|
الكاتب عبد العزيز الحميد
|
|
الخميس, 15 أبريل 2010 10:40 |
|
عُقدت الندوة الدولية ( المعجم التاريخي للغة العربية - قضاياه النظرية والمنهجية والتطبيقية ) في فاس بالمغرب أيام 22-23-24 ربيع الثاني 1431هـ ، 8 ـ 9 ـ 10 أبريل 2010م وقد نظمتها : مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع) ، ومعهد الدراسات المصطلحية بفاس. وفي رأيي أنها من أفضل الندوات المعجمية التي عُقدت للنقاش حول المعجم التاريخي للغة العربية ، وقد جاء التنوع الكبير في محاورها وتعدد المشاركين فيها عنصراً أضاف قيمةً على قيمتها ؛ إلى جانب ما بذله المنظمون من جهود كبيرة أسهمت في إنجاح هذه الندوة القيمة .
ولا أنسى إزجاء الشكر للقائمين على الندوة لما بذلوه من جهود كبيرة فيها ، ومن كرمٍ أصيل مع ضيوف الندوة راجياً لهم التوفيق في أعمالهم الرائدة .
وفيما يلي أسرد برنامج الندوة لتظهر قيمة الموضوعات التي طُرحت فيها مع تميّز العديد من المشاركين فيها [ مع ملاحظة غياب عدد قليل من المشاركين لأسباب خاصّة ]:
البرنامج : الخميس 22/ 4/ 1431هـ ، 8 /4 /2010 صباحا: 10/00 :
الجلسة الافتتاحية برئاسة السيد رئيس جامعة سيدي محمد بن عبد الله · تلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم. . كلمة ترحيبية للسيد رئيس الجامعة الدكتور السرغيني فارسي. · كلمة السيد مستشار صاحب الجلالة، الدكتور عباس الجراري. · كلمة السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية. · كلمة السيد وزير التربية الوطنية والتعليم العالي والبحث العلمي وتكوين الأطر. · كلمة السيد وزير الثقافة. . كلمة السيد والي جهة فاس بولمان. · كلمة السيد المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو). · كلمة السيد مدير مكتب تنسيق التعريب في العالم العربي. · كلمة السيد عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية - ظهر المهراز. · كلمة السيد الأمين العام لمؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع). . كلمة اللجنة المنظمة.
../11: حفل شاي على شرف المشاركين.
الجلسة الأولى برئاسة الدكتور الشاهد البوشيخي (الأمين العام لمؤسسة البحوث والدراسات العلمية - مبدع) 11/30: محاضرة افتتاحية بعنوان: نموذج جديد للمعجم التاريخي للغة العربية - الدكتور محمد حسن عبد العزيز (مؤسسة المعجم التاريخي للغة العربية - القاهرة).
عشية : الجلسة الثانية: مدخل عام في المعجم التاريخي والحاجة إليه - برئاسة الدكتور عبد العلي الودغيري (رئيس الجامعة الإسلامية بالنيجر سابقا). المقرر: الدكتور رشيد سلاوي (كلية الآداب سايس- فاس - المغرب). 3/00 : تاريخ المعجم التاريخي - الدكتور علي القاسمي (الأمين العام لجامعات العالم الإسلامي سابقا) . 3/15 : مؤسسة المعجم التاريخي للغة العربية - الدكتور صالح بلعيد (قسم اللغة العربية بجامعة تيز وزو- الجزائر). 3/30 : حاجة المترجم إلى المعجم التاريخي للغة العربية - الدكتور محمد الديداوي (رئيس قسم الترجمة العربية بمكتب الأمم المتحدة - جنيف). 3/45 : في الحاجة إلى تاريخ للمعجم اللغوي العربي المستعمل في المنهاج المدرسي - الدكتور عباس الصوري(مدير سابق لمكتب تنسيق التعريب بالرباط). 4/00 : استراحة
الجلسة الثالثة : أسس إنجاز المعجم التاريخي للغة العربية ومبادئه - برئاسة الدكتور علي القاسمي (الأمين العام لجامعات العالم الإسلامي سابقا). المقرر: الدكتور محمد الدحماني (كلية الآداب - ظهر المهراز- فاس- المغرب). 4/30: أسس إنجاز المعجم التاريخي للغة العربية ومبادئه - الدكتور عبد العلي الودغيري (رئيس الجامعة الإسلامية بالنيجر سابقا). 4/45: أسئلة حول المعجم التاريخي - الدكتور سليمان بن إبراهيم العايد (جامعة أم القرى- المملكة العربية السعودية). 5/00: تطور المفاهيم الاجتماعية والاقتصادية في المعاجم اللغوية العربية ـ أساس نظري وتطبيقي لوضع أسس المعجم التاريخي العربي - الدكتور ليث شاكر محمود (كلية الآداب- جامعة بغداد). 5/15: المعجم التاريخي للغة العربية بين الأمل والعمل (ضوابط منهجية) - الدكتور عبد الرحمن بن أحمد الإمام (جامعة الحكمة -إلورن –نيجيريا). 5/30: نحو تصور لمدونة المعجم التاريخي للغة العربية - الدكتور محمد الينبعي (كلية الآداب سايس - فاس - المغرب) 5/45: مناقشة
الجمعة 23/ 4/ 1431هـ ، 9 /4 /2010 صباحا: الجلسة الرابعة: مادة المعجم التاريخي للغة العربية - برئاسة الدكتور سليمان بن إبراهيم العايد (جامعة أم القرى - المملكة العربية السعودية). المقرر: الدكتور الحسين زروق (أكاديمية الحسيمة - المغرب). 8/30: مادة المعجم التاريخي للغة العربية - الدكتور عبد الرحمن بودرع (كلية الآداب- تطوان- المغرب). 8/45: إشكالات "الجمع" في العربية من المعجم العام إلى المعجم التاريخي - الدكتور الحبيب النّصراوي (المعهد العالي للغات – تونس). 9/00: الاستيعاب في جمع مادة المعجم التاريخي للغة العربية - الدكتور مصطفى اليعقوبي( كلية الآداب- وجدة- المغرب) 9/15: تطبيقات استعمال لسانيات المدونات في إصدار المعجم التاريخي - الدكتور جمعان عبد الكريم عطية الغامدي (جامعة الباحة- المملكة العربية السعودية). 9/30: المعجم التاريخي للغة العربية من خلال المعاجم العربية - الدكتور خالد بوزياني والأستاذ مسعود بن محمد دادون (جامعة عمار ثليجي - الجزائر). 9/45: معاجم المعاني ودورها في بناء المعجم التاريخي للغة العربية - الدكتور محمد مشري (جامعة سكيكدة – الجزائر).
10/00:استراحة 10/30: كتب اللحن ومصادر المعجم التاريخي للغة العربية - الدكتور محمد شندول ( كلية الآداب بالقيروان- تونس). 10/45: المعجمات اللغويّة الفقهيّة وبناء المعجم التاريخي للغة العربية - الدكتور دلدار عبد الغفورالبالكيّ الكُرديّ (جامعة صلاح الدين بأربيل - العراق). 11/00: الألفاظ اليمانية وبناء المعجم التاريخي للغة العربية - الدكتور حميد العواضي (جامعة صنعاء، اليمن). 11/15: لغة العامة في الصحاح - الدكتور عبد الله بن ناصر القرني (جامعة أم القرى- المملكة العربية السعودية). 11/30: المصطلحات الطبية وتاريخ ظهورها في المؤلفات التعليمية القديمة - الدكتور نشأت حمارنة(عضو مجمع اللغة العربية بدمشق ـ سوريا). 11/45: مناقشة
عشية: الجلسة الخامسة: بناء المعجم التاريخي للغة العربية - برئاسة الدكتور الحبيب النصراوي ( المعهد العالي للغات – تونس). المقرر: الدكتور عبد الرزاق صالحي(كلية الآداب- ظهر المهراز- فاس - المغرب). 3/30: فيم يفيدنا الجذر في بناء المعجم التاريخي للغة العربية؟ - الدكتور عبد الرزاق بنور (كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية - تونس). 3/45: التوجه الذهني في بناء المعجم التاريخي للغة العربية واقتضاءاته النظرية - الدكتور عز الدين البوشيخي (كلية الآداب - مكناس - المغرب). 4/00: المعلومات التأصيلية في المعجمات اللغوية التراثية والحديثة - الدكتور محمد الغريبي (كلية الآداب بصفاقس - تونس). 4/15: بطاقة المصطلح في المعجم التاريخي - الدكتور قاسم طه السارة (المستشار الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط - القاهرة). 4/30: استراحة
الجلسة السادسة: الضوابط المنهجية - برئاسة الدكتور نشأت حمارنة (عضو مجمع اللغة العربية بدمشق ـ سوريا). المقرر: الدكتور عبد الله المراكشي الغواسلي (كلية الآداب سايس - فاس). 5/00: الضوابط المنهجية الخاصة بالمعجم التاريخي للغة العربية - الدكتور الحسين كنوان (كلية الآداب - مكناس). 5/15: خطوة نحو إنجاز المعجم التاريخي للغة العربية (إضاءة منهجية) - الدكتور علي توفيق الحمد (جامعة أم القرى - المملكة العربية السعودية). 5/30: مآخذ اللغويين المحدثين على المعاجم العربية والموجهات الإجرائية المقترحة لبناء المعجم التاريخي - الدكتور عبد الكريم مصلح أحمد البحله (جامعة ذمار – اليمن). 5/45: وضع الكلمة في غير الموضع، خلل منهجي أم واقع لغوي؟ - الدكتور عبد الله اللحياني (جامعة أم القرى - المملكة العربية السعودية). 6/00: الأصول الصرفية المفروضة: دراسة في تاريخ الكلمة (استحوذ نموذجا) - الدكتور علي عبد الله القرني (جامعة طيبة - المدينة المنورة) والدكتور عبد الله سرحان القرني (جامعة أم القرى - المملكة العربية السعودية). 6/15: حيث : بين ثبات قواعد اللغة وتطور صور الاستعمال - الدكتور عودة خليل أبو عودة (جامعة الشرق الأوسط للدراسات العليا- الأردن). 6/30: مناقشة
السبت 24/ 4/ 1431هـ ، 10 /4 /2010 صباحا: الجلسة السابعة: تقويم نماذج من المعاجم التاريخية في اللغات الأجنبية - برئاسة الدكتور محمد الديداوي (رئيس قسم الترجمة العربية بمكتب الأمم المتحدة - جنيف). المقرر: الدكتور عبد الرحمن يجيوي (كلية الشريعة - فاس - المغرب). 8/00: منهج قاموس أكسفورد التاريخي في معجمة اللغة الإنجليزية على أسس تاريخية: دراسة وتقويم - الدكتور أحمد البايبي (جامعة مولاي إسماعيل- الرشيدية - المغرب). 8/15: صناعة المعاجم التاريخية في ألمانيا - الدكتور عبد الرزاق مسلك (كلية الآداب ظهر المهراز- فاس- المغرب) 8/30: المعجم التاريخي للغة العبرية - الدكتور أحمد شحلان (مدير سابق لمكتب تنسيق التعريب بالرباط). 8/45: المعجم التاريخي للغة العبرية : دراسة في البواعث والخصائص - الدكتور خالد اليعبودي (باحث في اللسانيات العربية - فاس - المغرب). 9/00: المعجم التاريخي للغة الروسية: قراءة وتعليق - الدكتور حميد العزوي (كلية الآداب - مكناس - المغرب). 9/15: المعجم التاريخي للغة الجورجية - الدكتورة داريجان غار داوادزه, (جامعة تبيلسي، جورجيا). 9/30: استراحة
الجلسة الثامنة: تقويم نماذج من محاولات إنجاز المعجم التاريخي للغة العربية - برئاسة الدكتور عودة أبو عودة(جامعة الشرق الأوسط للدراسات العليا- الأردن). المقرر الدكتور: عبد الحي الورياكلي القرشي (كلية الآداب- ظهر المهراز- فاس - المغرب). 10/00: التجارب السابقة لوضع المعجم التاريخي للغة العربية ـ معجم المرجع للعلايلي أنموذجا - الدكتور عبد الرحمن حسن العارف (جامعة أم القرى - المملكة العربية السعودية). 10/15: المعجم التاريخيّ لدى المستشرق الألماني أوجست فيشر : دراسة تقويمية - الدكتور عبد العزيز بن حميد الحميد (جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - المملكة العربية السعودية). 10/30: تجربة الجمعية المعجمية التونسية في إنجاز المعجم التاريخي للمصطلحات العلمية العربية - الدكتور عبد العزيز احميد (كلية الآداب - ظهر المهراز- فاس- المغرب). 10/45: تجربة معهد الدراسات المصطلحية في إنجاز المعجم التاريخي للمصطلحات العلمية العربية - الدكتور محمد أزهري (كلية الآداب - بني ملال - المغرب). 11/00: المعجم التاريخي للغة العربية: واقعه وآفاقه - الأستاذة يمينة مصطفاي (المركز الجامعي - البويرة - الجزائر) 11/15: المصطلح الدبلوماسي في الأدب الإداري بالمغرب - الدكتور عبد الهادي التازي (عضو أكاديمية المملكة المغربية ـ المغرب). 11/30: دور نشر المعاجم التاريخية (دار لبنان ناشرون نموذجا) - الدكتور جورج عبد المسيح (مدير دائرة المعاجم بدار لبنان ناشرون). 11/45: مناقشة
الجلسة التاسعة: محاضرة الختام برئاسة الدكتور أحمد شحلان(مدير سابق لمكتب تنسيق التعريب بالرباط) 12/00 : حول التوصيل الإلكتروني بين المعجم التاريخي للغة العربية وقاموس تراثها السيميائي الأصيل (كنز الضاد) - الدكتور أمين عبد الكريم باربو (جامعة العلوم الإنسانية - ستراسبوغ- فرنسا)
الجلسة الختامية: برئاسة الدكتور عبد الرحيم الرحموني (مدير معهد الدراسات المصطلحية) 1/00: كلمة باسم الوفود
قراءة البيان الختامي والتوصيات ـــــــــــــــــــــــــــ ملاحظة 1: تُنظم مائدة مستديرة بقاعة فندق رامادا، في اليومين: الأول والثاني، من الساعة 9 إلى 10 ليلا، للتداول في القضايا النظرية والمنهجية للمعجم التاريخي للغة العربية. ملاحظة 2: تجرى وقائع الندوة في قصر المؤتمرات بالمدينة الجديدة في اليومين الأول والثاني؛ وتجرى وقائع اليوم الثالث في قاعة فندق رامادا بالمدينة الجديدة.
وسأبدأ بنشر بعض بحوث الندوة متتابعة بعد موافقة كل باحث على النشر. |
|
|
الكاتب صوت العربية
|
|
السبت, 05 يوليو 2008 19:08 |
|
- "الاقتصادية" من القاهرة - 22/08/1427هـ أكد فاروق شوشة الأمين العام لمجمع اللغة العربية، أن المجمع بصدد إصدار معجم اللغة الإعلامية، أشرفت عليه لجنة مكلفة بإعداده ضمت أساتذة من كليات الإعلام، وسيجري بحثه خلال اجتماع المجمع في آذار (مارس) المقبل، بجانب بحث مستقبل اللغة العربية في ظل العولمة وصراع اللغات والحضارات، وكذلك ما قامت به المجامع في مصر وسورية والسودان والعراق في النهوض باللغة العربية. وأوضح شوشة أن معجم اللغة الإعلامية، سيلقى الضوء ويعيد النظر في كل ما يكتب من مصطلحات على مستوى الإذاعة والتلفزيون والصحافة والقنوات الفضائية، مضيفا أن المؤتمر الذي سيعقد تحت مظلة جامعة الدول العربية، سيناقش قضايا الترجمة وعلاقة اللغة العربية بغيرها من اللغات، وإلى أي حد أصبحت العربية لغة صالحة لأجهزة الحاسوب والكمبيوتر والإنترنت. وأشار فاروق شوشة إلى أن اتحاد مجامع اللغة العربية مشغول حاليا بمشروع لغوي هو الأكبر في العصر الحديث، وهو إنشاء معجم تاريخ اللغة العربية وهو المعجم، الذي يتتبع نشأة الكلمة ويرصد التغيرات التي طرأت على معانيها عبر العصور في الاستخدامات والمجالات المختلفة. وبيّن شوشة أن ذلك المعجم مشروع يحتاج إلى مئات العلماء والمتخصصين، لافتا إلى أن المستشرق الألماني فيشر، هو الذي بدأ بالفعل هذا المشروع وكان عضوا في مجمع اللغة في القاهرة، إلا أن أحداث الحرب العالمية الثانية أجهضت المشروع، ولم يعد المستشرق من ألمانيا. وقال إنه تم إحياء الفكرة مجددا وبدأ متخصصون من أربع دول هي مصر وتونس والسعودية وسورية، بإعداد هذا المعجم. وأرجع شوشة تدني الاهتمام بتعليم اللغة العربية وتعلمها، إلى أسباب ثلاثة رئيسية، أولها أن المجتمع لا يحترم اللغة العربية وأن العامية هي السائدة، الثاني أن مدرسي اللغة العربية ليسوا مؤهلين، كما أن الكتاب المدرسي منفر، الثالث هو عدم تطور أسلوب تعليم اللغة العربية منذ زمن بعيد. ------------- صحيفة الاقتصادية |
|
الكاتب صوت العربية
|
|
الجمعة, 04 يوليو 2008 15:37 |
|
إعداد أول معجم لغوي لتلاميذ المرحلة الابتدائية وتلميذاتها على مستوى المملكة :
يُعدّ هذا المشروع الوطني الكبير أول مشروع علميّ شامل على مستوى المملكة يسعى إلى حصر الرصيد اللغوي للطلاب والطالبات في المدارس الابتدائية بمختلف مناطق المملكة ، وهو مشروع مدعوم من قبل مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية ؛ إدراكاً منها لأهميّته في تحقيق السموّ بلغة أولئك الأطفال والتقريب فيما بينهم، كما أنه يأتي استجابة لرغبة ملحّة من وزارة التربية والتعليم . وهو مشروع وطنيّ ذو أهميّة كبيرة ؛ لما يرصده من مفردات وألفاظ تساعد الطفل السعودي على تلبية حاجاته، والتعبير عن أفكاره ومشاعره ، والاتصال بالمحيطين به في بيئته ؛ لأن الطفل لا ينمو من تلقاء نفسه، فهو يتشكّل ويتغيّر ويرتقي لغوياً وفكرياً بقدر ما يوفّر له في هذا الوسط أو ذاك .
عرضٌ مختصرٌ عن المشروع :
استهلال : تعدّ الكتابة للأطفال من الأمور الصعبة، فالكبار هم الذين يقومون ـ عادة ـ بهذه المهمة، وذلك من خلال لغتهم ومفاهيمهم، مستعملين في ذلك وجهة نظرهم ومراكز اهتماماتهم.. وبما أنه لا مفرّ من أن يتحملوا هذه المسؤولية الشاقة دون غيرهم، فلا بدّ ـ إذن ـ أن يتمّ ذلك بالأساليب العلمية المناسبة؛ لأن الاهتمام بذلك يُعدّ من المعايير المهمّة التي يقاس بها تقدم المجتمع وتطوره؛ ذلك أن الاهتمام بلغة الأطفال اهتمام بمستقبل الأمة كلها. ومن بين هذه الأساليب الاستعانة بالمعجم اللغوي الخاصّ بتلك الفئة . وبما أنه لا يوجد ـ الآن ـ قوائم شاملة أو متكاملة للرصيد اللغوي لهذه الفئة بالمرحلة الابتدائية في المملكة العربية السعودية بالموازنة مع ما لدى البلدان المتقدّمة من معاجم لكلمات الطفل في جميع مراحل نموه في المدرسة الابتدائية، ولأنّ لغة الطفل السعودي في المرحلة الابتدائية المنطوقة منها والمكتوبة ـ ما تزال ـ محاطة بإطار من التجاهل والإهمال من قبل عددٍ غير قليل من الباحثين والمهتمّين، نبعت فكرة هذا المشروع الوطني ـ الذي يأتي استجابة لرغبة ملحّة من لدن وزارة المعارف – سابقاً ، وزارة التربية والتعليم حاليّاً - حيث يُعدّ أول مشروع علميّ شامل على مستوى المملكة ، يتناول حصر الرصيد اللغوي للطلاب والطالبات في المدرسة الابتدائية بمختلف مناطق المملكة، ولذلك قامت مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية بدعم هذا المشروع الكبير ورعايته، إدراكاً منها لأهميّته في تحقيق السموّ بلغة أولئك الأطفال، والتقريب فيما بينهم.
أولاً : أهمية هذا المشروع مشروع إعداد معجم لغوي لتلاميذ المرحلة الابتدائية (بنين وبنات) مشروع وطنيّ ، وهو ذو أهميّة كبيرة ؛ لما يرصده من مفردات وألفاظ تساعد الطفل السعودي على تلبية حاجاته، والتعبير عن أفكاره ومشاعره، والاتصال بالمحيطين به في بيئته؛ لأن الطفل لا ينمو من تلقاء نفسه، فهو يتغيّر ويرتقي لغوياً وفكرياً بقدر ما يوفر له في هذا الوسط أو ذاك من ظروف محيطة . وتنبع هذه الأهميّة من محورين؛ أولهما : الفوائد التي يحققها هذا المشروع، وثانيهما : المشكلات التي يسهم في معالجتها بإذن الله، ومن ذلك مثلاً : 1. انفصام الصلة بين لغة التلاميذ المنطوقة ولغة المقررات الدراسية، وما يترتب على هذا الانفصام من صعوبات في فهم المحتوى العلمي لهذه المقررات. 2. سعة الهوّة بين لغة التلاميذ المنطوقة والمكتوبة. 3. عدم وجود معجم موضوعي موجّه للتلاميذ في تلك المرحلة. 4. الحاجة إلى سجل للرصيد اللغوي للتلاميذ؛ لتستفيد منه وسائل الإعلام وكتّاب أدب الطفل، والباحثون في النموّ اللغوي. أمّا ما يخصّ الفوائد والمزايا التي يحملها هذا المشروع فكثيرة، من أهمّها : 1. الوقوف على الرصيد اللغوي لدى أولئك التلاميذ يلقي الضوء على المستوى الذي يجب أن يتجه إليه التعليم اللغويّ في تلك المرحلة. 2. مساعدة المعلمين والتربويين عند وضع وسائل التعليم والتقويم اللغوية المناسبة. 3. يسهم هذا الرصيد إذا ما تمّ جمعه في توحيد لغة الطفل السعودي وتقريب بعضهم إلى بعض بإذن الله تعالى. 4. يتيح الفرصة لإجراء بحوث لغوية مستفيضة لخدمة النموّ اللغوي لدى الطفل السعودي. 5. تزويد الأطفال في هذه المرحلة بألفاظ عربية ميسّرة يعبرون بها عن المعاني التي يريدونها.
ثانياً : أهداف المشروع يهدف هذا المشروع إلى إصدار معجم للطفل السعودي مستمدّ من حصيلته اللغوية الواقعية، غير مبنيّ على إحساس المؤلفين الشخصي وأذواقهم فقط ، ولذلك سيتم ـ بمشيئة الله ـ عمل الآتي : 1. حصر الألفاظ الواردة في كتابات التلاميذ والتلميذات في المرحلة الابتدائية في مختلف مناطق المملكة. 2. رصد الألفاظ المنطوقة لدى تلك الفئة. 3. تدوين الألفاظ الموجودة في مقررات المرحلة الابتدائية (بنين وبنات). 4. تصنيف تلك الألفاظ تصنيفاً ألفبائيّاً وموضوعياً. 5. شرح تلك الألفاظ بلغة عربية ميسّرة.
ثالثاً : المبادئ المنهجية التي يُعتمد عليها في إنجاز هذا المشروع هناك العديد من المبادئ المنهجية والأسس العلمية التي يعتمد عليها هذا المشروع ، ومن تلك المبادئ ما يلي : 1. الرجوع إلى الواقع الذي يعيشه المتعلم في وسطه الطبيعي، ومشاهدة هذا الواقع وملاحظته، ومن ثم استقراء المواد التي يتلقاها، والممارسات اللغوية التي يقوم بها. 2. الاعتماد على أنواع متعدّدة من المعطيات المتعلقة فيه والمحيطة به، التي منها : أ. ما يقرأه التلميذ في الكتب المقرّرة، أو القصص المؤلفة لتلك الفئة. ب. ما يكتبه في كتاباته المتنوعة سواء الحرّة منها أو الموجهة. ج. ما ينطق به بنفسه. د. ما يسمعه في محيطه، أو يشاهده. 3. اختيار شريحة كبيرة من الطلاب والطالبات في المرحلة الابتدائية في مختلف مناطق المملكة تصل إلى حدود عشرين ألف تلميذ وتلميذة، يمثلون عدداً من المتغيّرات، وذلك وفقاً للأساليب العلمية في الإحصاء. 4. وضع القواعد العلمية لجمع هذا الرصيد، ورسم الضوابط المقنّنة لحصر ذلك الرصيد.
رابعاً : الفريق البحثيّ ، ويتكون من : أ. الباحثين، وهم مكلّفون بالبحث وتنفيذه والإشراف عليه ، وهم :
1-الدكتور عبد الله بن حمد العويشق ( الباحث الرئيس ) – كلية اللغة العربيّة – جامعة الإمام 2-الدكتور عبد العزيز بن إبراهيم العصيلي ( باحث مشارك ) – معهد تعليم اللغة العربيّة – جامعة الإمام . 3-الدكتور صالح بن حمد السحيباني ( باحث مشارك ) – معهد تعليم اللغة العربيّة – جامعة الإمام . 4-الدكتور إبراهيم بن عبد العزيز أبو حيمد ( باحث مشارك ) – معهد تعليم اللغة العربيّة – جامعة الإمام . 5-الدكتور عبد العزيز بن حميد الحميد ( باحث مشارك ) – كلية اللغة العربيّة – جامعة الإمام . 6- الدكتورة نوال بنت إبراهيم الحلوة ( باحثة مشاركة للإشراف على الجانب النسائي للمعجم ).
ب. الفنيين والإداريين، ويقوم هؤلاء بأداء الأعمال الإدارية والفنية والحاسوبية والبرمجة. ج. مساعدي الباحثين والمساعدات ، ويقومون بأعمال مختلفة بحسب المراحل المختلفة في المشروع ، ففي مرحلة جمع المادة المنطوقة والمكتوبة من أعدادٍ مختارةٍ من الطلاب من مدارس مختلفة من جميع المناطق ، زاد عددهم على أكثر من ( 400 ) مساعد باحث من مختلف مناطق المملكة ، وكانت مهمّتهم : مقابلة التلاميذ والتلميذات وتسجيل لغتهم المنطوقة ، واستكتابهم في موضوعات مختلفة لتكشف النماذج المجموعة عن لغتهم في الكتابة .
وقد انتهت مرحلة جمع منطوق الطلاب ومكتوبهم ، إضافة على جميع المقررات الدراسية ، ومصادر أخرى مساعدة ، وأُدخلت كلّ تلك الموادّ في مدوّنةٍ شاملةٍ صُمّمت لها قاعدة بيانات حاسوبيّة ، لسهولة استرجاع الموادّ عند صياغة المعجم . والمشروع الآن في مرحلة بناء المعجم ، باستخراج الموادّ اللغويّة من ( المدوّنة ) وترتيبها وشرحها ، وهو عملٌ كبيرٌ يحتاج إلى الكثير من الجهود والمعرفة .
|
|
الكاتب صوت العربية
|
|
الجمعة, 04 يوليو 2008 15:33 |
|
يرتكز وضع المعجم إلى دعامتين رئيستين هما:
أ-علم المعجمات أو ما يسمى بـ Lexiclogie ويبحث في البنية الدلالية للفظ.
ب-علم صناعة المعجمات أو ما يسمى بـ Lexicogaphie ويبحث في أنواع المعجمات ومكوناتها وطرق إعدادها.
والمعجمة فن أو حرفة، أو هي باختصار علم صناعة المعجم، بكل ما يتصل بهذه الصناعة من مهارات لغوية، وأصول أخذ اللغة بأصواتها ودلالاتها من أفواه العرب الأقحاح، أو مدونات موثوقة وأسانيد صحيحة تبعد عنها شبه الوضع والتزيّد.
ولا بد في البداية من تعريف المعجم قاموسياً واصطلاحياً.
أولاً: المعنى القاموسي للمعجم:
جاء في اللسان (1):
"العَجْمُ: النقط بالسواد مثل التاء عليها نقطتان. يقال: أعجمت الحرف ولا يقال عجمت... وقال ابن جني: أعجمت الكتاب: أزلت استعجامه...
والعجْمُ: عضّ شديد بالأضراس دون الثنايا. وعَجَمَ الشيء يعجُمُه عجماً:
عضه ليعلم صلابته من خوره... والعَجْمُ: الرّوزُ".
فالأعجام إذا إزالة اللبس والغموض، وطريق إلى الإبانة لأن وضع النقاط على الحروف هو في نهاية المطاف وضع للأمور في نصابها الصحيح، وقضاء على الخلط بين المعاني، ونأي عن التصحف والتحريف.
والمعجم اختبار لصلابة اللفظ، ومعرفة مدى فصاحته أو بعده من الفصاحة فيعرف به خور اللفظ وفصاحته. ولقد نال الحجاج يوماً متوعداً أهل الكوفة (3): "أن أمير المؤمنين نثر كنانته ثم عجم عيدانها، فوجدني أمرّها عوداً، وأشدها مكسراً، فوجهني إليكم، ورماكم بي". فعَجْمُ العود امتحان لصلابته والبحث عن لفظ في المعجم لصلابة معناه أو هشاشته. والمعجم يروز اللفظ ليُعرف مدى صلابته وفصاحته.
ثانياً: المعنى الاصطلاحي للمعجم:
جاء في المعجم الوسيط (3): "المعجم ديوان لمفردات اللغة، مرتب على حروف المعجم، جمعه معجمات ومعاجم". ورأى د. حجازي أن هذا المصطلح يطلق (4) "على الكتاب المرجعي الذي يضم كلمات اللغة ويثبت هجاءها، ونطقها، ودلالتها، واستخدامها، ومرادفاتها، واشتقاقها، أو أحد هذه الجوانب على الأقل".
ثالثاً: متى ظهر هذا المصطلح؟
أهملت معاجمنا تاريخ الألفاظ ولم تشكل سيرة اللفظ هماً عند المعجميين. لهذا ذهب المحدثون في تحديد ميلاد هذا اللفظ شتى. فقال د. العطار: "ولا نعلم بالدقة متى أطلق المعجم على هذا الاستعمال، ولكن معجم الذي نعلمه أن أول من استعمل الكلمة رجال الحديث، وأول ما عرف كان في القرن الثالث... وأول كتاب أطلق عليه اسم المعجم هو "معجم الصحابة لأبي محدّث الجزيرة (ت 307ه). ولقد ترجم أبو يَعلى لشيوخه على حروف الهجاء.
ويرى د. السامرائي أن لفظ المعجم لم يشق طريقه إلى النور (6) إلا في أواخر القرن الرابع الهجري، أما قبل ذلك فهو كتاب. وأول معجم بهذا الاسم هو معجم مقاييس اللغة". ورأى د. حجازي أن اللفظ كان يطلق على كتب الطبقات المرئية على حروف المعجم، فصار يطلق على كتاب الكلمات المرتبة على حروف المعجم.
وما ذهب إليه د. السامرائي لا يخالف رأي العطار خصوصاً في انتقال الدلالة.
رابعاً: مصطلح القاموس:
أطلق على المعجم تسمية أخرى هي القاموس. والقاموس لغة (7): "قعر البحر، وقيل وسطه ومعظمه". فهل أطلق هذا اللفظ على المعجم لأنه الذي يجمع شتات الكلم حتى تتلاطم فيه المفردات كما تتلاطم الأمواج في البحر الهادر؟
وجاء الفيروز أبادي (ت 817 ه) فسمى معجمه "القاموس المحيط" معللاً التسمية بقوله (8): (وأسميته القاموس المحيط لأنه البحر الأعظم". والناس قديماً وحديثاً يطلقون على العالم باللغة، المتمكن من شواردها، المذلل لمعاصها، القابض على نواصيها صفة البحر. وقد صار لفظ القاموس مرادفاً للفظ المعجم، بعدما كان علماً على القاموس المحيط، وهو في زمننا أكثر شيوعاً (وسيرورة) من لفظ المعجم.
خامساً: العرب أسبق الأمم إلى وضع المعجم:
أنكر بعض المتحاملين عرباً كانوا أم أعاجم على العرب فضيلة السبق على ميدان المعجم، وذهبوا إلى أن العرب مقلدون غير مبتكرين. وقد كتب د. أحمد مختار عمر مقالاً في مجلة مجمع اللغة بالقاهرة تحت عنوان: "هل أثر الهنود في المعجم العربي؟" (9) أثبتت فيه آراء عدد من الباحثين في هذا الموضوع، فانقسمت بين مرجح ومثبت
أما المرجحون فعلى رأسهم مقال في دائرة العارف الإسلامية بنصها الفرنسي بعنوان الخليل بن أحمد (10) جاء فيه:
Il n’est pas classé dans l’ordre alphabétique, mais probablement sous l’influence de l’Inde…
فكاتب المقال يثبت أن الخليل واضع أول معجم عربي، ويؤكد نسبة كتاب "العين" إلى الخليل، ويكتفي بالإشارة إلى احتمال تأثره بالهنود لأنه مرتب ترتيباً صوتياً. وهذا الترتيب معروف عند الهنود.
وأعجمي آخر هو المستشرق الإنكليزي جون هاي وود يشير إلى احتمالين فيقول (11):
"ربما كان اليونان هم الذين أعطوا العرب فكرة المعجم. وكان الهنود هم الذين أعطوهم الأبجدية الصوتية: وبعض الأفكار المعجمية الأخرى". وهكذا نرى أن الشك في أصالة المعجم العربي عائد إلى اعتماد الأبجدية الصوتية التي اهتدى إليها الخليل وهو العالم الموسيقي الرياضي.
أما بعض العرب فكانوا متطرفين في إثبات التقليد: وذهبوا إلى أن الخليل مقلد غير مبتكر. وعلى رأس هؤلاء نذكر د. شوقي ضيف الذي قال (12): "فقد وضع الخليل خطة أول معجم في العربية وهو معجم العين، ورتبه على مخارج الحروف بالضبط كما يرتب الهنود حروف لغتهم".
والغريب أن المستشرق هاي وود يؤكد أن معاجم الهنود لم تظهر إلا في القرن الثاني عشر، وهو وقت العرب فيه قد انتجوا بعض معاجمهم العظيمة. وأفضل ما في هذا المقال (13): "الحقيقة أن العرب في مجال المعجم يحتلون مكان المركز سواء في الزمان أو المكان بالنسبة إلى العالم القديم والحديث وبالنسبة إلى الشرق والغرب".
وهذه خلاصة ترسي قواعد الحق، وتعطي الفضل أصحابه، وتثبت أن العرب أسبق الأمم إلى وضع المعجم. وقد أكد هذه الأصالة . وقد أكد هذه الأصالة د. العطار بقوله (14): "وإ1ذا كان الخليل مسبوقاً من بعض الأمم في هذا السبيل، فإن من الحق أن نذكر أنه لم يكن مقلداً أحداً، أو ناهجاً على طريق سابق، بل كان مبتكراً أو مخترعاً في الفكرة والمنهج والترتيب..."
سادساً: مدارس المعجمات العربية:
وضع الخليل أول معجم عربي مؤسساً فيه المدرسة المعجمية الأولى. وكانت لمدرسته مبادئ وأصول خاصة وتلامذة حذوا حذوه. ومدارس المعجمات في نظر الباحثين أربع عند العرب.
1-مدرسة الخليل(ت 175ه):
كانت العناية قبلها منصرفة إلى الرسائل والمجموعات التي وضعها الأصمعي (ت216ه) وأبو زيد الأنصاري (ت 215 ه) وغيرها. مهّدت هذه الرسائل إلى المعجم ولم تكن معاجم لاختلافها عنها في الهدف والمنهج. وبقي معجم العين أول معجم حاول حصر ألفاظ اللغة حصراً شاملاً في إطار نظام منهجي واضح استوعب فيه شوارد اللغة.
وأهم مبادئ هذه المدرسة:
-ترتيب المواد ترتيباً صوتياً بحسب مخارج الحروف بتأثير من علم الموسيقى.
-تقسيم المعجم إلى كتب، وتفريغ الكتب إلى أبواب بحسب الأبنية، وحشد الكلمات في الأبواب.
-تقليب الكلمة إلى مختلف الصيغ وفق نظام الاشتقاق الكبير، ورصد المستعمل والمهمل من هذه التقليبات.
واستمر هذا النهج في معجم البارع للقالي (ت 356 ه) وتهذيب اللغة للأزهري (ت 370 ه)، والمحيط للصاحب بن عباد (ت 385 ه)، والمحكم الأعظم لابن سيده (ت 458ه).
2-مدرسة أبي عبيد القاسم بن سلاّم (ت 224ه):
حملت هذه المدرسة اسم أبي عبيدة لأن كتابه (الغريب المصنف) أول كتاب وصل إلينا مصنفاً على طريقة الموضوعات ويضم ثلاثين باباً. وقامت هذه المدرسة على بناء المعجم على المعاني والموضوعات، ورتبت فيها الثروة اللغوية في مجموعات من الألفاظ تندرج تحت فكرة واحدة. من أهم أتباعها:
أ-كراع النمل (ت حوالي 310ه) في المُنَجَّد في ما اتفق لفظه واختلف معناه وقسمه إلى أبواب هي:
1-في ذكر أعضاء البدن من الرأس إلى القدم.
2-في ذكر الحيوان من الناس والسباع والبهائم والهوام.
3-في ذكر الطير.
4-في ذكر السلاح.
5-في ذكر السماء وما يليها.
6-في ذكر الأرض وما يليها وفيه ثمانية وعشرون فصلاً على عدد حروف المعجم.
ب-الهمذاني عبد الرحمن بن عيسى (320ه)، في كتابه (الألفاظ الكتابية).
وقد وزع موضوعاته على أبواب كثيرة، تفاوتت طولاً وقصراً، هادفاً إلى إثبات العبارة الفنية، وانتخاب التعبير الجميل لإمداد الكتاب بزاد من الفصاحة وحسن العبارة.
فخالف بذلك طريقة المعجم لأن المعجم يرمي إلى الجمع والاستقصاء لا إلى الانتخاب والانتقاء.
ج-الثعالبي (ت 429) في كتابه (فقه اللغة وسر العربية). هو أشهر معجمات المعاني، وزه على ثلاثين باباً، في كل باب عدد من الفصول. بدأ الباب الأول بالكليات وفصله الأول في ما نطق به القرآن من ذلك، وفصله الثاني في ذكر ضروب من الحيوان، وفصله الثالث في النبات والشجر وهكذا... فبلغت فصول الكتاب ستمائة فصل. وقد نقل بعض فصوله عن المتقدمين.
د-ابن سيده (ت 458 ه) في معجمه (المخصص). هو أكبر معجمات المعاني.
من فضائله: تقديم الأعم فالأعم على الأخص فالأخص، والأتيان بالكليات قبل الجزئيات والابتداء بالجوهر والتفقيه بالأعراض على ما يستحقه من التقديم والتأخير، وتقديمنا (كم) على (كيف) وشدة المحافظة على التقييد والتحليل). قسمه إلى عدد من الكتب منها: كتاب خلق الإنسان، ويتضمن باب الحمل والولادة، والرضاع والفطام والغذاء، وسائر ضروب التربية والغذاء، وأسماء أول ولد الرجل وآخرهم وأسماء ولد الرجل في الشباب والكبر وهكذا...
والكتاب على نفاسته لا يخلو من عيوب، أهمها: اختلاط الموضوعات، وإقحامه مسائل لغوية ونحوية وصرفية وما إليها..
وجهت إلى هذه المدرسة انتقادات شتى، هب بعضهم إلى أن سلبياتها تفوق إيجابياتها.
ولكن الإنصاف يقضي بالاعتراف لها بأنها تسد حاجة من حاجات المنشيء، وتسهل عليه التعمق في موضوعه، وتمده بسرعة بالألفاظ الصحيحة والمعاني الدقيقة. فالباحث عن صوت من أصوات الحيوان مثلاً في معجم المعاني قد لا يعثر عليه إلا بشق الأنفس أما في معجم الموضوعات فإنه يعثر عليه بسرعة فائقة. وقل مثل ذلك في درجات الحزن ومراتب البكاء والفرح والسعادة وما إلى ذلك.
3-مدرسة الجوهري (ت 400 ه) (في معجمه الصحاح):
رتبت المعجم ترتيباً هجائياً، وقسمته إلى فصول وأبواب معتمدة الحرف الأخير من الكلمة وسمته باباً، وسمت الحرف الأول فصلاً، ونظرت إلى الحرف الثاني في الثلاثي وإلى الحرف الثالث في الرباعي ليأتي الترتيب دقيقاً. وهذا الترتيب أسهل بكثير من ترتيب الخليل.
من أبرز أتباعها:
أ-ابن منظور (ت711ه) في "لسان العرب":
واللسان أشهر معاجم العرب إلى يومنا هذا وأكثرها تشعباً وأغزرها مادة. فلقد احتوى ثمانين ألف مادة. وعُد موسوعة لغوية أدبية شاملة.
اعتمد فيه الفصل والباب على طريقة الجوهري. لكن دار المعارف بمصر قد أعادت توزيعه في طبعة جديدة معتمدة الطريقة الألفبائية الحديثة وأصدرته في ستة مجلدات.
ولهذا المعجم أهمية كبرى في لغتنا، فهو منذ صدروه وإلى زماننا هذا يُعد أهم معجم عند الدارسين العرب والأعاجم. وأبرز د. محمد سالم الجرح مكانته بقوله (18): "وظهور مثل هذا المعجم الموسوعي الشامل، الدقيق الترتيب، الجامع لصنوف البحث اللغوي المتعلقة بكل لفظ قد جعل للغة العربية مكانة فريدة بين سائر اللغات في ميدان النشاط المعجمي. فقد ظلت اللغة العربية منفردة بمثل هذا المعجم الضخم بين لغات الإنسان جميعاً في القديم والحديث حتى القرن التاسع عشر حين بدأ يظهر على رفوف المكتبات في أوروبا معاجم لبعض اللغات الأوروبية كالإنكليزية والألمانية تضارع لسان العرب في الإحاطة والاتساع".
ب-الفيروزابادي (ت 817 ه) في القاموس المحيط:
رتبه على الفصل والباب واستخدم فيه الرموز لأول مرة. احتوى ستين ألف مادة وبقي حجمه أصغر من لسان العرب، ونافسه في الشهرة والذيوع إلى يومنا هذا.
ج-الزبيدي (ت 1205 ه) في تاج العروس:
اعتمد فيه مادة القاموس المحيط، ووسعها، وأثبت الشواهد التي أهملها القاموس المحيط. وصنفه على الباب والفصل كما في الصحاح. وصدّر كل باب بكلمة موجزة تحدث فيها عن الحرف وبيَّن مخرجه وصفاته وابدالاته. ووجه عناية خاصة إلى المجاز ولكنه أورد فيه الكثير من الألفاظ العامية المصرية خاصة.
لم تخط هذه المدرسة بالتصنيف المعجمي خطوة نوعية، فهي وأن كانت أسهل من طريقة الخليل إلا أنها لا تخلو من صعوبات ولم تسلم من تهكم بعض الدارسين، فالأستاذ عبد الحق فاضل ذكرها بقوله (19): "آثر القدماء من العرب ترتيب معاجمهم بحسب الحروف الأخيرة من الكلمات، وفي ذلك ما فيه للشعراء في تصيّد القوافي الشوارد، وإزعاج لسائر الخلق في إيجاد الكلمات التي يبغون البحث عنها في المعجم".
4-مدرسة البرمكي (ت 411 ه):
لم يؤلف البرمكي معجماً، بل أعاد ترتيب الصحاح وفق أوائل الأصول فصار بذلك زعيم مدرسة التبسيط والتيسير. وهذه المدرسة هي التي استمرت إلى يومنا هذا لأنها رتبت المعجم وفق أوائل الحروف مبتدئة بالهمزة، منتهية بالياء مع مراعاة الحرف الثاني والثالث والرابع. وسبقت المعجمات الحديثة في ترتيب المواد ترتيباً محكماً. من أتباعها:
أ-أبو عمرو الشيباني (ت 206 ه) في معجم (الجيم):
قال القِفطي (20): "وصنف أبو عمرو كتاب الحروف في اللغة وسماه كتاب الجيم وأوله الهمزة. لم يذكر في مقدمة الكتاب لمَ سماه الجيم ولا أعلم من العلماء ذلك".
ويبدو أن القفطي كان يتوقع أن يبدأ بحرف الجيم كما بدأ معجم العين (بالعين). لكن الشيباني قسمه جواباً مرتبة على الحروف الهجائية جاعلاً لكل حرف منها باباً خاصاً.
والسؤال لماذا لم يكن الشيباني زعيم هذه المدرسة وهو سابق البرمكي؟ والرد أن الشيباني أورد في كل باب الألفاظ التي تبدأ بذل الحرف مهملاً الحرف الثاني وما بعده.
ولهذا لم تكن طريقته رائدة فهي مشوبة بكثير من الفوضى والاضطراب داخل الباب الواحد.
ب-ابن دريد الأزدي (ت 321 ه) في جمهرة اللغة:
اعتمد فيه الترتيب الألفبائي، وقسمه إلى أبواب هي أبواب كتاب العين من ثنائي مضعَّف إلى ثلاثي صحيح إلى رباعي وخماسي منتهياً باللفيف والنوادر. ولم يكتف بذلك بل عاد إلى طريقة الخليل في التقليب. وحرص أن يبدأ كل باب بالكلمة التي تبدأ بالحرف المعقود له الباب، يليه مباشرة الحرف الذي يتبعه في الترتيب الألفبائي فباب الباء مصدّر بـ (بتّ) وباب التاء مصدّر بـ (تتّ) وهكذا.
وأعتقد أنه من الخطأ أن يصنَّف المصنفون هذا المعجم في مدرسة البرمكي لأن مدرسة البرمكي تمثل غاية التطور في البحث المعجمي، وبلغت ذروة التبسيط والتيسير. وابن دريد عقَّد البحث فأتعب الباحث وضيَّعه بين الأبواب والتقليب.
ج-ابن فارس (ت 395 ه) في مقاييس اللغة:
اعتمد فيه الترتيب الألفبائي وقسمه إلى كتب بعدد حروف الهجاء فكتاب للألف وثان للباء وثالث للثاء هكذا. لكنه قسم كل كتاب إلى ثلاثة أبواب هي: الثنائي المضعف والثلاثي وما زاد على الثلاثي. وتخلى عن التقليب إلا أنه وقع في أشكال كبير عندما بدأ كل كتاب بالحرف الذي يبدأ فيه اللفظ مع الحرف الذي يليه مباشرة في الترتيب الهجائي تاركاً ما قبله من حروف. ففي باب الدال بدأ بالكلمات التي تبدأ بالدال مع الذال وما يثلثهما وصولاً إلى الياء ثم يعود إلى الكلمات التي تبدأ مع الهمزة وما يثلثهما وهكذا...
وهذه الطريقة عقدت البحث في المعجم ولا ضرورة لاعتمادها بعد ما تخلى عن طرقة التقليب الخليلية.
د-الزمخشري (ت 538) في أساس البلاغة:
أول معجم مطبوع مرتب ترتيباً ألفبائياً محكماً فسبق المعاجم الحديثة. قسمه إلى ثمانية وعشرين باباً بعد حروف الهجاء، وراعى فيه ترتيب الحرفيين الثاني والثالث من الكلمة فقضى على كثير من الصعوبات والتعقيدات السابقة وصار في ترتيبه رائداً بحيث أن المعجمات الحديثة لم تضف شيئاً إلى طريقته.
صرف همه إلى إظهار جمال اللغة فأفرد المجاز عن الحقيقة والكناية عن التصريح.
وريادة هذا المعجم تكمن في أنه وضع أمام القارئ استعمال اللفظ في أساليب متعددة مما تحدثت به العرب. وفيه أكثر من خمسة آلاف شاهد شعري، وآلاف الأمثال والحكم والجمل البلاغية. وقد سبق المعاجم الأعجمية في وضع الكلمة في جملة أو مثل مأثور يفهم معناها من السياق.
ه-الفيومي (ت 770 ه) في المصباح المنير:
اتبع فيه طريقة الزمخشري. لكنه مختصر جداً فلم يتسع لألفاظ العربية كلها.
وهكذا نرى أن المعجم العربي قد تخلص من شوائب البحث في المعجم في المراحل الأولى من عمره. وبقي رغم اتهامه بالصعوبة قائماً، والسبب أن أكبر المعجمات وأوسعها وأشملها بقيت معتمدة وموثوقة إلى يومنا هذا، وهذه المعاجم الميسرة لم تغن عن تلك فلم تكن شاملة مستوعبة. وكان الغرض منها بلاغياً.
ولا بد من ملاحظة أمر هام هو التزام هذه المعاجم جميعاً بمراعاة أصل الكلمة أو الجذر. وهذا الجذر يمثل المادة الخام التي تصدر عنها المشتقات جميعاً. والرجوع إلى الجذر شكّل مأخذاً على معجمنا من بعض النقاد الذين استصعبوا العودة إلى أصل بعض الألفاظ ونادوا بترتيب المعجم بحسب صورة الكلمة متناسين طبيعة لغتنا الاشتقاقية.
وهذا الترتيب يحافظ على الروابط المعنوية والدلالات المشتركة العائدة إلى جذر واحد.
أشار العلامة عبد الحق فاضل إلى بعض الصعوبات بقوله (21): "كيف يخطر لأحدنا أن يبحث عن (الاتحاد) في وحد) و(الاستيعاب) في (وعب) و(الاتهام) في (وهم) و(الاستقلال) في (قلل) و(الاستفادة) في (فيد) و(الاستقالة) في (قول)؟".
ما ذهب إليه الأستاذ فاضل صحيح جداً حتى ليصعب أحياناً على أهل الاختصاص معرفة جذر بعض الألفاظ، وأنهم ليقضون ساعات في البحث عنها في هذه المادة أو تلك، وقد يرجعون بخُفَّي حنين وقد يهتدون إليها مصادفة. وعلى الرغم من هذه الصعوبات فأنا مع الجذر لا مع هذا الترتيب الذي يفتت الجذر العربي، ويشتت شمل الكلمة، ويقطع علاقة المشتقات، وهذا الترتيب الفيتيشي التجزيئي يصلح في نظري- أن صلح –لصغار التلاميذ وأشباه العامة، ولكنه لا يصلح للغتنا، ولا لطلاب المعرفة من أبنائنا. وقد أصاب د. إبراهيم أنيس بقوله (22): "شهدنا في العصر الحديث اتجاهاً إلى ترتيب المعجم العربي على حسب صور الكلمات. وجاءنا من لبنان معجم يسمى "الرائد" مطبوعاً ومرتباً بهذه الطريقة العجيبة، التي أشبه بأرشيف المكتبات أو دليل التليفونات، ففيه نجد كلمة استفهم بجوار استف واستفاض لا لشيء سوى لأنها جميعاً تبدأ بالألف والسين والتاء، كما نرى الكلمات ناصر ومنصور وانتصر ونصير واستنصر في مواضع متباعدة من المعجم برغم الدلالة العامة المشتركة بينها جميعاً.
سابعاً: المعجم الحديث:
عرفت حركة التأليف المعجمي نشاطاً بارزاً بعد منتصف القرن الثاني. وأصدرت دور النشر ولا تزال عدداً هائلاً من المعجمات الخاصة والعامة، الأحادية اللغة والثنائي اللغة والمتعددة اللغات. وعقدت مؤتمرات وندوات في أرض العرب كما في أرض العجم لدراسة مشكلات المعجم وخلصت إلى توصيات ومقررات هامة سنأتي على استعراضها بسرعة.
أبرز معاجم القرن التاسع عشر هو الجاموس على القاموس لأحمد فارس الشدياق (ت 1878م) وأبرز ما في هذا المعجم طريقته ونقده للمعجم العربي بعامة وللقاموس المحيط بخاصة. وإليكم أبرز آرائه:
1-ترتيب المواد:
عاب على الفيروزابادي اتباعه نهج الصحاح ورأى أنه كان من الأولى اتباع نهج ابن فارس لأن التطور يجب أن يكون نحو الأفضل ولا بد من مجاراة الزمن. وكما اعترض على الفيروزابادي اعترض على طريقة الخليل وأتباعه بقوله (23): "وبالجملة فالبحث عن الألفاظ في التهذيب للأزهري، والمحكم لابن سيده صعب جداً، لأنك إذا أردت أن تبحث مثلاً عن لفظ (رقم) لم تدرِ هل هي الأصل لتبحث عنها في الراء، أو مقلوبة فتبحث عنها في القاف (قرب) أو عن برق وما بين هذه الحروف مسافة بعيدة".
ولهذا رأينا الشدياق على طريقة الزمخشري ومن تابعه.
ب-ترتيب المشتقات: رأى أن ترتيبها في القاموس المحيط جاء اعتباطاً وفوضوياً، والباحث فيه لا يجد طلبه بسهولة، وربما احتاج أن يقرأ المادة بكاملها ليعثر على ضالته.
ج-تحديد الفصيح: اعترض الشدياق على الطريقة الموروثة في تحديد الفصيح، لأنها جعلته على عصر الاحتجاج، وذهب إلى أن أي شاعر يعترف له بالجودة يصح الاحتجاج بشعره.
وتحديد الفصيح من أهم القضايا التي تواجه مجامعنا اللغوية. فالمتشددون يخطّئون كل لفظ لم يرد في اللسان، الذي يجعلونه فيصلاً في هذا الباب. لكن هؤلاء نسوا أن ابن منظور توفي سنة إحدى عشرة وسبعمائة للهجرة وأن اللغة العربية بقيت بعده.
فالجاموس على القاموس يمثل ذروة الثورية في التأليف المعجمي. فهو يحارب التقليد ويدعو إلى مواكبة العصر والعلم والتطور. قال الشدياق (24): "أن الأقدمين قد ألفوا لعصورهم، وجروا في كتب اللغة على ما كانت تقضي به أصولهم اللغوية في ذلك الحين، فقد صنفوا ونفعوا وأفادوا غير أنهم ألفوا كتبهم على حسب أفهاهم وأذهانهم... وأنه لا عيب عليهم في ذلك". فأين يكمن العيب إذاً؟ -يكمن العيب في جمودنا فهم عملوا لزمانهم فلِمَ لا نعمل لزماننا؟ لقد خلا المعجم القديم من لفظ الطيارة والتلفزيون والتلفون والتلغراف وغيرها من الأسماء، لأن المسميات لم تكن معروفة فهل يجوز أن يخلو مجتمعنا الحديث منها وقد باتت ملء السمع والبصر؟
والمعجم الثاني في القرن التاسع عشر هو محيط لبطرس البستاني (ت 1883م). طبع لأول مرة سنة 1870م، مستمداً مادته من القاموس المحيط للفيروزابادي، ورتبت مواده ترتيباً هجائياً بحسب أوائل الكلمات. استخدم الرموز وضبط الكلمات غير أنه استخدم العامية فاتهمه الشيخ محمد عبده بالركاكة والضعف.
ونذكر بعد ذلك عدداً من المعجمات التي ظهرت ابتداء من مستهل هذا القرن من أمثال الموارد في فصح اللغة والشوارد لسعيد الشرتوني (ت 1912م) وقد أخذ مادة القاموس المحيط حاذفاً منها الألفاظ الجنسية لأنها تسيء إلى التهذيب والأخلاق وتخدش العفاف والوقار. والمنجد للأب لويس معلوف (ت 1946م) وهو أوسع المعجمات الحديثة انتشاراً ولقد أعيد طبعه مراراً وخضع لإضافات وتعديلات كثيرة. وهو في الأساس معجم مدرسي صدر سنة 1956م ملحقاً باسم المنجد في الأدب والعلوم وهو معجم لأعلام الشرق والغرب.
طباعته أنيقة زينت فيه اللوحات والصور والخرائط واستخدام اللون الأحمر للجذور.
إلا أن المآخذ عليه لا تحصى، أهمها: وقوعه في العامية عن سابق تصور وتصميم. وجاء في تعريف الأعلام كثير من الشتويه، وأهمل ما يتصل بالإسلام والمسلمين. وقد وقع في أخطاء كثيرة في الضبط. وغير هذا كثير. وكان أستاذنا الشيخ صبحي الصالح –رحمه الله –يردد على مسامعنا كلما ذكر أسمه: المنجد لا ينجد.
أما "البستان" لعبد الله البستاني فقد صدر سنة 1930 م ببيروت بتكليف من الجامعة الأميركية، جديدة أنه أثبت أسماء المخترعات الجديدة والمصطلحات العلمية إلا أنه حشر فيه الكثير من المولد والدخيل.
والمعجم الذي يجب التوقف عنده هو متن اللغة للشيخ أحمد رضا (1953 م).
وكان وضعه بتكليف من مجمع اللغة بدمشق واستغرق العمل فيه سنوات عديدة. طبع بعد وفاته في خمسة أجزاء كبيرة. جديدة أنه ألحق في المقدمة جداول تبين الوحدات القياسية من موازين ومكاييل ومقاييس، ثم أثبت جدولاً آخر حشد فيه الكلمات الدخيلة التي عرّبها بنفسه أو التي عرّبتها مجامع اللغة.
وبانتصاف القرن العشرين يلمع نجم العلايلي وخاصة بعدما أصدر (المعجم) سنة 1954 م وكان مقرراً له أن يصدر في أربعة وعشرين مجلداً يضم كل منها أربعة وعشرين قسماً. ولم يصدر منه إلا اليسير جداً. إلا أن ما ظهر منه ينبئ عن عبقرية صاحبه وعقله المدبر، وحسه اللغوي المتوقد. لقد ميز فيه المعنى الأصلي عن المعاني الفرعية فساعد بذلك على رصد التطور المعنوي وتفرعه بين الحقيقة والمجاز. واهتم بالمولد والدخيل مميزاً القديم منهما عن الحديث ولم يكتف بما وضعته المجامع في هذا الباب بل راح يضع الألفاظ بنفسه معتمداً القياس والاشتقاق مثبتاً بذلك قدرة العربية على التعبير عن الفكر المعاصر وأكد أن الاشتقاق يجعل من لغتنا لغة مرنة مطواعة.
وقبل أن يتم العلايلي (المعجم) طلع علينا بمعجم آخر هو (المرجع) الذي صدر سنة 1963 م على نسق المعجم، وزواج فيه بين الطريقة العربية والغربية في ترتيب المواد فأثبت المصطلح في موضعه من النطق وأثبت الأفعال مجردة ومزيدة تحت الجذر. فكلمة (انتضى) مثلاً يجدها الباحث في باب الألف مرتبة ترتيباً هجائياً ويجد في مقابلها (نضو).
اقترح فيه وضع أوزان ثابتة للمصطلحات العلمي والصناعية والزراعية كأن نخصص (فِعالة) للمصطلحات الصناعية مثل حِدادة ونجارة وحلاقة... ووزن مفعَلة للدلالة على الآلة مثل: مطرقة: مِسطرة... وتساءل لِم لا يفعل ذلك العرب القدامى خصصوا وزن فعال للأمراض الآنية العابرة فقالوا: سُعال وزُكام وصُداع ودُوار... كما خصصوا وزن فَعَل للأمراض المقيمة غير الآنية مثل (خَرَس وعَرَج وبَرَص وعَمَى...).
وبذلك يخطو العلايلي في معجميه بالمعجم العربي خطوة تطورية هامة، فلقد جعل المعجم عصرياً يفسر المادة من جوانبها اللغوية والفلسفي والعلمية والنفسية والاجتماعية، وكاد يضع المعجم التاريخي عندما تتبع التطور المعنوي للفظ عبر العصور بشكل تعاقبي.
وبعدما استعرضنا جهود الأفراد في العمل المعجمي الحديث نرى ضرورة تقويم جهود الجماعات والمؤسسات في هذا السبيل. ومنها:
1-المعجم الوسيط:
أصدره مجمع اللغة في القاهرة، وتعاونت في وضعه لجان متخصصة. أبصر النور سنة 1960 في جزأين ثم صدر ثانية سنة 1972 م منقحاً وقد أهملت بعض أصوله السابقة وأضيفت إليه أصول جديدة أقرها المجمع في جلساته المنعقدة ما بين 1960 و1971 م. تضمن كثيراً من الألفاظ المولدة والمحدثة العلمية الحديثة في ميادين مختلفة. وقبل المعرّب مشيراً إليه برموز واضحة. ومن المآخذ عليه إغفاله الكثير من الألفاظ المحدثة التي استقرت في لغة الكتّاب منذ فجر النهضة، وتمسّكه –بقياسات قديمة للجموع دون النظر إلى صلاحها أو عدم صلاحها. وفيه مقدار غير ضئيل من الألفاظ العامية المصرية خاصة، ووعد بإهمال الحوشي الذي هجره الاستعمال ولم يفِ بوعده.
2-المعجم الكبير:
أصدره مجمع اللغة بالقاهرة أيضاً على دفعتين. صدر الجزء الأول وهو حرف الهمزة سنة 1970 م وصدر الجزء الثاني وهو حرف الباء سنة 1982 م وقد أرفقا بكتيّب بعنوان (المنهج والتطبيق) جاء فيه: في المعجم ثلاثة جوانب هي:
1-جانب منهجي هدفه الأول دقة الترتيب ووضوح التبويب.
2-جانب لغوي يعنى بتصوير اللغة تصويراً كاملاً.
3-جانب موسوعي يقدم ألواناً من العلوم والمعارف تحت أسماء المصطلحات أو الأعلام.
ولقد مضى على صدور الجزء الثاني أكثر من عشر سنوات ولم يصدر بعد الجزء الثالث وهذا البطء في العمل لا بد أن يؤثر سلبياً وفي مستخدميه.
الجديد في هذا المعجم أن المجمع أظهر منه نموذجاً من نحو 500 صفحة عام 1956 م وعد ذلك (25) "تجربة ودعا المختصين إلى قراءتها وتسجيل ملاحظاتهم عليها". وقد أخذ بملاحظات المتخصصين وراح خبراء المجمع يدققون ويمحون حتى صدر هذا المعجم آية في التأصيل والتحقيق متدرجاً في المعاني من الحسي إلى المعنوي ومن الحقيقي إلى المجازي. وذكر في صدر كل مادة النظائر السامية إن وجدت وبوبت المواد تبويباً سهلاً وأثبتت فيه المصطلحات الحديثة الشائعة في الأوساط العلمية والحياة العامة. ولم يهمل أعلام الأشخاص: وزواج بين النظام الألفبائي الأصولي بحسب أوائل الأصول، والنظام الألفبائي النطقي المطلق فحل بذلك مشكلة إدراج الكلمات المعربة والدخيلة.
لقد وضع هذا المعجم –على ما يبدو –ليكون في مصاف المعاجم العالمية الشهيرة كموسوعة Larousse الفرنسية و Oxford الإنكليزية. وهو إذا تم مع إجراء بعض التعديلات الطفيفة عليه يكون معهما على مستوى واحد إن لم يفقهما دقة وحسن تبويب.
إلا أنه لا يجوز أن تستمر فيه عيوب الشكل. فالصور غير ملونة ولا يخفى ما للصورة الملونة من أهمية في توضيح الآلة والنبات وغيرهما... ولا يجوز أيضاً التذرع بالتكاليف الباهظة لأن الأموال تكال جزافاً لمشاريع أخرى لا ترقي –مهما جلت أهميتها –إلى مكانة المعجم.
وإننا لندعو مجامع اللغة والدول العربية مجتمعة أو متفرقة إلى اعتماد الأجهزة الإلكترونية في التبويب والإخراج. فمن حق المعجم الذي يتحدث عن المكتشفات أن يستفيد منها ويحدث بنعمتها.
ثامناً: مساهمات عربية في الهم المعجمي العالمي:
أطلقت أوروبا على القرن التاسع عشر تسمية عصر المعجمات وبعد منتصف القرن الحالي راحت تعقد المؤتمرات المحلية والدولية لتدارس شؤون المعجم. ومن أبرز المؤتمرات المؤتمر الذي نظمته جامعة (انديانا) بأميركا في شهر تشرين الثاني من عام 1960 م بموضوع (مشاكل المعجم). وقد اشترك فيه أكثر من خمسين لغوياً ومعجمياً عرباً أو أعاجم. ومما جاء في تقرير لأحد المشاركين فيه واسمه هاوس هولدر ما يأتي (26):
1-يجب أن يأخذ المعجم في الاعتبار نوعاً خاصاً من المستعملين له وحاجاتهم.
2-لا بد أن تكون المواد واضحة الترتيب في موضوعها، وتوضع الصيغ الشاذة كمواد قائمة بنفسها، وإلا فيشار إلى موضعها في المادة الأصلية.
3-التمييز بين المعاني الأصلية والمعاني المجازية؟ على أساس لغوي.
هذه التوصيات تشير بوضوح إلى أن مشكلات المعجم تكاد تكون واحدة في أرجاء المعمورة. والمراقب المنصف لا بد أن يلاحظ أن معجمنا العربي قديمه وحديثه قد أخذ بمعظم هذه التوصيات.
تاسعاً: المعجمات الثنائية اللغة والمتعددة اللغات:
قضت سنة التطور والانفتاح والتبادل الثقافي وأغراض أخرى أن تفكر الأمم بمعجمات ثنائية اللغة أو متعددة اللغات. ولم يكن العرب مختلفين عن الركب في هذا الميدان.
وأنه لمن الصعوبة بمكان رصد المعجمات جميعاً لكن لا بد من الإشارة إلى بعضها كالمنهل (فرنسي –عربي) للدكتورين عبد النور وإدريس، والمورد (إنكليزي –عربي) وعربي إنكليزي للبعلبكي، ومعجم عبد النور (عربي –فرنسي). ويكاد يكون هناك معجم أعجمي عربي أو العكس لك لغة من اللغات الحية.ومن هذه المعاجم ما هو تجار رخيص ومنها ما هو علمي رصين. وهنا لا بد من التنويه بالدور الكبير الذي اضطلع به المكتب الدائم لتنسيق التعريب في الوطن العربي ومركزه الرباط حيث راح ينشر في مجلته المعجم تلو الآخر ومنها على سبيل المثال لا الحصر: معجم الكيمياء، ومعجم الفيزياء، ومعجم الرياضيات، ومعجم النبات، ومعجم الحيوان، ومعجم البترول، ومعجم البناء، والمعجم المنزلي، ومعجم الأطعمة، ومعجم الحرف والمهن، ومعجم المرأة، ومعجم الزهور، ومعجم الإذاعة والتلفزة، والمصطلاحات الإعلامية، والمصطلاحات الرياضية، ومصطلحات العَنَفات (Tubines)، ومصطلحات في أمراض الأذن والأنف والحنجرة، والمصطلحات الفلسفية، والمصطلاحات البريدية وغيرها كثير. وقد صدرت هذه المعجمات بمعظمها باللغات الثلاث العربية والفرنسية والإنكليزية. وقد أُتبع أكثرها بملاحق أغنتها، وتداركت نقص الطبعات الأولى. وكان مجمع اللغة قد أصدر معاجم متخصصة كالمعجم العسكري الموحد باللغتين الإنكليزية والعربية أولاً ثم بالفرنسية والعربية ثانياً وغيره كثير.
ولم يكتف المكتب الدائم لتنسيق التعريب بذلك بل كانت له أعمال جليلة أخرى أطل فيها العالم المتمدن بعدما حصن البيت من داخل فعرَّف بمآثر العرب المعجمية، ووقف على ما عند الآخرين من جديد في هذا الميدان. وأبرز أعماله (الندوة العالمية لصناعة المعجم العربية للناطقين باللغات الأخرى) التي انعقدت بالرباط من 1 إلى 8 نيسان 1981. شارك فيها وفود عربية وغربية من فرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة؛ ومن أبرز الموضوعات التي ناقشها المؤتمرون (27):
1-المنهجية في صناعة المعجم.
2-مشكلات الدلالة في المعجم الثنائي اللغة.
3-المعجم العربي للناطقين باللغات الأخرى.
4-ترتيب مداخل المعجم.
والمهم في هذه الندوة التوصيات الصادرة عنها وجاء فيها:
1-التعريف بالرموز المستعملة في المعجم وبيان كيفية استخدام المعجم.
2-اتباع أحد طريقين في ترتيب المعجم، إما على حسب الجذور وإما على حسب نطق الكلمة. وفي كلتا الحالتين يتبع الترتيب الهجائي العادي بحسب أوائل الكلمات.
وفي حالة اتباع نظام الجذور ينصح بترتيب المصطلحات والألفاظ الدخيلة والمعربة على حسب نطقها.
3-ضرورة تضمن المعجم قدراً معقولاً من المصطلحات العلمية وبخاصة ما يتصل منها بالحياة العامة.
4-استخدام الصور والرسوم والخرائط ووسائل الإيضاح الممكنة، واستخدام نماذج ملونة حين معالجة ألفاظ الألوان.
والمعجم العربية كما رأينا سابقاً قد عمل أو بالأحرى قد سبق إلى تنفيذ بعض التوصيات قبل صدورها عن المؤتمر. وفي هذا السبق فخر للعرب في هذا الميدان.
عاشراً: صيحات للتجديد:
على الرغم من هذه الثورة الدائمة التي أحدثها المكتب الدائم لتنسيق التعريب في الوطن العربي، ومجامع اللغة العربية في عالم المعجم فإن صيحات تدعو للتجديد ما زالت تعلو من هنا وهناك. والذي يبشِّر بالخير فيها أنها دعوات من مجمعيين ذوي علم وحس لغوي. هذه الصيحات تشعرنا بأن الجمود موت والتطور واجب، ولا يجوز الوقوف حيث نحن ولو قبضنا في حين على ناصية العلم والمعرفة.
نذكر من هذه الصيحات تلك التي أطلقها عضو المجمع العلمي العراقي د. محمود الجليلي وطالب فيها بوضع (المعجم اللغوي الحضاري) (28) الذي: "يستوعب تطور اللغة العربية واستيعابها للحضارة في مختلف الأزمنة" وحدد محتويات هذا المعجم المقترح بما يأتي:
أ-تطور مدلول الكلمات تاريخياً.
ب-تدوين الاشتقاقات الجديدة المؤدية إلى معان معينة.
ج-تسجيل الاستعمالات الحديثة والمعاصرة التي أوجبها التطور الحضاري والتقني.
د-إدخال المصطلحات العلمية الحديثة.
ه-ضرورة الرجوع إلى كتب التراث. وكتب العلوم والطب وسائر فروع المعرفة للاستفادة من مفرداتها.
وليتم إعداد هذا المعجم على الوجه المقبول لا بد من توفر الشروط الآتية في نظره:
-تضافر جهود المتخصصين المتعاونين في كتابة المادة الواحدة.
-وجود جهة منسقة تحفظ التوازن وتقرر القبول في المواد.
-تأريخ المعلومات الجديدة، وإبقاء الباب مفتوحاً أمام الجديد ورفد المعجم بملاحق دائمة ومستمرة.
لا شك أن د. الجليلي صادق في ما ذهب إليه. لكن الإنصاف يقضي بالاعتراف بالفضل الكبير للجهود التي بذلتها مجامع اللغة والمكتب الدائم لتنسيق التعريب لأنها حققت في معجماتها أكثر ما يطلب به الدكتور الجليلي.
ويصدح بعد سنوات صوت آخر من المجمع العلمي العراقي نفسه هو صوت د. يوسف عز الدين فيكتب في مجلة المجمع مقالاً بعنوان (المعجم الذي نريده) يحدد فيها مواصفات هذا المعجم وملخصها:
-إبعاد الألفاظ العامية عنه حتى ولو استعملت في وسائل الإعلام.
-أن يكون سهل المأخذ بعيداً عن الحشو.
-أن يستغني عن الميت والمهمل من الألفاظ.
-أن يبتعد عن التصحيف والتحريف.
وربما استقى د. عز الدين ملاحظاته هذه من عيوب المعاجم الصادرة عن مجامع اللغة وقد أشرنا إلى أكثرها ونحن نعرض الرأي فيها.
ثم طالب مجمعي عراقي ثالث بمعجم تراثي في مقال عقده بعنوان (30) (المعجم الذي نطمح إليه) واشترط أن تتوفر فيه الشروط الآتية:
-ترتيب المواد ترتيباً ألفبائياً وفقاً للأحرف الثلاثة الأولى من الكلمة.
-وقوف القارئ داخل المادة الواحدة على مجموع آراء اللغويين.
-رصد التطور اللغوي الذي أصاب لغتنا عبر العصور.
-إدخال المصطلحات العلمية التي أقرتها مجامع اللغة.
وبعض ما نادى به هؤلاء المجتمعون متوفر في المعاجم العربي الحديثة وبعضها الآخر لا بد من دراسته دراسة علمية رصينة وهادئة من قبل المجامع للأخذ بالمقترحات التي تخدم معجمنا وتعمل على تحديثه وتفعيل دوره.
وفي النهاية لا بد من الاعتراف بأن دورة المعجم كدور الحياة متجددة غير متوقفة. وكل تطور في حياة الأمة يصيب الاقتصاد أو السياسة أو الدين أو الاجتماع أو العلم لا بد أن يرافقه تطور في المعجم الحي لأن المعجم الجامد يعني موت الأمة واندثار اللغة الناطقة بها.
***
الحواشي:
1-ابن منظور، لسان العرب (عجم).
2-ابن عبد ربه، العقد الفريد، دار الكتاب العربي –ط 1965، ج4 –121.
3-المعجم الوسيط (عجم).
4-حجازي، محمود فهمي، مجلة مجمع اللغة بالقاهرة العدد 40 ص 86 وما بعدها.
5-العطار، أحمد بن الغفور، الصحاح ومدارس المعجمات العربية، مكة المكرمة 1990 ص 53.
6-آل ياسين، محمد حسين، الدراسات اللغوية عند العرب، دار مكتبة الحياة بيروت سنة 1980 ص 222.
7-ابن منظور، لسان العرب (قمس).
8-الفيروزابادي، القاموس المحيط، طبعة مصطفى البابي الحلبي، ص 3.
9-Encyclopedie l,Islam, NV- IV, P. 994.
11-مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، الجزء 30 ص 122.
12-ضيف، شوقي، الفن ومذاهبه في النثر العربي ط 5 ص 125.
13-مجلة مجمع اللغة بالقاهرة، الجزء 30 ص 122.
14-العطار، أحمد عبد الغفور، الصحاح ومدارس المعجمات العربية ص 65.
15-من رسائله: خلق الإنسان، الإبل، الخيل، الوحش، النبات، الشجر.
16-من رسائله: المطر، النبات، الشجر.
17-ابن سيده، المخصص 1/ 10.
18-الجرح، محمد سالم، مجلة اللغة بالقاهرة. العدد 28 ص 165.
19-فاضل، عبد الحق، مجلة اللسان العربي، المجلد السابع، العدد 2 يناير 1970 ص 10.
20-القفطي، أبناه الرواة، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1981 القاهرة 1/ 224.
21-فاضل، عبد الحق، مجلة اللسان العربي، المجلد السابع، العدد 2 يناير 1970 ص 11.
22-أنيس، إبراهيم، مجلة مجمع اللغة بالقاهرة، عدد 25 ص 7.
23-الشدياق، أحمد فارس، الجاسوس على القاموس مطبعة الجوانب الآستانة سنة 1299 ه -ص 23.
24-المصدر السابق ص 3.
25-مدكور، إبراهيم، مجلة اللغة بالقاهرة عدد 1288.
26-أبو الفرج، محمد أحمد، المعاجم اللغوية، دار النهضة العربية بيروت 1966 ص 21 –22.
27-عمر، أحمد مختار، المجلة العربية للعلوم الإنسانية (الكويت) المجلد ج الأول العدد الرابع خريف 1981 ص 299 وما بعدها.
28-الجليلي، محمود، مجلة المجمع العلمي العراقي. المجلد الرابع والثلاثون، الجزء الأول كانون الثاني 1983 ص 89 وما بعدها.
29-عز الدين، يوسف، مجلة المجمع العلمي العراقي. المجلد الثامن والثلاثون الجزء الرابع كانون الأول سنة 1987.
30-آل ياسين، محمد حسن، مجلة المجمع العلمي العراقي، المجلد التاسع والثلاثون الجزء الأول ص 29 وما بعدها.
(1) باحث وأستاذ في كلية الآداب –الجامعة اللبنانية. ----------------- نشر هذا البحث في : مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 50 - السنة 13 - كانون الثاني "يناير" 1993 - رجب 1413 |
|
الكاتب صوت العربية
|
|
الجمعة, 04 يوليو 2008 15:32 |
|
تمثل المعجمات العربية مصدراً هاماً للباحث في الدراسات اللغوية والأدبية، ولا سيما بعد أن ظهرت المعجمات الكبرى، واتسع منهجاً ليشمل كثيراً من شؤون الحياة العربية لغوياً وأدبياً وفكرياً وتاريخياً وما إلى ذلك بالإضافة إلى الهدف الأساسي وهو جمع ألفاظ اللغة وتحديد صيغها ومعانيها وما يَعْرِض لها أحياناً من اختلاف بين لهجات القبائل، أو اختلاف بين آراء أهل اللغة، أو ما أشبه ذلك.
ونشأة هذه المعجمات لم تحدث إلا بعد ظهور أنماط مختلفة من التأليف، كانت تحاول أن تجمع فئات معينة من ألفاظ العربية، وهذا يعني أن جمع ألفاظ اللغة كلها في كتاب واحد لم يأتٍ طفرةً دون تدرّج وبحث عن المنهج القادر على ذلك، ولهذا يمكن أن نحدد مرحلتين هامتين لجمع ألفاظ العربية، الأولى تمثل مجرد نشأة التفكير في جمع ألفاظ معينة من اللغة في كتاب، والثانية تمثل النضج في هذا التفكير، والاتجاه إلى استيعاب ألفاظ اللغة كلها في كتاب واحد تبعاً لمنهج وغاية معينة أيضاً، فإن كانت الغاية هي تقديم معاني الألفاظ وضبط صيغها لمن يطلب هذه المعاني والصيغ، كان منهج التصنيف يُبْنَى على أساس لفظي، وهذا ما عُرِفَ بمعجمات الألفاظ، وإذا كانت الغاية هي تقديم كلمة لمعنى يدور في خَلَد المرء دون أن يجد لديه كلمة تعبر عنه، كان منهج التصنيف يُبْنَى على أساس الموضوعات والمعاني، وهو ما عُرِفَ بمجمعات المعاني.
وحسبنا في هذا الحديث(1) أن نوجز القول في نشأة التفكير عند العرب حول جمع بعض ألفاظ اللغة ضمن أنماط مختلفة من المناهج، وهو ما يمثل المرحلة الأولى من التأليف المعجمي، ثم نتحدث عما تبعها في المرحلة الثانية من تأليف معجمات الألفاظ، وأما معجمات المعاني فنرجو أن نفردها في حديث آخر إن شاء الله تعالى.
المرحلة الأولى:
منذ جعلت الفتوح تهدأ رويداً رويداً، اتجه علماء العربية إلى المحافظة على لغة القرآن وما لها من تراث، إذ شرعوا بوضع علم النحو لضبط اللغة وما يَعْرِض لها(2) ولا سيما أن العربية جعلت تحتك بلغة الأعاجم بعد الفتح، وأخذ يتسرب إلى بعض الناطقين بها شيء من عوارض اللحن.
واهتمام العلماء بوضع علم النحو جعلهم يهتمون بجمع اللغة لاستنباط القواعد منها، وجمع اللغة دعا إلى جمع الأدب الجاهلي من صدور الأعراب وغيرهم ليتاح لعالم اللغة أن يستند في قاعدته على شاهد ثابت موثّق(3) ثم لم تلبث هذه الحركة أن تناست الغاية الأولى، وأصبح همها جمع اللغة والأدب لمجرد المحافظة عليها. وكان الأعراب ضمن شروط معينة من المصادر الأساسية لجمع اللغة، سواء أكان ذلك بالاتصال بهم في صحرائهم، أم كان ذلك بالاستماع إليهم لدى وفادتهم على المدن والأمصار(4)، وكانت هنالك مصادر أخرى من أبرزها القرآن الكريم، والحديث(5)، والأدب الجاهلي، وكلام العرب، وما إلى ذلك.
ولا ندري كيف كان يُدَوّن العلماء عن الأعراب، ولا سيما حين نسمع أن أحدهم قد رحل إلى البوادي فأنفد كيت وكيت من زجاجات المداد، على أنه ينبغي أن تتصوّر أن ذلك التدوين كان يتم دون أي تنسيق، إلاّ أن الحاجة فرضت على العلماء فيما بعد أن يوجدوا شيئاً من التنسيق ولو يسيراً، لتسهل العودة إلى ما جمعوا والاستفادة منه.
ولهذا بدأ الرواة العلماء في القرن الثاني يؤلفون رسائل صغيرة في اللغة، محاولين في كل منها إيجاد رابطة بين زمرة من الألفاظ، تُمكِّن من تصنيفها في هذه الرسالة أو تلك، ولهذا نشأت رسائل لغوية ذات أشكال مختلفة تمتاز كلها بطابع العفوية والبساطة، وهو ما يتسم به كل عمل في مراحله الأولى، وكانت أنماطها متداخلة متعاصرة أحياناً في زمن ظهورها، بل ربما نجد أحد العلماء نفسه يؤلف رسائل لغوية متعددة يختلف فيها منهج التصنيف من واحدة إلى أخرى.
ومن أبرز الروابط اللغوية التي اتُّخِذَتْ لمناهج التصنيف في هذه المرحلة:
1-الندرة والغرابة: إذ لجأ بعض العلماء إلى رابطة الندرة والغرابة في بعض الألفاظ، فجمعوا الألفاظ الغريبة النادرة في كتاب واحد دون تنسيق أو ترتيب، فإذا احتاج المرء إلى معنى كلمة غريبة أو نادرة، كان عليه أن يطالع ذلك الكتاب كله حتى يجد ضالته فيه.
ويمثل هذا النمط من التأليف أبو زيد الأنصاري (215هـ) في كتابه "النوادر في اللغة"(6)، وكتاب النوادر مؤلف من أبواب متعددة جاءت بعنوانات: "باب الشعر" أو "باب الرجز" أو "باب النوادر"، وهذه الأبواب تتعاقب دون تنسيق أو تبويب، فقد يأتي باب شعر ثم يليه باب رجز، وقد يأتي باب شعر فباب نوادر، أو باب رجز فباب رجز مثله، وهكذا.. وكلها تأتي بألفاظ نادرة، فتُشْرَح ويُسْتَشْهَد عليها أحياناً بالشعر وأقوال العرب.
2-الموضوعات والمعاني: ومن أنماط هذه المرحلة تلك الرسائل الصغيرة التي جَمعَتْ بعض ألفاظ اللغة ورتبتها تبعاً لموضوع من الموضوعات أو معنى من المعاني العامة، ومن ذلك "خَلْق الفرس" لقطرب (206هـ)، وكتاب خلْق الإنسان، وكتاب الأجناس، وكتاب الأنواء، وكتاب خَلْق الفرس، وكتاب الإبل، وكتاب الشاء، وكتاب النخل والكرم، وكتاب النبات والشجر، للأصمعي (213هـ)، وكتاب القوس والرمح، وكتاب المياه، وكتاب اللبأ واللبن، وكتاب المطر، لأبي زيد الأنصاري (215هـ) وكتاب الرحل والمنزل المنسوب إلى ابن قتيبة (276هـ)، والأرجح أنه لأبي عبيد القاسم بن سلام (224)(7) .
وهذه الكتب عبارة عن رسائل صغيرة حاولت أن تجمع الألفاظ التي تختص بمعنى من المعاني، كالألفاظ التي تتصل بالنبات، أو التي تتعلق بالإبل، أو التي تختص باللبن، وغير ذلك.
3-الأضداد: وهذا النمط من الرسائل بُني على جمع الألفاظ التي تُعبّر عن المعنى وضدّه، كالأضداد للأصمعي (213هـ)، والأضداد لابن السكيت (244هـ) والأضداد لأبي حاتم السجستاني (248هـ)، إذ تُذْكَر الكلمة بمعنى مع شاهد يؤيد ذلك، ثم بالمعنى الآخر مع شاهد يؤيده أيضاً، كقول الأصمعي في أضداده مثلاً: "عَرَّد النجمُ إذا ارتفع، وعَرّد إذا مال للغروب، قال الراعي بالمعنى الأول:
بأطْيَبَ من ثوبَيْنِ تأوي إليهما * * * * سعادُ إذا نجمُ السِّماكَيْنِ عَرّدا
وفي المعنى الثاني قال ذو الرمة:
وهَمّتِ الجَوْزاءُ بالتَّعْرِيدِ"(8)
وهذا النمط يأخذ بالرابطة المعنوية المتضادة بين الألفاظ، ولكنه يشعرنا بشيء من التنبه على لفظ الكلمة، وإن كان بسيطاً إلى حد ما، لأنه يراعي اللفظ الواحد للكلمة مع وجود معنيين لها ضدين.
4-مثلث الكلام: ويراد بالمثلث الألفاظُ التي وردت على ثلاث حركات بمعان مختلفة، ومن أمثلة ذلك: السِّهام بالكسر: النبال جمع السّهم، والسُّهام بالضم: الضّمُور، أو داءٌ يأخذ الإبل، والسّهام بالفتح: وهَجُ الصيف. والصِّرة بالكسر: شدة البرد، والصُّرة بالضم: كل ما يُعْقَد حفظاً للأشياء أو النقود، والصَّرة بالفتح: الصياح الشديد.
ولعل أول من ألف في مثلث الكلام قطرب (206هـ) في كتابه المعروف بـ "مثلثات قطرب". ونلاحظ في هذا النمط أن الرابطة المعنوية ما تزال قائمة، ولكنها ترافق رابطة لفظية تبرز في صيغة الكلمة وما يطرأ عليها من تبدل في الحركات.
5-الأفعال ذات الاشتقاق الواحد: وسبق إلى جمع اللغة على هذا النمط قطرب (206هـ) في كتابه "فَعَل وأَفْعَل"، ثم ألف الزجّاج (310هـ) فيما بعد كتابه "فَعَلْتُ وأَفْعَلْت" فكان لكتابه شهرة واسعة للتأليف على هذا النمط، وهنا أصبحت صيغة الألفاظ هي الرابط الوحيد في تصنيفها. والتنبه على صيغة الكلمة ثم جَعْلها رابطاً لجمع الألفاظ وتصنيفها يُعَدّ من الأنماط الهامة التي بدأت تمهد لقيام مرحلة أوسع في جمع اللغة.
6-الحروف: وآخر ما نجده من أنماط هذه المرحلة، هو تأليف بعض الرسائل التي جمعت الألفاظ ورتبتها بحسب الحروف، ويمثل ذلك كتاب الهمز لأبي زيد الأنصاري (215هـ) والكتاب مقسم إلى أبواب لا تسمية لها، وكل باب يورد الألفاظ التي تنتهي بالهمز، ولكن الأبواب لم ترتب على حروف المعجم، وإنما وردت على هذا النحو: "الألفاظ التي تبدأ بالنون وتنتهي بالهمز"، ثم (الألفاظ التي تبدأ بالباء وتنتهي بالهمز)، ثم (الألفاظ التي تبدأ بالراء)، ثم (التي تبدأ بالزاي)، (ثم التي تبدأ بالذال) فالدال فالسين فالشين فالكاف.. الخ.
ولكن الباب قد لا يستقر على ألفاظ تبدأ بحرف واحد، وإنما يستطرد من حرف إلى حرف، حتى يتحول الباب إلى ألفاظ لا جامع بينها غير الانتهاء بالهمز، وأما الأبواب التي تبدأ بحرف وتنتهي بالهمز،، فالألفاظ فيها لا تُرَتّب على حروف المعجم وإنما تُصنَّف دون أيّ تنسيق.
ومهما يكن من أمر هذا الكتاب فهو أقرب أنماط هذه المرحلة إلى المنهج العام للمرحلة التالية، لأنه لا يقيم الترابط بين الألفاظ على أساس المعنى أو الندرة أو الغرابة، وإنما يوجه الانتباه إلى بنية الكلمة وما تضمه من حروف.
المرحلة الثانية:
في المرحلة الأولى رأينا أنماطاً مختلفة من الرسائل الصغيرة، تحاول كلٌّ منها أن تجمع بعض ألفاظ اللغة في زمرة يربط بينها رابط يتفاوت في إحكامه ودقته من واحدة إلى أخرى، أما المرحلة الثانية فتمتاز بالتوجه إلى جمع اللغة كلها في كتاب واحد، وهذا ما كان يحتاج إلى منهج لهذا الكتاب يعنى عناية دقيقة بالتنسيق والتبويب، ليصبح من اليسير أن يستفاد منه، ولم يصل الفكر العربي إلى منهج مُيَسَّر إلاّ بعد أن سار في طرق شتّى، وسلك في تصنيف اللغة مسالك متعددة، ولذلك نجد في هذه المرحلة أنماطاً متعددة المناهج، يمكن أن نصنفها في ثلاثة، ونرتبها زمنياً حسب أوّل من ابتدع كلاًّ منها، وبذلك نجد الأمر قد بدأ بمنهج صَنّف أصول الألفاظ حسب مخارج الحروف، وكان غاية في التعقيد، هو ما جاء به الخليل بن أحمد الفراهيدي (170هـ) في كتاب العين، ثم تطوّر الأمر إلى منهج آخر رتب الألفاظ على حروف المعجم، وراعى أوائل الأصول، وهو ما جاء به ابن دريد (332هـ) في كتاب الجمهرة، ثم كان من بَعْدُ نهج ثالث رتب أصول الألفاظ على حروف المعجم، وراعى أواخر الأصول، وهو ما ظهر على يد الجوهري (393هـ) في الصحاح.
ودراسة هذه الأنماط من المعجمات توضح مناهج كل منها، وتكشف عن التطور الذي رافق البحث عن المنهج المُيّسر، وتُبيّن ما حقّقه كلٌّ منها للغة العربية وأصحابها من فائدة ما زالت تُقطَف ثمارها حتى اليوم.
آ-المعجمات التي رَتَّبت أصول الألفاظ بحسب مخارج الحروف:
يعود الفضل في هذا النمط من المعجمات إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي (170هـ)، لأن من المحقق أنه كان أسبق علماء العربية إلى وضع منهج لاستيعاب اللغة كلها في كتاب واحد، والمعجم المنسوب إلى الخليل هو كتاب "العَيْن"(9).
وأوّل ما تنبّه عليه الخليل أن ضابط الألفاظ هو الحروف التي تتألف منها، ولذلك بَنَى كتابه على الحروف التي تتألف منها الألفاظ، وهذه البادرة هي التي أفادت منها المعجمات العربية كلها فيما بعد.
ولم يأخذ الخليل بترتيب الأصول حسب الترتيب الهجائي (أ، ب، ت، ث..) لأنه أدرك أن الألف حرف علة لا يبقى في الكلمة على حال واحدة، وإنما يكثر تغيُّره، وهو يريد أن يبتدئ بحرف لا يعتريه التغيّر في بنية الكلمة، "فلمّا فاته أول الحروف، كره أن يجعل الثاني أوّلاً وهو الباء إلا بحجة"(10)، وحين تخلّى عن الترتيب الهجائي، تدّبر ترتيباً آخر، واهتدى بعقليته الرياضية واللغوية إلى مخارج الحروف، فرتب الحروف بحسب مخارجها مبتدئاً بأقصاها في الحلق، ثم تدرج بعد ذلك إلى الأقرب فالأقل قرباً من مخرج الحرف من الحلق، فرأى أن العَيْن أقصاها وأدخلها في الحلق، فبدأ كتابه بها وسماه باسمها. وإذا كانت الهاء أعمق مخرجاً في الحلق من العين، فقد اعتذر الخليل لذلك بأن الهاء مهموسة خفيفة لا صوت لها، ثم ختم الكتاب بحروف العلة لأنها لا تستقر على حال، وإنما يعتريها تبدل كثير.
ثم قسم اللغة إلى ثنائي(11) وثلاثي ورباعي وخماسي وصنف أبواب الكتاب على ذلك، ثم اعتمد على ما يسميه علماء اللغة بـ "الاشتقاق الكبير"(12)، فراح بقلب الثنائي والثلاثي والرباعي على أوجه حروفها المختلفة، وربما كانت غايته من ذلك حصر أبنية العربية وتمييز المستعمل من المهمل مما يتركّب من تقليب الأصل الواحد على حروفه المختلفة. ومثال ذلك أنه إذا ذكر "عَقَّ" أورد بعدها "قعّ" على تقليب الثنائي، وإذا ذكر "ضرب" أورد بعدها: ضبر، ربض، رضب، برض، بضر، على تقليب الثلاثي، وإذا ذكر "عبقر" ضرب العين بالأوجه الستة التي تتكون من (ب ق ر) وهي: عبقر، عبرق، عقرب، عقبر، عربق، عرقب، ثم ضرب الباء بالأوجه الستة التي تتكون من (ع ر ق) وهي: بعقر، بعقر، بقرع، بقعر، برعق، برقع. ومثل ذلك ما يفعله مع القاف والراء بحيث يكون مجموع ما ينتج عن هذه التقاليب أربعة وعشرين وجهاً أكثرها مهمل. وإذا ذكر كلمة خماسية ضرب كل حرف منها بتقاليب الحروف الأربعة الأخرى، ليكون مجموع هذه التقاليب مائة وعشرين وجهاً أكثرها مهمل أيضاً. والخليل لا ينص إلاّ على المستعمل في اللغة فحسب.
وعمد الخليل إلى تصنيف أصول الألفاظ في كل باب من أبواب الكتاب آخذاً بأواخر الأصول تبعاً لترتيب مخارجها، وأما ترتيبها داخل الباب الواحد فكان يلاحظ فيه أوائل الأصول تبعاً لترتيب مخارجها أيضاً، فيقدم الأقرب من الحلق ويؤخر الأبعد فالأبعد، فمثلاً ترد كلمة (قرم) قبل (ضرم) وهذه قبل (رزم) وهذه قبل (برم)..، لأن ترتيب مخارج الأوائل هو (ق، ض، ر، ب...) وفي تصنيف الأصول لا يذكر بعد الحرف إلاّ الحرف الذي يليه، فإذا انتهى إلى آخر الحروف عاد فذكر ما تركه في البداية من ألفاظ بحسب ترتيب المخارج دائماً.
وبذلك كله أصبح طلب كلمة في كتاب العين يحتاج إلى صبر وأناة وتمرس بمنهج الكتاب، ومع ذلك أَثّر هذا المنهج في بعض أهل اللغة، فكان أساساً لما وضعوه من معجمات هامة، وإن كان ثمة بعض الاختلاف اليسير أحياناً، كالذي نجده في معجم تهذيب اللغة لأبي منصور محمد بن احمد الأزهري (370هـ)، والمحكم لابن سيده علي بن اسماعيل الاندلسي (458هـ)، وهكذا كانت هذه المعجمات تمثل الطور الأول على ما فيه من تعقيد.
ب-المعجمات التي رتبت أصول الألفاظ بحسب الترتيب الهجائي
وراعت أوائل الأصول:
إن تعقيد منهج الخليل ومن تبعه في الطور الأول، جعل الفكر العربي يبحث عن مناهج أخرى لترتيب ألفاظ اللغة كلها في كتاب أسهل مُتناولاً مما ورد عند الخليل، ولا سيما أن القدماء أدركوا ما في منهجه من تعقيد، ولهذا اتجه علماء اللغة إلى منهج آخر لتصنيف المعجمات، يُعنَى بترتيب أصول الألفاظ بحسب النظام الهجائي مع مراعاة أوائل الأصول، ولكن هذا المنهج الجديد لم يخرج من التعقيد إلى التبسيط إلاّ بشيء من التدرج أو التطور ضمن أدوار ثلاثة: الأول كان ما يزال معقداً يشبه منهج كتاب العين مع شيء يسير من التبسيط وهو ما ظهر في كتاب الجمهرة لابن دريد (321هـ) والثاني قطع مرحلة واسعة نحو التبسيط، ولكنه احتفظ بشيء من رواسب منهج الجمهرة، وهو ما ظهر في كتابي مجمل اللغة ومقاييس اللغة لابن فارس (395هـ)، والثالث بلغ غاية التبسيط تبويباً وتصنيفاً، وهو ما ظهر في كتاب أساس البلاغة للزمخشري (538هـ). ونظرة إلى مناهج هذه الكتب تجعلنا نقف على التطور الذي حدث في الطور الثاني من تأليف المعجمات العربية.
1-جمهرة اللغة لابن دريد (321هـ):
فابن دريد في الجمهرة سار بمنهج الخليل نحو التبسيط، إلاّ أنه لم يقطع شوطاً بعيداً في ذلك، ففي مقدمته أشار إلى من تقدّمه، ثم ذكر الخليل مُتلطّفاً، فقال: "وقد ألّف أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفرهودي رضوان الله عليه كتاب العين، فأتعب من تصدى لغايته، وعَنّى من سما إلى نهايته، فالمنصف له بالغلب معترف، والمعاند متكلف، وكلُّ ما بعده له تَبَعٌ، أقرّ بذلك أم جحدَ. ولكنه رحمه الله ألف كتابه مُشكِلاً لثقوب فهمه وذكاء فطنته، وحدّة أذهان أهل عصره"(13).
فهو يعترف بالفضل والسّبْق للخليل بن أحمد، ويشير إلى احتذاء منهجه، ولكنه يتلطف في ذكر ما في الكتاب من إشكال، يسنده إلى ذكاء الخليل وحدة أذهان تلامذته، وكأنه يشير بذلك الإشكال إلى تصنيف "العين" بحسب مخارج الحروف، ولهذا يقول في مقدمة الجمهرة أيضاً: "وأملينا هذا الكتاب.. فسهّلْنا وعره.. وأجريناه على تأليف الحروف المعجمة، إذ كانت بالقلوب أعْبَق(14)، وفي الأسماع أنفذ، وكان علم العامة بها كعلم الخاصة، وطالبها من هذه الجهة بعيداً من الحيرة، مُشْفياً(15) على المراد.."(16).
فابن دريد تخلى عن التصنيف بحسب مخارج الحروف، واتخذ منهجاً أسهل في رأيه، وهو التصنيف بحسب الترتيب الهجائي، ولا شك أن هذا يمثل خطوة هامة من التطور نحو التبسيط في تأليف المعجمات، ولا سيما أنه زاد من ذلك في مراعاته مبدئياً أوائل الأصول لا أواخرها، ولكن ابن دريد أبقى على مظاهر التعقيد الأخرى التي كانت في منهج الخليل إذ احتفظ بما كان عند الخليل من تقسيم ألفاظ اللغة إلى أبواب الثنائي والثلاثي والرباعي.. الخ، واحتفظ أيضاً بتقليب الأصل الواحد على وجوهه المختلفة حسب الاشتقاق الكبير، واتفق مع الخليل أيضاً بأنه لا يذكر بعد الحرف إلاّ الحرف الذي يليه حتى لا يقع تكرار في تصنيف الألفاظ.
وبذلك أبقى ابن دريد على أمور جوهرية هامة في منهج الخليل، ولا سيما أنه لم يقف في تقسيم الكتاب على الثنائي والثلاثي والرباعي وما فوق الرباعي فقط، وإنما جعل يقسم كلاّ منها إلى أبواب متشعبة أو متداخلة أو مضطربة أحياناً(17)، مما يشكل على غير المتمرس الاهتداء إلى موضع ضالته من كلمة يبحث عن معناها أو مبناها، وهذا يعني أن كتاب الجمهرة سار شوطاً نحو التبسيط في منهج التأليف، ولكن الأمر ما يزال بحاجة إلى جهود أخرى من علماء اللغة بحثاً عن طور آخر يزيل شيئاً من معالم التعقيد في المناهج السابقة.
2-مجمل اللغة، ومقاييس اللغة، لابن فارس (395هـ):
وكان لابن فارس أن يضيف تطويراً آخر يجعل منهج التصنيف أكثر سهولة ويسراً في معجميه المجمل والمقاييس، والمجمل كتاب مختصر، أما المقاييس فأكثر اتساعاً، وابن فارس صنف الكتابين على أسس واحدة(18)، وكانت غايته منهما هي تبسيط المنهج الذي سار عليه من تقدمه في هذا المضمار، ولهذا نراه يخاطب قارئه في مقدمة المجمل فيقول: "فإنك لما أعلمتني رغبتك في الأدب، ومحبتك لعرفان كلام العرب، وأنك شامَمْتَ الأصول الكبار، فراعك ما أبصْرتَهَ من بُعْد تناولها، وكثرة أبوابها وتشعب سبلها، وخشيتَ أن يلْفِتَكَ ذلك عن مرادك، وسألتني جَمْعَ كتاب يُذلِّل لك صعبه، ويسهل عليك وعره، أنشأتُ كتابي هذا.."(19).
وواضح أن ابن فارس يأخذ على من تقدّمه صعوبة طرائقهم وكثرة الأبواب وتشعبها، ولهذا أراد في كتابيه أن يتجه إلى منهج يمتاز بضم ما كان يتفرق في أبواب كثيرة متشعبة، وتصنيف أصول الألفاظ على نحو أيسر ترتيباً، وأسهل متناولاً.
ولهذا تخلى عن تقليب الكلمة بحسب الاشتقاق الكبير، فأزال التعقيد الذي كنا نراه في كتاب العين أو في كتاب الجمهرة، واقتصر على ترتيب الألفاظ بحسب أوائل أصولها، وبذلك أصبحنا نجد (ضرب) في باب الضاد، و(رمز) في باب الراء، في حين كنا في كتاب الجمهرة نبحث عن الأولى في (برض)، وعن الثانية في (رزم).
ولم يصنف اللغة على أبواب الثنائي والثلاثي والرباعي، كما فعل الخليل وسايره على ذلك ابن دريد، لأنه لاحظ أن هذه الطريقة تؤدي إلى التعقيد وتشتيت الأصول المتقاربة، إذ تصبح أمثال (أ بَّ، أتَّ..) في باب، و(أسَن، أسف..) في باب آخر، ولهذا قسم ابن فارس أصول اللغة على عدد حروف المعجم، وأفرد لكل حرف باباً(20) خاصاً، فالكلمات التي تبدأ أصولها بالهمزة يصنفها في باب الهمزة، والتي تبدأ أصولها بالباء يذكرها في باب الباء، وهكذا..
وكل باب يجعله في ثلاثة أقسام متتالية، فيذكر أوّلاً المضعّف مثل (أبّ، أتَّ)، ثم ينتقل إلى الثلاثي فيقول مثلاً: "الهمزة والباء وما يثلثهما" و"الألف والتاء وما يثلثهما" و"الألف والثاء وما يثلثهما"(21).. الخ، ثم يورد بعد الثلاثي ما جاء من كلام العرب على أكثر من ثلاثة أحرف. وبذلك نجد في الباب الواحد كلّ الألفاظ التي تبدأ بحرف واحد، إذ نجد في باب الباء من المجمل مثلاً "بَتَّ، بَثَّ.. بَتَر، بَتَع.. بلعوم، برشاع.."، وكنا في الجمهرة نجد هذه الألفاظ موزعة على أبواب متفرقة متباعدة.
على أن هذا المنهج الذي أراد التسهيل وحقق ما أراد، لم ينج من بعض رواسب المناهج السابقة، إذ بقي ابن فارس لا يذكر بعد الحرف إلاّ الحرف الذي يليه في الترتيب الهجائي، فإذا انتهى إلى آخر الحروف عاد إلى ما أسقطه من الأصول، ومثال ذلك ما أورده في باب "الباء والقاف وما يثلثهما" في المجمل، فهو يبدأ بـ "بقل، بقم، بقي"، وذلك لأن اللام تأتي مباشرة بعد القاف، وبعد أن انتهى إلى "بقي" عاد فذكر الأصول التي تقع حروفها قبل اللام فذكر "بقر، بقع"(22) لأن الراء والعين قبل اللام في الترتيب الهجائي.
ووقع منهج ابن فارس في خلل آخر، إذ كان يُنْهي كلَّ باب بالألفاظ التي تقع في كلام العرب على أكثر من ثلاثة أحرف، ولم يرتب هذه الألفاظ على نسق معين، وإنما كانت تُرْصَف دون أي ترتيب، وربما كانت قلتها هي التي صرفت ابن فارس عن مراعاة ترتيبها على نسق ما تقدمها في المضعف والثلاثي، ومع ذلك فهي سمة تعوق التيسير الذي أراده ولو كانت إعاقة يسيرة.
وبذلك ندرك أن ابن فارس قد سار فعلاً بتطوير منهج المعجمات إلى طور هام من التبسيط، ولكنه مع ذلك بقيت لديه رواسب طفيفة كانت تحتاج إلى من يحاول التخلص منها في معجمات أخرى، ليكون المنهج خِلْواً من كل تعقيد.
3-أساس البلاغة للزمخشري(538هـ):
وكان ذلك على يد الزمخشري في كتابه أساس البلاغة، إذ أشار في مقدمته إلى ما قصده من تبسيط، فقال: "وقد رُتِّب الكتاب على أشهر ترتيب مُتداوَلاً، وأسهله مُتناوَلاً، يهجم فيه الطالب على طلبته موضوعة على طرف الثُّمام وحبل الذراع(23)، من غير أن يحتاج في التنقير عنها إلى الإيجاف والإيضاع،(24) وإلى النظر فيما لا يوصل إليه إلاّ بإعمال الفكر إليه، وفيما دَقَّق النظر فيه الخليل وسيبويه"(25).
فالزمخشري ينتقد مناهج بعض الكتب التي تقدمته، لأنها تُحوِج إلى إعمال الفكر للتنقير عن كلمة تُطْلَب في هذا الكتاب أو ذاك، ولهذا يأخذ بالترتيب الأشهر متداولاً، والأسهل متناولاً، وهو ترتيب ابن فارس في كتابيه السابقين، وهو يقوم على ترتيب الأصول بحسب أوائلها مع مراعاة الترتيب الهجائي في تصنيف أبواب الكتاب.
إلاّ أن الزمخشري تخلّى عن أمرين من منهج ابن فارس، إذ لم يقسم الفصل الواحد إلى ثنائي وثلاثي وما فوق الثلاثي، وإنما ذكر الألفاظ بترتيب أوائل الأصول مع مراعاة الترتيب نفسه في بقية حروف كل أصل، دون النظر إلى أنها ثنائية أو ثلاثية أو غير ذلك. ولم يلتزم بذكر الحرف ثم الحرف الذي يليه كما فعل ابن فارس، وإنما صنف الأبواب حسب الترتيب الهجائي بادئاً بأول الحروف في كل باب ومنتهياً بآخرها.
وبذلك تحرَّر نهائياً من رواسب الجمهرة التي بقيت عند ابن فارس في كتابيه المجمل والمقاييس، وأصبحت طريقة الزمخشري في الأساس أسهل طريقة وأبسطها في تصنيف المعجمات، بل إن طريقته هي الطريقة المتبعة اليوم في تصنيف المعجمات العربية الحديثة.
ولكن أساس البلاغة له خصائص يتفرد بها، لأن صاحبه قد أشار في مقدمته إلى أنه قد بناه على أسس بلاغية حتى يتعرف الناظر فيه المُتداوَلَ من ألفاظ العرب، والمستجادَ عندهم، مما يعينه على إدراك ما هو أَوْقَفُ على وجوه الإعجاز، وأعرَفُ بأسراره ولطائفه، ولهذا تفرد الأساس بخصائص هامة، أبرزها أنه لا يشرح الكلمة إلاّ نادراً، وبدلاً من ذلك يدخلها في جملة أو عبارة، أو مَثَل أو شعر يُفْهَم معناها من سياق استعمالها، وهي طريقة فيها إبداع، لأنها لا تشرح الكلمة مُجرّدةً عن الاستعمال، وإنما تشرحها ضمن استعمالها في كلام العرب، ولهذا استكثر الزمخشري في كتابه من العبارات البليغة، والأقوال الفصيحة، التي "تَمْلُح وتَحْسُن ولا تنقبض عنها الألسن" كما قال في المقدمة، وتخير من جيد الشعر ما يُعين على بيان دلالة الألفاظ واستعمالها.
وإضافة إلى هذا جعل يميز الحقيقة من المجاز، إذ يذكر المعاني الحقيقية التي وُضِعَتْ لها الألفاظ، ثم يذكر المعاني المجازية لها، إن وَجَد للكلمة استعمالاً مجازياً، ولا شك أن هذه مزية هامة في دراسة تطور الدلالة لألفاظ اللغة.
ولكن اهتمام الزمخشري بالجوانب البلاغية، جعله يتخلّى عن ألفاظ كثيرة، لأنها لا تحقق الغرض الذي أراده لكتابه. ومع هذه الخصائص التي تفرد بها "الأساس"، فقد أعطى الزمخشري المنهج الأسهل والأبسط، وهذا ما جعله يؤثر فيمن جاء بعده، إذ أغفلوا تلك الخصائص البلاغية وأخذوا بمنهجه في تصنيف اللغة، ومن أبرزهم الفيومي (770هـ) في كتابه "المصباح المنير".
ج- المعجمات التي صنفت أصول الألفاظ بحسب الترتيب الهجائي
وراعت أواخر الأصول:
ومهما رأينا من تطوير لدى الزمخشري (538هـ) في الأساس، فثمة من سبقه إلى ما رأيناه لديه من تيسير في التصنيف، وإبعاد له تماماً عن مناهج الخليل وابن دريد، إلاّ أنه صَنَّف أصول اللغة بحسب أواخرها، وهذا ما فعله الجوهري (393هـ) في "الصحاح"، وربما كان الزمخشري قد تأثر به حين تخلى عن بعض الرواسب التي وجدناها في منهج ابن فارس. وبذلك يكون الجوهري إماماً لمرحلة ثالثة تخلّت عن منهج الخليل وابن دريد وما فيه من تعقيد، وسهّلت منهج التصنيف ولكنها أخذت بأواخر الأصول، وهو أمر لا يختلف كثيراً عن الأخذ بأوائلها.
والمعجمات التي صُنّفت في هذه المرحلة، ونَحَت في تصنيفها هذا النحو، قد اتبعت كلها منهج الجوهري في الصحاح، وإذا كان من اختلاف بينها فذاك في مدى الشمول والاتساع، أو الإيجاز والاختصار، لا في المنهج والطريقة، وإذا وقفنا على منهج الجوهري وتعرفناه، فذلك يعني أننا وقفنا على المنهج الأساسي لها جميعاً.
وإذا سألنا الجوهري عن منهجه في كتابه، رأيناه يوجز ذلك في مقدمته، فيقول: "أما بَعْدُ فإني أودعت هذا الكتاب ما صَحّ عندي من هذه اللغة، التي شَرّف الله منزلتها، وجعل علم الدين والدنيا منوطاً بمعرفتها، على ترتيب لم أُسْبق إليه، وتهذيب لم أُغْلَب عليه، في ثمانية وعشرين باباً، وكل باب منها ثمانية وعشرون فصلاً، على عدد حروف المعجم وترتيبها.."(26).
ومن الواضح أن الجواهري يرى في منهجه منهجاً جديداً لم يُسْبَق إليه، وهذا صحيح لأنه تخلى عن طرائق من تقدمه أو عاصره من أصحاب المعجمات، إذ رَتَّب أصول اللغة بحسب أواخرها على ثمانية وعشرين باباً بعدد حروف المعجم وترتيبها، أوّلها باب الهمزة، وآخرُها باب الواو والياء. ورّتب أصول الألفاظ داخل كل باب بمراعاة أوائلها، فقسم كلّ باب إلى ثمانية وعشرين فصلاً بعدد حروف المعجم وترتيبها(27)، فالألفاظ التي تنتهي بالميم مثلاً وتبدأ بالهمزة ترد في "باب الميم فصل الهمزة"، والتي تنتهي بالميم وتبدأ بالباء ترد في "باب الميم فصل الباء"، وهكذا حتى ينتهي باب الميم بـ "باب الميم فصل الواو والياء".
وداخل الفصل الواحد يرتب أصول الألفاظ بمراعاة الحرف الثاني منها، فإن كانت رباعية الأصل، نظر إلى الحرف الأوّل والثاني لتعيين الأصل الثلاثي الذي سترد بعده، ثم راعى الحرف الثالث لترتيبها إن كانت هنالك عدة أصول رباعية في هذا الموضع. ومثال ذلك (دِلْقِم) وهي العجوز أو الناقة المسنة، فهي ترد في (باب الميم فصل الدال) وترد مباشرة بعد (دلم)، وكذلك (عِظْلِم)، وهو صبغ أحمر، فهي في (باب الميم فصل العين) وترد بعد (عظم).
وطريقة الجوهري ليست من الصعوبة في شيء كما قد يتبادر إلى الذهن، وإنما هي سهلة ولا سيما بعد الاطلاع على منهج الكتاب، وإذا وقفنا على نصوص منه، لاحظنا أنه يجمع بين شرح معاني الألفاظ والاستشهاد عليها بكلام العرب شعره ونثره، ولكن حديثه يبقى موجزاً لا نجد فيه تطويلاً واستطراداً واسعاً كالذي نجده في اللسان أو التاج.
ولكن الجوهري عمل على إثبات ما صَحّ لديه عن العرب، ورأيناه يشير إلى ذلك في مقدمته حين قال: "إني أودعت هذا الكتاب ما صَحَّ عندي من هذه اللغة"، وهذا ما جعله يتخلى عن كثير من ألفاظ اللغة، لأنه اشترط أن يُثْبِت الصحاحَ فحسب، وبها سمّى كتابه "تاج اللغة وصحاح العربية"، وبذلك فالأمر ليس كما صَوّر صاحب القاموس فيما بعد، حين زعم أن الجوهري قد فاته نصف اللغة "بإهمال المادة أو ترك المعاني الغريبة النادّة"(28)، فلكل منهجه وطريقته، ولو نظرنا في مادة "القاموس" لوجدنا صاحبه يتكثّر بذكر اللغات الرديئة إلى جوار اللغات الجيدة دون تمييز غالباً بين هذه وتلك.
فحسب الجوهري أنه رسم المنهج، ووضع كتاباً كان قُدْوَةً لكل من أسهم في صنع المعجمات التي أخذت بمنهجه، فكانت الأوسع شمولاً في جمع اللغة وما يتصل بها من روايات أو أخبار أو أيام أو تراجم أو نحو أو صرف أو ما أشبه ذلك.
وأبرز هذه المعجمات "لسان العرب" لابن منظور(711هـ)، و"القاموس المحيط" لمجد الدين الفيروز أبادي (817هـ)، و"تاج العروس من جواهر القاموس" للمرتضى الزبيدي (1170هـ). فهذه المعجمات أخذت بمنهج "الصحاح" ثم امتازت بالشمول ضمن خصائص يتفرد بها كلّ منها. ونظرة إلى اللسان مثلاً تجعلنا نجد أنفسنا أمام صحاح الجوهري منهجاً وترتيباً، ثم نجد في مضمونه غزارة تجعل منه "موسوعة" شاملة، إذ يورد الأصول اللغوية، وكل ما لها من فروع، فيعرض اللهجات المختلفة، ويستشهد بالشعر وكلام العرب، وقد يروي نظائر بعض الشواهد، وقد يستطرد إلى الحديث عن أصحاب الشواهد أو مناسبة بعضها، وإذا به يذكر شيئاً عن أيام العرب أو عاداتهم أو أخبارهم أو الحوادث التي ارتبطت بهذا أو ذاك، وربما وقف على أوجه الخلاف حول صيغ بعض الألفاظ ولا سيما في بعض الشواهد، أو إعراب ما أشكل فيها، وبذلك يتحول اللسان إلى مصدر هام للدراسات في اللغة والأدب والأيام والأخبار والأنساب والأعلام وما إلى ذلك، وبالإضافة إلى هذا كله فهو يوثّق مادته، ويحدد مصادر روايته، ويميز كلامه من كلام مَنْ ينقل عنه.
وبهذا يكون الجوهري في الصحاح "قد أعطى منهجاً دقيقاً لتصنيف المعجمات التي أخذت بأواخر الأصول، كما قَدّم الزمخشري في "الأساس" المنهج الدقيق أيضاً للمعجمات التي أخذت بأوائل الأصول، وكلا المنهجين يلتقي الآخر في تسهيل المنهج، وقرب المتناول، ولم يصل علماؤنا إلى هذا المنهج المُيَسَّر إلاّ بعد مراحل طويلة من التطور والارتقاء بمناهج التصنيف.
وهذا يعني أن العرب لم يتأثروا في وضع معجماتهم بمؤثرات أجنبية، سواء على يد الخليل، أو على يد من جاء بعده(29)، ذلك لأن الإغريق قد تقدّموا على العرب في وضع المعجمات، وألف علماؤهم عدداً منها قبل أن يطل الإسلام على آفاق الجزيرة، وكانت هذه المعجمات سهلة الترتيب، تأخذ بتصنيف الألفاظ على حروف المعجم، ونذكر منها معجم بامفيليوس pamphilius ومعجم هيلاديوس Helladius ومعجم هيزيشيوس Hesychius وكلهم من علماء الاسكندرية.
ووجود هذه المعجمات عند الإغريق، قد يثير الشك بتأثر العرب بها، ولكن ثمة أدلة تنفي ذلك عند التحقيق، فالخليل لا يستطيع الاطلاع على معجمات الإغريق، لأنه يجهل اليونانية، وحركة الترجمة لم تنشط إلاّ في عصر الرشيد، والرشيد بويع له بالخلافة سنة (170هـ)، وهي السنة التي يُرَجَّح أن يكون الخليل قد توفي فيها، ولو أن الخليل اطلع على منهج هذه المعجمات وما فيه من سهولة ويسر، لما رسم منهج كتاب العين على ما رأيناه فيه من تعقيد.
ثم إن الترجمة حين نَشطت أيام الرشيد وبعده لم تكن تُعْنَى بترجمة كتب الإغريق في الأدب واللغة، لأنهم لم يتذوقوا أدب الإغريق ليترجموه(30) وإنما اجتذبهم فكر الإغريق، فشُغِلوا بترجمة ما لديهم من طب وفلسفة، وهذا يعني أن علماء العربية ما كان لهم أن يطلعوا على معجمات الإغريق بعد الخليل، ولو أن أحدهم اطلع عليها لما ادعى أن الخليل في صنع كتابه "العين" كان له السّبْق منذ خلَق الله الدنيا، إذ نجد حمزة بن الحسن الأصفهاني (360هـ) يقول: "صنع صاحب كتاب العين ما لم يصنعه أحد منذ خلق الله الدنيا.. من تأسيسه بناء كتاب العين الذي يحصر لغة أمة من الأمم قاطبة"(31).
ومما يؤيد ذلك أن المعجمات العربية لم تبلغ حَدّ الكمال تصنيفاً وترتيباً إلاّ بعد مراحل طويلة من التدرج والانتقال من طور إلى طور، ولو أنهم اطلعوا على معجمات الإغريق، لاستطاعوا أن يبدأوا بالطريقة السهلة الواضحة، التي تقرب من فهم الخاص والعام، ولم يمرّوا بتلك المراحل المتعددة قبل أن يصلوا إليها، ولم يتجشموا عناء البحث عن طريقة أفضل كلما ظهرت طريقة جديدة بين أيديهم. وبذلك تكون المعجمات العربية على اختلاف أنماطها من إبداع الفكر العربي، ونتيجة لجهود علمائنا منذ القرن الثاني الهجري.
ثبت المصادر والمراجع
-أخبار النحويين البصريين: للسيرافي أبي سعيد الحسن بن عبد الله (368هـ): بيروت 1936.
-أساس البلاغة: للزمخشري محمود بن عمر (538هـ): دار الكتب المصرية 1341هـ /1923م.
-الأضداد: للأصمعي عبد الملك بن قريب (216هـ) طبعها هفنر في كتاب واحد: بيروت 1912.
-الأضداد: لابن السكيت يعقوب بن اسحق (244هـ) طبعها هفز في كتاب واحد: بيروت 1912.
-الأضداد: لأبي حاتم السجستاني سهل بن محمد (248هـ) طبعها هفز في كتاب واحد: بيروت 1912.
-بغية الوعاة: للسيوطي عبد الرحمن بن أبي بكر (911هـ): مصر 1326هـ
-البلغة في شذور اللغة: الأب لويس شيخو وأغست هفنر: بيروت 1908
-تاج العروس من جواهر القاموس للمرتضى الزبيدي محمد بن محمد (1205هـ): مصر 1306هـ
-تاريخ آداب اللغة العربية: لجرجي زيدان (1914م): مصر 1911
-جمهرة اللغة: لابن دريد محمد بن الحسن (321هـ): حيدر آباد 1344هـ
-حركة التأليف عند العرب: للدكتور أمجد الطرابلسي: دمشق 1376هـ /1956م.
-الخصائص: لأبي الفتح عثمان بن جني (392هـ): دار الكتب 1371هـ /1952م.
-دراسات في فقه اللغة: للدكتور صبحي الصالح: دمشق 1379هـ /1960م.
-الصحاح: للجوهري اسماعيل بن حماد (393هـ): مصر 1376هـ /1956م.
-ضحى الإسلام: لأحمد أمين: القاهرة -الطبعة السادسة.
-فعلت وأفعلت: للزجاج أبي اسحق إبراهيم بن محمد (310هـ): القاهرة 1368هـ /1919م
-فقه اللغة: للدكتور علي عبد الواحد وافي / القاهرة 1375هـ/1956م.
-الفهرست: لابن النديم محمد بن اسحق (385هـ): المكتبة التجارية- دون تاريخ
-فوات الوفيات: للكتبي محمد بن شاكر (764هـ) بولاق 1283هـ
-في أصول النحو: للأستاذ سعيد الأفغاني: دمشق 1376هـ /1957م
-القاموس المحيط للفيروز أبادي محمد بن يعقوب (816هـ): المكتبة التجارية بمصر- الطبعة الخامسة
-كتاب العين: المنسوب للخليل بن أحمد الفراهيدي (170هـ): انتشارات أسوة- 1414هـ
-لسان العرب: لابن منظور محمد بن المكرم (711هـ) بيروت 1374هـ /1955م
-مثلثات قطرب أبي علي محمد بن المستنير (206هـ): ألمانيا 1857م
-مجلة مجمع اللغة العربية: دمشق -المجلد (16) -سنة 1941م
-مجمل اللغة لأحمد بن فارس (395هـ): مصر 1371هـ /1913م
-المخصص: لابن سيده علي بن الحسين (458هـ): بولاق 1316هـ
-مراتب النحويين: لعبد الواحد بن علي اللغوي (351هـ): مصر 1375هـ/ 1955م
-المزهر: للسيوطي جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (911هـ): دار إحياء الكتب العربية ط1 -دون تاريخ
-المصادر الأدبية واللغوية: للدكتور عبد الحفيظ السطلي: جامعة دمشق -(أملية) 1961
-مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية: للدكتور ناصر الدين الأسد: دار المعارف بمصر 1956م.
-المطر: لأبي زيد الأنصاري سعيد بن أوس (215هـ): بيروت 1905م
-معجم الأدباء (إرشاد الأريب): لأبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي (626هـ): مصر بعناية مرغليوث- دون تاريخ
-مقاييس اللغة: لأبي الحسين أحمد بن فارس (395هـ) مصر 1366هـ
-المقصور والممدود / لأبي العباس أحمد بن محمد بن ولاّد (332هـ): مصر 1321هـ /1908م
-النبات والشجر: للأصمعي أبي سعيد عبد الملك بن قريب (216هـ): بيروت 1908م
-النخل والكرم: للأصمعي أبي سعيد عبد الملك بن قريب (216هـ): بيروت 1908م
-نزهة الألبا في طبقات الأدبا: للأنباري عبد الرحمن بن محمد (577هـ): مصر 1294هـ
-النقد الأدبي: لأحمد أمين: القاهرة 1376هـ /1957م
-النوادر في اللغة: لأبي زيد الأنصاري سعيد بن أوس (215هـ): بيروت 1894هـ
-الهمز: لأبي زيد الأنصاري سعيد بن أوس (215هـ): بيروت 1905م
-وفيات الأعيان: لابن خلكان أحمد بن محمد (681هـ): دار المأمون 1355هـ/ 1937م.
(1) أوجزت القول في هذا الحديث، وثمة تفصيل له في كتابي "المصادر الأدبية واللغوية" الذي طُبِع أمليةً لطلاب السنة الأولى من قسم اللغة العربية في جامعة دمشق سنة 1961، وفي هذا الكتاب أوردت تفصيلاً من القول حول المجتمعات وأصحابها وخصائصها، وأوردت نصوصاً كثيرة منها للموازنة بينها، أو لإيضاح مناهجها وأطوار التأليف فيها.
(2) ارجع لتفصيل ذلك إلى كتاب: في أصول النحو للأستاذ سعيد الأفغاني 152-163 وانظر فيه بحث الاحتجاج 6-66
(3) ثمة أسباب أخرى لجمع الشعر الجاهلي، انظر مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية 107-183، ولا سيما ص150 وما بعدها
(4) انظر مثلاً مراتب النحويين 74، وأخبار النحويين البصريين، 66-67، والفهرست 47
(5) قَلّ الاستشهاد بالحديث عند النحاة الأوائل، ولكنهم لم يمتنعوا عن ذلك امتناعاً كما حاول أن يصور ذلك بعض النحاة المتأخرين. أما أهل اللغة فكان الحديث من مصادرهم الهامة.
(6) ومن العلماء من عمل على التأليف في غريب الحديث، ومنهم قطرب (206هـ)، وأبو عبيد القاسم بن سلام (224هـ)، ولكل منهما كتاب في "غريب الحديث".
(7) لأن أحداً ممن أورد مصنفات ابن قتيبة من القدماء لم يذكر فيها هذا الكتاب، في حين نجد معظم ما في الكتاب قد نقله اللسان والمخصص، وهما ينسبان ذلك إلى أبي عبيد القاسم بن سلام، والله أعلم.
(8) كتاب الأضداد 61 (مجموعة هفنر).
(9) ثمة خلاف بين القدماء، حول نسبة كتاب العين إلى الخليل، فمنهم من أنكر أن يكون الكتاب من عمل الخليل أو مروياً عنه، ومنهم من ردّ على ذلك وأثبت نسبة الكتاب إلى الخليل نفسه، ومنهم من رأى أن الخليل وضع منهج الكتاب وشرع فيه ثم هلك دونه، فأتمه تلميذه الليث ابن المظفر. انظر مقدمة ابن دريد لكتابه الجمهرة 3، والخصائص 3/288، ونزهة الألبا 55، ووفيات الأعيان 1/170، والمزهر 1/39 -40 وتاريخ آداب اللغة العربية لزيدان 2/122-124، وضحى الإسلام 2/266-269 وكتاب العين طبع سنة 1414هـ، ولكنهم غيَّروا منهج تصنيفه تسهيلاً للعودة إليه، ولو حافظوا على منهجه وجعلوا له فهرساً لغوياً كما صُنِع في طبعة جمهرة اللغة، لكان ذلك أكثر محافظة على الكتاب تراثياً.
(10) الفهرست 43، ومعجم الأدباء 6/227.
(11) يريد بالثنائي: الثلاثي المُضَعَّف مثل جَدّ وعَقّ وما إليه، وتسميته بالثنائي يشير ضمنياً إلى ما يراه من تطور حدث في العربية من الطور الثنائي إلى الطور الثلاثي، وهذا ما نلمحه أيضاً فيما بعد عند ابن فارس في المجمل والمقاييس من وجه آخر.
انظر التخصيص2/133-139، وأصول النحو 127/ وفقه اللغة للدكتور علي عبد الواحد وافي 174، ودراسات في فقه اللغة للدكتور صبحي الصالح204.
(12) انظر ما قاله ابن ولاّد (332هـ) في كتابه المقصور والممدود 3- وانظر المزهر 1/46.
(13) مقدمة الجمهرة 1/3.
(14) عَبِقَ به عَبَقاً: لزمه، وريحٌ عَبِقٌ: لاصق، ورجلٌ عَبِقٌ: إذا تطَيّب وتعلّق به الطيب فلا يذهب عنه ريحه أياماً
(15) أَشْفَى على الشيء: أَشْرَف عليه.
(16) مقدمة الجمرة 1/3
(17) ولهذا أخذ عليه ابن جني "اضطراب التصنيف وسوء التصريف"، انظر الجمهرة 3/388.
(18) فالحديث عن منهج أحدهما يغني عن الحديث عن منهج الآخر
(19) مقدمة مجمل اللغة 2
(20) يسميه ابن فارس باسم الكتاب، فيقول "كتاب الراء" و"كتاب اللام" و"كتاب النون".
(21) ربما وجدنا التفاتاً ضمنياً من ابن فارس إلى أصل اللغة الثنائي قبل أن تصل إلى مرحلة الأصل الثلاثي حين يكرر مثل عبارته "الهمزة والباء وما يثلثهما"، فيذكر دائماً الحرفين الأولين من الثلاثي وكأنهما أصل لمعنى عام، ثم يورد الحرف الثالث وكأنه يَنْتج عنه معنى خاص ضمن التطور اللغوي.
(22) انظر مجمل اللغة 1/78-80
(23) تقول العرب للشيء الذي لا يعسر تناوله: هو على طرف الثُّمام، والثُّمام: نبت في البادية لا يطول فيشقُّ تناوُلُه. ويقولون: هو لك على حبل الذراع، أي مُعَدٌّ حاضر، والحَبْل: عِرْقٌ في الذراع.
(24) الإيجاف: سرعة السير. والوَضْع والإيضاع: أهون سير الإبل، يقال: وضَع البعيرُ، إذا عَدا. وأوْضَعْتُه، إذا حَمَلْتَه عليه.
(25) مقدمة أساس البلاغة: ص(د).
(26) الصحاح 1/33
(27) قد تنقص فصول بعض الأبواب عن هذا العدد، وذلك حين لا تكون هنالك ألفاظ تنتهي وتبدأ بحروف معينة.
(28) مقدمة القاموس 3- وانظر تعليق الأستاذ نصر الهوريني على كلام المجد في شرح ديباجة القاموس 17
(29) انظر بحثاً قيماً للدكتور يوسف العش في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق: المجلد (16) سنة 1941 ص512-521.
(30) انظر النقد الأدبي لأحمد أمين 83
(31) وفيات الأعيان 1/173. ------------------ نشر هذا البحث في : مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 77 - السنة 19 - تشرين الأول "اكتوبر" 1999 - جمادى الأخرى - رجب 1420
|
|
الكاتب صوت العربية
|
|
الجمعة, 04 يوليو 2008 15:31 |
|
-1-
- نشأة التفكير في البحث:
معروف أن الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت175هـ) هو أول من اشتغل بالصناعة المعجمية، وقد أخذ في ترتيب معجمه "العين" بمبدأ تصنيف الكلام في أبواب هي الثنائي والثلاثي: الصحيح والمعتل، ثم الرباعي فالخماسي... والخماسي ما كان على خمسة أحرف مثل سفرجل.
ويرى الخيل أن كلام العرب لا يتعدّى بناؤه خمسة الأحرف، يقول: "وليس للعرب بناء في الأسماء ولا في الأفعال أكثر من خمسة أحرف، فمهما وجدت زيادة على خمسة أحرف، في فعل أو اسم، فاعلم أنها زائدة على البناء وليست من أصل الكلمة، مثل (قَرَ عْبَلانة)، وإنما أصل بنائها (قرعبل)، ومثل (عنكبوت) وإنما أصل بنائها (عنكب).(1)
ولمزيد من الدقة في التقسيم جعل الخليل بناء الثنائي في أنواع هي: الثنائي الخفيف من الحروف مثل "مع"، والثنائي المضاعف مما أدغم حرفاه المتشابهان مثل "علّل" الذي وضعه في "علّ"، والذي لم يدغم حرفاه المتشابهان مثل "كعك" الذي وضعه في "عكّ" والرباعي المضاعف مثل "زلزل" الذي وضعه في "زل". ويبدو أن الخليل اعتمد في ذلك على رسم الكلمة في الكتابة، لا على حسبان التكرير والتضعيف. بعد هذا أثبت باب الثلاثي بنوعيه، وجعل الرباعي والخماسي في باب واحد للصحيح من أصولهما. وأما الرباعي والخماسي المعتلين فقد أخرهما إلى مختتم معجمه حيث عقد باباً للحروف المعتلة.(2)
وبقليل من التأمل في هذا التبويب يلحظ المرء أن "الأبنية" تستبدّ بمنهج الخليل وتسيطر على تصوّره وتخطيطه لتقسيم الكلم في أنساق وفئات. وعزّز التفكير في موضوع الأبنية عنده نظرية التقاليب التي أخذ بها معياراً لاستقصاء الصيغ المحتملة للأصول وإحصائها اعتماداً على صورها أو قراءاتها المتعددة بالتقليب. فالأصل اللغوي "لمق" مثلاً، يعطي بالتقليب التراكيب الآتية: لمق، لقم، ملق، مقل، قمل، قلم... وما له منها معنى كان الخليل يثبت أمامه معناه، وما ليس له منها معنى كان يثبت أمامه كلمة "مهمل". ووفق هذا المبدأ يكون قد أحصى أبنية العربية الفصيحة المستعملة بدلالات لغوية، وضَبَطَها. وتأسيساً على هذا التصوّر اتّسع الاهتمام بالأبنية وازداد الميل إلى البحث فيها.
وعند بدء الاشتغال بالنحو عرض الرواد الأوائل من النحاة لمسألة تقسيم الكلام. ولعل أول من ذكرها في وضع وتصنيف سيبويه (ت180هـ) تلميذ الخليل، قال في "الكتاب":
"فالكلام على ثلاثة أحرف، وأربعة أحرف، وخمسة، لا زيادة فيها ولا نقصان(3)، ثم جعلها في أبواب وحشد لها ما وسعه الجهد والتذكر من الأبنية والألفاظ.
وكان من المنتظر أن يتابع الخالفون من النحاة بحث الأبنية بعد سيبويه في حقول متنوّعة من النشاط اللغوي، وهذا ما كان، إذ أضافوا إليه، أو استدركوا على سيبويه ما فاته منها، كأبي عمر الجرمي (صالح بن إسحاق، ت 225هـ)، وابن السراج (أبو بكر محمد بن سهل النحوي، ت 316هـ)، وابن خالويه (الحسن بن أحمد، ت 370هـ)، وأبي بكر الزُّبيدي الأندلسي (ت379هـ)، الذي زاد على أبنية سيبويه ما يربو على ثمانين بناء.
-2- معاجم أبنية الأفعال:
ولكن التأليف في أبنية الأفعال الثلاثية والرباعية سبق هؤلاء في نماذج مبكّرة خصّ أصحابها الأفعال بكتب مستقلة. ومن أشهر هؤلاء المؤلفين:
- قُطْرُب (محمد بن المستنير، ت 206هـ).
- يحيى بن زياد الفرّاء (ت207هـ).
- أبو عبيدة معمر بن المثّنى (ت210هـ).
- أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري (ت215هـ).
- عبد الملك بن قريب الأصمعي (ت 216هـ).
- عبد اللَّه بن محمد التوَّزي (ت233هـ).
- يعقوب بن السِّكِّيت (ت244هـ).
- محمد بن الحسن الأحول (كان حيّاً عام 250هـ).
- سهل بن محمد السجستاني (ت255هـ).
- الزَّجاج (إبراهيم بن السري، ت 310، أو 311هـ).
- محمد بن الحسن بن دريد الأزدي (321هـ).
- ابن درستويه (عبد اللَّه بن جعفر، ت 347هـ).
- أبو علي القالي (إسماعيل بن القاسم، ت 356هـ).
- الآمدي (الحسن بن بشر، ت 371هـ).
- الجواليقي (أبو منصور موهوب بن أحمد، ت 540هـ).
- ابن الأنباري (عبد الرحمن بن محمد، ت 577هـ).
- الواسطي (القاسم بن القاسم، ت 626هـ).
- ابن مالك (جمال الدين محمد بن عبد اللَّه الطائي، ت 672هـ)(4).
وعرض لهذه الظاهرة اللغوية "الأبنية" في العربية لغويون معجميون، ونحاة وصرفيون في إطار أبحاثهم المتنوّعة، وضربوا لها الأمثلة والشواهد، وتناولوا ذلك كله بالتعليل والتحليل والمدارسة، وخصص لها بعضهم أبحاثاً، أو فِقَراً، أو فصولاً وأبواباً في تضاعيف كتبهم، من ذلك ما نقف عليه في المعاجم المقسمة إلى "كتب" أو "أبواب"، أو "أبنية".
ومن اللغويين من عرضوا في كتبهم اللغوية العامة لبناء الأفعال، ونخص بالذكر منهم من عنونوا لأبحاثهم بعبارة: "فَعَلَ وأَفْعَلَ" أو "فعلتُ وأفعلتُ". وممن ضمنوا كتبهم أبحاثاً في ذلك:
- سيبويه في "الكتاب".
- أبو عبيد القاسم بن سلاّم (ت224هـ) في كتابه "الغريب المصنف".
- يعقوب بن السكيت في كتابه "إصلاح المنطق".
- ابن قتيبة (عبد اللَّه بن مسلم، ت 267هـ) في كتابه: "أدب الكاتب".
- ثعلب (أحمد بن يحيى، ت 291هـ) في كتابه: "الفصيح".
- ابن دريد الأزدي في معجمه "جمهرة اللغة".
- ابن القوطية (محمد بن عمر، ت 367هـ) في كتابه: "الأفعال".
- عثمان بن جني (ت392هـ) في كتابه: "الخصائص".
- أحمد بن فارس الرازي (ت395هـ) في كتابه: "الصاحبي في فقه اللغة".
- ابن سيده (علي بن إسماعيل، ت 485هـ) في كتابه: "المخصص".
- ابن القطّاع (علي بن جعفر، ت 515هـ) في كتابه: "الأفعال".
ووقف هؤلاء وغيرهم عند الأبنية النادرة، أو التي يتعدّد ضبطها وزناً، تبعاً لتقدير حروف الزيادة والحذف والإعلال. واتّسع الاهتمام بالأبنية فشمل أبنية الأفعال والأسماء والمصادر. ولكن الخطين البارزين في هذا الفرع من البحث استقلاّ باتجاهين رئيسيين هما: أبنية الأفعال، وأبنية الأسماء والأفعال جميعاً. وأمام الحاجة المرتقبة لاستيعاب المادة العلمية المستخلصة من نتاج هذا النشاط شرع اللغويون يبحثون عن منهج لتصنيفها فلم يجدوا أفضل من المنهجية المعجمية؛ ذلك أن مدار البحث في المعاجم يقوم أصلاً على "المفردة" في تعيين جذرها اللغوي وإثباته، وفي بيان معناها، أو معانيها، وليس مدار البحث في "الأبنية" ببعيد عن ذلك. وعلى وفق هذا التصور اتجهوا بأبنية الأفعال والأسماء نحو المعجمية، ثم خرج إلى الوجود مصطلح "معاجم الأبنية"، وصار ترتيبها على حروف الهجاء، أو على مخارج الحروف منهجاً مألوفاً، وبذا يكون التطور الذي طرأ على هذا النوع من النشاط اللغوي قد أخذ بضوابط التنظيم، وفي الوقت نفسه أخذ بفكرة الاستقصاء التي تقرُب من الاستقراء التام، أو من الإحصاء. ومن الأمثلة على ذلك ما ذكر عن السرقسطي (أبو عثمان سعيد بن محمد، المنبوذ بالحمار، ت بعد 400هـ) من أنه بلغ بالأفعال التي صنّفها 2753 فعلاً مرتبة على مخارج الحروف، وذكر أن ابن القوطية في "أفعاله" قصد إلى الإيجاز فأخلّ في كثير من المواضع(5).
ولإعطاء فكرة إيضاحية سريعة عن مضمونات تلك الأبحاث والمصنفات المبكرة يمكن أن نقف عند أمثلة متخيّرة منها؛ فمما تكلمت به العرب على بناء "فَعَلْتُ وأفْعَلْتُ" والمعنى واحد قول الزجاج:
"بكر الرجل في حاجته يبكر بكوراً، وأبكر إبكاراً، قال زهير بن أبي سلمى:
بكرْنَ بكوراً واستحَرْنَ بسحرةٍ * * * * * فهن ووادي الرسّ كاليد في الفمِ
وقال ابن أبي ربيعة (عمر):
أمِنْ آل نُعْمٍ أنت غادٍ فَمُبْكِرُ * * * * * غداةَ غدٍ أم رائحٍ فَمُهَجِّرُ؟
ويقال: بشرْتُ الأديم وأبشرته، وأديم مبشور ومُبْشَر إذا قُشر. وبرد اللَّه الأرض وأبردها إذا أصابها البرد، وأرض مبرودة ومُبْردَةَ. ويقال: بتّ عليه الحكم وأبَتَّه إذا قطعه عليه، وكذلك بتَّ الحبل وأبتَّه".(6).
ومن ذلك قوله:
"تقول: ثَرِي المكان وأثرى إذا ندي بعد يبس، وكثر فيه الندى، وكذلك ثري القوم وأثروا إذا كثرت أموالهم. وثلجت السماء وأثلجت من الثلج".(7).
ومنه: "خلَسَ رأس الرجل فهو خليس، وأخلس رأسه فهو مُخْلِس إذا اختلط فيه البياض بالسواد... وخضعه الكبر خضعاً وأخضعه إخضاعاً. وخفق الطائر بجناحيه وأخفق إذا صفق بهما".(8).
ويقدم المصنفون في هذا الموضوع أمثلة على غرار البناء السابق "فعلت وأفعلت" والمعنى مختلف، نحو: "راق الشيء فلاناً إذا أعجبه وحسن في عينيه، وأراق الرجل الماء إذا صبّه.(9) وطرق الحديد إذا ضربه حتى ينبسط، وأطرق الرجل إذا أمسك عن الكلام".(10).
أو يقدمون أمثلة اختير فيها "أفعلتُ" دون "فعلت"، أو "فعلتُ" دون "أفعلتُ"، نحو: "أخرف القوم إذا دخلوا في الخريف، وأذعن الرجل بالطاعة إذا ألزمها نفسه".(11) ومن الثاني قولهم: "جنبت الريح، وصدرت عن الشيء، وغلت القدر، ونبذت الشيء... ولا يقال في شيء من هذا وأمثاله "أفعلتُ".
-3- معاجم أبنية الأسماء:
تأخّر التصنيف في أبنية الأسماء فجاء لاحقاً للبحث في أبنية الأفعال في الترتيب الزمني. وقد يعلل سبق التصنيف في أبنية الأفعال بالحاجة إلى استعمال الأفعال المجردة في أبواب المعاجم، ذلك أن الأفعال تمثل الأصول أو الجذور Roots التي كانت مفاتيح الإفادة من المعاجم، والمنطلق إلى تقصيّ المشتقات. وقد يعلل ذلك السبق باللجوء إلى علم الصرف واتّخاذه ميزاناً لضبط الأبنية، إذ إن الصرف يقدِّم الأصول الموثقة، أو يقدم الجوهر مخلَّصاً من شوائب الزيادات والإعلال والحذف والإبدال، وبذا يمكن فرز الأبنية، ثم الانطلاق إلى البحث عن المعاني أو الدلالات اللغوية.
ويشار هنا إلى أن القاضي نشوان بن سعيد الحميري الذي ألّف معجماً في الأبنية (كما سيجيء) كان قد افتتح ذلك المعجم بالحديث عن التصريف لأهميته في البحث اللغوي، ثم انتقل إلى الحديث عن مخارج الحروف، وبعدها عقد فصلاً في أبنية كلام العرب. أما أبنية الأسماء فأمرها أكثر تعقيداً هنا من أبنية الأفعال، إذ يعتور الأسماء التوزّع بين الأصل والمشتق، وبين الزيادة والتجريد اللذين تبقى حقائقهما أعز ملتمساً، وبين الأصيل والدخيل. وتبقى الأسماء أوسع من الأفعال أبنية، مما يحفز على الاشتغال بالقليل الأبنية أولاً، ومما يجدر تسجيله هنا أن البحث في أبنية الأسماء اقتصر على فصول من كتب اللغة، ولم يرق إلى الاستقلال بكتب بأعيانها، وفي هذا الصدد يقول الدكتور أحمد مختار عمر:
"ولم أجد أحداً من اللغويين قد أفرد أبنية الأسماء بتأليف مستقل بقصد استيعابها، ويعمد إلى تنظيمها ويجمع ما تفرّق منها، ولكنني وجدتهم قد ألّفوا في شيء خاص منها وهو "المقصور والممدود"، وممن ألف في ذلك الفراء، والأصمعي، وأبو عبيد، والزجاج، وأبو علي القالي.."(12). وإذا كان الفراء المتوفى 207 هـ قد ارتاد هذا المجال فهذا يعني أن البحث في أبنية الأسماء لم يتأخر كثيراً عن البحث في أبنية الأفعال. وإذا صرفنا النظر عن الكتب التي صنُفت في "المقصور والممدود" وتجاوزنا هذه الدائرة الضيقة وأصحابها فسنجد أن أبا عبيد القاسم بن سلام (ت224هـ) هو صاحب السبق والفضل في توسيع دائرة البحث في أبنية الأسماء، إذ أفرد لهذا الموضوع ستاً وخمسين صفحة استهل بها كتابه "الغريب المصنّف"، وعقد أبواباً لما ورد فيه مثالان أو أكثر؛ وبين الصحيح والمعتل من المثال الواحد، فجعل لكل منهما باباً، وبين الأسماء والصفات من المثال الواحد، فأفرد لكل باباً...(13).
كما يعزى إلى يعقوب بن السكيت (ت 244هـ) مثل هذا الاهتمام في كتابه "إصلاح المنطق" إذ خصص لأبنية الأسماء القسط الأكبر من الجزء الأول من الكتاب وبعض أبواب الجزء الثاني.(14) وتابع ابن قتيبة (ت 276هـ) سلفيه فأفرد، في القسم الثاني من كتابه "أدب الكاتب" بعض الأبحاث لأبنية الأسماء، كما تابع الاهتمام بهذا الضرب من البحث اللغوي كل من أبي الحسن الهنائي المعروف بُكراع (كان حياً سنة 307هـ) الذي "أفرد باباً من كتابه المنتخب والمجرد للغات استهلّه بأمثلة الأسماء التي تشغل قريباً من عشرين صفحة".(15). وكذلك فعل ابن دريد الأزدي في "جمهرة اللغة"، وابن سيده الأندلسي في "المخصص".
أما الكتب التي وضعت في أبنية الأسماء واستقلّت بها فأشهرها "المقصور والممدود" للفراء (ت207هـ)، و"المذكر والمؤنث" لابن الأنباري (ت 328هـ)، وكتاب ما جاء من المبني على فَعَال لعلي بن عيسى الربعي (ت420هـ)، وكتاب "أبنية الأسماء" لابن القطّاع (ت515هـ)، وكتاب "ما بَنَتْه العرب على فَعَالِ"، وكتاب "يفعول" للصغاني (أو الصاغاني المتوفى سنة 650هـ).
وألّفوا فصولاً أو أبحاثاً في أبنية المصادر بدءاً من الكسائي (ت 183هـ) فالنضر بن شميل (ت 203هـ)، فالفراء، وخص كتابه المصادر بمصادر القرآن، فأبي عبيدة، فالأصمعي، فأبي زيد الأنصاري، فنفطويه (ت 323هـ).(16).
وفي غير ما إطالة يمكن القول إن هؤلاء اللغويين سلكوا، كنظرائهم من أصحاب المعاجم، مسالك متنوّعة في تبويب أبحاثهم، سواء أكانت فِقراً أو أقساماً ضمن كتاب، أم كانت معقودة على كتب مستقلة برؤوسها لهذا الغرض. ومع ما انطوت عليه مباحثهم من تباين في المنهج تبقى القضية واحدة، ويبقى منطلقها خدمة العربية واستيفاء أسرارها وبسطها ولمِّ شواردها للمتعلمين.
ولعل أشهر وأشمل ما صنف في هذا الموضوع معجم "ديوان الأدب" لأبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الفارابي المتوفى سنة 350هـ.(17) ومن أبرز ما ذكره الفارابي في المقدمة المطولة لمعجمه هذا قوله:
"وقد أنشأت بتوفيق اللَّه تعالى، وبه الحول والقوة في ذلك... كتاباً عملت فيه عمل من طبَّ لمن حبَّ (كصنعة الطبيب الحاذق لمن يحبه)، مشتملاً على تأليف لم أسبق إليه، وسابقاً بتصنيف لم أزاحم عليه، وأودعته ما استعمل من هذه اللغة، وذكره النحارير من علماء أهل الأدب في كتبهم، مما وافق الأمثلة التي مثّـلْتُ، والأبنية التي أوردت، مما جرى في قرآن، أو أتى في سنّة، أو حديث، أو شعر، أو رجز، أو حكمة، أو سجع، أو مثل، أو نادرة".(18).
ورتّب الفارابي المادة اللغوية على النحو الآتي:
أولاً: قسم كتابه إلى ستة أقسام سماها كتباً، وهي على الترتيب الآتي:
آ- كتاب السالم. ب- كتاب المضاعف. ج- كتاب المثال. د- كتاب ذوات الثلاثة. هـ- كتاب ذوات الأربعة. و- كتاب المهموز.
ثانياً: جعل كل كتاب من هذه الكتب شطرين: أسماء وأفعالاً، وقدّم الأسماء في كل كتاب على الأفعال.
ثالثاً: قسم كل شطر منهما إلى أبواب بحسب التجرّد والزيادة...
ويحسن توضيح ما قصد إليه الفارابي بستة الأقسام بغية تقريب منهجه من القارئ، أو تسليط مزيد من الضوء على مصطلحات الفارابي؛ فالمراد بالسالم عنده: "ما سلم من حروف المد واللين والتضعيف"، والمضاعف: "ما كانت العين منه واللام من جنس واحد" يعني مثل: حبب، مدَّ، هزَّ. والمثال: "ما كانت في أوله واو أو ياء" يعني مثل: وعد، ينع. وكتاب "ذوات الثلاثة" عرفه بقوله: "ما كانت العين منه حرفاً من حروف المد واللين" وهو "الأجوف". وهذه التسمية "ذوات الثلاثة" مأخوذة من رد الفعل الأجوف إلى نفسك، أي تصريفه بصيغة المتكلم، نحو: قمت، بعت، نمت. أما كتاب ذوات الأربعة فهو عنده: "ما كانت اللام منه حرفاً من حروف المد واللين"، وهو "الناقص"، نحو: حكى، سعى، دنا.. فعند تصريف هذه الأفعال ونظائرها بصيغة المتكلم يصير بناؤها أربعة أحرف، إذ تقول: حكيت، سعيت، دنوت.
وذكر السرّ في إفراد المهموز بكتاب بقوله: "والهمزة كالحرف السالم في الحركات، وإنما جعلت في حروف الاعتلال لأنها تلين فتلحق بها".(19)
وراعى الفارابي في ترتيب أبواب معجمه المظاهر الصرفية من تجريد وزيادة وتثقيل وحشو وإلحاق، في الثلاثي والرباعي والخماسي وما ألحق به، كما راعى في ترتيب الأفعال المثال والأجوف والناقص والمهموز والمضاعف، وأخذ بمنهج مراعاة الترتيب الهجائي وفق باب الحرف الأخير؛ أي ما يعرف اليوم بنظام باب الحرف الأخير فصل الحرف الأول، على غرار ما صنع اليمان بن أبي اليمان البندنيجي المتوفى سنة 284هـ في معجمه "التقفية في اللغة" الذي رتّبه البندنيجي وفق باب الحرف الأخير أو القافية كما نُقل عنه.(20) ولم يكن معجم الفارابي "أول معجم سلك هذا النظام الذي أخذ به الجوهري" كما قرر الدكتور أحمد مختار عمر في مقدمة التحقيق.(21).
وأخذ بنظام الباب الأخير بعد الفارابي: القاضي نشوان بن سعيد الحميري (من علماء القرن السادس الهجري)، وابن منظور، والفيروزابادي وغيرهم.
وإذا كنا قد وقفنا قليلاً عند المعجم "ديوان الأدب" فلأنه: "أول معجم عربي جامع اتبع نظام الأبنية في ترتيب الألفاظ ولم يأخذ التأليف في الأبنية قبل الفارابي صورة المعجم الكامل الذي يتجه إلى حصر المادة اللغوية، وتوزيعها على الأبنية في نظام معين، وإنما اتجه بعض اللغويين إلى حصر الأبنية والتمثيل لها، واتجه بعض آخر إلى العناية ببعض الأبنية، ومحاولة حصر ألفاظها، أي أن عملهم كان فاقداً لأهم عنصرين من عناصر المعجم الكامل وهما: الشمول والترتيب".(22)
وما دام معجم "ديوان الأدب" قد اتصف بالشمول والترتيب، واحتل مرتبة الصدارة بين معاجم الأبنية، فمن المتوقّع أن يكون له أثر واضح في المعاجم التي جاءت بعده، منهجاً ومضموناً. ويمكن رصد حصيلة هذا التأثر في ثلاثة اتجاهات هي بإيجاز:
1- ما صنّف حول المعجم نفسه، أو ما بني عليه، أو اختصره، أو زاد في أبوابه.
2- الاستفادة به في جمع المادة اللغوية، وقد شمل ذلك معظم ما جاء بعده من مؤلفات لغوية. ويبدو معجم "الصحاح" للجوهري أكثر كتب اللغة تأثراً بديوان الأدب، في المادة اللغوية على وجه الخصوص.
3- التأثر بمنهجه تأثراً منوّعاً وموزعاً بين التطابق وبين التعديل. أو بين جمع أبنية الأسماء والأفعال معاً، أو الاقتصار على أبنية الأفعال ومصادرها فقط، وأشهر معاجم النوعين.
آ- شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكُلُوم للقاضي نشوان بن سعيد الحميري(23) الذي تأثر بالفارابي في المنهج، وإن أدخل عليه (على المنهج) بعض تعديلات يسيرة لا يظهر فيها عنصر الابتكار، كما أن المادة اللغوية الخاصة مشتركة بين المعجمين،(24) أو متشابهة، وإن كان القاضي الحميري قد حشد في معجمه معارف متنوّعة من الأخبار والأقوال، في الأشجار والأحجار والكواكب وعلوم القرآن والقراءات والتفسير والأنساب، وما شابه ذلك(25) من الاستطرادات التي لا تستدعيها طبيعة المادة اللغوية المنتظر وجودها في معاجم الأبنية.
ب- وتأثر بالفارابي محمود بن الحسين الكاشْغَرِي المتوفى عام 466 هـ في معجمه "ديوان لغات الترك". والزوزني (أبو عبد اللَّه الحسين بن أحمد بن علي المقري البيهقي)، المعروف باسم "بو جعفرك" والمتوفى عام 544هـ في معجمه "تاج المصادر". وهذه المعاجم الثلاثة صنفت لخدمة اللغتين التركية والفارسية بمنهج ومادة عربيين فكرةً وأسلوباً.
-4- معاجم أبنية أخرى:
وثمة مؤلفات تُسلك في هذا اللون من البحث اللغوي، وتبدو موزّعة بين المعجمية وكتب الأبنية، فمن خصائص المعجمية نجد فيها الترتيب الهجائي بمراعاة أواخر الأصول أو أوائلها، مثلما نجد فيها محاولة الإحصار أو الاستيفاء. ومن البناء نجد فيها الوزن الواحد، أو محاولة تصنيف الأوزان بعد تحقيق أصولها بالاحتكام إلى الدلالة اللغوية أو إلى القواعد الصرفية.
ومن الأمثلة التي تصلح لإيضاح هذه الفكرة كتاب "ما بنته العرب على فَعَالِ" للصغاني.
وتجدر الإشارة إلى أن للصغاني كتباً أخرى على هذا الغرار مثل: كتاب الأفعال، وكتاب الافتعال، وكتاب الانفعال، وكتاب نقعة الصديان فيما جاء على وزن فعلان، وكتاب يَفْعُوْل.(26) وقد أورد الصغاني في هذا الكتاب(130) مئة وثلاثين لفظة مما استعمله العرب من الثلاثي على بناء "فَعَالِ" في المعاني المختلفة. وألحق بها سبعة ألفاظ مما بني من الرباعي على معنى "فعالِ". وقد ذكر السيوطي هذه الألفاظ جميعاً في كتابه "المزهر" نقلاً عن الصغاني.(27) جمعها في ثلاث مجموعات، جعل المجموعة الأولى منها على أسماء الأفعال خاصة، وجعل الثانية لأسماء المواضع خاصة، وجعل الثالثة لأسماء أعلام النساء، وأنواع الحيوان، والأشياء الأخرى كالحرب والشمس.(28) ورتبه على حروف المعجم ووفق أواخر الأصول بادئاً بالهمزة في ثلاث كلمات هي: بَلاَءِ، شَرَاءِ، نَفَاءِ. ويلحظ أنه راعى الترتيب الهجائي في فصل الحرف الأول فبدأ بالباء، فالشين، فالنون. وانتهى بكلمة "بَهَانِ" أي بباب النون فصل الباء.
ولكنه أخل بالقاعدة التي تنص على بناء "فعالِ" من كل فعل ثلاثي، من "فَعَلَ" أو "فَعُل" أو "فَعِل" فحسب. ولا يجوز بناؤها مما جاوز ذلك. حين أورد أمثلة من الرباعي مثل: بَحْباحِ، وعَرْعارِ، وقرقارِ، ودهداعِ، وحَمْحامِ... وفي تعليل هذه القاعدة يقول سيبويه:
"واعلم أن (فَعَالِ) جائزة من كل ما كان على بناء (فَعَلَ) أو (فَعُل) أو (فَعِلَ). ولا يجوز من (أفعلتُ)لأنا لم نسمعه من بنات الأربعة. إلا أن تسمع شيئاً فتجيزه فيما سمعت، ولا تجاوزه. فمن ذلك: قرقارِ، وعرارِ"(29).
والقيمة العلمية في تخير مثل هذه الأبنية اللغوية تنصرف إلى بيان نشأة المعنى اللغوي ومجال استعماله أو دلالته العامة في تشعبها مما يسميه المحدثون من اللغويين الحقل الدلالي Semantic Field فأصل كلام العرب في استعمال صيغة (فَعَالِ) للأمر، عند حاجتهم إلى توكيد الكلام وتقوية معناه، وتثبيته في نفس السامع، وهذا هو السر في أن أكثر ما يجيء منه يكون مكرراً، كقول الشاعر:
حَذَارِ من أرماحنا حَذَارِ!
وقول الآخر:
تراكِها من إبل تراكِها
وذلك عند شدة الحاجة إلى هذا الفعل.(30) ويستعمل هذا البناء في النداء والتهديد والتحذير والزجر والشتم والمبالغة في الوصف أو الدلالة على غلبته على الشيء وما إلى ذلك من المعاني التي تشتد الحاجة إلى توكيد الكلام فيها.(31).
ولمحقق كتاب "ما بنته العرب على فعالِ" في مقدمته حديث وافٍ في تعليل هذا البناء ومجيئه اسماً للفعل، ومعدولاً من صفة المؤنث، ومعدولاً من مصدر مؤنث معرفة، واسماً علماً لامرأة أو لشيء آخر مؤنث. وغير خفي أنّ مدار ذلك كله صيغة "فَعَال" في وزنها الصرفي الثابت، ودلالتها اللغوية المتحوِّلة، مع محاولة إحصاء لعدد هذه الصيغ وتصنيف دلالاتها بنوع من الفلسفة اللغوية التي تكاد تبدو ترفاً علمياً أكثر منه نهجاً تعليمياً، ولكن ما يخلص إليه القارئ هو ضبط نطق هذه الصيغة في لغة العرب، وتعليل بنائها، وحصر ما تنصرف إليه، أو تقتصر عليه من دلالات أو مسميات، وفي هذا تقنين للغة بفرز أبنيتها في قوالب بأعيانها، وتصنيفها في أوعية خاصة سموها المعجمات، أو أخضعوها لمنهجية صناعة المعجمات، مع وضوح ما بينهما من اختلاف في التفصيلات.
ومن كتب الأبنية ما اقتصر على المذكّر والمؤنث ومثَّل ظاهرة مستقلة في دائرة البحث اللغوي. وقد ألف فيه طائفة من اللغويين فعقدوا عليه فصولاً في تضاعيف كتبهم، أو خصوه بتأليف مستقل. نذكر من هؤلاء أبا زكريا يحيى بن زياد الفراء (ت207هـ)، وأبا عبيد القاسم بن سلام (224هـ)، وأبا حاتم السجستاني (ت255)، وأبا العباس محمد بن يزيد المبرد (ت285هـ)، وإبراهيم بن السري الزجاج (ت310، أو 311هـ)، وابن خالويه (الحسن بن أحمد المتوفى سنة 370هـ)، وأبا الفتح عثمان بن جني (ت392هـ)، وأبا البركات عبد الرحمن بن محمد بن الأنباري (ت577هـ) وغيرهم.
ويشير بعض الباحثين إلى أن قدامى العرب لم يكونوا يفرقون بين المذكر والمؤنث بعلامات نحوية، وإنما بإدراك فطري غريزي، وأول ما عرفوا ذلك في الإنسان والحيوان اللذين كان لكل من المذكر والمؤنث فيهما كلمة مختلفة، نحو رجل وامرأة، وولد وبنت، وحمار وأتان، وحَمَل ورَخلِ (الأنثى من أولاد الضأن). فلما كثرت عليهم الألفاظ لجؤوا إلى اتخاذ علامات أضيفت إلى المؤنث، لأن المذكر عندهم هو الأصل، وقيدوا بعض العلامات بقيود الوزن فقالوا مثلاً: إن علامة التأنيث الألف الممدودة توجد في اللغة العربية على الأخص في صيغة "فعلاء" مؤنث "أفْعَل"، نحو سمراء وأسمر، وعرجاء وأعرج. وعلامة التأنيث الألف المقصورة توجد في اللغة على الأخص في صيغة "فُعْلى" مؤنث "أَفْعَل" الدال على التفضيل، مثل كبرى وأكبر، وفي صيغة "فَعْلى" و "فَعْلان" مثل عطشى وعطشان، وسكرى وسكران.. وهذا اللون من التقييد أو التقعيد وفق "أبنية" هو الذي حمل اللغويين على تصنيف ما أُلِّف في المذكر والمؤنث ضمن معاجم الأبنية. وثمة حالات أخرى اعتمدوا فيها القياس أو التقعيد عند تمييز المذكر من المؤنث بالتاء "علامة التأنيث" كقولهم: إن دخول التاء يكون للمبالغة، أو تأكيد المبالغة في مثل: راوية، ونسّابة، وعلاّمة، أو لتمييز الواحد من الجنس، نحو تمر وتمرة، أو للدلالة على تعريب الأسماء الأعجمية، نحو فرزدق وفرازنة، ومَرْزُبان ومرازبة. أو للتعويض عن مدَّة تفعيل، نحو زكّى تزكية، وربّى تربية.(32) وكان الأصل أن يقال ذلك على قاعدة فعَّل تفعيل، نحو هدَّد تهديد، ورجّع ترجيع. وكل هذا مما يمكن سلكه في منظومة تقعيدية تتظاهر فيها القواعد الصرفية والنحوية والصيغ البنائية، وإن كان هذا النمط من التأليف أكثر بعداً من أبنية الأفعال عن معاجم الأبنية. نضيف إلى ذلك أنهم اعتمدوا القياس أيضاً في النظر إلى صيغة التأنيث التي تحمل علامته المعروفة بالألف المقصورة، فقالوا صغرى وكبرى، مؤنث أصغر وأكبر، وسموها صيغة "فُعْلى" مؤنث "أفْعَل" الدال على التفضيل، وإن لم يكن قياساً مطّرداً.
ومن كتب الأبنية "المقصور والممدود" اللذان يمثِّل البحث فيهما شعبة من شعاب البحث اللغوي العام عند العرب. وكتاب الفرّاء الذي يحمل هذا العنوان يعد من "أول الكتب التي أسهمت في جلاء ظاهرة الخلط بين المقصور والممدود من الأسماء."(33)
وصلة هذا اللون من التأليف بمعاجم الأبنية، أو بكتب الأبنية ترجع إلى أن النحاة يعتمدون، في التقعيد لمادته، على الأوزان غالباً، لا على أثر العامل النحوي، أو أثر السياق، أو التقديم والتأخير، أو وظيفة المفردة في الجملة أو التركيب... هنا يقولون مثلاً: "ما يعرف من المنقوص والممدود بالتحديد والعلامات. من ذلك المصدر في (أفْعَل) الذي أثناه (فعلاء) فهو منقوص، من ذلك عَمِيَ عَمَى، وعَشِي عَشَى، وطوِي طَوَى.."(34).
ويقولون: "وما كان من جمع (فعْلَة) من الياء والواو على (فعِال) كان ممدوداً، مثل رَكْوة ورِكاء، وشكوة وشكاء، وفروة وفراء..."(35).
ويقولون: "ما جمع على فَعيْل أو فُعَال أو فَعُول على فِعَال مُدَّ أيضاً، مثل قولك: قصير وقصار، وكريم وكرام، مثل هذا من الياء والواو ممدود يكتب بالألف. وأكثر ما يجمع من الواو والياء (من جمع فعيل) على أفْعِلاَء فيمدّ ويكتب بالألف، من ذلك وَلِيّ وأولياء، وغني وأغنياء، ودعي وأدعياء، وإن جمع على فُعلاَء مُدَّ أيضاً وكتب بالألف مثل: شركاء وضعفاء.."(36)
ومنه: "ما جمعته على فَعَالى أو فُعالى (بضم الفاء وفتحها) أو فَعْلى فهو مقصور يكتب بالياء، من ذلك: كَسَالى وكُسَالى، وسَكَارى وسُكَارى، وصرعى وأسْرى وأُسارى. فإن كان على فُعالى وهو اسم واحد فهو مقصور يكتب بالياء مثل: حُبارى وجُمادى وذُنابَى الطائر..."(37).
وأنت إذا تأملت هذه القواعد والأحكام وجدت أن ألفاظ "الأوزان" طاغية فيها، ووجدتَها معقد التقعيد ومظنة الاحتكام لبيان الأصول والاستيثاق من سلامة القول الفصيح.
وأما تسويغ تصنيف أمثال هذه المؤلفات في جملة معاجم الأبنية فمردّه إلى التشابه الملحوظ بين مضمونها ومضمونات المعاجم المذكورة؛ فلو بوَّبَ المؤلف أوزان المقصور والممدود كلها في أبواب، أو أوردها متتابعة، من الأبنية الصغيرة (الثلاثية مثلاً) إلى الأبنية الخماسية لتقيَّل بذلك المعجميين في مناهجهم. ولو قام اللغويون باستقصاء الأسماء المقصورة والممدودة حتى استيفائها إحصاءً تاماً لكانت الحصيلة معاجم خالصة، ولكنها ليست عامة، وإنما تكون "معاجم متخصصة".
وقد ألَّف اللغويون بعد الفراء ما يزيد على أربعين كتاباً في المقصور والممدود ذُكِر آخرها باسم ابن مالك النحوي (ت672هـ)(38) وهي رسالة بعنوان "ذِكْر معاني أبنية الأسماء الموجودة في المفصل".(39).
-5-
ولم يتوقف البحث والتأليف في "الأبنية" عند السلف، أو عند لغويي العصور المتأخرة، بل استمر ذلك في مصنفات المحدثين، نجد من ذلك كتاباً بعنوان "بحث في صيغة (أَفْعَلَ) بين النحويين واللغويين واستعمالاتها العربية "للدكتور أحمد النحاس،(40) وفيه يربط المؤلف عمله بأعمال السلف ليبدو امتداداً لهم واستمراراً لصنيعهم في هذا المجال، يقول:
"... جاءت صيغة أفعل في اللغة العربية متداولة في الاستعمال في أغراض شتى وأنواع متعددة، فجاءت فعلاً متعدد المعاني مما جعل العلماء يعنون به ويؤلفون فيه كتباً كثيرة تحمل هذا الاسم: (فعلت وأفعلت) أو (فعل وأفعل) فألف فيه أبو زيد الأنصاري..."(41)
ثم يسرد أسماء من تقدّم ذكرهم في بداية هذا البحث. ويعرض المؤلف في مفتتح كتابه لاستعمالات صيغة (أفْعَل) من ناحية فعليّتها أولاً، وأسميتها ثانياً ذاكراً ما يتعلق بها من أحكام متفرقة.(42) ويعقد فصول الكتاب الثلاثة على ورودها اسماً وفعلاً، والمعاني المستفادة من الصيغة كورودها للتعدية والنقل والصيرورة والتحريض... وإفادتها السلب والدعاء والتعجب واللزوم والتعدي...وورودها اسماً وصفة مشبهة وللتفضيل وممنوعة من الصرف... وهكذا حتى يستوفي هذه الصيغة وما يحيط بها من حالات ودلالات واستعمال، في التذكير والتأنيث والإفراد والجمع والصفة والشذوذ والزيادة... وفي معنى الفاعل والمفعول... إلخ.
وبعد، فقد يتساءل القارئ الكريم عن الحافز على وضع مثل هذه المصنفات في "الأبنية" أو عن القيمة العلمية لها، أو عن أثرها في خدمة العربية. وبيان ذلك لا يحتاج إلى فضل تأمل وتدبّر، إذ يمكن أن نبادر إلى القول إنه لا شيء يمنع من مثل هذه الرياضة العقلية ولمِّ شعاب هذه الأبنية في أنساق وزمر وفق أوزانها لنستخلص منها ما لا نستطيع أن نقف عليه في غيرها من المصادر والمراجع، لأن الحديث عنها بالتفصيل لا يرد في سواها من فروع البحث اللغوي في العربية، بل سيبدو استطراداً في غير محله، أو إقحاماً له في غير نسيجه. وإيفاء الشيء حقه يستدعي إخلاص الجهد له وحده. ثم إن ما صنِّف في "الأبنية" كان يمثّل نهجاً من الجهود التعليمية التي التمست كل سبيل للحفاظ على العربية سليمة فصيحة، ولإيصالها إلى الشداة من غير ما طريق وأسلوب.
ومما يجدر استحسانه في معاجم الأبنية أنها نصّت في كثير من المواضع على الدقة والضبط بذكر الوزن وتقييد الحركات تسميةً كقول الفراء مثلاً:
"هذا باب يُفتح أوله فيمدّ، وإذا كُسر أوله قُصر".(43) وكقولهم مثلاً: مَفْعَل (بفتح الميم وإسكان الفاء وفتح العين) في اسم المكان، ومُفْعِل (بضم الميم وسكون الفاء وكسر العين) في اسم الفاعل، ومِفْعَل (بكسر الميم وسكون الفاء وفتح العين) لاسم الآلة... ذلك أن المعاجم القديمة لم تكن تهتم بالحركات في الضبط، وإنما كانت تكتفي بالحروف الساكنة.
ومن فوائد معاجم الأبنية في الدلالة اللغوية تعيين ما انصرفت إليه الأوزان من مثل بناء (فُعَال) بضم الفاء وفتح العين، فهذا البناء يعدد المعاني التي يتجه إليها في الأعم الأغلب تعدداً يشبه الحَصْر، أو القصرْ على ما هو شائع بين اللغويين، إذ قالوا: يختص هذا البناء بما هو مستقبح أو مستقذر نحو: البُصاق، والمخاط، والعطاس... وبما هو من الصغائر والبقايا كالغُبار، والسُّخام، والجُفاء. ونظيره من التأنيث بناء "فُعالة" نحو: الحُثالة، والنُخالة، والحُكاكة، والقمامة، والنُّفاية... وبما هو للأمراض والأصوات: كالصُداع، والنُّكاف، والدُّوار، والسعال، والنُّباح، والصُّراخ، والعُواء... وبمثل هذا التقسيم يتعلم شُداة العربية كيف يقرؤون ويفهمون هذا البناء قراءة صحيحة وفهماً يستفيد من الاحتكام إلى القياس والخيارات المحدودة.
ومثل هذا يقال عن بناء "فِعَالة" بكسر الفاء وفتح العين الذي ينصرف غالباً إلى الحرفة نحو: النَّجارة، والقبالة، والحِدادة، والحياكة، والحجامة، والفراسة....
وتُعين معاجم الأبنية شداة العربية على ردّ الكِلم على أصوله، من ذلك مثلاً تصنيف النحاة أبنية الأفعال الثلاثية الذي يستدعي تجريدها من الزوائد وإعادتها إلى أصولها نحو: الميناء من (وَنَى) بمعنى ضعف، فالمبتدئ قد لا يتهدّى إلى الأصل، أو قد يبحث عنه في (مَيَنَ)...
ونحو: تهامة والتهائم التي يثبت أصلها في (تَهَمَ)، أما التهمة فيثبت أصلها في (وَهَمَ)... وكل ذلك ونظائره قد يغمّ على المبتدئين استخلاصه من الكلمات المزيدة، أو التي فيها إبدال وإعلال... وهنا تتجلى أيضاً أهمية حصر المقصور والممدود وتحرّي أصولهما وتقييدهما في أنساق بعد التثبت من تلك الأصول. وبغير هذا الجهد وهذه المرحلة ستظل معرفة الأصول عسيرة على غير المتمكنين من أسرار العربية وخصائصها.
لقد عكف اللغويون العرب القدامى على دراسة الكلمة المفردة زمناً، فجمعوا نوادرها وغرائبها، وأحدثوا المعاجم وكُتب الشروح من أجل رصد دلالتها أو دلالاتها، واتخذوها شاهداً على صحة كلام العرب في النحو واللحن والفصاحة، ونظروا إلى وظيفتها في التركيب والسياق، وأسّسوا عليها في إيضاح الفصاحة والبلاغة فأشاروا إلى وجوب خلوّها من تنافر الحروف... واستكمالاً لهذه الجهود العلمية حول الكلمة المفردة جاءت معاجم الأبنية فأوفتها حقها من جهات الصوت والصرف والوزن والدلالة.
الحواشي والإحالات:
1- معجم "العين": 1/49 بتحقيق د. مهدي المخزومي، ود. إبراهيم السامرائي- ط: إيران 1405هـ. والقرعبلانة: دويبة عريضة مُحْبنْطِئة عظيمة البطن- اللسان: قرعبل.
2- وانظر كتابنا: أبحاث في اللغة والأدب. دار شمأل، دمشق 1994.
3- الكتاب /230 تحقيق عبد السلام محمد هارون. ط: الهيئة المصرية العامة للكتاب 1977.
4- انظر: المعجم العربي -نشأته وتطوره للدكتور حسين نصار ج1/ 180-181، دار مصر للطباعة، و"البحث اللغوي عند العرب" للدكتور أحمد مختار عمر ص 188-190، توزيع دار المعارف بمصر 1971.
5- ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون (133)، وقال إنه كان ممن صنف في "الأفعال وتصاريفها". وانظر"معجم الألفاظ والتراكيب المولَّدة في "شفاء الغليل فيما ورد كلام العرب من الدخيل "لشهاب الدين الخفاجي (ت 1069هـ). تحقيق الدكتور قصي الحسين. دار الشمال، طرابلس، لبنان 1987.
6- انظر كتاب: فعلت وأفعلت لأبي إسحاق الزجاج، إبراهيم بن السري بن سهل ص 8-9 بتحقيق وشرح ماجد حسن الذهبي. الشركة المتحدة للتوزيع- 1984.
7- نفسه ص14.
8- نفسه ص 31. ويجد القارئ المزيد من الأمثلة المشابهة في كتاب "ما جاء على فعلت وأفعلت بمعنى واحد" لأبي منصور الجواليقي، تحقيق ماجد الذهبي. ط: دمشق 1982.
9- كتاب: فعلت وأفعلت للزجاج ص 43.
10- نفسه ص63.
11- الموضع السابق ص 110-111
12- البحث اللغوي عند العرب ص 190 (م. س)
13- وانظر "المعجم العربي" للكتور حسين نصار 1/190 (م. س).
14- الموضع السابق 1/190- 191.
15- نفسه 1/ 193.
16- انظر: البحث اللغوي عند العرب ص 189 (م. س).
17- صدر عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة بتحقيق الدكتور أحمد مختار عمر، ومراجعة الدكتور إبراهيم أنيس بدءاً من سنة 1974.
18- ديوان الأدب: ج1/ 72-73.
19- ديوان الأدب، المقدمة ص 10-11.
20- كان البندنيجي ضريراً شاعراً عارفاً باللغة، ولقي ابن السكيت، وقد حقق هذا المعجم الدكتور خليل العيطة، وطبعته وزارة الأوقاف ببغداد سنة 1976.
21- ص40.
22- انظر: البحث اللغوي عند العرب ص 190 (م. س).
23- صدر بتصحيح عبد اللَّه الجرافي اليمني. ط. عالم الكتب (جزآن)- بيروت (د.ت).
24- لمزيد من التفصيل انظر مقدمة المحقق ص 52-53.
25- وانظر: المعجم العربي 1/205 (م. س)
26- انظر: ما بنته العرب على فعال ص 17 من مقدمة المحقق الدكتور عزة حسن. مطبوعات المجمع العلمي بدمشق 1964.
27- انظر المزهر في علوم اللغة وأنواعها 2/ 131- 134 بتحقيق محمد جاد المولى وزميله. ط: عيسى البابي الحلبي.
28- ما بنته العرب على فعال ص23.
29- الكتاب 2/ 41 طبعة بولاق. القاهرة 1316-1317هـ.
30- وانظر: ما بنته العرب على فعال ص27.
31- الموضع نفسه.
32- للوقوف على مزيد من التفصيل حول التذكير والتأنيث انظر المقدمة الضافية التي قدّم بها الدكتور رمضان عبد التواب لكتاب "البُلْغة في الفرق بين المذكر والمؤنث" لأبي البركات بن الأنباري. ط: دار الكتب 1970.
33- حقق الكتاب "المقصور والممدود" في نشرته الثانية: عبد الإله نبهان، ومحمد خير البقاعي، وصدر عن دار قتيبة بدمشق عام 1983م. وانظر المقدمة ص5. وكان الكتاب قد طبع في مصر بتحقيق عبد العزيز الميمني ضمن سلسلة ذخائر العرب (41) عام 1967.
34- المقصور والممدود للفراء ص 23-24
35- نفسه ص 26.
36- نفسه ص 27-28.
37- المقصور والممدود ص 32-33.
38- المصدر السابق، ص12-18.
39- و "المفصل في علم العربية كتاب لجار اللَّه محمود بن عمر الزمخشري (ت538هـ) وقد أعدّ هذه الرسالة للنشر د. عبد الإله نبهان، ونُشرت في المجلد33 الجزء الأول في يناير (كانون الثاني) 1989، وتضم هذه الرسالة (165) مئة وخمسة وستين بناء، فيها عدد قليل من الأبنية المعرّبة من لغات أخرى.
40- صدر الكتاب عن مطبعة السعادة بالقاهرة عام 1403هـ/ 1983م.
41- المقدمة ص 3.
42- نفسه ص4.
43- المقصور والممدود ص12. ------------------- نشر هذا البحث في : مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 77 - السنة 19 - تشرين الأول "اكتوبر" 1999 - جمادى الأخرى - رجب 1420 |
|
الكاتب صوت العربية
|
|
الجمعة, 04 يوليو 2008 15:28 |
|
يعدّ أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا القزويني (329-395هـ/ 940-1004م) إماماً حاذقاً من أئمة اللغة وعلماً بارزاً من أعلام الأدب، جمع إتقان العلماء وبراعة الكتاب. قرأ على ابن الخطيب، راوية ثعلب، وعلى ابن مهرويه وابن علي القاشاني وغيرهم من أعيان العلم، ثم تتلمذ عليه بديع الزمان الهمذاني والصاحب ابن عبَّاد وغيرهما من أعلام البيان.
كان ابن فارس غزير العلم، وافر الإنتاج، جليل المعرفة... خلَّف تآليف حسنة وتصانيف جمة في اللغة والنحو والأدب والتفسير والفقه... فكان "بقزوين يصنِّف في كل ليلة جمعة كتاباً، ويبيعه يوم الجمعة قبل الصلاة، ويتصدق بثمنه، وكان هذا دأبه"(1). ولقد أحسن تلميذه الصاحب بن عبَّاد صنيعاً عندما وصفه قائلاً: "شيخنا أبو الحسين محمد رزق حسن التصنيف وأمن فيه من التصحيف"(2).
ومن أشهر آثاره المبثوثة في المصادر والمكتبات مرتبة ألفبائياً: أبيات الاستشهاد، والاتباع والمزاوجة، وتمام فصيح الكلام، وخلق الإنسان، وذم الخطأ في الشعر، ورسالة في المعاريض، والصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها، وفتيا فقيه العرب، واللامات، ومتخير الألفاظ، ومجمل اللغة، ومختصر في المذكر والمؤنث، ومقاييس اللغة، والنيروز... وغير ذلك من كتب(3)، لم تبقِ يد الحدثان منها سوى عنوانات، وهي جميعاً تشهد بغزارة علمه وعمق معرفته.
ولعل أحدثها نشراً معجم (مجمل اللغة)، الذي حققه الأستاذ الفاضل زهير عبد المحسن سلطان، ومهَّد له بدراسة الكاتب والكتاب؛ فكان تمهيده كافياً وافياً، كما كان عمله كشفاً حقيقياً عن حلقة مهمة في سلسلة تطور المعجم العربي، التي ابتدأت بـ "كتاب العين" للخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي اعتمد مخارج الأصوات أساساً في ترتيب المفردات، ثم تلته معجمات، اختلفت طرق ترتيبها بين مقلد طريقة الخليل أو محوّر فيها. أما ابن فارس؛ فقد رأى أن يصنِّف المادة اللغوية على نحو آخر، يرمي إلى الكشف عن مزيد من خصائص العربية؛ فيفيد الباحثين من بعده في هذا المضمار؛ فسلك منهجاً واحداً في ترتيب الأبواب والمفردات في كتابيه (مجمل اللغة) و (مقاييس اللغة) حيث رتب المفردات ترتيباً ألفبائياً في ثمانية وعشرين كتاباً، ثم قسَّم كل كتاب إلى أبواب. أما (مجمل اللغة) فقد قسَّم كل كتاب منه على ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: "باب المضاعف والمطابق"، وأراد بالمضاعف: المشدد مثل (جسَّ)، وأراد بالمطابق: المكرر مثل (زلزل)، ثم باب "ما جاء من كلام العرب على ثلاثة أحرف"، ثم ختمه بباب "ما جاء من كلام العرب على أكثر من ثلاثة أحرف". فكان عمل ابن فارس في (مجمل اللغة) رائداً حيث خطا الخطوة الأولى على طريق (المعجمات الألفبائية)، وكان غرضه من هذا العمل إنشاء كتاب "بمختصر من الكلام قريب، يقلُّ لفظه، وتكثر فوائده، ويبلغ بك طرفاً مما أنت ملتمسه، وسميته: مجمل اللغة، لأني أجملت الكلام فيه إجمالاً، ولم أكثِّره بالشواهد والتصاريف إرادة بالإيجاز"(4) ليخرج للناس معجماً مختصراً، يغنيهم عن الخوض في خضم الأصول الكبار من المعجمات، التي تتميز –كما يرى- بـ "بعد تناولها، وكثرة أبوابها، وتشعُّب سبلها"(5).
أما محقق الكتاب، الأستاذ الفاضل زهير عبد المحسن سلطان؛ فقد بذل جهداً جليلاً في إخراجه على نسخ كثيرة، تناثرت في المكتبات العالمية(6)، ولعل في هذه الكثرة الكبيرة مثالاً واضحاً على ذلك الجهد، الذي عاناه في التنقيب والتحقيق وفي المقارنة والمقابلة. ولذلك كان من المتوقع أن ينشر هذا المعجم محرراً من التصحيف والتحريف وغنياً بالتعاليق والشروح. ولكن قراءة صفحة واحدة منه بتأن تبيَّن أن المعجم يحتاج إلى مزيد من الدقة والضبط، ومزيد من الجد والتعب. فقد ندّت عن المحقق أخطاء كثيرة وأوهام عديدة، يحتاج تتبعها إلى وقت طويل وجهد مضن. فلعل المحقق الفاضل يستدرك ذلك في طبعة أخرى، وحسبي أمثلة من تلك الأخطاء والأوهام، مررت بها؛ فحررتها خلال عملي في "شعر عمرو بن أحمر الباهلي"(7). أضع هذه الأمثلة بين أيدي القراء والباحثين؛ فلعلني أترك حافزاً ما في نفس، تنهض بهذا العبء:
-1-
في ص 79: "وينشد: وكان وصل الغانيات إخَّا".
قال المحقق: الرجز بلا عزو في اللسان (أخخ) برواية: وصار وصل"، وأقول: الرجز للعجاج في خزانة الأدب 3/103، ولم أجده في ديوانه، الذي صنعه أستاذنا الدكتور عبد الحفيظ السطلي، وإنما كان في ملحقاته 2/280.
-2-
وفي ص 116 : "قال الراعي:
فما الفقر من أرض العشيرة ساقَنا إليك ولكنَّا بقُرباك نَبجح".
قال المحقق: "البيت له كما في غريب الحديث 2/301 واللسان (بجح)، ولم يذكر في شعره المجموع"، وأقول: البيت في شعره 43، الذي صنعه راينهرت فايبرت.
-3-
وفي ص 132: "قال:
فليأزلنَّ وتبكؤن لقاحه ويعلِّلنَّ صَبِيه بسَمار".
قال المحقق: "البيت بلا عزو في غريب الحديث 3/392 واللسان (بكأ)"، وأقول: البيت لأبي مكعب الأسدي في التاج (بكأ).
-4-
وفي ص 189: "قال: موضع رحلها جسر".
قال المحقق: "قائله ابن مقبل في ديوانه 363"(8)، وأقول: الصواب أنه لعمرو بن مالك العائشي، ففي التكملة 2/449 –وهو من مصادره! –يصحح الصغاني رواية الجوهري في الصحاح 613؛ فيقول: "هكذا عزاه ابن فارس، وأبو عبيد... وليس البيت لابن مقبل، وإنما هو لعمرو بن مالك العائشي، وصدره: بعراضة الذفرى مُكايلة". وفي اللسان (جسر): "هكذا عزاه أبو عبيد إلى ابن مقبل، قال: ولم نجده في شعره"(9).
وأستدرك؛ فأضيف: وقد زج في (ما نسب إليه من شعر غير موجود في الديوان) 363.
-5-
وفي ص 203: "قال:
رماني بأمر كنت منه ووالدي برياً ومن جُول الطَّويِّ رماني".
قال المحقق: "البيت مما ينسب لابن أحمر ولغيره. انظر شعره 187"(10)، وأقول: نسب في التاج (جول) إلى الأورق بن طرفة أيضاً، وهو تصحيف: الأزرق؛ ففي شرح أبيات سيبويه للسيرافي 1/248: "قال بعض القشيريين للسلطان: إن الأزرق بن طرفة –وهو من باهلة- لص ابن لص، ليغروه به؛ فقال قصيدة فيها: رماني بأمر... الخ". وفي اللسان (جول): "قال ابن برّي: البيت لابن أحمر، قال: وقيل: هو للأزرق بن طرفة ابن العمرَّد الفراصي".
فالأرجح أنه للأزرق، وليس لابن أحمر الباهلي شعر مثله.
-6-
وفي ص 217: "قال: تُهدى إليه ذراع الجَدي تكرمة".
والصواب: "تهدي"؛ فقد نبه على هذا الخطأ أبو عبيد البكري في التنبيه على أوهام القالي في أماليه 102 وسمط اللآلئ 725 ولكن المحقق لم يلتفت إليه، والسمط من مصادره!.
-7-
وفي ص 228: "قال: تتبدل أُدماً من ظباء وحَيرما".
قال المحقق: "هو ابن أحمر كما في شعره 142(11)، ولم يذكر فيه صدر البيت"، وأقول هو صدر بيت لعمرو بن معد يكرب من قصيدة سينية في شعره 110-113 وعجزه فيه 111 وفي المخصص 8/37: "فأصبحت في أطلالها اليوم حابساً".
-8-
وفي ص 304: "قال الشاعر: أبي الذي أخنب رِجل ابن الصَّعِق".
قال المحقق: رجز ينسب لعمرو بن أحمر ولغيره. انظر شعره 185"(12)، وأقول: نسب في اللسان والتاج (خنب) وفي التاج (صعق) إلى ابن أحمر؛ فزُج في شعره، ولكن ابن بري فيهما قال: هو "لتميم بن العمرَّد".
-9-
وفي ص 400: "كأس رنوناة وطِرَّفٌ طِمرْ".
أقول: وفي "طِرَّف" بالراء المشددة المفتوحة خطأ في الضبط، صوابه: "طِرْف" بالراء الساكنة، وهو كذلك في المعجمات (رنو) التي بين يديّ، وأغلبها من مصادره!.
-10-
وفي ص 435: "لم تظلم الجيد ولم تشتفِر".
أقول: وفي "تشتفِر" تحريف، صوابه: "تشفتِر"، وهو كذلك في المعجمات (زغل) و (شفتر) التي بين يدي، وأغلبها من مصادره!.
-11-
وفي ص 466: "وهو قول الراجز: ولا أيُّ من عاديت أسقي سقائيا".
أقول: الصواب: "قول الشاعر"، لأن الشطر من البحر الطويل، وصاحبه ابن أحمر الباهلي لم يوصف بـ "الراجز" أبداً. وكان من واجب المحقق الفاضل أن يثبت ما ورد في الأصول الأخرى من مجمل اللغة: "قال"، لتصح العبارة.
-12-
وفي ص 659: "شربت وبات على نقاً مُتهدد".
أقول: وفي "شربت" بالباء الموحدة تصحيف، صوابه: "شريت"(13) بالياء المثناة من تحتها، وهو كذلك في التكملة 3/488 والأساس واللسان والتاج (عرش) والمحكم 1/121 والمقاييس 4/267 والصحاح 1010 وكلها من مصادره!.
-13-
وفي ص 672: "وأنت من أفنائه مُعتصر".
أقول: وفي "أفنائه" بالهمز تصحيف، صوابه: "أفنانه"(14) بالنون، وهو كذلك في سمط اللآلي 555 وإصلاح المنطق 407 وتهذيبه 842 وجمهرة اللغة 1/277 والمقاييس 2/483 و 4/344 وأمالي القالي 1/249 وتهذيب اللغة 2/18 و 15/213 والخصائص 2/23 والصحاح 131 و 749 واللسان والتاج (عصر) وشروح سقط الزند 11 والمحكم 1/266 والأفعال 1/211 والمخصص 12/232 وكلها من مصادره أيضاً!.
-14-
وفي ص 682: "في بيت ابن أحمر: أُولي الوعاوع كالغطاط المقبل".
أقول: الصواب: "أُولَى". وقد صوب الصغاني في التكملة 4/158 رواية الصحاح 1147 هذه، وأضاف: "ليس البيت لابن أحمر، وإنما هو لأبي كبير الهذلي". والمحقق الفاضل أفلح حين عثر عليه في ديوان الهذليين 2/91 في قصيدة، يزعم بعض الرواة –كما ذكر البغدادي في خزانة الأدب 3/467- أنها لتأبط شراً، ولم أجدها في شعره المجموع، الذي صنعه سلمان داود القرغولي وجبار تعبان جاسم.
-15-
وفي ص 820: "وقال ابن أحمر:
.......... وصادفت نعيماً وميداناً من العيش أخضرا".
قال المحقق: "في شعره 79(15)، ولم يكمل البيت"، وأقول: إن الصغاني – وهو من مصادره!- صحح في التكملة 2/347 رواية الصحاح 538 هذه؛ فقال: "وهو غلط وتحريف، والرواية: أغيدا، والقافية دالية"، ثم روى البيت تاماً:
وأنْ خضَمت ريق(16) الشباب وصادفت نعيماً وميداناً من العيش أغيدا
-16-
في ص 80: "قال: بارك فيك الله من ذي أل".
قال المحقق: "قائله أبو الخضر اليربوعي كما في أمالي القالي 1/41 والتنبيه 28 واللسان (ألل)"، وأقول: أضيف إلى ما قاله: هو أيضاً في (ملحقات بأراجيز ديوان العجاج) 2/313 والألُّ: السرعة.
وبعد، فإن في هذه النموذجات من الأخطاء لدليلاً على أن معجم (مجمل اللغة) يحتاج إلى تتبع طويل وتخريج واع وتدقيق صادق على الرغم مما بذله المحقق من عناء صعب في سبيل خدمة تراث أمتنا العربية.
إن مثل هذه المعجمات –مهما يبذل فيها من جهد طيب وتعب بيِّن- لن تبلغ الصورة القريبة من النضج إلا بالتعاون الجاد بين مجموعة من المحققين(17)، لتصب الروافد الكثيرة في مجرى واحد؛ فتكون الفائدة أنقى وأعذب، وتكون النتيجة أجل وأعظم... وحسب محققه، الأستاذ زهير عبد المحسن سلطان، أنه في تلك الساح كان فارساً مجلياً، وفوق كل ذي علم عليم.
محمد محيي الدين مينو
كلية الآداب- جامعة البعث.
الحواشي
(1 و 2)مقدمة المحقق 22.
(3)راجع المصدر السابق نفسه 22 وما بعدها.
(4)مقدمة المؤلف 75.
(5)المصدر السابق نفسه 75.
(6)يمكننا هنا أن نشير إلى وجود ثلاث نسخ مخطوطة من المجمل، لم يطلع المحقق عليها، في المكتبة الظاهرية بدمشق، وأرقامها: 1561 و 1603 و 5522.
انظر: فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية: علوم اللغة العربية 51 وما بعدها.
(7)جمع أستاذنا الفاضل الدكتور حسين عطوان شعر عمرو ابن أحمر الباهلي؛ فنشره في أواخر الستينات مجمع اللغة العربية بدمشق. وقد انتهيت مؤخراً من صنع شعره كجزء من رسالة ماجستير في جامعة دمشق.
(8)اعتمد د. عزة حسن في نسبته إلى ابن مقبل رواية ديوان الأدب 1/106 واللسان والتاج (جسر).
(9)انظر أيضاً: التاج (جسر).
(10)اعتمد د. عطوان في نسبته إلى ابن أحمر وإلى الأزرق رواية اللسان والتاج (جول).
(11)اعتمد د. عطوان في نسبته إلى ابن أحمر رواية اللسان والتاج (حرم)، ولم يتحقق في ذلك؛ فزجه في الصحيح من شعره.
(12) اعتمد د. عطوان في نسبته إلى ابن أحمر رواية اليزيدي 139 والصحاح 123 واللسان والتاج (خنب).
(13)شريت، بالياء المثناة: لجّت في الأمطار، وألحّت به.
(14)أفنانه بالنون: طرائقه ونواحيه.
(15) اعتمد د. عطوان رواية المقاييس 5/288، ولم يحرر هذا النقص.
(16)في التكملة 2/347: "ريق" بكسر الراء، وهو الرُّضاب، والمعنى يأباه. وريِّق الشباب: أوله، وقد خففه الشاعر؛ فقال: "رَيْق".
(17)ثمة أمثلة عدة على تحقيق المعجمات بصورة جماعية، ومنها: التكملة للصغاني، وتهذيب اللغة للأزهري، والتاج للزبيدي، واللسان لابن منظور، والمحكم لابن سيده وغيره.
ملاحظة:
نشرت الطبعة الأولى من "مجمل اللغة" التي بين أيدينا، مؤسسة الرسالة في بيروت 1404هـ/ 1984م بأربعة أجزاء في مجلدين من القطع الكبير. وثمة –يقول محققه- طبعتان غير محققتين للجزء الأول منه: الأولى بمطبعة السعادة بمصر 1914م والأخرى بالمطبعة ذاتها 1947م، ثم حقق الجزء نفسه السيد هادي حسن حمودي كرسالة ماجستير في جامعة بغداد.
المصادر والمراجع:
أولاً المطبوع:
(1)أساس البلاغة لجار الله الزمخشري (ت 538هـ). دار صادر في بيروت 1979.
(2)إصلاح المنطق لابن السكيت، أبي يوسف يعقوب بن اسحاق (ت 244هـ) شرح وتحقيق أحمد محمد شاكر، وعبد السلام محمد هارون. ط 3 دار المعارف بمصر 1970م.
(3)الأفعال لأبي عثمان السرقسطي (توفي بعد الأربعمائة من الهجرة). تح: د. حسين محمد محمد شرف. ط1 مجمع اللغة العربية في القاهرة 1980م.
(4)أمالي القالي (ت 356هـ). المكتب الإسلامي بدمشق (د. ت).
(5)تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري، أبي نصر إسماعيل بن حماد (ت 400هـ). تح: أحمد عبد الغفار عطار. دار الكتاب العربي بمصر 1956م.
(6)تاج العروس من جواهر القاموس للسيد محمد مرتضى الحسيني الزبيدي (ت 1205هـ). حققه عدد من الأساتذة المحققين، ونشرته حتى الجزء الحادي والعشرين وزارة الإعلام في الكويت. وثمة نشرة أخرى منه، طبعته كاملة الخيرية بمصر 1301هـ.
(7)التكملة والذيل والصلة لكتاب (تاج اللغة وصحاح العربية) للصغاني، الحسن بن محمد (ت 650هـ). حققه عدد من الأساتذة المحققين. مجمع اللغة العربية في القاهرة 1979م.
(8)التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه لأبي عبيد البكري (ت 487هـ) ط1 دار الكتب المصرية بالقاهرة 1926م.
(9)تهذيب إصلاح المنطق للخطيب التبريزي (ت 502هـ). تح: د. فخر الدين قباوة. ط1 دار الآفاق الجديدة في بيروت 1983م.
(10)تهذيب اللغة لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري الهروي (ت 370هـ). تح: عدد من المحققين. وزارة الثقافة في مصر 1967م. وثمة مستدرك له، حققه الدكتور رشيد عبد الرحمن العبيد، وأصدرته الهيئة المصرية العامة للكتاب 1975م.
(11) جمهرة اللغة لابن دريد الأزدي (ت 321هـ). ط 1 مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بالهند 1932م.
(12)خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب على شواهد شرح الكافية لعبد القادر البغدادي (ت 1093هـ). دار صادر في بيروت (د.ت).
(13)الخصائص لابن جني (ت 392هـ). تح: محمد علي النجار. ط2 دار الهدى في بيروت (د. ت).
(14)ديوان الأدب لأبي إبراهيم اسحاق بن إبراهيم الفارابي (ت 350هـ). تح: د. أحمد مختار عمر. طبعة 1 مجمع اللغة العربية في القاهرة 1979.
(15)ديوان الراعي النميري. جمعه وحققه راينهرت فايبرت. المعهد الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت 1980م.
(16)ديوان العجاج. تح: د. عبد الحفيظ السطلي. المطبعة التعاونية بدمشق 1971م.
(17) ديوان ابن مقبل. تح: د. عزة حسن. وزارة الثقافة بدمشق 1962م.
(18)ديوان الهذليين. الدار القومية للطباعة والنشر في القاهرة 1965م.
(19)سمط اللآلي للبكري (ت 487هـ). تح: عبد العزيز الميمني. لجنة التأليف والترجمة والنشر في القاهرة 1936م.
(20)شرح أبيات سيبويه لأبي محمد يوسف بن أبي سعيد السيرافي (ت 385هـ). تح: د. محمد علي سلطاني. دار المأمون للتراث في بيروت ودمشق 1979م.
(21)شروح سقط الزند للتبريزي (ت 502هـ) والبطليوسي (ت 521هـ) والخوارزمي (ت 617هـ). تح: لجنة إحياء آثار المعري في وزارة المعارف العمومية. مطبعة دار الكتب المصرية في القاهرة 1948م.
(22)شعر تأبط شراً. تح: سلمان داود القرغولي وجبار تعبان جاسم ط1 مطبعة الآداب في النجف 1973م.
(23)شعر عمرو بن معد يكرب. تح: مطاع الطرابيشي. مجمع اللغة العربية بدمشق 1974م.
(24)فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية: علوم اللغة العربية. صنعته أسماء حمصي. مجمع اللغة العربية بدمشق 1973م.
(25)لسان العرب لابن منظور (ت 711هـ). حققه عدد من الأساتذة المحققين. دار المعارف بمصر 1981م.
(26)المحكم لابن سيده الأندلسي (ت 458هـ): حققه عدد من المحققين. ط1 القاهرة 1958م.
(27)المخصص لابن سيده. دار الفكر في بيروت 1978م.
(28)مقاييس اللغة لابن فارس (ت 395هـ). تح: عبد السلام محمد هارون. ط2 منشورات البابي الحلبي بمصر 1972م.
ثانياً: المخطوط:
(29)"شعر عمرو بن أحمد الباهلي" جزء من رسالة ماجستير، أعدها بإشراف الدكتور عبد الحفيظ السطلي، أستاذ الأدب الجاهلي في كلية الآداب بجامعة دمشق. ------------------ نشر هذا البحث في : مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 24 - السنة السادسة - تموز "يوليو" 1986 - ذو القعدة 1406 |
|
|
|
|
<< البداية < السابق 1 2 3 التالي > النهاية >>
|
|
الصفحة 2 من 3 |