الرئيسية | المعجمية العربية
 

صفحة شبكة صوت العربية في فيسبوكtwitterقناة شبكة صوت العربية في يوتيوبشبكة صوت العربية في موقع فليكر

المعجمية العربية
المعجم التاريخيّ لدى المستشرق الألماني أوجست فيشر : دراسة تقويمية : ندوة المعجم التاريخي للغة العربية بفاس طباعة إرسال إلى صديق
تقييم المستخدمين: / 13
سيئجيد 
الكاتب عبد العزيز الحميد   
الاثنين, 19 أبريل 2010 15:12

بحث ( المعجم التاريخيّ لدى المستشرق الألماني أوجست فيشر : دراسة تقويمية )

إعداد : عبد العزيز بن حميد بن محمد الحميد

مقدّم إلى ( ندوة المعجم التاريخي للغة العربية - قضاياه النظرية والمنهجية والتطبيقية )

فاس 23-25 ربيع الثاني 1431هـ /  8 -10 أبريل  2010 م

أوجست فيشر ( 1865-1949 )([1]) August Fischer

مستشرق ألماني اعتنى بدراسات اللغة العربيّة ، ونهج منهج أستاذه هاينرش ليبرشت فلايشر مؤسس مدرسة ليبزج في الاستشراق الألماني ، وهو منهج يقوم على الاستناد الوثيق إلى الشواهد اللغويّة العربيّة ، وإلى أعمال اللغويّين والنحاة العرب ، والابتعاد عن الافتراض من غير أساس .

برع في علوم اللغة تأليفاً وتدريساً ، وتولى التعليم في معهد اللغات الشرقيّة ( 1896-1900 ) ، وشغل كرسي اللغات الشرقيّة في جامعة ليبزج ( 1900-1939 ) .

تَلْمَذ عليه أعداد كبيرة من الدارسين من أنحاء كثيرة ، من أشهرهم المستشرقون : شاده وبرجستراسر وجراف .

وعُيّن عضواً في مجمع اللغة العربيّة في مصر بعد إنشائه ، واستمرّ يتردّد على القاهرة في شتاء كلّ عام حتى عام 1939م بعد قيام الحرب العالميّة الثانية ، حيث لم يستطع الرجوع واستمرت عضويته في المجمع إلى سنة 1945م ، وتوفي سنة 1949م

من أعظم أعماله العلميّة مشروع معجمه التاريخيّ للغة العربيّة ، والذي قضى في جمع مادّته أربعين سنة ، وهو موضوع هذه الدراسة .

ويحسن بنا قبل دراسة معجمه أنْ نشير إلى بعض مشاركاته في القضايا اللغويّة أثناء عضويته في مجمع اللغة العربيّة بالقاهرة :

وضع خطّة المعجم التاريخيّ الكبير :

كان فيشر عضواً في لجنة المعجم في المجمع ، ولذا طُلب منه وضع خطّة للمعجم التاريخي الكبير ، وقدّم تقريراً خاصّاً به يشتمل على الخطّة كاملة([2]) ، ويظهر لي أنّ تلك الخطّة كانت لدى فيشر أعدها لمعجمه التاريخيّ ، وحينما طُلب منه خطّة للمعجم الكبير قدّمها إلى المجمع ، وممّا رجّح لديّ هذا الرأي أنّ عبد القادر المغربي - وهو أحد الأعضاء - كتب بحثاً عنوانه ( معجم الدكتور أ. فيشر - وصفه ونقده )([3]) ، وقد أقام دراسته لمعجم فيشر على تقرير قدّمه فيشر نفسه إلى المجمع في الدورة الثالثة سنة 1936 عن معجمه ملتمساً من المجمع النظر فيه وإصدار قرار بطبعه على نفقة المجمع ، وأرفق به نماذج للمعجم هي مادّة ( أخذ ) ومعانيها ، ليطّلع عليها الأعضاء ، واستعرض المغربي معاني ( أخذ ) بالنقد والتحليل .

ويدل ما مضى على أن فيشر كان قد قدّم تقريراً عن معجمه مع نموذج مادة ( أخذ ) ، كما أنّه قدّم تقريراً عن المعجم التاريخي الكبير للغة العربية للمجمع مع نموذج مادة ( أخذ ) ، وهو ما يرجح أن فيشر قدّم التقرير والنموذج مرّتين : خطّةً لمعجمه الخاصّ ، وخطّةً للمعجم التاريخي الكبير للغة العربية .

وعندما ننظر نظرة إجماليّة إلى التقرير نجده ناضجاً من حيث شموله أهمّ القضايا ، حيث قسّمه إلى مقاصد خمسة :

المقصد الأوّل : في أنواع محتويات المعجم : ذكر فيه أنواع المصادر التي تؤخذ منها الألفاظ .

المقصد الثاني : في طريقة جمع محتويات المعجم : ذكر فيه طريقة جمع الموادّ التي سبق ذكر مصادرها ، فيفرد جزازة لكلّ كلمة وتركيب ومعنى .

المقصد الثالث : في ترتيب المعجم : ذكر فيه ترتيب المعجم على الحرف الأوّل والثاني وهكذا ،  ثمّ الترتيب الداخلي للمادّة.

المقصد الرابع : في قواعد المعجم غير المذكورة : ذكر فيه عدداً من قواعد المعجم وهي : ضبط كلمات المعجم ، وإثبات كلّ الكلمات والتراكيب والمعاني بشواهدها وما يتعلق بها من التوثيق ، وترتيب الشواهد تاريخيّاً لمعرفة تاريخ الكلمات .

المقصد الخامس : في نقل محتويات المعجم إلى لسان أوربّي : أراد به إضافة ترجمة إنجليزيّة أو فرنسيّة للكلمات والتراكيب في المعجم .

المعجم اللغويّ التاريخيّ ( معجم فيشر ) :

يُعدّ معجم فيشر من أفضل معاجم المستشرقين التي أثّرت في الدراسات المعجميّة العربيّة .

وكانت بداية مشروعه في أوائل القرن العشرين ، عندما عرض فكرته في ثلاثة مؤتمرات استشراقيّة في باسل عام 1907 ، وكوبنهاكن عام 1908 ، وأثينا عام 1912 ، حيث لقي قبولاً واستحساناً .

واستعان ببعض الجهود التمهيديّة التي قام بها قبله بعض أساتذة العربيّة بالقسم العربيّ بجامعة ليبزج ، مثل : هاينريش ليبرشت فلايشر ، وهاينريش توربيكه ، ووَكَل إلى بعض تلامذته انتقاء مختارات من دواوين الشعراء ، وممن تعاون معه فريتس كرنكو ، ويوهانس بيدرسن([4]) .

وابتدأ فيشر بالعمل في معجمه مدعوماً دعماً متقطّعاً من بعض الجهات الألمانيّة ، وعندما أصبح فيما بعد عضواً في مجمع اللغة العربيّة بالقاهرة تيسّر له طرح فكرته على أعضاء المجمع ، وبعد مداولات وطرح لآراء عديدة وافق المجمع والحكومة المصريّة على تبني هذا العمل وتحمل تكاليفه .

ولا شكّ أنّ قبول المجمع ذلك المشروع يعدّ دليلاً على جهد فيشر المعجميّ ، حيث استطاع أنْ يقنع المجمع بالتصوّر المعجميّ الاستشراقي القائم على نقد المعاجم العربيّة ومعاجم المستشرقين التي سارت على منوالها ، لما فيها من عيوب عديدة ، ذلك التصوّر الذي يذهب إلى أخذ مفردات العربيّة من مصادرها الأصليّة - متى أمكن - لا من المعاجم العربيّة([5]) ، ومن تلك المصادر ما يعدّ خارجاً عن مفهوم الفصاحة الذي حدّده المعجميّون العرب .

إنّ ذلك الاعتراف المجمعي بعمل فيشر - وإنْ لاقى المعارضة من بعض الأعضاء - دليل على أثر الاتّجاه الاستشراقي في ميدان الدراسات العربيّة للمعجم ، حيث أوجد لنفسه مكاناً في ذلك الميدان المزدحم بالآراء الأخرى ، وبذا أصبح ذلك الاتّجاه واحداً من الاتّجاهات في الصناعة المعجميّة .

أمّا عن مصدر اتّجاه فيشر في معجمه فغير متّفق عليه ، وفي التصدير الذي كتبه د. إبراهيم مدكور - الأمين العامّ للمجمع - للمطبوع من معجم فيشر ، ذكر أنّ معجم أكسفورد التاريخيّ كان مثل فيشر الأعلى ، حيث أراد تطبيق منهجه في اللغة العربية([6]) .

أمّا أ. د. محمّد رشاد الحمزاوي فذهب إلى خلاف ذاك الرأي ، بل إنه نفى صحّة رأي د. مدكور ، وذهب إلى أنّ الذي أوعز بفكرة المعجم التاريخيّ إلى فيشر هو المستشرق توربيكه ، وفي موضع حديثه عن المظاهر التاريخيّة والأصوليّة والإعرابيّة والنحويّة والتعبيريّة والأسلوبيّة في معجم فيشر ، ذكر أنّ الذي أوحاها إلى فيشر هو المستشرق ف. هيرديكن  F. Heerdegen  في علم اللغة اللاتينيّة  Lateinsche Lexikographie ، حيث أشار فيشر إلى أنّ بعض الآراء التي ذكرها عن نظريّة صناعة المعجم ترجع إلى ذلك المستشرق ، وهو دليل اتخذه الحمزاوي لدعم رأيه([7]) ، وكأنّ الحمزاوي ذهب إلى أثر المستشرقين : توربيكه وهيرديكن على فيشر في فكرة المعجم .

ما طبع من معجم فيشر :

طبع جزء من المعجم من أوّل حرف الهمزة إلى ( أبد )([8]) بعنوان ( المعجم اللغويّ التاريخيّ ) ، ذهب أربع وثلاثون صفحة منه في المقدّمة ، وجاء المنشور من حرف الهمزة في ثلاث وخمسين صفحة ، ذهب عشرون منها في الحديث عن أنواع الهمزة ، والباقي منه في كلمات أعجميّة وعربيّة ، ولذا فهو نموذج قصير ، لقلة الألفاظ الغنيّة فيه .

وكنت حاولت الاطّلاع على بطاقات فيشر في مجمع اللغة العربيّة بالقاهرة لإثراء النماذج المدروسة وتوسيعها لتكون شاملة ، لكنّ محاولتي باءت بالفشل([9]) .

ولدينا نموذج آخر([10]) يكشف عن طبيعة المعجم أكثر ممّا كشف لنا النموذج المطبوع ، وهذا النموذج لم يطبع على أنّه جزء من المعجم ، فقد قدّمه فيشر إلى مجمع اللغة العربيّة نموذجاً على نظريّته في المعجم التاريخيّ ، حينما طُلب منه وضع خطّة له ، كما أنّه قدّمه ثانية مثالاً على معجمه التاريخيّ الخاصّ الذي ندرسه هنا  .

والاطّلاع على هذا النموذج الذي هو جزء من مادّة لغويّة واحدة هي ( أخذ ) يدلّ على الشمول والسعة اللذين كان فيشر يسعى أنْ يتّصف بهما معجمه ، حيث يشتمل على الثلث الأوّل من مادّة ( أخذ ) بمعانيها التي جمعها وصنفها .

ذكر فيشر في إحدى جلسات المجمع أنّ لديه ستمائة جزازة في معاني ( أخذ ) ، لكنّه اكتفى بثلث المادّة عندما طلب منه المجمع كراسة صغيرة([11]) ، وستكون الدراسة هنا خاصّة بما طبع من معجم فيشر ، لكنّي سأقف عند نموذج مادة ( أخذ ).

المنهج التاريخيّ في صناعة معجمه :

يمثّل سلوك المنهج التاريخيّ الهدفَ الرئيس في معجم فيشر ، فقد كان صاحب التجربة الناضجة الأولى بين معاجم العربيّة ، ولذا أدار حول هذا الأمر الحديث في عدّة مواضع من مقدّمته ، شأن أي صاحب دعوة جديدة يدعو إلى نظريّته .

المعجم في نظر فيشر :

يعدّ أوجست فيشر من أبرز المستشرقين في ميدان صناعة المعجم ، وأقواهم أثراً فيه ، وكانت جهوده المعجميّة معتمدة على أسسٍ واضحة لديه ، تنطلق من اتّجاهٍ يؤمن به في ميدان المعجم .

ولكي نعرف اتّجاهه في هذا الميدان يحسن أنْ نعرف نظريّته التي دعا إليها ، ثمّ نتعرف تطبيقَه لها في معجمه .

نظريّته في صناعة المعجم التاريخي :

لفيشر نظريّة في تأليف المعجم بيّنها حينما قدّم تقريره الخاصّ([12]) بطريقة تأليف المعجم التاريخيّ الكبير للغة العربيّة ، قدّمه إلى مجمع اللغة العربيّة بالقاهرة ، ذلك التقرير يبيّن المعجم المثاليّ في نظره ، أمّا صنع المعجم فكان شيئاً آخر ، فهو يحتاج إلى من يطبّق تلك النظريّة ، ولذا فحينما بدأ بصنع المعجم التاريخيّ لم يلتزم بكلّ ما ذكره في خطّة المعجم التاريخيّ الكبير ، لأنّ ذلك التقرير أعدّه لمجمع اللغة العربيّة ، أمّا معجمه الخاصّ فلم يلزم نفسه بكلّ ما ذكره هناك ، لأنّه لا يستطيع القيام به وحده .

وممّا فعله فيشر لكي يكون صنع المعجم ملائماً له أنْ جعل له حدّاً زمنيّاً يمتدّ إلى نهاية القرن الثالث الهجري ، وهو زمن العربيّة الفصحى في أوج كمالها .

أمّا ما ذكره في تقريره الخاصّ فلم يحدّد المعجم بفترة زمنيّة ، بل ذهب إلى أنّه يحوي كلّ كلمة وردت في الكتب العربيّة القيّمة دون وضع حدٍّ زمنيّ لنهايته .

وقد يحار الباحث فيما قد يظهر من تناقضٍ أو غموضٍ في آراء فيشر حول معايير قبول المادّة اللغوية ؛ فهو في مناقشاتٍ دارت في المجمع حول المولّد ، واختلاف الآراء في تحديد عصر المولّد قال :" أرى أنّ هناك خلافاً في تحديد زمن المولّدين ، ونحن في أوربّا نرى أنّ زمن المولّدين يبتدئ من دولة بني العبّاس ، وكلام أهل العصر العبّاسي عندنا لا يحتجّ به "([13]) ، وكلامه هذا دليل على إدراكه الفرق بين مستويات الكلام التي سار عليها علماء العربيّة .

ولنا أن نتساءل حول رأيه السابق : هل يؤمن فيشر بقصر الاحتجاج اللغوي على نهاية العصر الأمويّ ، وقد تساءل في مقدمة معجمه عن كيفية كون معجم العربية ملائماً للتطوّر العلمي للعصر الحاضر ، وأجاب عنه بوجوب اشتمال المعجم على كل كلمة – بلا استثناء – وجدت في اللغة([14]) .

وأساس نظريّته أوضحه في بداية تقريره بقوله :" لا ينشأ المعجم على أساس بقيّة المعاجم العربيّة التي نشرت قديماً وحديثاً ، ولا يقتدي بأسلوبها ، بل يمتاز عنها بأشياء مهمة تُعرف ممّا هو آتٍ " ، ثمّ ذكر الأسس لذلك المعجم ، وسأعرضها بعد إعادة ترتيبها على النحو التالي :

الأساس الأول : مادّة المعجم :

في مقدمة معجمه أشار إلى رأيه في المعجم الذي تحتاجه العربية ، فتساءل عن كيفية كون معجم العربية ملائماً للتطوّر العلمي للعصر الحاضر ، وأجاب عنه بوجوب اشتمال المعجم على كل كلمة – بلا استثناء – وجدت في اللغة([15]) .

ولكنه حينما بدأ بإصدار معجمه جعل له حدّاً زمنياً يبدأ بنقش النمارة من القرن الرابع الميلادي وينتهي بنهاية القرن الثالث الهجري ، وفي الزمان الذي حدّد بدايته ونهايته ذهب إلى أنّ كلّ الكلمات التي جاءت في الآداب العربيّة في تلك الفترة يتناول بحث تاريخها .

وأشير إلى الاختلاف بين مادّة معجمه هذا ، وقد حدّدها بنهاية القرن الثالث ، ومادّة المعجم الذي يدعو إليه ، ويمثل نظريّته في المعجم ، وهو المعجم الذي ذكر أن مرسوم إنشاء مجمع اللغة العربية أشار فيه إلى وضع معجم تاريخي للغة العربية ، وقد نبّه إلى التفرقة بين ذلك المعجم ومعجمه بقوله :" وهذا المعجم ليس هو المعجم الذي ذُكر في صفحة 21 أنه من أعمال مجمع اللغة العربية ، وهو – كما يُستدلّ من عنوانه – معجم تاريخي للغة الآداب العربية حتى نهاية القرن الثالث الهجري ، أي حتى منتهى ما وصلت إليه اللغة العربية الفصحى من الكمال "([16]) .

وقد يبدو لنا بعض التناقض في ذهابه إلى أن المعجم الذي تحتاجه العربية يجب أن يحوي كل كلمة في الكتب العربية القيّمة ، ووقوفه في صنع معجمه عند نهاية القرن الثالث الهجري ، إلى جانب إيمانه – كما ذكر - أنّ زمن المولّدين يبتدئ من دولة بني العبّاس ، ولذا فكلام أهل العصر العبّاسي لا يحتجّ به.

ويترجح لي هنا أنّ فيشر كان بين اتّجاهين : أحدهما متأثّر بالنظر إلى اللغة على أنّها دائمة التطوّر ولا حدود لتطوّرها فكلّه مقبول ، وآخر متأثّر بنظرة العرب إلى وجود مستويات للغة محدودة بأزمنة محددة ، منها ما يُقبل ومنها ما يُردّ .

ولذا فعند التطبيق حاول الانتقاء والاصطفاء للمستوى الفصيح المقبول ، فرأى أن مادّة المعجم تحوي جميع الألفاظ وصيغ الألفاظ والتراكيب والمعاني المختلفة للألفاظ الواردة في الكتب العربيّة التي لها أهميَّتها بين المؤلّفات العربيّة القيّمة ، ويتّضح مستوى مادّة المعجم من الاطّلاع على مصادره التي اقترحها وقدّم نماذج لها في خطّته .

مصادر المادّة :

ذكر فيشر في الجزء المطبوع من معجمه قائمة بالمصادر التي أخذ منها شواهده وتعليقاته ، وسردها على الترتيب الألفبائيّ بذكر المختصر الذي يشير إلى المصدر في ثنايا المعجم ، وأمامه اسمه كاملاً ، وأحصيتها فبلغت مائتين واثنين وتسعين مصدراً([17]) ، ومع كثرتها إلاّ أنّها لا تعدّ شاملة لعصور العربيّة أو مواضيعها أو ميادينها ، حيث ذكر أنّه سيقف عند نهاية القرن الثالث الهجري ، وهو تحديد لا يعني أنّه يرى عدم تدوين ما جاء بعد ذلك الزمن ، ولعله أراد بذلك التحديد أنْ يكون التجربة الأولى في صناعة معجم تاريخيّ ، يبدأ بما قبل الإسلام مع القرون الثلاثة ، ثمّ تليها جهود أخرى تستكمل ما نقص منها .

وممّا يُلاحظ على قائمة مصادره أنّها " اختيرت في جُلّها وعن قصد من المصادر المجموعة التي حقّقها ونشرها المستشرقون دون غيرهم ، ولقد اختلطت فيها النصوص المدوّنات بالمراجع الثانويّة ، لأنّ المؤلّف لم يفصل بين النصوص الأصول والمراجع الثانويّة التي يستعين بها للاستدراك على بعض السقطات أو الفراغات في النصوص الأصليّة ، فلقد حشر النوعين من النصوص في زمرة واحدة ، كأنّها متساوية في القيمة من حيث صلتها بالمعجم التاريخيّ "([18]).

وأعرض هنا مصادر فيشر التي وُجدت في البطاقات لجميع الحروف باستثناء حرفي الدال والذال ، وهي صورة لعمله ، لكونها نُقلت من بطاقاته :

1- البخاري       2- عبد الله بن قيس الرقيات       3- الأصمعيات

4- ديوان لبيد     5- ديوان القطامي                  6- ديوان المتلمس

7 - الكميت ( الهاشميات له بتحقيق هيروفتس )        8 - لسان العرب

أمّا حرفا الدال والذال فقد وجد في بطاقاتهما عدد كبير من المراجع غير ما ورد في بقيّة الحروف ، وقد ذكرت بأسماء مختصرة ، منها ما هو مشهور ومنها ما يذكره باسم صاحبه ، ولكنها تعطي المطلع صورة جليّة عن مراجعه :

1 – القرآن                  2- الكامل                 3- التاج

4- الجاحظ                  5- المفصل                 6- القزويني

7- البحتري                 8- الأضداد               9- القاموس

10- المزهر                  11- الثعالبي    12- الشنفرى

13- الفرزدق  14- المتنبي  15- الأخطل 16- الزمخشري

17- حمزة الأصفهاني       18- ابن خلدون         19- سيبويه

20- الأغاني                 21- المعلقات   22-ديوان الحماسة

23- البيضاوي              24- علقمة               25- الطبري

26- أبونواس               27- ابن بطوطة           28-المقريزي

29- كعب بن زهير        30- البيروني              31- ابن الوردي

32- البكري                33- الكشاف             34- الحادرة

35- ياقوت                 36- الملاحن              37- المجنون

38- الواقدي               39- الأعشى           40- المقصورة

41- الجوهري     42- المثقب العبدي      43- خليل الظاهري

44- المعرّي        45- ألف ليلة وليلة      46- الدرة اليتيمة

47- السموءل     48- الواحدي  49- أبو بكر الخوارزمي

50- المقدسي      51- مجموعة من أعمال بعض الغربيين([19]) .

ويتّضح من تلك المصادر أنّ فيشر رجع إلى مصادر من تلك التي اعتمدها علماء العربيّة ، إلى جانب كتب أخرى من عصور مختلفة بما فيها العصر الحديث ، وسبب غلبة المراجع القديمة المشتملة على الفصيح دون غيره ، ليس لكونه يؤمن بحدود الفصاحة التي ضربها العلماء ، وإنما لكونه ذكر أنّه سيقف في تتبع التطوّر التاريخيّ للمعاني عند نهاية القرن الثالث الهجري .

ولم يلتزم فيشر في مصادره بأنْ تكون كلّها من كتب الأصول التي تحتوي على الألفاظ ، حيث كان هدفه ذلك ، إلاّ أنّه نبّه في مقدّمته إلى أنّ من الكلمات ما لم يجد لها شواهد في المصادر الأصليّة ، ولذا رجع إلى بعض المعاجم العربيّة القديمة ، مثل :

1- الجمهرة - ابن دريد .

2- تاج العروس – الزبيدي .

3- الصحاح – الجوهري .

4- العين – الخليل .

5- القاموس المحيط – الفيروزآبادي .

6- لسان العرب – ابن منظور .

7- المجمل – ابن فارس .

8- المخصّص – ابن سيدة .

9- مقاييس اللغة – ابن فارس .

ورجع أيضاً إلى كتبٍ حديثةٍ لمستشرقين ، مثل :

1- قواعد النحو العربيّ – هـ. ركندورف .

2- القرابة والزواج عند العرب القدماء – و. ر. سميث .

3- في نحو اللغة العربيّة الفصحى – ت. نولدكه .

4- ذيل للقواميس العربيّة – ر. دوزي ، وهو تكملة المعاجم العربيّة .

5- مدّ القاموس – لين .

6- مستدركات على المعاجم العربيّة – للنمساوي أ. فون كريمر .

7- دائرة المعارف الإسلاميّة .

والتعليل لرجوعه إلى كتب حديثة للمستشرقين – كمعجم دوزي - هو أنّ أغلبها مختص بالعربيّة الفصحى ، فالمهمّ عنده أنْ تكون الألفاظ داخلةً في تحديده الزمني ، أمّا الكتب فلا ضير أنْ تكون من عصور متأخرة .

ولنا أنْ نتساءل عن التوفيق بين ما ذكره فيشر من أنّ معجمه معجم تاريخيّ للغة حتى نهاية القرن الثالث الهجري ، والمصادر التي رجع إليها بعد القرن الثالث مثل : أساس البلاغة واللسان والقاموس المحيط ، ومعاجم المستشرقين كمعجم لين  ( مدّ القاموس ) ، والذي يظهر لي هنا أنّ تحديده الزمني هو للمادّة اللغويّة ، فلا يدخل في معجمه إلاّ ما كان في نطاقها الزمني ، أمّا المصادر فغير مقصود تحديد زمنها ، بل المهمّ أنْ تكون مادّتها من ذلك العصر ، وهذه القضيّة قد تُسبّب التوهّم بأنّ فيشر اقتصر في المصادر حتى نهاية القرن الثالث .

ووقع في الوهم بعض الباحثين فظنّ أنّ التحديد للمصادر ، فالمستشرق الألماني مانفريد أولمان قال :" فقد كانت مقتبساته تقتصر على المصادر المؤلّفة حتى عام 300 هـ "([20]) ، ووهِم د. أحمد مختار عمر أيضاً فرأى أنّ فيشر وقع في تناقضٍ فرجع إلى الزمخشري في القرن السادس([21]) .

وممّا رجّح لديّ أنّ التحديد للمادّة لا للمصادر ذكرُه أنّ معجمه " معجم تاريخيّ للغة الآداب العربيّة حتى نهاية القرن الثالث الهجري ، أي حتى منتهى ما وصلت إليه اللغة العربيّة الفصحى من الكمال "([22]) ، وهو صريح في تحديده اللغة التي يحويها بنهاية القرن الثالث .

أمّا مصادر المادّة للمعجم التاريخيّ الذي تحتاجه العربية فهي أوسع من مصادر معجمه ، ففي التقرير الخاصّ بتأليف المعجم التاريخي الكبير للغة العربية ، وهو التقرير الذي قدّمه إلى المجمع ، ذكر أنواع محتويات المعجم فذكر أنه يشمل جميع الألفاظ وصيغ الألفاظ والتراكيب والمعاني المختلفة للألفاظ الواردة في الكتب العربية التي لها أهميتها بين المؤلفات العربية القيمة ، وكذلك الواردة في خير المعاجم العربية الكبيرة ، وتكملة المعاجم العربية لدوزي والعديد من المستشرقين .

وقد يبدو ذكر فيشر المعاجم العربية من مصادر المادة غريباً لأن الأصل لديه أن تكون مصادرُ المعجم المصادرَ الأصلية الأولى للعرب لا المعاجم ، لكنه رأى الرجوع إلى المعاجم عند عدم وجود مصدر لأحد الألفاظ ، وقد صرّح بعدم الرجوع إلى المعاجم في إحدى مداولات المجمع حول مصادر المعجم([23]) ..

وتلك المصادر التي ذكرها في تقريره أراد بها تقديم نماذج منها ، ولم يرد بها الحصر ، وبعد نهاية حديثه عن نظريّته قدّم نموذجاً للمعجم من مادّة ( أخذ ) ، ثمّ قدّم قائمة بالمصادر التي رجع إليها ، فبلغت ( 131 ) مصدراً ، ولا شكّ أنه لم يرد بها الحصر أيضاً فلو اطّلعنا على قائمة مصادر معجمه التي وضعها في نهاية الجزء المطبوع منه فسنجدها أكثر من هذه ، حيث بلغت ( 292 ) مصدراً ، مع أن معجمه يقف عند نهاية القرن الثالث ، أمّا دعوته هنا إلى المعجم التاريخي فأراد بها معجماً شاملاً للعربية في جميع العصور ، فيتّضح أن مصادر المعجم التاريخي الذي دعا إليه ستكون شاملة لكل العصور ، وستكون أكثر من مصادر معجمه .

طريقة جمع المادّة :

ذكر طريقة جمع مادة المعجم باستعمال جذاذات ، بأن يُفرَد لكلّ كلمة وتركيب ومعنىً جذاذةٌ خاصّة ، وتُصمّم كما يلي  :

على يمينها الكلمة المخصوصة بين هلالين كما هي في المصدر المنقولة منه.

على يسارها يذكر الفعلُ الماضي إنْ كانت الكلمة المخصوصة فعلاً ، والمفردُ مرفوعاً إنْ كانت الكلمة اسماً .

في أعلاها أصل الكلمة .

وفيها ذكر الجملة أو البيت الذي وردت فيه ، وتفسيرها ، وذكر قائلها والمصدر مع رقم الصفحة والسطر في النثر ، ورقم القصيدة أو القطعة أو البيت في النظم ، ثم نبّه إلى ترتيب الجذاذات بعد الفراغ ترتيباً ألفبائيّاً .

وأورد نموذجين على تصميم بطاقاته ، واحد للأفعال والآخر للأسماء ، وأوردهما هنا زيادة في التوضيح :

نموذج للأفعال :

بكى

( نَبْكِ )                                              بَكَى

معروف

( to weep ; pleurer )

امرؤ القيس : المعلقة بيت 1

نموذج للأسماء :

نزل

( ومَنْزِلِ )                                      مَنْزِلُ

مكان النزول : معروف

habitation temprary quartersof nomads , camp; temporaire de bedouins

امرؤ القيس : المعلقة بيت 1

 

وطريقة جمع مادة المعجم التي ذكرها كانت ملائمة لعصره ، لكنّها الآن تبدو وقد تجاوزها الزمن في عصر الحاسب ، ويعلم أيّ متخصص أن الحاسب يعطي المعجميين إمكانات كبيرة لجمع موادّ المعجم وصياغتها وترتيبها .

وقد خصّ بعض مكوّنات مادة معجمه بالتنبيه على ما يذكره وما لا يذكره منها ، ومن أهمّها :

¨ أورد أسماء الأشخاص والقبائل والبلاد أحياناً إذا احتمل أنّها تبين معنى اسم جنس .

¨ لم يورد المشتقات القياسيّة مثل : صيغ الأفعال ، وصيغ أسماء الفاعل والمفعول ، وصيغ المصادر للأفعال المزيدة ، إذا لم يكن لها معان خاصّة .

فإنْ كان لها معانٍ خاصّة أوردها مثل : حاكم ، شاهد ، عامل ، قاضٍ ، كاتب ، والٍ ، مؤذن ، مسلم ، مؤمن ، مشرك ، مبتدأ ، مجتهد ، متحسب ، تاريخ ، تجنيس ، مزاوجة ، إسلام ، إضافة ، إقواء ، اقتضاب ، استدراك([24]) .

الأساس الثاني : المداخل :

بنى فيشر مداخل معجمه بالتفريق بين الكلمات العربيّة والأعجميّة على النحو التالي :

مع الكلمات العربيّة :

جعل المدخل المادّةَ الأصليّة مجردة من الزوائد ، ووضع تحتها مشتقاتها ، شأنه شأن أغلب المعجميّين الذين يدركون قيمة وضع المشتقات تحت مادّة واحدة في العربيّة ، لكونها لغة اشتقاقيّة .

ومع وضوح هذا الأمر لكنّي أورد بعضاً من مداخله لكون بعضها حروفاً وبعضها كلمات :

بدأ معجمه بذكر بعض أنواع الألف في مداخل منفصلة على النحو التالي :

( ألف الاستفهام ) ثمّ ( حرف القسم ) ثمّ ( ألف النداء ) .

ثم ( إ ) ثمّ ( آ ) ثمّ ( آء ) ثمّ ( آح ) في مداخل مستقلّة .

وبعد أنْ ذكر عدداً من الكلمات الأعجميّة أورد ( أب ) وأحال إلى ( أبو ) ، ثم ذكر مدخلاً آخر هو ( أبب ) وذكر تحته ما اشتق منه في عنوانات مستقلّة مثل ( أبَّ ) و ( إيتبَّ ) و ( أبٌّ ) و ( أُباب ) و ( إبّانٌ ) .

مع الكلمات الأعجميّة :

جعل لكلّ كلمة أعجميّة مدخلاً خاصّاً ، يوردها على صورتها التي هي عليها ، دون أنْ يعيدها إلى أصل عربيّ ، إلاّ إذا تصرّف بها العرب ، قال في مقدّمته :" والكلمات الأعجميّة المعرّبة الزائدة على ثلاثة أحرف تتبع الكلمات العربيّة في ترتيب المعجم إنْ تصرّف فيها العرب بالاشتقاق ، مثل : إبريق ، دكان ، ديباج ، أسوار ، سراويل ، وهلمّ جرّاً ( تجدها في مادّة " برق " ، "دكن" ، " دبج " ، " سور " ، " سرول " وهلمّ جرّاً ) .

أمّا ما لم يتصرّف فيه العرب بالاشتقاق فتعتبر حروفه كلّها أصليّة ، مثل إبريسم ، إستبرق ، بنفسج ، سفرجل ، شطرنج ، وهلمّ جرّاً ، غير أنّي أوردت أيضاً "  إبريق  ، دكان ، ديباج ، أسوار ، سراويل " ، وهلمّ جرّاً على حدة ، مشيراً إلى مادّة " برق " ، " دكن " ، " دبج " ، " سور " ، " سرول " وهلمّ جرّاً ، لكي يتيسر العثور على جميع الكلمات الأعجميّة المعرّبة دون عناء "([25]).

ومن أمثلة الكلمات الأعجميّة :

أورد بعد ( آح ) :

( آذين ) وهي فارسيّة .

ثم ( آزاذمرد ، آزادمرد  ) وهي فارسيّة .

ثم ( آسمانجونيّ ، أسمانجونيّ ) وهي فارسيّة .

ثم ( آهندال ) وهي فارسيّة ، وكلّ تلك الكلمات في مداخل مستقلّة .

الأساس الثالث : الترتيب :

يشمل الترتيب في المعجم ترتيبين :

ترتيب خارجي للمداخل ، وترتيب داخلي للمشتقات فيها ، ونبّه فيشر إلى الترتيبين على النحو الآتي :

ترتيب المداخل بمراعاة الحرف الأوّل والثاني والثالث ، وأشار إلى ترتيب اللسان والقاموس ونحوهما بأنّه ليس حسناً لسببين :

¨ لوقوع اللبس عندما يكون الحرف الأخير حرف علة .

¨ لكثرة وقوع الحرف الأخير غير أصلي مثل أخ وأب وابن واست وماء ، من : أخو و أبو و بنو و سته و موه ، ولصعوبة ترتيب الكلمات الأحاديّة والثنائيّة مثل حروف المعاني والضمائر .

ترتيب المشتقات : بدأ فيشر في ترتيبه المشتقّات بالفعل المجرّد ثمّ المزيد بحرف ثمّ بحرفين ثمّ بثلاثة أحرف ، وتكون أبنية الأفعال على الترتيب التالي :

فَعَل ، فَعِل ، فَعُل ، فَعّل ، فاعَل ، أفْعَلَ ، تَفَعّلَ ، تَفاعَل ، انْفَعَل ، افْتَعَل ، افْعَلّ ، استفعل ، افْعالّ ، افْعَوْعَل ، افْعَوّلَ ، افْعَنْلَلَ ، افْعَنْلى .

ثمّ الأسماء بعد الأفعال على ترتيب الأفعال : المجرّد ثمّ المزيد ، وهكذا ، وتكون أبنية الأسماء على الترتيب التالي : فَعْل ، فِعْل ، فُعْل ، فَعَل ، فَعِل ، فِعَل ، فِعِل ، فُعُل ، فُعَل ، فَعُل ، فاعِل ، فاعَل ، فَعال([26]) .

ونبّه في خطّة المعجم التاريخي الكبير([27]) إلى أنّ مضارع الثلاثي يذكر عند ذكر ماضيه بعلامات خاصّة تميّزه ، واختار طريقة صاحب ( أقرب الموارد ) على النحو التالي :

الباب الأوّل : باب نصر ينصر ، وعلامته ( ن ) .

الباب الثاني : باب ضرب يضرب ، وعلامته ( ض ) .

الباب الثالث : باب قطع يقطع ، وعلامته ( ع ) .

الباب الرابع : باب علم يعلم ، وعلامته ( ل ) .

الباب الخامس : باب كرم يكرم ، وعلامته ( ر ) .

الباب السادس : باب حسب يحسب ، وعلامته ( س ) وهو قليل .

وذكر ضرورة إيراد مصادر الثلاثي بعد أبنيته .

وتُذكر جميع الأسماء المفردة معها .

وفضّل ذكر الأبنية المقيسة المطّردة كاسم المرّة ، ومصادر ما فوق الثلاثي واسم التفضيل وأفعال التعجب وجمع السلامة بقسميه .

ومن اللغويّين المعاصرين من استحسن ترتيب فيشر للمشتقات عند حديثه عن ضرورة ترتيب المشتقات في المعجم العربيّ ، تجنّباً لما وقعت فيه المعاجم القديمة من عدم التنظيم ، وقد نسبه إلى الغربيين ، ونوّه بتجربة فيشر([28]) .

ومن الأمثلة على الترتيب الداخلي :

¨ مادّة ( أبب ) : بدأ بـ ( أبَّ ) ثمّ ( إيتبّ ) ثمّ الأسماء ( أَبّ ) ثمّ ( أُباب ) ثمّ ( أَبابة وإبابة ) ثمّ ( إبّان )([29]) .

¨ مادّة ( أبد ) : بدأ بذكر أصلها السامي ، ثمّ بدأ بالمشتقات : ( أَبَدَ ) ثمّ ( أَبِدَ ) ثمّ ( أَبّدَ ) ثمّ الخماسي : ( تَأبّدَ ) ثمّ الأسماء : ( إبْد ) ثمّ ( أَبَد ) ثمّ ( أَبِدٌ ) ثمّ ( إِبِدٌ ) ثمّ ( إِبِدَة ، أَبِدَة ) ثمّ ( أَبَدِيّ ) ثمّ ( أَبَدِيّة ) ثمّ ( آبِد ) ثمّ ( أبيد ) ثمّ ( أَبُود ) ثمّ ( أيبد ) ثمّ ( مؤبّد ) ثمّ ( متأبّد )([30]) .

ترتيب الكلمات المعرّبة :

لكون الكلمات المعرّبة غير أصيلة في العربيّة جعل فيشر لها ترتيباً خاصّاً يضبط موقعها دون حدوث اضطراب فيه ، بخلاف ما سار عليه أكثر المعجميّين .

لم يتحدّث عن الكلمات المعرّبة الثلاثيّة إذا وجدت ، ممّا يفهم أنّها تتبع الكلمات العربيّة ، أمّا الكلمات الزائدة على ثلاثة أحرف ففصّل فيها على النحو التالي :

¨ تتبّع الكلماتِ العربيّةَ في الترتيب إنْ تصرّف فيها العرب بالاشتقاق مثل : إبريق ، دكان ، ديباج ، أُسْوار ، سراويل … ( يذكرها في مادّة : برق ، دكن ، دبج ، سور ، سرول ) ثمّ يضعها في مداخل مستقلّة ويحيل إلى مواضعها ليتيسّر العثور عليها .

¨ تعدّ حروفها كلها أصليّة وتُرتّب على صورتها إذا لم يتصرّف فيها العرب بالاشتقاق مثل : إبْرِيْسَم ، إسْتَبْرَق ، بَنَفْسَج ، سَفَرْجَل ، شِطْرَنْج([31]) .

أمثلة على ترتيب المداخل :

المداخل العربيّة رتّبها على المادّة ، وذكر تحتها مشتقاتها ، أمّا الأعجميّة فرتبّها بحسب صورتها التي هي عليها - إذا لم يتصرّف بها العرب - كما في الموادّ التالية :

بدأ فيشر الكتاب بحرف الألف عامّة ، ثمّ ألف الاستفهام ، ثمّ حرف القسم ، ثمّ ألف النداء ، ثمّ ( إ ) ثمّ ( آ ) ثمّ ( آء ) ثمّ ( آحِ ) ثمّ ( آذين ) ثمّ ( آزاذمرد ، آزادمرد ) ثمّ ( آسمانجوني ، أسمانجوني ) ثمّ ( آهندال ) ثمّ ( آي ) ثمّ ( آئين ، آيين ) ثمّ ( أب ) ثمّ ( أبب ) .

ونلاحظ هنا أنّ فيشر رتّب الكلمات الأعجميّة على صورتها التي هي عليها ، لأنّ العرب لم يتصرّفوا فيها بالاشتقاق ، فأوردها بجميع حروفها في الترتيب .

الأساس الرابع : الشرح :

يأتي الشرح رابع أسس صناعة المعجم ، ولدى فيشر نستنبط هذا الأساس ممّا ذكره في خطة المعجم التاريخي الكبير ، ومقدمة معجمه عن طريقة دراسة الألفاظ ، مع ملاحظة الجانب التطبيقي في الجزء المطبوع من معجمه .

ففي خطة المعجم التاريخي الكبير ذكر عدّة قضايا تدخل في بالشرح أعرضها على النحو التالي :

- ضبط جميع كلمات المعجم بدقّة ، إمّا بذكر مثالٍ مشهور ، أو بالنصّ على حركات حروفها.

- الاستشهاد للكلمات والتراكيب والمعاني المختلفة ، ويذكر مع الشاهد المصدر الذي أُخذ منه ، مع ذكر المؤلّف أو الشاعر ، ورقم الصفحة والسطر أو القصيدة والبيت .

ويُكتفى مع الكلمات كثيرة الدوران بالمهمّ من الشواهد الدالّ على خواصّها وزمن استعمالها ، ودائرته ، مع ذكر علامة خاصّة تشير إلى كثرة ورودها .

أمّا الكلمات قليلة الوجود فتذكر كلّ المواضع التي وردت فيها .

- التفرقة بين شواهد النثر والشعر بوضع نجمة أو علامة أخرى مع الشعر.

- ترتيب الشواهد تاريخيّاً بحسب تواريخ مصادرها ، لمعرفة حياة الكلمات وتاريخها

- وضع علامة خاصّة بالمعرّب والدخيل ، مع ذكر أصله بدقّة .

- التعريف بالحيوان والنبات بدقّة ، لتمييز كلّ واحد منها عن غيره ، مع ذكر اسمه العلميّ.

- تفسير الاصطلاحات الحديثة بأسمائها العلميّة([32]) .

أمّا عن طريقته في دراسة الألفاظ فقد ذكر في مقدّمته وجوب أنْ تُعرض كلّ كلمة عند دراستها على وجهات النظر السبع : وهي التاريخيّة والاشتقاقيّة والتصريفيّة والتعبيريّة والنحويّة والبيانيّة والأسلوبيّة([33]) ، وسأستعرض ملامح تلك الوجهات في ثنايا الكتاب لمعرفة تطبيقه لها :

¨ الوجهة التاريخيّة : إنّ أهمّ ما في هذه القضيّة رصد تطوّر معاني الكلمة في جميع الأطوار التي مرت بها ، وذكر شواهدها مرتبة ترتيباً تاريخيّاً .

لكنّ ترتيب المعاني لا يكون في كلّ كلمة ذكرها بسبب عدم تعدّد المعاني لكلّ كلمة ، فمن الكلمات ما يكون لها معنى واحد ، ومنها ما يكون لها أكثر من معنى ، وليس بينها أيّ رابط معنوي ، وهو ما يعطينا دلالة على أنّهما معنيان مستقلاّن وليس أحدهما تطوّراً عن الآخر .

مثال :

ذكر معاني ( أَبَد ) وأوّلها : الدهر الطويل غير المحدّد ، وذكر أوّلاً تعريف الأبد عن الراغب في المفردات ، ثمّ ذكر الشواهد الشعريّة لهذا المعنى ، وهي على الترتيب :

بيت لطرفة ، بيت لزهير ، بيت لحسان ، بيت لجرير ، بيت من النقائض لخداش بن بشر ، بيت للطرمّاح ، بيت من الكامل لابن الأثير ونفح الطيب للمقري غير منسوب .

ثم ذكر مثلين من الميداني ، ثمّ عبارة من كتاب الأموال لأبي عبيد ، ثمّ عبارة من أساس البلاغة للزمخشري ،  ثمّ عبارة من المغرب للمطرزي .

ونلاحظ أنّه حاول ترتيب الشواهد ترتيباً تاريخيّاً إلاّ ما جهل قائله أو لم يعرف تاريخه .

وبعد تلك الشواهد على المعنى الأوّل ذكر تركيبات أخرى لـ ( أبد ) – استشهد لها بشواهد مثل : للأبد ، لأبد ، لأبد أبدٍ ، لأبد الأبد ، لأبدٍ أبداً ، إلى الأبد ، ثمّ تحدّث عن ( أبداً ) ظرف زمان ومعناه : دائماً دون انقطاع ، وذكر أنّ العرب قالوا بدل أبداً : الأبد وعلى الأبد وفي أبد ، واستشهد لها بشواهد ، وذكر ورود ( أبداً ) في الكلام المنفي واستشهد لها .

وذكر عدّة تركيبات لتوكيد ( أبداً ، الأبد ) : أبد الآباد ، أبد الأبدين ، أبد الآبدين ، أبد الأبديّة ، أبد الأبيد ، أبد الأبد ، أبيد الأبيد ، أبد الدهر ، آخر الأبد ، واستشهد لها بشواهد .

ثم ذكر المعنى الثاني لـ ( أبد ) وهو : الدهر مطلقاً .

ثم المعنى الثالث وهو : ذو ، ذات أبد أي دائم ، دائمة .

ثم المعنى الرابع وهو : الولد الذي أتت عليه سنة .

وكما يظهر لنا فإنّ المعاني الأربعة ليس بينها رابط معنوي لكي يمكن ترتيبها ، وبذا فإنّ قضيّة الترتيب لا تتناول إلاّ عدداً قليلاً من المعاني .

مثال آخر :

ذكر المعنى الثاني لـ ( تأبّد ) وهو حقيقي : تأبّد وحشٌ أو ناسٌ : عاش في القفار ، ومجازي وهو : تأبد بمعنى تعزّب [ وتبتّل ] عن النساء  . ص 36

ثم قال : وكان تطوّر هذا المعنى كالآتي : (1) تأبّد : توحش أي عاش في القفار ، (2) ترهب أي عاش كالراهب في القفار ، (3) تعزّب كالراهب .

¨ الوجهة الاشتقاقيّة : تتناول البحث عن أصل الكلمة ونسبها ، ويرتبط بها علم ضبط الهجاء ، أمّا الكلمات المعرّبة فترد إلى أصولها بقدر الإمكان ، وذكر أنّ مؤلّف المعجم لا بدّ أنْ يكون متمكّناً من اللغات الساميّة والفارسيّة والتركيّة واليونانيّة واللاتينيّة وغيرها .

أمّا ذكره مشتقات الكلمة فذكر أنّه لم يورد المشتقات القياسيّة الخاصّة بالتصاريف اللغويّة مثل : صيغ الأفعال ، وصيغ أسماء الفاعل والمفعول ومصادر الأفعال المزيد فيها إذا لم يكن لها معنى خاصّ ، فإنْ كان لها معنى خاصّ ذكرها مثل : حاكم ، شاهد ، عامل ، قاض ، كاتب ، وال ، مؤذن ، مسلم ، مؤمن ، مشرك ، مبتدأ ، مجتهد ، متحسب ، تأريخ ، تجنيس ، مزاوجة ، إسلام ، إضافة ، إقواء ، اقتضاب ، استدراك. ص 28

ومن الأمثلة على ذكره المشتقات :

- ( أبت ) : أبَت اليوم يأبِت ويأبُت أبتاً وأُبُوتاً ، وأبِت : اشتد حره وغمّه وسكنت ريحه .   ص 27

- ( أبب ) : أبّ الشيء يئبّ ويؤبّ أبّاً وأبيباً وأَباباً وأَبابةً وإبابةً : تهيّأ وتجهز .   ص 23

ونجد هنا أنّه لم يذكر مشتقات ( أبت ) و ( أبب ) القياسيّة كاسم الفاعل واسم المفعول ونحوهما ، لكنّ استقصاءه للمشتقات واضح حيث أورد مصادر الفعلين المتعدّدة .

- أبو جاد : بُدّلت قديماً صيغة أبجد بسبب اشتقاق خاطئ أبو جادٍ ، وتنصرف أبو جاد كما يلي : أبو جاد ، أبي جاد ، أبا جاد ، ووردت أيضاً با جادٍ للضرورة .    ص 30

أمّا ذكر أصل الكلمة فمن أمثلته ذكره احتمال أنْ يكون أصل كلمة ( أبد ) سامياً لقرابتها بكلمات – ذكرها – من لغات ساميّة كالأثيوبيّة والأكديّة والعبريّة والآراميّة .   ص 32

أمّا ضبط الكلمة بالشكل فهذا ظاهر لا يحتاج إلى تمثيل لظهوره في جزء المعجم المطبوع .

أمّا ردّ المعرّبات إلى أصولها فظاهر كذلك ، ومن أمثلته :

- ( آسمانجوني ، أسمانجوني ) : نسبة إلى آسمانجون معرّبة ، وهي في الفارسيّة آسمان كون ، وهي مركبة من آسمان " سماء " وكون " لون " ، ومعناها " سماوي اللون ، مُزْرَقّ " وهذا هو أيضاً معنى أسمانجوني .      ص 21

- وكذا فعل بـ ( آهندال ) و ( آئين ) .    ص 22

¨ الوجهة التصريفيّة : تتناول تحديد الصيغ التصريفيّة للكلمة ، أي تصريف الأفعال والأسماء ، ويكتفى بالاستشهاد على الحالات التي تحتمل الشكّ ، أمّا الصيغ النادرة فيحسن إيراد جميع شواهدها ، ونبّه إلى وجود صيغتين أو أكثر في تصريف الفعل أو الاسم ، وإلى عدم وجود بعض الصيغ التي كان يمكن استعمالها وفق القياس .

ومن الأمثلة :

أبَّ ( متعدياً ): حرّك ، مثلاً : أبَّ يده إلى سيفه :ردّها إليه ليستلّه . ص24

¨ الوجهة التعبيريّة : تتناول تحقيق معنى الكلمة أو معانيها ، فإذا كان للكلمة عدّة معانٍ تراعى قواعد معينة لترتيب تلك المعاني :

أ – يذكر دائماً المعنى الأوّل للكلمة التي لها معان مختلفة ، وهو ما يؤخذ من اشتقاق الكلمة.

ب - يجب في ترتيب المعاني تقدّم العامّ على الخاصّ ، والحسيّ على العقليّ ، والحقيقيّ على المجازيّ ، ويجب مراعاة علم المجاز ، ومراعاة استعمال الكلمة اصطلاحياً ، ويراعى الترادف بين الكلمات لأهميَّته في الموازنة بين الكلمات المتقاربة المعاني بحصر المعاني ومعرفة فحواها ، وإدراك أنّ الفارق بين تلك الكلمات يرجع إلى أسباب تاريخيّة أو جغرافيّة ، فقد تدلّ كلمة على معنى في زمان ومكان ، وتدلّ عليه كلمة أخرى في زمان ومكان آخر .

وتُورَد الكلمات التي تُناقض الكلمات المذكورة ، ويُعرّف بكلّ حيوان ونبات وجماد تعريفاً كاملاً ، وتذكر فصيلته واسمه العلميّ  ، ومن الأمثلة :

- ذكر معنيين لـ ( أبو جاد ) : الأوّل بمعنى ( أبجد ) ويقصد به حروف المعجم ، وهو حقيقي ، والثاني مجازي بمعنى مبادئ التعليم المدرسي ، ويكون هنا قدّم الحقيقي على المجازي .    ص 30-31

- ذكر المعنى الأوّل لـ ( أَبَد ) وهو : أَبَدت البهيمة تأبُد وتأبِد أُبوداً ، وكذا تأبّدت : توحّشت ونفرت . Lane  ( أبد ) .    ص 33

ثمّ ذكر معنى مجازيّاً وهو : أَبَد الشاعر يأبد أُبوداً Lane  ( أبد ) ، وكذا أَبّد : أتى في شعره بأوابد ، وهي غرائب لا يعرف معناها على بادئ الرأي .

- ذكر معاني ( أَبَدٌ ) ، الأوّل : الدهر الطويل غير المحدود … ثمّ قال : وهو ضد ( أَزَل ) ، لأنّه يعبّر عن مدّة لا نهاية لها في حين أنّ ( أَزَل ) يدلّ على مدة لا بداية لها أي على قدم . ويكون هنا ذكر نقيض الكلمة .  ص 37

¨ الوجهة النحويّة : تتناول جميع الصلات التي تربط كلمة بأخرى ، وتتناول ترتيب كلمات لها مواضع معينة في السياق ، مثل " فقط ، إنما ، أيضاً ، وغيرها " ، ومراعاة المضمر أو المحذوف ، ومعرفة هل استعمال الكلمة استعمالاً مطلقاً جائز ؟ ، هل الفعل متعدٍ أم لازم ؟ ، متى ظهر هذا التعبير أو ذاك للكلمة لأوّل مرّة أو آخرها ، وأين ؟ .

لم ألحظ اهتماماً واضحاً بمعالجة فيشر للكلمات في النموذج المطبوع سواء فيما يتعلق بالصلات بين الكلمات أو ترتيب بعض الكلمات في السياق ، وعن استعمال الكلمة هل هو جائز مطلقاً ؟ كما أنّني لم أجد اهتماماً ببيان المتعدي من اللازم ، وإنما يعرف المتعدي من تمثيله به متعدياً .

أمّا عن زمن ظهور التعبير بالكلمة لأوّل مرّة أو آخرها وأين ؟ فإنّ هذا الجانب لا أرى أنّ له علاقة بالناحية النحويّة إلاّ إنْ قصد تركيب الجملة لاعتماده على القواعد النحويّة .

أمّا عنايته بالمسائل النحويّة فهي واضحة في الجزء المطبوع ، وقد يكون ظهورها فيه لاشتماله على جزء من حرف الهمزة ، وهو موضع كثيرٍ من الأدوات المتكوّنة من إحدى صور الهمزة .

¨ الوجهة البيانيّة : تتناول علاقات الكلمة اللازمة لها دائماً ، كالتراكيب أو التعابير التي قضت روح اللغة بوضعها في موضع خاصّ لعامل من عوامل البلاغة ، ومن تلك العلاقات :

- صيغة الإتباع والمزاوجة نحو : ساغب لاغب ، حريب سليب ، وأرَبّ فلان وألَبّ .

- صيغة المشاكلة كقوله تعالى : " ومكروا ومكر الله " ، " تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك " ، كما تدين تدان ، جزاه شرّ جزائه ، ونحوها  .

- صيغة التوكيد المشتقة من الاسم المؤكّد ، نحو : موتٌ مائت ، شعرٌ شاعر ، العرب العاربة ، جهدٌ جاهد ، صدقٌ صادق ، ونحوها  .

- صيغة  ازدواج عبارتين متضادتين للتعبير عن معنى واحد كقوله تعالى  :"  لله  الأمر  من قبل ومن بعد  " ، "  ما بين أيديهم وما خلفهم " ، البعيد والقريب ، الداني والقاصي ، ما له صامت ولا ناطق  .

¨ الوجهة الأسلوبيّة : تحدّد المحيط اللغويّ الذي تستعمل فيه الكلمة أو التعبير أو التركيب استعمالاً عامّاً أو خاصّاً كلغة القرآن والحديث ، وأسلوب الشعر والنثر ، والأسلوب التاريخيّ ، وأسلوب الفنون ، أو خاصّاً كالأسلوب الشخصي لمؤلّف معين ، حيث يستعمل كلمة أو تركيباً معيناً غالباً ، أو يكون له أسلوب خاصّ به .

تدلّ نظرة فيشر هذه على استيعابه الكبير لوظيفة المعجم ، وتمكّنه من فهم كثير من خصائص العربيّة ، ذلك الفهم الذي مكنه من الحديث عن تلك الوجهات السبع حديث العارف بما يقول ، لكنّ ذلك الحديث لا يعدو أنْ يكون حديثاً نظريّاً لا قيمة له إنْ لم يَؤُلْ إلى التطبيق .

أمّا عن الوجهتين البيانيّة والأسلوبيّة فلم أجد في النموذج المطبوع عناية بهما ؛ ذلك لأنّ النموذج قصير يتناول جزءاً من حرف الهمزة ، وغير منتظر أنْ توجد جميع الوجهات في كلّ كلمة ، ولو أنّ فيشر تمكّن من إكمال جزء من معجمه لكان أغنى بالنماذج المطلوبة .

وممّا سبق تتبيّن ملامح نظرية فيشر المعجمية مستنبطةً من تقريره عن المعجم التاريخي الكبير للغة العربية الذي قدّمه إلى المجمع ، وما ذكره في مقدمة معجمه ، إضافة إلى مادة ( أخذ ) التي قدّمها نماذج على المعجمين ، ولعلّ الوقوف عند نماذج مادة ( أخذ ) يعطي صورةً عن التطبيق الفعلي لما ذكره .

نموذج مادّة ( أخذ ) :

هذا النموذج يدلّ على الجهد الذي بذله في ملاحقة النصوص التي تشتمل على المادّة اللغويّة ، وهي مادّة ( أخذ ) ، بل الثلث الأوّل منها – على ما ذكره في خطّته – حيث جمع نصوصها وشواهدها ، وكدّ ذهنه في الوصول إلى معانيها المتعدّدة ، لا اعتماداً على المعاجم اللغويّة القديمة ، وإنما استنباطاً من الشواهد التي جمعها ، ولذا أوصل معاني ( أخذ ) إلى اثنين وثلاثين معنىً ، جعل كلاًّ منها قائماً مستقلاً ، لأنّها معانٍ متعدّدة في رأيه.

تميّزت تلك المعاني بالثراء في شواهدها ، حيث جمعها من مصادر كثيرة جدّاً ، أمّا تعدّد تلك المعاني فلم يألفه العربيّ في المعاجم القديمة ، ففي أغلبها يجد فيها واحداً للمعنى الحقيقي ، وآخر للمجازي .

ويرجع تعديد فيشر هذه المعاني إلى نظرته – وهو الأعجمي – إلى الدلالات اللغويّة المجازيّة على أنّها معانٍ مستقلّة ، لعدم إدراك الصلة المعنويّة بين المجازي والحقيقي ، مع أنّ كثيراً منها يدخل تحت المعنى الأصلي ، لكنه اكتسب دلالة مجازيّة من سياقه لا تخرجه عن الدلالة الأصليّة .

وقبل بيان المعاني التي عدّدها فيشر وكان الصحيح جعلها تحت معنى واحد ، يحسن سرد المعاني التي ذكرها دون أنْ أذكر شواهدها لكي لا يطول السرد ، مع ذكر عدد شواهد كلّ معنى أمامه ، لمعرفة الجهد الذي بذله في جمع شواهده الكثيرة :

معاني ( أخذ ) مع عدد شواهدها :

( أ ) أخذ كذا بقوة أو بحيلة :

ويشتمل هذا الوجه على المعاني التالية :

1- أمسك شخصاً أو شيئاً ، قبض عليه ( باليد أو بالذراع أو بالأسنان ونحوها ) 12

2- حاز شيئاً .                                                              2

3- ذهب بشيء ظلماً أو غصباً .                                         7

4- قبض على شيء في الحرب ، غنمه .                               7

5- أسر شخصاً ، سباه .                                                  9

6- صاد ، ( أسر حيواناً بريّاً ) .                                        2

7- تغلّب ( على بلد ، أرض ) ، فتح ( بلداً ، أرضاً ) .               2

8- غلب ، قهر ( ناساً ، جيشاً ، عدواً ) .                              5

9- حبس ( مجرماً ) .                                                     4

10- منع شخصاً ، كفّه .                                                 1

11- حجز ( على مال ) .                                                1

12- طعن في شخص .                                                  2

13- تمكّن من شخص أو حيوان فقتله .                               5

14- أهلك واستأصل ( ناساً ) .                                        1

15- عاقب ، عذب .                                                     5

16- غلب ، قهر بمعانٍ مجازيّة أي :

( 1 ) خلب ، أعجب .                                                   1

( 2 ) أسكر ( الشراب ) .                                              1

( 3 ) نوّم وما أشبهه .                                                  6

17- أصاب شخصاً ( أمراض ، آلام ، ضعف بدني ) .         12

18- عرا شخصاً ( حركات نفسانيّة ) .                             7

19- أصاب ، اعترى ( ناساً بليّة ، عذاب ، لومة ) .             11

20- أصاب ( ناساً المطر وأمثاله ) .                                6

21- سَحَر .                                                              1

22- ظَفِرت شخصاً ، وقعت عليه ( العين ، الطرف ) .          3

23- جَهَرت شخصاً ( العين ) .                                      5

( ب ) أخذ كذا بغير قوة أو حيلة :

( أ ) المفعول به شيء ماديّ :

24- تناول شيئاً ( باليد سواء ذكرت اليد أو لم تذكر ) .         23 

25- لبس ( ثوباً ، سلاحاً ، زينة ) .                                12

26- شرب .                                                             2

27- تناول شخصاً ، آواه ، أجاره .                                 5

28- تزوّج امرأة .                                                     2

29- اشترى شيئاً ( بثمن كذا ) .                                     7

30- اقترض شيئاً .                                                    2

( ب ) المفعول به شيء غير ماديّ :

31- نال ، حصل على ( صفة ، مزيّة ، رتبة ، منزلة ) .       4

32- حافظ ( على أمر وما شابهه ) .                                1

يظهر من النظر في تلك المعاني مبالغة فيشر في التفريق بينها ، حتى كأنّه عدّد المعاني بحسب ما يقع عليه الأخذ ، مع أنّ المعنى واحد لكنه مختلف باختلاف المأخوذ ، ولو أخذنا بعض الأمثلة من معانيه لأيقَنّا أنّ عدم إدراكه رجوعَ كثيرٍ منها إلى معنى واحد هو بسبب جهله بالصلة المعنويّة بينها ، وهو ما جعله يفسّر اللفظ في كلّ سياق بالنظر إلى الدلالة المكتسبة من السياق لا إلى الدلالة المكتسبة من اللفظ نفسه ، ومن تلك الأمثلة :

- المعنى السادس الذي ذكره لـ ( أخذ ) : صاد ( أسر حيواناً بريّاً ) ، واستشهد عليه بنصٍّ هو :" ثعلب في جحر إنْ أقمت عليه أخذته " ، وبنصٍّ فيه :" وقد أخذوا ذئباً فأوثقوه " ، ولا يخفى أنّ المعنى لا يخرج عن المعنى الأصلي ، وليس خاصّاً بالصيد ، وإنما جاء الأخذ هنا في سياق ذكر الصيد .

- المعنى الثامن والعشرون : ( تزوّج امرأة ) واستشهد عليه بما في البخاري :" وأخذوا غيرها من النساء " ، وبما في سنن أبي داود :" لمّا أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم صفيّة أقام عندها ثلاثاً " ، وجليّ عن البيان عدم صحّة هذا التفسير ، فالأخذ هنا من المعنى الأساسي ، لكنه ورد هنا لحيازة الزوجة ، أمّا التزوّج فمكتسب من السياق والحال لا من اللفظ .

ولعل من أوضح ما ينتج عن جهل الأعجمي باللغة أنْ يضطرب في التفريق بين المعنى الحقيقي والمجازي للفظ ، وهو ما وقع فيه فيشر في نموذجه الذي قدّمه ، فمع أنّه نبّه إلى بعض المعاني المجازيّة ، إلاّ أنّه ترك معاني أخرى دون تنبيهٍ على مجازيّتها ، ظنّاً منه أنّها حقيقيّة ، ومن الأمثلة على النوعين ما يلي :

الأوّل : نبّه على المعاني المجازيّة التالية :

- أصاب ( ناساً المطر وأمثاله ) ، ومثّل عليه بما في البخاري :" أخذهم المطر " و   " أخذتهم السماء " ونحوه … ثمّ قال : وهو من المجاز .   ص 17

- غلب ، قهر بمعانٍ مجازيّة :

أ- خلب ، أعجب ، مثل : أخذ الثوب المزخرف القلوب مأخذه .

ب- أسكر ( الشراب ) مثل : أخذ الشراب برأسه .

ج- نوّم ، واستشهد بالآية " لا تأخذه سنة ولا نوم " ، ومثل : يأخذه النوم ونحوه . ص 15

الثاني : ذكر المعاني التالية ولم ينبّه على مجازيّتها :

- عرا شخصاً ( حركات نفسانيّة ) واستشهد عليه بمثل قوله تعالى :" ولا تأخذكم بهما رأفة " ، وفي البخاري :" فأخذتني غضبة فلطمته " ، وقول عائشة :" فأخذني ما قرب وما بعد " … وغيره .   ص 16

- سحر ، ومثّل عليه بقولهم : أخذته الأُخْذة وفسّرها بالسحر.ص17

- ظَفِرت شخصاً ، وقعت عليه ( العين ، الطرف ) ، واستشهد بقول العرب : وما ظَفِرتك عيني منذ زمان أي ما رأتك … ونحو : فلم تأخذ عينه أحداً غيري .   ص 17

وهو معنى مجازي لم ينبّه عليه .

واضطراب الفرق بين الحقيقي والمجازي لدى فيشر هو الذي أوقعه في هذا ، ودعاه إلى تتبّع شواهد الأخذ – على كثرتها – وتصنيفها بحسب المعاني التي تدلّ عليها هذه المادّة ، وإنْ كان ما رآه معنى جديداً هو في الحقيقة راجع إلى معنى أصليّ ، لوجود صلة بينهما لم يستطع إدراكها .

وهذا المأخذ لَحَظه عبد القادر المغربي حينما قدّم فيشر تقريره إلى المجمع ، قال عن ذلك :" والمؤلّف – وإنْ أشار إلى أنّ من المعاني ما هو حقيقي وما هو مجازي – لكنه أبهم التفرقة بين المعاني الحقيقيّة والمجازيّة إبهاماً يوقع القارئ في حيرة من تفهّم ما يقرأ … ثمّ قال : ومن تأمّل كلام المؤلّف وجده في تصنيفه لمعاني ( أخذ ) قد أقام الاختلاف في الفاعل أو المفعول أو المتعلّق سبباً لجعل الفعل الواحد فعلين ، واعتبار معناه معنيين "([34]) .

وفي بحث المغربي وقف أمام كلّ معنى من الاثنين والثلاثين ، وأبان عن المعنى الذي يدخل تحته ، واستطاع أنْ يردّها إلى ثلاثة أقسام تندرج تحتها :

± قسم لشواهد المعنى الحقيقي ، وهو إمساك الشيء والقبض عليه باليد ونحوها ، وأدخل تحته المعاني التالية بأرقامها عند فيشر ( 1 ، 9 ، 13 بعض أمثلته ، 24-28 ، 30 ، 32 )

± قسم لما جاء بمعنى الحيازة والاستيلاء والغلبة والقهر ، وهو معظم كلمات الأخذ الواردة في لغة فصحاء العرب ، وأدخل تحته المعاني التالية ( 2-8 ، 11 ، 13 بعض أمثلته ، 14-21 ، 31 ) .

± قسم يجمع ضروباً من المعاني تجوّزوا فيها عن معنى الاستيلاء والغلبة ، لكنه تجوّز في غاية الخفاء واللطافة ، وتدخل تحته بقيّة المعاني ( 10 ، 12 ، 22 ، 23 ، 29 ) .

 إنْ أُخِذ على فيشر خلطه بين الحقيقي والمجازي ، فإننا ندرك عذره فيه ، حيث يكتب بلغةٍ لا تمتّ إلى لغته بصلة ، ولعلمه بصعوبة إدراك المعاني والتفرقة بينها سلك فيها مسلك المعجميّين في لغته ، حيث تُذكر المعاني مستقلّة عن بعضها ، لكنه نسي الفرق بين اللغتين ، حيث تأتي المعاني – غالباً – في العربيّة متصلة بالمعنى الأصلي للمادّة ، وإنْ ظهر للناظر أنّها معانٍ مستقلّة .

وما فعله المغربي من ردّ تلك المعاني إلى ثلاثة أقسام تندرج تحتها ، هو اجتهاد منه للإبانة عن رجوع كثير منها إلى معنى يجمعها ، لكنه اجتهاد قابل للخطأ ، فبعض ما جعله داخلاً تحت القسم الثاني هو من الثالث ، لأنّه مجاز ، مثل المعنيين ( 18 ، 21 ) ، وهو دليل على الصعوبة التي يقع فيها من أراد ردّ المعاني إلى أصولها ، ولا عجب في اختلاف اثنين في ردّ معنى واحد إلى أصله ، لأنّه يتصل بقدرة الناظر في ملاحظة الدلالات الدقيقة المتعلّقة به .

وممّا أنبّه إليه هنا وجوب عدم التكلّف في محاولة ردّ المعاني المتعدّدة إلى معنى واحد يجمعها ، وإنْ أغفل أكثر المعجميّين العرب التنبيه إلى الأصول التي تعود إليها المعاني ، فإنه أُخذ على ابن فارس تكلّفه ذلك في كتابه ( معجم مقاييس اللغة ) .

ولعلّ ناظراً لو نظر في معاني ( أخذ ) التي ذكرها فيشر لردّها إلى أكثر من ثلاثة أقسام ، ومثل ما أُخذ على فيشر مبالغته في تعديد المعاني أُخذ على المعجميّين العرب تقصيرهم في هذا الجانب ، وتركهم ملاحظتَه للقارئ .

 

أمّا ما طُبع من معجم فيشر التاريخيّ فبالموازنة بينه وبين ما ذكره في تقريره المقدّم إلى مجمع اللغة العربيّة – والذي سبقت دراسته – يظهر التقارب بينهما ، فكلاهما سَعَيا إلى معجم تاريخيّ للغة العربيّة ، وبالاطّلاع على مقدّمة معجمه يتّضح لنا ذلك .

قال في مقدّمة معجمه واصفاً المعجم الذي يرى أنّ العربيّة محتاجة إليه ، والذي كان معجمه تلبيةً لتلك الحاجة ، قال :" ومنتهى الكمال لمعجم عصري أَن يكون معجماً تاريخيّاً ، ويجب أنْ يحوي المعجم التاريخيّ كلّ كلمة تُدُوولت في اللغة ، فإنّ جميع الكلمات المتداوَلة في لغة ما لها حقوق متساوية فيها ، وفي أنْ تُعْرَض وتستوضح أَطوارها التاريخيّة في معجماتها ، ولكنّ المعجمات العربيّة بعيدةٌ كلَّ البعد عن وجهة النظر هذه ، إذ إنها لا تعالج الناحية التاريخيّة لمفردات اللغة ، بل تقتصر على إيضاح الاتّجاه النموذجي لها ، أعني أنّ مصنفيها إنما أَرادوا التفرقة الدقيقة بين الفصيح من العربيّة وغير الفصيح ، وذلك بوضع قانون للاستعمال الصحيح للكلمات ، ويدلّ هذا الاتّجاه - دون شكّ - على إحساس لغويّ دقيق عند اللغويّين ، ولكنه عاق القوة الحيويّة الدافعة في اللغة عن التقدّم والتوسّع " ([35]).

ويتّضح من قول فيشر السابق أنّه يرى المعجم المثالي هو المعجم التاريخيّ الذي يتتبع تطوّر دلالات الكلمة عبر العصور ، دون أنْ تكون الفصاحة شرطاً لها ، فهو يرى أنّ التفرقة بين الفصيح وغيره إعاقة للغة عن التقدّم ، إلاّ أنّه كان يدرك أنّ مراعاة فصاحة الكلمة له منافع في الحفاظ على اللغة .

أمّا ما دعا إليه في مقدّمة معجمه الخاصّ من عرض الألفاظ عند دراستها على وجهات النظر السبع : التاريخيّة والاشتقاقيّة والتصريفيّة والتعبيريّة والنحويّة والبيانيّة والأسلوبية ، فلم يدعُ إليه في تقريره الخاصّ بوضع المعجم الكبير لمجمع اللغة العربيّة .


دراسة الجزء المطبوع :

تأتي هذه الدراسة مكملة لدراسة المقدّمة ، فقد كانت تلك الدراسة للجانب النظريّ من المعجم ، وتجيء هذه للجانب التطبيقيّ منه ، مع أنّ الجزء المطبوع جاء في ثلاث وخمسين صفحة إلاّ أنّه كافٍ لإعطاء صورة مختصرة عن العمل .

وفي هذا القسم حاولت جمع ما رأيت صلاحه لأنْ يكون مثالاً على أحد الجوانب في الدراسة ، وجمعت تلك الأمثلة المفرقة في المعجم وضممت المترابط منها تحت موضوعات خاصّة تتعلّق بالمعجم العربيّ وقضاياه .

وأستعرض هنا أهمّ القضايا :

الإشارة إلى أصول الكلمات واللغات :

الغرض الأساس من المعجم التاريخيّ تتبّع التطوّرات الدلاليّة للكلمة في أقدم النصوص العربيّة المعروفة ، ثمّ في النصوص التي جاءت بعدها ، حتى آخر المرحلة الزمنيّة المحدّدة .

وبيان أصول الكلمة في لغات أخرى تنتسب إلى مجموعة لغويّة ، كاللغات الساميّة التي تنتسب إليها العربيّة لا شكّ أنّه مما يميّز المعجم التاريخيّ .

ولا شكّ في أنّ ذكر فيشر الأصول الساميّة لبعض الألفاظ مفيدٌ جدّاً في معرفة صلة العربيّة بأخواتها ، وممّا أعانه على معرفة تلك الأصول إجادته لعدد من اللغات الساميّة .

مع قصر النموذج المطبوع الذي ينتهي بـ ( أبد ) ، ومع أنّه لا يعطي الصورة الحقيقة التي كان سيعطيها العمل لو قُدّر له الفراغ منه ، إلاّ أنّه لا يخلو من إشارات قيمة تدلّ على المستوى اللغويّ الذي كان سيبلغه ، ومن تلك الإشارات ما يتعلق بأصول الألفاظ ، تظهر براعة اللغويّ بقدر إجادته اللغات الأجنبيّة ، ومن تلك الإشارات التي تدلّ على قدرة فيشر في هذا الجانب :

¨ إشارته إلى أنّ الأصل في النداء أنْ يلحق بالمنادى صوت a  ( آ ) ، وهذا الصوت إلى جانب صوت o  ( أو ) يوجد في كثير من اللغات الساميّة في النداء ، مثل : ياربّا ، يا غلاما ، يا أبتا ، يا بنت عمّا ، في العربيّة .  ص 19

¨ إشارته إلى احتمال رجوع كلمة ( أبّ ) التي وقع الخلاف في معناها إلى ( إبّا ) من الآراميّة ، وهي ترجع إلى ( إنبو ) في اللغة الأكّديّة .  ص 26

¨ بعد ذكره الخلاف في أصالة نون ( إبّان ) وزيادتها ذكر احتمال كونها – أي إبّان – أُخذت من الآراميّة كما أُخذت منها ( عِدّان ) بنفس الصيغة والمعنى . ص 27

¨ بعد أنْ ذكر الأبجديّة العربيّة ذكر أنّ الحروف ما عدا ستة منها ، وهي ( ثخذ ضظغ ) ، تقابل الحروف الهجائيّة للغتين العبريّة والآراميّة ، وتطابقها تماماً في الترتيب .  ص 29

¨ قال عن ( أبد ) :" قد يكون أصل الكلمة ساميّاً عامّة ، ثمّ ذكر قرابتها من كلمات في بعض اللغات الساميّة .  ص 32

الكلمات الأعجميّة :

كان لإجادة فيشر العديد من اللغات الساميّة دور في إعادة الكلمات الأعجميّة المعرّبة إلى أصولها ، وفي النماذج التالية ما يدلّ عليه :

¨ آذين : كلمة فارسيّة معناها في اللغة الفارسيّة " زينة ، زخرف " و " عادة ، رسم ، قانون " … ثمّ ذكر نصاً للطبري فيه الكلمة .

¨ آزاذَمَرْد ، آزادَمَرْد : كلمة فارسيّة معناها في اللغة الفارسيّة " أصيل ، حرّ " وذكر نصين من الطبري والجاحظ .

¨ آسمانجُونيّ ، أسمانجونيّ : نسبة إلى آسمانجون معرّبة ، وهي فارسيّة آسمان كون ، وهي مركبة من آسْمان " سماء " ، وكون " لون " ومعناها " سماوي اللون مُزْرقّ " … ثمّ استشهد بعدّة نصوص من عدّة كتب .

¨ آهندال : كلمة فارسيّة معرّبة مركبة من آهَنْ :" حديد " ، ودال :" شجرة " .

¨ آئين ، آيين : كلمة فارسيّة معرّبة ، وتأتي في الفارسيّة بمعنى " عادة ورسم وقانون " كما تأتي بمعنى " زينة " ، ثمّ ذكر معانيها في العربيّة وهي عديدة ، واستشهد بنصوص لكلّ منها([36]) .

ونستخلص من الأمثلة السابقة أنّه سلك طريقة واحدة في دراسة الكلمات الأعجميّة تنتظم النقاط التالية :

- ذكر أصلها في اللغة الأعجميّة ، نحو : فارسيّة ، أو نحوها .

- ذكر معناها في لغتها الأولى .

- ذكر معناها في العربيّة بعد تعريبها إذا اكتسبت معاني أخرى .

- نقل نصوصٍ تشتمل على الكلمة للاستشهاد بها مع ذكر مراجعها .

مصادره :

ذكر فيشر في الجزء المطبوع من معجمه قائمة بالمصادر التي أخذ منها شواهده وتعليقاته ، وسردها على الترتيب الألفبائيّ بذكر المختصر الذي يشير إلى المصدر في ثنايا المعجم ، ثمّ بذكر اسمه كاملاً ، وأحصيتها فبلغت ( 292 ) مصدراً ، ومع كثرتها إلاّ أنّها لا تعدّ شاملة لعصور العربيّة أو مواضعها أو ميادينها ، فقد ذكر أنّه سيقف عند نهاية القرن الثالث الهجري ، وهو تحديد لا يعني أنّه يرى عدم تدوين ما جاء بعد ذلك الزمن ، بل إنه نبّه إلى أنّ كلّ كلمة تُدُوولت في اللغة لها حقّ التدوين ، لكنّ تحديده القرن الثالث لغرض وضع حدٍّ زمنيٍّ لمعجمه لعدم تمكّنه من شموله جميع عصور العربيّة ، ويُلاحظ على قائمة مصادره أنّه اختارها في جُلّها من المصادر المجموعة التي حقّقها ونشرها المستشرقون دون غيرهم ، لكونها المنتشرة في زمنه ([37]).

ولكثرة مصادره فلا حاجة إلى سردها ويمكن الرجوع إلى ما ذكرته سابقاً منها ، سواء مصادره التي اعتمدها في معجمه ، أو المصادر التي ذكرها في خطّة المعجم التاريخيّ الكبير في الحديث عن أسس المعجم .

طريقته في إيراد المصادر :

سلك فيشر الطريق الأسهل في ذكره مصادره ، فكان يذكرها في وسط الكلام ، ولا يذكرها في الحاشية ، ومن الأمثلة عليه :

ذكر أحد عشر مصدراً في أحد المواضع ، مع رقم الصفحة والجزء إنْ كان ذا أجزاء ، دون ما كُرّر منها.   ص 5

ذكر ثلاثة عشر مصدراً في أحد المواضع .  ص 40 ، وأورد بعضاً منها لتُعرف طريقته :

" مسلم 1/ 72 / 18 مآي ( ك 1 ب 45 ) في نار جهنم خالداً مخلّداً ، فيها أبداً – المقامات 1/ 239 / شرح ت : وفي الحديث : احرث لدنياك كأنّك تعيش أبداً – الطبري ، تاريخ 1/1946/16 : وإنّ البقيّة أبداً في الشدّة ..." ص 40

أمّا عن طريقته في الرجوع إلى المصادر في المعجم فتظهر من النظر في شرحه الكلمات ، فبعد أن يذكر المعنى العربيّ للكلمة يُتبعه بشرح مختصر بالإنجليزيّة ثمّ بالفرنسيّة ، ويكون الشرح المختصر باللغتين قبل ذكر الشواهد ، ويرمز إلى الشواهد بحرف ( ش ) ، ثمّ يذكر الشواهد بمصادرها على إحدى الطرق التالية :

¨ يذكر المعنى ، ثمّ يذكر المصدر وينقل منه شرح المعنى ، مثل :

أ- ذكر من معاني ( أبَدَ ) :

الدهر الطويل غير المحدود ، الراغب ، المفردات في غريب القرآن " أبد " :" الأبد : عبارة عن مدّة من الزمان الممتدّ الذي لا يتجزّأ كما يتجزّأ الزمان ، وذلك أنّه يقال : زمان كذا ، ولا يقال : أبد كذا " .   ص 37

ب- أيْبَد : نبات . المخصّص 11/63/3 – والأيبد : نبات مثل زرع الشعير سواءً ، وله سنبلة كسنبلة الدخنة ، فيها حبّ صغير أصغر من الخردل أُصيفر ، وهو مَسْمَنة للمال جدّاً ، - ل 4/36/9 : والأيبد : نبات مثل زرع الشعير سواءً الخ ... ثمّ نقل عن القاموس ثمّ التاج …  ص 52

¨ يذكر المعنى ، ثمّ يذكر المصدر ، وينقل منه شواهد على المعنى ، مثل :

أ- أوابد الكلام : غرائبه .

ش . الأنباري في شرح المفضليات 179/5 ، 188/7 ، 287/12 ، 862/1 : ومنه قولهم : جاء فلان بآبدة ، أي بكلمة غريبة وحشيّة لا تُعرف ، الميداني 1/86/18 : منه قول الناس : أتى فلان في كلامه بآبدة ، أي بكلمة وحشيّة .  ص 49

ب- ذكر أحد معاني ( تَأبّد ) : تأبّد وحش أو ناس : عاش في القفار .

ش . البحتري 210/13 :  وحشٌ تأبّد في تلك الطلولِ

أمية 63/20 :

ربّ الأنام وربّ من يتأبّد [ أي ربّ الوحوش ]…الخ الشواهد. ص 36

¨ يذكر اللفظ ومعناه والمصدر دون أيّ نقل :

ويكون ذلك إذا لم يعثر على شواهد لمعنى أو تعبير أو كلمة وردت في المعاجم العربيّة فيكتفي بذكر المعجم([38])، ومن الأمثلة عليه :

أ- " الأبد : الولد الذي أتت عليه سنة ، القاموس " أبد " .  ص 43

ب- " تأبّد الوجهُ : كَلِف ونَمش ، المجمل والقاموس والتاج " أبد ". ص 37  .

ج- " إبِل أُباثى : بروك شِباع ، القاموس " أبث " .  ص 28

د- " مُؤْتَبِثَة : سقاء يُملأ لبناً ويُترك فينتفخ ، القاموس " أبث " .  ص 29

المعنى الحقيقي والمجازي :

من أساليب ترتيب المادّة لدى فيشر أنْ تُقدّم المعاني الحقيقيّة على المجازيّة ، لكون الحقيقي هو الأصل ، ومن الأمثلة عليه ما يلي :

¨ في مادّة ( أَبَدَ ) ذكر له ثلاثة معانٍ :

(1- أ) أبَدت البهيمة تأبُدُ وتأبِدُ أبوداً – وكذا تأبّدت : توحّشت ونفرت …

(1- ب) من المجاز : أبَدَ الشاعر يأبِد أبوداً ، وكذا أبّدَ : أتى في شعره بأوابد ، وهي غرائب لا يُعرف معناها على بادئ الرأي …

(2) أبد بالمكان … : أقام به ولم يبرحه .  ص 33

يظهر هنا تقديمه المعنى الحقيقي على المجازي ،  ثمّ مجيء المجازي بعد المعنى الأوّل الذي أخذ منه ، وجاء بعده المعنى الحقيقي الثاني .

¨ ذكر من معاني ( تَأبّدَ ) :

( 2- أ )  تأبّد وحشٌ أو ناسٌ : عاش في القفار …

( 2- ب ) ومن المجاز : تأبّد بمعنى تعزّب وتبتّل عن النساء .  ص 36

¨ ذكر معنيي ( أبو جاد ) :

( 1 ) ذكر أنّها صيغة أخرى لـ ( أبجد ) مع التصرّف فيها عند العرب …

( 2 ) ذكر المعنى المجازي ، وهو مجيئها بمعنى مبادئ التعليم المدرسي …     ص30-32

¨ ذكر معاني ( مُؤبَّد ) وهي أربعة :

ذكر المعنيين الحقيقيين وهما :

( 1 ) مؤبّد : مُخَلّد …

( 2 ) ناقة مُؤبّدة : وحشيّة معتاصة …

ومعنيين مجازيين هما :

( 3 ) مؤبّد : للشِعْر الغريب …

( 4 ) مؤبّد : للشِعْر الأغرّ …  ص 53

تنوّع مادّة المعجم :

اشتملت المادّة – ممّا اشتملت عليه – على عدد من أنواع المسائل :

¨ المسائل اللغويّة ، ومنها :

- ترتيب حرف الألف في الحروف الهجائيّة ، والإشارة إلى ترتيبات أخرى للحروف ، ووجوده في اللغات الكنعانيّة الآراميّة والعبريّة والسريانيّة واليونانيّة واللغات التي أخذت أبجديّتها عن اليونانيّة ، وكذا أشار إلى اسمه في تلك اللغات للتدليل على تقارب هذه الأسماء .  ص 1

- تحت ( أبجد ) تحدّث بتوسّع عن ترتيب الحروف الهجائيّة على الترتيب الأبجدي عند المشارقة والمغاربة ، وتطابُق أكثر الحروف العربيّة في الترتيب مع حروف اللغتين العبريّة والآراميّة ، وحديثه عن أصل الخط العربيّ ، والترتيب الألفبائيّ المعروف بناءً على تقارب الحروف في الرسم ، واختلاف ترتيب المشارقة عن ترتيب المغاربة بعض الاختلاف ، وكذا ترتيب الحروف على مخارجها ، وهو ترتيب معجم العين .  ص 29-30

- ذكر نوعي الألف : المتحركة والساكنة اللينة ، ومخرجيهما وآراء العلماء العرب فيهما ، والعلاقة بينهما ، والعديد من القضايا المتصلة بهما .  ص 2-3

¨ المسائل النحويّة ، ومنها :

- تحدّث عن ألف الاستفهام ووجودها في الحروف الساميّة القديمة .

وذكر موقعها في الجملة ، وما يأتي بعدها من حروف العطف ، وما يحذف معها ، كألف الوصل ، وما يذكر معها كألف حرف التعريف ونحوها ، سواءٌ ببقائها أو تليينها ، وتليين همزة القطع بعدها ، مع حشد من الشواهد القرآنيّة وغيرها .  ص5-6

- فصّل الحديث عن أنواع الاستفهام بالألف ، وأكثر من الشواهد كثرة جليّة ، مع تفصيله فيما يتعلق بالاستفهام من قضايا ، وذكر مصادر عديدة .     ص 7-14

- أورد مجيء الهمزة حرف قسم واستشهد عليه بشواهد كثيرة .  ص 15

- أورد مجيء الهمزة حرف نداء ، وأنواع النداء بالهمزة وغيرها ، وفصل الحديث عنها ، واستشهد بنصوص كثيرة عن قضايا في النداء لا يستدعيها المقام .   ص 16-20

شواهده :

الاستشهاد ركن من أركان معجم فيشر ؛ ذلك لأنّه قائم على أخذ اللغة من المصادر الأولى للنصوص ، وكان – في أغلب حالاته – يميل إلى جمع كثير من الشواهد للكلمة ، بل إنه يلجأ إلى استقصاء جميع شواهد الكلمة – كما ذكر ذلك – عندما يكون الحديث عن صيغٍ نادرة .

ومن الأمثلة على إكثاره من الشواهد ما يلي :

¨ أورد مجيء الهمزة حرف قسم كالواو ، ثمّ استشهد لها بما يلي :

آية واحدة ، وثلاثة عشر قولاً متنوّعة من أقوال مفسّرين ومؤرّخين ولغويّين ونحوهم .

وستة عشر مصدراً لتوثيق ما نقل .  ص 15-16

¨ أورد ( إبّان ) وفسّرها بالوقت والحين، وأورد شواهدها وهي كما يلي :

أورد حديثين ، وأربعة أبيات ، وأربعة أقوال مختلفة .

وتسعة مصادر لتوثيق ما نقل .   ص 27

¨ أورد مجيء ( أبداً ) في الكلام الموجب ، واستشهد لها بما يلي :

ثلاث آيات ، وحديثين ، وسبعة أبيات ، وأربعة أقوال مختلفة .

وثلاثة عشر مصدراً لتوثيق ما نقل .   ص 39-40

أمّا عن طريقته في الاستشهاد فبذكر الكلمة وشرحها ، أو القاعدة أوّلاً ثمّ الشاهد ثانياً ، ويبتدئ استشهاده بحرف ( ش ) للدلالة على الشاهد أو الشواهد .

وشواهده هي الشواهد التي استعملها اللغويّون في كتبهم ، وفيما يلي أنواعها وأمثلة عليها :

القرآن الكريم :

استشهد بآيات من القرآن في مواضع كثيرة ، وطريقته - غالباً - بالرمز إلى القرآن بحرف ( ق ) ، وبعده رقمان : الأوّل للسورة ، والثاني للآية :

¨ قال : وأمّا التركيب ( أثُمّ ) فقد ورد مرّة فقط في القرآن :" أثمّ إذا [ ما ] وقع آمنتم " (10/51)    ص 5

¨ استشهد على إتيان التوبيخ في الجمل المنفيّة ، ق 12/59 :" ألا ترون أنّي أوفي الكيل " ، 36/62 :" أفلم تكونوا تعقلون  " .    ص 9

¨ استشهد على حذف حرف النداء في المضاف : ق 2/260 :" رب أرني " ، 5/114 :" ربنا أنزل علينا مائدة " ، 12/101 :" فاطر السموات والأرض " .   ص 20

الحديث :

أولى الحديث أهميَّة كبيرة من بين شواهده ، وطريقته أنْ يذكر كتاب الحديث أوّلاً ، والأرقام التي تدلّ على موقعه من الكتاب ، ثمّ يستشهد بالجزء الذي فيه الشاهد اختصاراً ، ومن الأمثلة عليه :

¨ استشهد على جواب الاستفهام الحقيقي بالهمزة بنعم أو لا أو بل أو غيرها بحديث البخاري :" أفلا نَتّكل يا رسول الله ؟ قال : لا اعملوا…" وذكر بعده عدّة أحاديث .  ص 7

¨ استشهد على حذف همزة الاستفهام بحديث البخاري :" … تعلم من تخاطب مذ ثلاث ليالٍ يا أبا هريرة ؟ قال : لا … " .  ص 13

¨ استشهد على ( آبدة ) مفرد ( أوابد ) للوحوش بجزء من حديث أم زرع :" فأراح عليّ من كلّ سائمةٍ زوجين ، ومن كلّ آبدةٍ اثنتين " .  ص 46

الشعر :

جاء حظ الشعر وافراً من بين الشواهد ، فأورد أبياتاً كثيرة في المطبوع وهو صغير ، وطريقته أنْ يذكر اسم الشاعر ورقمين ، الأوّل لرقم القصيدة في الديوان ، والثاني لرقم البيت ، مثل قوله عند الشاهد الأوّل : ذو الرمة ، رقم 1/3 .

ومن الأمثلة عليه ما يلي :

¨ استشهد على حذف ألف الوصل بعد الهمزة بقول ذي الرمة :

أَستحدثَ الركبُ عن أشياعهم خبرا ؟  ص 5

¨ استشهد على المنادى المنصوب بقول عبد يغوث :  ص 17

فيا راكباً إمّا عرضت فبلّغنْ

¨ استشهد على مجيء ( تأبّد ) بمعنى : تعزّب أي لا يقرب النساء بقول الأعشى :

ولا تقربنّ جارةً إنّ سرّها  *  عليك حرامٌ فانْكِحَنْ أو تأبّدا    ص 36

النثر :

استشهد بنصوص نثريّة من شتى الكتب ، ككتب التاريخ والأدب وغيرها ، ولا شكّ أنّ نصيب هذا النوع من الشواهد أقلّ لكونه ليس من الأنواع الشائعة كالقرآن والحديث والشعر والأمثال وغيرها ، وفي هذا النوع يتبين تميّز منهج فيشر وأمثاله ممن يريد الرجوع إلى النصوص التي دونت في أيّ عصر من عصور اللغة ، ذلك لأنّ اللغويّين القدماء اقتصروا على الاستشهاد بنصوص عصور الاحتجاج ، وهو ما لم يُتحْ لهم الاستشهاد بكتب التاريخ والرحلات ونحوها من الكتب التي رجع إليها فيشر ، لأنّها دونت بعد عصر الاستشهاد ، أمّا فيشر فاتّسعت دائرة نصوص الاستشهاد لديه بحيث إنه ساوى بين الشعر والنثر في الأهميَّة .

من الأمثلة على شواهد النثر ما يلي :

¨ استشهد على الاستفهام التوبيخي بنصّ من الأغاني وهو :"…أزناً وزَنْجيّة ؟ لا والله لا أفعل".   ص 8

¨ استشهد على ( آذين ) الفارسيّة بنصّ من تاريخ الطبري وهو :" … هيئوا الهرمزان في هيئته ، ووضعوا على رأسه تاجاً يدعى الآذين مكللاً بالياقوت " .   ص 21

¨ استشهد بنصّ من كتاب الصولي ( أدب الكتّاب ) على ( أبو جاد ) وهو :" وقد أعرب الناس أبا جاد وسعفصاً ، فقال معاذ الهراء – يخاطب رجلاً عاب النحو والعربيّة -…" .   ص 32

الأمثال والأقوال :

اعتنى فيشر بهذا النوع من الشواهد فورد في المطبوع – على صغره – عدد من الأمثال والأقوال ، منها:

¨ استشهد من المفصّل وابن يعيش بالمثل :" لا عبابٍ ولا أبابٍ " .  ص 24

¨ استشهد بالمثلين من مجمع الأمثال للميداني :" طال الأبد على لُبَد " ، " خير ليلة بالأبد بين  الزُبانى والأسد " .  ص 38

¨ استشهد من لسان العرب بالقول :" جاء فلان بآبدةٍ " أي بداهية يبقى ذكرها على الأبد .ص 40

¨ من مجمع الأمثال ورد المثل :"إنْ لم تغضّ على القذى لم ترض أبدا " . ص 41

¨ نقل من لسان العرب :" ومن الأبديّات قولهم : لا آتيك ما بلّ بحرٌ صوفةً ، وحكى اللحياني : ما بلّ البحر صوفةً " .  ص 44

¨ استشهد من مجمع الأمثال بالمثل :" بمثلي تطرد الأوابد " . ص 46

 اتّضح ممّا سبق عناية فيشر بالاستشهاد لأنّ نظريّته في المعجم قائمةٌ على الأخذ من المصادر الأصيلة ، أي الكتب التي حوتْ النصوص لا من المعاجم ، ومع صغر القسم المطبوع فهو يدلّ دلالة واضحة على اعتماد عمل فيش على الاستشهاد .

ب وترجيحاته :

تميّز فيشر بالقدرة العلميّة على البحث وترجيح الآراء التي فيها خلاف ، ووصوله إلى هذا القدر دليل على استيعابه وفهمه العربيّة – في جانبها المقروء – كأحد أبنائها ، ومن الأمثلة عليه :

¨ ذكر أنّ همزة النداء لم ترد في القرآن ، ثمّ قال :" وقد يتعذر علينا أنْ نوافق الفراء الذي ذهب في تفسير الآية 39/9 :" أمّن هو قانتٌ آناءَ الليلِ " - التي قرأ بعض القراء فيها : أَمَنْ بدلاً من أَمَّنْ – إلى أنّ همزة أَمَنْ حرف نداء " ، وكأنّه هنا يرجّح بقاء الهمزة في الآية همزة استفهام في القراءتين .  ص 16

¨ تفسيره ما في الطبري وهو :" ووضعوا على رأسه تاجاً يدعى الآذين مكللاً بالياقوت " ثمّ قال :" ومعناها هنا على الأرجح " زينة " .  ص 21

¨ ترجيحه رواية ( لآبك ) على ( لأبَّك ) بقوله بعد ذكر الروايتين وأصحابهما :"وأفضل هذه الرواية"   ص 24

¨ قال بعد أنْ ذكر ( الأبّ ) في مواضع :" ومن الأرجح أنّ ( أبٌّ ) في كلّ هذه المواضع ترجع إلى ( أبّ ) التي وردت في ق [ أي القرآن ] ، ولعلها أخذت كما أخذت كلمة ٭ אּב ( إيب’ēb   ) ، אּבּוֹ ( إبّو ’ibbō ) العبريّة المتأخرة ، من اللغة الأَراميّة ، يعني من كلمة אּבּא ( إبّا ’ibbā ) ( إبّا’ebbā   ) אּנבּא ( إنبا’inbā  ) ومعناها ثمر وفاكهة ، وهذه الصيغ ترجع حسب الظاهر إلى (enbu , inbu   إنبو ) بنفس المعنى في اللغة الأكّديّة"([39]) .   ص 26

¨ بعد ذكره الخلاف في زيادة نون إبّان وأصالتها قال :" يحتمل أنّ كلمة ( إبّان ) أخذت من الآراميّة كما أخذت منها ( عِدّان ) بنفس الصيغة والمعنى " .  ص 27

¨ تحدّث عن الأبجديّة العربيّة ومال إلى أنّ العرب أخذوا الخطّ عن الساميين الشماليين وخاصّة الأنباط ، وذكر أنّ الحروف العربيّة تقابل حروف اللغتين العبريّة والآراميّة عدا ستة حروف هي ( ثخذ ، ضظغ )  " .    ص 29-30

¨ توقعه أنْ يكون أصل ( أبد ) سامياً ، وذكر قرابتها بعدد من الكلمات في بعض اللغات الساميّة .    ص 32

¨ نقل عن المعاجم اسمين لنبات ( أَبِيْد ) و ( أَيْبَد ) ، فمنهم من ذكر الأوّل ، ومنهم من ذكر الثاني ، ونقل عن بعضهم أنّ ( أيْبَد ) تصحيف ، لكنّ فيشر أكّد أنّ الصيغة الصحيحة هي ( أيْبَد ) ، واستدلّ بأقوال بعض الرحّالة والباحثين الغربيين ، حيث ذكره فورسكال Forskal بهذه الصيغة ، كذا فلبي Philby ، ونقل عن المستشرق السويسري هس Hess أنّه نقله عن عُتَيْبِيّ بهذه الصيغة .     ص 52

وفي النماذج السابقة ما يعطي دليلاً على قدرة فيشر على الترجيح .

دراسة نموذج كامل :

من تمام الدراسة اختيار نموذج لإعطاء تصوّر واضح عن عمل فيشر ، بعد دراسة أمثلة متفرقة في نماذج متعددة .

اخترت حرف الألف لدراسة ما ورد فيه ، لكونه يعطي صورة مختصرة تشتمل على جزء بصورته التي بناها عليه المؤلّف .

عرضٌ مختصرٌ لحرف الألف([40]) :

آثرت دراسة أوّل الكتاب وهو شرحه حرف ( الألف ) لتفصيله الحديث فيه ، ولاشتماله على كثير من ملامح منهجه ، وسأعرض عرضاً مختصراً لما ورد في الكتاب ، مع التعليق عند الحاجة :

أوّلاً : ذكر ترتيب الألف بين الحروف العربيّة في المشرق والمغرب ، وهو الترتيب الأوّل .

ثانياً : موقع الألف – وهو الأوّل - في الحروف الهجائيّة للغات الكنعانيّة الآراميّة ، كما تدلّ عليه اللغة العبريّة والسريانيّة ، وكذلك اليونانيّة المرتبطة بالكنعانيّة ، وكلّ اللغات التي أخذت أبجديتها عن اليونانيّة .

ثالثاً : تسميته بـ ( الألف ) ترجع إلى تسميته في اللغات الآراميّة والعبريّة والسريانيّة والأثيوبيّة واليونانيّة ، فهي أسماء متقاربة في النطق ، ذكرها بنطقها .

رابعاً : أطال كثيراً في ذكر تفصيلات عن حرف الألف ، تفصيلات تدخل في علم النحو وعلم الأصوات ، ويذهب كثير من اللغويّين إلى أنّ مثل هذه القضايا لا مكان لها في معجم لغويّ يُعْنى بشرح الكلمة باختصار بحسب غرض المعجم ، ولكنْ عند الرجوع إلى هدف فيشر من معجمه وهو أنْ يكون تاريخيّاً ، فإننا نجد العذر له في كونه أراد لمعجمه أنْ يكون شاملاً ما يتعلق بالكلمة من جميع النواحي السبع التي ذكرها ( التاريخيّة والاشتقاقيّة والتصريفيّة والتعبيريّة والنحويّة والبيانيّة والأسلوبيّة ) ، ومن التفصيلات التي أوردها ما يلي :

أ- نوعا الألف :

الأوّل : المتحركة – التي تكتب مع همزة – ومخرجها من لسان المزمار ، أي من الحلق ، وذكر أنّ هذا رأي فقهاء اللغة العرب .

الثاني : الساكنة اللينة – التي تكتب ألفاً ممدودة أو مقصورة – عرفها بأنّها علامة مد لحركة الفتح ، وذكر أنّها من حروف المد وحروف اللين والعلة ، وذكر أنّها مجهورة ومن حروف الزيادة .

ذهب إلى أنّ المتحركة أقدم من الساكنة التي كتبت فيما بعد ، وعلاقتها بها كعلاقة الواو والياء المتحركتين .

ذكر أنّ المبرد أخطأ في عدم ذكره الألف من حروف المعجم حيث أسقطها لعدم ثباتها على صورة واحدة .

ذكر نوعي الألف وهما : ألف القطع وألف الوصل .

ب- خصّ ألف الاستفهام بحديث ذكر فيه ما يلي :

1- حرف من الحروف الساميّة القديمة ، وذكر مقابله في العبريّة ، وأشار إلى وجوده في كلّ اللهجات الآراميّة اليهوديّة .

2- موقعها في أوّل الجملة الاسميّة ، ومجيئها قبل حروف العطف ( و ، ف ، ثمّ ) ، وذكر شواهد من القرآن الكريم والشعر والنثر .

3- حذف ألف الوصل بعد همزة الاستفهام ، وذكر شواهد من القرآن والشعر والنثر.

4- تليين همزتي الوصل والقطع بعد همزة الاستفهام ، وذكر شواهدهما.

5- نوعا الاستفهام اللذان تعبّر عنهما ألف الاستفهام :

أ- استفهام حقيقي ، وذكر شواهده .

ب- استفهام بياني – وهو ليس استفهاماً حقيقياً ، وإنما إخبار – وذكر حالاته :

- للتوبيخ والتقريع ، ويكون للجملة معنى موجب ، على أنّ لها معنى مقدّراً يُراد به عكس منطوقها .

- توبيخي للإنكار ، وتكون الجملة للتقرير ، أي ليس بها نفي .

- للتهكم والاستهزاء .

- للتعجيب والتشويق إلى استماع ما بعده .

- للأمر أو العرض أو التحضيض .

- التوبيخ والإنكار الاستفهاميان في صيغة المضارع المرفوع المنفي .

وذكر الزيادات الصوتيّة التي تلحق آخر الاستفهام الإنكاري مثل : أزيدُنيه ، أعُمَروه ، وقد فصل الحديث فيه وذكر شواهد عديدة .

خامساً : حذف حرف الاستفهام مع بقاء الاستفهام ونغمته ، مع ذكر شواهده .

ذكر الفرق بين الاستفهام غير المعمول فيه والاستفهام المعمول فيه في أهمّ اللغات الغربيّة ، أمّا العربيّة فلا وجود للاستفهام المعمول فيه حيث إنّ ألف الاستفهام تمنع أنْ يعمل ما قبلها فيما بعدها .

سادساً : ذكر نوعين آخرين للهمزة وشرحهما بالتفصيل ، وهما :

أ- حرف القسم ( أ ) .

ب- حرف النداء ( أ ) .

وفصّل القول فيهما واستشهد لهما .

إنّ هذا النموذج يعطي صورة تقريبيّة عن معجم فيشر الذي كان يسعى إلى إنجازه ، وهو وإنْ لم يكن مماثلاً في المادّة لبقيّة المعجم ، إلاّ أنّه يقدّم خير مثال على المعجم المراد ، مع عدم خلوّه من مآخذ ، ككثرة القضايا النحويّة فيه مثل كثرة أنواع الهمزة ، وتفصيل فيشر الحديث عنها ، ولو قُدّر لأجزاء أخرى الظهور لأعطت صورة أكثر وضوحاً .

لأهميَّة هذا المعجم آثرت إجراء موازنة بينه وبين المعجم الكبير الذي يصدره مجمع اللغة العربيّة بالقاهرة ، فلاحتمال تأثّره بمعجم فيشر ؛ لكون فيشر وضع خطّةً للمعجم التاريخيّ الكبير وقدّمها إلى المجمع ، لاحتمال تأثّره به تأتي أهميَّة الموازنة بينهما لإبراز جوانب الشبه إنْ وُجدت .

موازنة بين معجم فيشر والمعجم الكبير :

من المعلوم أنّ فيشر وضع خطّةً للمعجم الكبير ، قدّمها إلى مجمع اللغة العربيّة مع نموذجٍ من معاني مادّة ( أخذ ) ، ومضى زمنٌ طويلٌ بعد موت فيشر عام 1949م وانقطاع العمل في معجمه ، ثمّ ظهر الجزء الأوّل من المعجم الكبير عام 1970م ، أي بعد موت فيشر بإحدى وعشرين سنة .

وكان فيشر أهدى جزازات معجمه إلى المجمع للاستفادة منها في صنع المعجم الكبير والمعاجم الأخرى .

ويحقّ لنا التساؤل عن الشبه بين المعجمين ، وما أثرُ فيشر في المعجم الكبير ؟ .

أسئلةٌ عديدةٌ تبرز عند ذكر المعجمين ، ولكي تتّضح لنا الصورة المطلوبة سأوازن بين بداية كلٍّ منهما لمعرفة وجوه الاتفاق والاختلاف بينهما .

وممّا يجدر التنبيه إليه هنا أنّ المعجم الكبير لم يُرِد به المجمعُ أن يكون المعجمَ التاريخيّ الذي كان المجمع يسعى إلى صنعه ، وإنما جعلوه تلبيةً للحاجة الملحّة إليه ، مع عدم تمكّنهم من إخراج معجم فيشر لنقصه ، وعدم تمكّنهم من إخراج المعجم التاريخيّ المنتظر لأنّه يحتاج إلى أعمال تمهيديّة لم يُبدأ بها بعد([41]) ، والموازنة بين المعجمين مفيدة في معرفة وجوه الشبه بينهما .

المعجم الكبير([42]) :

فيما سبق من الأوراق عرض مختصر عن حرف الهمزة في معجم فيشر ، ولكي تتّضح وجوه التشابه والاختلاف بين المعجمين أعرض بداية المعجم الكبير عن حرف الهمزة لنلاحظ العلاقة بينهما :

بدأ واضعو المعجم بحرف الهمزة وذكروا أنّ المبرّد لا يعدّها في الحروف لعدم التزام صورةٍ لها ، حيث تكتب ألفاً وواواً وياءً ، بحسب موقعها ، ورجّحوا أنّها من حروف الهجاء لثبوتها في النطق ، أمّا تغيّر صورتها فبسبب تخفيفها .

وذكروا عدّة مسائل عن الهمزة أهمّها :

± وقوعها في أوّل الكلمة ووسطها وآخرها .

± القدماء عدّوها مجهورة تخرج من أقصى الحلق ، وعدّها بعض المحدثين مهموسة شديدة تخرج من الحنجرة .

± ذكروا قسميها للوصل والقطع ، مع الفرق بينهما .

± ذكروا أقسامها : الأصليّة والزائدة والمبدلة من ألف زائدة ، وذكروا إبدال الهمزة هاءً عند بعض العرب .

± مجيئها لنداء القريب ، والاستفهام ، وتأتي للاستفهام مع كونها عوضاً من حرف القسم مثل : آللهِ أكرمت أخي ؟ .

± الهمزة الممدودة تأتي لنداء البعيد أو القريب على قولين .

حينما نوازن بين ما كتبه فيشر في بداية معجمه ، وما جاء هنا في المعجم الكبير نجد الفرق كبيراً ، ففيشر أطال كثيراً في حرف الألف وأقسامه – سبق ذكر ذلك في العرض السابق قبل هذه الموازنة – أمّا الكبير ففيه اختصار واقتصار على مسائل أساسيّة .

المداخل في المعجمين :

بلغت مداخل فيشر للمبدوء بهمزةٍ ممدودة اثني عشر مدخلاً ، كما يلي :

ستةٌ لعدد من الأدوات والأصوات ، هي : ( آ ) حرف الاستفهام ، ( آ ) حرف النداء ، ( آءٌ ) وأحال فيها إلى مادة ليست في المطبوع ، ومثلها المداخل التالية دون تفسيرها ، ( آحِ ) ، ( آهْ ، آهِ ، آهٍ ، آهاً ) في مدخل واحد ، ثمّ ( آيْ ) .

وستةٌ لكلمات أعجميّة معرّبة ، لكنّها وردت عند العرب القدماء ، وأورد عليها نصوصاً من كتب عربيّة متقدّمة ، منها اثنان لنباتين ، وأربعة لمعانٍ عامّة .

وبلغت مداخل المعجم الكبير لما بُدئ بهمزة ممدودة ثلاثةً وستين مدخلاً على النحو التالي :

ستة وعشرون مدخلاً لكلمات معرّبة ، وباقيها عربيّة ، وجميع المداخل - بالمعرّب والعربيّ - تقع تحت أنواع مختلفة :

ثلاثة عشر مدخلاً لأعلامِ أشخاص .

ثلاثة عشر مدخلاً لأعلامِ مواضع .

ستة مداخل لنباتات .

وبقيّتها لموادّ لغويّة أخرى .

يتّضح ممّا سبق الاختلاف في العدد بين المعجمين ، وهو دليل على تفوّق المعجم الكبير في الحجم على معجم فيشر ، لكنّ أكثر المداخل في المعجم الكبير لا تدخل – عند كثير من الباحثين – في الموادّ اللغويّة ولا يحتاج إليها المعجم كأعلام الأشخاص والمواضع وأسماء النباتات .

ويتميّز معجم فيشر بمنهجه التاريخيّ في تتبّعه الكلمة في النصوص الواردة في مصادره لتتّضح تطوّرات المعنى .

أمّا المعجم الكبير فلا يعتني بهذا الجانب ، ولذا فشواهد فيشر منها آيات قرآنيّة وأحاديث وشعر ونصوص نثريّة من كتب أدبيّة وتاريخيّة وغيرها ، أمّا شواهد المعجم الكبير فتقتصر على القرآن والحديث والشعر والأمثال ، أمّا النصوص النثريّة فلا وجودَ يُذكر لها ، لعدم عنايته بتتبّع المعنى .

الأعلام في المعجمين :

وأعني بالأعلام أعلام الأشخاص والمواضع وما يشابهها .

أمّا معجم فيشر فلا نكاد نلحظ إكثاره منها ، أمّا المعجم الكبير فبالغ واضعوه في تعديد الأعلام ، وسبق بيان عدد أعلام الأشخاص والمواضع في الهمزة الممدودة ، وهو ستة وعشرون علماً ، وممّا يُلاحظ عليه إيراده أعلاماً أعجميّة مثل :

آدم سميث : فيلسوف اقتصادي اسكتلندي .

فهو شخص غربي لا مكان له هنا .

آريوس : صاحب نحلة ( عام 336 ) .

فهو أعجميّ قبل العربيّة ، ولم يُستعمل فيها .

آريوسية : اسم النحلة … ولم يبق لها أثر بعد القرن الرابع الميلادي .

ما الحاجة إلى ذكرها هنا ما دامت لم تنتقل إلى العربيّة ، ومكانها في موسوعات الأعلام .

الآريّ : في السنسكريتيّة آريا … : النبيل العريق : ذكروا أنّه أطلق في الهند قبل الميلاد على الطبقات الرئيسة الثلاث …

ويتّضح أنّ الكلمة لا صلة لها بالعربيّة لأنّ معناها خاصّ بمعنى أعجميّ .

وسأستعرض هنا مادّة ( أبد ) بمشتقاتها في المعجمين ، لتكون الموازنة في مادّة محدّدة :

مادّة ( أبد ) :

أَبَدَ : اتّفقا في ذكر معانيه الثلاثة : التوحّش ، والإقامة وطول المدّة ، والإغراب .

أَبِدَ : اتّفقا في ذكر معنييه : التوحّش ، والغضب .

أَبّدَ : اتّفقا في ذكر أربعة معانٍ : تنفير الدابة ، مجيء الرجل بآبدة ، وهي الأمر العظيم ، والإغراب ، وتخليد الشيء .

وزاد الكبير معنىً هو : التوحّش للحيوان … 1/25

تَأبّدَ : اتّفقا في ذكر أربعة معانٍ : أقفر المنزل ورعته الأوابد ، عاش في القفار ( للناس والبهائم ) ، تعزّب وقلّ إربه في النساء ، كَلِف ونَمِش الوجه .

وزاد الكبير : طال الزمان وامتدّ . 1/26

 

اتّفقا في ترتيب المشتقات السابقة ، ثمّ اختلفا بعدها ، وسأورد البقيّة على ترتيب فيشر مع ذكر ما في الكبير :

إبْد : أحال على ( إبِد ) وفي موضعها ذكر ( أَبِد و إبْد ) لغتين فيها ، وكذا الكبير ، ذكر فيشر معنى الكلمات الثلاث للأمة والفرس والناقة بمعنى وَلود ضانِئة ، أي تلد كلّ عام ، وذكر لـ ( أَبِد ) وحدها المعاني التالية : حمار الوحش المستنفر ، الرجل المتوحّش ، المنزل القفر .

أمّا الكبير ففسر ( الإبْد ) و ( والإبِد ) بـ ( الأبِد ) 1/29 ، ولكنّه لم يفسر (الأبِد ) ولم يجعل له مدخلاً .

أَبَد : اتّفقا على ثلاثة معانٍ : الدهر مطلقاً ، الدهر الطويل غير المحدود ، الولد الذي أتت عليه سنة .

وزاد فيشر معنى رابعاً هو : ذو ( ذات ) أَبَد أي دائم ( دائمة ) نقلاً عن لين ، واستشهد بقول عبيد بن عمير :" الدنيا أَمَد ، والآخرة أَبَد " وفسر ( أبَد ) بذات أبد ، وهو تفسير غير صحيح ، فالمعنى دلالته على الدهر الطويل غير المحدود ، ولا حاجة إلى وضع معنى جديد لها ، فتفسيره لها بالدوام داخل في دلالتها على الدهر الطويل غير المحدود .

أَبِد ، إبِد : سبق ذكرهما مع ( إبْد ) .

إبِدَة ، أبِدَة : أحال على ( إبِد ) ، وهو أراد به ما سبق ، أي أنثى ( إبِد وأبِد ) .

أبَدِيّ : فسّره فيشر ص 44 بـ : دائم لا ينقطع ، ولم يذكره الكبير لأنّه صيغة قياسيّة ، فهو نسبة إلى ( أبد ) ، وهو الدهر الطويل غير المحدود ، فلا حاجة إلى فصله بمدخل ، ولعل ما دعاه كونُه أصبح كالمصطلح ، فذكر أنّه كثيراً ما يرد في كتب علماء الدين والفلاسفة المتأخرين .

أبَدِيّة : ذكر فيشر لها معنيين : ديمومة لا تنقطع ، الأبَدِيّات ، وهو جمع : اصطلاح لأقوال سائرة تعبّر عن معنى ( أبداً ) .

أمّا الكبير فجعل المعنى الأوّل تحت المفرد في مدخل خاصّ ، وجعل الجمع في مدخل آخر بتفسيره . 1/29

آبِد : ذكرها فيشر اسم فاعل للفعل ( أبَدَ ) ، وعدّد المعاني ، وهي داخلة في معنى اسم الفاعل ، وهو قياسي فلا حاجة إلى جعله مستقلاً ، وكان الأولى ذكره مع فعله ، وأطال في ذكر شواهدها .

والمعنى الأخير الذي ذكر لـ ( آبِد ) : ممتاز ، واستشهد عليه بشواهد ، وهذا المعنى ليس جديداً ، وإنما هو داخل في معنى : غريب لا ممتاز .

أبِيد : أحال إلى ( أبَد ) ، حيث وردت ( أبيد ) لتوكيد ( أبَد ) .

أبُود : وحشيّ ، مبالغة ( أبِد ) ، واستشهد له ، ولم يذكره الكبير .

أيْبَد : نبات ، وذكر صورة أخرى هي ( أبِيد ) عند بعض العلماء ، ثمّ رجّح ( أبيد ) اعتماداً على عدّة أدلّة ، أمّا الكبير فجعل ( أبيد ) للنبات مدخلاً مستقلاً ، ولم يذكر ما ذكره فيشر .

مُؤبّد : ذكر معنييها : مخلّد أي دائم ، وناقة مؤبّدة : وحشيّة معتاصة ، ومعنيين مجازيين : شِعْر غريب ، شِعْر أغَرّ : أي مشهور .

ولم يذكر الكبير من المعاني الأربعة إلاّ الأوّل فقط ، وزاد معنى لم يذكره فيشر للمؤنث ( مُؤبّدة ) للعقوبة الدائمة مدى الحياة .   1/30 ، وهو معنى حديث .

مُتَأبِّد : ذكر مرادفتها لـ ( آبِد ) وهو الوحش يلزم البيداء ، مستوحش ومستنفر عن الناس ، والمعنى الآخر : راهب .

وهذا المدخل لم يذكره الكبير .

وممّا زاده المعجم الكبير على مداخل فيشر ما يلي :

أَبَّدة : بلدة بالأندلس … 1/27

الأبَدان : الإصباح والإمساء ( عن ثعلب ) .  1/29

مَأْبِد : موضع  .  1/29

 

يتّضح ممّا سبق وضوح العلاقة بين المعجمين ، والتقارب بينهما في ذكر المعاني ، وأغلب الظنّ أنّ واضعي الكبير استعانوا بجزازات فيشر التي أهداها إلى المجمع ، وكان من الاقتراحات التي طُرحت للاستفادة منها أنْ يُستعان بها في وضع المعاجم التي يصدرها المجمع .

وممّا يرجّح استفادة واضعي الكبير من معجم فيشر أو جزازاته اتّفاقهما في عدد من الموادّ – وسبق بيانه – واتّفاقهما في بعض الآراء التي رجّحها فيشر .

كما أنّ بعض الأعضاء نظروا في معجم فيشر ومآله ، فطرح أحمد الزيات العلاقة بين المعجم الكبير ومعجم فيشر للتساؤل ، ورأى توحيد العملين في عمل واحد إذا كان ممكناً ، وذهب إلى أنّ الطريق للتوحيد بينهما يتمثّل فيما يلي :

أ- مزج طريقة المعجم الكبير بطريقة فيشر القائمة على وجهاتِ نظرٍ سبع .

ب- إدخال الزيادات التي انفرد بها فيشر في المعجم الكبير .

ج- ترتيب الجزازات وإكمالها والاستفادة منها .

د- تسجيل ذلك في مقدّمة المعجم والتنويه بمجهود فيشر .

وتداولوا حول رأي الزيات ، وانتهوا بالموافقة على اقتراحات اللجنة([43]) .

أثر فيشر على المعجميين العرب في دعوتهم إلى صناعة معجم تاريخي :

من المعاجم التي سلكت المنهج التاريخي في معالجتها الألفاظ معجم أكسفورد ، وهو أسبق من معجم فيشر ، بل إنّ فيشر نفسه كان متأثّراً بغيره في صناعة معجمه ، سواءً كان تأثّره بمعجم أكسفورد ، أم بالمستشرق ف. هيرديكن ، أم المستشرق توربيكه ، على ثلاثة آراء سبق ذكرها في بداية الدراسة .

أمّا من دعا إلى اقتفاء أثر فيشر في صناعة المعجم فهم كثير ، فقد أصبح المثل الأعلى في صناعة المعجم ، ورأى العديد منهم أنّه المعجم الذي يلبّي الحاجة القائمة ، يستوي في هذه الدعوة بعض المستشرقين الذين أُعجبوا بمعجم فيشر فتبنّوا الدعوة إليه ، ومن دعا من العرب إلى صناعة معجم تاريخيّ للعربيّة ، تأثّراً بمعجم فيشر .

ويبدو أثر معجم فيشر جليّاً لكونه بالعربيّة ، لكنّنا لا نغفل أثر معجم أكسفورد على بعض الباحثين الذين درسوا علوم اللغة في الغرب .

ومع أنّ التأثر بمعجم فيشر مستمرّاً لكني سأذكر بعض أوائل من دعا إلى وضع معجم تاريخيّ :


¨ إسماعيل مظهر :

كان يعمل في مجمع اللغة العربيّة بالقاهرة ، حينما نقل فيشر جذاذات معجمه إلى المجمع للعمل فيه ، بعد أنْ نال الموافقة عليه من المجمع ، واختاره فيشر ليعمل معه ، مع عدد من الباحثين لقراءة الكتب وجمع غريب الألفاظ ، وجمع الشواهد في جذاذات خاصة .

ولمدة عامين أشرف إسماعيل مظهر على هذا العمل ، إلى أنْ سافر فيشر إلى ألمانيا في صيف 1939م ، ولم يعد لأنّ الحرب العالميّة الثانية قامت ، وبقي في ألمانيا إلى أنْ مات .

وعمل إسماعيل مظهر في مشروع فيشر له أثر كبير في اقتناعه بحاجة العربيّة إلى معجم تاريخيّ ، لكنّ أثر معجم أكسفورد يظهر جليّاً في البحث الذي أعدّه بعنوان ( القواعد الأساسيّة في تأليف معجم لغويّ تاريخيّ )([44]) ، وقدّمه إلى لجنة المعجم في مجمع اللغة العربيّة في سنة 1939م ، ثمّ نشره عام 1945م ، وقد استخلص القواعد التي ذكرها من مقدّمة معجم أكسفورد ، وهو دليل على أثر هذا المعجم على إسماعيل مظهر .

ثم نشر بحثاً آخر يحمل الدعوة نفسها ، بعنوان ( اللغة العربيّة وحاجتها إلى معجم لغويّ تاريخيّ )([45]) ، وعلّل دعوته باقتصار المعاجم العربيّة على المعاني الحقيقيّة دون المجازيّة أو الجديدة ، وذكر أنّه وقع لكثير من اللغات الحيّة ما وقع للعربيّة .

وذكر ما حدث للإنجليزيّة ومعاجمها ، فقد اقتصرت المعاجم في بداياتها على جمع المفردات الغريبة دون ما هو معروف ، ثمّ سلك الأديب ( جونسون ) في معجمه طريقاً آخر ، إذ أثبت شواهد الألفاظ التي تؤدي المعنى المراد ، ثمّ خطا اللغويّ ( ريتشاردسون ) خطوة أخرى ببيان تاريخ الألفاظ اللغويّة ، ثمّ كان تمام تلك المراحل ما وصل إليه معجم أكسفورد من تطوّر في هذا الميدان .

ويتضح ممّا ذكره إسماعيل مظهر من تفصيله الحديث عن المعاجم الإنجليزيّة ، وذكره مقاطع من مقدّمة معجم أكسفورد ، يتبيّن مدى الأثر الذي كان لمعجم أكسفورد عليه في تبنّيه الدعوة إلى معجم تاريخيّ للعربيّة ، مع أثر عمله مع فيشر في معجمه لمدة عامين .

وكأنّ أَثَرَي المعجمين : معجم أكسفورد ومعجم فيشر متعادلان ، فأسهما في تبنّي إسماعيل مظهر الدعوة إلى معجم تاريخيّ .

 

¨ إبراهيم إبراهيم يوسف :

كتب مقالاً([46]) عن اللغة العربيّة والنهضة التي قامت في العصر الحديث بعد سبات طويل ، ودعا إلى تجنيد علماء اللغة من عرب ومستشرقين لوضع معجم للعربيّة الفصحى ملائم للتطوّر العلميّ في العصر الحاضر.

أمّا عن صفات هذا المعجم فكان تأثّره بفيشر كبيراً ، فقد نقل من مقدّمة معجمه التاريخيّ – أي معجم فيشر – صفات المعجم الذي يدعو إليه ، وذهب إلى أنّ قسماً ممن يُنتدَب لهذا العمل يتّجه إلى العمل مع فيشر في معجمه التاريخيّ للتعجيل بالفراغ منه ، ويكونون على قدر كبير من العلم باللغة وعلومها ، وإتقان اللغات الساميّة الأخرى ، واللغات الأجنبيّة .

ويعمل قسم آخر في وضع المعجم التاريخيّ الكبير الذي نصّ مرسوم المجمع على وضعه .

ويظهر التأثّر الواضح بفيشر في الدعوة إلى المعجم التاريخيّ ، وفي الثناء الكبير الذي كاله لفيشر وعمله ، ودعوته إلى أنْ يكون المعجم الذي يضعه المجمع على غرار معجم فيشر .

¨ عبد الله العلايلي :

تأثّر بالاتجاه السائد في صناعة المعجم ، وهو أنْ يكون معجماً تاريخيّاً ، فحاول تطبيقه في معجمه ( المرجع )([47]) ، فأرّخ للألفاظ ودلالاتها بالإشارة إلى العصر الذي وجدت فيه الكلمة أو المعنى أو الاستعمال .

¨ علي توفيق الحمد :

في نهاية بحث طويل بعنوان ( بطرس البستاني وجهوده المعجميّة ) قدّم اقتراحات حول المعجم العربيّ ، دعا في اثنين منها إلى وضع معجم تاريخيّ يؤرخ للكلمة وتاريخ ظهورها واستخدامها ، وتطوّر معانيها … وجمع المادّة اللغويّة التاريخيّة من القرآن الكريم والحديث الشريف وكتب العرب ، لا من المعاجم القديمة([48]) .

ثم قدّم بحثاً طويلاً عميقاً بعنوان ( المعجم التاريخيّ العربيّ – مفهومه ، وظيفته ، محتواه ) إلى ندوة ( المعجم العربيّ التاريخيّ : قضاياه ووسائل إنجازه ) ، وفيه عرّف المعجم التاريخيّ من مصادر أجنبيّة ومصادر عربيّة ، وذكر مفهومه لدى عدد من العرب والمستشرقين ، وفصّل الحديث عن المعجم التاريخيّ العربيّ المنتظر([49]) .


¨ جمعيّة المعجميّة العربيّة بتونس :

يحقّ لهذه الجمعيّة أنْ يقال عنها إنها أبرز الهيئات العلميّة العربيّة اهتماماً بالمعجم العربيّ وقضاياه ، وجاءت الدراسات المعجميّة التي صدرت عنها من أقوى الدراسات المعجميّة الصادرة من هيئة علميّة عربيّة ، وأعمقها وأكثرها جِدّةً .

يصدر عنها مجلّة تُعنى بشئون المعجم ، اسمها ( مجلة المعجميّة ) ، تشتمل على دراسات عميقة .

ولاهتمام الجمعيّة بالمعجم التاريخيّ عقدت له ندوة عنوانها ( المعجم العربيّ التاريخيّ : قضاياه ووسائل إنجازه ) بتاريخ 14-17 نوفمبر 1989م ، دعت إليها نخبة من لغويّي البلاد العربيّة ، نوقشت فيها أهمّ قضايا المعجم التاريخيّ ، ونشرت بحوث الندوة في جزء خاصّ به من المجلة([50]) .

ثم أصدرت الجمعيّة كتاباً خاصاً ببحوث الندوة ، سمّته ( المعجم العربيّ التاريخيّ ) ، طبعه ( بيت الحكمة – قرطاج ) .

جاء اهتمام الجمعيّة بالمعجم التاريخيّ والدعوة إلى أنْ يكون للعربيّة معجم تاريخيّ ، جاء لاقتناع أعضائها بأنّها قضيّة لها صلة بتراثنا وحاضرنا ومستقبلنا ، وأنّ المعجم أصبح ضرورة لا غنى عنها ، فهو ذاكرتنا اللغويّة والثقافيّة والحضاريّة .

 

المآخذ على فيشر في معجمه :

ممّا وجدته من المآخذ على فيشر ما يلي :

1- أوهامه :

يظهر تمكُّن فيشر من العربيّة - وبالأخصّ في الكتابة - عند الاطّلاع على ما كتبه في المعجم وغيره ، لكنّ فهم معاني الكلمات وإدراك دلالاتها الدقيقة لا يكاد أعجميّ يسلم من الوهم فيه .

ومثلُ وقوعِ بعض المستشرقين في توهّمِ بعضِ المعاني المندرجة تحت معنى واحد معانيَ متعدّدةً ، وقع فيشر في الوهم نفسه – مع قلّة النماذج – فجعل الدلالة الواحدة في سياقاتٍ مختلفةٍ عدةَ معانٍ ، وحينما ننظر في تلك المعاني ندرك ذلك الوهم ، فما ظنّه عدّة معانٍ هو في الحقيقة معنى واحد في عدّة سياقات ، تربط بينها صورة معنويّة واحدة .

وإليك بعض الأمثلة على أوهامه :

¨ ذكر معاني ( أبَّ ) ومنها :

أ- أَبَّ أبَّه : قصد قصدَه .

ب- أبَّ فلاناً : قصده .   ص 25

والواضح أنّ المعنى واحد للفعل وهو ( قَصَد ) ، لكنّه في الأوّل غير متعدٍّ ، وفي الثاني متعدٍّ إلى مفعول .

¨ فرّق بين المشتقاتِ المرتبطةِ بصيغةٍ واحدة ، بسبب عدم إدراكه الرابط بينها ، مثل :

أ - في مادّة ( أبد ) : ذكر كلمة ( أَبَد ) .  ص 37 ، وذكر بعدها عدداً من المشتقات ، ثمّ ذكر ( أَبَدِيّ ، وأَبَدِيَّة ) . ص 44 ، وهما منسوبتان إلى ( أبد ) .

ب - ذكر الفعل ( أَبَّد ) .  ص 33 ، ثمّ ذكر اسم المفعول منه ( مُؤبَّد ) . ص 53

ج - ذكر الفعل ( تأبَّد ) .  ص 34 ،  ثمّ ذكر اسم الفاعل منه ( مُتأبِّد ) . ص 53

¨ ذكر معنى ( أبد ) وهو الدهر الطويل غير المحدّد ص 37 ، ثمّ ذكر معنى ثانياً وهو الدهر مطلقاً ص 42 ، ثمّ معنى ثالثاً وهو ذو ( ذات ) أبد أي دائم ( دائمة ) نقلاً عن لين ، واستشهد بكلام عبيد بن عمير :" الدنيا أمَد ( أي ذات أمد ) والآخرة أبَد ( أي ذات أبد ) ص 42-43 ، ولا يخفى أنّ المعاني الثلاث تعود إلى معنى واحد .

2- إكثاره من الرموز والمختصرات :

سلك فيشر مسلك الغربيين في كتبهم ، حيث تزخر بالرموز التي تختصر حجم الكتاب ، وللاختلاف بين اللغات فالعربيّة تختلف عن اللغات الغربيّة ، لأنّ حروفها تتصل في الكتابة ، أمّا الغربيّة فتكتب مفصولة كما تكتب موصولة .

ولذا يبدو الإكثار من الرموز ثقيلاً على القارئ العربيّ لاختلافه عمّا اعتاد عليه ، بل يزيد من غموض النصّ .

ومن الأمثلة عليه من معجم فيشر ما يلي :

¨ قال بعد ذكره شطر بيت :" الأغاني 3/244/9 : أفلا قلتَ الحمد لله ؟ قال : أوَ نعمةٌ هي حتى أحمد الله عليها ؟ هلۤج . رۤ كذلك المفصّل § 581 مع ابن يعيش غ .  ص 5

إيضاح الرموز :

هلۤج : وهلمّ جرّاً .

رۤ : لم يفسرها .

غ : وغيره ، وغيرها ونحوه .

¨ قال تحت ( أَبّ ) :" أبَّ لشيء يئِبّ ويؤُبّ أبّاً وأبيباّ وأباباً وأبابةً وإبابةً ( آنـ : Lane " أبب " فۤق " أبّ " ) : تهيّأ له وتجهّز ، ويقال : هو في أبابِه وأبابته : أي في جهازه ، Lane  موسۤا .  ص 23

إيضاح الرموز :

آنـ : انظر .

فۤق : فقرة .

ويكون معنى ما بين القوسين : انظر Lane " أبب " أي المادّة ، فقرة " أبّ " .

موسۤا : الموضع السابق .

¨ قال بعد ذكر شطر بيت هو :         ذي جُدّتين آبدِ الشرودِ

: ( في الشرح : والجُدّتان خطّان في الظهر ، يعني ظهر الحمار ) وكذلك الهذليون رقم 16/5 ( رۤو : الصحم بدل العصم ( رۤ  : ما يلي 47 ع 1/8 ) ، - أبو كبير رقم 40/6 ، - كثير رقم 123/5 ، - البكري 463 / ت . ص = 4/ع1/8  .      ص 46

إيضاح الرموز :

الهذليون رقم 16/5 : الرقم الأوّل للقصيدة ، والثاني للبيت ، ومثله أبو كبير رقم 4/6 ، وكثير …

رۤو : وقد روي ، وفي رواية أخرى .

رۤ : لم أجد مدلولها .

ما يلي 47 ع 1/8 : ص 47 ، عمود 1 ، سطر 8 .

البكري 463 / ت ص = 4/ ع1/8 : البكري ص 463 ، تحت صفحة 4 ، عمود 1 ، سطر 8

ولكثرة الرموز التي استخدمها فإنها تؤدي إلى لبس وجهد في معرفتها .

 

وممّا يحدث لبساً أنّه استعمل حرف التاء ( ت ) رمزين لشيئين مختلفين ، ففي مصادره استعمله اختصاراً لسنن الترمذي ، ووضعه في قائمة الرموز الأخرى وفسره بـ ( تحت ، من تحت ) ، ووكل فيشر التعرّف على الرمزين إلى القارئ ، وإنْ كان سياق الكلام قد يدلّ على سنن الترمذي عندما يأتي في السياق ذكر حديث ، لكنّه مع ذلك موضع لبس .

3- تعديد المعنى الواحد :

حينما يكتب الأجنبي عن لغةٍ من اللغات فهو معرّضٌ للزلل فيما يمسّ المعاني بخاصّة ، لكون المعنى مرتبطاً بالفهم ، والفهم مبنيّ على علم الإنسان وثقافته وخلفيّته الحضاريّة واللغويّة ، لذا نلحظ أنّ كتابات المستشرقين في اللغة العربيّة قلّما تخلو من هذا الخلل ، مع إتقانهم جانب المنهج ، وتفوّقهم على دراسات بعض العرب فيما يتعلّق بالدقّة العلميّة والجدّ والمثابرة ، وما ينبني على هذا من نتائج علميّة قيّمة ، هي ما يميّز كتابات بعض المستشرقين .

أمّا الخلل في الفهم فهو دليل على الضعف اللغويّ لدى المؤلّف ، ومن مظاهره تفسير اللفظ بمعنى اكتسبه من السياق لا من اللفظ نفسه ، ولعجمة الشارح لا يستطيع إدراك مصدر المعنى ، فيظنّ أنّ تلك الدلالة هي دلالة اللفظ أينما وُجد ، وفي أيّ سياق ورد .

ومن الأمثلة في معجم فيشر ما يلي :

¨ ذكر ( آبِد ) وذكر من معانيه :

اسم الفاعل من ( أَبَدَ ) : مقيم بالمكان غير بارح له .

وذكر اسم الفاعل من ( أَبَدَ ) أيضاً ، وتحته ثلاثة معانٍ فرعيّة :

أ- وحش يلزم البيداء مستوحش ومستنفر عن الناس .

ب- بهائم توحّشت ونفرت من الأنس كالوحش .

ج- وحشيّ ، مستوحش ، شارد للمعاني المجازيّة .     ص 45-48

وهي اسم فاعل من ( أَبَدَ ) ، فالمعنى الأوّل اسم فاعل من ( أَبَدَ ) للإقامة وطول المدة ، والمعنى الثاني بفروعه ( أ ، ب ، ج ) اسم فاعل من ( أَبَدَ ) للتوحّش كما سبق ذكر معانيه في بداية المادّة ، ولذا فهو عدّد معنى واحداً إلى معانٍ عديدة .

¨ ذكر معاني ( أبَّ ) ومنها :

أ- أبَّ أبَّه : قصد قصدَه .

ب- أبّ فلاناً : قصده .      ص 24

والواضح أنّ المعنى واحد للفعل وهو ( قصد ) ، لكنّه في الأوّل غير متعدّ ، وفي الثاني متعدٍّ إلى مفعول .

¨ ذكر معنى ( أبد ) وهو الدهر الطويل غير المحدد ص 37 ، ثمّ ذكر معنى ثانياً وهو الدهر مطلقاً ص 42 ، ثمّ معنى ثالثاً وهو ذو ( ذات ) أبد أي دائم ( دائمة ) نقلاً عن لين ، واستشهد بكلام عبيد بن عمير :" الدنيا أمَد ( أي ذات أمد ) والآخرة أبَد ( أي ذات أبد ) ص 42-43 ، ولا يخفى أنّ المعاني الثلاثة تعود إلى معنى واحد .

¨ فرّق بين المشتقات المرتبطة بصيغة واحدة ، بسبب عدم إدراكه الرابط بينها ، مثل :

أ - في مادّة ( أبد ) : ذكر كلمة ( أَبَد ) ص 37 ، وذكر بعدها عدداً من المشتقات ، ثمّ ذكر  ( أَبَديّ ، وأَبَديّة ) ص 44 ، وهما منسوبتان إلى ( أبد ) .

ب - ذكر ( أَبَّد ) ص 33 ، ثمّ ذكر اسم المفعول منه ( مؤبَّد ) ص 53

ج - ذكر ( تأبَّد ) ص 34 ، ثمّ ذكر اسم الفاعل منه ( متأبِّد ) ص 53

من مزايا عمل فيشر :

لنكون منصفين يحسن بعد عرض بعض المآخذ على فيشر أنْ نذكر بعض مزايا أعماله ، والعديد منها ينطبق على أعمال المستشرقين الآخرين ، فمن مزايا أعمالهم :

اتّساع ثقافتهم في الميدان الذي يدرسونه :

وهذا ظاهرٌ لكلّ مطّلعٍ على أعمالهم وسيَرهم التي تدلّ على إتقان الواحد منهم العديد من اللغات التي تمتّ بصلةٍ إلى اللغة المدروسة ، وهو ما يُكسب أعمالهم ثراءً ، لقدرتهم على معرفة أصول الكثير من الألفاظ التي انتقلت من لغةٍ إلى أخرى ، والاستعانة بذلك للتأريخ للألفاظ ، مع ما يكون عليه المستشرق من سعةٍ في الثقافة تُكسب عمله الاتّساع والثراء .

وغير خافٍ تميّز الدراسات الاستشراقيّة بالربط بين العربيّة مثلاً وأخواتها الساميّات في العديد من القضايا ، وقدرتهم على تتبّع تاريخ اللفظ في العربيّة وصورته التي كان عليها قبل العربيّة ، ولذا استفادوا من علمهم باللغات في معرفة أصول الألفاظ المعرّبة بإعادة اللفظ المعرّب إلى لغته الأولى .

أما عن عمل فيشر خاصّة فمن مزاياه ما يلي :

اهتمامه بالشواهد اللغويّة :

تأتي معاجم العديد من المستشرقين العربيّة على طريقة معاجمهم في لغاتهم ، فالشاهد اللغويّ أساس بنائه ، بل هو العنصر الرئيس فيه ، ومنه تنطلق المعاني .

لذا لا عجب أنْ تبلغ بطاقات فيشر التي جمعها لمعجمه الذي كان يسعى لصنعه مليون بطاقة ، وجمع ( 575 ) شاهداً على استخدام كلمة ( كلّ ) ، و ( 587 ) شاهداً على كلمة ( كان ) ، و ( 17700 ) إحالة إلى الأخطل وحده([51]) .

وكذا في الجزء المطبوع من معجمه ، اعتمد في إيراد المعاني على سرد الشواهد عليها ، ولا حاجة إلى التمثيل عليها ، فقد سبق ذكره .

 ترتيب المشتقات تحت المداخل على ترتيب معيّن :

أي ترتيب المشتقّات بحيث تأتي منتظمة ، وهو ما يسهّل العثور عليها بسرعة عند معرفة منهج المؤلّف في ترتيبها .

ولا شكّ أنّ المستشرقين استفادوا في ترتيبهم المشتقات من ترتيبها في معاجم لغاتهم ، وحين نوازن بين المعاجم العربيّة القديمة ومعاجمهم في هذه المسألة نجد أنّ الغالب على معاجمهم التزام ترتيب يرتضيه أصحابها ، أمّا المعاجم العربيّة فيغلب عليها إيراد المشتقات دون ترتيب ، وهو ما يسبّب صعوبة العثور على المراد فيها .

والترتيب الشائع عندهم هو البدء بالأفعال ثمّ الأسماء ، وتقديم الأفعال المجرّدة ثمّ المزيدة ، ثمّ الأسماء المجرّدة ثمّ المزيدة .

وأبان فيشر هذا الترتيب فنصّ على ترتيب الأوزان ، وهو الترتيب الشائع عندهم :

فترتيب أبنية الأفعال على النحو التالي :

فَعَل ، فَعِل ، فَعُل ، فعَّل ، فاعَل ، أَفْعَل ، تَفَعّل ، تفاعَل ، انْفَعَل ، افْتَعَل ، افْعَلّ ، استفعل ، افْعالّ ، افْعَوعَل ، افْعَوّل ، افْعَنْلَل ، افْعَنْلى .

وأبنية الأسماء تذكر كلّها بعد الأفعال سواءً أكانت مشتقة أم جامدة ، وترتّب على نظام ترتيب الأفعال ، فيذكر المجرّد منها أوّلاً ، ثمّ المزيد ، ويكون ترتيبها كما يلي :

فَعْل ، فِعْل ، فُعْل ، فَعَل ، فَعِل ، فِعَل ، فِعِل ، فُعُل ، فُعَل ، فَعُل ، فاعِل ، فاعَل ، فَعال ، وهكذا "([52])

 

خاتمة

بعد هذه الجولة العميقة في معجم فيشر التي تناولت نظرية فيشر المعجمية ، إلى جانب دراسة الجانب المنهجي واللغوي في المعجم ، أرجو أن أكون قد نجحت في تقديم ما سعيت إلى تقديمه من الكشف عن تجربة فيشر ، ومدى توفيقه فيها .

في نهاية هذا البحث يحسن تقديم ما توصلت إليه من رؤى ونتائج :

ª عمق تجربة فيشر وما قدّمه في ميدان الدراسة المعجميّة العربيّة من ريادة وجرأة ، وقد تمثّلت تجربته في مشروعه لصناعة معجم تاريخي للعربية .

ª اعتماد فيشر على النصوص الأصليّة في الكتب العربيّة المختلفة - للاستشهاد على المعاني - لا على المعاجم العربيّة ، وقد اتّضح لدينا هذا عند دراسة معجمه ، حين رجع إلى كتب النصوص ككتب التاريخ والرحلات والأدب وغيره ، ولم يرجع إلى المعاجم العربيّة إلاّ في مواضع قليلة ، فمنهجه متأثّر فيه بمناهجهم في لغاتهم ، لأنّ اللغة عندهم كائن حيّ يتغيّر ، وخير ما يمثّلها كتب النصوص لا المعاجم .

ª التأثير المتبادل بين العرب والمستشرقين ، وغلبة أثر المستشرقين فيما يخصّ مناهج البحث ، فظهرت لنا مناهجهم في صناعة المعجم ، ممثلةً بمعجم فيشر في هذا البحث ، وظهر لنا مدى تأثّر اللغويّين العرب بها حين أصبحت شائعة بينهم .

تلك كانت بعضاً ممّا ظهر لي أثناء دراسة عمل فيشر ، ممّا يعدّ من النتائج العامّة ، ويحسن بنا الاستفادة ممّا يناسبنا منها ، ويمكنني الخروج بتوصيات منها :

1- في ميدان الصناعة المعجميّة العربيّة تبدو أهميَّة الاطّلاع على جهود المستشرقين فيه ، فقد نال قدراً كبيراً من الاهتمام في لغاتهم ، ثمّ نقلوه لتطبيقه على العربيّة ، ويمثل دراسة عمل فيشر والاستفادة منه تطبيقاً لهذه التوصية.

2- عند النظر في تلك الدراسات حول صناعة المعجم لديهم تظهر حاجتنا إلى دراسات متخصّصة تتّجه هذا الاتّجاه لمعرفة النظريّات التي اعتمد عليها واضعوها ، لمعرفة محاسنها وعيوبها ، للاستفادة منها في صناعة المعجم في العصر الحاضر .

3- وجوب الاهتمام بدراسة جهود المستشرقين وعرضها للتحليل والنقد ، لاكتشاف جوانب الإجادة فيها للاستفادة منها ، والعناية بالوقفات القيّمة التي يقفها المستشرقون في بعض أعمالهم والتفاتهم إلى ما لا يلتفت إليه العربيّ .

أسأل الله عزّ وجلّ أنْ أكون قد وُفّقت إلى الكشف عن بعض ملامح تجربة فيشر في معجمه ، وصلى الله وسلم على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين .

 --------------------------------

مراجع البحث:

الكتب :

  • أعمال مجمع اللغة العربيّة بالقاهرة – أ. د. محمّد رشاد الحمزاوي ص 98 ، 509-510 ط الأولى 1988م دار الغرب الإسلامي – بيروت.
  • البحث اللغويّ عند العرب – د. أحمد مختار عمر ، ط الرابعة 1402هـ 1982م – عالم الكتب – القاهرة .
  • تاريخ حركة الاستشراق – الدراسات العربية والإسلامية في أوربا حتى بداية القرن العشرين – يوهان فوك ، تعريب عمر لطفي العالم ، ط الأولى 1417هـ 1996م ، دار قتيبة – دمشق .
  • مجمع اللغة العربيّة في ثلاثين عاماً (1) – إبراهيم مدكور ، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية 1383هـ 1964م .
  • المرجع - عبد الله العلايلي ، صدر الجزء الأول منه عام 1963م عن مكتبة الفرح الحديثة في بيروت
  • المستشرقون – نجيب العقيقي ، الطبعة الرابعة ، دار المعارف – القاهرة .
  • المعجم الكبير طبع الجزء الأوّل بمطبعة دار الكتب عام 1970م  .
  • معجم اللغة العربية الفصحى – مانفريد أولمان ( ضمن كتاب : ألمانيا والعالم العربي ، دراسات تتناول الصلات الثقافية والعلمية والفنية بين الألمان والعرب – حققه بالألمانية أ. د. هانس روبرت رويمر ، ترجمه د. مصطفى ماهر ، د. كمال رضوان .
  • المعجم اللغويّ التاريخيّ – أوغست فيشر ، طبعته الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية ( 1387هـ ، 1967م ) ، ونشره مجمع اللغة العربيّة .
  • المعجم الوسيط – مجمع اللغة العربية بالقاهرة ، ط الثانية – دار الدعوة – إستنبول – تركيا 1406هـ 1986م  .
  • موسوعة المستشرقين – د. عبد الرحمن بدوي ، ط الثانية 1989م – دار العلم للملايين – بيروت .

 

البحوث :

ü      تاريخ المعجم التاريخي العربيّ في نطاق العربية : المبادرات الرائدة – أ . د . محمّد رشاد الحمزاوي ( مجلة المعجميّة 5-6/26 ) .

ü      تقرير خاصّ بطريقة تأليف المعجم التاريخي الكبير للغة العربية – وضعه أ. فيشر – ملحق في مجلة المقتطف – الجزء الثالث – المجلد ( 114 ) ص 3-36

ü      اللغة العربيّة وحاجتها إلى معجم لغويّ تاريخيّ – إسماعيل مظهر ( المجلة – العدد ( 40 ) السنة الرابعة – شوال 1379هـ أبريل 1960م ) .

ü      محاضر الجلسات - الدورة 16 - الجلسة 29 .

ü      محاضر الجلسات – دور الانعقاد الأوّل – الجلسة ( 23 ) 1/333 .

ü      محاضر الجلسات – دور الانعقاد الثالث – الجلسة ( 8 ) 1/11/1354هـ 25/1/1936م

ü      محاضر الجلسات - دور الانعقاد الثاني - الجلسة ( 13 ) ص 136.

ü      محاضر الجلسات – دور الانعقاد الثاني – الجلسة ( 3 ) ص 29 .

ü      تقرير عن معجم الدكتور فيشر ( محاضر الجلسات في الدورة ) 16 ص 41-43 .

ü      القواعد الأساسيّة في تأليف معجم لغويّ تاريخيّ – إسماعيل مظهر ( المقتطف – الجزء (4) المجلد (107) 1945م 1364هـ ).

ü      المعجم التاريخي العربيّ – د. علي توفيق الحمد ( مجلة المعجميّة 5-6/103 ) .

ü      معجم الدكتور أ. فيشر – وصفه ونقده - عبد القادر المغربي ، مجلة المجمع العلميّ العربيّ ( الجزء الرابع – المجلد الرابع والعشرون ) ص 500.

ü      معجم اللغة الضادي – أمنية تتحقق ( المقتطف ج 1 المجلد ( 98) 1941م ، 1359هـ ص 34-38 ) .

ü      من قضايا المعجميّة العربيّة المعاصرة – أحمد شفيق الخطيب ( في المعجميّة العربيّة المعاصرة ص 621 ) .

ü      من قضايا المعجميّة العربية المعاصرة – عفيف عبد الرحمن ( في المعجميّة العربية المعاصرة ص 388 ) .

ü      وقائع ندوة المعجم العربيّ التاريخي : قضاياه ووسائل إنجازه ( مجلة المعجميّة – العددان الخامس والسادس 1409هـ 1989م ، و 1410هـ 1990م ) .

 ----------------------------------

 ([1]) ينظر في ترجمة فيشر : تاريخ حركة الاستشراق ص 340-341 ، موسوعة المستشرقين ص 280-284 ، المستشرقون 2/415-416 .

([2]) ينظر : مجلة المقتطف - الجزء الثالث من المجلد الرابع عشر بعد المائة ( لحق المقتطف ) ص 3-36 .

([3]) ينظر : مجلة المجمع العلميّ العربيّ - الجزء الرابع - المجلد الرابع والعشرون ص 500-514 .

([4]) ينظر : معجم اللغة العربيّة الفصحى – مانفريد أولمان ( ألمانيا والعالم العربيّ ص 331 ) .

([5]) لم يكن فيشر الوحيد الذي كان يدعو إلى الاعتماد على المصادر الأصول لا المعاجم العربيّة ، بل أيّده المستشرق ماسينيون وحسن حسني عبد الوهاب . ينظر : أعمال مجمع اللغة العربيّة بالقاهرة ص 507 .

([6]) وينظر : مجمع اللغة العربيّة في ثلاثين عاماً (1) – إبراهيم مدكور 1/66 ، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية 1383هـ 1964م ، وذهب د. أحمد مختار عمر إلى هذا الرأي ، ينظر كتابه : البحث اللغويّ عند العرب ص 273 – ط الرابعة 1402هـ 1982م – عالم الكتب – القاهرة .

([7]) ينظر عن الموضعين : أعمال مجمع اللغة العربيّة بالقاهرة – أ. د. محمّد رشاد الحمزاوي ص 98 ، 509-510 ط الأولى 1988م دار الغرب الإسلامي – بيروت ، معجم فيشر ( المقدمة ) ص 25 .

([8]) طبعته الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية ( 1387هـ ، 1967م ) ، ونشره مجمع اللغة العربيّة .

([9]) قابلت أمين المجمع د. إبراهيم الترزي رحمه الله وطلبت منه الإذن بالاطّلاع على بطاقات فيشر فنفى وجودها في المجمع ، مع أنه أصبح من المعلوم للباحثين المهتمّين بمعجم فيشر أن أغلب بطاقاته بقيت في المجمع ، واستفاد منها في إعداد عدّة معاجم.

([10]) وجدت هذا النموذج مطبوعاً على أنه مثال تطبيقيّ على المعجم التاريخي ، فنُشر مع خطة المعجم التاريخي التي قدمها فيشر إلى المجمع ، ونشرها في ( تقرير خاصّ بطريقة تأليف المعجم التاريخي الكبير للغة العربيّة ) في ملحق مجلة المقتطف ج 3 المجلد 114 ص 3-36 ، ونشره إسماعيل مظهر عند حديثه عن معجم فيشر في مجلة المجلة – العدد 40 – السنة الرابعة 1379-1960 ص 20-24 .

وفي المداولات السابقة بين أعضاء المجمع ما يدلّ على أنه قدّم نموذج ( أخذ ) مثالاً من معجمه ، ودارت بينهم مناقشات حول تلك المعاني ، ودليل آخر على ذلك ما كتبه عبد القادر المغربي في مجلة المجمع العلميّ العربيّ ( الجزء الرابع – المجلد الرابع والعشرون ) ص 500 ، بعنوان ( معجم الدكتور أ. فيشر – وصفه ونقده ) ، فقد ذكر أن فيشر قدّم ( أخذ ) نموذجاً من معجمه ، فدرسه ونقده .

وما مضى دليل على أن هذا النموذج قدمه فيشر مثالاً على معجمه الخاصّ والمعجم التاريخي .

([11]) ينظر : محاضر الجلسات – دور الانعقاد الثالث – الجلسة ( 8 ) 1/11/1354هـ 25/1/1936م ، ص 108-115

([12]) تقرير خاصّ بطريقة تأليف المعجم التاريخي الكبير للغة العربية – وضعه أ. فيشر – ملحق في مجلة المقتطف – الجزء الثالث – المجلد ( 114 ) ص 3-36 ، وكان المجمع قد أصدر قراراً بأن يقوم فيشر بعمل نموذج لجزازات المعجم ، وأن يضع تقريراً يشرح فيه طريقة العمل . ينظر : محاضر الجلسات – دور الانعقاد الثاني – الجلسة ( 3 ) ص 29 .

([13]) محاضر الجلسات – دور الانعقاد الأوّل – الجلسة ( 23 ) 1/333 .

([14]) ينظر : مقدمة فيشر ص 22

([15]) السابق ص 22

([16]) السابق ص 25-26 .

([17]) سأذكر في هذا الموضع عدداً قليلاً من مصادره على سبيل التمثيل ، وهي المصادر التي وجدت في بطاقاته التي اطّلعت عليها إحدى لجان المجمع ، وقدّمَت تقريراً عن المعجم ومصادره .

([18]) تاريخ المعجم التاريخي العربيّ في نطاق العربية : المبادرات الرائدة – أ . د . محمّد رشاد الحمزاوي ( مجلة المعجميّة 5-6/26 ) .

([19]) ينظر : محاضر الجلسات في الدورة ( 16 ) : ( تقرير عن معجم الدكتور فيشر ) ص 41-43 .

([20]) معجم اللغة العربية الفصحى – مانفريد أولمان ( ضمن كتاب : ألمانيا والعالم العربي ، دراسات تتناول الصلات الثقافية والعلمية والفنية بين الألمان والعرب – حققه بالألمانية أ. د. هانس روبرت رويمر ، ترجمه د. مصطفى ماهر ، د. كمال رضوان ص 334 ) .

([21]) ينظر : البحث اللغويّ عند العرب – أحمد مختار عمر ص 276 .

([22]) ينظر : مقدمة فيشر ص 25 .

([23]) ينظر : محاضر الجلسات - دور الانعقاد الثاني - الجلسة ( 13 ) ص 136.

([24]) مقدمة فيشر ص 27-28

([25]) مقدمة فيشر ص 27 .

([26]) مقدمة فيشر ص 28-29 ، هذا ما ذكره من أبنية الأسماء ، ولم يرد بها الحصر ، بل التمثيل ، وفي تقريره عن خطّة المعجم التاريخي الكبير ذكر تسعين وزناً من أوزان الأسماء .

([27]) ينظر :(تقرير خاصّ بطريقة تأليف المعجم التاريخي الكبير للغة العربيّة) في ملحق مجلة المقتطف ج3 المجلد 114 ص8-9

([28]) ينظر : من قضايا المعجميّة العربية المعاصرة – عفيف عبد الرحمن ( في المعجميّة العربية المعاصرة ص 388 ) .

([29]) معجم فيشر ص 23-27 .

([30]) السابق ص 32-53 .

([31]) مقدمة فيشر ص 27 .

([32]) ينظر :( تقرير خاصّ بطريقة تأليف المعجم التاريخي الكبير للغة العربيّة ) في ملحق مجلة المقتطف ج3 المجلد 114  ص 9-10

([33]) ينظر في تفصيل الحديث : مقدمة فيشر ص 22-25 .

([34]) معجم الدكتور أ. فيشر – وصفه ونقده ( مجلة المجمع العلمي العربيّ ج 4 – مجلد 24 ص501 ، 504 ) .

([35]) مقدمة فيشر ص 7 .

([36]) معجم فيشر ص 20-22 .

([37]) ينظر : تاريخ المعجم التاريخي العربيّ في نطاق العربيّة : المبادرات الرائدة – أ . د . محمّد رشاد الحمزاوي ( مجلة المعجميّة 5-6/26)

([38]) ذكر هذا الأمر في مقدمته ص 26 .

 

([39]) كتب فيشر الكلمات السامية بحروفها الأصلية ، ثمّ بالحروف اللاتينية ، وقد حاولت كتابتها بحروفها الأصلية كما كتبها راجياً ألاّ أكون أخطأتُ فيها ، ثم كتبتها بالحروف اللاتينية .

([40]) ينظر معجم فيشر ص 1-20 .

([41]) ينظر تصدير د. إبراهيم مدكور للطبعة الأولى للمعجم الوسيط ص 8 ( ط الثانية – دار الدعوة – إستنبول – تركيا 1406هـ 1986م ) .

([42]) المعجم الكبير طبع الجزء الأوّل بمطبعة دار الكتب عام 1970م ، ويبدأ حرف الهمزة فيه من ص 3 .

([43]) محاضر الجلسات - الدورة 16 - الجلسة 29 ص 326-330 .

([44]) المقتطف – الجزء (4) المجلد (107) 1945م 1364هـ ص 309-323 .

([45]) المجلة – العدد ( 40 ) السنة الرابعة – شوال 1379هـ أبريل 1960م ص 13-18 .

([46]) معجم اللغة الضادي – أمنية تتحقق ( المقتطف ج 1 المجلد ( 98) 1941م ، 1359هـ ص 34-38 ) .

([47]) صدر الجزء الأول منه عام 1963م عن مكتبة الفرح الحديثة في بيروت ، ينظر : المعجم التاريخي العربيّ – د. علي توفيق الحمد ( مجلة المعجميّة 5-6/103 ) .

([48]) ويظهر تأثّره القويّ بفيشر في مصادر مادته ، فقد مال إلى أن تؤخذ من مصادرها الأصلية لا من المعاجم ، ينظر في اقتراحاته كتاب ( في المعجميّة العربيّة المعاصرة ص 332 ) .

([49]) ينظر : مجلة المعجميّة 5-6/95-146 .

([50]) مجلة المعجميّة – العددان الخامس والسادس 1409هـ 1989م ، و 1410هـ 1990م ( وقائع ندوة المعجم العربيّ التاريخي : قضاياه ووسائل إنجازه ) في مجلد واحد .

([51]) ينظر : من قضايا المعجميّة العربيّة المعاصرة – أحمد شفيق الخطيب ( في المعجميّة العربيّة المعاصرة ص 621 ) .

([52]) ينظر : مقدمة فيشر ص 28-29 ، ولمعرفة أوزان المشتقات عند المستشرقين وترتيبها راجع : ( تقرير خاصّ بطريقة تأليف المعجم التاريخي الكبير للغة العربية ) وضعه فيشر ، مجلة المقتطف – ملحق بالجزء الثالث من المجلد الرابع عشر بعد المائة ص  3-36 ، وذكر فيشر في هذا البحث تسعين وزناً من أوزان الأسماء مضبوطة بالشكل ومرتّبة .

 
اختتام ندوة المعجم التاريخي للغة العربية بفاس في المغرب طباعة إرسال إلى صديق
تقييم المستخدمين: / 14
سيئجيد 
الكاتب عبد العزيز الحميد   
الخميس, 15 أبريل 2010 10:40

عُقدت الندوة الدولية ( المعجم التاريخي للغة العربية - قضاياه النظرية والمنهجية والتطبيقية ) في فاس بالمغرب أيام 22-23-24 ربيع الثاني 1431هـ ،  8 ـ 9 ـ 10 أبريل 2010م
وقد نظمتها : مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع) ، ومعهد الدراسات المصطلحية بفاس.
وفي رأيي أنها من أفضل الندوات المعجمية التي عُقدت للنقاش حول المعجم التاريخي للغة العربية ، وقد جاء التنوع الكبير في محاورها وتعدد المشاركين فيها عنصراً أضاف قيمةً على قيمتها ؛ إلى جانب ما بذله المنظمون من جهود كبيرة أسهمت في إنجاح هذه الندوة القيمة .

ولا أنسى إزجاء الشكر للقائمين على الندوة لما بذلوه من جهود كبيرة فيها ، ومن كرمٍ أصيل مع ضيوف الندوة راجياً لهم التوفيق في أعمالهم الرائدة .

وفيما يلي أسرد برنامج الندوة لتظهر قيمة الموضوعات التي طُرحت فيها مع تميّز العديد من المشاركين فيها [ مع ملاحظة غياب عدد قليل من المشاركين لأسباب خاصّة ]:

البرنامج :
‏الخميس 22/ 4/ 1431هـ ، 8 /4 /2010
صباحا: 10/00 :

 

الجلسة الافتتاحية برئاسة السيد رئيس جامعة سيدي محمد بن عبد الله
· تلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم.
. كلمة ترحيبية للسيد رئيس الجامعة الدكتور السرغيني فارسي.
· كلمة السيد مستشار صاحب الجلالة، الدكتور عباس الجراري.
· كلمة السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية.
· كلمة السيد وزير التربية الوطنية والتعليم العالي والبحث العلمي وتكوين الأطر.
· كلمة السيد وزير الثقافة.
. كلمة السيد والي جهة فاس بولمان.
· كلمة السيد المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو).
· كلمة السيد مدير مكتب تنسيق التعريب في العالم العربي.
· كلمة السيد عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية - ظهر المهراز.
· كلمة السيد الأمين العام لمؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع).
. كلمة اللجنة المنظمة.

../11: حفل شاي على شرف المشاركين.

الجلسة الأولى برئاسة الدكتور الشاهد البوشيخي (الأمين العام لمؤسسة البحوث والدراسات العلمية - مبدع)
11/30: محاضرة افتتاحية بعنوان: نموذج جديد للمعجم التاريخي للغة العربية - الدكتور محمد حسن عبد العزيز (مؤسسة المعجم التاريخي للغة العربية - القاهرة).

عشية :
الجلسة الثانية: مدخل عام في المعجم التاريخي والحاجة إليه - برئاسة الدكتور عبد العلي الودغيري (رئيس الجامعة الإسلامية بالنيجر سابقا).
المقرر: الدكتور رشيد سلاوي (كلية الآداب سايس- فاس - المغرب).
3/00 : تاريخ المعجم التاريخي - الدكتور علي القاسمي (الأمين العام لجامعات العالم الإسلامي سابقا) .
3/15 : مؤسسة المعجم التاريخي للغة العربية - الدكتور صالح بلعيد (قسم اللغة العربية بجامعة تيز وزو- الجزائر).
3/30 : حاجة المترجم إلى المعجم التاريخي للغة العربية - الدكتور محمد الديداوي (رئيس قسم الترجمة العربية بمكتب الأمم المتحدة - جنيف).
3/45 : في الحاجة إلى تاريخ للمعجم اللغوي العربي المستعمل في المنهاج المدرسي - الدكتور عباس الصوري(مدير سابق لمكتب تنسيق التعريب بالرباط).
4/00 : استراحة

الجلسة الثالثة : أسس إنجاز المعجم التاريخي للغة العربية ومبادئه - برئاسة الدكتور علي القاسمي (الأمين العام لجامعات العالم الإسلامي سابقا).
المقرر: الدكتور محمد الدحماني (كلية الآداب - ظهر المهراز- فاس- المغرب).
4/30: أسس إنجاز المعجم التاريخي للغة العربية ومبادئه - الدكتور عبد العلي الودغيري (رئيس الجامعة الإسلامية بالنيجر سابقا).
4/45: أسئلة حول المعجم التاريخي - الدكتور سليمان بن إبراهيم العايد (جامعة أم القرى- المملكة العربية السعودية).
5/00: تطور المفاهيم الاجتماعية والاقتصادية في المعاجم اللغوية العربية ـ أساس نظري وتطبيقي لوضع أسس المعجم التاريخي العربي - الدكتور ليث شاكر محمود (كلية الآداب- جامعة بغداد).
5/15: المعجم التاريخي للغة العربية بين الأمل والعمل (ضوابط منهجية) - الدكتور عبد الرحمن بن أحمد الإمام (جامعة الحكمة -إلورن –نيجيريا).
5/30: نحو تصور لمدونة المعجم التاريخي للغة العربية - الدكتور محمد الينبعي (كلية الآداب سايس - فاس - المغرب)
5/45: مناقشة

الجمعة 23/ 4/ 1431هـ ، 9 /4 /2010
صباحا:
الجلسة الرابعة: مادة المعجم التاريخي للغة العربية - برئاسة الدكتور سليمان بن إبراهيم العايد (جامعة أم القرى - المملكة العربية السعودية).
المقرر: الدكتور الحسين زروق (أكاديمية الحسيمة - المغرب).
8/30: مادة المعجم التاريخي للغة العربية - الدكتور عبد الرحمن بودرع (كلية الآداب- تطوان- المغرب).
8/45: إشكالات "الجمع" في العربية من المعجم العام إلى المعجم التاريخي - الدكتور الحبيب النّصراوي (المعهد العالي للغات – تونس).
9/00: الاستيعاب في جمع مادة المعجم التاريخي للغة العربية - الدكتور مصطفى اليعقوبي( كلية الآداب- وجدة- المغرب)
9/15: تطبيقات استعمال لسانيات المدونات في إصدار المعجم التاريخي - الدكتور جمعان عبد الكريم عطية الغامدي (جامعة الباحة- المملكة العربية السعودية).
9/30: المعجم التاريخي للغة العربية من خلال المعاجم العربية - الدكتور خالد بوزياني والأستاذ مسعود بن محمد دادون (جامعة عمار ثليجي - الجزائر).
9/45: معاجم المعاني ودورها في بناء المعجم التاريخي للغة العربية - الدكتور محمد مشري (جامعة سكيكدة – الجزائر).

10/00:استراحة
10/30: كتب اللحن ومصادر المعجم التاريخي للغة العربية - الدكتور محمد شندول ( كلية الآداب بالقيروان- تونس).
10/45: المعجمات اللغويّة الفقهيّة وبناء المعجم التاريخي للغة العربية - الدكتور دلدار عبد الغفورالبالكيّ الكُرديّ (جامعة صلاح الدين بأربيل - العراق).
11/00: الألفاظ اليمانية وبناء المعجم التاريخي للغة العربية - الدكتور حميد العواضي (جامعة صنعاء، اليمن).
11/15: لغة العامة في الصحاح - الدكتور عبد الله بن ناصر القرني (جامعة أم القرى- المملكة العربية السعودية).
11/30: المصطلحات الطبية وتاريخ ظهورها في المؤلفات التعليمية القديمة - الدكتور نشأت حمارنة(عضو مجمع اللغة العربية بدمشق ـ سوريا).
11/45: مناقشة

عشية:
الجلسة الخامسة: بناء المعجم التاريخي للغة العربية - برئاسة الدكتور الحبيب النصراوي ( المعهد العالي للغات – تونس).
المقرر: الدكتور عبد الرزاق صالحي(كلية الآداب- ظهر المهراز- فاس - المغرب).
3/30: فيم يفيدنا الجذر في بناء المعجم التاريخي للغة العربية؟ - الدكتور عبد الرزاق بنور (كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية - تونس).
3/45: التوجه الذهني في بناء المعجم التاريخي للغة العربية واقتضاءاته النظرية - الدكتور عز الدين البوشيخي (كلية الآداب - مكناس - المغرب).
4/00: المعلومات التأصيلية في المعجمات اللغوية التراثية والحديثة - الدكتور محمد الغريبي (كلية الآداب بصفاقس - تونس).
4/15: بطاقة المصطلح في المعجم التاريخي - الدكتور قاسم طه السارة (المستشار الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط - القاهرة).
4/30: استراحة

الجلسة السادسة: الضوابط المنهجية - برئاسة الدكتور نشأت حمارنة (عضو مجمع اللغة العربية بدمشق ـ سوريا).
المقرر: الدكتور عبد الله المراكشي الغواسلي (كلية الآداب سايس - فاس).
5/00: الضوابط المنهجية الخاصة بالمعجم التاريخي للغة العربية - الدكتور الحسين كنوان (كلية الآداب - مكناس).
5/15: خطوة نحو إنجاز المعجم التاريخي للغة العربية (إضاءة منهجية) - الدكتور علي توفيق الحمد (جامعة أم القرى - المملكة العربية السعودية).
5/30: مآخذ اللغويين المحدثين على المعاجم العربية والموجهات الإجرائية المقترحة لبناء المعجم التاريخي - الدكتور عبد الكريم مصلح أحمد البحله (جامعة ذمار – اليمن).
5/45: وضع الكلمة في غير الموضع، خلل منهجي أم واقع لغوي؟ - الدكتور عبد الله اللحياني (جامعة أم القرى - المملكة العربية السعودية).
6/00: الأصول الصرفية المفروضة: دراسة في تاريخ الكلمة (استحوذ نموذجا) - الدكتور علي عبد الله القرني (جامعة طيبة - المدينة المنورة) والدكتور عبد الله سرحان القرني (جامعة أم القرى - المملكة العربية السعودية).
6/15: حيث : بين ثبات قواعد اللغة وتطور صور الاستعمال - الدكتور عودة خليل أبو عودة (جامعة الشرق الأوسط للدراسات العليا- الأردن).
6/30: مناقشة

السبت 24/ 4/ 1431هـ ، 10 /4 /2010
صباحا:
الجلسة السابعة: تقويم نماذج من المعاجم التاريخية في اللغات الأجنبية - برئاسة الدكتور محمد الديداوي (رئيس قسم الترجمة العربية بمكتب الأمم المتحدة - جنيف).
المقرر: الدكتور عبد الرحمن يجيوي (كلية الشريعة - فاس - المغرب).
8/00: منهج قاموس أكسفورد التاريخي في معجمة اللغة الإنجليزية على أسس تاريخية: دراسة وتقويم - الدكتور أحمد البايبي (جامعة مولاي إسماعيل- الرشيدية - المغرب).
8/15: صناعة المعاجم التاريخية في ألمانيا - الدكتور عبد الرزاق مسلك (كلية الآداب ظهر المهراز- فاس- المغرب)
8/30: المعجم التاريخي للغة العبرية - الدكتور أحمد شحلان (مدير سابق لمكتب تنسيق التعريب بالرباط).
8/45: المعجم التاريخي للغة العبرية : دراسة في البواعث والخصائص - الدكتور خالد اليعبودي (باحث في اللسانيات العربية - فاس - المغرب).
9/00: المعجم التاريخي للغة الروسية: قراءة وتعليق - الدكتور حميد العزوي (كلية الآداب - مكناس - المغرب).
9/15: المعجم التاريخي للغة الجورجية - الدكتورة داريجان غار داوادزه, (جامعة تبيلسي، جورجيا).
9/30: استراحة

الجلسة الثامنة: تقويم نماذج من محاولات إنجاز المعجم التاريخي للغة العربية - برئاسة الدكتور عودة أبو عودة(جامعة الشرق الأوسط للدراسات العليا- الأردن).
المقرر الدكتور: عبد الحي الورياكلي القرشي (كلية الآداب- ظهر المهراز- فاس - المغرب).
10/00: التجارب السابقة لوضع المعجم التاريخي للغة العربية ـ معجم المرجع للعلايلي أنموذجا - الدكتور عبد الرحمن حسن العارف (جامعة أم القرى - المملكة العربية السعودية).
10/15: المعجم التاريخيّ لدى المستشرق الألماني أوجست فيشر : دراسة تقويمية - الدكتور عبد العزيز بن حميد الحميد (جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - المملكة العربية السعودية).
10/30: تجربة الجمعية المعجمية التونسية في إنجاز المعجم التاريخي للمصطلحات العلمية العربية - الدكتور عبد العزيز احميد (كلية الآداب - ظهر المهراز- فاس- المغرب).
10/45: تجربة معهد الدراسات المصطلحية في إنجاز المعجم التاريخي للمصطلحات العلمية العربية - الدكتور محمد أزهري (كلية الآداب - بني ملال - المغرب).
11/00: المعجم التاريخي للغة العربية: واقعه وآفاقه - الأستاذة يمينة مصطفاي (المركز الجامعي - البويرة - الجزائر)
11/15: المصطلح الدبلوماسي في الأدب الإداري بالمغرب - الدكتور عبد الهادي التازي (عضو أكاديمية المملكة المغربية ـ المغرب).
11/30: دور نشر المعاجم التاريخية (دار لبنان ناشرون نموذجا) - الدكتور جورج عبد المسيح (مدير دائرة المعاجم بدار لبنان ناشرون).
11/45: مناقشة

الجلسة التاسعة: محاضرة الختام
برئاسة الدكتور أحمد شحلان(مدير سابق لمكتب تنسيق التعريب بالرباط)
12/00 : حول التوصيل الإلكتروني بين المعجم التاريخي للغة العربية وقاموس تراثها السيميائي الأصيل (كنز الضاد) - الدكتور أمين عبد الكريم باربو (جامعة العلوم الإنسانية - ستراسبوغ- فرنسا)

الجلسة الختامية
:
برئاسة الدكتور عبد الرحيم الرحموني (مدير معهد الدراسات المصطلحية)
1/00: كلمة باسم الوفود

قراءة البيان الختامي والتوصيات
ـــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظة 1: تُنظم مائدة مستديرة بقاعة فندق رامادا، في اليومين: الأول والثاني، من الساعة 9 إلى 10 ليلا، للتداول في القضايا النظرية والمنهجية للمعجم التاريخي للغة العربية.
ملاحظة 2: تجرى وقائع الندوة في قصر المؤتمرات بالمدينة الجديدة في اليومين الأول والثاني؛ وتجرى وقائع اليوم الثالث في قاعة فندق رامادا بالمدينة الجديدة.

وسأبدأ بنشر بعض بحوث الندوة متتابعة بعد موافقة كل باحث على النشر.

 
مجمع اللغة العربية يعتزم إصدار معجم اللغة الإعلامية وآخر لتاريخ اللغة طباعة إرسال إلى صديق
تقييم المستخدمين: / 5
سيئجيد 
الكاتب صوت العربية   
السبت, 05 يوليو 2008 19:08

- "الاقتصادية" من القاهرة - 22/08/1427هـ
أكد فاروق شوشة الأمين العام لمجمع اللغة العربية، أن المجمع بصدد إصدار معجم اللغة الإعلامية، أشرفت عليه لجنة مكلفة بإعداده ضمت أساتذة من كليات الإعلام، وسيجري بحثه خلال اجتماع المجمع في آذار (مارس) المقبل، بجانب بحث مستقبل اللغة العربية في ظل العولمة وصراع اللغات والحضارات، وكذلك ما قامت به المجامع في مصر وسورية والسودان والعراق في النهوض باللغة العربية.
وأوضح شوشة أن معجم اللغة الإعلامية، سيلقى الضوء ويعيد النظر في كل ما يكتب من مصطلحات على مستوى الإذاعة والتلفزيون والصحافة والقنوات الفضائية، مضيفا أن المؤتمر الذي سيعقد تحت مظلة جامعة الدول العربية، سيناقش قضايا الترجمة وعلاقة اللغة العربية بغيرها من اللغات، وإلى أي حد أصبحت العربية لغة صالحة لأجهزة الحاسوب والكمبيوتر والإنترنت.
وأشار فاروق شوشة إلى أن اتحاد مجامع اللغة العربية مشغول حاليا بمشروع لغوي هو الأكبر في العصر الحديث، وهو إنشاء معجم تاريخ اللغة العربية وهو المعجم، الذي يتتبع نشأة الكلمة ويرصد التغيرات التي طرأت على معانيها عبر العصور في الاستخدامات والمجالات المختلفة.
وبيّن شوشة أن ذلك المعجم مشروع يحتاج إلى مئات العلماء والمتخصصين، لافتا إلى أن المستشرق الألماني فيشر، هو الذي بدأ بالفعل هذا المشروع وكان عضوا في مجمع اللغة في القاهرة، إلا أن أحداث الحرب العالمية الثانية أجهضت المشروع، ولم يعد المستشرق من ألمانيا.
وقال إنه تم إحياء الفكرة مجددا وبدأ متخصصون من أربع دول هي مصر وتونس والسعودية وسورية، بإعداد هذا المعجم.
وأرجع شوشة تدني الاهتمام بتعليم اللغة العربية وتعلمها، إلى أسباب ثلاثة رئيسية، أولها أن المجتمع لا يحترم اللغة العربية وأن العامية هي السائدة، الثاني أن مدرسي اللغة العربية ليسوا مؤهلين، كما أن الكتاب المدرسي منفر، الثالث هو عدم تطور أسلوب تعليم اللغة العربية منذ زمن بعيد.
-------------
صحيفة الاقتصادية

 
مشروع إعداد معجم لغوي لتلاميذ المرحلة الابتدائية (بنين وبنات) طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: مشروعات معجمية
تقييم المستخدمين: / 4
سيئجيد 
الكاتب صوت العربية   
الجمعة, 04 يوليو 2008 15:37

إعداد أول معجم لغوي لتلاميذ المرحلة الابتدائية وتلميذاتها على مستوى المملكة :

يُعدّ هذا المشروع الوطني الكبير أول مشروع علميّ شامل على مستوى المملكة يسعى إلى حصر الرصيد اللغوي للطلاب والطالبات في المدارس الابتدائية بمختلف مناطق المملكة ، وهو مشروع مدعوم من قبل مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية ؛ إدراكاً منها لأهميّته في تحقيق السموّ بلغة أولئك الأطفال والتقريب فيما بينهم، كما أنه يأتي استجابة لرغبة ملحّة من وزارة التربية والتعليم .
وهو مشروع وطنيّ ذو أهميّة كبيرة ؛ لما يرصده من مفردات وألفاظ تساعد الطفل السعودي على تلبية حاجاته، والتعبير عن أفكاره ومشاعره ، والاتصال بالمحيطين به في بيئته ؛ لأن الطفل لا ينمو من تلقاء نفسه، فهو يتشكّل ويتغيّر ويرتقي لغوياً وفكرياً بقدر ما يوفّر له في هذا الوسط أو ذاك .

عرضٌ مختصرٌ عن المشروع :

استهلال :
تعدّ الكتابة للأطفال من الأمور الصعبة، فالكبار هم الذين يقومون ـ عادة ـ بهذه المهمة، وذلك من خلال لغتهم ومفاهيمهم، مستعملين في ذلك وجهة نظرهم ومراكز اهتماماتهم.. وبما أنه لا مفرّ من أن يتحملوا هذه المسؤولية الشاقة دون غيرهم، فلا بدّ ـ إذن ـ أن يتمّ ذلك بالأساليب العلمية المناسبة؛ لأن الاهتمام بذلك يُعدّ من المعايير المهمّة التي يقاس بها تقدم المجتمع وتطوره؛ ذلك أن الاهتمام بلغة الأطفال اهتمام بمستقبل الأمة كلها. ومن بين هذه الأساليب الاستعانة بالمعجم اللغوي الخاصّ بتلك الفئة .
وبما أنه لا يوجد ـ الآن ـ قوائم شاملة أو متكاملة للرصيد اللغوي لهذه الفئة بالمرحلة الابتدائية في المملكة العربية السعودية بالموازنة مع ما لدى البلدان المتقدّمة من معاجم لكلمات الطفل في جميع مراحل نموه في المدرسة الابتدائية، ولأنّ لغة الطفل السعودي في المرحلة الابتدائية المنطوقة منها والمكتوبة ـ ما تزال ـ محاطة بإطار من التجاهل والإهمال من قبل عددٍ غير قليل من الباحثين والمهتمّين، نبعت فكرة هذا المشروع الوطني ـ الذي يأتي استجابة لرغبة ملحّة من لدن وزارة المعارف – سابقاً ، وزارة التربية والتعليم حاليّاً - حيث يُعدّ أول مشروع علميّ شامل على مستوى المملكة ، يتناول حصر الرصيد اللغوي للطلاب والطالبات في المدرسة الابتدائية بمختلف مناطق المملكة، ولذلك قامت مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية بدعم هذا المشروع الكبير ورعايته، إدراكاً منها لأهميّته في تحقيق السموّ بلغة أولئك الأطفال، والتقريب فيما بينهم.


أولاً : أهمية هذا المشروع
مشروع إعداد معجم لغوي لتلاميذ المرحلة الابتدائية (بنين وبنات) مشروع وطنيّ ، وهو ذو أهميّة كبيرة ؛ لما يرصده من مفردات وألفاظ تساعد الطفل السعودي على تلبية حاجاته، والتعبير عن أفكاره ومشاعره، والاتصال بالمحيطين به في بيئته؛ لأن الطفل لا ينمو من تلقاء نفسه، فهو يتغيّر ويرتقي لغوياً وفكرياً بقدر ما يوفر له في هذا الوسط أو ذاك من ظروف محيطة .
وتنبع هذه الأهميّة من محورين؛ أولهما : الفوائد التي يحققها هذا المشروع، وثانيهما : المشكلات التي يسهم في معالجتها بإذن الله، ومن ذلك مثلاً :
1. انفصام الصلة بين لغة التلاميذ المنطوقة ولغة المقررات الدراسية، وما يترتب على هذا الانفصام من صعوبات في فهم المحتوى العلمي لهذه المقررات.
2. سعة الهوّة بين لغة التلاميذ المنطوقة والمكتوبة.
3. عدم وجود معجم موضوعي موجّه للتلاميذ في تلك المرحلة.
4. الحاجة إلى سجل للرصيد اللغوي للتلاميذ؛ لتستفيد منه وسائل الإعلام وكتّاب أدب الطفل، والباحثون في النموّ اللغوي.
أمّا ما يخصّ الفوائد والمزايا التي يحملها هذا المشروع فكثيرة، من أهمّها :
1. الوقوف على الرصيد اللغوي لدى أولئك التلاميذ يلقي الضوء على المستوى الذي يجب أن يتجه إليه التعليم اللغويّ في تلك المرحلة.
2. مساعدة المعلمين والتربويين عند وضع وسائل التعليم والتقويم اللغوية المناسبة.
3. يسهم هذا الرصيد إذا ما تمّ جمعه في توحيد لغة الطفل السعودي وتقريب بعضهم إلى بعض بإذن الله تعالى.
4. يتيح الفرصة لإجراء بحوث لغوية مستفيضة لخدمة النموّ اللغوي لدى الطفل السعودي.
5. تزويد الأطفال في هذه المرحلة بألفاظ عربية ميسّرة يعبرون بها عن المعاني التي يريدونها.

ثانياً : أهداف المشروع
يهدف هذا المشروع إلى إصدار معجم للطفل السعودي مستمدّ من حصيلته اللغوية الواقعية، غير مبنيّ على إحساس المؤلفين الشخصي وأذواقهم فقط ، ولذلك سيتم ـ بمشيئة الله ـ عمل الآتي :
1. حصر الألفاظ الواردة في كتابات التلاميذ والتلميذات في المرحلة الابتدائية في مختلف مناطق المملكة.
2. رصد الألفاظ المنطوقة لدى تلك الفئة.
3. تدوين الألفاظ الموجودة في مقررات المرحلة الابتدائية (بنين وبنات).
4. تصنيف تلك الألفاظ تصنيفاً ألفبائيّاً وموضوعياً.
5. شرح تلك الألفاظ بلغة عربية ميسّرة.

ثالثاً : المبادئ المنهجية التي يُعتمد عليها في إنجاز هذا المشروع
هناك العديد من المبادئ المنهجية والأسس العلمية التي يعتمد عليها هذا المشروع ، ومن تلك المبادئ ما يلي :
1. الرجوع إلى الواقع الذي يعيشه المتعلم في وسطه الطبيعي، ومشاهدة هذا الواقع وملاحظته، ومن ثم استقراء المواد التي يتلقاها، والممارسات اللغوية التي يقوم بها.
2. الاعتماد على أنواع متعدّدة من المعطيات المتعلقة فيه والمحيطة به، التي منها :
‌أ. ما يقرأه التلميذ في الكتب المقرّرة، أو القصص المؤلفة لتلك الفئة.
‌ب. ما يكتبه في كتاباته المتنوعة سواء الحرّة منها أو الموجهة.
‌ج. ما ينطق به بنفسه.
‌د. ما يسمعه في محيطه، أو يشاهده.
3. اختيار شريحة كبيرة من الطلاب والطالبات في المرحلة الابتدائية في مختلف مناطق المملكة تصل إلى حدود عشرين ألف تلميذ وتلميذة، يمثلون عدداً من المتغيّرات، وذلك وفقاً للأساليب العلمية في الإحصاء.
4. وضع القواعد العلمية لجمع هذا الرصيد، ورسم الضوابط المقنّنة لحصر ذلك الرصيد.

رابعاً : الفريق البحثيّ ، ويتكون من :
‌أ. الباحثين، وهم مكلّفون بالبحث وتنفيذه والإشراف عليه ، وهم :

1-الدكتور عبد الله بن حمد العويشق ( الباحث الرئيس ) – كلية اللغة العربيّة – جامعة الإمام
2-الدكتور عبد العزيز بن إبراهيم العصيلي ( باحث مشارك ) – معهد تعليم اللغة العربيّة – جامعة الإمام .
3-الدكتور صالح بن حمد السحيباني ( باحث مشارك ) – معهد تعليم اللغة العربيّة – جامعة الإمام .
4-الدكتور إبراهيم بن عبد العزيز أبو حيمد ( باحث مشارك ) – معهد تعليم اللغة العربيّة – جامعة الإمام .
5-الدكتور عبد العزيز بن حميد الحميد ( باحث مشارك ) – كلية اللغة العربيّة – جامعة الإمام .
6- الدكتورة نوال بنت إبراهيم الحلوة ( باحثة مشاركة للإشراف على الجانب النسائي للمعجم ).

‌ب. الفنيين والإداريين، ويقوم هؤلاء بأداء الأعمال الإدارية والفنية والحاسوبية والبرمجة.
‌ج. مساعدي الباحثين والمساعدات ، ويقومون بأعمال مختلفة بحسب المراحل المختلفة في المشروع ، ففي مرحلة جمع المادة المنطوقة والمكتوبة من أعدادٍ مختارةٍ من الطلاب من مدارس مختلفة من جميع المناطق ، زاد عددهم على أكثر من ( 400 ) مساعد باحث من مختلف مناطق المملكة ، وكانت مهمّتهم :
مقابلة التلاميذ والتلميذات وتسجيل لغتهم المنطوقة ، واستكتابهم في موضوعات مختلفة لتكشف النماذج المجموعة عن لغتهم في الكتابة .

وقد انتهت مرحلة جمع منطوق الطلاب ومكتوبهم ، إضافة على جميع المقررات الدراسية ، ومصادر أخرى مساعدة ، وأُدخلت كلّ تلك الموادّ في مدوّنةٍ شاملةٍ صُمّمت لها قاعدة بيانات حاسوبيّة ، لسهولة استرجاع الموادّ عند صياغة المعجم .
والمشروع الآن في مرحلة بناء المعجم ، باستخراج الموادّ اللغويّة من ( المدوّنة ) وترتيبها وشرحها ، وهو عملٌ كبيرٌ يحتاج إلى الكثير من الجهود والمعرفة .

 
عِلم المعجَمة عند العَرب - د.محمد أحمَد قاسم(1) طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: بحوث معجمية
تقييم المستخدمين: / 8
سيئجيد 
الكاتب صوت العربية   
الجمعة, 04 يوليو 2008 15:33

يرتكز وضع المعجم إلى دعامتين رئيستين هما:‏

أ-علم المعجمات أو ما يسمى بـ Lexiclogie ويبحث في البنية الدلالية للفظ.‏

ب-علم صناعة المعجمات أو ما يسمى بـ Lexicogaphie ويبحث في أنواع المعجمات ومكوناتها وطرق إعدادها.‏

والمعجمة فن أو حرفة، أو هي باختصار علم صناعة المعجم، بكل ما يتصل بهذه الصناعة من مهارات لغوية، وأصول أخذ اللغة بأصواتها ودلالاتها من أفواه العرب الأقحاح، أو مدونات موثوقة وأسانيد صحيحة تبعد عنها شبه الوضع والتزيّد.‏

ولا بد في البداية من تعريف المعجم قاموسياً واصطلاحياً.‏

أولاً: المعنى القاموسي للمعجم:‏

جاء في اللسان (1):‏

"العَجْمُ: النقط بالسواد مثل التاء عليها نقطتان. يقال: أعجمت الحرف ولا يقال عجمت... وقال ابن جني: أعجمت الكتاب: أزلت استعجامه...‏

والعجْمُ: عضّ شديد بالأضراس دون الثنايا. وعَجَمَ الشيء يعجُمُه عجماً:‏

عضه ليعلم صلابته من خوره... والعَجْمُ: الرّوزُ".‏

فالأعجام إذا إزالة اللبس والغموض، وطريق إلى الإبانة لأن وضع النقاط على الحروف هو في نهاية المطاف وضع للأمور في نصابها الصحيح، وقضاء على الخلط بين المعاني، ونأي عن التصحف والتحريف.‏

والمعجم اختبار لصلابة اللفظ، ومعرفة مدى فصاحته أو بعده من الفصاحة فيعرف به خور اللفظ وفصاحته. ولقد نال الحجاج يوماً متوعداً أهل الكوفة (3): "أن أمير المؤمنين نثر كنانته ثم عجم عيدانها، فوجدني أمرّها عوداً، وأشدها مكسراً، فوجهني إليكم، ورماكم بي". فعَجْمُ العود امتحان لصلابته والبحث عن لفظ في المعجم لصلابة معناه أو هشاشته. والمعجم يروز اللفظ ليُعرف مدى صلابته وفصاحته.‏

ثانياً: المعنى الاصطلاحي للمعجم:‏

جاء في المعجم الوسيط (3): "المعجم ديوان لمفردات اللغة، مرتب على حروف المعجم، جمعه معجمات ومعاجم". ورأى د. حجازي أن هذا المصطلح يطلق (4) "على الكتاب المرجعي الذي يضم كلمات اللغة ويثبت هجاءها، ونطقها، ودلالتها، واستخدامها، ومرادفاتها، واشتقاقها، أو أحد هذه الجوانب على الأقل".‏

ثالثاً: متى ظهر هذا المصطلح؟‏

أهملت معاجمنا تاريخ الألفاظ ولم تشكل سيرة اللفظ هماً عند المعجميين. لهذا ذهب المحدثون في تحديد ميلاد هذا اللفظ شتى. فقال د. العطار: "ولا نعلم بالدقة متى أطلق المعجم على هذا الاستعمال، ولكن معجم الذي نعلمه أن أول من استعمل الكلمة رجال الحديث، وأول ما عرف كان في القرن الثالث... وأول كتاب أطلق عليه اسم المعجم هو "معجم الصحابة لأبي محدّث الجزيرة (ت 307ه‍). ولقد ترجم أبو يَعلى لشيوخه على حروف الهجاء.‏

ويرى د. السامرائي أن لفظ المعجم لم يشق طريقه إلى النور (6) إلا في أواخر القرن الرابع الهجري، أما قبل ذلك فهو كتاب. وأول معجم بهذا الاسم هو معجم مقاييس اللغة". ورأى د. حجازي أن اللفظ كان يطلق على كتب الطبقات المرئية على حروف المعجم، فصار يطلق على كتاب الكلمات المرتبة على حروف المعجم.‏

وما ذهب إليه د. السامرائي لا يخالف رأي العطار خصوصاً في انتقال الدلالة.‏

رابعاً: مصطلح القاموس:‏

أطلق على المعجم تسمية أخرى هي القاموس. والقاموس لغة (7): "قعر البحر، وقيل وسطه ومعظمه". فهل أطلق هذا اللفظ على المعجم لأنه الذي يجمع شتات الكلم حتى تتلاطم فيه المفردات كما تتلاطم الأمواج في البحر الهادر؟‏

وجاء الفيروز أبادي (ت 817 ه‍) فسمى معجمه "القاموس المحيط" معللاً التسمية بقوله (8): (وأسميته القاموس المحيط لأنه البحر الأعظم". والناس قديماً وحديثاً يطلقون على العالم باللغة، المتمكن من شواردها، المذلل لمعاصها، القابض على نواصيها صفة البحر. وقد صار لفظ القاموس مرادفاً للفظ المعجم، بعدما كان علماً على القاموس المحيط، وهو في زمننا أكثر شيوعاً (وسيرورة) من لفظ المعجم.‏

خامساً: العرب أسبق الأمم إلى وضع المعجم:‏

أنكر بعض المتحاملين عرباً كانوا أم أعاجم على العرب فضيلة السبق على ميدان المعجم، وذهبوا إلى أن العرب مقلدون غير مبتكرين. وقد كتب د. أحمد مختار عمر مقالاً في مجلة مجمع اللغة بالقاهرة تحت عنوان: "هل أثر الهنود في المعجم العربي؟" (9) أثبتت فيه آراء عدد من الباحثين في هذا الموضوع، فانقسمت بين مرجح ومثبت‏

أما المرجحون فعلى رأسهم مقال في دائرة العارف الإسلامية بنصها الفرنسي بعنوان الخليل بن أحمد (10) جاء فيه:‏

Il n’est pas classé dans l’ordre alphabétique, mais probablement sous l’influence de l’Inde…‏

فكاتب المقال يثبت أن الخليل واضع أول معجم عربي، ويؤكد نسبة كتاب "العين" إلى الخليل، ويكتفي بالإشارة إلى احتمال تأثره بالهنود لأنه مرتب ترتيباً صوتياً. وهذا الترتيب معروف عند الهنود.‏

وأعجمي آخر هو المستشرق الإنكليزي جون هاي وود يشير إلى احتمالين فيقول (11):‏

"ربما كان اليونان هم الذين أعطوا العرب فكرة المعجم. وكان الهنود هم الذين أعطوهم الأبجدية الصوتية: وبعض الأفكار المعجمية الأخرى". وهكذا نرى أن الشك في أصالة المعجم العربي عائد إلى اعتماد الأبجدية الصوتية التي اهتدى إليها الخليل وهو العالم الموسيقي الرياضي.‏

أما بعض العرب فكانوا متطرفين في إثبات التقليد: وذهبوا إلى أن الخليل مقلد غير مبتكر. وعلى رأس هؤلاء نذكر د. شوقي ضيف الذي قال (12): "فقد وضع الخليل خطة أول معجم في العربية وهو معجم العين، ورتبه على مخارج الحروف بالضبط كما يرتب الهنود حروف لغتهم".‏

والغريب أن المستشرق هاي وود يؤكد أن معاجم الهنود لم تظهر إلا في القرن الثاني عشر، وهو وقت العرب فيه قد انتجوا بعض معاجمهم العظيمة. وأفضل ما في هذا المقال (13): "الحقيقة أن العرب في مجال المعجم يحتلون مكان المركز سواء في الزمان أو المكان بالنسبة إلى العالم القديم والحديث وبالنسبة إلى الشرق والغرب".‏

وهذه خلاصة ترسي قواعد الحق، وتعطي الفضل أصحابه، وتثبت أن العرب أسبق الأمم إلى وضع المعجم. وقد أكد هذه الأصالة . وقد أكد هذه الأصالة د. العطار بقوله (14): "وإ1ذا كان الخليل مسبوقاً من بعض الأمم في هذا السبيل، فإن من الحق أن نذكر أنه لم يكن مقلداً أحداً، أو ناهجاً على طريق سابق، بل كان مبتكراً أو مخترعاً في الفكرة والمنهج والترتيب..."‏

سادساً: مدارس المعجمات العربية:‏

وضع الخليل أول معجم عربي مؤسساً فيه المدرسة المعجمية الأولى. وكانت لمدرسته مبادئ وأصول خاصة وتلامذة حذوا حذوه. ومدارس المعجمات في نظر الباحثين أربع عند العرب.‏

1-مدرسة الخليل(ت 175ه‍):‏

كانت العناية قبلها منصرفة إلى الرسائل والمجموعات التي وضعها الأصمعي (ت216ه‍) وأبو زيد الأنصاري (ت 215 ه‍) وغيرها. مهّدت هذه الرسائل إلى المعجم ولم تكن معاجم لاختلافها عنها في الهدف والمنهج. وبقي معجم العين أول معجم حاول حصر ألفاظ اللغة حصراً شاملاً في إطار نظام منهجي واضح استوعب فيه شوارد اللغة.‏

وأهم مبادئ هذه المدرسة:‏

-ترتيب المواد ترتيباً صوتياً بحسب مخارج الحروف بتأثير من علم الموسيقى.‏

-تقسيم المعجم إلى كتب، وتفريغ الكتب إلى أبواب بحسب الأبنية، وحشد الكلمات في الأبواب.‏

-تقليب الكلمة إلى مختلف الصيغ وفق نظام الاشتقاق الكبير، ورصد المستعمل والمهمل من هذه التقليبات.‏

واستمر هذا النهج في معجم البارع للقالي (ت 356 ه‍) وتهذيب اللغة للأزهري (ت 370 ه‍)، والمحيط للصاحب بن عباد (ت 385 ه‍)، والمحكم الأعظم لابن سيده (ت 458ه‍).‏

2-مدرسة أبي عبيد القاسم بن سلاّم (ت 224ه‍):‏

حملت هذه المدرسة اسم أبي عبيدة لأن كتابه (الغريب المصنف) أول كتاب وصل إلينا مصنفاً على طريقة الموضوعات ويضم ثلاثين باباً. وقامت هذه المدرسة على بناء المعجم على المعاني والموضوعات، ورتبت فيها الثروة اللغوية في مجموعات من الألفاظ تندرج تحت فكرة واحدة. من أهم أتباعها:‏

أ-كراع النمل (ت حوالي 310ه‍) في المُنَجَّد في ما اتفق لفظه واختلف معناه وقسمه إلى أبواب هي:‏

1-في ذكر أعضاء البدن من الرأس إلى القدم.‏

2-في ذكر الحيوان من الناس والسباع والبهائم والهوام.‏

3-في ذكر الطير.‏

4-في ذكر السلاح.‏

5-في ذكر السماء وما يليها.‏

6-في ذكر الأرض وما يليها وفيه ثمانية وعشرون فصلاً على عدد حروف المعجم.‏

ب-الهمذاني عبد الرحمن بن عيسى (320ه‍)، في كتابه (الألفاظ الكتابية).‏

وقد وزع موضوعاته على أبواب كثيرة، تفاوتت طولاً وقصراً، هادفاً إلى إثبات العبارة الفنية، وانتخاب التعبير الجميل لإمداد الكتاب بزاد من الفصاحة وحسن العبارة.‏

فخالف بذلك طريقة المعجم لأن المعجم يرمي إلى الجمع والاستقصاء لا إلى الانتخاب والانتقاء.‏

ج‍-الثعالبي (ت 429) في كتابه (فقه اللغة وسر العربية). هو أشهر معجمات المعاني، وزه على ثلاثين باباً، في كل باب عدد من الفصول. بدأ الباب الأول بالكليات وفصله الأول في ما نطق به القرآن من ذلك، وفصله الثاني في ذكر ضروب من الحيوان، وفصله الثالث في النبات والشجر وهكذا... فبلغت فصول الكتاب ستمائة فصل. وقد نقل بعض فصوله عن المتقدمين.‏

د-ابن سيده (ت 458 ه‍) في معجمه (المخصص). هو أكبر معجمات المعاني.‏

من فضائله: تقديم الأعم فالأعم على الأخص فالأخص، والأتيان بالكليات قبل الجزئيات والابتداء بالجوهر والتفقيه بالأعراض على ما يستحقه من التقديم والتأخير، وتقديمنا (كم) على (كيف) وشدة المحافظة على التقييد والتحليل). قسمه إلى عدد من الكتب منها: كتاب خلق الإنسان، ويتضمن باب الحمل والولادة، والرضاع والفطام والغذاء، وسائر ضروب التربية والغذاء، وأسماء أول ولد الرجل وآخرهم وأسماء ولد الرجل في الشباب والكبر وهكذا...‏

والكتاب على نفاسته لا يخلو من عيوب، أهمها: اختلاط الموضوعات، وإقحامه مسائل لغوية ونحوية وصرفية وما إليها..‏

وجهت إلى هذه المدرسة انتقادات شتى، هب بعضهم إلى أن سلبياتها تفوق إيجابياتها.‏

ولكن الإنصاف يقضي بالاعتراف لها بأنها تسد حاجة من حاجات المنشيء، وتسهل عليه التعمق في موضوعه، وتمده بسرعة بالألفاظ الصحيحة والمعاني الدقيقة. فالباحث عن صوت من أصوات الحيوان مثلاً في معجم المعاني قد لا يعثر عليه إلا بشق الأنفس أما في معجم الموضوعات فإنه يعثر عليه بسرعة فائقة. وقل مثل ذلك في درجات الحزن ومراتب البكاء والفرح والسعادة وما إلى ذلك.‏

3-مدرسة الجوهري (ت 400 ه‍) (في معجمه الصحاح):‏

رتبت المعجم ترتيباً هجائياً، وقسمته إلى فصول وأبواب معتمدة الحرف الأخير من الكلمة وسمته باباً، وسمت الحرف الأول فصلاً، ونظرت إلى الحرف الثاني في الثلاثي وإلى الحرف الثالث في الرباعي ليأتي الترتيب دقيقاً. وهذا الترتيب أسهل بكثير من ترتيب الخليل.‏

من أبرز أتباعها:‏

أ-ابن منظور (ت711ه‍) في "لسان العرب":‏

واللسان أشهر معاجم العرب إلى يومنا هذا وأكثرها تشعباً وأغزرها مادة. فلقد احتوى ثمانين ألف مادة. وعُد موسوعة لغوية أدبية شاملة.‏

اعتمد فيه الفصل والباب على طريقة الجوهري. لكن دار المعارف بمصر قد أعادت توزيعه في طبعة جديدة معتمدة الطريقة الألفبائية الحديثة وأصدرته في ستة مجلدات.‏

ولهذا المعجم أهمية كبرى في لغتنا، فهو منذ صدروه وإلى زماننا هذا يُعد أهم معجم عند الدارسين العرب والأعاجم. وأبرز د. محمد سالم الجرح مكانته بقوله (18): "وظهور مثل هذا المعجم الموسوعي الشامل، الدقيق الترتيب، الجامع لصنوف البحث اللغوي المتعلقة بكل لفظ قد جعل للغة العربية مكانة فريدة بين سائر اللغات في ميدان النشاط المعجمي. فقد ظلت اللغة العربية منفردة بمثل هذا المعجم الضخم بين لغات الإنسان جميعاً في القديم والحديث حتى القرن التاسع عشر حين بدأ يظهر على رفوف المكتبات في أوروبا معاجم لبعض اللغات الأوروبية كالإنكليزية والألمانية تضارع لسان العرب في الإحاطة والاتساع".‏

ب-الفيروزابادي (ت 817 ه‍) في القاموس المحيط:‏

رتبه على الفصل والباب واستخدم فيه الرموز لأول مرة. احتوى ستين ألف مادة وبقي حجمه أصغر من لسان العرب، ونافسه في الشهرة والذيوع إلى يومنا هذا.‏

ج‍-الزبيدي (ت 1205 ه‍) في تاج العروس:‏

اعتمد فيه مادة القاموس المحيط، ووسعها، وأثبت الشواهد التي أهملها القاموس المحيط. وصنفه على الباب والفصل كما في الصحاح. وصدّر كل باب بكلمة موجزة تحدث فيها عن الحرف وبيَّن مخرجه وصفاته وابدالاته. ووجه عناية خاصة إلى المجاز ولكنه أورد فيه الكثير من الألفاظ العامية المصرية خاصة.‏

لم تخط هذه المدرسة بالتصنيف المعجمي خطوة نوعية، فهي وأن كانت أسهل من طريقة الخليل إلا أنها لا تخلو من صعوبات ولم تسلم من تهكم بعض الدارسين، فالأستاذ عبد الحق فاضل ذكرها بقوله (19): "آثر القدماء من العرب ترتيب معاجمهم بحسب الحروف الأخيرة من الكلمات، وفي ذلك ما فيه للشعراء في تصيّد القوافي الشوارد، وإزعاج لسائر الخلق في إيجاد الكلمات التي يبغون البحث عنها في المعجم".‏

4-مدرسة البرمكي (ت 411 ه‍):‏

لم يؤلف البرمكي معجماً، بل أعاد ترتيب الصحاح وفق أوائل الأصول فصار بذلك زعيم مدرسة التبسيط والتيسير. وهذه المدرسة هي التي استمرت إلى يومنا هذا لأنها رتبت المعجم وفق أوائل الحروف مبتدئة بالهمزة، منتهية بالياء مع مراعاة الحرف الثاني والثالث والرابع. وسبقت المعجمات الحديثة في ترتيب المواد ترتيباً محكماً. من أتباعها:‏

أ-أبو عمرو الشيباني (ت 206 ه‍) في معجم (الجيم):‏

قال القِفطي (20): "وصنف أبو عمرو كتاب الحروف في اللغة وسماه كتاب الجيم وأوله الهمزة. لم يذكر في مقدمة الكتاب لمَ سماه الجيم ولا أعلم من العلماء ذلك".‏

ويبدو أن القفطي كان يتوقع أن يبدأ بحرف الجيم كما بدأ معجم العين (بالعين). لكن الشيباني قسمه جواباً مرتبة على الحروف الهجائية جاعلاً لكل حرف منها باباً خاصاً.‏

والسؤال لماذا لم يكن الشيباني زعيم هذه المدرسة وهو سابق البرمكي؟ والرد أن الشيباني أورد في كل باب الألفاظ التي تبدأ بذل الحرف مهملاً الحرف الثاني وما بعده.‏

ولهذا لم تكن طريقته رائدة فهي مشوبة بكثير من الفوضى والاضطراب داخل الباب الواحد.‏

ب-ابن دريد الأزدي (ت 321 ه‍) في جمهرة اللغة:‏

اعتمد فيه الترتيب الألفبائي، وقسمه إلى أبواب هي أبواب كتاب العين من ثنائي مضعَّف إلى ثلاثي صحيح إلى رباعي وخماسي منتهياً باللفيف والنوادر. ولم يكتف بذلك بل عاد إلى طريقة الخليل في التقليب. وحرص أن يبدأ كل باب بالكلمة التي تبدأ بالحرف المعقود له الباب، يليه مباشرة الحرف الذي يتبعه في الترتيب الألفبائي فباب الباء مصدّر بـ (بتّ) وباب التاء مصدّر بـ (تتّ) وهكذا.‏

وأعتقد أنه من الخطأ أن يصنَّف المصنفون هذا المعجم في مدرسة البرمكي لأن مدرسة البرمكي تمثل غاية التطور في البحث المعجمي، وبلغت ذروة التبسيط والتيسير. وابن دريد عقَّد البحث فأتعب الباحث وضيَّعه بين الأبواب والتقليب.‏

ج‍-ابن فارس (ت 395 ه‍) في مقاييس اللغة:‏

اعتمد فيه الترتيب الألفبائي وقسمه إلى كتب بعدد حروف الهجاء فكتاب للألف وثان للباء وثالث للثاء هكذا. لكنه قسم كل كتاب إلى ثلاثة أبواب هي: الثنائي المضعف والثلاثي وما زاد على الثلاثي. وتخلى عن التقليب إلا أنه وقع في أشكال كبير عندما بدأ كل كتاب بالحرف الذي يبدأ فيه اللفظ مع الحرف الذي يليه مباشرة في الترتيب الهجائي تاركاً ما قبله من حروف. ففي باب الدال بدأ بالكلمات التي تبدأ بالدال مع الذال وما يثلثهما وصولاً إلى الياء ثم يعود إلى الكلمات التي تبدأ مع الهمزة وما يثلثهما وهكذا...‏

وهذه الطريقة عقدت البحث في المعجم ولا ضرورة لاعتمادها بعد ما تخلى عن طرقة التقليب الخليلية.‏

د-الزمخشري (ت 538) في أساس البلاغة:‏

أول معجم مطبوع مرتب ترتيباً ألفبائياً محكماً فسبق المعاجم الحديثة. قسمه إلى ثمانية وعشرين باباً بعد حروف الهجاء، وراعى فيه ترتيب الحرفيين الثاني والثالث من الكلمة فقضى على كثير من الصعوبات والتعقيدات السابقة وصار في ترتيبه رائداً بحيث أن المعجمات الحديثة لم تضف شيئاً إلى طريقته.‏

صرف همه إلى إظهار جمال اللغة فأفرد المجاز عن الحقيقة والكناية عن التصريح.‏

وريادة هذا المعجم تكمن في أنه وضع أمام القارئ استعمال اللفظ في أساليب متعددة مما تحدثت به العرب. وفيه أكثر من خمسة آلاف شاهد شعري، وآلاف الأمثال والحكم والجمل البلاغية. وقد سبق المعاجم الأعجمية في وضع الكلمة في جملة أو مثل مأثور يفهم معناها من السياق.‏

ه‍-الفيومي (ت 770 ه‍) في المصباح المنير:‏

اتبع فيه طريقة الزمخشري. لكنه مختصر جداً فلم يتسع لألفاظ العربية كلها.‏

وهكذا نرى أن المعجم العربي قد تخلص من شوائب البحث في المعجم في المراحل الأولى من عمره. وبقي رغم اتهامه بالصعوبة قائماً، والسبب أن أكبر المعجمات وأوسعها وأشملها بقيت معتمدة وموثوقة إلى يومنا هذا، وهذه المعاجم الميسرة لم تغن عن تلك فلم تكن شاملة مستوعبة. وكان الغرض منها بلاغياً.‏

ولا بد من ملاحظة أمر هام هو التزام هذه المعاجم جميعاً بمراعاة أصل الكلمة أو الجذر. وهذا الجذر يمثل المادة الخام التي تصدر عنها المشتقات جميعاً. والرجوع إلى الجذر شكّل مأخذاً على معجمنا من بعض النقاد الذين استصعبوا العودة إلى أصل بعض الألفاظ ونادوا بترتيب المعجم بحسب صورة الكلمة متناسين طبيعة لغتنا الاشتقاقية.‏

وهذا الترتيب يحافظ على الروابط المعنوية والدلالات المشتركة العائدة إلى جذر واحد.‏

أشار العلامة عبد الحق فاضل إلى بعض الصعوبات بقوله (21): "كيف يخطر لأحدنا أن يبحث عن (الاتحاد) في وحد) و(الاستيعاب) في (وعب) و(الاتهام) في (وهم) و(الاستقلال) في (قلل) و(الاستفادة) في (فيد) و(الاستقالة) في (قول)؟".‏

ما ذهب إليه الأستاذ فاضل صحيح جداً حتى ليصعب أحياناً على أهل الاختصاص معرفة جذر بعض الألفاظ، وأنهم ليقضون ساعات في البحث عنها في هذه المادة أو تلك، وقد يرجعون بخُفَّي حنين وقد يهتدون إليها مصادفة. وعلى الرغم من هذه الصعوبات فأنا مع الجذر لا مع هذا الترتيب الذي يفتت الجذر العربي، ويشتت شمل الكلمة، ويقطع علاقة المشتقات، وهذا الترتيب الفيتيشي التجزيئي يصلح في نظري- أن صلح –لصغار التلاميذ وأشباه العامة، ولكنه لا يصلح للغتنا، ولا لطلاب المعرفة من أبنائنا. وقد أصاب د. إبراهيم أنيس بقوله (22): "شهدنا في العصر الحديث اتجاهاً إلى ترتيب المعجم العربي على حسب صور الكلمات. وجاءنا من لبنان معجم يسمى "الرائد" مطبوعاً ومرتباً بهذه الطريقة العجيبة، التي أشبه بأرشيف المكتبات أو دليل التليفونات، ففيه نجد كلمة استفهم بجوار استف واستفاض لا لشيء سوى لأنها جميعاً تبدأ بالألف والسين والتاء، كما نرى الكلمات ناصر ومنصور وانتصر ونصير واستنصر في مواضع متباعدة من المعجم برغم الدلالة العامة المشتركة بينها جميعاً.‏

سابعاً: المعجم الحديث:‏

عرفت حركة التأليف المعجمي نشاطاً بارزاً بعد منتصف القرن الثاني. وأصدرت دور النشر ولا تزال عدداً هائلاً من المعجمات الخاصة والعامة، الأحادية اللغة والثنائي اللغة والمتعددة اللغات. وعقدت مؤتمرات وندوات في أرض العرب كما في أرض العجم لدراسة مشكلات المعجم وخلصت إلى توصيات ومقررات هامة سنأتي على استعراضها بسرعة.‏

أبرز معاجم القرن التاسع عشر هو الجاموس على القاموس لأحمد فارس الشدياق (ت 1878م) وأبرز ما في هذا المعجم طريقته ونقده للمعجم العربي بعامة وللقاموس المحيط بخاصة. وإليكم أبرز آرائه:‏

1-ترتيب المواد:‏

عاب على الفيروزابادي اتباعه نهج الصحاح ورأى أنه كان من الأولى اتباع نهج ابن فارس لأن التطور يجب أن يكون نحو الأفضل ولا بد من مجاراة الزمن. وكما اعترض على الفيروزابادي اعترض على طريقة الخليل وأتباعه بقوله (23): "وبالجملة فالبحث عن الألفاظ في التهذيب للأزهري، والمحكم لابن سيده صعب جداً، لأنك إذا أردت أن تبحث مثلاً عن لفظ (رقم) لم تدرِ هل هي الأصل لتبحث عنها في الراء، أو مقلوبة فتبحث عنها في القاف (قرب) أو عن برق وما بين هذه الحروف مسافة بعيدة".‏

ولهذا رأينا الشدياق على طريقة الزمخشري ومن تابعه.‏

ب-ترتيب المشتقات: رأى أن ترتيبها في القاموس المحيط جاء اعتباطاً وفوضوياً، والباحث فيه لا يجد طلبه بسهولة، وربما احتاج أن يقرأ المادة بكاملها ليعثر على ضالته.‏

ج‍-تحديد الفصيح: اعترض الشدياق على الطريقة الموروثة في تحديد الفصيح، لأنها جعلته على عصر الاحتجاج، وذهب إلى أن أي شاعر يعترف له بالجودة يصح الاحتجاج بشعره.‏

وتحديد الفصيح من أهم القضايا التي تواجه مجامعنا اللغوية. فالمتشددون يخطّئون كل لفظ لم يرد في اللسان، الذي يجعلونه فيصلاً في هذا الباب. لكن هؤلاء نسوا أن ابن منظور توفي سنة إحدى عشرة وسبعمائة للهجرة وأن اللغة العربية بقيت بعده.‏

فالجاموس على القاموس يمثل ذروة الثورية في التأليف المعجمي. فهو يحارب التقليد ويدعو إلى مواكبة العصر والعلم والتطور. قال الشدياق (24): "أن الأقدمين قد ألفوا لعصورهم، وجروا في كتب اللغة على ما كانت تقضي به أصولهم اللغوية في ذلك الحين، فقد صنفوا ونفعوا وأفادوا غير أنهم ألفوا كتبهم على حسب أفهاهم وأذهانهم... وأنه لا عيب عليهم في ذلك". فأين يكمن العيب إذاً؟ -يكمن العيب في جمودنا فهم عملوا لزمانهم فلِمَ لا نعمل لزماننا؟ لقد خلا المعجم القديم من لفظ الطيارة والتلفزيون والتلفون والتلغراف وغيرها من الأسماء، لأن المسميات لم تكن معروفة فهل يجوز أن يخلو مجتمعنا الحديث منها وقد باتت ملء السمع والبصر؟‏

والمعجم الثاني في القرن التاسع عشر هو محيط لبطرس البستاني (ت 1883م). طبع لأول مرة سنة 1870م، مستمداً مادته من القاموس المحيط للفيروزابادي، ورتبت مواده ترتيباً هجائياً بحسب أوائل الكلمات. استخدم الرموز وضبط الكلمات غير أنه استخدم العامية فاتهمه الشيخ محمد عبده بالركاكة والضعف.‏

ونذكر بعد ذلك عدداً من المعجمات التي ظهرت ابتداء من مستهل هذا القرن من أمثال الموارد في فصح اللغة والشوارد لسعيد الشرتوني (ت 1912م) وقد أخذ مادة القاموس المحيط حاذفاً منها الألفاظ الجنسية لأنها تسيء إلى التهذيب والأخلاق وتخدش العفاف والوقار. والمنجد للأب لويس معلوف (ت 1946م) وهو أوسع المعجمات الحديثة انتشاراً ولقد أعيد طبعه مراراً وخضع لإضافات وتعديلات كثيرة. وهو في الأساس معجم مدرسي صدر سنة 1956م ملحقاً باسم المنجد في الأدب والعلوم وهو معجم لأعلام الشرق والغرب.‏

طباعته أنيقة زينت فيه اللوحات والصور والخرائط واستخدام اللون الأحمر للجذور.‏

إلا أن المآخذ عليه لا تحصى، أهمها: وقوعه في العامية عن سابق تصور وتصميم. وجاء في تعريف الأعلام كثير من الشتويه، وأهمل ما يتصل بالإسلام والمسلمين. وقد وقع في أخطاء كثيرة في الضبط. وغير هذا كثير. وكان أستاذنا الشيخ صبحي الصالح –رحمه الله –يردد على مسامعنا كلما ذكر أسمه: المنجد لا ينجد.‏

أما "البستان" لعبد الله البستاني فقد صدر سنة 1930 م ببيروت بتكليف من الجامعة الأميركية، جديدة أنه أثبت أسماء المخترعات الجديدة والمصطلحات العلمية إلا أنه حشر فيه الكثير من المولد والدخيل.‏

والمعجم الذي يجب التوقف عنده هو متن اللغة للشيخ أحمد رضا (1953 م).‏

وكان وضعه بتكليف من مجمع اللغة بدمشق واستغرق العمل فيه سنوات عديدة. طبع بعد وفاته في خمسة أجزاء كبيرة. جديدة أنه ألحق في المقدمة جداول تبين الوحدات القياسية من موازين ومكاييل ومقاييس، ثم أثبت جدولاً آخر حشد فيه الكلمات الدخيلة التي عرّبها بنفسه أو التي عرّبتها مجامع اللغة.‏

وبانتصاف القرن العشرين يلمع نجم العلايلي وخاصة بعدما أصدر (المعجم) سنة 1954 م وكان مقرراً له أن يصدر في أربعة وعشرين مجلداً يضم كل منها أربعة وعشرين قسماً. ولم يصدر منه إلا اليسير جداً. إلا أن ما ظهر منه ينبئ عن عبقرية صاحبه وعقله المدبر، وحسه اللغوي المتوقد. لقد ميز فيه المعنى الأصلي عن المعاني الفرعية فساعد بذلك على رصد التطور المعنوي وتفرعه بين الحقيقة والمجاز. واهتم بالمولد والدخيل مميزاً القديم منهما عن الحديث ولم يكتف بما وضعته المجامع في هذا الباب بل راح يضع الألفاظ بنفسه معتمداً القياس والاشتقاق مثبتاً بذلك قدرة العربية على التعبير عن الفكر المعاصر وأكد أن الاشتقاق يجعل من لغتنا لغة مرنة مطواعة.‏

وقبل أن يتم العلايلي (المعجم) طلع علينا بمعجم آخر هو (المرجع) الذي صدر سنة 1963 م على نسق المعجم، وزواج فيه بين الطريقة العربية والغربية في ترتيب المواد فأثبت المصطلح في موضعه من النطق وأثبت الأفعال مجردة ومزيدة تحت الجذر. فكلمة (انتضى) مثلاً يجدها الباحث في باب الألف مرتبة ترتيباً هجائياً ويجد في مقابلها (نضو).‏

اقترح فيه وضع أوزان ثابتة للمصطلحات العلمي والصناعية والزراعية كأن نخصص (فِعالة) للمصطلحات الصناعية مثل حِدادة ونجارة وحلاقة... ووزن مفعَلة للدلالة على الآلة مثل: مطرقة: مِسطرة... وتساءل لِم لا يفعل ذلك العرب القدامى خصصوا وزن فعال للأمراض الآنية العابرة فقالوا: سُعال وزُكام وصُداع ودُوار... كما خصصوا وزن فَعَل للأمراض المقيمة غير الآنية مثل (خَرَس وعَرَج وبَرَص وعَمَى...).‏

وبذلك يخطو العلايلي في معجميه بالمعجم العربي خطوة تطورية هامة، فلقد جعل المعجم عصرياً يفسر المادة من جوانبها اللغوية والفلسفي والعلمية والنفسية والاجتماعية، وكاد يضع المعجم التاريخي عندما تتبع التطور المعنوي للفظ عبر العصور بشكل تعاقبي.‏

وبعدما استعرضنا جهود الأفراد في العمل المعجمي الحديث نرى ضرورة تقويم جهود الجماعات والمؤسسات في هذا السبيل. ومنها:‏

1-المعجم الوسيط:‏

أصدره مجمع اللغة في القاهرة، وتعاونت في وضعه لجان متخصصة. أبصر النور سنة 1960 في جزأين ثم صدر ثانية سنة 1972 م منقحاً وقد أهملت بعض أصوله السابقة وأضيفت إليه أصول جديدة أقرها المجمع في جلساته المنعقدة ما بين 1960 و1971 م. تضمن كثيراً من الألفاظ المولدة والمحدثة العلمية الحديثة في ميادين مختلفة. وقبل المعرّب مشيراً إليه برموز واضحة. ومن المآخذ عليه إغفاله الكثير من الألفاظ المحدثة التي استقرت في لغة الكتّاب منذ فجر النهضة، وتمسّكه –بقياسات قديمة للجموع دون النظر إلى صلاحها أو عدم صلاحها. وفيه مقدار غير ضئيل من الألفاظ العامية المصرية خاصة، ووعد بإهمال الحوشي الذي هجره الاستعمال ولم يفِ بوعده.‏

2-المعجم الكبير:‏

أصدره مجمع اللغة بالقاهرة أيضاً على دفعتين. صدر الجزء الأول وهو حرف الهمزة سنة 1970 م وصدر الجزء الثاني وهو حرف الباء سنة 1982 م وقد أرفقا بكتيّب بعنوان (المنهج والتطبيق) جاء فيه: في المعجم ثلاثة جوانب هي:‏

1-جانب منهجي هدفه الأول دقة الترتيب ووضوح التبويب.‏

2-جانب لغوي يعنى بتصوير اللغة تصويراً كاملاً.‏

3-جانب موسوعي يقدم ألواناً من العلوم والمعارف تحت أسماء المصطلحات أو الأعلام.‏

ولقد مضى على صدور الجزء الثاني أكثر من عشر سنوات ولم يصدر بعد الجزء الثالث وهذا البطء في العمل لا بد أن يؤثر سلبياً وفي مستخدميه.‏

الجديد في هذا المعجم أن المجمع أظهر منه نموذجاً من نحو 500 صفحة عام 1956 م وعد ذلك (25) "تجربة ودعا المختصين إلى قراءتها وتسجيل ملاحظاتهم عليها". وقد أخذ بملاحظات المتخصصين وراح خبراء المجمع يدققون ويمحون حتى صدر هذا المعجم آية في التأصيل والتحقيق متدرجاً في المعاني من الحسي إلى المعنوي ومن الحقيقي إلى المجازي. وذكر في صدر كل مادة النظائر السامية إن وجدت وبوبت المواد تبويباً سهلاً وأثبتت فيه المصطلحات الحديثة الشائعة في الأوساط العلمية والحياة العامة. ولم يهمل أعلام الأشخاص: وزواج بين النظام الألفبائي الأصولي بحسب أوائل الأصول، والنظام الألفبائي النطقي المطلق فحل بذلك مشكلة إدراج الكلمات المعربة والدخيلة.‏

لقد وضع هذا المعجم –على ما يبدو –ليكون في مصاف المعاجم العالمية الشهيرة كموسوعة Larousse الفرنسية و Oxford الإنكليزية. وهو إذا تم مع إجراء بعض التعديلات الطفيفة عليه يكون معهما على مستوى واحد إن لم يفقهما دقة وحسن تبويب.‏

إلا أنه لا يجوز أن تستمر فيه عيوب الشكل. فالصور غير ملونة ولا يخفى ما للصورة الملونة من أهمية في توضيح الآلة والنبات وغيرهما... ولا يجوز أيضاً التذرع بالتكاليف الباهظة لأن الأموال تكال جزافاً لمشاريع أخرى لا ترقي –مهما جلت أهميتها –إلى مكانة المعجم.‏

وإننا لندعو مجامع اللغة والدول العربية مجتمعة أو متفرقة إلى اعتماد الأجهزة الإلكترونية في التبويب والإخراج. فمن حق المعجم الذي يتحدث عن المكتشفات أن يستفيد منها ويحدث بنعمتها.‏

ثامناً: مساهمات عربية في الهم المعجمي العالمي:‏

أطلقت أوروبا على القرن التاسع عشر تسمية عصر المعجمات وبعد منتصف القرن الحالي راحت تعقد المؤتمرات المحلية والدولية لتدارس شؤون المعجم. ومن أبرز المؤتمرات المؤتمر الذي نظمته جامعة (انديانا) بأميركا في شهر تشرين الثاني من عام 1960 م بموضوع (مشاكل المعجم). وقد اشترك فيه أكثر من خمسين لغوياً ومعجمياً عرباً أو أعاجم. ومما جاء في تقرير لأحد المشاركين فيه واسمه هاوس هولدر ما يأتي (26):‏

1-يجب أن يأخذ المعجم في الاعتبار نوعاً خاصاً من المستعملين له وحاجاتهم.‏

2-لا بد أن تكون المواد واضحة الترتيب في موضوعها، وتوضع الصيغ الشاذة كمواد قائمة بنفسها، وإلا فيشار إلى موضعها في المادة الأصلية.‏

3-التمييز بين المعاني الأصلية والمعاني المجازية؟ على أساس لغوي.‏

هذه التوصيات تشير بوضوح إلى أن مشكلات المعجم تكاد تكون واحدة في أرجاء المعمورة. والمراقب المنصف لا بد أن يلاحظ أن معجمنا العربي قديمه وحديثه قد أخذ بمعظم هذه التوصيات.‏

تاسعاً: المعجمات الثنائية اللغة والمتعددة اللغات:‏

قضت سنة التطور والانفتاح والتبادل الثقافي وأغراض أخرى أن تفكر الأمم بمعجمات ثنائية اللغة أو متعددة اللغات. ولم يكن العرب مختلفين عن الركب في هذا الميدان.‏

وأنه لمن الصعوبة بمكان رصد المعجمات جميعاً لكن لا بد من الإشارة إلى بعضها كالمنهل (فرنسي –عربي) للدكتورين عبد النور وإدريس، والمورد (إنكليزي –عربي) وعربي إنكليزي للبعلبكي، ومعجم عبد النور (عربي –فرنسي). ويكاد يكون هناك معجم أعجمي عربي أو العكس لك لغة من اللغات الحية.ومن هذه المعاجم ما هو تجار رخيص ومنها ما هو علمي رصين. وهنا لا بد من التنويه بالدور الكبير الذي اضطلع به المكتب الدائم لتنسيق التعريب في الوطن العربي ومركزه الرباط حيث راح ينشر في مجلته المعجم تلو الآخر ومنها على سبيل المثال لا الحصر: معجم الكيمياء، ومعجم الفيزياء، ومعجم الرياضيات، ومعجم النبات، ومعجم الحيوان، ومعجم البترول، ومعجم البناء، والمعجم المنزلي، ومعجم الأطعمة، ومعجم الحرف والمهن، ومعجم المرأة، ومعجم الزهور، ومعجم الإذاعة والتلفزة، والمصطلاحات الإعلامية، والمصطلاحات الرياضية، ومصطلحات العَنَفات (Tubines)، ومصطلحات في أمراض الأذن والأنف والحنجرة، والمصطلحات الفلسفية، والمصطلاحات البريدية وغيرها كثير. وقد صدرت هذه المعجمات بمعظمها باللغات الثلاث العربية والفرنسية والإنكليزية. وقد أُتبع أكثرها بملاحق أغنتها، وتداركت نقص الطبعات الأولى. وكان مجمع اللغة قد أصدر معاجم متخصصة كالمعجم العسكري الموحد باللغتين الإنكليزية والعربية أولاً ثم بالفرنسية والعربية ثانياً وغيره كثير.‏

ولم يكتف المكتب الدائم لتنسيق التعريب بذلك بل كانت له أعمال جليلة أخرى أطل فيها العالم المتمدن بعدما حصن البيت من داخل فعرَّف بمآثر العرب المعجمية، ووقف على ما عند الآخرين من جديد في هذا الميدان. وأبرز أعماله (الندوة العالمية لصناعة المعجم العربية للناطقين باللغات الأخرى) التي انعقدت بالرباط من 1 إلى 8 نيسان 1981. شارك فيها وفود عربية وغربية من فرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة؛ ومن أبرز الموضوعات التي ناقشها المؤتمرون (27):‏

1-المنهجية في صناعة المعجم.‏

2-مشكلات الدلالة في المعجم الثنائي اللغة.‏

3-المعجم العربي للناطقين باللغات الأخرى.‏

4-ترتيب مداخل المعجم.‏

والمهم في هذه الندوة التوصيات الصادرة عنها وجاء فيها:‏

1-التعريف بالرموز المستعملة في المعجم وبيان كيفية استخدام المعجم.‏

2-اتباع أحد طريقين في ترتيب المعجم، إما على حسب الجذور وإما على حسب نطق الكلمة. وفي كلتا الحالتين يتبع الترتيب الهجائي العادي بحسب أوائل الكلمات.‏

وفي حالة اتباع نظام الجذور ينصح بترتيب المصطلحات والألفاظ الدخيلة والمعربة على حسب نطقها.‏

3-ضرورة تضمن المعجم قدراً معقولاً من المصطلحات العلمية وبخاصة ما يتصل منها بالحياة العامة.‏

4-استخدام الصور والرسوم والخرائط ووسائل الإيضاح الممكنة، واستخدام نماذج ملونة حين معالجة ألفاظ الألوان.‏

والمعجم العربية كما رأينا سابقاً قد عمل أو بالأحرى قد سبق إلى تنفيذ بعض التوصيات قبل صدورها عن المؤتمر. وفي هذا السبق فخر للعرب في هذا الميدان.‏

عاشراً: صيحات للتجديد:‏

على الرغم من هذه الثورة الدائمة التي أحدثها المكتب الدائم لتنسيق التعريب في الوطن العربي، ومجامع اللغة العربية في عالم المعجم فإن صيحات تدعو للتجديد ما زالت تعلو من هنا وهناك. والذي يبشِّر بالخير فيها أنها دعوات من مجمعيين ذوي علم وحس لغوي. هذه الصيحات تشعرنا بأن الجمود موت والتطور واجب، ولا يجوز الوقوف حيث نحن ولو قبضنا في حين على ناصية العلم والمعرفة.‏

نذكر من هذه الصيحات تلك التي أطلقها عضو المجمع العلمي العراقي د. محمود الجليلي وطالب فيها بوضع (المعجم اللغوي الحضاري) (28) الذي: "يستوعب تطور اللغة العربية واستيعابها للحضارة في مختلف الأزمنة" وحدد محتويات هذا المعجم المقترح بما يأتي:‏

أ-تطور مدلول الكلمات تاريخياً.‏

ب-تدوين الاشتقاقات الجديدة المؤدية إلى معان معينة.‏

ج‍-تسجيل الاستعمالات الحديثة والمعاصرة التي أوجبها التطور الحضاري والتقني.‏

د-إدخال المصطلحات العلمية الحديثة.‏

ه‍-ضرورة الرجوع إلى كتب التراث. وكتب العلوم والطب وسائر فروع المعرفة للاستفادة من مفرداتها.‏

وليتم إعداد هذا المعجم على الوجه المقبول لا بد من توفر الشروط الآتية في نظره:‏

-تضافر جهود المتخصصين المتعاونين في كتابة المادة الواحدة.‏

-وجود جهة منسقة تحفظ التوازن وتقرر القبول في المواد.‏

-تأريخ المعلومات الجديدة، وإبقاء الباب مفتوحاً أمام الجديد ورفد المعجم بملاحق دائمة ومستمرة.‏

لا شك أن د. الجليلي صادق في ما ذهب إليه. لكن الإنصاف يقضي بالاعتراف بالفضل الكبير للجهود التي بذلتها مجامع اللغة والمكتب الدائم لتنسيق التعريب لأنها حققت في معجماتها أكثر ما يطلب به الدكتور الجليلي.‏

ويصدح بعد سنوات صوت آخر من المجمع العلمي العراقي نفسه هو صوت د. يوسف عز الدين فيكتب في مجلة المجمع مقالاً بعنوان (المعجم الذي نريده) يحدد فيها مواصفات هذا المعجم وملخصها:‏

-إبعاد الألفاظ العامية عنه حتى ولو استعملت في وسائل الإعلام.‏

-أن يكون سهل المأخذ بعيداً عن الحشو.‏

-أن يستغني عن الميت والمهمل من الألفاظ.‏

-أن يبتعد عن التصحيف والتحريف.‏

وربما استقى د. عز الدين ملاحظاته هذه من عيوب المعاجم الصادرة عن مجامع اللغة وقد أشرنا إلى أكثرها ونحن نعرض الرأي فيها.‏

ثم طالب مجمعي عراقي ثالث بمعجم تراثي في مقال عقده بعنوان (30) (المعجم الذي نطمح إليه) واشترط أن تتوفر فيه الشروط الآتية:‏

-ترتيب المواد ترتيباً ألفبائياً وفقاً للأحرف الثلاثة الأولى من الكلمة.‏

-وقوف القارئ داخل المادة الواحدة على مجموع آراء اللغويين.‏

-رصد التطور اللغوي الذي أصاب لغتنا عبر العصور.‏

-إدخال المصطلحات العلمية التي أقرتها مجامع اللغة.‏

وبعض ما نادى به هؤلاء المجتمعون متوفر في المعاجم العربي الحديثة وبعضها الآخر لا بد من دراسته دراسة علمية رصينة وهادئة من قبل المجامع للأخذ بالمقترحات التي تخدم معجمنا وتعمل على تحديثه وتفعيل دوره.‏

وفي النهاية لا بد من الاعتراف بأن دورة المعجم كدور الحياة متجددة غير متوقفة. وكل تطور في حياة الأمة يصيب الاقتصاد أو السياسة أو الدين أو الاجتماع أو العلم لا بد أن يرافقه تطور في المعجم الحي لأن المعجم الجامد يعني موت الأمة واندثار اللغة الناطقة بها.‏

***‏

الحواشي:‏

1-ابن منظور، لسان العرب (عجم).‏

2-ابن عبد ربه، العقد الفريد، دار الكتاب العربي –ط 1965، ج4 –121.‏

3-المعجم الوسيط (عجم).‏

4-حجازي، محمود فهمي، مجلة مجمع اللغة بالقاهرة العدد 40 ص 86 وما بعدها.‏

5-العطار، أحمد بن الغفور، الصحاح ومدارس المعجمات العربية، مكة المكرمة 1990 ص 53.‏

6-آل ياسين، محمد حسين، الدراسات اللغوية عند العرب، دار مكتبة الحياة بيروت سنة 1980 ص 222.‏

7-ابن منظور، لسان العرب (قمس).‏

8-الفيروزابادي، القاموس المحيط، طبعة مصطفى البابي الحلبي، ص 3.‏

9-Encyclopedie l,Islam, NV- IV, P. 994.‏

11-مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، الجزء 30 ص 122.‏

12-ضيف، شوقي، الفن ومذاهبه في النثر العربي ط 5 ص 125.‏

13-مجلة مجمع اللغة بالقاهرة، الجزء 30 ص 122.‏

14-العطار، أحمد عبد الغفور، الصحاح ومدارس المعجمات العربية ص 65.‏

15-من رسائله: خلق الإنسان، الإبل، الخيل، الوحش، النبات، الشجر.‏

16-من رسائله: المطر، النبات، الشجر.‏

17-ابن سيده، المخصص 1/ 10.‏

18-الجرح، محمد سالم، مجلة اللغة بالقاهرة. العدد 28 ص 165.‏

19-فاضل، عبد الحق، مجلة اللسان العربي، المجلد السابع، العدد 2 يناير 1970 ص 10.‏

20-القفطي، أبناه الرواة، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1981 القاهرة 1/ 224.‏

21-فاضل، عبد الحق، مجلة اللسان العربي، المجلد السابع، العدد 2 يناير 1970 ص 11.‏

22-أنيس، إبراهيم، مجلة مجمع اللغة بالقاهرة، عدد 25 ص 7.‏

23-الشدياق، أحمد فارس، الجاسوس على القاموس مطبعة الجوانب الآستانة سنة 1299 ه‍ -ص 23.‏

24-المصدر السابق ص 3.‏

25-مدكور، إبراهيم، مجلة اللغة بالقاهرة عدد 1288.‏

26-أبو الفرج، محمد أحمد، المعاجم اللغوية، دار النهضة العربية بيروت 1966 ص 21 –22.‏

27-عمر، أحمد مختار، المجلة العربية للعلوم الإنسانية (الكويت) المجلد ج الأول العدد الرابع خريف 1981 ص 299 وما بعدها.‏

28-الجليلي، محمود، مجلة المجمع العلمي العراقي. المجلد الرابع والثلاثون، الجزء الأول كانون الثاني 1983 ص 89 وما بعدها.‏

29-عز الدين، يوسف، مجلة المجمع العلمي العراقي. المجلد الثامن والثلاثون الجزء الرابع كانون الأول سنة 1987.‏

30-آل ياسين، محمد حسن، مجلة المجمع العلمي العراقي، المجلد التاسع والثلاثون الجزء الأول ص 29 وما بعدها.‏

(1) باحث وأستاذ في كلية الآداب –الجامعة اللبنانية.‏
-----------------
نشر هذا البحث في :
مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 50 - السنة 13 - كانون الثاني "يناير" 1993 - رجب 1413

 
المعجمات العربية نشأتها وأطوار التأليف فيها ـــ أ.د.عبد الحفيظ السطلي طباعة إرسال إلى صديق
تقييم المستخدمين: / 11
سيئجيد 
الكاتب صوت العربية   
الجمعة, 04 يوليو 2008 15:32

تمثل المعجمات العربية مصدراً هاماً للباحث في الدراسات اللغوية والأدبية، ولا سيما بعد أن ظهرت المعجمات الكبرى، واتسع منهجاً ليشمل كثيراً من شؤون الحياة العربية لغوياً وأدبياً وفكرياً وتاريخياً وما إلى ذلك بالإضافة إلى الهدف الأساسي وهو جمع ألفاظ اللغة وتحديد صيغها ومعانيها وما يَعْرِض لها أحياناً من اختلاف بين لهجات القبائل، أو اختلاف بين آراء أهل اللغة، أو ما أشبه ذلك.‏

ونشأة هذه المعجمات لم تحدث إلا بعد ظهور أنماط مختلفة من التأليف، كانت تحاول أن تجمع فئات معينة من ألفاظ العربية، وهذا يعني أن جمع ألفاظ اللغة كلها في كتاب واحد لم يأتٍ طفرةً دون تدرّج وبحث عن المنهج القادر على ذلك، ولهذا يمكن أن نحدد مرحلتين هامتين لجمع ألفاظ العربية، الأولى تمثل مجرد نشأة التفكير في جمع ألفاظ معينة من اللغة في كتاب، والثانية تمثل النضج في هذا التفكير، والاتجاه إلى استيعاب ألفاظ اللغة كلها في كتاب واحد تبعاً لمنهج وغاية معينة أيضاً، فإن كانت الغاية هي تقديم معاني الألفاظ وضبط صيغها لمن يطلب هذه المعاني والصيغ، كان منهج التصنيف يُبْنَى على أساس لفظي، وهذا ما عُرِفَ بمعجمات الألفاظ، وإذا كانت الغاية هي تقديم كلمة لمعنى يدور في خَلَد المرء دون أن يجد لديه كلمة تعبر عنه، كان منهج التصنيف يُبْنَى على أساس الموضوعات والمعاني، وهو ما عُرِفَ بمجمعات المعاني.‏

وحسبنا في هذا الحديث(1) أن نوجز القول في نشأة التفكير عند العرب حول جمع بعض ألفاظ اللغة ضمن أنماط مختلفة من المناهج، وهو ما يمثل المرحلة الأولى من التأليف المعجمي، ثم نتحدث عما تبعها في المرحلة الثانية من تأليف معجمات الألفاظ، وأما معجمات المعاني فنرجو أن نفردها في حديث آخر إن شاء الله تعالى.‏


المرحلة الأولى:‏

منذ جعلت الفتوح تهدأ رويداً رويداً، اتجه علماء العربية إلى المحافظة على لغة القرآن وما لها من تراث، إذ شرعوا بوضع علم النحو لضبط اللغة وما يَعْرِض لها(2) ولا سيما أن العربية جعلت تحتك بلغة الأعاجم بعد الفتح، وأخذ يتسرب إلى بعض الناطقين بها شيء من عوارض اللحن.‏

واهتمام العلماء بوضع علم النحو جعلهم يهتمون بجمع اللغة لاستنباط القواعد منها، وجمع اللغة دعا إلى جمع الأدب الجاهلي من صدور الأعراب وغيرهم ليتاح لعالم اللغة أن يستند في قاعدته على شاهد ثابت موثّق(3) ثم لم تلبث هذه الحركة أن تناست الغاية الأولى، وأصبح همها جمع اللغة والأدب لمجرد المحافظة عليها. وكان الأعراب ضمن شروط معينة من المصادر الأساسية لجمع اللغة، سواء أكان ذلك بالاتصال بهم في صحرائهم، أم كان ذلك بالاستماع إليهم لدى وفادتهم على المدن والأمصار(4)، وكانت هنالك مصادر أخرى من أبرزها القرآن الكريم، والحديث(5)، والأدب الجاهلي، وكلام العرب، وما إلى ذلك.‏

ولا ندري كيف كان يُدَوّن العلماء عن الأعراب، ولا سيما حين نسمع أن أحدهم قد رحل إلى البوادي فأنفد كيت وكيت من زجاجات المداد، على أنه ينبغي أن تتصوّر أن ذلك التدوين كان يتم دون أي تنسيق، إلاّ أن الحاجة فرضت على العلماء فيما بعد أن يوجدوا شيئاً من التنسيق ولو يسيراً، لتسهل العودة إلى ما جمعوا والاستفادة منه.‏

ولهذا بدأ الرواة العلماء في القرن الثاني يؤلفون رسائل صغيرة في اللغة، محاولين في كل منها إيجاد رابطة بين زمرة من الألفاظ، تُمكِّن من تصنيفها في هذه الرسالة أو تلك، ولهذا نشأت رسائل لغوية ذات أشكال مختلفة تمتاز كلها بطابع العفوية والبساطة، وهو ما يتسم به كل عمل في مراحله الأولى، وكانت أنماطها متداخلة متعاصرة أحياناً في زمن ظهورها، بل ربما نجد أحد العلماء نفسه يؤلف رسائل لغوية متعددة يختلف فيها منهج التصنيف من واحدة إلى أخرى.‏

ومن أبرز الروابط اللغوية التي اتُّخِذَتْ لمناهج التصنيف في هذه المرحلة:‏

1-الندرة والغرابة: إذ لجأ بعض العلماء إلى رابطة الندرة والغرابة في بعض الألفاظ، فجمعوا الألفاظ الغريبة النادرة في كتاب واحد دون تنسيق أو ترتيب، فإذا احتاج المرء إلى معنى كلمة غريبة أو نادرة، كان عليه أن يطالع ذلك الكتاب كله حتى يجد ضالته فيه.‏

ويمثل هذا النمط من التأليف أبو زيد الأنصاري (215هـ) في كتابه "النوادر في اللغة"(6)، وكتاب النوادر مؤلف من أبواب متعددة جاءت بعنوانات: "باب الشعر" أو "باب الرجز" أو "باب النوادر"، وهذه الأبواب تتعاقب دون تنسيق أو تبويب، فقد يأتي باب شعر ثم يليه باب رجز، وقد يأتي باب شعر فباب نوادر، أو باب رجز فباب رجز مثله، وهكذا.. وكلها تأتي بألفاظ نادرة، فتُشْرَح ويُسْتَشْهَد عليها أحياناً بالشعر وأقوال العرب.‏

2-الموضوعات والمعاني: ومن أنماط هذه المرحلة تلك الرسائل الصغيرة التي جَمعَتْ بعض ألفاظ اللغة ورتبتها تبعاً لموضوع من الموضوعات أو معنى من المعاني العامة، ومن ذلك "خَلْق الفرس" لقطرب (206هـ)، وكتاب خلْق الإنسان، وكتاب الأجناس، وكتاب الأنواء، وكتاب خَلْق الفرس، وكتاب الإبل، وكتاب الشاء، وكتاب النخل والكرم، وكتاب النبات والشجر، للأصمعي (213هـ)، وكتاب القوس والرمح، وكتاب المياه، وكتاب اللبأ واللبن، وكتاب المطر، لأبي زيد الأنصاري (215هـ) وكتاب الرحل والمنزل المنسوب إلى ابن قتيبة (276هـ)، والأرجح أنه لأبي عبيد القاسم بن سلام (224)(7) .‏

وهذه الكتب عبارة عن رسائل صغيرة حاولت أن تجمع الألفاظ التي تختص بمعنى من المعاني، كالألفاظ التي تتصل بالنبات، أو التي تتعلق بالإبل، أو التي تختص باللبن، وغير ذلك.‏

3-الأضداد: وهذا النمط من الرسائل بُني على جمع الألفاظ التي تُعبّر عن المعنى وضدّه، كالأضداد للأصمعي (213هـ)، والأضداد لابن السكيت (244هـ) والأضداد لأبي حاتم السجستاني (248هـ)، إذ تُذْكَر الكلمة بمعنى مع شاهد يؤيد ذلك، ثم بالمعنى الآخر مع شاهد يؤيده أيضاً، كقول الأصمعي في أضداده مثلاً: "عَرَّد النجمُ إذا ارتفع، وعَرّد إذا مال للغروب، قال الراعي بالمعنى الأول:‏

بأطْيَبَ من ثوبَيْنِ تأوي إليهما * * * * سعادُ إذا نجمُ السِّماكَيْنِ عَرّدا‏

وفي المعنى الثاني قال ذو الرمة:‏

وهَمّتِ الجَوْزاءُ بالتَّعْرِيدِ"(8)‏

وهذا النمط يأخذ بالرابطة المعنوية المتضادة بين الألفاظ، ولكنه يشعرنا بشيء من التنبه على لفظ الكلمة، وإن كان بسيطاً إلى حد ما، لأنه يراعي اللفظ الواحد للكلمة مع وجود معنيين لها ضدين.‏

4-مثلث الكلام: ويراد بالمثلث الألفاظُ التي وردت على ثلاث حركات بمعان مختلفة، ومن أمثلة ذلك: السِّهام بالكسر: النبال جمع السّهم، والسُّهام بالضم: الضّمُور، أو داءٌ يأخذ الإبل، والسّهام بالفتح: وهَجُ الصيف. والصِّرة بالكسر: شدة البرد، والصُّرة بالضم: كل ما يُعْقَد حفظاً للأشياء أو النقود، والصَّرة بالفتح: الصياح الشديد.‏

ولعل أول من ألف في مثلث الكلام قطرب (206هـ) في كتابه المعروف بـ "مثلثات قطرب". ونلاحظ في هذا النمط أن الرابطة المعنوية ما تزال قائمة، ولكنها ترافق رابطة لفظية تبرز في صيغة الكلمة وما يطرأ عليها من تبدل في الحركات.‏

5-الأفعال ذات الاشتقاق الواحد: وسبق إلى جمع اللغة على هذا النمط قطرب (206هـ) في كتابه "فَعَل وأَفْعَل"، ثم ألف الزجّاج (310هـ) فيما بعد كتابه "فَعَلْتُ وأَفْعَلْت" فكان لكتابه شهرة واسعة للتأليف على هذا النمط، وهنا أصبحت صيغة الألفاظ هي الرابط الوحيد في تصنيفها. والتنبه على صيغة الكلمة ثم جَعْلها رابطاً لجمع الألفاظ وتصنيفها يُعَدّ من الأنماط الهامة التي بدأت تمهد لقيام مرحلة أوسع في جمع اللغة.‏

6-الحروف: وآخر ما نجده من أنماط هذه المرحلة، هو تأليف بعض الرسائل التي جمعت الألفاظ ورتبتها بحسب الحروف، ويمثل ذلك كتاب الهمز لأبي زيد الأنصاري (215هـ) والكتاب مقسم إلى أبواب لا تسمية لها، وكل باب يورد الألفاظ التي تنتهي بالهمز، ولكن الأبواب لم ترتب على حروف المعجم، وإنما وردت على هذا النحو: "الألفاظ التي تبدأ بالنون وتنتهي بالهمز"، ثم (الألفاظ التي تبدأ بالباء وتنتهي بالهمز)، ثم (الألفاظ التي تبدأ بالراء)، ثم (التي تبدأ بالزاي)، (ثم التي تبدأ بالذال) فالدال فالسين فالشين فالكاف.. الخ.‏

ولكن الباب قد لا يستقر على ألفاظ تبدأ بحرف واحد، وإنما يستطرد من حرف إلى حرف، حتى يتحول الباب إلى ألفاظ لا جامع بينها غير الانتهاء بالهمز، وأما الأبواب التي تبدأ بحرف وتنتهي بالهمز،، فالألفاظ فيها لا تُرَتّب على حروف المعجم وإنما تُصنَّف دون أيّ تنسيق.‏

ومهما يكن من أمر هذا الكتاب فهو أقرب أنماط هذه المرحلة إلى المنهج العام للمرحلة التالية، لأنه لا يقيم الترابط بين الألفاظ على أساس المعنى أو الندرة أو الغرابة، وإنما يوجه الانتباه إلى بنية الكلمة وما تضمه من حروف.‏

المرحلة الثانية:‏

في المرحلة الأولى رأينا أنماطاً مختلفة من الرسائل الصغيرة، تحاول كلٌّ منها أن تجمع بعض ألفاظ اللغة في زمرة يربط بينها رابط يتفاوت في إحكامه ودقته من واحدة إلى أخرى، أما المرحلة الثانية فتمتاز بالتوجه إلى جمع اللغة كلها في كتاب واحد، وهذا ما كان يحتاج إلى منهج لهذا الكتاب يعنى عناية دقيقة بالتنسيق والتبويب، ليصبح من اليسير أن يستفاد منه، ولم يصل الفكر العربي إلى منهج مُيَسَّر إلاّ بعد أن سار في طرق شتّى، وسلك في تصنيف اللغة مسالك متعددة، ولذلك نجد في هذه المرحلة أنماطاً متعددة المناهج، يمكن أن نصنفها في ثلاثة، ونرتبها زمنياً حسب أوّل من ابتدع كلاًّ منها، وبذلك نجد الأمر قد بدأ بمنهج صَنّف أصول الألفاظ حسب مخارج الحروف، وكان غاية في التعقيد، هو ما جاء به الخليل بن أحمد الفراهيدي (170هـ) في كتاب العين، ثم تطوّر الأمر إلى منهج آخر رتب الألفاظ على حروف المعجم، وراعى أوائل الأصول، وهو ما جاء به ابن دريد (332هـ) في كتاب الجمهرة، ثم كان من بَعْدُ نهج ثالث رتب أصول الألفاظ على حروف المعجم، وراعى أواخر الأصول، وهو ما ظهر على يد الجوهري (393هـ) في الصحاح.‏

ودراسة هذه الأنماط من المعجمات توضح مناهج كل منها، وتكشف عن التطور الذي رافق البحث عن المنهج المُيّسر، وتُبيّن ما حقّقه كلٌّ منها للغة العربية وأصحابها من فائدة ما زالت تُقطَف ثمارها حتى اليوم.‏

آ-المعجمات التي رَتَّبت أصول الألفاظ بحسب مخارج الحروف:‏

يعود الفضل في هذا النمط من المعجمات إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي (170هـ)، لأن من المحقق أنه كان أسبق علماء العربية إلى وضع منهج لاستيعاب اللغة كلها في كتاب واحد، والمعجم المنسوب إلى الخليل هو كتاب "العَيْن"(9).‏

وأوّل ما تنبّه عليه الخليل أن ضابط الألفاظ هو الحروف التي تتألف منها، ولذلك بَنَى كتابه على الحروف التي تتألف منها الألفاظ، وهذه البادرة هي التي أفادت منها المعجمات العربية كلها فيما بعد.‏

ولم يأخذ الخليل بترتيب الأصول حسب الترتيب الهجائي (أ، ب، ت، ث..) لأنه أدرك أن الألف حرف علة لا يبقى في الكلمة على حال واحدة، وإنما يكثر تغيُّره، وهو يريد أن يبتدئ بحرف لا يعتريه التغيّر في بنية الكلمة، "فلمّا فاته أول الحروف، كره أن يجعل الثاني أوّلاً وهو الباء إلا بحجة"(10)، وحين تخلّى عن الترتيب الهجائي، تدّبر ترتيباً آخر، واهتدى بعقليته الرياضية واللغوية إلى مخارج الحروف، فرتب الحروف بحسب مخارجها مبتدئاً بأقصاها في الحلق، ثم تدرج بعد ذلك إلى الأقرب فالأقل قرباً من مخرج الحرف من الحلق، فرأى أن العَيْن أقصاها وأدخلها في الحلق، فبدأ كتابه بها وسماه باسمها. وإذا كانت الهاء أعمق مخرجاً في الحلق من العين، فقد اعتذر الخليل لذلك بأن الهاء مهموسة خفيفة لا صوت لها، ثم ختم الكتاب بحروف العلة لأنها لا تستقر على حال، وإنما يعتريها تبدل كثير.‏

ثم قسم اللغة إلى ثنائي(11) وثلاثي ورباعي وخماسي وصنف أبواب الكتاب على ذلك، ثم اعتمد على ما يسميه علماء اللغة بـ "الاشتقاق الكبير"(12)، فراح بقلب الثنائي والثلاثي والرباعي على أوجه حروفها المختلفة، وربما كانت غايته من ذلك حصر أبنية العربية وتمييز المستعمل من المهمل مما يتركّب من تقليب الأصل الواحد على حروفه المختلفة. ومثال ذلك أنه إذا ذكر "عَقَّ" أورد بعدها "قعّ" على تقليب الثنائي، وإذا ذكر "ضرب" أورد بعدها: ضبر، ربض، رضب، برض، بضر، على تقليب الثلاثي، وإذا ذكر "عبقر" ضرب العين بالأوجه الستة التي تتكون من (ب ق ر) وهي: عبقر، عبرق، عقرب، عقبر، عربق، عرقب، ثم ضرب الباء بالأوجه الستة التي تتكون من (ع ر ق) وهي: بعقر، بعقر، بقرع، بقعر، برعق، برقع. ومثل ذلك ما يفعله مع القاف والراء بحيث يكون مجموع ما ينتج عن هذه التقاليب أربعة وعشرين وجهاً أكثرها مهمل. وإذا ذكر كلمة خماسية ضرب كل حرف منها بتقاليب الحروف الأربعة الأخرى، ليكون مجموع هذه التقاليب مائة وعشرين وجهاً أكثرها مهمل أيضاً. والخليل لا ينص إلاّ على المستعمل في اللغة فحسب.‏

وعمد الخليل إلى تصنيف أصول الألفاظ في كل باب من أبواب الكتاب آخذاً بأواخر الأصول تبعاً لترتيب مخارجها، وأما ترتيبها داخل الباب الواحد فكان يلاحظ فيه أوائل الأصول تبعاً لترتيب مخارجها أيضاً، فيقدم الأقرب من الحلق ويؤخر الأبعد فالأبعد، فمثلاً ترد كلمة (قرم) قبل (ضرم) وهذه قبل (رزم) وهذه قبل (برم)..، لأن ترتيب مخارج الأوائل هو (ق، ض، ر، ب...) وفي تصنيف الأصول لا يذكر بعد الحرف إلاّ الحرف الذي يليه، فإذا انتهى إلى آخر الحروف عاد فذكر ما تركه في البداية من ألفاظ بحسب ترتيب المخارج دائماً.‏

وبذلك كله أصبح طلب كلمة في كتاب العين يحتاج إلى صبر وأناة وتمرس بمنهج الكتاب، ومع ذلك أَثّر هذا المنهج في بعض أهل اللغة، فكان أساساً لما وضعوه من معجمات هامة، وإن كان ثمة بعض الاختلاف اليسير أحياناً، كالذي نجده في معجم تهذيب اللغة لأبي منصور محمد بن احمد الأزهري (370هـ)، والمحكم لابن سيده علي بن اسماعيل الاندلسي (458هـ)، وهكذا كانت هذه المعجمات تمثل الطور الأول على ما فيه من تعقيد.‏

ب-المعجمات التي رتبت أصول الألفاظ بحسب الترتيب الهجائي‏

وراعت أوائل الأصول:‏

إن تعقيد منهج الخليل ومن تبعه في الطور الأول، جعل الفكر العربي يبحث عن مناهج أخرى لترتيب ألفاظ اللغة كلها في كتاب أسهل مُتناولاً مما ورد عند الخليل، ولا سيما أن القدماء أدركوا ما في منهجه من تعقيد، ولهذا اتجه علماء اللغة إلى منهج آخر لتصنيف المعجمات، يُعنَى بترتيب أصول الألفاظ بحسب النظام الهجائي مع مراعاة أوائل الأصول، ولكن هذا المنهج الجديد لم يخرج من التعقيد إلى التبسيط إلاّ بشيء من التدرج أو التطور ضمن أدوار ثلاثة: الأول كان ما يزال معقداً يشبه منهج كتاب العين مع شيء يسير من التبسيط وهو ما ظهر في كتاب الجمهرة لابن دريد (321هـ) والثاني قطع مرحلة واسعة نحو التبسيط، ولكنه احتفظ بشيء من رواسب منهج الجمهرة، وهو ما ظهر في كتابي مجمل اللغة ومقاييس اللغة لابن فارس (395هـ)، والثالث بلغ غاية التبسيط تبويباً وتصنيفاً، وهو ما ظهر في كتاب أساس البلاغة للزمخشري (538هـ). ونظرة إلى مناهج هذه الكتب تجعلنا نقف على التطور الذي حدث في الطور الثاني من تأليف المعجمات العربية.‏

1-جمهرة اللغة لابن دريد (321هـ):‏

فابن دريد في الجمهرة سار بمنهج الخليل نحو التبسيط، إلاّ أنه لم يقطع شوطاً بعيداً في ذلك، ففي مقدمته أشار إلى من تقدّمه، ثم ذكر الخليل مُتلطّفاً، فقال: "وقد ألّف أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفرهودي رضوان الله عليه كتاب العين، فأتعب من تصدى لغايته، وعَنّى من سما إلى نهايته، فالمنصف له بالغلب معترف، والمعاند متكلف، وكلُّ ما بعده له تَبَعٌ، أقرّ بذلك أم جحدَ. ولكنه رحمه الله ألف كتابه مُشكِلاً لثقوب فهمه وذكاء فطنته، وحدّة أذهان أهل عصره"(13).‏

فهو يعترف بالفضل والسّبْق للخليل بن أحمد، ويشير إلى احتذاء منهجه، ولكنه يتلطف في ذكر ما في الكتاب من إشكال، يسنده إلى ذكاء الخليل وحدة أذهان تلامذته، وكأنه يشير بذلك الإشكال إلى تصنيف "العين" بحسب مخارج الحروف، ولهذا يقول في مقدمة الجمهرة أيضاً: "وأملينا هذا الكتاب.. فسهّلْنا وعره.. وأجريناه على تأليف الحروف المعجمة، إذ كانت بالقلوب أعْبَق(14)، وفي الأسماع أنفذ، وكان علم العامة بها كعلم الخاصة، وطالبها من هذه الجهة بعيداً من الحيرة، مُشْفياً(15) على المراد.."(16).‏

فابن دريد تخلى عن التصنيف بحسب مخارج الحروف، واتخذ منهجاً أسهل في رأيه، وهو التصنيف بحسب الترتيب الهجائي، ولا شك أن هذا يمثل خطوة هامة من التطور نحو التبسيط في تأليف المعجمات، ولا سيما أنه زاد من ذلك في مراعاته مبدئياً أوائل الأصول لا أواخرها، ولكن ابن دريد أبقى على مظاهر التعقيد الأخرى التي كانت في منهج الخليل إذ احتفظ بما كان عند الخليل من تقسيم ألفاظ اللغة إلى أبواب الثنائي والثلاثي والرباعي.. الخ، واحتفظ أيضاً بتقليب الأصل الواحد على وجوهه المختلفة حسب الاشتقاق الكبير، واتفق مع الخليل أيضاً بأنه لا يذكر بعد الحرف إلاّ الحرف الذي يليه حتى لا يقع تكرار في تصنيف الألفاظ.‏

وبذلك أبقى ابن دريد على أمور جوهرية هامة في منهج الخليل، ولا سيما أنه لم يقف في تقسيم الكتاب على الثنائي والثلاثي والرباعي وما فوق الرباعي فقط، وإنما جعل يقسم كلاّ منها إلى أبواب متشعبة أو متداخلة أو مضطربة أحياناً(17)، مما يشكل على غير المتمرس الاهتداء إلى موضع ضالته من كلمة يبحث عن معناها أو مبناها، وهذا يعني أن كتاب الجمهرة سار شوطاً نحو التبسيط في منهج التأليف، ولكن الأمر ما يزال بحاجة إلى جهود أخرى من علماء اللغة بحثاً عن طور آخر يزيل شيئاً من معالم التعقيد في المناهج السابقة.‏

2-مجمل اللغة، ومقاييس اللغة، لابن فارس (395هـ):‏

وكان لابن فارس أن يضيف تطويراً آخر يجعل منهج التصنيف أكثر سهولة ويسراً في معجميه المجمل والمقاييس، والمجمل كتاب مختصر، أما المقاييس فأكثر اتساعاً، وابن فارس صنف الكتابين على أسس واحدة(18)، وكانت غايته منهما هي تبسيط المنهج الذي سار عليه من تقدمه في هذا المضمار، ولهذا نراه يخاطب قارئه في مقدمة المجمل فيقول: "فإنك لما أعلمتني رغبتك في الأدب، ومحبتك لعرفان كلام العرب، وأنك شامَمْتَ الأصول الكبار، فراعك ما أبصْرتَهَ من بُعْد تناولها، وكثرة أبوابها وتشعب سبلها، وخشيتَ أن يلْفِتَكَ ذلك عن مرادك، وسألتني جَمْعَ كتاب يُذلِّل لك صعبه، ويسهل عليك وعره، أنشأتُ كتابي هذا.."(19).‏

وواضح أن ابن فارس يأخذ على من تقدّمه صعوبة طرائقهم وكثرة الأبواب وتشعبها، ولهذا أراد في كتابيه أن يتجه إلى منهج يمتاز بضم ما كان يتفرق في أبواب كثيرة متشعبة، وتصنيف أصول الألفاظ على نحو أيسر ترتيباً، وأسهل متناولاً.‏

ولهذا تخلى عن تقليب الكلمة بحسب الاشتقاق الكبير، فأزال التعقيد الذي كنا نراه في كتاب العين أو في كتاب الجمهرة، واقتصر على ترتيب الألفاظ بحسب أوائل أصولها، وبذلك أصبحنا نجد (ضرب) في باب الضاد، و(رمز) في باب الراء، في حين كنا في كتاب الجمهرة نبحث عن الأولى في (برض)، وعن الثانية في (رزم).‏

ولم يصنف اللغة على أبواب الثنائي والثلاثي والرباعي، كما فعل الخليل وسايره على ذلك ابن دريد، لأنه لاحظ أن هذه الطريقة تؤدي إلى التعقيد وتشتيت الأصول المتقاربة، إذ تصبح أمثال (أ بَّ، أتَّ..) في باب، و(أسَن، أسف..) في باب آخر، ولهذا قسم ابن فارس أصول اللغة على عدد حروف المعجم، وأفرد لكل حرف باباً(20) خاصاً، فالكلمات التي تبدأ أصولها بالهمزة يصنفها في باب الهمزة، والتي تبدأ أصولها بالباء يذكرها في باب الباء، وهكذا..‏

وكل باب يجعله في ثلاثة أقسام متتالية، فيذكر أوّلاً المضعّف مثل (أبّ، أتَّ)، ثم ينتقل إلى الثلاثي فيقول مثلاً: "الهمزة والباء وما يثلثهما" و"الألف والتاء وما يثلثهما" و"الألف والثاء وما يثلثهما"(21).. الخ، ثم يورد بعد الثلاثي ما جاء من كلام العرب على أكثر من ثلاثة أحرف. وبذلك نجد في الباب الواحد كلّ الألفاظ التي تبدأ بحرف واحد، إذ نجد في باب الباء من المجمل مثلاً "بَتَّ، بَثَّ.. بَتَر، بَتَع.. بلعوم، برشاع.."، وكنا في الجمهرة نجد هذه الألفاظ موزعة على أبواب متفرقة متباعدة.‏

على أن هذا المنهج الذي أراد التسهيل وحقق ما أراد، لم ينج من بعض رواسب المناهج السابقة، إذ بقي ابن فارس لا يذكر بعد الحرف إلاّ الحرف الذي يليه في الترتيب الهجائي، فإذا انتهى إلى آخر الحروف عاد إلى ما أسقطه من الأصول، ومثال ذلك ما أورده في باب "الباء والقاف وما يثلثهما" في المجمل، فهو يبدأ بـ "بقل، بقم، بقي"، وذلك لأن اللام تأتي مباشرة بعد القاف، وبعد أن انتهى إلى "بقي" عاد فذكر الأصول التي تقع حروفها قبل اللام فذكر "بقر، بقع"(22) لأن الراء والعين قبل اللام في الترتيب الهجائي.‏

ووقع منهج ابن فارس في خلل آخر، إذ كان يُنْهي كلَّ باب بالألفاظ التي تقع في كلام العرب على أكثر من ثلاثة أحرف، ولم يرتب هذه الألفاظ على نسق معين، وإنما كانت تُرْصَف دون أي ترتيب، وربما كانت قلتها هي التي صرفت ابن فارس عن مراعاة ترتيبها على نسق ما تقدمها في المضعف والثلاثي، ومع ذلك فهي سمة تعوق التيسير الذي أراده ولو كانت إعاقة يسيرة.‏

وبذلك ندرك أن ابن فارس قد سار فعلاً بتطوير منهج المعجمات إلى طور هام من التبسيط، ولكنه مع ذلك بقيت لديه رواسب طفيفة كانت تحتاج إلى من يحاول التخلص منها في معجمات أخرى، ليكون المنهج خِلْواً من كل تعقيد.‏

3-أساس البلاغة للزمخشري(538هـ):‏

وكان ذلك على يد الزمخشري في كتابه أساس البلاغة، إذ أشار في مقدمته إلى ما قصده من تبسيط، فقال: "وقد رُتِّب الكتاب على أشهر ترتيب مُتداوَلاً، وأسهله مُتناوَلاً، يهجم فيه الطالب على طلبته موضوعة على طرف الثُّمام وحبل الذراع(23)، من غير أن يحتاج في التنقير عنها إلى الإيجاف والإيضاع،(24) وإلى النظر فيما لا يوصل إليه إلاّ بإعمال الفكر إليه، وفيما دَقَّق النظر فيه الخليل وسيبويه"(25).‏

فالزمخشري ينتقد مناهج بعض الكتب التي تقدمته، لأنها تُحوِج إلى إعمال الفكر للتنقير عن كلمة تُطْلَب في هذا الكتاب أو ذاك، ولهذا يأخذ بالترتيب الأشهر متداولاً، والأسهل متناولاً، وهو ترتيب ابن فارس في كتابيه السابقين، وهو يقوم على ترتيب الأصول بحسب أوائلها مع مراعاة الترتيب الهجائي في تصنيف أبواب الكتاب.‏

إلاّ أن الزمخشري تخلّى عن أمرين من منهج ابن فارس، إذ لم يقسم الفصل الواحد إلى ثنائي وثلاثي وما فوق الثلاثي، وإنما ذكر الألفاظ بترتيب أوائل الأصول مع مراعاة الترتيب نفسه في بقية حروف كل أصل، دون النظر إلى أنها ثنائية أو ثلاثية أو غير ذلك. ولم يلتزم بذكر الحرف ثم الحرف الذي يليه كما فعل ابن فارس، وإنما صنف الأبواب حسب الترتيب الهجائي بادئاً بأول الحروف في كل باب ومنتهياً بآخرها.‏

وبذلك تحرَّر نهائياً من رواسب الجمهرة التي بقيت عند ابن فارس في كتابيه المجمل والمقاييس، وأصبحت طريقة الزمخشري في الأساس أسهل طريقة وأبسطها في تصنيف المعجمات، بل إن طريقته هي الطريقة المتبعة اليوم في تصنيف المعجمات العربية الحديثة.‏

ولكن أساس البلاغة له خصائص يتفرد بها، لأن صاحبه قد أشار في مقدمته إلى أنه قد بناه على أسس بلاغية حتى يتعرف الناظر فيه المُتداوَلَ من ألفاظ العرب، والمستجادَ عندهم، مما يعينه على إدراك ما هو أَوْقَفُ على وجوه الإعجاز، وأعرَفُ بأسراره ولطائفه، ولهذا تفرد الأساس بخصائص هامة، أبرزها أنه لا يشرح الكلمة إلاّ نادراً، وبدلاً من ذلك يدخلها في جملة أو عبارة، أو مَثَل أو شعر يُفْهَم معناها من سياق استعمالها، وهي طريقة فيها إبداع، لأنها لا تشرح الكلمة مُجرّدةً عن الاستعمال، وإنما تشرحها ضمن استعمالها في كلام العرب، ولهذا استكثر الزمخشري في كتابه من العبارات البليغة، والأقوال الفصيحة، التي "تَمْلُح وتَحْسُن ولا تنقبض عنها الألسن" كما قال في المقدمة، وتخير من جيد الشعر ما يُعين على بيان دلالة الألفاظ واستعمالها.‏

وإضافة إلى هذا جعل يميز الحقيقة من المجاز، إذ يذكر المعاني الحقيقية التي وُضِعَتْ لها الألفاظ، ثم يذكر المعاني المجازية لها، إن وَجَد للكلمة استعمالاً مجازياً، ولا شك أن هذه مزية هامة في دراسة تطور الدلالة لألفاظ اللغة.‏

ولكن اهتمام الزمخشري بالجوانب البلاغية، جعله يتخلّى عن ألفاظ كثيرة، لأنها لا تحقق الغرض الذي أراده لكتابه. ومع هذه الخصائص التي تفرد بها "الأساس"، فقد أعطى الزمخشري المنهج الأسهل والأبسط، وهذا ما جعله يؤثر فيمن جاء بعده، إذ أغفلوا تلك الخصائص البلاغية وأخذوا بمنهجه في تصنيف اللغة، ومن أبرزهم الفيومي (770هـ) في كتابه "المصباح المنير".‏

ج- المعجمات التي صنفت أصول الألفاظ بحسب الترتيب الهجائي‏

وراعت أواخر الأصول:‏

ومهما رأينا من تطوير لدى الزمخشري (538هـ) في الأساس، فثمة من سبقه إلى ما رأيناه لديه من تيسير في التصنيف، وإبعاد له تماماً عن مناهج الخليل وابن دريد، إلاّ أنه صَنَّف أصول اللغة بحسب أواخرها، وهذا ما فعله الجوهري (393هـ) في "الصحاح"، وربما كان الزمخشري قد تأثر به حين تخلى عن بعض الرواسب التي وجدناها في منهج ابن فارس. وبذلك يكون الجوهري إماماً لمرحلة ثالثة تخلّت عن منهج الخليل وابن دريد وما فيه من تعقيد، وسهّلت منهج التصنيف ولكنها أخذت بأواخر الأصول، وهو أمر لا يختلف كثيراً عن الأخذ بأوائلها.‏

والمعجمات التي صُنّفت في هذه المرحلة، ونَحَت في تصنيفها هذا النحو، قد اتبعت كلها منهج الجوهري في الصحاح، وإذا كان من اختلاف بينها فذاك في مدى الشمول والاتساع، أو الإيجاز والاختصار، لا في المنهج والطريقة، وإذا وقفنا على منهج الجوهري وتعرفناه، فذلك يعني أننا وقفنا على المنهج الأساسي لها جميعاً.‏

وإذا سألنا الجوهري عن منهجه في كتابه، رأيناه يوجز ذلك في مقدمته، فيقول: "أما بَعْدُ فإني أودعت هذا الكتاب ما صَحّ عندي من هذه اللغة، التي شَرّف الله منزلتها، وجعل علم الدين والدنيا منوطاً بمعرفتها، على ترتيب لم أُسْبق إليه، وتهذيب لم أُغْلَب عليه، في ثمانية وعشرين باباً، وكل باب منها ثمانية وعشرون فصلاً، على عدد حروف المعجم وترتيبها.."(26).‏

ومن الواضح أن الجواهري يرى في منهجه منهجاً جديداً لم يُسْبَق إليه، وهذا صحيح لأنه تخلى عن طرائق من تقدمه أو عاصره من أصحاب المعجمات، إذ رَتَّب أصول اللغة بحسب أواخرها على ثمانية وعشرين باباً بعدد حروف المعجم وترتيبها، أوّلها باب الهمزة، وآخرُها باب الواو والياء. ورّتب أصول الألفاظ داخل كل باب بمراعاة أوائلها، فقسم كلّ باب إلى ثمانية وعشرين فصلاً بعدد حروف المعجم وترتيبها(27)، فالألفاظ التي تنتهي بالميم مثلاً وتبدأ بالهمزة ترد في "باب الميم فصل الهمزة"، والتي تنتهي بالميم وتبدأ بالباء ترد في "باب الميم فصل الباء"، وهكذا حتى ينتهي باب الميم بـ "باب الميم فصل الواو والياء".‏

وداخل الفصل الواحد يرتب أصول الألفاظ بمراعاة الحرف الثاني منها، فإن كانت رباعية الأصل، نظر إلى الحرف الأوّل والثاني لتعيين الأصل الثلاثي الذي سترد بعده، ثم راعى الحرف الثالث لترتيبها إن كانت هنالك عدة أصول رباعية في هذا الموضع. ومثال ذلك (دِلْقِم) وهي العجوز أو الناقة المسنة، فهي ترد في (باب الميم فصل الدال) وترد مباشرة بعد (دلم)، وكذلك (عِظْلِم)، وهو صبغ أحمر، فهي في (باب الميم فصل العين) وترد بعد (عظم).‏

وطريقة الجوهري ليست من الصعوبة في شيء كما قد يتبادر إلى الذهن، وإنما هي سهلة ولا سيما بعد الاطلاع على منهج الكتاب، وإذا وقفنا على نصوص منه، لاحظنا أنه يجمع بين شرح معاني الألفاظ والاستشهاد عليها بكلام العرب شعره ونثره، ولكن حديثه يبقى موجزاً لا نجد فيه تطويلاً واستطراداً واسعاً كالذي نجده في اللسان أو التاج.‏

ولكن الجوهري عمل على إثبات ما صَحّ لديه عن العرب، ورأيناه يشير إلى ذلك في مقدمته حين قال: "إني أودعت هذا الكتاب ما صَحَّ عندي من هذه اللغة"، وهذا ما جعله يتخلى عن كثير من ألفاظ اللغة، لأنه اشترط أن يُثْبِت الصحاحَ فحسب، وبها سمّى كتابه "تاج اللغة وصحاح العربية"، وبذلك فالأمر ليس كما صَوّر صاحب القاموس فيما بعد، حين زعم أن الجوهري قد فاته نصف اللغة "بإهمال المادة أو ترك المعاني الغريبة النادّة"(28)، فلكل منهجه وطريقته، ولو نظرنا في مادة "القاموس" لوجدنا صاحبه يتكثّر بذكر اللغات الرديئة إلى جوار اللغات الجيدة دون تمييز غالباً بين هذه وتلك.‏

فحسب الجوهري أنه رسم المنهج، ووضع كتاباً كان قُدْوَةً لكل من أسهم في صنع المعجمات التي أخذت بمنهجه، فكانت الأوسع شمولاً في جمع اللغة وما يتصل بها من روايات أو أخبار أو أيام أو تراجم أو نحو أو صرف أو ما أشبه ذلك.‏

وأبرز هذه المعجمات "لسان العرب" لابن منظور(711هـ)، و"القاموس المحيط" لمجد الدين الفيروز أبادي (817هـ)، و"تاج العروس من جواهر القاموس" للمرتضى الزبيدي (1170هـ). فهذه المعجمات أخذت بمنهج "الصحاح" ثم امتازت بالشمول ضمن خصائص يتفرد بها كلّ منها. ونظرة إلى اللسان مثلاً تجعلنا نجد أنفسنا أمام صحاح الجوهري منهجاً وترتيباً، ثم نجد في مضمونه غزارة تجعل منه "موسوعة" شاملة، إذ يورد الأصول اللغوية، وكل ما لها من فروع، فيعرض اللهجات المختلفة، ويستشهد بالشعر وكلام العرب، وقد يروي نظائر بعض الشواهد، وقد يستطرد إلى الحديث عن أصحاب الشواهد أو مناسبة بعضها، وإذا به يذكر شيئاً عن أيام العرب أو عاداتهم أو أخبارهم أو الحوادث التي ارتبطت بهذا أو ذاك، وربما وقف على أوجه الخلاف حول صيغ بعض الألفاظ ولا سيما في بعض الشواهد، أو إعراب ما أشكل فيها، وبذلك يتحول اللسان إلى مصدر هام للدراسات في اللغة والأدب والأيام والأخبار والأنساب والأعلام وما إلى ذلك، وبالإضافة إلى هذا كله فهو يوثّق مادته، ويحدد مصادر روايته، ويميز كلامه من كلام مَنْ ينقل عنه.‏

وبهذا يكون الجوهري في الصحاح "قد أعطى منهجاً دقيقاً لتصنيف المعجمات التي أخذت بأواخر الأصول، كما قَدّم الزمخشري في "الأساس" المنهج الدقيق أيضاً للمعجمات التي أخذت بأوائل الأصول، وكلا المنهجين يلتقي الآخر في تسهيل المنهج، وقرب المتناول، ولم يصل علماؤنا إلى هذا المنهج المُيَسَّر إلاّ بعد مراحل طويلة من التطور والارتقاء بمناهج التصنيف.‏

وهذا يعني أن العرب لم يتأثروا في وضع معجماتهم بمؤثرات أجنبية، سواء على يد الخليل، أو على يد من جاء بعده(29)، ذلك لأن الإغريق قد تقدّموا على العرب في وضع المعجمات، وألف علماؤهم عدداً منها قبل أن يطل الإسلام على آفاق الجزيرة، وكانت هذه المعجمات سهلة الترتيب، تأخذ بتصنيف الألفاظ على حروف المعجم، ونذكر منها معجم بامفيليوس pamphilius ومعجم هيلاديوس Helladius ومعجم هيزيشيوس Hesychius وكلهم من علماء الاسكندرية.‏

ووجود هذه المعجمات عند الإغريق، قد يثير الشك بتأثر العرب بها، ولكن ثمة أدلة تنفي ذلك عند التحقيق، فالخليل لا يستطيع الاطلاع على معجمات الإغريق، لأنه يجهل اليونانية، وحركة الترجمة لم تنشط إلاّ في عصر الرشيد، والرشيد بويع له بالخلافة سنة (170هـ)، وهي السنة التي يُرَجَّح أن يكون الخليل قد توفي فيها، ولو أن الخليل اطلع على منهج هذه المعجمات وما فيه من سهولة ويسر، لما رسم منهج كتاب العين على ما رأيناه فيه من تعقيد.‏

ثم إن الترجمة حين نَشطت أيام الرشيد وبعده لم تكن تُعْنَى بترجمة كتب الإغريق في الأدب واللغة، لأنهم لم يتذوقوا أدب الإغريق ليترجموه(30) وإنما اجتذبهم فكر الإغريق، فشُغِلوا بترجمة ما لديهم من طب وفلسفة، وهذا يعني أن علماء العربية ما كان لهم أن يطلعوا على معجمات الإغريق بعد الخليل، ولو أن أحدهم اطلع عليها لما ادعى أن الخليل في صنع كتابه "العين" كان له السّبْق منذ خلَق الله الدنيا، إذ نجد حمزة بن الحسن الأصفهاني (360هـ) يقول: "صنع صاحب كتاب العين ما لم يصنعه أحد منذ خلق الله الدنيا.. من تأسيسه بناء كتاب العين الذي يحصر لغة أمة من الأمم قاطبة"(31).‏

ومما يؤيد ذلك أن المعجمات العربية لم تبلغ حَدّ الكمال تصنيفاً وترتيباً إلاّ بعد مراحل طويلة من التدرج والانتقال من طور إلى طور، ولو أنهم اطلعوا على معجمات الإغريق، لاستطاعوا أن يبدأوا بالطريقة السهلة الواضحة، التي تقرب من فهم الخاص والعام، ولم يمرّوا بتلك المراحل المتعددة قبل أن يصلوا إليها، ولم يتجشموا عناء البحث عن طريقة أفضل كلما ظهرت طريقة جديدة بين أيديهم. وبذلك تكون المعجمات العربية على اختلاف أنماطها من إبداع الفكر العربي، ونتيجة لجهود علمائنا منذ القرن الثاني الهجري.‏

ثبت المصادر والمراجع‏

-أخبار النحويين البصريين: للسيرافي أبي سعيد الحسن بن عبد الله (368هـ): بيروت 1936.‏

-أساس البلاغة: للزمخشري محمود بن عمر (538هـ): دار الكتب المصرية 1341هـ /1923م.‏

-الأضداد: للأصمعي عبد الملك بن قريب (216هـ) طبعها هفنر في كتاب واحد: بيروت 1912.‏

-الأضداد: لابن السكيت يعقوب بن اسحق (244هـ) طبعها هفز في كتاب واحد: بيروت 1912.‏

-الأضداد: لأبي حاتم السجستاني سهل بن محمد (248هـ) طبعها هفز في كتاب واحد: بيروت 1912.‏

-بغية الوعاة: للسيوطي عبد الرحمن بن أبي بكر (911هـ): مصر 1326هـ‏

-البلغة في شذور اللغة: الأب لويس شيخو وأغست هفنر: بيروت 1908‏

-تاج العروس من جواهر القاموس للمرتضى الزبيدي محمد بن محمد (1205هـ): مصر 1306هـ‏

-تاريخ آداب اللغة العربية: لجرجي زيدان (1914م): مصر 1911‏

-جمهرة اللغة: لابن دريد محمد بن الحسن (321هـ): حيدر آباد 1344هـ‏

-حركة التأليف عند العرب: للدكتور أمجد الطرابلسي: دمشق 1376هـ /1956م.‏

-الخصائص: لأبي الفتح عثمان بن جني (392هـ): دار الكتب 1371هـ /1952م.‏

-دراسات في فقه اللغة: للدكتور صبحي الصالح: دمشق 1379هـ /1960م.‏

-الصحاح: للجوهري اسماعيل بن حماد (393هـ): مصر 1376هـ /1956م.‏

-ضحى الإسلام: لأحمد أمين: القاهرة -الطبعة السادسة.‏

-فعلت وأفعلت: للزجاج أبي اسحق إبراهيم بن محمد (310هـ): القاهرة 1368هـ /1919م‏

-فقه اللغة: للدكتور علي عبد الواحد وافي / القاهرة 1375هـ/1956م.‏

-الفهرست: لابن النديم محمد بن اسحق (385هـ): المكتبة التجارية- دون تاريخ‏

-فوات الوفيات: للكتبي محمد بن شاكر (764هـ) بولاق 1283هـ‏

-في أصول النحو: للأستاذ سعيد الأفغاني: دمشق 1376هـ /1957م‏

-القاموس المحيط للفيروز أبادي محمد بن يعقوب (816هـ): المكتبة التجارية بمصر- الطبعة الخامسة‏

-كتاب العين: المنسوب للخليل بن أحمد الفراهيدي (170هـ): انتشارات أسوة- 1414هـ‏

-لسان العرب: لابن منظور محمد بن المكرم (711هـ) بيروت 1374هـ /1955م‏

-مثلثات قطرب أبي علي محمد بن المستنير (206هـ): ألمانيا 1857م‏

-مجلة مجمع اللغة العربية: دمشق -المجلد (16) -سنة 1941م‏

-مجمل اللغة لأحمد بن فارس (395هـ): مصر 1371هـ /1913م‏

-المخصص: لابن سيده علي بن الحسين (458هـ): بولاق 1316هـ‏

-مراتب النحويين: لعبد الواحد بن علي اللغوي (351هـ): مصر 1375هـ/ 1955م‏

-المزهر: للسيوطي جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (911هـ): دار إحياء الكتب العربية ط1 -دون تاريخ‏

-المصادر الأدبية واللغوية: للدكتور عبد الحفيظ السطلي: جامعة دمشق -(أملية) 1961‏

-مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية: للدكتور ناصر الدين الأسد: دار المعارف بمصر 1956م.‏

-المطر: لأبي زيد الأنصاري سعيد بن أوس (215هـ): بيروت 1905م‏

-معجم الأدباء (إرشاد الأريب): لأبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي (626هـ): مصر بعناية مرغليوث- دون تاريخ‏

-مقاييس اللغة: لأبي الحسين أحمد بن فارس (395هـ) مصر 1366هـ‏

-المقصور والممدود / لأبي العباس أحمد بن محمد بن ولاّد (332هـ): مصر 1321هـ /1908م‏

-النبات والشجر: للأصمعي أبي سعيد عبد الملك بن قريب (216هـ): بيروت 1908م‏

-النخل والكرم: للأصمعي أبي سعيد عبد الملك بن قريب (216هـ): بيروت 1908م‏

-نزهة الألبا في طبقات الأدبا: للأنباري عبد الرحمن بن محمد (577هـ): مصر 1294هـ‏

-النقد الأدبي: لأحمد أمين: القاهرة 1376هـ /1957م‏

-النوادر في اللغة: لأبي زيد الأنصاري سعيد بن أوس (215هـ): بيروت 1894هـ‏

-الهمز: لأبي زيد الأنصاري سعيد بن أوس (215هـ): بيروت 1905م‏

-وفيات الأعيان: لابن خلكان أحمد بن محمد (681هـ): دار المأمون 1355هـ/ 1937م.‏

(1) أوجزت القول في هذا الحديث، وثمة تفصيل له في كتابي "المصادر الأدبية واللغوية" الذي طُبِع أمليةً لطلاب السنة الأولى من قسم اللغة العربية في جامعة دمشق سنة 1961، وفي هذا الكتاب أوردت تفصيلاً من القول حول المجتمعات وأصحابها وخصائصها، وأوردت نصوصاً كثيرة منها للموازنة بينها، أو لإيضاح مناهجها وأطوار التأليف فيها.‏

(2) ارجع لتفصيل ذلك إلى كتاب: في أصول النحو للأستاذ سعيد الأفغاني 152-163 وانظر فيه بحث الاحتجاج 6-66‏

(3) ثمة أسباب أخرى لجمع الشعر الجاهلي، انظر مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية 107-183، ولا سيما ص150 وما بعدها‏

(4) انظر مثلاً مراتب النحويين 74، وأخبار النحويين البصريين، 66-67، والفهرست 47‏

(5) قَلّ الاستشهاد بالحديث عند النحاة الأوائل، ولكنهم لم يمتنعوا عن ذلك امتناعاً كما حاول أن يصور ذلك بعض النحاة المتأخرين. أما أهل اللغة فكان الحديث من مصادرهم الهامة.‏

(6) ومن العلماء من عمل على التأليف في غريب الحديث، ومنهم قطرب (206هـ)، وأبو عبيد القاسم بن سلام (224هـ)، ولكل منهما كتاب في "غريب الحديث".‏

(7) لأن أحداً ممن أورد مصنفات ابن قتيبة من القدماء لم يذكر فيها هذا الكتاب، في حين نجد معظم ما في الكتاب قد نقله اللسان والمخصص، وهما ينسبان ذلك إلى أبي عبيد القاسم بن سلام، والله أعلم.‏

(8) كتاب الأضداد 61 (مجموعة هفنر).‏

(9) ثمة خلاف بين القدماء، حول نسبة كتاب العين إلى الخليل، فمنهم من أنكر أن يكون الكتاب من عمل الخليل أو مروياً عنه، ومنهم من ردّ على ذلك وأثبت نسبة الكتاب إلى الخليل نفسه، ومنهم من رأى أن الخليل وضع منهج الكتاب وشرع فيه ثم هلك دونه، فأتمه تلميذه الليث ابن المظفر. انظر مقدمة ابن دريد لكتابه الجمهرة 3، والخصائص 3/288، ونزهة الألبا 55، ووفيات الأعيان 1/170، والمزهر 1/39 -40 وتاريخ آداب اللغة العربية لزيدان 2/122-124، وضحى الإسلام 2/266-269 وكتاب العين طبع سنة 1414هـ، ولكنهم غيَّروا منهج تصنيفه تسهيلاً للعودة إليه، ولو حافظوا على منهجه وجعلوا له فهرساً لغوياً كما صُنِع في طبعة جمهرة اللغة، لكان ذلك أكثر محافظة على الكتاب تراثياً.‏

(10) الفهرست 43، ومعجم الأدباء 6/227.‏

(11) يريد بالثنائي: الثلاثي المُضَعَّف مثل جَدّ وعَقّ وما إليه، وتسميته بالثنائي يشير ضمنياً إلى ما يراه من تطور حدث في العربية من الطور الثنائي إلى الطور الثلاثي، وهذا ما نلمحه أيضاً فيما بعد عند ابن فارس في المجمل والمقاييس من وجه آخر.‏

انظر التخصيص2/133-139، وأصول النحو 127/ وفقه اللغة للدكتور علي عبد الواحد وافي 174، ودراسات في فقه اللغة للدكتور صبحي الصالح204.‏

(12) انظر ما قاله ابن ولاّد (332هـ) في كتابه المقصور والممدود 3- وانظر المزهر 1/46.‏

(13) مقدمة الجمهرة 1/3.‏

(14) عَبِقَ به عَبَقاً: لزمه، وريحٌ عَبِقٌ: لاصق، ورجلٌ عَبِقٌ: إذا تطَيّب وتعلّق به الطيب فلا يذهب عنه ريحه أياماً‏

(15) أَشْفَى على الشيء: أَشْرَف عليه.‏

(16) مقدمة الجمرة 1/3‏

(17) ولهذا أخذ عليه ابن جني "اضطراب التصنيف وسوء التصريف"، انظر الجمهرة 3/388.‏

(18) فالحديث عن منهج أحدهما يغني عن الحديث عن منهج الآخر‏

(19) مقدمة مجمل اللغة 2‏

(20) يسميه ابن فارس باسم الكتاب، فيقول "كتاب الراء" و"كتاب اللام" و"كتاب النون".‏

(21) ربما وجدنا التفاتاً ضمنياً من ابن فارس إلى أصل اللغة الثنائي قبل أن تصل إلى مرحلة الأصل الثلاثي حين يكرر مثل عبارته "الهمزة والباء وما يثلثهما"، فيذكر دائماً الحرفين الأولين من الثلاثي وكأنهما أصل لمعنى عام، ثم يورد الحرف الثالث وكأنه يَنْتج عنه معنى خاص ضمن التطور اللغوي.‏

(22) انظر مجمل اللغة 1/78-80‏

(23) تقول العرب للشيء الذي لا يعسر تناوله: هو على طرف الثُّمام، والثُّمام: نبت في البادية لا يطول فيشقُّ تناوُلُه. ويقولون: هو لك على حبل الذراع، أي مُعَدٌّ حاضر، والحَبْل: عِرْقٌ في الذراع.‏

(24) الإيجاف: سرعة السير. والوَضْع والإيضاع: أهون سير الإبل، يقال: وضَع البعيرُ، إذا عَدا. وأوْضَعْتُه، إذا حَمَلْتَه عليه.‏

(25) مقدمة أساس البلاغة: ص(د).‏

(26) الصحاح 1/33‏

(27) قد تنقص فصول بعض الأبواب عن هذا العدد، وذلك حين لا تكون هنالك ألفاظ تنتهي وتبدأ بحروف معينة.‏

(28) مقدمة القاموس 3- وانظر تعليق الأستاذ نصر الهوريني على كلام المجد في شرح ديباجة القاموس 17‏

(29) انظر بحثاً قيماً للدكتور يوسف العش في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق: المجلد (16) سنة 1941 ص512-521.‏

(30) انظر النقد الأدبي لأحمد أمين 83‏

(31) وفيات الأعيان 1/173.‏
------------------
نشر هذا البحث في :
مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 77 - السنة 19 - تشرين الأول "اكتوبر" 1999 - جمادى الأخرى - رجب 1420

 
معاجم الأبنية ـــ د.مسعود بوبو طباعة إرسال إلى صديق
تقييم المستخدمين: / 4
سيئجيد 
الكاتب صوت العربية   
الجمعة, 04 يوليو 2008 15:31

-1-‏

- نشأة التفكير في البحث:‏

معروف أن الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت175هـ) هو أول من اشتغل بالصناعة المعجمية، وقد أخذ في ترتيب معجمه "العين" بمبدأ تصنيف الكلام في أبواب هي الثنائي والثلاثي: الصحيح والمعتل، ثم الرباعي فالخماسي... والخماسي ما كان على خمسة أحرف مثل سفرجل.‏

ويرى الخيل أن كلام العرب لا يتعدّى بناؤه خمسة الأحرف، يقول: "وليس للعرب بناء في الأسماء ولا في الأفعال أكثر من خمسة أحرف، فمهما وجدت زيادة على خمسة أحرف، في فعل أو اسم، فاعلم أنها زائدة على البناء وليست من أصل الكلمة، مثل (قَرَ عْبَلانة)، وإنما أصل بنائها (قرعبل)، ومثل (عنكبوت) وإنما أصل بنائها (عنكب).(1)‏

ولمزيد من الدقة في التقسيم جعل الخليل بناء الثنائي في أنواع هي: الثنائي الخفيف من الحروف مثل "مع"، والثنائي المضاعف مما أدغم حرفاه المتشابهان مثل "علّل" الذي وضعه في "علّ"، والذي لم يدغم حرفاه المتشابهان مثل "كعك" الذي وضعه في "عكّ" والرباعي المضاعف مثل "زلزل" الذي وضعه في "زل". ويبدو أن الخليل اعتمد في ذلك على رسم الكلمة في الكتابة، لا على حسبان التكرير والتضعيف. بعد هذا أثبت باب الثلاثي بنوعيه، وجعل الرباعي والخماسي في باب واحد للصحيح من أصولهما. وأما الرباعي والخماسي المعتلين فقد أخرهما إلى مختتم معجمه حيث عقد باباً للحروف المعتلة.(2)‏

وبقليل من التأمل في هذا التبويب يلحظ المرء أن "الأبنية" تستبدّ بمنهج الخليل وتسيطر على تصوّره وتخطيطه لتقسيم الكلم في أنساق وفئات. وعزّز التفكير في موضوع الأبنية عنده نظرية التقاليب التي أخذ بها معياراً لاستقصاء الصيغ المحتملة للأصول وإحصائها اعتماداً على صورها أو قراءاتها المتعددة بالتقليب. فالأصل اللغوي "لمق" مثلاً، يعطي بالتقليب التراكيب الآتية: لمق، لقم، ملق، مقل، قمل، قلم... وما له منها معنى كان الخليل يثبت أمامه معناه، وما ليس له منها معنى كان يثبت أمامه كلمة "مهمل". ووفق هذا المبدأ يكون قد أحصى أبنية العربية الفصيحة المستعملة بدلالات لغوية، وضَبَطَها. وتأسيساً على هذا التصوّر اتّسع الاهتمام بالأبنية وازداد الميل إلى البحث فيها.‏

وعند بدء الاشتغال بالنحو عرض الرواد الأوائل من النحاة لمسألة تقسيم الكلام. ولعل أول من ذكرها في وضع وتصنيف سيبويه (ت180هـ) تلميذ الخليل، قال في "الكتاب":‏

"فالكلام على ثلاثة أحرف، وأربعة أحرف، وخمسة، لا زيادة فيها ولا نقصان(3)، ثم جعلها في أبواب وحشد لها ما وسعه الجهد والتذكر من الأبنية والألفاظ.‏

وكان من المنتظر أن يتابع الخالفون من النحاة بحث الأبنية بعد سيبويه في حقول متنوّعة من النشاط اللغوي، وهذا ما كان، إذ أضافوا إليه، أو استدركوا على سيبويه ما فاته منها، كأبي عمر الجرمي (صالح بن إسحاق، ت 225هـ)، وابن السراج (أبو بكر محمد بن سهل النحوي، ت 316هـ)، وابن خالويه (الحسن بن أحمد، ت 370هـ)، وأبي بكر الزُّبيدي الأندلسي (ت379هـ)، الذي زاد على أبنية سيبويه ما يربو على ثمانين بناء.‏

-2- معاجم أبنية الأفعال:‏

ولكن التأليف في أبنية الأفعال الثلاثية والرباعية سبق هؤلاء في نماذج مبكّرة خصّ أصحابها الأفعال بكتب مستقلة. ومن أشهر هؤلاء المؤلفين:‏

- قُطْرُب (محمد بن المستنير، ت 206هـ).‏

- يحيى بن زياد الفرّاء (ت207هـ).‏

- أبو عبيدة معمر بن المثّنى (ت210هـ).‏

- أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري (ت215هـ).‏

- عبد الملك بن قريب الأصمعي (ت 216هـ).‏

- عبد اللَّه بن محمد التوَّزي (ت233هـ).‏

- يعقوب بن السِّكِّيت (ت244هـ).‏

- محمد بن الحسن الأحول (كان حيّاً عام 250هـ).‏

- سهل بن محمد السجستاني (ت255هـ).‏

- الزَّجاج (إبراهيم بن السري، ت 310، أو 311هـ).‏

- محمد بن الحسن بن دريد الأزدي (321هـ).‏

- ابن درستويه (عبد اللَّه بن جعفر، ت 347هـ).‏

- أبو علي القالي (إسماعيل بن القاسم، ت 356هـ).‏

- الآمدي (الحسن بن بشر، ت 371هـ).‏

- الجواليقي (أبو منصور موهوب بن أحمد، ت 540هـ).‏

- ابن الأنباري (عبد الرحمن بن محمد، ت 577هـ).‏

- الواسطي (القاسم بن القاسم، ت 626هـ).‏

- ابن مالك (جمال الدين محمد بن عبد اللَّه الطائي، ت 672هـ)(4).‏

وعرض لهذه الظاهرة اللغوية "الأبنية" في العربية لغويون معجميون، ونحاة وصرفيون في إطار أبحاثهم المتنوّعة، وضربوا لها الأمثلة والشواهد، وتناولوا ذلك كله بالتعليل والتحليل والمدارسة، وخصص لها بعضهم أبحاثاً، أو فِقَراً، أو فصولاً وأبواباً في تضاعيف كتبهم، من ذلك ما نقف عليه في المعاجم المقسمة إلى "كتب" أو "أبواب"، أو "أبنية".‏

ومن اللغويين من عرضوا في كتبهم اللغوية العامة لبناء الأفعال، ونخص بالذكر منهم من عنونوا لأبحاثهم بعبارة: "فَعَلَ وأَفْعَلَ" أو "فعلتُ وأفعلتُ". وممن ضمنوا كتبهم أبحاثاً في ذلك:‏

- سيبويه في "الكتاب".‏

- أبو عبيد القاسم بن سلاّم (ت224هـ) في كتابه "الغريب المصنف".‏

- يعقوب بن السكيت في كتابه "إصلاح المنطق".‏

- ابن قتيبة (عبد اللَّه بن مسلم، ت 267هـ) في كتابه: "أدب الكاتب".‏

- ثعلب (أحمد بن يحيى، ت 291هـ) في كتابه: "الفصيح".‏

- ابن دريد الأزدي في معجمه "جمهرة اللغة".‏

- ابن القوطية (محمد بن عمر، ت 367هـ) في كتابه: "الأفعال".‏

- عثمان بن جني (ت392هـ) في كتابه: "الخصائص".‏

- أحمد بن فارس الرازي (ت395هـ) في كتابه: "الصاحبي في فقه اللغة".‏

- ابن سيده (علي بن إسماعيل، ت 485هـ) في كتابه: "المخصص".‏

- ابن القطّاع (علي بن جعفر، ت 515هـ) في كتابه: "الأفعال".‏

ووقف هؤلاء وغيرهم عند الأبنية النادرة، أو التي يتعدّد ضبطها وزناً، تبعاً لتقدير حروف الزيادة والحذف والإعلال. واتّسع الاهتمام بالأبنية فشمل أبنية الأفعال والأسماء والمصادر. ولكن الخطين البارزين في هذا الفرع من البحث استقلاّ باتجاهين رئيسيين هما: أبنية الأفعال، وأبنية الأسماء والأفعال جميعاً. وأمام الحاجة المرتقبة لاستيعاب المادة العلمية المستخلصة من نتاج هذا النشاط شرع اللغويون يبحثون عن منهج لتصنيفها فلم يجدوا أفضل من المنهجية المعجمية؛ ذلك أن مدار البحث في المعاجم يقوم أصلاً على "المفردة" في تعيين جذرها اللغوي وإثباته، وفي بيان معناها، أو معانيها، وليس مدار البحث في "الأبنية" ببعيد عن ذلك. وعلى وفق هذا التصور اتجهوا بأبنية الأفعال والأسماء نحو المعجمية، ثم خرج إلى الوجود مصطلح "معاجم الأبنية"، وصار ترتيبها على حروف الهجاء، أو على مخارج الحروف منهجاً مألوفاً، وبذا يكون التطور الذي طرأ على هذا النوع من النشاط اللغوي قد أخذ بضوابط التنظيم، وفي الوقت نفسه أخذ بفكرة الاستقصاء التي تقرُب من الاستقراء التام، أو من الإحصاء. ومن الأمثلة على ذلك ما ذكر عن السرقسطي (أبو عثمان سعيد بن محمد، المنبوذ بالحمار، ت بعد 400هـ) من أنه بلغ بالأفعال التي صنّفها 2753 فعلاً مرتبة على مخارج الحروف، وذكر أن ابن القوطية في "أفعاله" قصد إلى الإيجاز فأخلّ في كثير من المواضع(5).‏

ولإعطاء فكرة إيضاحية سريعة عن مضمونات تلك الأبحاث والمصنفات المبكرة يمكن أن نقف عند أمثلة متخيّرة منها؛ فمما تكلمت به العرب على بناء "فَعَلْتُ وأفْعَلْتُ" والمعنى واحد قول الزجاج:‏

"بكر الرجل في حاجته يبكر بكوراً، وأبكر إبكاراً، قال زهير بن أبي سلمى:‏

بكرْنَ بكوراً واستحَرْنَ بسحرةٍ * * * * * فهن ووادي الرسّ كاليد في الفمِ‏

وقال ابن أبي ربيعة (عمر):‏

أمِنْ آل نُعْمٍ أنت غادٍ فَمُبْكِرُ * * * * * غداةَ غدٍ أم رائحٍ فَمُهَجِّرُ؟‏

ويقال: بشرْتُ الأديم وأبشرته، وأديم مبشور ومُبْشَر إذا قُشر. وبرد اللَّه الأرض وأبردها إذا أصابها البرد، وأرض مبرودة ومُبْردَةَ. ويقال: بتّ عليه الحكم وأبَتَّه إذا قطعه عليه، وكذلك بتَّ الحبل وأبتَّه".(6).‏

ومن ذلك قوله:‏

"تقول: ثَرِي المكان وأثرى إذا ندي بعد يبس، وكثر فيه الندى، وكذلك ثري القوم وأثروا إذا كثرت أموالهم. وثلجت السماء وأثلجت من الثلج".(7).‏

ومنه: "خلَسَ رأس الرجل فهو خليس، وأخلس رأسه فهو مُخْلِس إذا اختلط فيه البياض بالسواد... وخضعه الكبر خضعاً وأخضعه إخضاعاً. وخفق الطائر بجناحيه وأخفق إذا صفق بهما".(8).‏

ويقدم المصنفون في هذا الموضوع أمثلة على غرار البناء السابق "فعلت وأفعلت" والمعنى مختلف، نحو: "راق الشيء فلاناً إذا أعجبه وحسن في عينيه، وأراق الرجل الماء إذا صبّه.(9) وطرق الحديد إذا ضربه حتى ينبسط، وأطرق الرجل إذا أمسك عن الكلام".(10).‏

أو يقدمون أمثلة اختير فيها "أفعلتُ" دون "فعلت"، أو "فعلتُ" دون "أفعلتُ"، نحو: "أخرف القوم إذا دخلوا في الخريف، وأذعن الرجل بالطاعة إذا ألزمها نفسه".(11) ومن الثاني قولهم: "جنبت الريح، وصدرت عن الشيء، وغلت القدر، ونبذت الشيء... ولا يقال في شيء من هذا وأمثاله "أفعلتُ".‏

-3- معاجم أبنية الأسماء:‏

تأخّر التصنيف في أبنية الأسماء فجاء لاحقاً للبحث في أبنية الأفعال في الترتيب الزمني. وقد يعلل سبق التصنيف في أبنية الأفعال بالحاجة إلى استعمال الأفعال المجردة في أبواب المعاجم، ذلك أن الأفعال تمثل الأصول أو الجذور Roots التي كانت مفاتيح الإفادة من المعاجم، والمنطلق إلى تقصيّ المشتقات. وقد يعلل ذلك السبق باللجوء إلى علم الصرف واتّخاذه ميزاناً لضبط الأبنية، إذ إن الصرف يقدِّم الأصول الموثقة، أو يقدم الجوهر مخلَّصاً من شوائب الزيادات والإعلال والحذف والإبدال، وبذا يمكن فرز الأبنية، ثم الانطلاق إلى البحث عن المعاني أو الدلالات اللغوية.‏

ويشار هنا إلى أن القاضي نشوان بن سعيد الحميري الذي ألّف معجماً في الأبنية (كما سيجيء) كان قد افتتح ذلك المعجم بالحديث عن التصريف لأهميته في البحث اللغوي، ثم انتقل إلى الحديث عن مخارج الحروف، وبعدها عقد فصلاً في أبنية كلام العرب. أما أبنية الأسماء فأمرها أكثر تعقيداً هنا من أبنية الأفعال، إذ يعتور الأسماء التوزّع بين الأصل والمشتق، وبين الزيادة والتجريد اللذين تبقى حقائقهما أعز ملتمساً، وبين الأصيل والدخيل. وتبقى الأسماء أوسع من الأفعال أبنية، مما يحفز على الاشتغال بالقليل الأبنية أولاً، ومما يجدر تسجيله هنا أن البحث في أبنية الأسماء اقتصر على فصول من كتب اللغة، ولم يرق إلى الاستقلال بكتب بأعيانها، وفي هذا الصدد يقول الدكتور أحمد مختار عمر:‏

"ولم أجد أحداً من اللغويين قد أفرد أبنية الأسماء بتأليف مستقل بقصد استيعابها، ويعمد إلى تنظيمها ويجمع ما تفرّق منها، ولكنني وجدتهم قد ألّفوا في شيء خاص منها وهو "المقصور والممدود"، وممن ألف في ذلك الفراء، والأصمعي، وأبو عبيد، والزجاج، وأبو علي القالي.."(12). وإذا كان الفراء المتوفى 207 هـ قد ارتاد هذا المجال فهذا يعني أن البحث في أبنية الأسماء لم يتأخر كثيراً عن البحث في أبنية الأفعال. وإذا صرفنا النظر عن الكتب التي صنُفت في "المقصور والممدود" وتجاوزنا هذه الدائرة الضيقة وأصحابها فسنجد أن أبا عبيد القاسم بن سلام (ت224هـ) هو صاحب السبق والفضل في توسيع دائرة البحث في أبنية الأسماء، إذ أفرد لهذا الموضوع ستاً وخمسين صفحة استهل بها كتابه "الغريب المصنّف"، وعقد أبواباً لما ورد فيه مثالان أو أكثر؛ وبين الصحيح والمعتل من المثال الواحد، فجعل لكل منهما باباً، وبين الأسماء والصفات من المثال الواحد، فأفرد لكل باباً...(13).‏

كما يعزى إلى يعقوب بن السكيت (ت 244هـ) مثل هذا الاهتمام في كتابه "إصلاح المنطق" إذ خصص لأبنية الأسماء القسط الأكبر من الجزء الأول من الكتاب وبعض أبواب الجزء الثاني.(14) وتابع ابن قتيبة (ت 276هـ) سلفيه فأفرد، في القسم الثاني من كتابه "أدب الكاتب" بعض الأبحاث لأبنية الأسماء، كما تابع الاهتمام بهذا الضرب من البحث اللغوي كل من أبي الحسن الهنائي المعروف بُكراع (كان حياً سنة 307هـ) الذي "أفرد باباً من كتابه المنتخب والمجرد للغات استهلّه بأمثلة الأسماء التي تشغل قريباً من عشرين صفحة".(15). وكذلك فعل ابن دريد الأزدي في "جمهرة اللغة"، وابن سيده الأندلسي في "المخصص".‏

أما الكتب التي وضعت في أبنية الأسماء واستقلّت بها فأشهرها "المقصور والممدود" للفراء (ت207هـ)، و"المذكر والمؤنث" لابن الأنباري (ت 328هـ)، وكتاب ما جاء من المبني على فَعَال لعلي بن عيسى الربعي (ت420هـ)، وكتاب "أبنية الأسماء" لابن القطّاع (ت515هـ)، وكتاب "ما بَنَتْه العرب على فَعَالِ"، وكتاب "يفعول" للصغاني (أو الصاغاني المتوفى سنة 650هـ).‏

وألّفوا فصولاً أو أبحاثاً في أبنية المصادر بدءاً من الكسائي (ت 183هـ) فالنضر بن شميل (ت 203هـ)، فالفراء، وخص كتابه المصادر بمصادر القرآن، فأبي عبيدة، فالأصمعي، فأبي زيد الأنصاري، فنفطويه (ت 323هـ).(16).‏

وفي غير ما إطالة يمكن القول إن هؤلاء اللغويين سلكوا، كنظرائهم من أصحاب المعاجم، مسالك متنوّعة في تبويب أبحاثهم، سواء أكانت فِقراً أو أقساماً ضمن كتاب، أم كانت معقودة على كتب مستقلة برؤوسها لهذا الغرض. ومع ما انطوت عليه مباحثهم من تباين في المنهج تبقى القضية واحدة، ويبقى منطلقها خدمة العربية واستيفاء أسرارها وبسطها ولمِّ شواردها للمتعلمين.‏

ولعل أشهر وأشمل ما صنف في هذا الموضوع معجم "ديوان الأدب" لأبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الفارابي المتوفى سنة 350هـ.(17) ومن أبرز ما ذكره الفارابي في المقدمة المطولة لمعجمه هذا قوله:‏

"وقد أنشأت بتوفيق اللَّه تعالى، وبه الحول والقوة في ذلك... كتاباً عملت فيه عمل من طبَّ لمن حبَّ (كصنعة الطبيب الحاذق لمن يحبه)، مشتملاً على تأليف لم أسبق إليه، وسابقاً بتصنيف لم أزاحم عليه، وأودعته ما استعمل من هذه اللغة، وذكره النحارير من علماء أهل الأدب في كتبهم، مما وافق الأمثلة التي مثّـلْتُ، والأبنية التي أوردت، مما جرى في قرآن، أو أتى في سنّة، أو حديث، أو شعر، أو رجز، أو حكمة، أو سجع، أو مثل، أو نادرة".(18).‏

ورتّب الفارابي المادة اللغوية على النحو الآتي:‏

أولاً: قسم كتابه إلى ستة أقسام سماها كتباً، وهي على الترتيب الآتي:‏

آ- كتاب السالم. ب- كتاب المضاعف. ج- كتاب المثال. د- كتاب ذوات الثلاثة. هـ- كتاب ذوات الأربعة. و- كتاب المهموز.‏

ثانياً: جعل كل كتاب من هذه الكتب شطرين: أسماء وأفعالاً، وقدّم الأسماء في كل كتاب على الأفعال.‏

ثالثاً: قسم كل شطر منهما إلى أبواب بحسب التجرّد والزيادة...‏

ويحسن توضيح ما قصد إليه الفارابي بستة الأقسام بغية تقريب منهجه من القارئ، أو تسليط مزيد من الضوء على مصطلحات الفارابي؛ فالمراد بالسالم عنده: "ما سلم من حروف المد واللين والتضعيف"، والمضاعف: "ما كانت العين منه واللام من جنس واحد" يعني مثل: حبب، مدَّ، هزَّ. والمثال: "ما كانت في أوله واو أو ياء" يعني مثل: وعد، ينع. وكتاب "ذوات الثلاثة" عرفه بقوله: "ما كانت العين منه حرفاً من حروف المد واللين" وهو "الأجوف". وهذه التسمية "ذوات الثلاثة" مأخوذة من رد الفعل الأجوف إلى نفسك، أي تصريفه بصيغة المتكلم، نحو: قمت، بعت، نمت. أما كتاب ذوات الأربعة فهو عنده: "ما كانت اللام منه حرفاً من حروف المد واللين"، وهو "الناقص"، نحو: حكى، سعى، دنا.. فعند تصريف هذه الأفعال ونظائرها بصيغة المتكلم يصير بناؤها أربعة أحرف، إذ تقول: حكيت، سعيت، دنوت.‏

وذكر السرّ في إفراد المهموز بكتاب بقوله: "والهمزة كالحرف السالم في الحركات، وإنما جعلت في حروف الاعتلال لأنها تلين فتلحق بها".(19)‏

وراعى الفارابي في ترتيب أبواب معجمه المظاهر الصرفية من تجريد وزيادة وتثقيل وحشو وإلحاق، في الثلاثي والرباعي والخماسي وما ألحق به، كما راعى في ترتيب الأفعال المثال والأجوف والناقص والمهموز والمضاعف، وأخذ بمنهج مراعاة الترتيب الهجائي وفق باب الحرف الأخير؛ أي ما يعرف اليوم بنظام باب الحرف الأخير فصل الحرف الأول، على غرار ما صنع اليمان بن أبي اليمان البندنيجي المتوفى سنة 284هـ في معجمه "التقفية في اللغة" الذي رتّبه البندنيجي وفق باب الحرف الأخير أو القافية كما نُقل عنه.(20) ولم يكن معجم الفارابي "أول معجم سلك هذا النظام الذي أخذ به الجوهري" كما قرر الدكتور أحمد مختار عمر في مقدمة التحقيق.(21).‏

وأخذ بنظام الباب الأخير بعد الفارابي: القاضي نشوان بن سعيد الحميري (من علماء القرن السادس الهجري)، وابن منظور، والفيروزابادي وغيرهم.‏

وإذا كنا قد وقفنا قليلاً عند المعجم "ديوان الأدب" فلأنه: "أول معجم عربي جامع اتبع نظام الأبنية في ترتيب الألفاظ ولم يأخذ التأليف في الأبنية قبل الفارابي صورة المعجم الكامل الذي يتجه إلى حصر المادة اللغوية، وتوزيعها على الأبنية في نظام معين، وإنما اتجه بعض اللغويين إلى حصر الأبنية والتمثيل لها، واتجه بعض آخر إلى العناية ببعض الأبنية، ومحاولة حصر ألفاظها، أي أن عملهم كان فاقداً لأهم عنصرين من عناصر المعجم الكامل وهما: الشمول والترتيب".(22)‏

وما دام معجم "ديوان الأدب" قد اتصف بالشمول والترتيب، واحتل مرتبة الصدارة بين معاجم الأبنية، فمن المتوقّع أن يكون له أثر واضح في المعاجم التي جاءت بعده، منهجاً ومضموناً. ويمكن رصد حصيلة هذا التأثر في ثلاثة اتجاهات هي بإيجاز:‏

1- ما صنّف حول المعجم نفسه، أو ما بني عليه، أو اختصره، أو زاد في أبوابه.‏

2- الاستفادة به في جمع المادة اللغوية، وقد شمل ذلك معظم ما جاء بعده من مؤلفات لغوية. ويبدو معجم "الصحاح" للجوهري أكثر كتب اللغة تأثراً بديوان الأدب، في المادة اللغوية على وجه الخصوص.‏

3- التأثر بمنهجه تأثراً منوّعاً وموزعاً بين التطابق وبين التعديل. أو بين جمع أبنية الأسماء والأفعال معاً، أو الاقتصار على أبنية الأفعال ومصادرها فقط، وأشهر معاجم النوعين.‏

آ- شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكُلُوم للقاضي نشوان بن سعيد الحميري(23) الذي تأثر بالفارابي في المنهج، وإن أدخل عليه (على المنهج) بعض تعديلات يسيرة لا يظهر فيها عنصر الابتكار، كما أن المادة اللغوية الخاصة مشتركة بين المعجمين،(24) أو متشابهة، وإن كان القاضي الحميري قد حشد في معجمه معارف متنوّعة من الأخبار والأقوال، في الأشجار والأحجار والكواكب وعلوم القرآن والقراءات والتفسير والأنساب، وما شابه ذلك(25) من الاستطرادات التي لا تستدعيها طبيعة المادة اللغوية المنتظر وجودها في معاجم الأبنية.‏

ب- وتأثر بالفارابي محمود بن الحسين الكاشْغَرِي المتوفى عام 466 هـ في معجمه "ديوان لغات الترك". والزوزني (أبو عبد اللَّه الحسين بن أحمد بن علي المقري البيهقي)، المعروف باسم "بو جعفرك" والمتوفى عام 544هـ في معجمه "تاج المصادر". وهذه المعاجم الثلاثة صنفت لخدمة اللغتين التركية والفارسية بمنهج ومادة عربيين فكرةً وأسلوباً.‏

-4- معاجم أبنية أخرى:‏

وثمة مؤلفات تُسلك في هذا اللون من البحث اللغوي، وتبدو موزّعة بين المعجمية وكتب الأبنية، فمن خصائص المعجمية نجد فيها الترتيب الهجائي بمراعاة أواخر الأصول أو أوائلها، مثلما نجد فيها محاولة الإحصار أو الاستيفاء. ومن البناء نجد فيها الوزن الواحد، أو محاولة تصنيف الأوزان بعد تحقيق أصولها بالاحتكام إلى الدلالة اللغوية أو إلى القواعد الصرفية.‏

ومن الأمثلة التي تصلح لإيضاح هذه الفكرة كتاب "ما بنته العرب على فَعَالِ" للصغاني.‏

وتجدر الإشارة إلى أن للصغاني كتباً أخرى على هذا الغرار مثل: كتاب الأفعال، وكتاب الافتعال، وكتاب الانفعال، وكتاب نقعة الصديان فيما جاء على وزن فعلان، وكتاب يَفْعُوْل.(26) وقد أورد الصغاني في هذا الكتاب(130) مئة وثلاثين لفظة مما استعمله العرب من الثلاثي على بناء "فَعَالِ" في المعاني المختلفة. وألحق بها سبعة ألفاظ مما بني من الرباعي على معنى "فعالِ". وقد ذكر السيوطي هذه الألفاظ جميعاً في كتابه "المزهر" نقلاً عن الصغاني.(27) جمعها في ثلاث مجموعات، جعل المجموعة الأولى منها على أسماء الأفعال خاصة، وجعل الثانية لأسماء المواضع خاصة، وجعل الثالثة لأسماء أعلام النساء، وأنواع الحيوان، والأشياء الأخرى كالحرب والشمس.(28) ورتبه على حروف المعجم ووفق أواخر الأصول بادئاً بالهمزة في ثلاث كلمات هي: بَلاَءِ، شَرَاءِ، نَفَاءِ. ويلحظ أنه راعى الترتيب الهجائي في فصل الحرف الأول فبدأ بالباء، فالشين، فالنون. وانتهى بكلمة "بَهَانِ" أي بباب النون فصل الباء.‏

ولكنه أخل بالقاعدة التي تنص على بناء "فعالِ" من كل فعل ثلاثي، من "فَعَلَ" أو "فَعُل" أو "فَعِل" فحسب. ولا يجوز بناؤها مما جاوز ذلك. حين أورد أمثلة من الرباعي مثل: بَحْباحِ، وعَرْعارِ، وقرقارِ، ودهداعِ، وحَمْحامِ... وفي تعليل هذه القاعدة يقول سيبويه:‏

"واعلم أن (فَعَالِ) جائزة من كل ما كان على بناء (فَعَلَ) أو (فَعُل) أو (فَعِلَ). ولا يجوز من (أفعلتُ)لأنا لم نسمعه من بنات الأربعة. إلا أن تسمع شيئاً فتجيزه فيما سمعت، ولا تجاوزه. فمن ذلك: قرقارِ، وعرارِ"(29).‏

والقيمة العلمية في تخير مثل هذه الأبنية اللغوية تنصرف إلى بيان نشأة المعنى اللغوي ومجال استعماله أو دلالته العامة في تشعبها مما يسميه المحدثون من اللغويين الحقل الدلالي Semantic Field فأصل كلام العرب في استعمال صيغة (فَعَالِ) للأمر، عند حاجتهم إلى توكيد الكلام وتقوية معناه، وتثبيته في نفس السامع، وهذا هو السر في أن أكثر ما يجيء منه يكون مكرراً، كقول الشاعر:‏

حَذَارِ من أرماحنا حَذَارِ!‏

وقول الآخر:‏

تراكِها من إبل تراكِها‏

وذلك عند شدة الحاجة إلى هذا الفعل.(30) ويستعمل هذا البناء في النداء والتهديد والتحذير والزجر والشتم والمبالغة في الوصف أو الدلالة على غلبته على الشيء وما إلى ذلك من المعاني التي تشتد الحاجة إلى توكيد الكلام فيها.(31).‏

ولمحقق كتاب "ما بنته العرب على فعالِ" في مقدمته حديث وافٍ في تعليل هذا البناء ومجيئه اسماً للفعل، ومعدولاً من صفة المؤنث، ومعدولاً من مصدر مؤنث معرفة، واسماً علماً لامرأة أو لشيء آخر مؤنث. وغير خفي أنّ مدار ذلك كله صيغة "فَعَال" في وزنها الصرفي الثابت، ودلالتها اللغوية المتحوِّلة، مع محاولة إحصاء لعدد هذه الصيغ وتصنيف دلالاتها بنوع من الفلسفة اللغوية التي تكاد تبدو ترفاً علمياً أكثر منه نهجاً تعليمياً، ولكن ما يخلص إليه القارئ هو ضبط نطق هذه الصيغة في لغة العرب، وتعليل بنائها، وحصر ما تنصرف إليه، أو تقتصر عليه من دلالات أو مسميات، وفي هذا تقنين للغة بفرز أبنيتها في قوالب بأعيانها، وتصنيفها في أوعية خاصة سموها المعجمات، أو أخضعوها لمنهجية صناعة المعجمات، مع وضوح ما بينهما من اختلاف في التفصيلات.‏

ومن كتب الأبنية ما اقتصر على المذكّر والمؤنث ومثَّل ظاهرة مستقلة في دائرة البحث اللغوي. وقد ألف فيه طائفة من اللغويين فعقدوا عليه فصولاً في تضاعيف كتبهم، أو خصوه بتأليف مستقل. نذكر من هؤلاء أبا زكريا يحيى بن زياد الفراء (ت207هـ)، وأبا عبيد القاسم بن سلام (224هـ)، وأبا حاتم السجستاني (ت255)، وأبا العباس محمد بن يزيد المبرد (ت285هـ)، وإبراهيم بن السري الزجاج (ت310، أو 311هـ)، وابن خالويه (الحسن بن أحمد المتوفى سنة 370هـ)، وأبا الفتح عثمان بن جني (ت392هـ)، وأبا البركات عبد الرحمن بن محمد بن الأنباري (ت577هـ) وغيرهم.‏

ويشير بعض الباحثين إلى أن قدامى العرب لم يكونوا يفرقون بين المذكر والمؤنث بعلامات نحوية، وإنما بإدراك فطري غريزي، وأول ما عرفوا ذلك في الإنسان والحيوان اللذين كان لكل من المذكر والمؤنث فيهما كلمة مختلفة، نحو رجل وامرأة، وولد وبنت، وحمار وأتان، وحَمَل ورَخلِ (الأنثى من أولاد الضأن). فلما كثرت عليهم الألفاظ لجؤوا إلى اتخاذ علامات أضيفت إلى المؤنث، لأن المذكر عندهم هو الأصل، وقيدوا بعض العلامات بقيود الوزن فقالوا مثلاً: إن علامة التأنيث الألف الممدودة توجد في اللغة العربية على الأخص في صيغة "فعلاء" مؤنث "أفْعَل"، نحو سمراء وأسمر، وعرجاء وأعرج. وعلامة التأنيث الألف المقصورة توجد في اللغة على الأخص في صيغة "فُعْلى" مؤنث "أَفْعَل" الدال على التفضيل، مثل كبرى وأكبر، وفي صيغة "فَعْلى" و "فَعْلان" مثل عطشى وعطشان، وسكرى وسكران.. وهذا اللون من التقييد أو التقعيد وفق "أبنية" هو الذي حمل اللغويين على تصنيف ما أُلِّف في المذكر والمؤنث ضمن معاجم الأبنية. وثمة حالات أخرى اعتمدوا فيها القياس أو التقعيد عند تمييز المذكر من المؤنث بالتاء "علامة التأنيث" كقولهم: إن دخول التاء يكون للمبالغة، أو تأكيد المبالغة في مثل: راوية، ونسّابة، وعلاّمة، أو لتمييز الواحد من الجنس، نحو تمر وتمرة، أو للدلالة على تعريب الأسماء الأعجمية، نحو فرزدق وفرازنة، ومَرْزُبان ومرازبة. أو للتعويض عن مدَّة تفعيل، نحو زكّى تزكية، وربّى تربية.(32) وكان الأصل أن يقال ذلك على قاعدة فعَّل تفعيل، نحو هدَّد تهديد، ورجّع ترجيع. وكل هذا مما يمكن سلكه في منظومة تقعيدية تتظاهر فيها القواعد الصرفية والنحوية والصيغ البنائية، وإن كان هذا النمط من التأليف أكثر بعداً من أبنية الأفعال عن معاجم الأبنية. نضيف إلى ذلك أنهم اعتمدوا القياس أيضاً في النظر إلى صيغة التأنيث التي تحمل علامته المعروفة بالألف المقصورة، فقالوا صغرى وكبرى، مؤنث أصغر وأكبر، وسموها صيغة "فُعْلى" مؤنث "أفْعَل" الدال على التفضيل، وإن لم يكن قياساً مطّرداً.‏

ومن كتب الأبنية "المقصور والممدود" اللذان يمثِّل البحث فيهما شعبة من شعاب البحث اللغوي العام عند العرب. وكتاب الفرّاء الذي يحمل هذا العنوان يعد من "أول الكتب التي أسهمت في جلاء ظاهرة الخلط بين المقصور والممدود من الأسماء."(33)‏

وصلة هذا اللون من التأليف بمعاجم الأبنية، أو بكتب الأبنية ترجع إلى أن النحاة يعتمدون، في التقعيد لمادته، على الأوزان غالباً، لا على أثر العامل النحوي، أو أثر السياق، أو التقديم والتأخير، أو وظيفة المفردة في الجملة أو التركيب... هنا يقولون مثلاً: "ما يعرف من المنقوص والممدود بالتحديد والعلامات. من ذلك المصدر في (أفْعَل) الذي أثناه (فعلاء) فهو منقوص، من ذلك عَمِيَ عَمَى، وعَشِي عَشَى، وطوِي طَوَى.."(34).‏

ويقولون: "وما كان من جمع (فعْلَة) من الياء والواو على (فعِال) كان ممدوداً، مثل رَكْوة ورِكاء، وشكوة وشكاء، وفروة وفراء..."(35).‏

ويقولون: "ما جمع على فَعيْل أو فُعَال أو فَعُول على فِعَال مُدَّ أيضاً، مثل قولك: قصير وقصار، وكريم وكرام، مثل هذا من الياء والواو ممدود يكتب بالألف. وأكثر ما يجمع من الواو والياء (من جمع فعيل) على أفْعِلاَء فيمدّ ويكتب بالألف، من ذلك وَلِيّ وأولياء، وغني وأغنياء، ودعي وأدعياء، وإن جمع على فُعلاَء مُدَّ أيضاً وكتب بالألف مثل: شركاء وضعفاء.."(36)‏

ومنه: "ما جمعته على فَعَالى أو فُعالى (بضم الفاء وفتحها) أو فَعْلى فهو مقصور يكتب بالياء، من ذلك: كَسَالى وكُسَالى، وسَكَارى وسُكَارى، وصرعى وأسْرى وأُسارى. فإن كان على فُعالى وهو اسم واحد فهو مقصور يكتب بالياء مثل: حُبارى وجُمادى وذُنابَى الطائر..."(37).‏

وأنت إذا تأملت هذه القواعد والأحكام وجدت أن ألفاظ "الأوزان" طاغية فيها، ووجدتَها معقد التقعيد ومظنة الاحتكام لبيان الأصول والاستيثاق من سلامة القول الفصيح.‏

وأما تسويغ تصنيف أمثال هذه المؤلفات في جملة معاجم الأبنية فمردّه إلى التشابه الملحوظ بين مضمونها ومضمونات المعاجم المذكورة؛ فلو بوَّبَ المؤلف أوزان المقصور والممدود كلها في أبواب، أو أوردها متتابعة، من الأبنية الصغيرة (الثلاثية مثلاً) إلى الأبنية الخماسية لتقيَّل بذلك المعجميين في مناهجهم. ولو قام اللغويون باستقصاء الأسماء المقصورة والممدودة حتى استيفائها إحصاءً تاماً لكانت الحصيلة معاجم خالصة، ولكنها ليست عامة، وإنما تكون "معاجم متخصصة".‏

وقد ألَّف اللغويون بعد الفراء ما يزيد على أربعين كتاباً في المقصور والممدود ذُكِر آخرها باسم ابن مالك النحوي (ت672هـ)(38) وهي رسالة بعنوان "ذِكْر معاني أبنية الأسماء الموجودة في المفصل".(39).‏

-5-‏

ولم يتوقف البحث والتأليف في "الأبنية" عند السلف، أو عند لغويي العصور المتأخرة، بل استمر ذلك في مصنفات المحدثين، نجد من ذلك كتاباً بعنوان "بحث في صيغة (أَفْعَلَ) بين النحويين واللغويين واستعمالاتها العربية "للدكتور أحمد النحاس،(40) وفيه يربط المؤلف عمله بأعمال السلف ليبدو امتداداً لهم واستمراراً لصنيعهم في هذا المجال، يقول:‏

"... جاءت صيغة أفعل في اللغة العربية متداولة في الاستعمال في أغراض شتى وأنواع متعددة، فجاءت فعلاً متعدد المعاني مما جعل العلماء يعنون به ويؤلفون فيه كتباً كثيرة تحمل هذا الاسم: (فعلت وأفعلت) أو (فعل وأفعل) فألف فيه أبو زيد الأنصاري..."(41)‏

ثم يسرد أسماء من تقدّم ذكرهم في بداية هذا البحث. ويعرض المؤلف في مفتتح كتابه لاستعمالات صيغة (أفْعَل) من ناحية فعليّتها أولاً، وأسميتها ثانياً ذاكراً ما يتعلق بها من أحكام متفرقة.(42) ويعقد فصول الكتاب الثلاثة على ورودها اسماً وفعلاً، والمعاني المستفادة من الصيغة كورودها للتعدية والنقل والصيرورة والتحريض... وإفادتها السلب والدعاء والتعجب واللزوم والتعدي...وورودها اسماً وصفة مشبهة وللتفضيل وممنوعة من الصرف... وهكذا حتى يستوفي هذه الصيغة وما يحيط بها من حالات ودلالات واستعمال، في التذكير والتأنيث والإفراد والجمع والصفة والشذوذ والزيادة... وفي معنى الفاعل والمفعول... إلخ.‏

وبعد، فقد يتساءل القارئ الكريم عن الحافز على وضع مثل هذه المصنفات في "الأبنية" أو عن القيمة العلمية لها، أو عن أثرها في خدمة العربية. وبيان ذلك لا يحتاج إلى فضل تأمل وتدبّر، إذ يمكن أن نبادر إلى القول إنه لا شيء يمنع من مثل هذه الرياضة العقلية ولمِّ شعاب هذه الأبنية في أنساق وزمر وفق أوزانها لنستخلص منها ما لا نستطيع أن نقف عليه في غيرها من المصادر والمراجع، لأن الحديث عنها بالتفصيل لا يرد في سواها من فروع البحث اللغوي في العربية، بل سيبدو استطراداً في غير محله، أو إقحاماً له في غير نسيجه. وإيفاء الشيء حقه يستدعي إخلاص الجهد له وحده. ثم إن ما صنِّف في "الأبنية" كان يمثّل نهجاً من الجهود التعليمية التي التمست كل سبيل للحفاظ على العربية سليمة فصيحة، ولإيصالها إلى الشداة من غير ما طريق وأسلوب.‏

ومما يجدر استحسانه في معاجم الأبنية أنها نصّت في كثير من المواضع على الدقة والضبط بذكر الوزن وتقييد الحركات تسميةً كقول الفراء مثلاً:‏

"هذا باب يُفتح أوله فيمدّ، وإذا كُسر أوله قُصر".(43) وكقولهم مثلاً: مَفْعَل (بفتح الميم وإسكان الفاء وفتح العين) في اسم المكان، ومُفْعِل (بضم الميم وسكون الفاء وكسر العين) في اسم الفاعل، ومِفْعَل (بكسر الميم وسكون الفاء وفتح العين) لاسم الآلة... ذلك أن المعاجم القديمة لم تكن تهتم بالحركات في الضبط، وإنما كانت تكتفي بالحروف الساكنة.‏

ومن فوائد معاجم الأبنية في الدلالة اللغوية تعيين ما انصرفت إليه الأوزان من مثل بناء (فُعَال) بضم الفاء وفتح العين، فهذا البناء يعدد المعاني التي يتجه إليها في الأعم الأغلب تعدداً يشبه الحَصْر، أو القصرْ على ما هو شائع بين اللغويين، إذ قالوا: يختص هذا البناء بما هو مستقبح أو مستقذر نحو: البُصاق، والمخاط، والعطاس... وبما هو من الصغائر والبقايا كالغُبار، والسُّخام، والجُفاء. ونظيره من التأنيث بناء "فُعالة" نحو: الحُثالة، والنُخالة، والحُكاكة، والقمامة، والنُّفاية... وبما هو للأمراض والأصوات: كالصُداع، والنُّكاف، والدُّوار، والسعال، والنُّباح، والصُّراخ، والعُواء... وبمثل هذا التقسيم يتعلم شُداة العربية كيف يقرؤون ويفهمون هذا البناء قراءة صحيحة وفهماً يستفيد من الاحتكام إلى القياس والخيارات المحدودة.‏

ومثل هذا يقال عن بناء "فِعَالة" بكسر الفاء وفتح العين الذي ينصرف غالباً إلى الحرفة نحو: النَّجارة، والقبالة، والحِدادة، والحياكة، والحجامة، والفراسة....‏

وتُعين معاجم الأبنية شداة العربية على ردّ الكِلم على أصوله، من ذلك مثلاً تصنيف النحاة أبنية الأفعال الثلاثية الذي يستدعي تجريدها من الزوائد وإعادتها إلى أصولها نحو: الميناء من (وَنَى) بمعنى ضعف، فالمبتدئ قد لا يتهدّى إلى الأصل، أو قد يبحث عنه في (مَيَنَ)...‏

ونحو: تهامة والتهائم التي يثبت أصلها في (تَهَمَ)، أما التهمة فيثبت أصلها في (وَهَمَ)... وكل ذلك ونظائره قد يغمّ على المبتدئين استخلاصه من الكلمات المزيدة، أو التي فيها إبدال وإعلال... وهنا تتجلى أيضاً أهمية حصر المقصور والممدود وتحرّي أصولهما وتقييدهما في أنساق بعد التثبت من تلك الأصول. وبغير هذا الجهد وهذه المرحلة ستظل معرفة الأصول عسيرة على غير المتمكنين من أسرار العربية وخصائصها.‏

لقد عكف اللغويون العرب القدامى على دراسة الكلمة المفردة زمناً، فجمعوا نوادرها وغرائبها، وأحدثوا المعاجم وكُتب الشروح من أجل رصد دلالتها أو دلالاتها، واتخذوها شاهداً على صحة كلام العرب في النحو واللحن والفصاحة، ونظروا إلى وظيفتها في التركيب والسياق، وأسّسوا عليها في إيضاح الفصاحة والبلاغة فأشاروا إلى وجوب خلوّها من تنافر الحروف... واستكمالاً لهذه الجهود العلمية حول الكلمة المفردة جاءت معاجم الأبنية فأوفتها حقها من جهات الصوت والصرف والوزن والدلالة.‏

الحواشي والإحالات:‏

1- معجم "العين": 1/49 بتحقيق د. مهدي المخزومي، ود. إبراهيم السامرائي- ط: إيران 1405هـ. والقرعبلانة: دويبة عريضة مُحْبنْطِئة عظيمة البطن- اللسان: قرعبل.‏

2- وانظر كتابنا: أبحاث في اللغة والأدب. دار شمأل، دمشق 1994.‏

3- الكتاب /230 تحقيق عبد السلام محمد هارون. ط: الهيئة المصرية العامة للكتاب 1977.‏

4- انظر: المعجم العربي -نشأته وتطوره للدكتور حسين نصار ج1/ 180-181، دار مصر للطباعة، و"البحث اللغوي عند العرب" للدكتور أحمد مختار عمر ص 188-190، توزيع دار المعارف بمصر 1971.‏

5- ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون (133)، وقال إنه كان ممن صنف في "الأفعال وتصاريفها". وانظر"معجم الألفاظ والتراكيب المولَّدة في "شفاء الغليل فيما ورد كلام العرب من الدخيل "لشهاب الدين الخفاجي (ت 1069هـ). تحقيق الدكتور قصي الحسين. دار الشمال، طرابلس، لبنان 1987.‏

6- انظر كتاب: فعلت وأفعلت لأبي إسحاق الزجاج، إبراهيم بن السري بن سهل ص 8-9 بتحقيق وشرح ماجد حسن الذهبي. الشركة المتحدة للتوزيع- 1984.‏

7- نفسه ص14.‏

8- نفسه ص 31. ويجد القارئ المزيد من الأمثلة المشابهة في كتاب "ما جاء على فعلت وأفعلت بمعنى واحد" لأبي منصور الجواليقي، تحقيق ماجد الذهبي. ط: دمشق 1982.‏

9- كتاب: فعلت وأفعلت للزجاج ص 43.‏

10- نفسه ص63.‏

11- الموضع السابق ص 110-111‏

12- البحث اللغوي عند العرب ص 190 (م. س)‏

13- وانظر "المعجم العربي" للكتور حسين نصار 1/190 (م. س).‏

14- الموضع السابق 1/190- 191.‏

15- نفسه 1/ 193.‏

16- انظر: البحث اللغوي عند العرب ص 189 (م. س).‏

17- صدر عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة بتحقيق الدكتور أحمد مختار عمر، ومراجعة الدكتور إبراهيم أنيس بدءاً من سنة 1974.‏

18- ديوان الأدب: ج1/ 72-73.‏

19- ديوان الأدب، المقدمة ص 10-11.‏

20- كان البندنيجي ضريراً شاعراً عارفاً باللغة، ولقي ابن السكيت، وقد حقق هذا المعجم الدكتور خليل العيطة، وطبعته وزارة الأوقاف ببغداد سنة 1976.‏

21- ص40.‏

22- انظر: البحث اللغوي عند العرب ص 190 (م. س).‏

23- صدر بتصحيح عبد اللَّه الجرافي اليمني. ط. عالم الكتب (جزآن)- بيروت (د.ت).‏

24- لمزيد من التفصيل انظر مقدمة المحقق ص 52-53.‏

25- وانظر: المعجم العربي 1/205 (م. س)‏

26- انظر: ما بنته العرب على فعال ص 17 من مقدمة المحقق الدكتور عزة حسن. مطبوعات المجمع العلمي بدمشق 1964.‏

27- انظر المزهر في علوم اللغة وأنواعها 2/ 131- 134 بتحقيق محمد جاد المولى وزميله. ط: عيسى البابي الحلبي.‏

28- ما بنته العرب على فعال ص23.‏

29- الكتاب 2/ 41 طبعة بولاق. القاهرة 1316-1317هـ.‏

30- وانظر: ما بنته العرب على فعال ص27.‏

31- الموضع نفسه.‏

32- للوقوف على مزيد من التفصيل حول التذكير والتأنيث انظر المقدمة الضافية التي قدّم بها الدكتور رمضان عبد التواب لكتاب "البُلْغة في الفرق بين المذكر والمؤنث" لأبي البركات بن الأنباري. ط: دار الكتب 1970.‏

33- حقق الكتاب "المقصور والممدود" في نشرته الثانية: عبد الإله نبهان، ومحمد خير البقاعي، وصدر عن دار قتيبة بدمشق عام 1983م. وانظر المقدمة ص5. وكان الكتاب قد طبع في مصر بتحقيق عبد العزيز الميمني ضمن سلسلة ذخائر العرب (41) عام 1967.‏

34- المقصور والممدود للفراء ص 23-24‏

35- نفسه ص 26.‏

36- نفسه ص 27-28.‏

37- المقصور والممدود ص 32-33.‏

38- المصدر السابق، ص12-18.‏

39- و "المفصل في علم العربية كتاب لجار اللَّه محمود بن عمر الزمخشري (ت538هـ) وقد أعدّ هذه الرسالة للنشر د. عبد الإله نبهان، ونُشرت في المجلد33 الجزء الأول في يناير (كانون الثاني) 1989، وتضم هذه الرسالة (165) مئة وخمسة وستين بناء، فيها عدد قليل من الأبنية المعرّبة من لغات أخرى.‏

40- صدر الكتاب عن مطبعة السعادة بالقاهرة عام 1403هـ/ 1983م.‏

41- المقدمة ص 3.‏

42- نفسه ص4.‏

43- المقصور والممدود ص12.‏
-------------------
نشر هذا البحث في :
مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 77 - السنة 19 - تشرين الأول "اكتوبر" 1999 - جمادى الأخرى - رجب 1420

 
<< البداية < السابق 1 2 3 التالي > النهاية >>

الصفحة 2 من 3
Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
Joomla Templates by Joomlashack
viagra pill nyc indian viagra tablets names binozyt 500mg side effects germed vigora 100 generic emsam avodart no rx required valtrex order in canada canadian pharmacy viagra uk fast delivery cialis tadalis tadalafi nurofen plus robaxin 750 mg no rx methotrexate no prescription barcalona does robaxin require an rx in canada buy viagra with american express antibiotics for sale 24 hour delivery viagra and on line prescription pharm support group cialis aus kanada viagra ordonnancecialis viagra wholesale tinazol genericmedication best place for buying ciacils on line retin a cream no prescription needed bulk viagra does insurance cover cialis prednisone for dogs same as for humans orth american pharmacy lowest price dapoxetine blueberry 100 sildenafil review where to buy cheap cialis online buy wellbutrin xl online uk viagra without prescriptions usa best generic viagra viagra for sale in mississauga floucoric capsule 150 mg cheapest levitra 20mg generic cialis canada propecia procepia finasteride bp canadian family pharmacy canadian-pharmacy-androgel cialis generic from mexico acheter misotrol misoprostol buy online uk xlpharmacy periactin cozaar medication disgrasil pills elocon over the counter prescription cough medicine by mail best rx pill digoxin purchase purchase arimidex recommended online pharmacies ddose pack canada pharmacey support pharmacycustomercare com free sample of alli serp,5176.1 lioresal good rx meds order azitromicina 500 mg online buy amoxicilin for humains online viagra pharmacy paypal bupropion for sale uk doxycycline without a script kamagra canadian permethrin 5 online aflamax over the counter diabetes medicine cost of cialis vs viagra vs levitra buy orlistat 60mg capsules side effects of flagyl 400mg sildenafil prezzo is cipla ltd a legitimate drug mfg buying authentic alprazolam online periactin 4mg weight gain store viagra generic dealers in canada cialis 10mg canada real viagra to buy prednisone and cialis buy nitroglycerin cream does clomid pills melt cysts overnightpharmacy buy nolvadex uk paypal rayh health care pills acyclovir 674 overnight atenolol on line cialis professional 100 mg 30 tablet medicpills search,http,avocatalk,serv japanese viagra pro canadian 24h cialis in shanghai can you buy aldactone over the counter escrow pharmacy where to buy trental. canada generic tadalafil best prices 24hour canadianpharmacy mumbai india perscription presidone by mail buy clomid online with echeck bactim to buy online escrow refills invitation code walmart pharmacy prices online pharmacy that takes amex levitra 3 day delivery cheep nexeum in us online medicine store canada cheap med shq when to take viagra for best results were to order female cialis doxycycline for sale cozaar in china kegunaan provera cheapest fastest canadian pharmacy online pharmacies canada erythromycin buy online disulfiram viagra de los del tercer mundo government viragra with noprescription lopressor by online no rx pinamox no rx mirtazapine 30 mg antidepressants canadiandrugswholesale viagra online scam flowmax without prescription triam hctz mail order viagra para mujeres buy benzhexol sustiva jakarta rayh viagra india apetamin pills cialis jovenes orlistat no prescription usa ordering cialis by mail mexico lantus mobilerection buy clomid nz lasix water pills usa viagra brand ship 2 3 days viagra 800mg reviews viagra for sale canada lamisil zopiclone sales uk costco online shopping walgreens viagra price 100mg pet meds canada no rx alli comprar price of gabapentem as per gems nizagara 100 pump it global caplet viagra online without persciption viagra purchase in ireland tenormin tablets clomid canada no prescription buy viagra next day generic viagra online china northwest pharmacy canada reviews comprar pastillas dapoxetin canadian pharm without the script dermizol viagra soft for sale on the internet nizoral tablets, no prescription cialis female generico cialis for women for sale ulcizone generic cialis overnight delivery accutane birth control without prescriptions sky pharmacy reviews kamagra blue pills thailand where can i get predisone cheapest viagra 100mg prescription solutions login onlinefilmer canadian pharmacy for pets when to take levitra order acyclovir overnight buy 5mg cialis canadian pharmacy buy cialis without doctor prescription "usa direct" pharmacy how do i get viagra cialis 5 mg daily effectiveness get free cialis samples norco buy viagra online in the us red viagra suhagra-100 reviews does losartan rot your teeth accutane roaccutane on line drug co. in australia buy tetracycline online australia mail eisprung.de loc:hk colchicine more drug uses afib and viagra rx without prescription from usa tussionex cough syrup nitrospray rezeptfrei brand cialis pillscheap glosas 9 de julio cheap levitra singapore viagra free pills colchincine online no prescription ordering zofran list of vipps certified online pharmacy cialis brand name usa price ordering domperidone viagra dermani plavix generics 2012 cheap dapoxetine article 58 cialis sales does walgreens sell cytotec order cialis online discount cialis online overnight buy atarax cheap buy elavil without prescription cialis payed with paysafecard gp canada inc pharmacy belize city "methocarbamol 750mg" "no prescription" can you get clomid in mexico can u get high off of indomethacin amantadine order natural sources of tadalafil best pharmacy to buy generic viagra cialis 5 mg online without prescription brandlevitraovernight dog antibiotics online results rx eye doctor buy online alli weight loss amazon promethazine codeine syrup companies free viagra uk us cheap viagra buy cheap lamisil chewable viagra same viagra generic online pharmacies buy accutane without prescription lisinopril 20 mg without prescription fluoxetine without a prescription kegunaan ciprofloxacin prednisone abuse chloroquine viagra tablet in chennai how to buy prednisone online gerneric 150 viraga mercury drug prices of medicines tadalafil no prescription buying cialis in mexico viagra online canada mastercard canadian pharcharmy where can i get nolvadex nolvadex for sale free shipping glucocorticoids buy uk voltaren 75 mg from india pronil 30 pastillas levitra mexico pharmacy indometacina in english for for sale over the counter cytotec zoloft withdrawal virgra progynova pills without prescription merck finasteride kaufen online use of betnovate n skin cream commander du viagra sildenafil china viagra .de sildenafil without prescription rumalaya forte side effects what do fake viagra pills look like terramycin eye ointment propecia 1 mg voltaren gel dose card print buy azithromycin or ceftriaxone now pariet package ditropan on amazon venlafaxine xr without a prescription furosemide orders synthyroid, no rx, free shipping cheap-kamagra-supplier review voltaren gel price walmart international pharmacy porn starviagras cytotec without a prescription purchase ortho tri cyclen sildenafil for men places that sell lotrel tetracycline shortage 2012 elavil 75 mg ajanta pharmaceuticals viagra viagra prezzo farmacia is healthy man legitimate can a man use hydroxycut max for women pyridium buy betnovate n for face amitriptyline price increase bulk cialis proterium without prescription viagra brand vs generic buy cialis in singapore 166 buy finasteride for hair loss promethazine codeine for sale ed meds overnight delivery zofran 4mg high official canadian pharmacy cum while sleep dosage of erythromycin for tonsillitis como comprar pastillas cytotec generic ed drugs online viagra online prescription get viagra prescription online luvox e check xalatan no prescription viagra india canada drugs aaa bodybuilding canadian pharmacies online usda approved generic levitra md pharmacy viagra orlistat in usa no prescription prednisone for dogs 519 abortion pills cvs buy estrace online uk professional medicines buy byetta without presciption online pharmacy next day delivery express prescription for antibiotic biotin vardenafil pills natural viagra foods antibiotic with out an rx list of reputable online pharmacies buy synthroid no prescription needed bc based online pharmacies diazepam solaraze furosemide pharmacy pitampura india mexican drugs online buy ed pills online cialis preiswert im internet bestellen ondansetron 8 mg cialis belgique paypal slut load acheter du cialis en suisse cafergot in target pharmacy betamethasone cheap pain pills to buy low dose amitriptyline and alcohol water pills for bloating do us pharmacy sell generic cialis buy indocin online without prescription prednisone 20 mg cure eye floaters what is the retail price of viagra buying truth drugs trusted viagra websites hebal viagra excel reviews cod pharmacies for pain medications rhinathiol drug side effects cialis in 3 days reely suhagraat vedio online periostat penggunaan cytotec vigora 100 hindi me sirius xm viagra commercial flagyl mexico order levitra online obesity slogans cheap lipitor 40 mg bioidentical hormones over counter kamagra oral jelly reviews how to get metformin winex 400 prednisone no prescription tadalafil online no prescription buy 5mg propecia in the uk sildenafil citrate price in india where can i find cialis on the street tadalafil canada cialis best price bird biotic doxycycline dogs pfizer viagra cheap brand viagra from us pharmacies direct meds buy viagra usa sex pills generic viagra comprar viagra en estados unidos cialis compra dapoxetine usa donde comprar xenical sin receta canada prescription online flagyl forte 500mg daily cialis is it better canada law on cialis prescription isoniazid retail sale premarin buy no prescription doxycycline hcl 100mg nogales mexico over the counter pills order tadacip 10mg no prescription pacific care pharmacy port vila vanuatu tadalafil 10mg cheap cialis soft overnight medrol mail order cheap valtrex pills 3 day delivery sildenafil generico 0nline pharmacy order supradol types cialis super viagra from canada legitimate india pharmacies vigora tablet in hindi aricept to buy canadian healthand care mall buy misoprostol online no prescription dapoxetine plus cialis sales@buy kamagra phentermine uk stockists canadaviagra natural viagra over the counter degra sildenafil viagramax allopurinol 300 mg australia how can i buy ed medicines to hk cheap drugs canada viagra for sale overnight flagyl online overnight amerrimedrx best price on viagra 100mg cialis 40 mg online valtrex x zovirax levothyroxine oversea pharmacy order birth control pills generic cialis rechnung antabuse for sale order cialis online usa nortriptyline price uk viagra en ligne suisse propecia en europa cialis viagra overnight delivery ed pills at walmart strattera 60 mg buy online how do i buy cialis from canada viagra online generic fast delivery were to buy levothyroxine rhine inc india complaints chlamydia prescription overnight conseguir cytotec en cochabamba azithromycin yellow tablets cefamor 500 zidena for erectile disfunction xanax online no prescription malaria tablets us online fda approved viagra generic buy xenical over the counter who sells amitriptyline by mail l tryptophan cvs where can i buy tamoxifen in the uk no online pharmacy prescription vicodin vermox over the counter canada buy birthcontroll on line prednisone for dogs 20 mg parlodel and grapes buy apetamin syrup online generic viagra suppliers uk lasixs order personal viagra sicher kaufen purchase trazodone pharmacie en ligne espagne mail order cialis buy orlistat prescription levaquin no prescription zenegra uk ampicillin purchase buy generic tadalafil online jr strength acetaminophen rapid tabs china viagra manufacturer products in german pharmacy paidofebril viagra order printable coupons for viagra algodones mexico purple pharmacies test tadacip 20 elavil medication for pain betnovate n cream on sale order tramadol cod overnight delivery las vegas viagra levitra canada aciclovir dosis non prescriptionalloprinol red bull with viagra stendra (avanafil) tablets primatine mist inhaler for sale www pfizer viagra 100mg price online pharmacy accepting paypal doxycycline cost increase on line ed drug store canadian pharmaceuticals doxycycline shoppers drug mart can i buy viagra without a prescription cefuroxime purchase no rx generic cialis pro prescription nolvadex for sale buy xenical online us pharmacy kroger pharmacy prices atomoxetine costs 50 mg buy single viagra overnight us pharmacy buy viagra cialis cheap doxycycline online uk buy vpxl online ivermectin cost in india cheap nursing shoes pain meds new fast acting viagra should i take levitra everyday cheap cialis canada pharmacy generic super viagra online best over the counter acne meds alli orlistat deutsche clomiphene citrate 50 mg for men canpharm viagra best place to get viagra online implantation calculator sildenafil blueberry 100 healthy men prescriptions buy digoxin with no prescription viagra male enhancement pills clomid online with mastercard parlodel canadian pills 160 buy liquid antibiotics online buy clomid online in south africa cialis100mg serequel xr 50mg viagra online store coupon adderall canada pharmacy buy amitriptaline cheap propecia online canada side effects of coversyl 10mg levitra 40 cyproheptadine no rx next day propranolol buy no prescription hong kong buy thailand viagra blueberry sildenafil silagra reviews cara menggunakan obat cytotec where to buy angela ginseng medicine without prescription in canada purchase proscar through paypal premarin 1.25 erex sildenafil adalatoros canadian pharmacy spam propescia for sale overnight viagra shipping cialis brand without prescription how to get real viagra 40 pills for 99 dollars viagra liquid form viagra jelly reviews for men doxycycline cost without insurance online chemist clomid australia lasix sales cialis professional does it work belize-pharmacy-online viagra en arbolarios cialis ireland canadian medications no prescription india canada wholesale pharmecy buy albendazole uk budesonide cytotec en walmart no prescription generic abilify cheap levitra 30 mg ou equivalente buy kamagra free estrogen samples buy cialis online fast delivery cooper pharma tadalafil online authentic viagra from uk to us epanutin misoprostol precio flomax prescription plavix generic buy doxycycline online confidential online pharmacy cod bactrim from mexico no persciption silagra ok pills best cabergoline on line pharm healthy man viagra radio ad alprazolam et douleur neuropathique generic valtrex usa diovan generic date want to buy cipro tablets generic cipro overnight delivery revatio 20 mg cheap alli weight loss pills pills without prescriptions linfocitos atipicos order ed pills online my canadian pharmacy no script healthy man order tamoxifen trusted mail order medications from mexico articulo 52 canadian rx online low cost viagra 100mg brand 5 bucks amule mac buy bromocriptine online seropuel for sale drugs without a prescription viagra in spanien kaufen dostinex no prescription hydrochlorothiazide 25 mg weight loss tretinoin cream doxazosin in canada vasdecom orlistat buy clomid with mastercard no prescription tadalafil lilly cialis in canada finpecia buy order cialis from canada synthroid online england non prescription cymbalta viagra pd by echeck drug online no prescription needed lexapro no perscription viagra estrofem 2mg prices canadian pharmacy without prescription 280 retin a without prescription usa japanese viagra buy estrogen pills should i combine viagra and aspirin apcalis tablets buy doxyclyne on line uk viagra online sales buy meds india online amoxil 500mg dosage betnovate scalp application buy audrey bitoni twitter articulo 184 azithromycin chlamydia zithromax capsulesno prescription no rx online pharmacy viagra for ladies buying flagyl online is legal non prescription inhalers for asthma canada welbutrin no prescription cumpara cialis comprar cialis profesional diazepam online uk healthy man radio ads lyme and cipro parietal lobe function buy cialis in los angeles legal pain pills online online drugstore in the us asacol without a prescription new healthy man viagra buy lasix without script non prescription ventolin viagra tab buy dexamethasone online buy glucotrol xl no prescription clindamycin and alcohol cialis mit ec karte kaufen motrin no prescription comment faire le sevrage de la codeine perscription drugs from india propecia germany cytotec express usa fast delivery cialis online priligy in sri lanka augmentin posologia femara buy avapro online no prescription buy tinydazole in the uk buy pain pills overnight ed pharmacy express cialis 5 mg what is cialis pills pharmacy express belize city doxycycline-yt viagra over the counter canada flexeril order slimex online hydrochlorothiazide 12.5 mg en espanol 479 trusted medstore online viagra blogs clomid steroids prednisone without a rx long term effects of gabapentin canadaian pharmacy for nizagara hcg mexican pharmacy buy antibiotics without prescription cialis for daily use online buy test booster uk combivent to buy uk kamagra reviews uk zebeta albuterol buy duramycin for gonorrhea purple pharmacy prices cheep aciphex zoloft overdose peritol cyproheptadine generic cialis no prescription canada walmart cheap medications can i buy albuterol over the counter duodart precio viagra alternatives uk micardis and cialis cialis mexico online viagra india mastercard best prices on viagra buy alli tablets online noprescription meds paypal better than cialis what is metronidazole used for tac dung thuoc medrol 16mg viagra generic 100mg dermocort accutane craigslist otc hydrochlorothiazide generic viagra visa debit buy duloxetine without prescription cialis 5mg in canada in house pharmacy uk propecia 5mg kaufen throxine on line no prescription cytoxan hong kong viagra buy cheap 5mg cialis buy kamagra uk paypal online pharmacy no prescription canada cicloferon buy propranolol with no prescriptions c20 cialis viagra in germany clavamox for humans cialis price in saudi arabia viagra from england albendazole buy online canada name brand valtrex without prescription le prix du cialis en pharmacie lozol for sale buy stromectol from india alcobuse for sale proper dosage for propecia brand viagra without prescription over the counter celexa canadianhealthcaremall celextra redustat side effects cooper pharma manly tadalafil 20mg canada order cialis can you inject buspirone ketodol tabletten generic viagra online india pentoxifylline to buy no prescription needed from canada buy sperm count online reliable place to buy nolvadex for pct alli avaibility canadian pharmacy dunedin fl top otc ed pillss nike 95 buy amoxicillin antibiotic online lasix on line without prescription neurontin cost without insurance cytotec abortion pill buy online valium and cialis generic celias buy amoxicillin from mexico online 401 achat de cialis 5 mg buy cialis online cheap prices cialis and prostate order ventolin without prescription phen phen diet pills flagyl for dogs clomid for sale lisinopril hctz from canada glaxo cialis buy pharmacy in canada super p force master card desyrel 100 mg metronidazole over the counter $50 advair coupon 2012 canadian pharmacy cheap amoxil arcoxia viagra en california isotretinoin buy uk buy viagra with debit card viagra pills shipped in 1 or 2 days cialis prices target pill identifier uk order lexapro from india viagra pay with paypal is mupirocin ointment over the counter cheap genuine viagra 100 mg cialis tadalafil extra super cialis review aricept no prescription online pharmacy lisinopril buy synthroid 200 mcg no rx buy sildenafil cheap canadian pharmacy wellbutrin xl best place to buy viagara 1777 canadian 24 hr pharmacy shopingtrackid can you puchase prochlorperazine online buy cialis online in nz canada pharmacy online alli diet pill active ingredient in cialis black levitra online bestellen order femara novartis amoxicillin no rx 122 order meds without a script digoxin price increase viagra 4 sale doxycycline replacement for dogs generic levitra online buy dicyclomine with out prescripton viagra jellies wikipedia diarex pills cialis scam healthymans safest place to buy generic viagra ceo bank of america my canadian pharmacy meds cheap viagra or levitra robaxin 500mg online benjamin mckenzie viagra coupon lasixs water pill otc levitra for premature ejaculation abra-100 buy cialis in pakistan generic viagra super active genuine branded pharmaceuticals is nymphomax available in kerala buy atarax hydroxyzine mexico online tadacip20, canada can i snort trazodone hcl 100mg tab suprax one time dose on line buy brand cialis online canada gingseng angela prednisone canada internatinal medication low prices how to use viagra tablets how to buy safe viagra online viagra price 100mg buy viagra online using mastercard misoprostol si tienes miomas ophthacare cheap cialis from canada buy viagra without prescription online doxycycline canadian pharmacy can you get high off indomethacin best canadian pharmacy for viagra no prescription goldshield viagra with paypal payment where can i buy eurax cream kamagra paypal uk ? mod156 viagra paysafecard places to order viagara from usa meds order vermox in canada cialis with no prescription needed regarder mari choy final buy cialis online per paypal betnovate n cream in pakistan cialis in miami 24 hour medstore kgr100 canadian pharmacy for robaxion viagra best price online buy fucidin cream online albutrol combivent online zentel worm medicine viagra online order nolvadex for research purposes orlistat xenical uk segurex 50 sildenafil 50 mg buy synthroid without a script is disulfiram approved in canada tomoxetin no script generic plavix may 2012 buy canada pills viagra compare tretinoin cream non rx cheap prdnisone no prescription viagra purchase usa getting synthroid in mexico online pharmaciy brand viagra 100 mg cheapest uk online propranolol discount cialis online japanese pharmacy where can i buy testosterone canadian clomid paypal why is cialis so expensive viagra 150 pharmacy near me cortef without a prescription buy viagra in edinburgh cialis soft tabs online buy viagra online with prescription buy dog prednisolone genuine viagra online xanax from canada biotech ciprofloxacin 250 predisone for horses medustrusted viager pills cefamor buy alli online ireland otc substitute for prednisone purchase keflex online dostinex ereccion buying clonidine in united states online pharmacy baku compare viagra prices uk nexium online retina a without precription over the counter drugs for wellbutrin trusted tablets nolvadex pct for sale clomid in spanish nizagara from india flagyl for pigeons nolvadex for sale in usa pharmacy onlline store medicine pricing cialis online paypal payment exelon patch side effects substitute for micardis mifepristone generic zetia release date cialis holland order clomid paypal no prescription viagra online medrol dose pack without prescription where can i buy cyctotce online can you get levitra cheap articulo 12 cialis sublingual review ieuropepharmacy cialis low dose cost ciprotab 500 ciali flowmax canadian phrmacey steroid pills valtrex on ebay cialis 5 mg experience buy drugs online without prescription tadalafil 5mg buy online india viagra for her levitra directions for use fluoxitine without a prescription viagra south africa price buy viagra in prague buy seroxat cialis buy online cheap buy accutane canadian pharmacy cheapest generic 400mg viagra tadalafil dapoxtine for sale cialis online bulgaria online dapoxetine progreso mexico farmacies viagra with dapoxetine review buy ovral l online fucidin ointment over the counter best cialis order online legit online pharmacies cheap generic levitra online psicofarmaci online renova order elocon cucumber make birth control penicillin pills for std for sale zithromax purchase buy clomid 100mg cheap online where can i buy qnexa cheap-pharm-store where can i buy cialisi legally buy no rx effexor order propecia online in canada online pharmacy no prescription haldol ciprofloxacin ohne rezept kaufen generic triamterene hctz metronidazole and orange stools in dogs albendazole walgreens online meds canada viagra pill non prescription alli 120 count neurocet purchawse promethazine for sale order from canadian family pharmacy cheap viagra free shipping atomoxetine price indian pharmacies without prescription lamisil tablets herbal erection pills canada what supplement acts like viagra we're can i buy promethazine codeine benicar without a prescription can i buy amoxicillin over the counter cheap generic cialis from india cheap finpecia from india 399 247 overnight pharmacy canadian clomid pregnancy test calculator pil perancang terbaik no script seroquel internet tgel wearing sun cream is not a reliable where can i buy code red 7 forum cialis soft buy pain meds online no prescription best place to buy online viagra can you buy viagra in bali female cialis 20mg india online pharmaceuticals health pills ship overnight generic sildenafil where are they to buy it in ramicomp doxycycline hyclate 100mg buy online buy viagra canada buy nolvadex usa cialis tablets online where to get clomiphene citrate flagyl over the counter tadalafil 5mg tablets vgr 100 pill buyviagrainnebraska buy valtrex online generic viagra pictures propecia uk boots cialis 5 mg for sale cialis 1mg canadian pharmacy cialis where to buy bayer levitra 20mg generic cialis cheap canadian proventil sale cialis originale farmacia online buy methotrexate cheap nolvadex tablets buy uk hydrochlorothiazide no prescription zithromax and valium viagra pills in chennai cvs pharmacy in nigeria pharmacy viagra albuterol sulfate solution 0.083 imiquimod shopping for tamoxifene does shoppers drug mart sell viagra ipratropium for sale tadalafil in deutschland kaufen tadalafil 20 mg via pay pal vardenafil 40mg montelukast sod 10 mg tablet order bilharzia medication online generic cialis mastercard buy viagra via paypal generic cialis uk how to get viagra without a doctor does viagra make you horny viagra bonus pack risperidone availability in usa buy silagra 50 mg acquista vardenafil order_levitra_from_canada healthyman complaints cialis 10mg uk order female viagra online buy clomid express shipping how many years can i take cialas viagro cialis holland generic viagra india buy 1 mg prednisone pills online 5 mg cialis prices cabergoline 0.5 mg tab best price for cialis 5 mg 215 levitra promo code translate google http ibichos elarc... pharmacy online india buy celexa without prescription levitra super active reviews inhalers from mexico buy avalide from india painkillers no prescription cheap prednisone non rx ed drugs buy ritalin online uk no prescription 50 mg trazodone and alcohol over the counter kamagra london viagra using paypal login strattera cheap ciallis trusted tablet viagra pil noriday viagra canada paypal valtrex via internet where to buy cytotec in manila genuine viagra online be sactisfied with cheapest alli blokium buy finpecia cheap viagara samples overnight cialis 30 day trial alli simpson wiki viagra non prescription safe sites buy sildenanael genericpillsshop viagra plus without prescription naltrexone sex tablets names buy spironolactone online uk viagra vs cialis online pharmacy mobic 7.5 high walmart viagra pricing purchase levothyroxine 125mcg tadalafil effets secondaires santissimo weight gain pills online buy antabuse online no prescription lipitor recall problems buying alli ambassador university super active viagra buy alli online cheap uk letrozole mail order viagra viagra competitors cheap genuine viagra uk promethazine tablets 25 mg best sites for low price cialis viagra tablets in chennai viagra super active vs viagra maxalt 10mg citalopram street price where to buy avanafil how much does generic viagra cost 252 cymbalta generic 2013 cialis delivered overnight cialis prescription in houston long time sex teblet name next day delivery cheap cialis uk viagra orders long time sex tablets for men doxazosin lawsuit cialis 5mg daily dose pills canada dianiben 850 no prescription thuoc augmentin tablets 1g kamagra fruit tablets safe viagra sites where can i buy cialis online safely 56 maria fro import stemetil australia anxiety pills viagra price in spain cialis for daily use 5 mg for sale where to buy sildenafil citrate 100mg viagra brand canadian drugs buy cialis online using pay pal robaxin 500mg suppliers viagranonerxcanadianhealth my canadian cialis health shop mup eldepryl water pills weight loss lisinopril over the counter cheap diflucan 150 renova online india sildenafil citrate generic drugs forum cialis coupons for pharmacy buy valtrex without prescription prednisoe for sale canadian pharmacy kamagra oral jelly paypal viagra for sales propecia for sale in usa viagra next day delivery sex tablets for women buy non narcotic drugs online buy to london cytotec use viagra and cialis together knee arthritis treatment healthy man viagra is it a scam paypal canadian pharmacies buy cough syrup with codeine ppw viagra erection pills gnc prednizone online without a script monidem gel kwikmed viagra finesteride fast delivery order kamagra with mastercard buy clomid for women cheap kamagra paypal suhaagrat manane ka tareeka cialis online purchase taking viagra with atripla dosage buy zofran online difference between zestril and prinivil raymeds cybalta overnight generic cialis professional how much is flagyl without insurance filmeronline tadalafil online paypal buy clonidine no prescription lasix v dyazide tadalafil generic best price viagra bestellen per nachnahme pharmacy viagra stl lisinopril 20 mg best viagra site viagra for sale in nz original levitra 20 mg von bayer levitra kaufen buy misoprostol does viagra make you hornier viagra in korea canadian pharmacy baclofen otc forum levitra compare viagra to generic paroxitine canada overnight delivery valtrex legit online pharmacy buy viagra in 24 hours in america ativan online in canada propranolol clorhidrato 40 mg xenical 600 mg trusted viagra pharmacies mail online wellbutrin rx purple pharmacy mexico price list amy ried where to buy lantus buy lasix mexico order abortion pill canada titanium dioxide buy cialis brand canada purchase metformin herpes pills for sale synthroid shelf life blue pill canadian pharmacy albendazole buy uk propecia canada pharmacy buying cialis on line safe website novidat indications cipla generic product price list mambo 36 pills can i order penicillin online overnight viagra oders doxine mebendazole cvs viagra no perscribtion viagra apotheke polen generic cialis 200mg buy prozac online canadian pharmacy buying roaccutane online sex power tablet for female in hindi salbutamol vs albuterol original viagra in india french pharmacy online two unisom tablets staxyn vs cialis viagra and on line prescription buy chemo pills online uk express pharmacy ubat dexamethasone abortion pill online uk cipro mexican pharmacy healthy man viagra tetracycline for fish cymbalta side effects in women compra segura viagra generica elife pharmacy pharmacy on line levitra bayer xenical generic canada pharmacy buy amoxicillin without px donde encuentro fluoxetina nitroglycerin without prescriptions best price for propecia online aciclovir wild ginseng prices how much does singulair cost cost of generic doxycycline buy metronidazole 400 mg tablets uk albuterol sulfate .083 price too much cialis comprar neovisc canadian pharmacy echeck what's in fake accutane bought online? nexium for 18.00 a month how long for cialis peaks in the blood viagra for women in bangalore lisinopril 5mg tablets como conseguir cytotec en usa online pharmacy beta blocker cialis 5mg paypal 5mg cialis from india mercury drugstore medicine price list finasteride australia want to buy viagra why is doxycycline so expensive viagra frau kaufen professional viagra next day buy strattera online cod viagra meaning cialis generico mexico ondansetron high articulo 138 buy lisinopril 10 mg without receipt hong kong viagra metformin er help testosterone levels viagra overnight shipping antabuse uk stopping metformin for pcos effect over the counter flagyl tablets propecia finasteride bali discount code for cialis chewable viagra tablets my secure tabs pharmacy cannot ejaculate viagra price list permethrin buy online generic cialis from china name of the sex tablet alesse side effects replacing seroxat to zoloft experience aprovel acheter bayer brand name levitra is one diflucan enough plant vigra wholesale discount cialis 20mg 24 hour canadian pharmacy crestor price in pakistan thalidomide cialis_generika_aus_deutschland cheapest indian prices for nizagara canadian pharmacy ampicillin acyclovir 400 no prescription online tadalafil canada online pharmacy certified vipps online pharmacies getting viagra in canada order cialis online europe netherlands gerneric augmentin overnight canada promethazine codeine can i order synthroid over the internet buy viagra paypal mh drugs kd 19 sildenafil metformin over the counter offerta viagra ed supplements overnight mg brand name awc canadian phar 1447 erectile dysfunction and pe viagra without prescription in uk buy lantus from canada buy amatriptyline cheap longtime sex tablet canadian pharmacy tylenol 3 nemazole without prescription zithromax mail singapore antibiotic treatment for e.coli uti buy paxil online in the usa pill white oval watson 540 cheapest levitra where to buy bactrim antibiotic azithromycin tablets 250 mg buy stendra 200 mg topamax annpharmacy buying prednisolone uk over the counter viagra boots orlistat 120 mg price in india order propecia by phone uk order canadian pharmacy no script prednisone overnight longterm use of baclofen malene dietich does doxycycline work for acne teva diclofenac sodium buy online buy viagra uk online online_viagra_kaufen cialis maximum dosage per day buy furosemide tablets cialis_kaufen_gunstig baclofen overnight order codeine promethazine online daily dose of b12 for men viagra on line best price reviews benefits of clomid for men generic cialis pills sale alli weight loss reviews 2012 over the counter viagra online toponlinepills levitra prezzi in farmacia buy nympho max in australia buy std antibiotics online canada doxycycline 50 mg order online combo packs viagra cialis viagra generic very very cheap how long does lasix stay in your system manforce sildenafil citrate tablets use doxycycline with beta cyclodextrin cialis australia online kamagra cialis et endometre fin elocon cream buy purchase viagra with prescription buy clomid 100mg can you buy viagra in america canadian 24hr pharmacy how much viagra to take online pharmacy that accept paypal canadian pharmacy 24h order confirm php best price viagra from uk hamilton opiate scene buy tretinoin cream 0.05 levitra in canada discount code tadalafil 20mg price canadian pharmacy without perscription tretinoin paypal tetrocycline vs doxycycline order buy cheap viagra from india quel plaisir donne le viagra orlistat 120 mg buy buy thyroxine online deliver to uk buy femara no prescription cod viagra cost nz 177 cheap misoprostol vermox plus prednisone over the counter substitute nosipren buy vigra from las vegas buy cheao store for sale picareta irish canadian online pharmacies periaktin uk price for viagra cheap brand cialis overnight shipping i want to order prevacid doxycycline sale cheapest cialis in australia viagra naturale prezzo thadafil diclofenac for sale online medications without prescription cialis soft reveiws list of all diet pills cheap meds online viagra super active reliable site for viagra order pills online pay by echeck prednisone for humans buy femara novartis next day generic viagra india pharmacy generic cialis buy prednisone cats buy avodart online canada generic levitra 20mg lidocaine buy tesco pharmacy online where can i buy kamagra online kegunaan obat meloxicam 15 mg kegunaan infatrim cialis generic best price where can i find pile x oil generic lipitor and pharmacy cheapest place to buy evista sildenafil sri lanka sinequan on line elocon cream online custom top kick 4x4 for sale inderal non perscription how to get off paxil safely buy robaxin 750 mg no prescription levitra prices at walmart adhd drugs online buy himcolin gel benefits in hindi is viamedic a reliable site online prescription drugs without rx suhagraat cialis black 800 mg reviews alli in uk is pharmacy rx one legit united pharmacy canada citrato de clomifeno 50mg cheapest xenical 120mg express scripts prior authorization propecia pills for sale free cialis samples in canada ondansetron cheap online pills order viagra can you get high off of etodolac 400 mg levitra overnight pharmacy can i get viagra without doctor cheap viagra 100mg but online online pharmacy us tadifil risperidone 2mg no prescription buy real lexapro online overnight buy retin a gel viagra sales in canada generic albuterol inhaler price prednisolone without prescription clomid usa licensed pharmacy accord arimidex trt cialis prices can you get high on mobic tadalafil brands in india compare allegra-d prices pastillas_cialis_yahoo printable levitra coupon online pharmacy for valtrex escorts furosemide medication sales viagra billed and shipped from u.s. how long does cialis take to work suhagrat hindi best site to buy viagra in australia patent expiration for viagra order toprol without rx donde comprar cytotec en maracay aragua viagra coupon free trial how good is cialis generic accutane crohns irritable bowel chea cialis uk viagra over the counter walmart atlantic drugstore codes buy zyprexa overnight medications viagra hk levitra profecional aciclovir crema rumalaya gel canada buy tretinoid cream online dapoxetine with cialis finpecia cheap pepricie no rx cialis in canada lexapro buy online no script buy cialis singapore vaigra prescription diovan overnight legal flagyl 400 mg online buy orlistat canada best website for metformin canadian presciption drugs skin care actavis promethazine codeine rx ok biz products cialis flunitrazepam online pharmacy india cheapest alli to buy foreign combivent where to buy peniclien in toronto dapoxetine pills sold in america doxycycline and cold medicine achat tadalafil medical research nolvadex for sale online pharmise with no perscription best rx sites commander nizagara en ligne premarin 0.625 mg amantadina clorfenamina viagra and canada mercado livre viagra for male and female online uk compazine otc online female viagra no prescription elvil online no rx viagra price australia pet doxycycline from canada generic tadapox viagra for women uk antibiotics fast delivery to uk buy androgel online articulo 71 buy doxycycline acne sex tablets viagra uk 191 emc spc cialis buy on craigslist legal antibiotics online buying viagra online safe popular pills online buy priligy usa nonpersription colchine where to buy cialis buy antabuse amoxicillin clavulanate 875 mg cost 7 digoxin and frusemide fast shipping viagra canada onlinedrug buy z pack online oxytrol india buy gernic levitra on line how to use himcolin gel video buy cheap generic viagra synthroid without prescriptions canada pharmacy viagra no prescription cialis en pharmacie 606 pharmacy rx world buy dyazide paypal kamagra viagra beograd azithromycin and keflex together buy drugs online no prescription order cialis greece alesse price without insurance generic tadacip cipla laboratorios india cialis metformin order india viagra prescription free canadiana pharmacy www.my.equil rx pharmacy no prescription needed cheap viagra pills for sale levitra patent expiration date ciprodex otic tamoxifen tablets online weakest to strongest ... toronto drug shop online zanaflexonline levitra without prescriptions prednisone for dogs over the counter buy nolvadex in uk healthy male cialis etodolac abuse cialis apotheke viagra 100 mg pills xenical in spain for sale what is lypothin accutane for mild acne viagra coupon walgreens generic of vardenafil suprax in canada celebrex buzz viagra en ligne carte maestro canadian pharmacy 24h reviews sucrallfate buy in england mambo 36 viagra generic equivalent priligy online cymbalta over the counter buy generic cialis 5mg order primatene mist inhaler online chloramphenicol 250 mg viagra for men in hyderabad viagra popular british websites viagra vs cialis sales male sex enhancer in rose pharmacy dexamethasone without prescription buy codeine promethazine cough syrup can you buy amoxicillin at walgreens 42 prednisone india cialis 60mg commander americain tadalafil 20mg for sale accutane canada online accessrx buy viagra online 409 ortho tri cyclen lo purchase online buy zaditor online usa best cialis online order buy cialis pay with paypal paroxetine hcl 20 mg tablet disgrasil comprar abilify without insurance canadian drug outlets in florida radio ad viagara $5 advair generic release date is there a natural form of azithromycin doxycline chicago buy viagera online best price for lavitra 20mg love pic price of viagra tablet where can i buy propranolol ireland zanax online pharmacy.europe online canada pharmacy no prescription clomid by mail pcod erection pills ejeculation buy thyroid medication online can you really order cialis online veegadrugs fda approved rx flagyl drugs cheap research chemicals usa cheap propecia 5 mg where to purchase cialis ondansetron buy cheap cialis online legit india ebay viagra for sale online masszone laboratories alli diet pills canada cheap ed meds uk cockapoo puppies pain meds uk 40 pills for 99 yasmin buy without prescription viagra shop in budapest zovirax generic over the counter generic cialis dapoxetine thyrox - 200 without a prescription best over the counter high where to buy alli diet pill available buy neurontin 800mg no prescription motilium otc indian online pharmacy reviews buy viagra online in india online birth control pill cheap buy cialis 20mg where to order promethazine codeine female viagra estrace no perscription montreal-online-pharmacy comprare cialis generico in italia buy valtrexin usa discovercard pharmacy one generic cialis 200mg pills over the counter substitute for bentyl real cialis celex modafinil uk no prescription farmacy online buy zenegra pills legal doxycycline 100mg online 5mg cialis discounts buy nexium from mexico buy tadapox online cialis_5mg_filmtabletten_28_stuck adc viagra can you buy ivermectin over the counter buy sporanox no prescription no legit canadian pharmacy cialis cialis sales no prescription drugs viagra prescription cost drugsonlinenoprescription tacrolimus online purchases novartis cafergot pills cipronax birthcontrol online cheap on line generic cialis tadalafil 20 mg chewable articulo 160 accutanedelyveri