرافة في العراب ثم متنقلة إلى العربية والفارسية فأنا في كل واحدة دخل ولها متكلف. والهجو بالعربية أحب إليّ من المدح بالفارسية".‏

ويستبين من النص طواعية العربية ودقتها وأن العلوم نفسها لما نقلت إليها ازدادت جمالاً ورونقاً ودقة وطلاوة، وذلك لسعتها وغناها ومرونتها وأصناف الاشتقاق فيها وضروب مقاييسها الصحيحة وما إلى ذلك من مزاياها التي يعرفها أبناؤها الأوفياء.‏

بل نجد أبا الريحان في مستهل كتابه "تحديد نهاية الأماكن" يندد باستعمال الباحثين لبعض الألفاظ اليونانية التي دخلت أول الأمر إلى كتب المترجمين الأوائل ليهولوا بها على الناشئة دون أن يعرفوا المقابل العربي لها بالضبط فيقول: "ونحن نراهم يستعملون في الجدل وأصول الكلام والفقه طرقه (طرق المنطق) ولكن بألفاظهم المعتادة فلا يكرهونها.‏

فإذا ذكر لهم إيساغوجي وقاطيغورياس وباري أرميناس وأنولوطيقا رأيتهم يشمئزون عنه و(ينظرون نظر المغشي عليه من الموت) (47-20) وحق لهم فالجناية من المترجمين. إذ لو نقلت الأسامي إلى العربية فقيل: كتاب المدخل والمقولات والعبارة والقياس والبرهان لوجدوا متسارعين إلى قبولها غير معرضين عنها".‏

ولقد برع العرب المسلمون بعد حركات التعريب تلك التي أشرنا إلى بعض الأمثلة منها في ميادين العلوم والآداب كلها براعة أذهلت الغربيين حين أفاقوا من سباتهم ثم أرادوا أن يحتذوا حذو العرب ويقلدوهم وينقلوا علومهم ومعارفهم ويلحقوا بغبار موكب حضارتهم فوجدوا أنفسهم، لما طفقوا ينهضون، عاجزين عن محاكاة العرب وبلوغ شأوهم في العلوم، والكتابة، والبيان. ونعرف ذلك من خلال الفقرات التي كتبها شاعر إيطاليا الكبير بترارك في غضون القرن الرابع عشر الميلادي يندد فيها ببني قومه ويستنهض هممهم ويهيب بهم ويبث في أنفسهم الثقة والعزيمة. يقول هذا الشاعر: "ماذا؟ لقد استطاع شيشرون أن يكون خطيباً بعد ديمستن واستطاع فرجيل أن يكون شاعراً بعد هوميروس، وبعد العرب لا يسمح لأحد بالكتابة! لقد جارينا اليونان غالباً، وتجاوزناهم أحياناً وبذلك جارينا وتجاوزنا غالبية الأُمم، وتقولون: إننا لا نستطيع الوصول إلى شأو العرب. يا للجنون! ويا للخبال! بل يا لعبقرية إيطاليا الغافية أو المنطفئة!"(2).‏

إن تلك العلوم والمعارف والآداب وغيرها من مضامين الحضارة العربية الإسلامية أغار عليها الغرب أي إغارة ونهبها أي نهب وذلك بالدراسة والتفهم والترجمة والنقل. وهو ما نستطيع أن ندعوه بالتغريب مقابل لفظ التعريب. فلقد هرع رواد العلم من الأوربيين من كل فج عميق إلى الأندلس خاصة يردون مناهل العلم الزاخرة المتدفقة في ظلال الحكم العربي السمح. ويعرف المطلعون على حركات النقل أسماء التراجم المشهورين وجماعاتهم الذين كانوا يترجمون إلى اللاتينية كل ما وقع بأيديهم من الكتب. حسبنا هنا أن نشير إلى ذلك إشارة عابرة. ولكنا نذكر أنهم تجاوزوا ترجمة الكتب العلمية والفلسفية إلى ترجمة كتب ثانوية بمجرد أنها عربية. من جملة ما رأيناه في معرض المعهد الألماني لكتب التراث العربي المترجمة إلى اللاتينية، وذلك في إبَّان ندوة الحوار العربي الأوربي المعقودة في نيسان الفائت 1983، متن الإجرومية في النحو العربي وكتاب باللاتينية في تعليم النحو العربي ومجموعة أمثال عربية. فكيف كان شأن كتب الطب والعلوم المختلفة؟!‏

هذا كله لنبين تداول الشعوب للعلوم والمعارف التي كان للعرب الشأو الأعلى والمأثرة الكبرى في صونها وجلائها وإغنائها بالبحوث والكشوف. حتى إن الحضارة الغربية الحديثة مدينة لهم في ذلك. ولقد جاء في القرآن الكريم (وتلك الأيام نداولها بين الناس( (3-140) أي نصرّف ما فيها من النعم والنقم. نعطي هؤلاء تارة وأولئك طوراً. فليست الأحوال مستقرة وإنما هي رهينة بالتغير الدائم والتبدل الدائب. ولقد مرت صروف تاريخية واجتماعية توارى العرب فيها عن ركب الحضارة. ثم نبهتهم المحن والآفات وأطلعتهم على ما بلغوه من دركات التأخر. فإذا هم يتطلعون بأبصارهم وبصائرهم إلى ميدان التقدم، ويتشوّفون بمطامحهم إلى اللحاق بركب الحضارة المغذ في سيره.‏

وسر الحضارة والتقدم إنما يكمن في المعارف والعلوم والصنائع التي كان العرب قديماً أربابها ثم انتقلت إلى غيرهم. ولهذا يفيدهم أن يدركوا مدى التأخر الكبير الذي صاروا إليه وأن يعزموا أمورهم بالتعاون والأعمال الموزونة المخططة على تلافيه.‏

نحن أشرنا إلى أن نقل العلوم عن العرب كان أحد الأسباب في نهضة الغرب ويُضاف إلى ذلك التعاون والعمل الجاد والأخلاق المتينة التي حملتهم على تحري ينابيع المعرفة وامتياحها والإفادة منها مع مواءمة الصروف الاقتصادية لكل ذلك. فالنقل إذن أحد الأسباب المهمة الذي لولاه لما استطاعت اللغة اللاتينية واللغات الأوربية التي خلفتها أن تكون مطية المعرفة ووسيلة من وسائل العلم والتقدم.‏

وقد أصبحنا نحن العرب اليوم تجاه الغرب والشرق في مرحلة تشبه إلى مدى بعيد المرحلة التي كان الغربيون فيها ينظرون إلى العرب على أنهم المتفوقون في شتى الميادين. ولا شكّ أن الصروف تغيّرت. وقد يقع بين المرحلتين تشابه كما يقع بينهما تفاوت. ولكن تلقي العلم واستيعابه ونقل أصوله إلى اللغة العربية وتعريب التعليم الجامعي هي إحدى الوسائل الكبرى للتقدم والتطور الصحيح.‏

-2-‏

دور تعريب التعليم الجامعي في تطوير العلم العربي ونشره وبثه بين الجماهير:‏

الجامعات صوامع المعرفة وأنبار العلم وينابيع التفكير ومصادر التجديد إذا كان التعليم العالي فيها باللغة القومية. ذلك أنه فيها يتخرج رجال الفكر والأطباء والمهندسون والمحامون وأصحاب القانون والصيدلانيون والإداريون والقادة والأساتذة والمعلمون والمتخصصون في ضروب العلم والمعرفة. ولا شك أنهم إذا جروا على ممارسة التفكير والإعراب عن بنات أفكارهم وثمرات قرائحهم بلغتهم القومية العربية أدى ذلك إلى تطور العلم العربي، لأنه لا شيء إلا وهو رهن الحركة الدائبة والصيرورة المستمرة. وإنما تتم الصيرورة والحركة الحيويتان بالممارسة والمزاولة والتعامل والتعهد. وفقدانهما معناه الجمود والموت. ثم إن كلاًّ من أولئك المفكرين الممارسين ينتسب إلى أسرة وله أصدقاء ورصفاء ويختلف إلى أندية وجماعات ويشارك في مناقشات ويزاول التفكير والبحث أيَّاً كان مداهما وأغوارهما. فإذا جرى على التعبير والإعراب عن أفكاره في بحوثه ومناقشاته وتعليمه وكتاباته بلغته القومية وبشكل سليم صحيح ما أمكن أفضى ذلك إلى الارتفاع بلغة الجماهير. والناس – كما نوّه ابن خلدون – مولعون بالاقتداء. فهم يقتدون بمن هم أعلى منهم مكانة وثقافة ومرتبة ويلتقطون تعبيراتهم ومفرداتهم التي يستعملونها ويتأثرون ببيانهم الذي يسمعونه أو يقرؤونه. ولذلك كله كان من الطبيعي أن يكون تعريب التعليم العالي سبباً لذيوع العلم العربي وتطوره ولنشره وبثه بين الجماهير. يضاف إلى ذلك ما يتعلق بوسائل الاتصال من مجلات وصحف وإذاعة سمعية وبصرية. فإن أولئك المتخرجين بحكم تحصيلهم باللغة القومية ودربتهم عليها يتيسر لهم الإعراب عن أفكارهم وعن معلوماتهم وعمّا يجول في عقولهم ويتلامح في خواطرهم وأمانيهم بهذه اللغة التي ما فتئوا يمارسونها، كما يتيسر الارتفاع التدريجي بها. إن الجماهير مهما تقلبت السياسات تابعة لأولي الرأي والثقافة والعلم في الغالب. وهذه التبعية إنما تتم بطريق التفاهم العميق وهو اللغة القومية. وليست التبعية مقصورة على الجماهير بل هي حاصلة لدى النشء. والناشئ الذي يشب وهو يسمع لغة صقلها العلم وهذبتها المعرفة يغدو متمرساً بها ولافتاً لمفرداتها ومتفتحاً عقله وملكاته للإفادة من مضامينها العلمية والفكرية والفنية ولهذا نرى أن النهوض بالفكر لدى الشعب يتهيأ من الأعلى أي على طريق التثقيف والتعليم في الجامعات وإعداد رجال الفكر والعلم من أطباء ومهندسين ومحامين وأساتذة وأدباء وغيرهم. وهذا لا يتحصل إلا إذا كان التعليم العالي باللغة القومية وتمكن كل مختص من تبوؤ المكان المناسب له.‏

ولقد أدركت الشعوب هذه المزية فعمدت على الأغلب إلى التعليم في جامعاتها ومعاهدها العالية بلغاتها القومية حتى لو كانت هذه اللغات ذوات حظوظ ضئيلة ومتفاوتة من التقدم بالقياس إلى بعض اللغات الحديثة الشائعة التي يرجع سر تقدمها إلى تقدم أبنائها لا إلى خصائصها الذاتية. ذلك أن للغات خصائص ذاتية جوهرية وخصائص عارضة سطحية. فالخصائص العارضة متعلقة بالمرحلة الاجتماعية والثقافية التي وصل إليها الشعب. فإذا تقدم الشعب تقدمت لغته بتقدمه. والخصائص الذاتية ما كان أصيلاً في اللغة من مرونة وغنى وطواعية وسهولة اشتقاق ونحت وقياس وتقبل. وفي رأينا لا توجد لغة فوق الأرض تعدل اللغة العربية في هذه المزايا وفي غيرها أيضاً ويكفي ما سبقت الإشارة إليه آنفاً في قول البيروني وهو أن العلوم لما نقلت إلى العربية زادت جمالاً ورونقاً ودقة وهو من أخبر العلماء في صنوف العلوم وفي شتى اللغات إذ كان مطلعاً عليها وعارفاً لها وممارساً لبعضها في الكتابة والتأليف. وذلك على الرغم من بعض الصعوبات التي صادفها المترجمون للعلوم قديماً عند نقلها إلى العربية كما يحصل دائماً عند نقل بعض النباتات من إقليم إلى إقليم وتدجين بعض الحيوانات في مناخ جديد حملت إليه ورغب في انتشارها للاستفادة منها والتباهي بها فيه. ولكن تلك الصعوبات لم تلبث أن توارت حين انتقل الفكر العلمي من وراء الترجمة والتعريب إلى الناشئة العربية حينئذ وواتى الجو البياني الجديد ذلك الفكر فنما وازدهر ازدهاراً إذ ذاك لا مثيل له.‏

*دور تعريب التعليم العالي في القضاء على الاستلاب الثقافي وعلى الشعور بالتبعية والعجز عن الإبداع:‏

يشعر المتعلمون والمثقفون من العرب تجاه علوم الغرب وفنونه بمشاعر قصور عميق وتأخر كبير تشبه المشاعر التي ندد بها الشاعر الإيطالي بترارك إبان النضهة الغربية إزاء ثقافة العرب وبيانهم. فقد أزرى ذلك الشاعر بمواقف أبناء قومه الفاشلة وبإقرارهم بالعجز عن مضاهاة العرب ومجاراتهم. ومع ذلك لم يلبث الإيطاليون وكذلك الإسبانيون أن تخلصوا من تلك المشاعر بالإرادة والعزيمة والعمل فأشعلوا أولى نيران النهضة في أوربة على الرغم من الاضطراب والخلل في بواكير أعمالهم وكتاباتهم وعلى الرغم من انتحالهم مضامين الفكر العلمي العربي أو تقليدهم له. والمطلع على تاريخ لغاتهم الحديثة اطلاعاً مفصلاً يعجب من مدى عجمتها واختلاطها واضطراب مفرداتها ومصطلحاتها ليخلص إلى أن الزمن كفيل بصقل ذلك الاضطراب وإصلاح ذلك الخلل وتصحيح الزيغ وتجاوز الاختلاط وإيضاح العجمة والإبهام والاستغلاق إذا رزق الشعب ولو إلى حدٍ مناسب حسن التوجيه واحترام الثقافة وحظ التعاون وجمال الصبر. كان لفظ الفيلسوف إذا أطلق في أوائل النهضة الأوربية مرادفاً للفظ العربي ولكن الأوربيين لم يلبثوا حين لحقوا بركب الحضارة العربية أن حاولوا طمس مصادر معلوماتهم وثقافاتهم وأصول جذا الأنوار في مشاعل مدنيتهم الباكرة.‏

إن العرب اليوم يكاد المرء الضئيل الثقافة فيهم وهو الذي لم يتقن علوم الغرب اتقاناً كافياً ولم يطلع اطلاعاً مناسباً على تراث قومه التليد يهوله التقدم الكبير الذي وصل إليه الغربيون ويوشك أن يستخذي تلقاءهم. ولقد شهدنا بعض الأساتذة ممن لم يتمكنوا من لغتهم القومية ولم يتقنوا اللغة الأجنبية ولا العلم الأجنبي يرطنون ببعض الألفاظ الأجنبية في خلال دروسهم ظناً منهم أن ذلك يعليهم في نظر طلابهم ويحجب ضعفهم في المادة التي أوكل إليهم تعليمها. إن الشخص الذي وصل إلى سن الشباب وإلى درجة لا بأس بها من العلم دون أن يتقن لغته يدل عدم إتقانه اللغة التي نشأ عليها وتلقى التعبير فيها على ضعف في الملكات الفكرية لا يستره حفظه للمصطلحات الأجنبية التي اضطر إلى حفظها دون معرفة أصولها وترابطها. وعلى خلافه الشخص الذي ألمّ إلماماً كافياً بقواعد لغته وبأصول التعبير الصحيح فيها يسهل عليه في الغالب التبريز في إتقان اللغات الأخرى وفي العلوم أيضاً لأن معرفته لغته في سن نشوئه دليل على جودة ملكاته الفكرية و"مؤشر" كما يُقال في الإحصاء إلى حسن مواهبه الأصيلة. ولهذا كان كل شعور بالعجز دليل الوهن والأفن وعدم الكفاية العقلية. بل نرى فوق ذلك أن المصاعب التي قد يصادفها المثقف في ميدان الإبداع والابتكار نوع من التحدث لملكاته وقواه الفكرية، وكثيراً ما أفاد التحدي في إبراز القيم الشخصية وفي شحذ مواهب الأفراد والجماعات. وشد ما قيل بين الناس من أن الحاجة أم الاختراع. ونحن نقول: إن الصعوبة المعترضة والصبر على التغلب عليها مفتاح النجاح.‏

هذا وإذا تقدم الغرب في الوسائل التقنية والعلوم المادية فإننا ما زلنا نزعم أن الشرق متقدم على الغرب في القيم الإنسانية والمزايا الروحية والشمائل الاجتماعية من علائق التعاطف في الأسرة ومن محبة الإنسان للإنسان ومن إعلاء شأن العلم والمعرفة ومن غوث الملهوف وعون الضعيف وهداية الحائر ومديد المعونة للعاجز والبر بالشيوخ والوالدين والحدب على الصغار والتمسك بالمثل الأخلاقية. وإذا وجدنا لذلك شذوذاً فإنه طرأ بطريق الإذاعات والسينما والقصص السيئة "السادية". إن إثارة الرعب والتقتيل الجماعي والصمت عن الإجرام والتمييز العنصري وعبادة الدرهم والدينار وغش الشعوب وتخريب حضاراتها كل هذه الأمور بعيدة من مفاهيم الشرق وتصوراته. ولقد قال متصوف إسلامي قديم "الطرق إلى الله بعدد نفوس بني آدم" ومعنى ذلك أن كل نفس ذات طريق خاص تستطيع إذا سلكته أن ترقى إلى النجاح والخير وإفادة المجتمع. وكذلك الشعوب فلكل شعب مزايا يستطيع أن يظهرها في تحقيق مواهبه إن لم تحل دونه حوائل داخلية أو خارجية ولم تضلله تربية خاطئة ولا زيغ ناكب ولم يضيعه استلاب لحقيقته الإنسانية.‏

وهكذا لا مجال للاستلاب الثقافي إذا تم التعليم باللغة القومية وانتشرت الأفكار والثقافة والعلوم ونمت المواهب بين الناس وتحققت ملكاتهم الإنسانية الحقيقية السليمة. وعلى العكس يقضي التعليم باللغة الأجنبية على هذه الملكات والمواهب ويجعلها ذيلاً للحضارة الأجنبية وملحقة بها إلحاق العمال في البلاد الرأسمالية بأصحاب المصانع وأرباب رؤوس الأموال.‏

*دور تعريب التعليم العالي في تطوير اللغة العربية وتجديدها وتحقيق قدرتها الكاملة على استيعاب العلوم الحديثة.‏

لا بدّ في تعريب التعليم العالي ونقل العلوم والمعارف الحديثة إلى ظلال اللغة العربية الوارفة من إحياء ألفاظ قديمة واستحداث مصطلحات جديدة تفي بحاجات الدلالات وتؤدي حقائق التصورات والمفاهيم المستجدة وتواتي الأغراض الفكرية.‏

وهذا كله يؤدي إلى تطور اللغة العربية وإلى حقن نسغ جديد يزيد في حيويتها وغناها ويضمن تدفقها وثراءها في شتى المجالات وتحقيق استيعابها لأغراض الحضارة الحديثة في ميادينها المختلفة. وهذا شأن اللغات جميعها سواء في غابرها وفي حاضرها إذ لا مندوحة لها عن قيام صلات واشجة بينها وبين اللغات الأخرى. وقد تطغى لغة على لغة وقد تزيد الواحدة في ثراء الأخرى وغناها. ولكل لغة أيَّاً كانت مزايا تنفرد بها. وهذه المزايا تناسب وجهاً أو أكثر من وجوه التعبير العلمي والأدبي. كنا في مقال سابق(3) شبهنا اختلاف وجوه التعبير في اللغات باختلاف مزايا نظم العد من عشري وثلاثي واثنيني واثني عشري وستيني وغيرها. ومن المعروف صعوبة إفادة الثلث تاماً في الكسور العشرية وتسهل إفادته في الجملة الثلاثية التي أساسها الثلاثة دون العشرة. وكذلك النصف تسهل إفادته التامة في الجملة العشرية وفي الجملة الاثنينية وتصعب في الجملة الثلاثية وهكذا دواليك إذا توسعنا في أنواع الجمل والنظم الحسابية وإفادة الكسور فيها. ومع ذيوع الجملة العشرية أو نظام العد العشري نجد في العصر الحاضر أهمية النظام الاثنيني في ميدان الحاسبات الإلكترونية.‏

وهكذا اللغات. لكل لغة مزايا وإفادات تختص بها وربما لا يوجد لها أشباه في بعض اللغات الأخرى. ولكن هذا مجرد تشبيه نريد به الحث على تعرف مزايا اللغة العربية والاستفادة منها. ولا تمكن هذه الاستفادة إلا بعد تعلمها وبذل الجهود فيه والأخذ عن الأكفياء كما صنع حنين بن إسحاق حين نهض من بغداد إلى بلاد فارس ليلزم الخليل بن أحمد إمام اللغة في عصره.‏

ولما جرت حركة الترجمة من اليونانية إلى السريانية ثم إلى العربية بلغت السريانية عصرها الذهبيّ إبان ذلك العهد. وكذلك بلغت اللغة العبرية عصرها الذهبي في ظلال الحضارة العربية الأندلسية حين استقت من الشعر العربي أكثر بحوره ومن النحو العربي أغلب قواعده كما أخذت عن العربية كثيراً من المفردات والتعابير الفكرية والفلسفية ولا سيّما حين نشأ مفكرها المشهور موسى بن ميمون الذي كتب في العربية والعبرية سواء.‏

أما اللغة العربية فغناها الأصيل وثراؤها الجم أدخل عليها مع ذلك عند نقل العلوم القديمة إليها نصيباً من عمق التعبير وسعة البيان جعلها تتطور بأساليبها مع الاحتفاظ بأصالتها الذاتية وخصائصها المثلى.‏

ولما أن اشتد نقل العلوم العربية إلى اللغة اللاتينية سابقاً أثر ذلك في ثراء اللغة اللاتينية تأثيراً شديداً حتى إنه غدا العلماء يميزون فيها لغتين: اللاتينية القديمة واللاتينية المتأخرة. وينبغي ههنا أن ننص أمراً غفل عنه بعض اللغويين الحديثين ومحققي كتب التراث العربي حين يحققون لفظاً في اللاتينية له شبيه في العربية فيجعلون إلى ادعاء اللفظ اللاتيني أصلاً. والحقيقة هي العكس وهو أن اللفظ اللاتيني آت من العربي دخل عند حركة النقل الأوربي. وكذلك الأمر في اللغة العبرية وفي اللغة السريانية. بل إنه صحيح إلى حد في اللغة اليونانية أيضاً لأن الحروب السجال التي وقعت بين الروم والعرب ولا سيما إبان الدولة الحمدانية أدت إلى تسرب ألفاظ متعددة من العربية إلى الإغريقية كما يشهد بذلك بعض المستشرقين الذين اختصوا بعلاقات الروم والعرب في العصور الوسطى كالمستشرق الفرنسي ماريوس كنار.‏

إن التعريب وسيلة لثراء اللغة العربية بالمصطلحات الحديثة ولبث حركة الحياة الجديدة في أوصالها. ولكن لا بد في ذلك من الانتباه لخصائص العربية ومزاياها في الدقة والإيجاز والبلاغة وسلامة التعبير وجلاء البيان دون أن تندس في أوصالها ركاكة التعبير الأجنبية وتتسرب إليها فهاهتها وطبيعة كيانها اليابس القائم على الحروف والعبارات الاصطلاحية كما تقوم الأخشاب المنصوبة على المسامير المدقوقة فيها، ولولا الطلاء الحضاري الزائف عليها لما كانت مستساغة لفقدان النسغ الحي زد على ذلك تفاوت اللفظ والكتابة فيها حتى أن أبناءها يكتبون شيئاً ويلفظون غيره. ونحن ندرك المبالغة في كلامنا هذا. ولكن المبالغة هي التي تفضح الطلاء المموّه الظاهر. إن أفضل التطور في الكائن الحي ما يجعله محافظاً على مزاياه وخصائصه الجيدة وما يزيد هذه الخصائص والمزايا ثراء. وإلا فإن في قصة الغراب الذي أراد أن يقلد مشية الحجلة لعبرة للمتأملين. وكذلك لا بد من التخطيط السليم في أمور التعريب بالنظر إلى اتساع البلاد العربية الواسعة ذوات الثقافات الأجنبية المختلفة فإذا لم ينتظم التعريب ناظم سويٌ غدا فوضى ونشأت لغيات ولهجات محلية خطيرة تجعل التفاهم بين أبناء الوطن الواحد وبين مثقفيهم عسيراً. وفي حكاية تعدد اللغات في برج بابل عبرة أخرى ما تزال ماثلة لأولي البصائر.‏

المهم قبل كل شيء في التعريب إتقان اللغة العربية. ولا يصعب بعد الإتقان أن يكون شأن المصطلحات ثانوياً حتى لو استعملت بألفاظها الأجنبية وقتياً ومرحلياً كما استعمل العرب ألفاظ الجيومطريا والارتماطيقي والبيوطيقا وغيرها مما نجده في التراث العربي وكما استعملوا في مصطلحات المنطق ألفاظاً يونانية جعلت عالماً كبيراً مثل البيروني يتهكم على مستعمليها كما سلف آنفاً إذ سرعان ما تجاوزوا تلك الألفاظ الثقيلة الممجوجة ووجدوا مقابلات لها سهلة جلية سائغة. وأبو الريحان هذا هو الذي اقترح مؤرخ العلوم الأمريكي سارتون إطلاق اسمه على النصف الأول من القرن الحادي عشر الميلادي بأن يدعى عصر البيروني في إطار تطور تاريخ العلم العالمي. وهو الذي اعتبره المستشرق الألماني زخاو أعظم عقلية عرفها التاريخ.‏

*دور تعريب التعليم العالي في نشر اللغة العربية والعلم العربي والثقافة العربية خارج إطار الوطن العربي ولا سيما في البلاد الإسلامية.‏

ثمّة وشائج تاريخية وثيقة بين التراث العربي وتراث كثير من البلدان الأجنبية ولا سيما الإسلامية لأن شعوب هذه البلدان قد شاركت في تألق الحضارة العربية وعلومها وفنونها وصناعاتها. لقد التقينا في إحدى زياراتنا لبلغاريا وفداً هندياً أخبرنا أحد أعضائه وهو غير مسلم أنه لما كان صبياً صغيراً أرسله والده إلى مدرسة عربية بالهند إذ كانت اللغة العربية معتبرة إذ ذاك لغة الحضارة ثم حلت اللغة الإنكليزية التجارية المستعمرة محل اللغة التي تنادي بأن الخلق كلهم عيال الله فأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله.‏

كانت اللغة العربية حقبة طويلة من الزمان لغة تلك الشعوب العلمية والفكرية. ولذلك نجد أن لغات تلك الشعوب قد استمدت من العربية ألفاظاً حضارية ومصطلحات علمية كثيرة. ومثَل هذه اللغات في العصر الحاضر مثَل اللغة العربية في الحاجة إلى نسغ جديد يجري في عروقها ويقوّي مناعتها ويبث فيها الحداثة والمرونة والطواعية. ولما كان جزء لا بأس به منها آتياً من العربية ولا سيما ماكان منه حضارياً وفلسفياً ودينياً وعلمياً لزم أن تقوم بذلك الأخت الكبرى لتلك اللغات وهي العربية فتعمد إلى وضع المصطلحات المستجدة وضرب المثل الصالح في التعبير السليم والبيان الصحيح الموائم للأغراض الحديثة والأفكار الجديدة. وقد بلونا ذلك حين وضعنا نحن والمرحوم الدكتور الشافعي النص العربي للمعجم الديمغرافي المتعدد اللغات وسبقنا في ذلك طائفة من البلدان حتى المتقدمة منها في اعتماد ذلك المعجم العالمي الذي ظهر أول الأمر باللغات الثلاث الإنكليزية والفرنسية والإسبانية، لغات منظمة الأمم الرسمية إذ ذاك. فإذا بالاتحاد العالمي للدراسة العلمية للسكان يكتب إلينا يستعلم طريقة الحصول على المعجم العربي لأن بلداناً أخرى هي تركيا وإيران وباكستان وأندونيسيا رغبت في اقتنائه ابتغاء الاستفادة منه لوضع النص بلغتها القومية. ونحن على يقين بأن اللغة العربية بين جميع اللغات قادرة على القيام بأعباء التعريب من كل نوع نظراً لغناها وتعدد سبل البيان فيها ودقتها وملاءمتها لشتى الأغراض على أن ينهض به ويشرف عليه الأكفياء أهل العلم والمعرفة.‏

*دور التعليم العالي في مزج الثقافات الأجنبية المتعددة في بوتقة ثقافية عربية متكاملة موحدة وفي الخلاص من تنازع الثقافات الأجنبية وتعارضها في إطار الجامعات ومؤسسات التعليم العالي العربية.‏

لقد أُتيح لنا أن نزور كثيراً من البلاد الحديثة الرأسمالية والاشتراكية. ونظراً لاتساع رقعة الوطن العربي ومكانته الاستراتيجية والاقتصادية والجغرافية والديمغرافية نشأت لدويلاته علاقات متعددة بتلك البلاد. من نتائج هذه العلاقات البعثات والمنح العلمية الكثيرة، رسمية وغير رسمية، جماعية وفردية، تحمل أبناء الوطن العربي وناشئته لتلقي العلوم في تلك المجتمعات الحديثة. وجدنا الشبان العرب في تلك المجتمعات يقبلون على تلقي العلوم ولهم دوي وهينمة كدوي جماعات النحل وأثوالها المترامية على رحيق الأزهار تمتص منه ما يشبع رغباتها وينقع طموحها. قد يقع انحراف أو تهافت أو خطأ في الإرسال وفي التمتع بالمنح وهذا شيء طبيعي يمكن تقليله وحصره ولكن تلك الكثرة ومطامح الناشئة في تلقي العلوم تفتح أبواب الأمل ونوافذه على مصاريعها لمن كان له قلب.‏

ولما كانت البلدان الأجنبية متفاوتة اللغات متعددة الرؤى كان المتخرجون العرب فيها متسمين بذلك التعدد والاختلاف والتفاوت. ولكن يجمعهم تحصيل العلم ومقدار الإتقان الذي حصلوا عليه ومبلغ الثقافة التي تحلُّوا بها. وهؤلاء حين يرجعون إلى بلادهم التي ترحب بهم والتي هي المناخ الطبيعي لتكامل مواهبهم وتمام نضجهم وشموخ أنفسهم ومرتكز فخارهم يغدون كالمختبر الحقيقي لامتزاج الثقافات في بوتقة عربية موحدة سواء كان ذلك في الجامعات والمعاهد التثقيفية وفي مباءات البحث والتنقيب. وذلك كما تصهر الفلزات والمعادن الثمينة نفياً للخبث وإبعاداً للزيف والشوائب عنها. وفي ذلك أقوم السبل للوصول إلى ثقافة عربية علمية حديثة تمهد للابتكار وللتقدم في ركب المدنية الراهن.‏

*دور تعريب التعليم العالي في توليد نظرة حضارية عربية واحدة أصيلة وحديثة.


من تعدد الثقافات الأجنبية التي تحملها الأجبيال العربية المثقفة تثقيفاً عالياً صحيحاً وانصهارها في بوتقة تعريب التعليم الجامعي تتولد سبيكة أو أشابه من الجواهر الفكرية الراقية تنشأ عنها بالإضافة إلى الثقافة العربية التراثية نظرة حضارية عربية أصيلة وحديثة. ذلك أن الاقتباس من الثقافات الأخرى مع الحفاظ على الأصالة القومية كالاقتباس من شعل النيران يزيد التوقد ويبث الحركة والتوثب الفكريين نحو الأعلى في مجاراة الأُمم الحديثة الأخرى. ولما كانت البلاد العربية غنية بمكانتها المتنوعة الغزيرة غدت تتسع اتساعاً وافياً لمختلف الثقافات الأجنبية وهي قادرة على تمثلها مع الزمن. يبدو الزمن هنا ذا قيمة كبرى في التطور. وكما أن الأغراس في الحدائق تحتاج إلى برهة للتلاؤم هي والشروط الخارجية من تربة ورطوبة وحرارة وتغذية ورعاية وتعهد دائم لكي تنمو وتقوى وتتفرع وتزهر وتؤتي بالثمار الزكية تحتاج الأجيال إلى فترات زمنية ذات إيقاع مناسب لكي تتفاعل ثقافاتها وتتهيأ للنهوض والتفتح وإنشاء حضارة جديدة ذات كيان أصيل. هكذا تم نهوض الأُمم وظهورها بالتدرج على صعيد الحضارة العالمية. ولكنه تم أيضاً بالدعم الفعّال من قِبل المسؤولين والتعهد الدائم لنسغ الحضارة المتولد وتشجيع الأكفياء في كل ميدان، بل بمشاركة المسؤولين أنفسهم في تلك العلوم والمعارف لكي يضربوا الأمثلة الصالحة ويكونوا القدوة المثلى في الحث على العلم وتكريم أربابه ورجالاته وإعلاء شأن الإبداع والابتكار: لقد كان الأمير خالد بن يزيد من كبار المهتمين بالعلوم، الحراص على الإلمام بدقائقها. وكان الخليفة المأمون له مجالس علمية يخوض في كل فن يجري ببحثه فيها. وكان يقدم العلماء ويسبغ عليهم أفضل التقدير والتكريم. وكذلك نجد مثل هذا في عهود الخلفاء الأندلسيين ولدى الملوك الفاطميين والأيوبيين، إذ لا تقدم يحصل دون إعلاء شأن العلم وتكريم العلماء. على أن التاريخ والتراث والأعراف العربية من حقائقها دعم ذلك الاتجاه وتجسيده. فلا غرو أن يولي المسؤولون في أجواز الوطن العربي دور العلم وبيوته رعايتهم الكريمة وتعهدهم الثري المثمر.‏

*دور تعريب التعليم العالي في رفع الدراسات العليا وفي إعداد الهيئة التدريسية الجامعية إعداداً ملائماً لحاجات الوطن العربي وفي الحد من عدد البعثات العلمية إلى الخارج ومن هجرة الكفايات العلمية بالتالي.


إذا تولدت تلك الأشابه أو السبيكة المشار إليها آنفاً من صهر الثقافات المتعددة في الوطن العربي تكوّن لدى الأجيال العربية معارف توازي معارف الأمم الحديثة في العلوم والفنون وأصبح لهذه المعارف ينابيع ثرة عذبة في جامعات البلاد ومعاهدها تفجرها الأجيال العربية أنفسها ويردها الطلاب يمتاحون من معينها الفرات بل يكونون هم أنفسهم تلك الينابيع بما أوتوا من تثقيف صحيح وتعليم منهجي رفيع وحصانة ذاتية في التفكير وزكانة ملهمة في التأمل والبحث والتنقيب، لا كما هو حاصل الآن من إعادة ببغاوية لمعلومات الغرب أو الشرق واجترار آلي لمعارفهما وعدم النفوذ من خلالها إلى سر الإبداع والاختراع. لا شك أن تعريب التعليم العالي يستلزم حسن التأليف في العربية. ذلك أن التعريب لا يعني بحال من الأحوال التعليم بلغة عامية محلية لا أصول لها ولا قواعد بل هي تختلف من قطر إلى آخر وتتفاوت من صقع إلى غيره بحيث لا تستطيع الناشئة متى جد الجد أن يفهم بعضها بعضاً. وإنما المراد بالتعريب التعليم بلغة عربية سهلة سائغة دقيقة صحيحة جلية. لقد حدثني زميل في إحدى الكليات وهو أستاذ لإحدى مواد الكيمياء أن له بنتاً ناشئة تدرس شهادة الكيمياء في كلية أخرى أراد ذات يوم أن ينظر في الأمالي التي تتلقاها في كليتها فلم يفهم منها شيئاً لأنها أمليت بلغة عامية وكتبت عشوا بتلك اللغة. نحن نجرؤ فنقول: إن التعليم باللغة العامية أسوأ منه بلغة أجنبية، لأن اللغة الأجنبية ذات قواعد وأصول ومجال واسع في التأليف والمتابعة. وليس كذلك اللغة العامية المحلية.‏

إن أكبر أخطار الاستعمار التشكيك في صلوح اللغة العربية لاستيعاب التعبير والمصطلحات الحديثة والخفض من قيمة هذه اللغة. المهم أول الأمر وعلى رأس الطريق هو إتقان اللغة العربية إتقاناً كافياً فلا يسمح لمن يتولى التدريس ألا يكون لديه مثل هذا الإتقان. وليس ذلك بعسير. إن إتقان اللغة القومية شاهد على كفاية الأستاذ كما أن عدم إتقانها يحملنا على الشك في قيمة ما حصَّل من علوم أجنبية. اللغة في مجال التعريب قبل كل شيء آخر. هي مفتاح العلوم الأخرى. وإذا نمت اللغة العربية في المستقبل نمواً صحيحاً غدت تلقَّن للأجيال تلقيناً كما تلقَّن اللغات الحديثة الأجنبية. فاللغة تتوارث وتعلَّم بالتلقين والسماع والممارسة أكثر منها بالتعمق في أصولها وقواعدها. هذا التعمق مقصور على نخبة من الناس. ولكن الناشئة والطلاب وسائر الناس يتلقونها صحيحة سليمة من أفواه الأساتذة والمعلمين والعلماء والأنبياء. وعندئذ يفكرون ويتحدثون ويتناقشون ويكتبون ويؤلفون بلغتهم الحية لا تعمية فيها ولا إبهام ولا غموض إلا إذا أريد ذلك، وإن كان لا غنية لهم عن الإلمام ببعض القواعد. وهم بطبيعة الأمر ما دام العلم مبذولاً وسائغاً شرابه في جامعاتهم لا يحتاجون إلى انتجاع بلاد أخرى لطلب العلم إلا في مجال التبادل الثقافي الحقيقي الذي يقف العلماء من شتى الأقطار على صعيده مواقف متساوية ومتتامة.‏

هذا ولا شيء أشق على المرء، إذا غدا الجو الذي يعيش فيه حميداً وصالحاً لتكامل مواهبه واستمرار بحوثه وظهور كفاياته، من الغربة عن وطنه واقتلاع جذوره منه. وهكذا يضعف تيار هجرة الكفايات إلى بلاد أخرى. وإنما تقع الهجرة النازحة إذا نافت الشروط المحيطة بالمرء تفتُّح مواهبه وحرية تفكيره وشعر فيها بشل نشاطه وعدم القدرة على تحقيق مطامحه وعلى حماية نفسه وأسرته. الحرية والتعاون والمحبة وحماية الأنفس وتعهد المواهب الفكرية وتبوؤ الشخص المناسب المكان المناسب شروط أولى لغيض هجرة الكفايات الفكرية. إن أهم خصائص الإنسان الفكر وأعلى ملذاته العليا ممارسة هذه الخصائص فإذا حيل بينه وبين هذه الممارسة أو كانت هذه الممارسة في خطر عليه يمم وجهه شطر بلد آخر يحفظ له كرامته ويوفر له الحماية. وهذا أيضاً من طبيعة التراث. ألم يخاطب الشاعر القديم نفسه:‏

وإن نبت بك أرض فكل أرض وطن‏

أو لم يهتف الشنفرى الجاهلي بذلك في مطلع قصيدته المشهورة:‏



أقيموا بني أمي صدور مطيِّكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل‏



*مخاطر الغزو الثقافي الأجنبي الذي يمكن أن يتسلل خلال التعريب:‏

بين الثقافات عامة تزاحم وتنافس ناشئان عن العنجهية القومية وعن عدم التوازن الثقافي الفكري لأنه قد يكون الباحث مختصاً في مجال يحسن العمل فيه دون أن يكون لديه حصيلة كافية في الفلسفة الإنسانية والأخلاق، فيكون ذلك مدعاة له إلى طمس بعض الحقائق وإلى التحيز لنحلته ولبني قومه دون مسوّغ. والكمال في الدنيا نادر والنفوس الإنسانية متفاوتة المنازع والاتجاهات. وهكذا نجد أن الثقافات الأجنبية ثغرات فاغرة الأفواه على المثقف المطلع أن يتحامى الانزلاق إليها والتردي فيها. إن التراث الغربي مثلاً على الرغم من كونه في السابق عيالاً على الثقافة العربية نجده في العصر الحاضر غالباً مقطوع الصلة بتاريخ تلك الثقافة مربوطاً رأساً بالثقافة اليونانية يدعوها أحياناً بالمعجزة مع أنها مقتبسة من حضارات الرافدين ووادي النيل. المعجزة الكبرى هي الحضارة العربية الإسلامية في تقدم العلوم الإنسانية والفكرية والتنويه بحقوق الإنسان أيَّاً كان لونه وأصله وبالمساواة وبإعلاء شأن العلم والمعرفة. نحن لا ننكر مزايا علماء الغرب ولا مفكريهم ولكن إقرارنا بها لا يمنع من تعرف قيم العلماء العرب واتساع آفاقهم وعلو شأنهم وسمو أهدافهم وشموخ قيمهم وتحقيقاتهم العظيمة الواسعة في كل ميدان من ميادين المعرفة والعلم، كالطب والرياضيات والفلك والفلسفة والأدب وغيره. يكفي أن نذكر هنا ما نوه به المستشرق السوفياتي كراتشكوفسكي، وأمثاله قليل، في مدخل كتابه "تاريخ الأدب الجغرافي العربي: "إن المكانة المرموقة التي تشغلها الحضارة العربية في تاريخ البشرية لأمر مسلم به من الجميع في عصرنا. هذا وقد وضح بجلاء في الخمسين عاماً الأخيرة فضل العرب في تطوير جميع تلك العلوم التي اشتقت لأنفسها طرقاً ومسالك جديدة في العصور الوسطى وما زالت حية إلى أيامنا هذه أعني علوم الفيزياء والرياضيات والكيمياء والبيولوجيا والجيولوجيا. أما فيما يتعلق بالأدب الفني العالمي فإن العرب قد أسهموا فيه بنصيب وافر يمثل جزءاً أساسياً من التراث العام للبشرية، كما امتدَّ تأثيرهم كذلك إلى عدد كبير من المصنفات والفنون الأدبية التي نشأت في بيئات غير عربية".‏

*التوازن بين الأصالة والتفتح على الخبرة العالمية:‏

مما سبق يظهر أن المهم في تعريب التعليم الجامعي نقل العلوم الأجنبية الحديثة إلى اللغة العربية وتعليمها والتأليف فيها بلغة عربية مبينة سليمة حتى يتهيأ البحث والتفكير والكتابة في المستقبل القريب بهذه اللغة التي كانت مطية الفكر العالمي أحقاباً طوالاً في الغابر. هذا هو المهم.‏

ولكن الأهم إرساخ التفكير العلمي في أذهان الأجيال العربية المقبلة بحيث يغدو التفكير العلمي والتعبير العربي صنوين متحدين ملتحمين حافزين على الإبداع والابتكار إلى جانب الاطلاع الدائم على ما يستجد من بحوث علمية على الصعيد الإنساني العالمي باللغات الأجنبية المتقدمة.‏

لقد جرى لنا سابقاً حديث مع أستاذ ياباني للأدب المقارن في جامعة طوكيو ذكر لنا في خلاله أن له نظرية خاصة حول مشاركة اليابان في التقدم العلمي والتكنولوجي الراهن فهو يرجعها إلى طبيعة اللغة اليابانية على الرغم من أن هذه اللغة من أصعب اللغات قاطبة. وصعوبتها يعانيها أبناؤها كما يعانيها الغرباء إذا أرادوا تعلمها. وذلك أن اللغة اليابانية حروفها مقطعية مقتبسة من اللغة الصينية مضافاً إليها بعض الحروف الخاصة التي تتعلق بقضايا الإعراب النحوي. ولما كانت الحروف الصينية رموزاً مختزلة تدل على الأشياء والمعاني استطاع الياباني إذا طالع كتاباً صينياً أن يفهم مقاصده ويصل إلى مضمونه وفحواه من خلال تلك الصور والرموز المقطعية المشتركة دون أن يعرف اللغة الصينية أو يتكلم بها. وهكذا قرأ اليابانيون الحضارة الأوربية واستطاعوا في رأيه أن يتجاوزوا أشكالها إلى المعاني الماثلة وراءها وإلى التفكير الأساسي الذي تولدت عنه. لا نريد أن نناقش هذه النظرية التي ربما كان أساسها واهياً إذ يهمل صاحبها الصروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي حملت اليابان إلى ذلك التقدم السريع. ولكن غرضنا هو الإلماع بالتفتح الإنساني العقلي على آفاق العلم وتقوية المواهب المطلة على ساحات الإبداع والابتكار مع المحافظة على الذات القومية التي هي ركن الأصالة وعدم الضياع. فالأصالة الحقيقية تستدعي التفتح إذن على الخبرات العالمية كما أن التفتح يقوي الأصالة ويدعمها إذ هي بحاجة إلى نسغ حي دائم يجري في عروق أفراد الشعب الموهوبين. وإلا غدت الأصالة يبساً عقيماً وهشيماً تذروه الرياح وتقوقعاً يدخلها في عالم المستحاثات.‏

*أهمية توضيح الهوية الثقافية الذاتية ومقومات توليدها وبيانها:


في رأينا أن الشعوب كالأفراد يتمم بعضها في التباس القيم الرفيعة العليا وتحقيقها من سياسة حكيمة وأخلاق كريمة وعلوم دقيقة تكشف حقائق الكون وتنسقها وتقترب اقتراباً جدلياً منها في الحين بعد الحين والعصر تلو العصر.‏

وكما تصيب الأمراض والعوائق الأفراد وكما أنهم رهائن الصروف التاريخية والاجتماعية والاقتصادية كذلك شأن الشعوب. ومن أكبر العوائق وأدهى الأمراض العوادي الطبيعية والاجتماعية كالغارات والحروب والاستغلال والاستعمار واضطراب السياسة وفساد الأخلاق وما إلى ذلك من كوارث ومآس كان يمكن تجنبها وتوحيد الجهود للتغلب عليها.‏

إن الإنسان أخو الإنسان أيَّاً كان يشده ويدعمه ويكون وسيلة من وسائل إسعاده ما دام الإنسان اجتماعياً بالطبع أو مدنياً كما يقول علماء العرب قديماً، وكذلك الشعوب. فهي قادرة على التعاون بالتغلب على الآفات المنتشرة في الوقت الحاضر كاجتياح القوي للضعيف وسرقة الأراضي من تحت أرجل قطانها والاستغلال وسوء التغذية والتأخر وتلوث البيئات وبعض الأمراض المستعصية.‏

وكما أن المرء لنجاحه ينبغي أن يتعرف مواهبه وملكاته وما يستطيع أن يحسن (اِعرف نفسك بنفسك على حد قول سقراط، من عرف نفسه فقد عرف ربه على حد قول يحيى بن معاذ الرازي). كذلك نجاح الأمة في إدراك مزاياها الجغرافية والاقتصادية والبشرية والديمغرافية والفكرية والروحية والسعي لتحقيقها والإفادة منها.‏

وعندنا أن البلاد العربية كثيرة المزايا جمة النعم، ولكنها لا تستطيع أن تتعرف هوياتها الثقافية الذاتية ومقومات تحقيقها إلا في إطار تعاونها القومي. وهذا التعاون مرحلة مهمة في شأن التعريب والتعليم ثم في إطار التعاون العالمي الذي هي مدعوة كلها مجتمعة للمشاركة فيه وفي الحضارة الراهنة مشاركة الند للند لا مشاركة البلد المنفرد بشكل الأجير المستغل للمجموعة العالمية.‏

إن كل شيء في العصر الحديث عصر الصواريخ وكشف الفضاء والتقدم العلمي والتكنولوجي الهائل يدعو إلى الحوار والتفاهم والتعاون الحقيقي بين الدول والشعوب جميعها. فكيف لا يتم ذلك وقبل كل شيء بين الشعوب والدول الأشقاء ذوات التاريخ المشترك والحاضر المتشابه بمشكلاته والمستقبل المطل بملامحه وحسناته وثمراته.‏

إن كلامنا على المستقبل الجميل ربما بدا ضرباً من التخيل ولكن أي حقيقة علمية لم يتقدمها التخيل والتشوّف والتحفز نحو السعي والعمل ورأب الصدوع ولمّ الشتات؟‏

الخلاصة أن اللغة العربية هي الوطن الروحي للعرب جميعاً. وإن من أفضل الأعمال الاجتماعية والثقافية والسياسية رعايتها والنهوض بها بجميع الوسائل. ومن أهم هذه الوسائل تعريب التعليم الجامعي. وهو أدعى القضايا للدعم والتخطيط وبذلك الجهود المتضافرة. ولكنه إن لم يحسن تعهده والسهر عليه قد يفضي باللغة إلى التخلع واللكنة والركاكة والوهن.‏

إنا لنأمل في ختام الحديث أن يكون التفرق سبباً للتجمع، والتدابر مؤدياً إلى التعاون والاستلاب حافزاً على تحقيق القيم الأصيلة، وركاكة اللسان سبيلاً إلى تصحيح البيان، والمصاعب الطارئة محكاً لإظهار القيم الإنسانية.‏

وصفوة القول أن دراسة التراث العربي يطلعنا فيما يطلعنا على أن العرب قديماً سرعان ما أتقنوا نقل المعارف الأجنبية، وذلك بفضل لغتهم الدقيقة المطواع وتمكنهم منها (ملازمة حنين بن إسحاق للفراهيدي مثلاً) مع اطلاعهم على اللغات الأجنبية ومع ممارستهم للمعارف المنقولة ومعاناتهم لها.‏

ويساورنا اليقين أن الأجيال العربية الحديثة والمقبلة ستنقل عاجلاً أو آجلاً المعارف العالمية إلى لغتهم الأصيلة ويؤصلون تلك المعارف تأصيلاً عربياً ويتجاوزونها إلى المبتكر الطريف.‏

وهل ينبت الخطيَّ إلا وشجيه وتغرس إلا في منابتها النخل‏

*الحواشي:

(1)-هو غير محمد بن موسى الخوارزمي صاحب "كتاب الجبر والمقابلة" مؤسس علم الجبر وهذا العالم هو الذي يحتفل العالم به هذا العام لمرور ما يقرب من اثني عشر قرناً على ميلاده.‏

(2)-ذكر النص غاستون بوتول في التوطئة لترجمة دوسلان مقدمة ابن خلدون إلى الفرنسية.‏

(3)-عنوانه: "تجربتي في تعريب المصطلحات العلمية" مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق ج4 (1399 هـ - 1979م).‏

(*)-هذا وقد استعملنا في بحثنا لفظ ( دور ) استعمالاً متكرراً لشيوعه وإيحائه وهو لفظ مولد بهذا المعنى الذي هو الشأن والمكانة.‏
-------------------
نشر هذا البحث في :
مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد :13و14 - السنة الرابعة - محرم وربيع الثاني 1404 تشرين الأول "اكتوبر" و كانون الثاني "يناير" 1984

 
<< البداية < السابق 1 2 3 4 التالي > النهاية >>

الصفحة 3 من 4
Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
Joomla Templates by Joomlashack