الرئيسية | النادي اللغوي
 

صفحة شبكة صوت العربية في فيسبوكtwitterقناة شبكة صوت العربية في يوتيوبشبكة صوت العربية في موقع فليكر

النادي اللغوي
العربية صوت القرآن وصورته - د. محمد حسان الطيان طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: خصائص العربية
تقييم المستخدمين: / 7
سيئجيد 
الكاتب صوت العربية   
السبت, 09 أبريل 2011 08:34

ليست اللغة مجرد رموز أو مواصفات فنية، بل هي أسلوب تفكير ونمط بناء وتثقيف للشخصية الإنسانية، وبقدر ما تكون اللغة دقيقة يكون الفكر دقيقاً والرأي صائباً، فالإنسان عندما يفكر لا يستطيع ذلك إلا إذا وجد مخرجاً لكل فكرة بعبارة يقولها أو يكتبها، وما لم تتحول الفكرة إلى لغة فإنها تموت، ومن هنا فإن زيادة الثروة اللغوية يؤدي إلى زيادة الثروة الفكرية، ومن هنا أيضا كان الخلل في اللغة خللاً في التفكير كما قال الفيلسوف زكي نجيب محمود : "إذا دبّ خلل في اللغة دبّ خلل في التفكير" ذلك أن العلاقة بين اللغة والفكر علاقة جدلية أزلية فلا فكر دون لغة ولا لغة دون فكر .

هذا وإن ضعف اللغة  أو قوتها معيار تقاس به ثقافة الأمم وحياتها، فالمجتمع الذي تقوى لغته ترقى ثقافته وحياته وفكره. "وكم عز أقوام بعز لغات ".

ولغتنا تواجه اليوم حربا ضروسا على مختلف الجبهات، سرا وجهرا..ظاهرا وباطنا..داخلا وخارجا.. وتعضد هذه الحرب تقارير رسمية تصدرها اليونسكو مؤذنة بزوال هذه اللغة وأفول نجمها في هذا القرن الذي سيطيح بنصف لغات الأرض( أي نحو ثلاثة آلاف لغة بينها العربية).

ولا ريب أن راية العربية راية منصورة، وأن هذه التقارير ستعود بخيبة الأمل على من صاغها، لأن المولى جل وعلا قد تكفل بحفظ هذه اللغة، أو ليست لغة ذكره الذي قال فيه {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}.

ولكن هذا النصر الإلهي مرهون بالجهاد في سبيله، وبذل الغالي والنفيس من أجله، إنه مرهون بشروطه التي كتبها ربنا سبحانه بقوله: {إن تنصروا الله ينصركم}.

والعربية شعيرة من شعائر الله جل في علاه، ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب، وهي إلى هذا الرباط المقدس المتين الذي يشد بعض أبنائها إلى بعض، ويصل مشرق هذه الأمة بمغربها، وحاضرها بماضيها ومستقبلها، وهي هوية الأمة.. ووعاء فكرها.. ووسيلة تواصلها.. وأداة المعرفة فيها.
واستهدافها يعطل نمو تفكير الأمة، ويلغي عقلها، ويطمس شخصيتها، ويعبث بثقافتها، ويقطع أوصالها، ويجفف ينابيعها، ويجتث جذورها ويتركها في مهب الريح، ولاسيما أنها لغة العقيدة والقيم والثقافة والحضارة والعلم والتعليم والعبادة.

وليست العربية لغة إقليمية تخص بلداً معيناً أو شعباً مخصصاً، بل هي لغة الأمة كل الأمة، ولست أعني الأمة العربية فحسب بل الأمة الإسلامية أجمع لأنها لغة القرآن الكريم.

ومن هنا كان لزاما على كل عربي صادق في ولائه، بل على كل مسلم ملتزم بإيمانه، أن يرعى هذه اللغة حق الرعاية، وأن يحفظها ويعنى بها حق الحفظ والعناية، يقول الإمام الزبيدي: "ولم تزل الأئمة من الصحابة الواشدين ومن تلاهم من التابعين يحضّون على تعلم العربية وحفظها والرعاية لمعانيها، إذ هي من الدين بالمكان المعلوم، فبها أنزل الله كتابه المهيمن على سائر كتبه، وبها بلّغ رسوله عليه السلام وظائف طاعته وشرائع أمره ونهيه.".

ومن تنكّب عن ذلك ففي عروبته شك، وفي إسلامه نقص، كما يصرح أستاذنا الدكتور مازن المبارك حيث يقول: "وليس مخلصا للإسلام ولا واعيا في خدمة كتاب الله من لم يدعه حبُّه وإخلاصه ووعيه إلى العناية باللغة العربية، إن العربية صوت القرآن وصورته، ولا يطعن فيها أو يفصلها عنه إلا شعوبي".
----------
د. محمد حسان الطيان
منسق مقررات اللغة العربية بالجامعة العربية المفتوحة
عضو مراسل بمجمع اللغة العربية بدمشق
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته

 
ظاهرة لزوم الدور في النحو العربي : مشكلاتها وطرائق دفعها طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: بحوث نحوية
تقييم المستخدمين: / 4
سيئجيد 
الكاتب د. محمد ذنون يونس فتحي   
الجمعة, 01 أبريل 2011 20:35

ملخص البحث:

يتناول هذا البحث ظاهرة نقدية شاعت في العلوم العربية كافة بعد تسربها من الدراسات الفلسفية والمنطقية، ألا وهي ظاهرة (لزوم الدور)، فقد تكفل البحث بتعريف هذه الظاهرة وتحديدها وكيفية حصولها ومكانه، فعالج المبحث الأول مفهوم الدور وأنواعه في حين ناقش المبحث الثاني المكان الذي تحدث فيه هذه الظاهرة وخصها بمقامي التعريف والتعليل، وكان المبحث الثالث الذي اختص ببيان الأشكال التي يلزم منها الدور والطرائق التي يتسرب إليها من خلال أقلام المؤلفين والكتاب النحويين، واختتم البحث بذكر طرائق دفع الدور والأساليب التي اعتمدها النحويون لرد هذه الظاهرة المتوهمة في بعض العبارات النحوية.

ويمكن تصنيف هذا البحث في سيل الدراسات النحوية النقدية التي تعالج ظاهرة مؤدية إلى فساد التعريف والعلة، وليتعرف دارس النحو العربي على هذه الإشكالية وكيفية لزومها ودفعها بأسلوب علمي دقيق. 

المبحث الأول: الدور وأنواعه

إن الدور في اللغة من:" دار الشيء يدور دورا ودورانا... إذا عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه...، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض"([1])، ومعناه الاصطلاحي عند الحكماء والمتكلمين:" توقف كل من الشيئين على الآخر"([2])، واشترط وقوعه بين الطرفين؛ لأن التوقف يستدعي وجود متوقِّّف ومتوقَّف عليه، وهو نوعان:

1-      دور محال: ويسمى(السبقي)لاستلزامه توقف الشيء على نفسه وتقدم الشيء على نفسه، والمستلزم لكون الشيء الواحد موجودا ومعدوما في وقت واحد، وكون الشيء الواحد معلوما ومجهولا في آن واحد؛ إذ من المعروف أن العلَّة أقدم وجودا من المعلول؛ فلو توقف وجود العلة على وجود المعلول؛ لزم كون العلة الموجودة معدومة في آن افتراضها موجودة؛ ومن المعروف أيضا أن العلم بالتعريف أقدم من العلم بالمعرَّف؛ وأنه علة لمعرفة المعرَّف، فلو توقف التعريف على المعرَّف لزم كون الشيء الواحد معلوما ومجهولا في آن واحد؛ وهذا الدور المحال نعبّر عنه بأنه :"توقف كل واحد من الشيئين على الآخر قبله"؛ فالمعرَّف متوقف على التعريف فإذا توقف التعريف عليه لزم الدور المحال([3])، وهو ينقسم إلى نوعين أيضا:

أ‌-           (الدور المصرح والصريح والظاهر): وذلك إن كان التوقف بمرتبة واحدة كتوقف (أ) على (ب) وتوقف (ب) على (أ)، وكقولنا: الشمس: كوكب نهاري، والنهار: زمان كون الشمس طالعة، وكقولنا: خالد أوجد بكرًا، وبكر أوجد خالدا، فبكر متوقف في وجوده على خالد ثم خالد توقف في وجوده على بكر والواسطة واحدة وهي بكر، وهذا الدور باطل لما يلزمه من التناقض، إذ يلزمه أن يكون الشيء سابقًا لا سابقًا مؤثرًا لا مؤثرًا، بل يلزم أن يكون الشيء نقيض نفسه ضرورة المغايرة بين المتقدم والمتأخر والأثر والمؤثر، ويلزم منه أن يكون الشيء الواحد موجودا ومعدوما معا وهو محال، وذلك لأنه إذا توقف (أ) على (ب) كان (أ) متوقفا على (ب) وعلى جميع ما يتوقف عليه (ب)، ومن جملة ما يتوقف عليه (ب) هو (أ) نفسه فيلزم توقفه على نفسه، والموقوف عليه متقدم على الموقوف، فيلزم تقدمه على نفسه، والمتقدم من حيث إنه متقدم يكون موجودا قبل المتأخر، فيكون(أ) حينئذ موجودا قبل نفسه، فيكون موجودا ومعدوما معا وهو محال([4]).

ب‌-   (الدور المضمر والخفي): وذلك إن كان التوقف بمراتب كتوقف (أ) على (ب) وتوقف (ب) على (ج) وتوقف (ج) على (أ)، وكقولنا: الحركة: خروج الشيء من القوة إلى الفعل بالتدريج، والتدريج: وقوع الشيء في زمان، والزمان: مقدار الحركة، وسمي خفيا لغموض التوقف فيه بسبب تعدد المراتب وتكثرها بين الموقوف والموقوف عليه([5])، وهو محال أيضا للوازم الفاسدة المتقدمة.

2-       دور جائز ويسمى(المعي): فإنه لا يستلزم كل تلك المحالات بسبب أن توقف كل واحد من الشيئين على الآخر معه لا قبله؛ فلا يلزم كون الشيء موجودا ومعدوما في آن واحد، ولا كون الشيء معلوما ومجهولا كذلك، وهذا النوع من الدور يجوز ارتكابه في التعاريف لعدم استلزامه المحال، كتوقف كون هذا ابنا لذاك على كون ذلك أبا له وبالعكس، ومن أمثلة هذا الدور قول المعرِّف الصرفي لـ (أبى يأبى): إنه فعل ثلاثي مفتوح العين في الماضي والمضارع غير شاذ، فيتوجه إليه اعتراض بأن هذا التعريف مستلزم للدور، وكل تعريف هذا شأنه باطل، والنتيجة: إن هذا التعريف باطل، وهنا يسلِّم صاحب التعريف بأن في تعريفه دورا، ولكنه لا يسلم أنه الدور المحال قائلا: لمَ لا يجوز أن يكون دورا معيّا؟ وتوضيح الاعتراض أولا: إن المعترض رأى في التعريف دورا ؛ لأن قول صاحب التعريف (غير شاذ) يدل على أن (أبى يأبى) من الباب الثالث؛ الذي فتحت عينه لأجل حرف الحلق؛ ومن المعلوم أن حرف الحلق (الألف) على قول بعض الصرفيين([6])؛ أصلها ياء وقلبت ألفا لأجل تحركها وانفتاح ما قبلها، وهكذا لزم توقف كل واحد من الشيئين على الآخر وهو الدور؛ ولكن صاحب التعريف قبل بلزوم الدور؛ ولكنه منع أن يكون من الدور المحال، وإنما كان هذا الدور معيا لأن توقف الألف على الفتحة هو مع توقف الفتحة على الألف، ولبيان ذلك نقول: إن الحرف الصامت يحتاج عند وجود نطقه إلى مصوِّت قصير (كالفتحة والضمة والكسرة)، مع أن هذه المصوتات محتاجة إلى الحرف الصامت وجودا، وذلك يؤدي إلى الدور ولكن هذا الدور غير محال؛ لأن توقف كل واحد منهما على الآخر معه لا قبله؛ فلا تلزم المحالات المتقدمة([7]).

ولقد أوضحنا في رسالتنا للماجستير(مباحث المصطلح النحوي في حواشي شرح القطر- 1996م، بإشراف الاستاذ الدكتور عبد الوهاب محمد علي العدواني) العبارات التي يشوبها الغموض وتقارب الدلالة مما يؤدي إلى الاضطراب في تحديد المراد منها، ولا بأس من التطرق لها استكمالا للفائدة، وهذه العبارات هي:

تقدّم الشيء على نفسه.

توقّف الشيء على نفسه.

تعريف الشيء بنفسه.

والعبارة الثالثة تستلزم العبارتين الأوليتين ولذا ابتدأنا بها؛ إذ تعريف الشيء بنفسه أعم من التعريف بما يساويه كتعريف الملكات باعدامها، مثل قولهم: الحركة ما ليس بسكون والبصر عدم العمى([8])، وأعم من أخذ المعرّف في أجزاء التعريف، كتعريف المرفوعات بـ: ما اشتمل على علَم الفاعلية([9])، وكلاهما ممنوع عند أهل النظر؛ لما قرّروه من أن معرفة التعريف أقدم من معرفة المعرّف، لأن معرفة المعرِّف علة لمعرفة المعرَّف، والعلة مقدمة على المعلول([10])، وفي الأول: وهو تعريف الشيء بما يساويه يحصل العلم بهما معا، وفي الثاني: وهو أخذ المعرَّف في أجزاء التعريف يلزم كون المجهول معروفا، فتعريف الشيء بنفسه مستلزم للعبارة الثانية وهي(توقّف الشيء على نفسه) وهذا هو الدور، فالدور هنا أمر لزومي وإذا تحقق الدور لزم تحقق العبارة الأولى وهي(تقدّم الشيء على نفسه)؛ لانا لو أخذنا(يتعدى) مثلا في تعريف (الفعل المتعدي) لزم تعريف الشيء بنفسه، ومن ثم سيتوقف فهمه على المعرَّف وهو(الدور) ونتيجة لهذا يلزم العلم بالشيء قبل نفسه لأن التعاريف معلومة قبل المعرَّفات، ولقاعدة اللازم للازم الشيء لازم له، يعني تعريف الشيء بنفسه مستلزم توقفه على نفسه وتوقفه في نفسه مستلزم تقدمه عليها، ونتيجة هذا أن تعريف الشيء بنفسه مستلزم تقدمه على نفسه، وبهذا كانت العبارة الثالثة مستلزمة للأولى، ويكون التعبير بـ(لزوم الدور) حقيقة؛ لأن الاستلزام فيها ظاهر إطلاقه، وأما العبارة الثانية فدالها المطابقي هو الدور، وهو أن يؤخذ في التعريف لفظ يتوقف في تعريفه الخاص به على المعرَّف الأول، ومثال ذلك: أخذ العامل في تعريف الإعراب، واخذ الإعراب في تعريف العامل على سبيل المعاوضة، فيصدق حينئذ (توقف كل من الشيئين على الآخر)([11]).

وحين يكون الاعتراض على صريح التعريف ممنوعا فلزوم الدور راجع إلى قضيتين ضمنيتين متلازمتين هما: إن التعريف ليس أخفى من المعرّف، والعلم بالتعريف قبل العلم بالمعرّف([12])، وتبين مما ذكرناه قبلا أن للدور نوعين آخرين يمكن تقسيم الدور إليهما باعتبار وقوعه في عبارات الدارسين، هما:

أ- الدور باعتبار المطابقة: وهو توقف كل من الشيئين على الآخر، ومنه اعتراض أبي الثناء الآلوسي على تعريف ابن هشام لمصطلح (الإعراب المعنوي) وهو: تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليه، فقد أخذ (العامل) في تعريفه، ولما عرّف النحاة (العامل) أخذوا (الإعراب) في تعريفه أيضا في قولهم: العامل: ما به يحدث المعنى المحوج للإعراب([13])، وإنما كان هذا ممنوعا لأنه يؤول إلى تعريف الشيء بنفسه، فكأننا لما أخذنا العامل في تعريف الإعراب المعنوي عرّفنا الإعراب بالإعراب؛ لأن العامل قد عرِّف به، ولذا يتجوّز بعضهم بإطلاق تعريف الشيء بنفسه على الدور مراعين حالة ما يؤول إليه، وتعريف الشيء بنفسه لا يغني السامع شيئا؛ إذ هو محتاج إلى تعريف واضح الدلالة لا يشوبه الغموض والإحالة لتنقية ما في حسه اللغوي من دلالات وتصورات عند سماع المصطلح مجرّدا، وهذا الفهم كثيرا ما يكون غير مراد، فلو أفاد التعريف ما أفاده المصطلح من البيان لم تحصل للسامع فائدة جديدة، فيكون هذا كتحصيل الحاصل، فانتفت قيمة التعريف وذهب غرضه، ولذا حرص المحشون تبعا لغيرهم على الاهتمام بهذا الجانب الحيوي في التعاريف ليزول الغموض وتنتفي الشكوك، وللهرب من لزوم الدور هذا قدّم الصبان(ت 1205هـ) تعريفا آخر للعامل بقوله:" الطالب لأثر مخصوص"([14])، علما بأن دفع الدور بهذا غير متعين، فالأوجه أن يقال: المراد بالعوامل في تعريف الإعراب الأفراد والأمثلة الخارجية دون المفهوم، والمعرَّف هو المفهوم، فلا توقف بين التعريفين لاختلاف الجهة وينتفي تبعا لذلك تعريف الشيء بنفسه، ويرشح هذا التوجيه قول ابن هشام نفسه: العوامل الداخلة؛ لأن المفاهيم لا توصف بالدخول، فالموصوف به حينئذ إنما هو الفرد الذي يدخل على الأسماء والأفعال فيحدث فيها الأثر المخصوص، وهي متوقفة على العلم بالوضع دون المعرَّف.

ب- الدور باعتبار اللزوم: ولما كان تعريف الشيء بقسميه (التعريف بالمساوي والتعريف بأخذ المعرَّف في أجزاء التعريف مستلزما لتوقف الشيء على نفسه وهو توقف كل من الشيئين على الآخر كان الدور المتحصل في هذا القسم لزوميا، ومنه اعتراض أبي الثناء الآلوسي على تعريف مصطلح(الطلب) بـ: الأمر بالصيغة([15])، إذ الطلب في الاصطلاح هو: استدعاء مطلوب غير حاصل وقت الطلب([16])، وهو بمعنى الأمر فيلزم عليه أخذ المعرَّف في أجزاء التعريف، وهذا من تعريف الشيء بقسمه الثاني، ومنه يعلم أن الأخذ المذكور قد لا يكون باللفظ نفسه بل بمفهومه ومعناه، وإذا أخذ المعرَّف في أجزاء التعريف فسيتوقف فهم التعريف على المعرَّف والمفترض هو العكس،وهذا الاعتراض متجه إلى قضية ضمنية مفادها: إن التعريف ليس أخفى من المعرَّف، فكأنه قال: إنه أخفى؛ لتوقف فهمه على فهم المعرَّف، فأجاب لدفع هذا الخفاء في التعريف بتحرير المراد(باصطلاح أهل المناظرة) بأن (الأمر) الوارد في التعريف متحقق بالمعنى اللغوي الصادق بالطلب وغيره، كنحو: لا تضرب ولتضرب وضربا، فكانت هذه الصيغ من حيث العموم اللغوي أوامر بيد أنها ليست في الاصطلاح طلَبا؛ لأن المراد بالطلب هنا بمعونة المقام(:علم النحو): الصيغة المعينة من قبل الواضع وهي: اضرب وأشباهها؛ لأن الطلب في غير علم النحو شامل للاستفهام والنهي والتمني...الخ، وبعد هذا الجواب اندفع التوقف من جهة الأمر(التعريف) على الطلب(المعرَّف) للعموم والخصوص المتحقق بينهما، ولا بأس في التوقف الآخر لأنه الأصل، إذ فهم المعرَّف متوقف على فهم التعريف.

ويمكن لنا أن نقسم الدور باعتبار تحققه وعدم تحققه إلى نوعين أيضا، هما:

1-    الدور الحقيقي: وهو المتحقق في عبارات النحويين عند الاستدلال أو التعريف للمصطلحات، حيث يقع المعلول علة والمعرَّف تعريفا، كما سيتضح ذلك في هذا البحث.

2-    الدور المتوهم: وهو الناشئ عن عدم ملاحظة الفرق بين التوقف بين الشيئين والافتقار في كل واحد منهما للآخر، فقد بين أبو حيان العلاقة الوطيدة القائمة بين الاشتقاق والتصريف التي قد يتوهم منها (لزوم الدور)، في حين لا يوجد توقف في الحقيقة وإنما مجرَّد افتقار بينهما، بقوله:"جعلتم معرفة الاشتقاق متوقفة على معرفة التصريف، وأهل التصريف يجعلون معرفته متوقفة على معرفة الاشتقاق لتعريف الزائد فيحكم بزيادته، فإنا لا نعلم أن (كوثرا) مشتق من الكثرة حتى يعلم أن الواو زائدة، ولا نعرف أنها زائدة حتى نعلم أنه مشتق من الكثرة، وذلك دور فيمتنع، قلنا: إذا عرفنا الأصلي من الزائد حكمنا باشتقاقه من الأصلية، فكل من التصريف والاشتقاق يفتقر إلى الآخر ولا يتوقف عليه"([17]).

ولم تكن الانتباهة على هذا العيب الاستدلالي مقصورة على الدرس الفلسفي فحسب، بل انتبه قدامى النحويين وهم يتحدثون عن العلة وشروطها على هذا الخطأ الاستدلالي الذي يرتكبه بعض مصنفي النحو، فقد عقد ابن جني بابا تحدّث فيه عن (دور الاعتلال) وقصد به مصطلح الدور الذي عرّفناه سابقا موردا لزوم الدور في كلام أبي العباس المبرِّد عندما علَّل: "وجوب إسكان اللام في نحو ضربْنَ وضربْتُ إلى انه لحركة ما بعده من الضمير يعني مع الحركتين قبل، وذهب أيضا في حركة الضمير من نحو هذا إنما وجبت لسكون ما قبله، فتارة اعتلّ لهذا بهذا ثم دار تارة أخرى فاعتلَّ لهذا بهذا، وفي ظاهر ذلك اعتراف بأن كل واحد منهما ليست له حال مستحقة تخصه في نفسه، وإنما استقر عليه لأمر راجع إلى صاحبه"([18])، ولم يكن ارتكاب الدور مقتصرا على المبرِّد بل وقع فيه سيبويه أيضا عندما أجاز (الجر) في: هذا الحسنُ الوجهِ، تشبيها بـ: الضارب الرجلِ، علما بأن الجر إنما جاز في الضارب الرجل لتشبيهه بالحسن الوجهِ، فقد:" صار كل واحد من الموضعين علة لصاحبه في الحكم الواحد الجاري عليهما جميعا"، ولكنه يجيب عن هذا الدور الأخير بما يقوّيه ويثبته معللا ذلك بالكثرة:" فالعذر أن الجرَّ لما فشا واتسع في نحو: الضاربُ الرجلِ والشاتمُ الغلامِ والقاتلُ البطلِ، صار لتمكنه فيه وشياعه في استعماله كأنه أصل في بابه، وان كان إنما سرى إليه لتشبيهه بالحسن الوجهِ، فلما كان كذلك قوي في بابه حتى صار لقوته قياسا وسماعا كأنه أصل للجر في: هذا الحسنُ الوجهِ"([19])، ولكنه سماه عذرا ضعيفا والأضعف منه الاعتذار عن المبرد؛ لأن علة سيبويه قائمة على التشبيه بين شيئين فيمكن القول: إن الفرع قوي قوة الأصل فصار علة بعد أن كان معلولا ، في حين خلا تعليل المبرد من التشبيه فلا يمكن الاعتذار عنه بمثل ذلك، وان كنت اعتقد بأن الأولى في التعليل هو تشبيه الضارب الرجلِ بالحسن الوجهِ؛ لأن الضارب عامل في المفعول به فلما خرج إلى الجر علل بالحمل على الصفة المشبهة، ويكون التعليل للجر في الحسن الوجهِ على الأصل في قانون الإضافة، لأن عمل الصفة المشبهة ضعيف؛ لأنها تعمل لشبهها باسم الفاعل([20]).

وقد يطلق الدور بمعناه اللغوي وهو ما يعبر عنه أحيانا بـ(الكرّ إلى ما منه الفرّ)، فقد عقد ابن جني بابا بعنوان (باب في الدور والوقوف منه على أول رتبة)، ومثاله أنا لو نسبنا إلى (العصا) نقلب الألف واوا فنقول(عصَوِيّ) فتدخل الواو حينئذ في باب الواو المتحركة المفتوح ما قبلها وهذا يقتضي قلبها ألفا، ولكن تجنب هذا فرارا من الدور؛ لأنه لو قلبت الواو ألفا نعود فنقلبها واوا لوقوعها قبل ياء النسب فترجع إلى الواو([21])، وليس هذا من الدور الاصطلاحي في شيء لانه لا توقف بين الطرفين على علة واحدة.

المبحث الثاني: أين يقع الدور

إن الكلام اللغوي إما مشتمل على (نسبة وحكم) وهو المسمى عند المنطقيين بالقضايا التصديقية مثل(زيد قائم)، وإما خال منهما وهو ما يسمى عندهم بالتصورات كتصور(زيد) مثلا، والعلم إما معلومات تصديقية أو تصورية توصل إلى مجهولات تصديقية أو تصورية، فالموصل إلى النتائج التصديقية هي القضايا التصديقية المحتوية على نسبة وحكم؛ لاشتمالها على المحكوم به وعليه والنسبة الرابطة بينهما([22])، ولكن قد يحدث عند الاستدلال للتوصل إلى النتيجة الوقوع في الدور، حيث تكون النتيجة متوقفة على الدليل فلو توقف الدليل على النتيجة لزم الدور([23])، وهو ممنوع لأنه يخالف فكرة الاستدلال على الشيء لغرض إثباته، في حين يكون الموصل إلى المجهولات التصورية هي المعلومات التصورية بعد تركيبها بنسق معين قد قرر في علم المنطق وهو المسمى بـ(التعريف)، فإننا إذا أردنا أن نصل إلى مجهول تصوري كالإنسان مثلا عمدنا إلى ألفاظ مفردة ونسقناها في ضوء معطيات منصوص عليها، توصلنا من خلالها إلى فهم حقيقة (الإنسان) فنقول: إنه حيوان ناطق، ولكن التعريف لا يشتمل على نسبة وحكم، بل هو تصوير وشرح وبيان للماهيات المجهولة([24])، وقد أشار التفتازاني إلى وظيفة التعريف في تحصيل تصور الشيء المراد تعريفه عندما قال :" معرِّف الشيء ما يقال عليه لإفادة تصوره"([25])، أي ما يحمل على المعرَّف حتى يفيد تصوره إما بالكنه أو بوجه يمتاز عما عداه([26])، وقد يقع المعرِّف في الدور عندما يورد لفظا في تعريفه متوقفا فهمه على المعرَّف، والمفترض توقف المعرَّف عليه دون العكس، وهو ممنوع للزوم التعريف بالاخفى والمجهول، ويقتضي هذا الكلام المختصر ضرورة التعرف على أنواع التعريف، لكي نعرف مواطن وقوع الدور من عدمها، وهي :

1. التعريف اللفظي: وهو بيان معنى لفظ مبهم بلفظ أوضح منه في الدلالة، كقول بعضهم :" الغضنفر: الأسد" أي ما وضع له الأول هو ما وضع له الثاني، فهذا النوع من التعريف لا يعطي معنى الغضنفر، وإنما يفسر اللفظ بلفظ آخر مشهور ومعروف([27])، أي أن هناك وضعين لمسمى الأسد هو الغضنفر والأسد، وقصد من خلال التفسير بيان أن ما وضع له الغضنفر من معنى هو بعينه ما وضع له الأسد، فهو بيان لفظي فقط، وهذا كثير الوقوع في كلام الناس، حيث يعمدون إلى تفسير ألفاظ غير مشهورة بألفاظ أخرى مشهورة، سواء كانت مترادفات أم متقاربات بأن يكون أحدهما اسما والآخر صفة، إذ نقول :"القاطع : السيف" فإن لفظة السيف موضوعة لتلك الماهية، بخلاف لفظ القاطع ، فإنه مجرد صفة له في حالة معينة، ومع ذلك فقد يقع أحدهما تفسيرا للآخر عند الجهالة، ولو تأملنا هذا النوع من التعريفات لوجدنا أنه الدور بعينه لتوقف كل منهما على الآخر، وهو غير مضرّ؛ لأننا لم نقصد من التعريف بيان حقيقة الشيء وكنهه حتى تلزم الجهالة المرفوضة عند التحديد، وإنما القصد تفسير اللفظ وبيان معناه الوضعي في اللغة بلفظ أوضح منه عند المخاطب ليس إلا، فكما أن الدور المعي غير مضر فلزوم الدور في التعريف اللفظي الواقع في صناعة المعاجم كذلك.

2. التعريف المعنوي : وهو ما يقصد به تحصيل صورة جديدة في ذهن من له التعريف مخاطبا أو غيره([28])، وهذا النوع يفسر معنى اللفظ المجهول، وهو المراد عند إطلاق كلمة (التعريف) في علم المنطق، لأن الغاية من بحثه في علم المنطق الوصول إلى المجهولات التصورية من خلال المعلومات التصورية بعد ترتيبها بنسق منطقي مقبول([29])، وليست مهمته الكشف عن لفظ مبهم بلفظ آخر أوضح منه. 

 والتعريف المعنوي ينقسم باعتبار تركبه إلى :

1-    التعريف بالحد: وهو التعريف المتكون من الذاتيات كالجنس والفصل، وهو إما تام أو ناقص، ويفيد العلم بكنه المعرف .

2-      التعريف بالرسم: وهو التعريف المتكون من العرضيات كالخاصة والعرض العام وهو أيضا أما تام أو ناقص، ويفيد العلم بالمعرف على وجه الامتياز عما عداه، بحيث لا يغدو مختلطا بغيره من الحقائق والمفاهيم([30]).

ومن المناسب بيان موقف الدراسات اللغوية من هذه التقسيمات؛ لأهميتها في الاستعمال الاصطلاحي الواقع في المؤلفات العلمية، ولبيان تفرد هذه الدراسات عن التأصيل المنطقي المتعمق لاختلاف جهة البحث ودائرة الاهتمام، فالحد عند أهل العربية مرادف للمعرِّف، والأصوليون وأهل العربية لم يفرقوا بين التعريف والحد، فقد أطلقوا كلتا التسميتين على الأخرى لترادفهما عندهم، وبقي مصطلح الرسم دخيلا على دراساتهم ومذكورا على سبيل المماشاة للمناطقة، وتوضيح ذلك يقودنا إلى الغرض من مصطلح(التعريف) في الحقول العلمية، فللمناطقة اهتماماتهم الخاصة وللنحاة والأصوليين اهتمامات أخرى، فكل علم له موضوع وغاية خاصّتان به، من أجلهما تتمايز العلوم وتفترق الدراسات، فغرض المناطقة الكشف إما عن ماهيّات الشيء أو عوارضه ليحصل الإطلاع على كنه المعرّف أو امتيازه من جميع ما عداه أو بعضه، ولنميّز بين ما هو ذاتي داخل في حقيقة المعرّف، وما هو عرضي خارج عن حقيقته لازم له، لأنهم يبحثون عن عناصر التركيب وخصائص المكوّنات.

 أما الأصوليون وأهل العربية فهم في صوب آخر، لأن غرضهم تحديد المفهوم النحوي أو الأصولي بشكل يدفع اشتباه المصطلح بغيره ويفسّر المراد منه ويحدّد العناصر المكونة للمفهوم، والخصائص والشروط اللاحقة به، سواء كان المعرِّف ذاتيا أم عرضيا، فالتعريف عندهم سواء سمّي حدّا أو رسما هو(الجامع المانع)([31])، بأية طريقة سلكت في تعريفه: ضابطة أو شرطا أو حكما أو تمثيلا أو تقسيما أو بيان وظيفة أو تحديد شكل، فبؤرة التعريف هي تحقيق عنصر التمييز وعدم الاختلاط المفهومي، هكذا فهم ابن هشام(ت761هـ) مصطلح(التعريف) فيما نقله عنه أبو الثناء الآلوسي(ت1270هـ) وسنورده كاملا، لأنه وثيقة تاريخية لم نجدها فيما بين أيدينا من كتب ابن هشام، وهي تدلّ على مدى التعمّق في أغراض العلوم، وما ينبغي أن يؤخذ منها ويطرح، قال ناقلا عنه:" إن المصنف نفسه صرّح في بعض تعليقاته: بأن حدود النحاة وغيرهم من علماء الشرع ليست حقيقيّة يراد بها الكشف التامّ عن حقيقة المحدود، وإنما الغرض منها تمييز الشيء ليعرف أنه صاحب هذا الاسم، ولهذا لا تراهم يحترزون عما يحترز عنه أهل العقليات من استعمال الجنس البعيد ونحوه، وإنما وقع الاعتراض عليهم بذلك وأمثاله في كتب النحو من جهة متأخري المشارقة الذين نظروا في تلك العلوم ولم يراعوا مقاصد أرباب الفنون"([32])،  ونجد صدى ذلك عند عبد الغفور(ت912هـ)([33]) وعبد الحكيم(ت1067هـ)([34]) في حاشيتهما على الفوائد الضيائية في شرح عبارة ابن الحاجب(ت646هـ)([35]): "وقد علم بذلك حد كل واحد منها" ما حاصله: "انه ليس غرض الأدباء من الحد إلا التميّز التام، وأما التمييز بين الذاتيات والعرضيات فوظيفة الفلاسفة الباحثين عن أحوال الموجودات على ما هي عليه، فالحد عند الأدباء هو المعرِّف الجامع المانع وهكذا ذكره عصام الدين(ت1037هـ)"([36]) حيث قال: "معنى الحد عند الأدباء المعرِّف الجامع المانع كما صرَّح به ابن الحاجب في الأصول"([37]).

ولقد بيَّن علماء البحث والمناظرة - لطبيعة اهتماماتهم بالدليل والاستدلال والتوضيح للحقائق التي يتم فيها التنازع والاختلاف العلمي - وقوع (الدور) عند التعليل والتعريف، وذكروا شروطا يلتزم بها مورد الدليل والتعريف؛ حتى لا يؤدي عمله إلى نقض لدليله أو تعريفه نتيجة الوقوع في الدور، وبحثوا ذلك كله في (النقض) عند بيان وظائف المعترض والمجيب له ذاكرين الأصول والقواعد التي يعترض بها المعترض، ويدافع بها المستدل عن دليله أو المعرِّف عن تعريفه، فقد ذكروا أن التعريف باعتبار نفسه لا يتعلق به منع ولا نقض ولا معارضة عند مناقشته، وإنما تتحقق هذه الوظائف الثلاثة باعتبار شرائطه، حيث تتولد من هذه الشرائط قضايا ضمنية يدعيها صاحب التعريف، منها:

أ‌-        المساواة للمعرَّف: أي أن جميع ما يصدق عليه المعرَّف يصدق عليه التعريف ، فلا يجوز أن يكون التعريف أعم من المعرَّف أو أخص منه مطلقا أو من وجه أو مباينا له، وللتمثيل على أنواع التعريفات نمثل لها بالآتي :

1-    المساوي: كقولنا: الإنسان: حيوان ناطق.

2-    الأعم: كقولنا: الإنسان:حيوان.

3-    الأخص: كقولنا: الحيوان: ناطق.

4-    من وجه: كقولنا: الإنسان: أبيض.

5-    المباين : كقولنا :الإنسان : حجر.

وصاحب التعريف فيها جميعا يدعى أن تعريفه مستكمل للشرائط([38]) .

ب‌- الجلاء والوضوح منه : فيشترط أن يكون التعريف أجلى من المعرَّف وأوضح منه، لأن التعريف وضع لبيان المعرف وشرحه، فلا بد أن يكون أوضح منه في الفهم، لأن التعريف علة لمعرفة المعرَّف، فلو كان خفيا غير أجلى من المعرَّف لزم كون معرفة المعرَّف سببا للمعرفة بالتعريف وذلك عكس الافتراض([39])، ويتحقق الخفاء وعدم الوضوح في الآتي:

1-   التعريف المستلزم للدور:

 فقد تأتي بعض التعريفات متوقفة على المعرَّف كالتعريف بالمساوي في المعرفة والجهالة([40])، أو أخذ المحدود في أجزاء الحد فيؤدي إلى توقف فهم التعريف على المعرف، والأصل أن يتوقف فهم المعرف على التعريف دون العكس، فإذا حصل ذلك لزم توقف كل من الشيئين على الآخر وهو الدور، وسبب ذلك كون التعريف أخفى من المعرف، إذ لو كان أوضح منه لما لزم ذلك، ومثال ذلك قول الفلاسفة: الحركة ما ليس بسكون، والعلم عدم الجهل والبصر عدم العمى حيث عرِّفت الملكة بالعدم([41])، وهو التعريف بالمساوي للمعرَّف في المعرفة والجهالة، فالحركة متوقفة على التعريف؛ لأن معرفة المعرَّف متوقفة على التعريف، والتعريف هنا قد توقف على المعرَّف، لأن الأعدام إنما تعرف بملكاتها، فلزم توقف كل من الشيئين على الآخر، والتعريف على هذا أخفى من المعرَّف، وإنما قيدوا المساواة بالمعرفة والجهالة؛ لأن المساواة بين المعرف والتعريف تكون مطلوبة في الصدق دون غيرها، ومعنى المساواة في الصدق أن يكون التعريف جامعا مانعا، فكل ما صدق عليه التعريف أو المعرف صدق عليه الآخر، دون المساواة في المعرفة والجهالة لأنها تؤدي إلى التعريف بالأخفى، فإذا قيل: ويشترط في التعريف مساواة للمعرف، علم أن المراد المساواة في الصدق، وإذا قيل: لا تجوز المساواة بين التعريف والمعرف علم أن المراد التساوي في المعرفة والجهالة([42]أو كأخذ المحدود في أجزاء الحد، كتعريف المرفوعات بما اشتمل على علم الفاعلية، حيث يلزم منه توقف الشيء على نفسه، وإذا تحقق (الدور) لزم منه شيء آخر وهو (تقدم الشيء على نفسه) وكله محال؛ لأنه يلزم منه كون المجهول معلوما، مع أن المقرر في التعاريف أن معرفة الحد أقدم من معرفة المحدود، لأن معرفة التعريف علة لمعرفة المعرَّف والعلة متقدمة على المعلول، وفي التعريف بالمساوي في المعرفة والجهالة يحصل العلم بهما معا، وفي أخذ المحدود في أجزاء الحد يلزم كون المجهول معروفا، ومثل ذلك اعتراض أبي الثناء الآلوسي(ت 1270هـ) على تعريف ابن هشام لـ (الإعراب المعنوي): وهو تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليه، فقد أخذ (العامل) في تعريفه ولما عرف النحاة (العامل) أخذوا (الإعراب) في تعريفه أيضا، وذلك في قولهم: العامل ما به يحدث المعنى المحوج للإعراب، ومثال آخر للدور كأخذ المحدود في أجزاء الحد بشكل صريح، كقول الصرفيين في تعريف مصطلح (المتعدي) بأنه (الذي يتعدى إلى  مفعول به)، ومن أمثلة التعريف المساوي في المعرفة والجهالة تعريف النحوي لمصطلح (المفرد) بأنه : ما ليس بمركب، حيث يدعي أحد بأنه مجهول كجهالة المعرف.

وهنا قد يقول قائل، هل كل مساو للمعرف في المعرفة والجهالة دور ؟ والجواب عن ذلك بأن المساوي للمعرف في المعرفة والجهالة قد يكون دورا وقد لا يكون، لأنه يلزم من بعضه توقف كل من الشيئين على الآخر، إلا أنهم قد فصلوا بينهما، لأن أهل المنطق قد اشترطوا كون التعريف معلوما قبل المعرف، فلو علم بهما معا كما في التعريف بالمساوي (العلم: عدم الجهل)- ووجه الدور فيه أن الجهل لكونه أمرا سلبيا للعلم محتاج في تصوره الى الملكة(العلم)، فلزم توقف الجهل على العلم، وتوقف العلم على الجهل، وذلك هو الدور، أو تأخر العلم بالتعريف عن العلم بالمعرَّف كما في أخذ المحدود في أجزاء الحد - لزم الدور، ومن أمثلة التعريف المساوي للمعرَّف في المعرفة والجهالة من دون لزوم الدور تعريف النحوي لمصطلح المفرد بأنه المعرب بإعراب واحد ، حيث يدعي أحد بأنه مجهول كجهالة المعرف.

2-  التعريف المستلزم للتسلسل:

حيث تأتي بعض التعريفات المتوقفة في الفهم على شيء آخر غير المعرف، وهو بدوره متوقف على آخر إلى ما لا نهاية، فيؤدي هذا إلى توقف فهم التعريف على أمور لا نهاية لها، والمفترض أن يكون التعريف واضحا غير متوقف على شيء آخر متسلسل([43]).

3-      التعريف المشتمل على لفظ مشترك:

 حيث تأتي بعض التعريفات مشتملة على لفظ مشترك، وهو الدال على أكثر من معنى واحد، ومن ثم يؤدي هذا التكثير في المعنى إلى إيهام واضطراب في تحديد الدلالة المرادة من المعرَّف، وقد نبه العلماء على ضرورة الاحتراز عن اللفظ المشترك في التعريف حتى لا يكون التعريف أخفى من المعرَّف، وقد بينوا جواز وقوع المشترك في التعريف، إذا كانت هناك قرينة دالة على إرادة أحد معانيه، أو صلاحية كل من معانيه اعتمادا في التعريف([44]).

4-      التعريف المشتمل على المجاز:

 حيث تأتي بعض التعريفات مشتملة على معنى مجازي، ويظهر ذلك عند الاعتراض على التعريف ودلالاته، فيتكئ صاحب التعريف على إرادة المجاز متخلصا من الاعتراض، ولكنه يقع في عيب أشار إليه أصحاب التعريف وهو عدم جواز استعمال المجاز في التعريف، لأن الغالب مبادرة المعاني الحقيقية إلى الفهم([45])، فيضيع الغرض المنشود من التعريف وهو الجلاء والوضوح، لكنهم بينوا جواز وقوع المجاز في التعريف إذا كانت هناك قرينة دالة على إرادته وتعيينه، أو أريد كل من المعنى الحقيقي والمجازي في تعريف واحد.

5-      التعريف المستلزم اجتماع النقيضين ومصادمة البديهة وغيرها من أنواع الفسادات الطارئة على التعاريف، وكل تعريف هذا شأنه فهو باطل.

ومما يجب التنبه له أن الدور كما يقع في التعريفات بشكل بارز يقع عند الاستدلال على الأحكام والمسائل العلمية أيضا([46])، وهو موضوع عنايتنا في هذا البحث أيضا، ومثال ذلك قولنا: درست لأنجح، فإن الدرس علة والنجاح معلول له، ولو تصورنا جعل النجاح علة والدرس معلولا، لزم توقف كل من الشيئين على الآخر وهذا باطل بداهة، ومن ذلك ما نجده من النقض ببيان استلزام الدعوى الدور: ومثال ذلك من علم الصرف أن(الباب الثالث) من أبواب الفعل الثلاثي المجرد يكون مفتوح العين في الماضي والمضارع بشرط أن يكون عين فعله أو لامه حرفا من حروف الحلق ما عدا (أبى يأبى) حيث جاء بفتح العين في المضارع والماضي مع عدم كون عينه ولامه حرف حلق، فقال الصرفيون: إنه شاذ أي مخالف للقياس، ولكن بعض العلماء ادعى أن (الألف) حرف حلق وفتحت العين لأجلها([47])، فكأنه قال بدعوى مفادها: أبى يأبى فيه حرف حلق وفتحت عينه لأجلها، فعندئذ يقول (السائل)أي المعترض: هذه الدعوى منقوضة لاستلزامها الدور، وبيان الدور فيها: أن وجود الألف موقوف على الفتح؛ لأنه في الأصل (ياء) قلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فلو كان الفتح بسبب الألف لزم الدور؛ لتوقف الفتح عليها وتوقفها عليه، وكل ما يستلزم الدور فاسد، فهذه الدعوى فاسدة ومنقوضة، ومثل ذلك ما جرى الخلاف فيه بين العلماء في إمكانية تعريف (العِلم)، فذهب بعضهم إلى قضية مفادها: العلم يمكن تحديده وتعريفه، فتوجه إلى هذه الدعوى نقض ببيان استلزامها الدور، وكل ما يستلزم الفساد فاسد، ووجه الدور فيه: أن غير العِلم إنما يعلم ويعرف بالعلم، فلو علم (العلم) بالعلم لزم الدور([48])، ولكن الدليل إذا استلزم الدور الفاسد فإن الدعوى المبنية على شيء فاسد فاسدة أيضا، ولكن لا يلزم من انتفاء الدليل انتفاء المدلول، إذ يحق لصاحب الدعوى أن يأتي بدليل آخر غير مستلزم للفساد المذكور ويثبت به المطلوب، وذلك لأن فساد الدليل غير مستلزم لفساد الدعوى لكونها لازما أعم([49])، بخلاف العكس؛ لأن انتفاء الأعم مستلزم لانتفاء الأخص.

المبحث الثالث: أشكال لزوم الدور

بعد التتبع والبحث في كلام النحويين وجدنا ظاهرة لزوم الدور تقع في كلامهم بأشكال متعددة، قاموا بتوضيحها وعرضها تفصيليا حتى يجتنبها الباحث والمؤلف عندما يعرّف المصطلحات أو يستدل على الأحكام، وتلك الأشكال يمكن إيجازها والتمثيل لها بما يأتي:

1-     التعريف بالمساوي: وذلك كتعريف الملكات باعدامها مثل قول الفلاسفة: الحركة ما ليس بسكون والبصر عدم العمى([50])، وهو ممنوع لما قرروه من أن معرفة التعريف أقدم من معرفة المعرف؛ لأنه علة لمعرفته والعلة مقدمة على المعلول، وفي التعريف بالمساوي يحصل العلم بهما معا، ولم يقع هذا الشكل في كلام النحويين، وإنما ذكرته تنبيها لما يقع عند التدريس أحيانا حيث نقول: الموضوع ما ليس بمهمل، والرفع هو التجرد من العوامل.... وهذا من تعريف الملكات بأعدامها؛ لأن وضع الكلمات في اللغة لمعان أمر وجودي مقارنة بالمهملات التي هي أعدام وظاهرة الرفع وجودية بالنسبة للتجرد العدمي، وهذا لا يفيد المخاطب شيئا؛ لأنه إحالة على تعريف غامض متوقف في حد ذاته على فهم الملكة والوجود؛ لأن الأعدام إنما تعرف بملكاتها، وقد ذكر ابن سينا(ت428هـ) أن:" المتقابلات بحسب السلب والعدم فلا بد من أن نأخذ الموجب والملكة في حديهما من غير عكس"([51]).

2-  أخذ المعرف في التعريف: وذلك ظاهر في تعريفهم (اسم الإشارة) اذ عرفوه بأنه:" ما دلّ على مسمّى وإشارة إليه"([52]) حيث أخذ المعرِّف لفظ (الإشارة) وهو موجود في المعرَّف أيضا، وذلك يؤدي إلى لزوم الدور؛ لأن المعرَّف متوقف معرفته على معرفة التعريف بأجزائه، وذلك يستدعي أن يكون العلم بالتعريف حاصلا قبل العلم بالمعرَّف، وقد اشتمل التعريف على لفظ مجهول واقع في المعرف، فيلزم توقفه على معرفة المعرف، والقضية معكوسة لأنها الغاية من عملية التعريف، فلزم الدور نتيجة لذلك.

3-   إيراد لفظ في التعريف متوقف تعريفه على المعرف: والخلاف بين هذا الشكل والشكل السابق عليه أن ما هنا قد أورد لفظا اصطلاحيا في تعريف المصطلح يتوقف تعريفه على تعريف المعرف، في حين كان الشكل السابق قد أورد لفظ المصطلح نفسه أعني لفظ المعرّف في التعريف، كما يتوضح ذلك من مقارنة الأمثلة، وقد وقع ذلك في تعريفهم مصطلح (الفعل) من خلال ذكر علاماته، فقد يعرف النحويون المصطلحات النحوية بذكر علاماتها دون بيان حقائقها الذاتية، كما نجد ذلك كثير الوقوع عند ابن مالك في ألفيته، فقد عرّف ابن مالك أيضا الفعل بقوله([53]):

بتا فعلت وأتت ويا افعلي               ونون أقبلن فعل ينجلي

ففسر (الفعل) من خلال قبوله العلامات المذكورة، والذي يهمنا من هذا التعريف قوله (بتا فعلت) أي بتاء الفاعل، فقد عرف الفعل الماضي بأنه: ما يقبل دخول تاء الفاعل عليه، فقد اشتمل التعريف على لفظ اصطلاحي آخر وهو (الفاعل)، وهذا اللفظ غير موجود في المعرف، ولكن لو أردنا تعريف الفاعل كما عرفه النحويون القائلون بأنه: الاسم المسند إليه فعل.. لزم الدور، حيث أخذ الفاعل في تعريف الفعل وأخذ الفعل في تعريف الفاعل، وذلك مستلزم للدور أيضا([54])، وهذا من تعريف الشيء بالمتأخر عنه في المعرفة كما ذكره ابن سينا ومثل له بقوله:" الشمس كوكب يطلع نهارا ثم النهار لا يمكن أن يحد إلا بالشمس لأنه زمان طلوع الشمس"([55]).

4-  التوقف العلمي: وفي هذا الشكل من أشكال لزوم الدور لا يورد لفظ في التعريف يتوقف هو أو تعريفه على المعرف، وإنما يتوقف العلم به على العلم بالمعرف، وقد وقع ذلك كثيرا في كلام النحويين عندما يعرفون المصطلحات بالعلامات أو بظاهرة تركيبية يتميزن بها مما عداهن، ومن ذلك تعريفهم مصطلح(الصفة المشبهة) في قول ابن مالك([56]):

صفة استحسن جر فاعل                 معنى بها المشبهة اسم الفاعل

فقد عرف ابن مالك الصفة المشبهة بظاهرة تركيبية تتميز بها من اسم الفاعل، حيث يستحسن إضافتها إلى فاعلها بخلاف اسم الفاعل، فيقال فيها: زيد حسن وجهه، ثم تضاف إلى فاعلها فيقال: زيد حسن الوجه، وجعل هذه الظاهرة التركيبية المميزة للصفة المشبهة تعريفا لها يميزها مما عداها، ولكن هذا التعريف مؤد في ظاهره إلى ظاهرة لزوم الدور؛ لأن العلم باستحسان إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها متوقف على العلم بكونها صفة مشبهة أصلا، والحال أن الصفة المشبهة متوقفة على الاستحسان المذكور فيلزم توقف العلم بأحدهما على العلم بالآخر، وذلك عين الدور الحقيقي([57]).

5-  الدور القواعدي: ونقصد به الدور الناشئ عن القواعد النحوية ، وقد تمثل ذلك في أحد الأوجه الإعرابية لقوله تعالى:(ثُمَّ ذَرْهُمْ في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُوْنَ)([58]) اذ أعرب(يلعبون) في موضع الحال من (هم) في (خوضهم) وهو في المعنى فاعل المصدر المضاف إليه، وكأن المعنى: ثم ذرهم يخوضون لاعبين، فإذا تقرر هذا الإعراب وهو تعلق (يلعبون) بـ(خوضهم) تعلق الحالية لا يجوز أن نعرب (في خوضهم) حالا من ضمير (الواو) في (يلعبون) ويكون التقدير حينئذ: ثم ذرهم يلعبون خائضين، للزوم الدور حينئذ، ووجه الدور أن جعل (في خوضهم) حالا من ضمير (يلعبون) يقتضي كون الحال معمولا له متأخرا عنه رتبة ومعنى؛ لأن رتبة العامل قبل رتبة المعمول، ومعنى الحال يحصل بعد حصول معنى العامل فيه، فلو جعلنا (يلعبون) حالا من ضمير (خوضهم) لزم تقدم (في خوضهم) عليه رتبة ولفظا، أما لفظا فظاهر وأما رتبة فلأن العامل في الحال عامل في صاحب الحال أيضا فيلزم الدور؛ على أنه يلزم أيضا الفساد في المعنى([59])، لأن التقدير حينئذ على التوجيهين الإعرابيين يكون بالصورة الآتية: يخوضون لاعبين ويلعبون خائضين في الوقت ذاته.

6-  الدور العلّي: والمقصود به الدور الناشئ عن العلة النحوية، ونمثل له بالخلاف النحوي المشهور في علة رفع المبتدأ والخبر، فقد ذهب الكوفيون إلى أن المبتدأ يرفع الخبر والخبر يرفع المبتدأ فهما يترافعان([60])، ورأى النحويون في هذا التعليل فسادا للزومه الدور، وذلك أن العامل حقه أن يتقدم على المعمول، وإذا قلنا إنهما يترافعان وجب أن يكون كل واحد منهما قبل الآخر وذلك محال؛ لأنه يلزم أن يكون الاسم الواحد أولا وآخرا في حال واحدة، فيجب تقدم كل واحد من المبتدأ والخبر على الآخر؛ لأنه يجب تقديم العامل على المعمول؛ فيلزم تقدم الشيء على نفسه؛ لأن المتقدم على المتقدم على الشيء متقدم على ذلك الشيء([61]).

7-  الدور الحكمي: والمقصود به الدور الناشئ عن تعريف المصطلحات بأحكامها، كما تقول: المبتدأ هو الاسم المرفوع والمفعول هو الاسم المنصوب، وقد وقع ذلك في كلام ابن مالك عند تعريفه (الحال) بقوله([62]):

الحال وصف فضلة منتصب         مفهم حال كفردا اذهب

فقد عرف الحال بأنه المنصوب، والنصب حكم من أحكام الحال متوقف على معرفة حقيقة الحال حتى يثبت له حكم النصب، وكما قالوا: الحكم على الشئ فرع تصوره، فنحن لا نستطيع الحكم على زيد بأنه طويل لو لم نتصور زيدا أصلا وكونه قابلا للاتصاف المذكور، وإلا لجاز أن نقول: الحيوان جماد، والحكم باطل لأن القائل لهذا الكلام لم يتصور معنى الحيوانية أصلا، المؤدي الى الحكم على الشيء قبل تصوره، والمعنى أن النصب حكم متوقف ثبوته للحال على تصور الحال وفهم حقيقته الاصطلاحية، وأخذ المنصوب في تعريفه يستلزم توقف معنى الحال على المنصوب؛ لأن المعرَّف متوقف على التعريف وذلك عين الدور([63]).

هذه هي الأشكال التي يتسرب منها الدور ويتمظهر بها في أقلام المؤلفين، وقد حاول النحويون والمحققون منهم تأشيرها وتاطيرها لكي يجتنبها الدارسون وصولا إلى العبارة العلمية السليمة والتعريف المفيد والعلة المحكمة.

المبحث الرابع: طرائق دفع الدور

بعد أن عرفنا أشكال لزوم الدور ووقوعه في عبارات النحويين وتعاريفهم واعراباتهم وعللهم نورد هنا كيفية دفع الدور وطرائقه، ومن الجدير بالتنبيه أن نشير إلى أن الدور الذي يمكن دفعه هو الدور المتوهم المظنون حصول الدور فيه، أما الدور الحقيقي فلا سبيل لرده أو دفعه بل يكون التخلص منه بالعدول عن التعريف المخطوء إلى تعريف آخر صحيح، ومن العلة المنقوضة بذلك إلى علة بديلة خالية من تلك الشائبة... .

وقبل الولوج في سرد طرائق دفع الدور نحب أن نبين أن ذلك الصنيع عمل واقع تحت عناية علماء آداب البحث والمناظرة الذين سردوا كيفية مواجهة الدليل والتعريف المستلزمين الدور وطرائق الإجابة عن الدور المتوهم، فوجب لذلك أن نبين الأمور الآتية:

1-     لما كان الدور هو توقف الشيء على ما يتوقف عليه وهو نوعان: دور محال لاستلزامه توقف الشيء على نفسه، المستلزم لكون الشيء الواحد موجودا ومعدوما في آن واحد ؛ وكون الشيء الواحد معلوما ومجهولا في آن واحد؛ إذ من المعروف أن العلة أقدم وجودا من المعلول؛ فلو توقف وجود العلة على وجود المعلول؛ لزم كون العلة الموجودة معدومة في آن افتراضها موجودة؛ ومن المعروف أيضا أن العلم بالتعريف أقدم من العلم بالمعرف؛ وأنه علة لمعرفة المعرف، فلو توقف التعريف على المعرف لزم كون الشيء الواحد معلوما ومجهولا في آن واحد؛ وهذا الدور المحال نعبر عنه بأنه :"توقف كل واحد من الشيئين على الآخر قبله"؛ فالمعرف متوقف على التعريف قبل توقف التعريف على المعرف؛ فإذا توقف التعريف عليه لزم الدور المحال، وأما النوع الثاني للدور وهو الجائز؛ فإنه لا يستلزم كل تلك المحالات؛ بسبب أن توقف كل واحد من الشيئين على الآخر معه لا قبله؛ فلا يلزم كون الشيء موجودا ومعدوما في آن واحد ولا كون الشيء معلوما ومجهولا كذلك، وهذا النوع من الدور يجوز ارتكابه في التعاريف لعدم استلزامه المحال([64]).

2-     إن المعترض على التعريف أو الحكم باستلزام الدور يدعي أن في التعريف أو الاستدلال فسادا بلزوم الدور، ولتوضيح ذلك نمثل بالآتي: فقد عرف النحويون الفعل المتعدي بأنه الذي يتعدى إلى مفعول به([65])، فيتوجه إليه اعتراض من قبل (المستدل) بأسلوب النقض الشبيهي على دعوى ضمنية مفادها: أن تعريفي أجلى من المعرف ، أو أن التعريف معلوم قبل العلم بالمعرف قائلا: أن هذا التعريف مستلزم للدور؛ لأن المعرف (المتعدي) متوقف معرفته على معرفة التعريف، والتعريف باشتماله على (يتعدى) صار متوقفا معرفته على معرفة (المعرف)، وكل تعريف هذا شأنه باطل.

3-      وهنا تأتي طريقة دفع الاعتراض إما برد المقدمة الصغرى أو بدفع الكبرى، ولا تخلو طرائق دفع الدور من هاتين الحالتين، فان كان الدور حقيقيا فلا مجال لرد الصغرى والكبرى ، وإن كان الدور متوهما فترد الصغرى فقط، وإن كان الدور جائزا أو معيا فلا مجال لرد الصغرى، وإنما تمنع كبرى النقض بأن كل تعريف مستلزم للدور ليس بباطل؛ لأن هذا الدور معي وهو جائز([66]).

وتوضيح ذلك بالنسبة للمثال المتقدم بعد ادعاء المعترض استلزام التعريف الدور، بأن يمنع المقدمة الصغرى مجردا أو مستندا قائلا: لا نسلم أنه مستلزم للدور ، إنما يلزم ذلك لو كان الفعل (يتعدى) بمعناه الاصطلاحي وهو ممنوع، وهكذا فرَّق موجه التعريف بين المعرف والتعريف، بأن (المتعدي) الوارد في المعرف بالمعنى الاصطلاحي، والفعل (يتعدى) الوارد في التعريف بالمعنى اللغوي وبذلك اختلف جهتا التوقف، وعندما تختلف يندفع الدور إذ لا مانع من التوقف بين الشيئين باعتبار جهتين مختلفتين([67]).

وهذه معالجة دقيقة وفهم رصين للفرق الجوهري بين أجزاء الحد والمحدود، لأن (التعدية) الواردة في المعرف تجردت إلى معنى أكبر بكثير من (التعدية) الواردة في التعريف.

4-     لقد كانت المعالجة السابقة متوجهة إلى المقدمة الصغرى لدليل المستدل؛ أعني: (هذا التعريف مستلزم للدور أو التسلسل أو فساد آخر) في حين يكون هذا المنع المذكور آنفا متوجها إلى المقدمة الكبرى لدليل المستدل، أعني : (وكل تعريف هذا شأنه باطل)؛ حيث إن الدور والتسلسل منه ما يكون محالا وهذا مما لا مجال لمنعه، ومنه ما يكون جائزا؛ وهذا يمنع إذ لا خلاف في جواز ارتكابه من قبل المعرف(صاحب التعريف)، فيسوغ له الدفاع عن تعريفه إزاء المعترض بأن يمنع الكبرى؛ إذ المجال مفتوح أمامه لذلك؛ ومن أمثلة هذا الدور قول المعرف الصرفي لـ (أبى يأبى): إنه فعل ثلاثي مفتوح العين في الماضي والمضارع غير شاذ فيتوجه إليه اعتراض من قبل المستدل بأسلوب النقض الشبيهي على دعوى ضمنية مفادها: إن هذا التعريف ليس بأخفى من المعرف أو إن هذا التعريف معلوم قبل المعرف، قائلا : إن هذا التعريف مستلزم للدور، وكل تعريف هذا شأنه باطل، والنتيجة: إن هذا التعريف باطل وهنا يسلم صاحب التعريف بأن في تعريفه دورا، ولكنه لا يسلم أنه الدور المحال؛ ولذا يوجه منعه إلى المقدمة الكبرى قائلا: لا نسلم المقدمة الكبرى؛ لم لا يجوز أن يكون دورا معيّا، وتوضيح الاعتراض أولا: إن (المستدل) رأى في التعريف دورا؛ لأن قول صاحب التعريف (غير شاذ) يدل على أن (أبى يأبى) من الباب الثالث؛ الذي فتحت عينه لأجل حرف الحلق؛ ومن المعلوم أن حرف الحلق (الألف) على قول بعض الصرفيين؛ أصلها ياء وقلبت ألفا لأجل تحركها وانفتاح ما قبلها، وهكذا لزم توقف كل واحد من الشيئين على الآخر وهو الدور؛ ولكن صاحب التعريف قبل بلزوم الدور؛ ولكنه منع أن يكون من الدور المحال؛ ولذا وجه منعه إلى الكلية الموجودة في (المقدمة الكبرى)؛ بأنه لا يسلم أن التعريف فيه دور باطل، إذ بعض الدور ليس بباطل وهو الدور المعي؛ فأشار إلى المنع أولا؛ ثم أتى بالسند المشهور، وهو المساوي لنقيض المقدمة الممنوعة، فالمقدمة الممنوعة هي: كل تعريف هذا شأنه باطل، ونقيضه هو: بعض التعريف الذي فيه دور ليس بباطل؛ والمساوي له هو: الدور المعي ليس بباطل، وإنما كان هذا الدور معيا؛ لأن توقف الألف على الفتحة هو مع توقف الفتحة على الألف، ولبيان ذلك نقول: أن الحرف الصامت يحتاج عند وجود نطقه إلى مصوت قصير (كالفتحة والضمة والكسرة)، مع أن هذه المصوتات محتاجة إلى الحرف الصامت وجودا وذلك يؤدي إلى الدور، ولكن هذا الدور غير محال؛ لأن توقف كل واحد منهما على الآخر معه لا قبله؛ فلا تلزم المحالات المتقدمة.

نعود بعد هذه الجولة التأصيلية الضرورية لتوضيح طرائق دفع الاعتراض بذكر أشكاله الواردة في كلام النحويين، وهي فيما أحصيناه تنحصر بالصور الآتية:

1-    البداهة والاكتساب: قد يشتمل التعريف على معنى تتوقف معرفته على معرفة المعرّف فيقع الدور المؤدي عدم الوصول إلى معرفة المعنى المراد من التفسير، ولكن النحويين انتبهوا على طريقة تدفع ذلك الإعياء الناتج عن عدم الوصول إلى المراد من التعريف، وهذه الطريقة عرفت بالمعلومات البديهية التي لا تحتاج إلى تفسير وشرح، فهي غير متوقفة على المعرّف أو شيء آخر؛ لبداهتها وظهور المراد منها فينقطع الدور الممنوع، وهذا ما أجاب به المعالجون للدور الواقع في تعريف (اسم الإشارة) التي عرِّفت بأنها: ما دل على مسمى وإشارة إليه([68])، حيث اشتمل التعريف على لفظ (الإشارة) وذلك مؤد إلى الدور لتوقف فهم معناها على المعرّف وقد توقف فهمه على التعريف كما هو الأصل، فأجاب الدماميني(ت827 هـ)([69]) عن ذلك:" بأن أخذ جزء المعرف في التعريف لا يوجب الدور لجواز معرفة ذلك الجزء بالضرورة"([70])، ونفهم من كلامه أن المعرِّف لاسم الإشارة لم يأخذ المعرَّف كله في التعريف  أعني (اسم الإشارة) وإنما أخذ جزء التعريف وهي لفظة (إشارة) وهذا أمر بالغ الأهمية؛ لأن المصطلح المحتاج إلى تفسير هو (اسم الإشارة) دون (الإشارة) وحدها، إذ الإشارة وحدها لا تحتاج لتفسير وتوضيح لكونها معلومة بالبداهة والضرورة؛ إذ كل من تكلم العربية يدرك معنى الإشارة ومشتقاتها لعدم انسباكها في هيئة مصطلح علمي خاص، ومن ثم يكون ورودها في التعريف مفيدا جدا لكونها معلومة بديهية، وتفسير النظري بالبديهي هو غاية المعرِّف المبتغي التوضيح والتحديد الدالين.

2-    اللغوي والاصطلاحي: انتبه النحويون إلى أن اشتمال التعريف على المعرَّف لا يقتضي بالضرورة أن تكون دلالته الاصطلاحية هي المرادة، بل جوّزوا إرادة المعنى اللغوي ، والفرق بين المعنيين اللغوي والاصطلاحي كالفرق بين(زيد) علَما على شخص ومصدرا، فعند إرادة العلَمية يكون المعنى المعجمي الذي هو الزيادة والنمو مذهولا عنه بخلاف إرادة المعنى المصدري الدال على ذلك بحكم وضعه، فالمعنى اللغوي هو ما وضعه له واضع لغة العرب وحدده بمفهوم شاع استعماله على الصعيد الاجتماعي للغة، بخلاف المعنى الاصطلاحي الذي هو: اتفاق طائفة مخصوصة على نقل لفظ ذي دلالة لغوية من محيطه الاجتماعي ليكون دالا على معنى جديد في حقل معرفي خاص([71])، والمحتاج للتفسير والتحديد والكشف عن ماهيته  ومراد تلك الطائفة من وضعه هو المعنى الاصطلاحي بخلاف المعنى اللغوي المحتاج في أعلى درجات غموضه نتيجة الجهل بالوضع اللغوي إلى تفسير لفظي دون بيان مكوناته ومسائله العلمية الخاصة، ومن هذا الفرق بين المعنيين أفاد النحويون في معالجة المصطلحات التي يظن لأول وهلة وقوعها في شائبة الدور، كما مثلنا له فيما تقدم بمصطلح (الفعل المتعدي) الذي عرِّف بأنه: الذي يتعدى إلى المفعول به بنفسه، فيعتقد لاشتماله على لفظ (التعدية) أنه دور، ولذا أجابوا عن ذلك ببيان المغايرة بين التعديتين الواردة في التعريف والمعرف، فالتعدية في التعريف لغوية بمعنى المجاوزة، بخلاف التعدية الواردة في المعرَّف التي هي معنى اصطلاحي لا يدركه إلا الدارسون للنحو العربي ومسائله وقضاياه وتراكيب الجملة وأنواعها فيه.

ولكن ليس كل لفظ ورد بذاته في المعرف والتعريف يحمل على هذا التوجيه للتخلص من الدور الممنوع، وإنما يذكر هذا عند قبول الموضوع له وعدم تناقضه مع الأفكار الأخرى، ومن ثم لم يجد النحويون قبولا لتوجيه الدور الواقع في تعريف(الفعل) بأنه: القابل لتاء الفاعل، ولما عرّفوا (الفاعل) قالوا بأنه: الاسم الذي اسند إليه فعل، فيكون هذا الكلام بظاهره مستلزما للدور، فلم يقولوا في تعريف (الفعل) بأنه الذي يقبل تاء الفاعل، أن المراد بـ(الفاعل) الوارد في التعريف المعنى اللغوي للفاعل الذي هو: من أوجد الفعل؛ لأن تفسير الفاعل حينئذ بهذا المعنى اللغوي يؤدي إلى خروج تاء الفاعل في مثل: متّ؛ لأن الفاعل لم يوجد الموت وإنما وقع عليه، وخروج تاء الفاعل في مثل: ما ضربت([72])؛ لأن الفعل منفي وقوعه من قبل الفاعل، ومن ثم لجأوا إلى تفسير آخر  للفاعل الوارد في التعريف للتخلص من الدور، بدلا من اللجوء إلى التفرقة الواقعة بين المعنيين اللغوي والاصطلاحي.

3-    المعنوي والاصطلاحي: كما انتبه النحويون إلى فرق آخر بين الدلالة المعنوية للفظ والدلالة الاصطلاحية له، وهكذا فرّقوا بين الدلالة اللغوية والدلالة المعنوية والدلالة الاصطلاحية، فالأولى ما وضعه واضع لغة العرب وخصه بمعناه الذي يفهم منه عند العلم بالوضع، في حين أن الدلالة المعنوية هي دلالة اصطلاحية عامة لا تخوض بالتفاصيل الجزئية، وهذا سر اختلافها عن الدلالة الاصطلاحية التي هي دلالة تفصيلية أكثر تحديدا وتخصيصا، ولفهم هذا التنويع نورد المعاني الثلاثة للفظ (الفاعل) فدلالته اللغوية هي: من أوجد الفعل، وبهذه الدلالة يكون شاملا لنحو: ما أحبَّ زيدا لعمرو، فعمرو هنا فاعل فعل التعجب ولكنه غير شامل لنحو: مت؛ لأن الشخص لم يوجد الموت لذاته، أما الدلالة المعنوية  للفظ الفاعل فقد عرفوه بأنه: الاسم الذي أسند إليه فعل على جهة القيام به أو الوقوع منه ثبوتا أو نفيا، وهي دلالة اصطلاحية أيضا لكنها عامة، لأنها وان لم تشتمل على نحو: ما أحبَّ زيدا لعمرو، إلا أنها لن يخرج عنها نحو: متّ أو: ما ضربت من الأفعال المنفية، ولكنها عامة لشمولها نحو: تاء (كنت) عند الاستدلال على فعلية (كان) فهذه التاء ينطبق عليها التعريف المذكور، فتأتي الدلالة الاصطلاحية الدقيقة لإخراج (تاء كنت) عن الفاعلية وإلحاقها بالمنسوخات عن الابتداء، ومن هذا يظهر أنه عند الاستدلال على فعلية (كان) نقول: إنها قبلت تاء الفاعل ولكن بالدلالة الاصطلاحية العامة للفاعل، وعند الاستدلال على عدم كون التاء المذكور فاعلا اصطلاحيا نورد الدلالة الاصطلاحية الخاصة للفاعل([73]).

ونتيجة لهذه التفرقة بين الدلالة المعنوية والاصطلاحية أجاب النحويون عن الدور المتوهم في تعريف (الفعل) بأنه القابل لتاء الفاعل، حيث ذكروا أن المراد بـ(الفاعل) هنا الدلالة المعنوية له وليست الاصطلاحية؛ حتى لا يلزم الدور عند أخذ(الفعل)  في تعريف الفاعل الاصطلاحي([74]).

4-    الجزء والكل: انتبه النحويون في طرائق دفع الدور على الفرق الكبير بين دلالة اللفظ الاصطلاحية باعتبار تركبه ودلالة اللفظ اللغوية باعتبار أجزائه، فاللفظ باعتبار تركبه له معنى كلي، حاصل الدلالة الاصطلاحية (أصول الفقه) باعتبار تركبها العلَمي تدل على العِلم المعني باستنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية، وحاصل الدلالة اللغوية للفظ باعتبار أجزائه تدل على أسس الفهم؛ لان الأصول بمعنى الأسس والفقه لغة بمعنى الفهم، ونتيجة لهذا الفرق بين الدلالتين أجابوا عن الدور المتوهم في تعريف (اسم الإشارة) المعرَّف بانه: ما دل على مسمى وإشارة إليه، فبينوا أن الإشارة الواردة في المصطلح لو نظرنا إليها باعتبار أنها جزء لغوي لاسم الإشارة لزم الدور، أما لو نظرنا إلى (اسم الإشارة) ككل مترابط بدلالته الجديدة لم يلزم الدور؛ لأن الوارد في التعريف هو جزء المصطلح وليس المصطلح نفسه، وبعبارة أخرى: إن (الإشارة) الواردة في المعرف غير مراد دلالتها الافرادية الجزئية وإنما المراد الدلالة التركيبية الكلية لاسم الإشارة، أي المعنى العلَمي للمصطلح وليس المعنى الإضافي اللغوي، فلا دور حينئذ([75]).

5-    اختلاف جهة التوقف: فقد أشار النحويون إلى أسلوب آخر من أساليب دفع الدور، حيث ينفون وقوعه في التعريف ببيان أن أحدهما متوقف على الآخر، أما الطرف الآخر فغير متوقف عليه؛ إذ مشكلة الدور تتوضح من خلال الافتراضية الآتية: نتصور أن (أ) مجهول تتوقف معرفته على معرفة(ب) فإذا كانت (ب) بأجزائها تتوقف على (أ) لزم الدور؛ لأنه يؤدي إلى تفسير الشيء بالمجهول المطلوب معرفته، ولذا حاول النحويون في حل بعض الإشكاليات المستلزمة الدور ببيان أن جهة التوقف مختلفة، بمعنى أن (أ) تتوقف معرفته من حيثية ما على (ب) و(ب) تتوقف معرفته على (أ) لكن من حيثية أخرى، وذلك ليس دورا؛ لأن جهة التوقف قد اختلفت، ولنمثل لذلك بالصراع الذي دار بين الكوفيين والبصريين في أصل المشتقات: أهو المصدر أم الفعل؟ اذ قال البصريون: إن المصدر أصل للمشتقات في الوجود والفعل أصل للمشتقات في الإعلال، ومن ثم لا تنافي في الحكم بالأصلية لكل منهما لاختلاف جهة الأصالة([76]).

نعود بعد هذا البيان التوضيحي للتوقف على الدور المتوهم حصوله في تحديد الصفة المشبهة في قول ابن مالك([77]):

صفة استحسن جر فاعل                معنى بها المشبهة اسم الفاعل

إذ عاب بعضهم هذا التعريف بأن استحسان الإضافة إلى الفاعل لا يصلح تعريفا ولا تمييزا عما عداها؛ لأن العلم بالاستحسان المذكور موقوف على العلم بكونها صفة مشبهة([78])، بمعنى أن استحسان الإضافة للفاعل حكم من أحكام الصفة المشبهة، والحكم على الشيء فرع تصوره، فلو جعل الحكم تعريفا لزم العلم بالصفة المشبهة قبل الحكم، والحال أنها متوقفة عليه لجعله تعريفا وتحديدا لها؛ إذ الطالب لا يعرف أن هذه المفردة تجوز إضافتها إلى الفاعل إلا بعد معرفة كونها من الصفات المشبهة حتى يجعلها مضافة لفاعلها، فتوقف كل من الطرفين على الآخر وذلك الدور، ولكن حصول هذا الدور ممنوع؛ لأن العلم باستحسان إضافة الصفة المشبهة لفاعلها ليس موقوفا على العلم بكون المفردة من الصفات المشبهة، وإنما موقوف على المعنى الذي تدل عليه المفردة، فإذا أدرك الطالب معنى المفردة الثابت لفاعلها بحيث لو حول الإسناد عنه لم يقبح ولم يلبس، فيستحسن حينئذ الجر وان لم يعلم بأنها تسمى بذلك حكم بقبولها جواز الإضافة لفاعلها، هذا ما أجاب به الصبان وتابعه عليه الخضري عند تعليقهما على عبارتي الاشموني وابن عقيل على الترتيب([79])، وهذا الجواب فيما أعتقد ضعيف؛ لأن توقف الاستحسان على الصفة المشبهة واقع بسبب أن الحكم على الشيء فرع تصوره، بل العلم بكونها تسمى بذلك أو لا تسمى به ليس نقطة الخلاف كما أجابوا، وإنما العلم بحقيقة الصفة المشبهة دون النظر في تسميتها، والاستحسان المذكور متوقف على معرفة حقيقتها دون تسميتها، ولذا أرجح أن تعاريف النحويين بالأحكام النحوية والعلامات والشروط... الخ كلها مشتملة على الدور لأنها فرع تصور الشيء، والجواب عن كل تلك الإشكاليات بالقول: إن الحكم يكفي فيه التصور بوجه ما ولو بالاسم، فقول المنطقيين: الحكم على الشيء فرع تصوره أي ليس التصور التام الكامل بل يكفي أن نتصوره تصورا بسيطا فعندما نقول: الصفة المشبهة هي التي يستحسن إضافتها إلى الفاعل يكون توقف الاستحسان على الصفة حاصلا لو أريد التصور التام الكامل، أما التصور الجزئي لها فذلك كاف في الحكم عليها؛ إذ الطالب عندما يقرأ هذا التعريف للصفة المشبهة في كتب النحويين يكون قد اطلع على الصفة المشبهة من حيث اشتقاقها الصرفي ودلالتها الصرفية قبل ذلك، فمتى يقرأ حكمها الاستحساني المذكور يدرك ذلك ولا يتوقف على فهم الصفة المشبهة أصلا؛ لأن النحويين لا يقصدون بعنونة (اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة والمصدر) ما يتعلق بالصيغة ومعناها، وإنما المقصود تراكيبها وأحكامها عندما تؤلف في نسق الجمل، وما تعرضهم لسرد معنى الصيغة إلا استطرادا واستكمالا للحكم، فعندما يقولون باب المصدر وباب اسم الفاعل... يكون القصد: تراكيب المصدر واسم الفاعل... والاستحسان المذكور غير متوقف على معرفة تراكيب الصفة المشبهة لأنه تركيب منها، وإنما يتوقف على معنى الصيغة الاشتقاقية ودلالتها فلا دور حينئذ.

وعلى وفق الطريقة نفسها أعني(اختلاف جهة التوقف) حاول الرضي دفع ذلك الدور المتوهم وقوعه في كلام الكوفيين القائلين بأن المبتدأ والخبر مترافعان؛ إذ ظن بعضهم أن في ذلك التعليل دورا؛ لأن العامل حقه أن يتقدم على المعمول فيلزم تقدم الشيء على نفسه؛ :" لأن المتقدم على المتقدم على الشيء متقدم على ذلك الشيء"([80])، وحاول الرضي دفع ذلك الدور بأن توقف كل منهما على الآخر تختلف جهته بما نصه:" إن كل واحد من المبتدأ والخبر متقدم على صاحبه من وجه متأخر عنه من وجه آخر، فإذا اختلفت الجهتان فلا دور، أما تقدم المبتدأ فلأن حق المنسوب أن يكون تابعا للمنسوب إليه وفرعا له، وأما تقدم الخبر فلأنه محط الفائدة وهو المقصود من الجملة"([81])، ولا يخفى أن هذا الجواب مقتض أن العامل في المبتدأ ذهني لأن الخبر قبل نطقه لفظا هو محط الفائدة، وجعله عاملا يقتضي أن العامل في المبتدأ هو الخبر الذهني المتقدم على اللفظي، وذلك بعد واضح عن مراد التعليل الكوفي، ولذا أرى أن تعليل الكوفيين لا يستلزم الدور أصلا ، فلم يقولوا بأن وجود المبتدأ متوقف على الخبر، ووجود الخبر متوقف على المبتدأ حتى يلزم الدور المحذور، وإنما اتصاف المبتدأ والخبر بالرفع بعد وجودهما التركيبي متوقف كل منهما على الآخر، وذلك لا دور فيه، إذ المبتدأ لا يرفع إلا بعد نسقه في تركيب مع الخبر، والخبر لا يرتفع إلا بعد وجود المبتدأ، فتوقف الاتصاف غير توقف الوجود، غاية ما في الأمر أن الاتصاف لكليهما لا يتحقق إلا بعد وجود كليهما، وكون الخبر عاملا للرفع في المبتدأ لا يقتضي تقدمه الوجودي؛ لأنه عامل في استحداث وجود المبتدأ أصلا، فذلك الذي يقتضي التقدم الوجودي، فإذا تقرر هذا علم أن لا حاجة إلى الجواب عن تنظير الكوفيين بقوله تعالى: (أيَّا مّا تَدْعُوْ فَلَهُ الأسْمَاءُ الحُسْنَى) حيث نصبت (أيا) بالفعل (تدعو) وجزم الفعل (تدعو) بـ(أيا)، فكان كل واحد منهما عاملا ومعمولا في حال واحدة، بأن اختلاف العمل (النصب والجزم) في المقيس عليه ليس مثل اتحاده (الرفع) في المقيس([82])؛ لأنه جواب ضعيف جدا وتمحل لا داعي له؛ لأن عمل (أيا وتدعو) كل واحد منهما في الآخر لا يقتضي تقدمه الوجودي، وإنما يقتضي استحداث صفة في كل منهما، وذلك لا يستلزم الدور المحذور.

6-    التوجيه الإعرابي: أشر النحويون وجها آخر من وجوه دفع الدور، اذ يحملون النص على توجيه إعرابي يؤثر في معنى النص، فينقل الكلام من لزوم الدور إلى نص خال من ذلك، فقد توقف النحويون على تعريف (الحال) في قول ابن مالك([83]):

الحال وصف فضلة منتصب                  مفهم حال كفردا اذهب

اذ عرَّف الحال بالمنتصب، وهو حكم له متوقف معرفته على معرفة الحال أولا، ففيه دور ظاهر، وهنا انتبه النحويون على أثر التوجيه الإعرابي في دفع هذا الدور حيث أعربوا (منتصب) خبرا لمبتدأ محذوف، والجملة اعتراضية بين قوله (وصف فضلة) وقوله (مفهم حال)([84]) تخلصا من كونه جزء من التعريف، ولكنه خلاف ظاهر العبارة، والأولى الجواب عنه بما تقدم من أن الحكم على الشيء فرع تصوره، ويكفي في الحكم التصور ولو بوجه ما.

ومن هذه الصورة تخريج بعضهم للدور الحاصل في قول ابن مالك عند تحديده (الصفة المشبهة) بقوله:

صفة استحسن جر فاعل                معنى بها المشبهة اسم الفاعل

حيث أعربوا (المشبهة) مبتدأ وجمالة (استحسن ..الخ) خبرا له، حتى يخرج الكلام بظاهره من حيز التعريف إلى الحكم والإخبار([85])، وهو جواب ضعيف جدا؛ لأن من أنواع التعريفات النحوية التعريف بالحكم([86])، وأمثلته كثيرة جدا.

7- الانتقال من تعريف أو تعليل لآخر: وهذا آخر طرائق دفع الدور الواقع في كلام النحويين؛ اذ ينتقلون عند العجز عن دفع الدور لكونه دورا حقيقيا، أو كون الجواب عنه بالدفع متمحلا واهيا إلى تعريف آخر أسلم منه وأصح، وهذا ما وجدناه في عدول ابن الناظم عن تعريف الصفة المشبهة بما عرفها به والده أعلاه إلى تعريف آخر خاليا من الدور، بقوله:" ما صيغ لغير تفضيل من فعل لازم لقصد نسبة الحدث إلى الموصوف به دون إفادة معنى الحدوث"([87]أو كعدول البصريين عن تعليل الكوفيين رفع المبتدأ والخبر كلا منهما بصاحبه إلى التعليل: بأن رفع المبتدأ بالابتداء والخبر بالمبتدأ تخلصا من شائبة التعليل المستلزم الدور([88])، وان لم يكن الدور حقيقيا هنا. 

 

[1]) صحيح مسلم- أبو الحسين مسلم بن الحجاج( ت 261هـ)، السعودية- الرياض، دار السلام، ط2، 2000م: 743، المسند- أحمد بن حنبل(ت241هـ) شرحه أحمد محمد شاكر، القاهرة، 1956م: 3/ 385، 4/ 437، وينظر: تاج العروس من جواهر القاموس- الزبيدي، محمد بن محمد(ت 1205هـ)،الكويت: 11/ 331- 332، ك، المعجم الوسيط: إب مصطفى واحمد الزيات وحامد عبد القادر ومحمد النجار، دار الدعوة، مجمع اللغة العربية بالقاهرة: 1/ 302.

[2]) كشاف اصطلاحات الفنون- التهانوي، محمد علي الفاروقي(ت بعد 1158هـ)، تصحيح: محمد وجيه  وعبد الحق  وغلام قادر، كلكتا، 1362هـ: 1/ 476، كتاب المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين- الآمدي، علي بن أبي علي (ت631هـ)، ضمن المصطلح الفلسفي عند العرب، تحقيق عبد الأمير الأعسم، بغداد 1984م: 332.

[3]) ينظر مقدمة في علم المنطق- ياسين خليل، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مطبعة جامعة بغداد، 1979م: 94.

[4]) كشاف اصطلاحات الفنون- التهانوي: 1/ 477.

[5]) ينظر المنطق- الشيخ محمد رضا المظفر، النجف الأشرف، مطبعة النعمان، دت.: 121- 122.

[6] ) شرح التصريف العزي- التفتازاني، مسعود بن عمر(ت 793هـ)، القاهرة،: 5.

[7] ) ينظر: سر صناعة الاعراب - ابن جني، أبو الفتح عثمان (ت 392هـ)، دراسة وتحقيق: د. حسن هنداوي، دمشق، ط1، 1985م: 1/ 28، شرح التصريف العزي- التفتازاني: 5.

[8]) ينظر حاشية السيد الشريف على شرح الرسالة الشمسية، علي بن محمد الجرجاني(ت 816هـ)، القاهرة، ط1، 1905م: 1/ 341- 342.

[9]) الفوائد الضيائية – الجامي، عبد الرحمن بن محمد(ت 898هـ)، استانبول، 1314هـ: 57، حاشية عبد الغفور على الفوائد الضيائية- اللاري(ت 912هـ)، استانبول، 1309هـ: 81.

[10]) ينظر حاشية السيد الشريف على شرح الرسالة الشمسية: 1/ 342.

[11] ) كشاف اصطلاحات الفنون- التهانوي: 1/ 476.

[12] ) حاشية البينجويني على آداب البحث- عبد الرحمن بن محمد (ت1319هـ)، تصحيح محمود المنصوري، القاهرة، ط1، 1355هـ: 100- 101، و حاشية ابن القرداغي- عمر بن محمد أمين(ت1355هـ) تصحيح محمود المنصوري، القاهرة، ط1، 1355: 101.

[13] ) حاشية أبي الثناء الآلوسي على شرح القطر- محمود بن عبد الله(ت1270هـ)، القدس، 1320هـ: 77- 78.

[14] ) حاشية الصبان على شرح الأشموني: 1/ 53.

[15] ) حاشية ابي الثناء الآلوسي على شرح القطر: 38.

[16] ) مختصر المعاني- التفتازاني، مسعود بن عمر(ت 793هـ)، بيروت: 195.

[17]) البحر المحيط – ابو حيان، أبو عبد الله محمد بن يوسف (ت 745هـ)، بيروت: 2 / 252.

[18] ) الخصائص – ابن جني، أبو الفتح عثمان(ت 392هـ)، تحـ : محمد علي النجار، بغداد، ط4، 1990: 1/ 184.

[19] ) م. ن: 184، وينظر الكتاب- سيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان(ت 180هـ)، تحـ: عبد السلام هارون، القاهرة، ط3، 1988: 1/ 182، 1/ 200.

[20] ) حاشية الصبان على شرح الاشموني: 3/ 7- 8.

[21] ) الخصائص: 1/ 205. مع هامش رقم (4).

[22] ) أسس المنطق الصوري ومشكلاته – محمد علي أبو ريان، ود. علي عبد المعطي محمد، دار الجامعات المصرية، 1975م: 65- 66.

[23] ) كتاب المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين: 332.

[24]) المنطق عند الغزالي- بكري محمد خليل، العراق، بغداد، بيت الحكمة ، 2001م: 265.

[25]) تهذيب المنطق- التفتازاني، مسعود بن عمر(ت 793هـ)، طهران، ط2، 1363 : 89.

[26]) حاشية عبدالله اليزدي على تهذيب المنطق- نجم بن شهاب(ت1015هـ) طهران، ط2، 1363: 89.

[27]) كتاب المبين في شرح الفاظ الحكماء والمتكلمين: 321، تجديد علم المنطق في شرح الخبيصي على التهذيب- عبد المتعال الصعيدي، القاهرة، مطبعة النموذجية، ط5،: 54.

[28]) شرح الفناري على الرسالة الاثيرية، شمس الدين حمزة بن محمد(ت834هـ)، استانبول: 28.

[29]) المنطق عند الغزالي- بكري محمد خليل: 287.

[30]) حاشية عبد الله اليزدي على تهذيب المنطق: 91، ولينظر أسس المنطق الصوري ومشكلاته: 138- 139.

[31]) كشاف اصطلاحات الفنون: 1/286، شرح مختصر المنتهى- الإيجي، عضد الدين عبد الرحمن بن احمد(ت 756هـ)، مراجعة وتصحيح: شعبان محمد إسماعيل، القاهرة، 1973م: 1/68 – 69، الإيضاح في علل النحو - الفارسي، الحسن بن احمد(ت 377هـ)، ضمن كتاب( المقتصد في شرح الإيضاح) لعبد القاهر الجرجاني، تح: د. كاظم بحر المرجان، سلسلة كتب التراث، بغداد، 1982م: 19.

[32]) حاشيته على شرح القطر:68 – 69.

[33]) ينظر الاعلام- الزركلي، خير الدين، بيروت، ط 3، 1969م: 4/ 32.

[34]) م. ن: 3/ 283.

[35]) م. ن: 4/ 211.

[36]) م. ن: 4/ 157.

[37]) كشاف اصطلاحات الفنون: 2/ 23، حاشية عبد الحكيم على حاشية عبد الغفور على الفوائد الضيائية - السيالكوتي، شمس الدين بن محمد (ت 1067هـ)، استانبول، ؟؟13هـ: 25، حاشية عبد الغفور اللاري على الفوائد الضيائية: 15، الفوائد الضيائية- الجامي: 6.

[38]) آداب البحث والمناظرة - الكلنبوي: 100.

[39] ) حاشية البينجويني على آداب البحث: 98- 99، وينظر أسس المنطق الصوري ومشكلاته- محمد علي ابو ريان: 148 وما بعدها.

[40] ) تجديد علم المنطق في شرح الخبيصي على التهذيب- الصعيدي: 51

[41] ) الحدود- ابن سينا، أبو علي الحسين(ت 428هـ)، ضمن (المصطلح الفلسفي عند العرب)، دراسة وتحقيق: د. عبد الأمير الاعسم، بغداد، 1983- 1984م: 238، وينظر المنطق عند الغزالي- بكري محمد خليل: 222.

[42] ) شرح رسالة الآداب- باشا زادة، محمد حسن، القاهرة :65.

[43] ) حاشية البينجويني على آداب البحث: 100.

[44]) ينظر مباحث المصطلح النحوي في حواشي شرح القطر- محمد ذنون(رسالة ماجستير)، بإشراف الاستاذ الدكتور عبد الوهاب محمد علي العدواني، العراق، جامعة الموصل، 1996م: 53.

[45]) شرح الرازي على الرسالة الشمسية، قطب الدين محمود بن محمد(ت766هـ) القاهرة، ط1، 1322 :1/343.

[46]) أسس المنطق الصوري ومشكلاته- محمد علي أبو ريان: 364 وما بعدها.

[47]) شرح التصريف العزي - التفتازاني : 5 . 

[48]) شرح رسالة الآداب – باشا زاده : 26 . 

[49]) حاشية ابن القرداغي على رسالة المقولات للقزلجي- عمر بن محمد أمين(ت1355هـ)، القاهرة، 1355هـ  :15.

[50]) الحدود- ابن سينا: 238.

[51]) م. ن:237.

[52]) شرح شذور الذهب- ابن هشام، أبو محمد عبد الله بن يوسف (ت 761هـ)، تحـ وشرح: محمد محيي الدين عبد الحميد، دمشق، دار ابن كثير، ط1، 2005م: 132.

[53]) الألفية (:الخلاصة)- ابن مالك، محمد بن عبد الله (ت 762هـ)، بغداد: 4.

[54]) حاشية الخضري على إبن عقيل: 1/ 25، التصريح بمضمون التوضيح- الأزهري، خالد بن عبد الله (ت 905هـ)، القاهرة، 1954: 1/ 38.

[55]) الحدود- ابن سينا: 238.

[56]) الألفية (:الخلاصة)- ابن مالك: 32.

[57]) شرح الأشموني على الفية ابن مالك، علي بن محمد(ت 905هـ)، تصحيح: مصطفى أحمد حسين، القاهرة، ط1، 1366هـ: 3/ 3.

[58]) سورة الأنعام - من الآية: 91.

[59]) هذا التوجيه الاعرابي رد ضمني من أبي الثناء الالوسي على أبي حيان الذي أجاز في تفسيره كلا التوجيهين متناسيا لزوم الدور والفساد المعنوي أيضا، ينظر البحر المحيط- ابو حيان: 4/ 182، روح المعاني – ابو الثناء الآلوسي، محمود بن عبد الله (ت 1270هـ)، القاهرة، ط1، 1303هـ: 5/ 428.

[60]) شرح المفصل- ابن يعيش، يعيش بن علي (ت 643هـ)، بيروت: 1/ 84.

[61]) شرح الكافية - الرضي الاسترابادي، محمد بن الحسن(ت 686هـ)، بيروت، 1985: 1/ 66.

[62]) الألفية (:الخلاصة)- ابن مالك: 24.

[63]) حاشية الخضري على ابن عقيل: 1/ 221.

[64]) كشاف اصطلاحات الفنون- التهانوي: 1/ 477.

[65]) شرح التصريف العزي- التفتازاني: 7.

[66]) حاشية البينجويني على آداب البحث: 99- 100.

[67]) ينظر شرح التصريف العزي للتفتازاني :7 ، مباحث المصطلح النحوي في حواشي شرح القطر- محمد ذنون(رسالة ماجستير)، بإشراف الاستاذ الدكتور عبد الوهاب محمد علي العدواني، العراق، جامعة الموصل، 1996م: 112.

[68]) شرح شذور الذهب- ابن هشام: 132.

[69]) ينظر الاعلام: 6/ 57.

[70]) التصريح بمضمون التوضيح- الأزهري: 1/ 138.

[71]) ينظر تجديد علم المنطق في شرح الخبيصي على التهذيب- الصعيدي: 29، المزهر في علوم اللغة وانواعها- السيوطي، عبد الرحمن بن ابي بكر(ت911هـ)، شرح وضبط وتصحيح: محمد احمد جاد المولى وعلي محمد البجاوي ومحمد ابو الفضل ابراهيم، القاهرة:1/ 295- 296.

[72]) حاشية الخضري على شرح ابن عقيل: 1/ 25.

[73]) التصريح بمضمون التوضيح- الأزهري:1/ 37.

[74]) م. ن: 1/ 38.

[75]) حاشية الخضري على شرح ابن عقيل: 1/ 72، حاشية أبي الثناء الآلوسي على شرح القطر: 180.

[76]) الانصاف في مسائل الخلاف- ابن الأنباري، عبد الرحمن بن محمد (ت 577هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة: 1/ 235.

[77]) الألفية- ابن مالك: 32.

[78]) شرح الأشموني على الفية ابن مالك: 3/ 3.

[79]) حاشية الصبان على شرح الأشموني: 3/ 3، حاشية الخضري على شرح ابن عقيل: 2/ 38.

[80]) شرح الكافية - الرضي: 1/ 66.

[81]) م. ن: 1/ 66.

[82]) حاشية الصبان على شرح الأشموني: 1/ 194.

[83]) الألفية (:الخلاصة)- ابن مالك: 24.

[84]) حاشية الخضري على إبن عقيل: 1/ 221.

[85]) حاشية الصبان على شرح الأشموني: 3/ 3.

[86] ) مباحث المصطلح النحوي في حواشي شرح القطر(رسالة ماجستير): 36- 37.

[87]) شرح ابن الناظم على الفية ابن مالك، ابو عبد الله بدر الدين محمد بن محمد بن مالك(ت 686هـ)، تحقيق: محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية، لبنان، بيروت، ط 1، 2000م: 318.

[88]) الانصاف في مسائل الخلاف- ابن الانباري: 1/ 48.

------------------------

د. محمد ذنون يونس فتحي

جامعة الموصل/ كلية التربية للبنات

قسم اللغة العربية/ مدرس

 
جُمّاع اللغة وبوادي الجزيرة في القرنين الثالث والرابع الهجريين - أ.د. عبد الرحمن بن علي السنيدي طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: بحوث لغوية
الكاتب صوت العربية   
الثلاثاء, 01 فبراير 2011 13:39

من مصادر تاريخنا : جُمّاع اللغة وبوادي الجزيرة في القرنين الثالث والرابع الهجريين (1/ 2)

تشكل البداوة فئة رئيسية في نطاق المجتمعات الإسلامية في العصور الوسطية وكان لها تأثيرها الكبير في مجريات تاريخ الجزيرة العربية خلال القرن الثالث الهجري وما بعدة، ولئن كانت المجتمعات الإسلامية في الحواضر الكبرى قد تمتعت بقدر من التحضر والنمو الحضاري والحراك العلمي والثقافي، فإن الدلائل تشير إلى أن البوادي العربية داخل الجزيرة العربية ظلت تعيش على هامش ذلك النمو الحضاري ولم تشارك فيه مع أن أبناء البادي العرب شاركوا في حركة الفتوحات الإسلامية خلال القرون الأولى وأسهموا في قيادة كثير من الحملات الجهادية.

وقد جرت حركة هجرة ونزوح خارج الجزيرة من تلك البوادي لكننا لا نقصد هؤلاء الذين استقروا خارج الجزيرة، بل نقصد من هم بل نقصض من هم داخل الجزيرة العربية في شمالي نجد وعاليتها في الدهناء والصمان ونواحي اليمامة ممن قبعوا في منازل القبائل الأولى ومن يطالع المصادر التاريخية يلحظ أن جزء من تلك البوادي قد أصبح بعد تضعضع سلطة الخلافة في حوالي منتصف القرن الثالث الهجري عامل هدم ومعول تخريب يهدد حركة الحج والتجارة عبر وسط الجزيرة وشمالها ثم آل الأمر بهذه الشريحة الاجتماعية المهمة والتي طالما دعمت الدول الإسلامية بالمقاتلين والجنود أن أصبحت أداة بيد بعض الحركات المتطرفة كالقرامطة ولا شك في أن طغيان الجانب السلبي على صورة البداوة بعد هذا التحول مرده عوامل تنبع من الظاهرة نفسها أي ظاهرة البداوة حيث العزلة والانقطاع عن الحواضر والظروف المعيشية القاسية بالإضافة إلى مجموعة من العوامل الخارجية التي أسهمت في ذلك التحول الخطير ومنها ضعف الخلافة العباسية وعجزها عن النهوض بواجباتها مما أوجد فراغاً أمنياً وسياسياً في مناطق كثيرة ومن بينها مناطق تلك القبائل ما أكثر ما يقع إغفال دراسة تلك الفئة ربما تحت وطأة الرغبة في تلميع صورة الماضي والنزعة التمجيدية – غير المتبصرة – لصفحاته وربما كان ذلك ناتج عن عدم الاطلاع على مصادر تثري الدراسات المواجهة نحو المجتمعات الواقعة خارج أسوار المدن الكبيرة والتي عانت من الأمية والتخلف.

إن أي دراسة حضارية عن المجتمعات الإسلامية في العصور الوسيطة ليس بوسعها إغفال البداوة كشريحة اجتماعية لها ثقلها وتأثيرها على الحياة الأمنية والسياسية وأي دراسة موجهة نحو تلك المجتمعات تغفل أثر البداوة ودراسة تاريخها هي دراسة ناقصة فالمنطقة في رأي بعض المفكرين1 جمعت بين منابع البداوة والحضارة وجدلية البادية والحاضرة جدلية أساسية في حياة المنطقة العربية تسبق جميع الجدليات التاريخية والاجتماعية كجدلية صرع الطبقات.

ومن مميزات المدارس التاريخية الحديثة الاتجاه إلى دراسة الحياة الاجتماعية والبحث في الفئات المهمشة ونبذ الأدبيات القديمة التي تعالج مجتمعات الريف والبداوة إلا حين تكون هذه المجتمعات مضرب مثل ساخر أحياناً أو غير طبيعي2 وممايثري دراسات المؤرخين الموجهه نحو الباديه والبداوة ؛ المصادر اللغوية القديمة التي جاءت نتيجة الرحلة إلى البادية أو الإقامة فيها أو مشافهة الأعراب القادمين من بواديهم، وكانت الرحلة إلى البادية خطوة أساسية عند اللغويين رغم وجود عدد من الأعراب الفصحاء في حواضر الإسلام كالبصرة والكوفة، ذلك أن البادية ظلت مقصد اللغويين لأن عربيتهم أبعد عن الشوب والفساد3.

ولئن كانت كمعلوماتنا عن البوادي وأوضاعها العامة تقل بعد رحيل جيل الشعراء الكبار في العصر الأموي كجرير والراعي النميري وعمرو بن أحمر الباهلي ويزيد بن الطثرية والصمة القشيري وليلى الأخيلية حيث ترد أخبار ومعلومات في ثنايا شعرهم ومنثور كلامهم عن أوضاع البوادي4، لئن قلت تلك المعلومات من هذا المورد الأدبي فثمة مورد آخر يتحفنا ببعض الإشارات والملامح هذا المورد هم اللغويون جماع اللغة الذين يرحلون إلى البادية بغية جمع ألفاظ اللغة مشافهة الإعراب وتسجيل مأثور كلامهم، وبموجب هذه الرؤية اعتبرت البيئة البدوية المعزولة عن الحواضر- بيئات لغوية نموذجية يحتكم إليها في معرفة الفصيح من غيره – ولهذا ضرب أئمة اللغة أكباد الإبل إلى البادية وجمعوا اللغة من أفواه رجالاتها ثم عادوا إلى مدنهم يحملون ثروة لغوية لا تضاهى، وكان الأصمعي: عبد الملك بن قريب الباهلي (ت 216ه) من مرتادي البادية، وممن اعتمدت كتبه على البيئات البدوية وسؤال ساكنيها، وقد تضمنت مؤلفاته مواد مفيدة لمن يدرس الحياة الاجتماعية والعربية بعادتها وتقاليدها وثقافتها5.

ومن مرتادي البادية الإمام الشافعي فكان يخرج إلى البدو ويحمل منهم الأدب والشعر، يروى انه بينما كان في أحد أحياء العرب إذ جاء إليه رجل بدوي فقال له يا ابن أخي الفريضة أولى بك من النافلة فقال له إنما أريد هذا لذاك وعليه قد عزمت (حلية الأولياء 5/81)ومن العلماء الذين ارتادوا البوادي أبو عمرو بن العلاء 6 والخليل بن أحمد الذي جمع من بوادي الحجاز ونجد وتهامة 7، والنظر بن شميل الذي أقام أربعين سنة بالبادية 8، إضافة إلى علماء آخرين تنقلوا بين البوادي ومكثوا فيها وشافهوا الأعراب وسمعوا منهم، وكانت الرحلة إلى البادية جانباً مهماً وأصيلاً من عملهم 9، ومن العلماء اللغويون الذين ضمت مؤلفاتهم معارف وأخبار متناثرة مأخوذة من صميم البيئات البدوية أبو علي هارون بن زكريا الهجري وقد عاش في القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجري، ومن أبرز كتبه التعليقات والنوادر وهو زكريا لم يصلنا كاملاً، وقد تضمن معلومات ومعارف تتصل بالمواضع والأنساب والأدب العائد إلى قبائل الجزيرة العربية 10.

وهناك أبو زيد الأنصاري (ت 215 ه) من عقب الصحابي الأنصاري زيد بن ثابت وكان لغوياً نحوياً ومن كتبه النوادر وقد جاء جزءاٌ من مادة الكتاب عن أعراب البادية فهو ينقل عن كلاب وعقيل وتميم وبني قشيروغيرهم من العرب 11، وأبو مسحل الأعرابي وله النوادر 12وهو من الأعراب الفصحاء الذين شاركوا في جمع اللغة، وفي رأي الأستاذ حمد الجاسر فإن النوادر هي طريقة علماء اللغة الأوائل وفيها يجد العالم باباً واسعاً يسجل خلالها معلوماته المختلفة وكانت المؤلفات في النوادر تضم معلومات عن أدب الجزيرة ومعارف أهلها 13، وألف في النوادر بالإضافة إلى من ذكرنا محمد بن زياد الأعرابي (ت 231 ه) ومحمد بن سلام (ت 231 ه) 14. وألف أبو حنيفة الدينوري (ت 282 ه) معجماً للبنات على درجة من الأهمية 15في موضوعه وفي جانب دراسة أحوال البيئات العربية حيث تشكل الحشائش والموارد النباتية الخصبة والرياض المعشبة عنصراً مهماً للسكان العرب ومورداً للأعلاف والاحتطاب إلى جانب الاستخدامات العلاجية والمنزلية ونحو ذلك.

وعندما نأتي إلى نهاية القرن الثالث وأوائل القرن الرابع يبرز عالم كبير قدم في محيط الدراسات اللغوية عملاً عظيماً متميزاً ذلك العالم هو أبوا منصور الأزهري (282 – 370 ه) صاحب معجم تهذيب اللغة 16وهذا العالم لم يرحل بطوعه واختياره إلى البادية ولكن وقع في الأسر أثناء سيطرة القرامطة على طريق الحج في شمالي الجزيرة وكان قد حج سنة 311 ه وعند عودته وقع في أسر جيش القرامطة وآل أمره إلى عرب يقيمون في وادي الستار (وادي المياه) وينتقلون بين الصمان والدهناء وكانت إقامته في البادية مما أغنى (كتابه) تهذيب اللغة بالمواد والألفاظ والمشاهدات بمضامينها الاجتماعية والاقتصادية والبيئة، حيث هيأت له هذه الإقامة المجال لكي يراقب عن قرب منطق أولئك الأعراب الفصحاء ويسجل ويدون ألفاظاً نطقوا بها ويتحقق من فصاحة هذا اللفظ أو ذاك وكان مردودها العلمي والمعرفي كبيراً 17 الخريف أو الشتاء توزعتهم النجع وتتبعوا مساقط الغيث يرعون فيه الكلأ والعشب، إذا عشبت البلاد ويحضر البدو إلى الماء العد (ماء العين أو البئر) شهور القيظ لحاجة النعم فإذا انقضت أيام القيظ بدو فتوزعتهم النجع واتجهوا إلى الفلوات المكلئة 18، وفي نظر الأزهري فإن صفتي البداوة « والحضارة « مرتبطة بحركة العرب الموسمية بين الواحات والصحاري كما نفهم من قوله (الحاضرة هم القوم يحضرون المياه في وقت القيظ ينزلون عليها في حمراء القيظ فإذا برد الزمان ظعنوا عن إعداد المياه وبدو طلباً للقرب من الكلأ فالقوم إذا بادية بعد ما كانوا حاضرة وبادون بعدما كانوا حاضرين 19.

-------------------

جريدة الرياض : الجمعه 19 جمادي الأخر 1430هـ - 12 يونيو 2009م - العدد 14963

http://www.alriyadh.com/2009/06/12/article437150.html

من مصادر تاريخنا : جُمّاع اللغة وبوادي الجزيرة في القرنين الثالث والرابع الهجريين (2 /2)

أ.د. عبد الرحمن بن علي السنيدي

وهكذا ففي نظر الأزهري فإن صفة البداوة و«التحضر» ترتبط بحركة العرب الموسمية، فليس البدو إلا جماعة لها أساليبها في تحصيل العيش والتنقل بين المراعي، ولم ير أن البدو فئة عرقية ذات خصائص دائمة (فمن نزل البادية أو جاور البادين أو ظعن بظعنهم فهم أعراب، ارتباط مفهوم البداوة بالترحال أو الاستقرار هو ما يؤكد عليه بعض المؤرخين يذكر جواد علي أن الأعرابية ليست إلا حاصل هذه الطبيعة الصحراوية وحاصل الانعزال بعيداً عن الحضر في البادية فنشأ هذا الفرق بين البدوي والحضري ولولا ذلك لما كان هناك فرق 20.

وتضم مشاهدات الأزهري إفادات عن الحياة النباتية والحيوانية في الصمان والدهناء وما جاورهما من مرابع البادية وإشارات إلى خواص بعض النباتاتوأهميتها لأبن البادية، سواءً ماله قيمة رعوية كعلف للحيوانات والنعم مثل حشائش الخلة والحمض 21 والتي لا تستغني عنها الإبل ومن ذلك نباتات الرمث والرغل والعكوش 22، كذلك يشير إلى ما يؤكل من تلك النباتات البرية مثل الحمصيص والحماض والنهق 23 والفت 24، ومن تلك النباتات ما له خصائص عطرية كالحوذانة، إما يستخدم للتنظيف فيذكر ورق الأرطي الذي يدق ثم يوضع في السقاء لتنظيفه وتطييب رائحته وورق السدر ويستخدم كغسول، كما تستخدم قشور وأوراق بعض النباتات لإيقاظ النار، ومن إفادات الأزهري نفهم أن البيئة النباتية قد زودت ابن البادية ببعض احتياجاتها البسيطة، والمؤرخ بلا شك معني بإبراز ذلك التفاعل بين الإنسان البدوي في الجزيرة العربية وبين بيئته التي تكيف معها واستثمر مواردها.

أما الحيوانات فقد تضمنت مشاهداته وإفاداته معلومات عن الإبل والأغنام أعلافها وأحوالها وأدوائها وغير ذلك، ولا غرابة في ذلك فقد كانت للإبل والأغنام محل عناية البدو ومحور حياتهم الاقتصادية والمعيشية، وقد أورد معلومات عن حيوانات أخرى ومنها السحالي والحشرات ومنها الزواحف النتشرة في البيئة الصحراوية كالورل والضب وأم حبين وأشار إلى أن لحم الورل درياق (أي دواء للسموم) (والنساء يتسمن بلحمه) يورد الأزهري أقوالاً وأمثالاً ومأثورات عن الأعراب يمكن اعتبارها مما يردده ابن البادية آنذاك ومن ذلك:

- يقول سمعت أعرابيا يقول: «الأخذ سريطي والقضاء خريطي25» ومعنى ذلك أنت تحب الأخذ وتكره الإعطاء.

- «هذه العنوق بعد النوق 26» يضرب مثلاً للذي ينحط عن رتبته فراعى الإبل قوي ممتنع وراعي الشاه ذليل.

- «أبيض قرقوف بلا شعر ولا صوف في البلاد يطوف27» ويقصد به الدرهم الأبيض.

ويرصد الأزهري قدراً مما يستخدمه السكان في البادية وكذا الأرياف والواحات التي ينزلونها أوقات القيظ، من آلات وأدوات بسيطة استخدمها إنسان البادية كالسياط المصنوعة من جلود الإبل28، والعلق والبكرة والمحالة29 وهي مما يستخدم لإخراج الماء من البئر، والعكوم وهي الأحمال والأعدال التي توضع فيها الأوعية30، والقفة التي يوضع فيها الزاد31، كما يرصد الأزهري ألعاباً يقوم بها الصبية وغيرهم32 وأحاجي33 وأناشيد34 يسلو بها أبناء البادية ويلتهون في ظل عيش غير مستقر ومعاناة لا تخفي، والاستقراء يدل على أن لدى الأزهري – وغيره من اللغويين معلومات عن أحوال السكان وعن البيئة الجغرافية والنباتية التي يهم المؤرخون معرفة أثرها في حياة الإنسان كيف تكيف مع ظروفها،وما هي الموارد البيئية التي استخدمها، هذا في حين أننا لا نجد معلومات تمس الأوضاع السياسية لا عن الزعامات القبلية ولا عن شيوخ البادية، ولا عن التجربة السياسية والقضائية لأولئك البدو فهؤلاء اللغويين تحكمهم أغراض الجمع بالدرجة الأولى.

ونشير هنا إلى تطور حدث في نظرة اللغويين إلى البادية بعد الأزهري حيث لم يعد النظر إلى البيئات البدوية على أنها مهد اللغة الفصحى فابن جنى (ت 392 ه) يقول في كتابه الخصائص (لا نكاد نرى بدوياً فصيحاً وأن نحن آنسنا منها فصاحة في كلامه لم نكد نعد ما يفسد ذلك ويقدح فيه وينال ويغض منه 35).

ثم توارت الفصاحة وتوارى أدب اللغة الفصيح في تلك البوادي وهو تحول اجتهد بعض الدارسين في تحديد بدايته ونشأته36 ومازال الأمر بحاجة إلى بحث ونقاش، وأياً كان الأمر فإن هذه التطورات الثقافية اللغوية قلصت بل وأقفلت ما كان يرد إلينا من أقوال ومأثورات من البادية العربية لاسيما منطقة قلب الجزيرة العربية. وخلاصة القول: إن بعض المصادر اللغوية باتجاهاتها التأليفية المختلفة (أجزاء مفردة، معاجم عامة، نوادر وأمالي). تضم مواد عن أحوال سكان البوادي وعن البيئات البدوية العربية، مما يجعل منها مصدراً لجوانب من أحوال السكان البدو خاصة في شرقي الجزيرة العربية وبوادي نجد، رغم ما يشوب بعضها من عدم انتظام المواد العلمية وفقدان شخصيات الحادثة وأبعادها الزمانية والمكانية وإن عرف الإطار العام الذي تجري في سياقه تلك النوادر والفوائد.ولكي يقترب الباحث بصورة أكثر دقة وموضوعية من دراسة الظواهر التي ترتبط بحياة البادية فإن عليه أن ينطلق من رؤى منهجية مدروسة تأخذ بعين الاعتبار مناهج الدراسات الاجتماعية ومنظور الجغرافيا التاريخية، ودراسات ابن خلدون وغيره عن ظاهرة البداوة والظواهر المرتبطة بها، لقد جاءت مدونات الغويين في زمن جمع ألفاظ اللغة لتحقيق ذلك الهدف، هذا هو العمل المقصود الذي أطَّر أعمالهم، لكننا معاشر المؤرخين سوف نخرج بحصيلة جيدة من الإفادات والمشاهدات ذات الدلالات التاريخية من تلك المدونات إذا توفر الباحث الدؤوب ذو الثقافة المنهجية المتنوعة.

الهوامش:

٢٠ - جواد علي، تاريخ العرب في الإسلام، بيروت، دار الحداثة، ط 1، 1983 م، 90.

21 - تهذيب اللغة 8/ 98، 3 / 301.

22 - تهذيب اللغة 8 / 98، 3 / 301.

23 - 4 / 270، 224، 5 / 402.

24 - 1 / 94 وألفت من الحبوب البرية يأكل منه أهل البادية إذا عدم القوات من لبن وتمر وفيه خشونة. تهذيب اللغة 1/94، الزاهر في غريبألفاظ الشافعي، 240

25 - 12/330.

26 - 1/255

27 - 9/ 217

28 - 5/47

29 - 1/ 242

30 - 1/ 328

31 - 8/295

32 - 15/436، 2/84

33 - 3/ 418، وانظر مثالاً عن اختبار القدرة على ترديد الألفاظ المتقاربة، 15 / 200.

34 - 1/ 202.

35 - 2/ 5

36 - انظر مثلاً: أبو عبد الرحمن بن عقيل: تاريخ نجد في عصور العامية، ديوان الشعر العامي بلهجة أهل نجد، 15 – 52، سعد الصويان، الشعر النبطي ذائقة الشعب وسلطة النص، 106.

------------------------------

جريدة الرياض : الجمعه 16 شعبان 1430هـ - 7 أغسطس 2009م - العدد 15019

http://www.alriyadh.com/2009/08/07/article450395.html

 
الدلالة عند اللغويين العرب - د.أيوب جرجيس العطية طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: بحوث لغوية
تقييم المستخدمين: / 22
سيئجيد 
الكاتب د.أيوب جرجيس العطية   
الخميس, 27 يناير 2011 22:26

الدلالة عند اللغويين العرب

د.أيوب جرجيس العطية  من كتاب ( اللغة العربية  1-4 ) لطلاب كلية الشريعة والقانون المطبوع في اليمن سنة 2006م

يجد المتتبع لقضايا الدلالة في التراث اللغوي العربي أن تناول المسائل الدلالية قد سار في اتجاهين :-

أحدهما :- اتجاه نظري تمثله الدراسات النظرية للعلاقات الدلالية بين المفردات ، حيث ظهر في وقت مبكر دراسات حول التضاد و الترادف و المشترك اللفظي وحول الحقيقة و المجاز و الخاص و العام في معاني الألفاظ . وأما الاشتقاق وهو الوسيلة الرئيسة لتوليد الألفاظ في اللغة العربية لتواكب مستحدث المعاني و الأفكار ، فكان وما يزال ينال الاهتمام في معظم المصنفات و الدراسات اللغوية قديماً وحديثاً . وإذا نظرنا في أمهات الكتب اللغوية كالخصائص لابن جني و الصاحبي في فقه اللغة لابن فارس وفقه اللغة وسر العربية للثعالبي ، والمزهر في علوم اللغة وأنواعها للسيوطي ([1]) سنجد أن هذه القضايا قد شغلت مساحات واسعة في هذه المصنفات .

والآخر :- اتجاه تطبيقي ويتمثل في الأعمال المعجمية التي أصبحت تمثل تياراً لغوياً قوياً في الدرس اللغوي العربي ، حيث بدأت على شكل رسائل لغوية في غريب القرآن و الحديث ويغلب عليها التفسير اللغوي لألفاظها . وكتب الحيوان و النبات و اللهجات و الكتب التي تعني ببيان معاني الألفاظ الفقهية فضلا عن إلى معانيها اللغوية وكتب الدخيل و المعرب و النوادر ([2]) .

وقد تطورت فكرة الرسائل اللغوية على يد الخليل كما ظهرت في معجمه الشهير ( العين ) ثم توالى التأليف المعجمي بعد ذلك كما يظهر في اتجاهاته المختلفة .

وفيما يلي تعريف موجز بجهود علماء اللغة في تلك المسائل الدلالية .

أولاً :- تعدد المعنى

لقد بحث اللغويون مسألة تعدد المعنى ومشكلات العلاقات الدلالية بين الألفاظ بحثاً مستفيضاً ، وقسموا ألفاظ اللغة من حيث دلالتهُُُُا إلى أنواع هي :-

1-    المتباين : وهو أكثر اللغة ، وذلك أن يدل اللفظ الواحد على معنى   واحد .

2-    المشترك اللفظي : وهو أن يدل اللفظ الواحد على أكثر من معنى .

3-    المترادف : وهو أن يدل أكثر من لفظ على معنى واحد .

4-    التضاد : وهو أن يدل اللفظ الواحد على معنيين متناقضين .

وما يدخل تحت تعدد المعنى ويمثل مشكلة لغوية هو المترادف ، والمشترك اللفظي و التضاد .

أ- الترادف :-

ويعرفه العلماء بأنه ( الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد ) ([3]) ومن أمثلة   ذلك : الخلقة و السجية و الطبيعة و الغريزة و السليقة .

ومنه في أسماء العسل . الضَّرَب ، الشوب ، الورس ، الشَّهْد ، الشِّراب ، الغرب ،        والمزج ، والسلاف و الرحيق ..... الخ ([4]) .

وهذه الظاهرة بحثها اللغويون العرب ووقفوا منها موقفين متضادين فريق يؤيد وجودها في اللغة وفريق ينكره .

أما الأسباب التي تؤدي إلى ظهور الترادف في اللغة فهي :-

1- اختلاف اللغات و اللهجات :-

فقد دخل اللغة العربية بعد الإسلام كثير من الكلمات الأجنبية بسبب الحاجة إلى ذلك فيحدث الترادف نتيجة استعمال الكلمة الأجنبية إلى جانب نظيرتها العربية التي تحمل الدلالة نفسها ومن ذلك مثلاً الألفاظ الآتية : الحرير مع السندس و الاستبرق ، اليم مع البحر ، الفردوس مع الجنة ، الصراط مع الطريق و السبيل .

كما أن اللهجات قد تتلاقى في استعمال ألفاظ مختلفة لمعنى واحد فيحدث نتيجة لذلك الترادف ، ومن ذلك المدية في قبيلة و السكين في قبيلة أخرى ووثب في قبيلة وقفز في قبيلة أخرى .

ولكن الرواة حينما سجلوا ألفاظ اللغة لم يشيروا إلى اختلاف اللهجات في استعمالها وإنما جمعوها في صعيد المترادفات .

2- المجاز :-

فقد تستعمل الكلمات استعمالاً مجازياً ثم تمر الأيام على تلك المجازات ويكثر استعمالها ، فتنسى الناحية المجازية فيها وتصبح معانيها حقيقية .

ومن أمثلة ذلك ترادف كلمتي الوغى و الحرب ، والوغى في الأصل اختلاط الأصوات في الحرب ثم تنوسي أصل الدلالة وأصبحت الوغى بمعنى الحرب .

3- اختلاط الأسماء و الصفات :-

فكثير من الكلمات كانت في الأصل صفات للمسمى الواحد في الأحوال المختلفة ، ولكن هذه الصفات تنوسيت على مر السنين وأصبحت الصفات تستعمل بمعنى الاسم وكأنها متردافات .

ومن ذلك مثلاً : السيف وهو الاسم ثم المهند و المشرفي ، واليماني ، والعضب ، والصفيحة ، والخشيب ... الخ ، فهذه صفات تشتمل على فوارق معنوية في الأصل ولكنها بمرور الزمن استعملت وكأنها ترادف لفظ السيف .

ب- المشترك اللفظي :-

يقصد بالمشترك اللفظي أن يدل اللفظ على معنيين أو أكثر على التساوي .

ومن أمثلته ( العين ) فإن لها معاني كثيرة منها : الباصرة ، وعين الجيش الذي ينظر لهم ، والعين : النفس ، وهو أن يعين الرجل بمعنى أن ينظر إليه فيصيبه بعين ، والعين : الجاسوس ، والعين : الدينار وغير ذلك من المعاني الكثيرة  .

وقد ألف القدماء فيه كتباً كثيرة ومن ذلك : كتاب الوجوه و النظائر لمقاتل بن سليمان البلخي ( 150هـ) . و الوجوه و النظائر لهارون بن موسى الأزدي ( 170هـ) وكتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد للمبرد ، وكتاب المنجد في اللغة لكراع ، كما ألف في ذلك الأصمعي و اليزيدي وآخرون .

أما الأسباب التي تؤدي إلى وقوع الاشتراك في اللغة فهي :- 

1- اختلاف اللغات و اللهجات :-

فاللغة قد تستمد ألفاظاً من لغات أجنبية عنها ، وذلك على جانب ألفاظ أخرى موجودة فيها قد تتحد معها في الصيغة فينتج عن ذلك الاشتراك اللفظي ، ومثال ذلك كلمة ( الحُبّ ) بمعنى ( الوداد ) و الحِبُّ بمعنى الجَرّة الكبيرة التي يجعل فيها الماء ، والمعنى الأول من العربية و الثاني من الفارسية . وكذلك لفظ ( سور ) بمعنى حائط المدينة و الضيافة و المعنى الأول عربي و الثاني فارسي .

واختلاف اللهجات قد تكون سببا في وجود الاشتراك اللفظي فكلمة ( السيد ) تعني الذئب في لهجة طيء وعند هذيل تعني الأسد . وكلمة ( الألفت ) عند تميم تعني الأعسر وعند قيس تعني الأحمق . ومثل هذه الكلمات التي تنتمي إلى لهجات مختلفة ( تتشابه في نطقها ) وتتحد في معناها تعد سببا من أسباب وقوع الاشتراك اللفظي .

2- الاشتمال المجازي :-

أي انتقال الكلمة من الحقيقة إلى المجاز مثل كلمة ( العين ) التي هي في الأصل العضو المبصر ثم انتقلت إلى معان أخرى مجازية فأصبحت تدل على الجاسوس وعلى البئر ، وعين الميزان وثقب الإبرة ... الخ .

ج- التضاد :-

يقصد بالتضاد استعمال اللفظ بمعنيين متضادين وهذه ظاهرة موجودة في جميع اللغات وذلك في العربية كـ(الجون ) للأبيض و الأسود ( و القرء ) للطهر و الحيض ( و الصريم ) لليل و الصبح ( و الند ) للمثل و الضد و ( الناهل ) للعطشان و الريان ..... الخ ([5]) .

أما العوامل التي تؤدي إلى نشأة هذه الظاهرة في اللغة فإنها تتشابه مع بقية العوامل الأخرى في ظاهرتي الترادف و المشترك و هي :-

اختلاف اللهجات حيث يستعمل اللفظ بمعنى في إحدى اللهجات وتستعمله لهجة أخرى بمعنى آخر .

ومن ذلك المجاز و التطور الصوتي  و الأسباب النفسية الاجتماعية التي يراعى فيها المخاطب كأن يطلق لفظ القافلة على الجماعة المسافرة ، و المفازة على الصحراء ، وعاقل على المجنون ، والأبيض على الأسود .... الخ .

ثانياً :- الدلالة في المعجم

المعجم هو قائمة من الكلمات تشتمل على جميع ما يستعمله المجتمع اللغوي من مفردات .

ثالثاً :- التغير الدلالي

وقد تنبه اللغويون و الأصوليون لمسألة التطور في دلالات الألفاظ وأشاروا                  في ملحوظاتهم الدلالية إلى أن اللفظ قد تنتقل دلالته من الاتساع إلى الضيق أو العكس .

أو ينتقل المعنى عن طريق العلاقات المجازية فيعبر عنه بلفظ آخر بينه وبين اللفظ الأول سبب من الأسباب التي سموها بالعلاقات المجازية ، وأفاضوا في تفصيل أنواعها ، كما نبه اللغويون القدماء على هذه الظاهرة وأفاضوا في شرحها ، ويكشف عن ذلك ما عرضه السيوطي في الأبواب الثلاثة التي عقدها لمسألة التغير في المعنى وهي  :-

  • العام و الخاص .
  • الحقيقة و المجاز .
  • الألفاظ الإسلامية .

وفي موضوع الحقيقة و المجاز يناقش اللغويون آثر المجاز في تطور دلالات الكلمات ، وقد بحث اللغويون في علاقات المجاز وهو أمر يكشف إدراكهم لقانون هام من قوانين تغير المعنى ، وهو ارتباط الحالة التي تنتقل إليها الكلمة بالحالة التي انتقلت منها .

ويتفاوت القدماء في حصر أنواع العلاقة بين محل الحقيقة و المجاز أي المدلول الأول للفظ و المدلول الثاني الذي انتقل إليه ، من ذلك :-

1- السببية : وهي إطلاق اسم السبب على المسبب ، أي العلة على المعلول كالتعبير عن العنب بالخمر في قوله تعالى : ] إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً  [.

2- المسببية : وهي إطلاق اسم المسبب على السبب ، كالتعبير عن المرض المهلك بالموت .

3- المشابهة : وهي تسمية الشيء باسم ما يشبهه في الصفة المعروفة ، كإطلاق الأسد على الشجاع أو إطلاق اسم الإنسان على الصورة المنقوشة في الحائط .

4- المضادة : وهي إطلاق اللفظ على ما يضاد ، كتسمية الصحراء المهلكة بالمفازة .

5- الكلية : وهو إطلاق اسم الكل على الجزء ، ويعد منه إطلاق العام على الخاص . ومثاله إطلاق الأصابع وغرادة بعضها في قوله تعالى : ]  يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ [ (البقرة: من الآية19) .

6- الجزئية : وهي إطلاق اسم الجزء على الكل ، كإطلاق اسم الرقبة على العبد في قوله تعالى : ]  فَكُّ رَقَبَةٍ [ (البلد:13) .

7- الاستعداد : وهي أن يسمى الشيء المستعد لأمر باسم ذلك الأمر كتسمية الخمر وهي في الدن بالمسكر ، ويعبر عن هذه العلاقة بأنها إطلاق اسم الفعل على القوة أو تسمية باسم ما يئوب إليه .

8- المجاورة : وهي تسمية الشيء باسم ما يجاوره ، كإطلاق ( الراوية ) على قربة الماء ، و الأصل في الراوية ( الدابة التي تحمل الماء ) .

ويشتمل التجوز في التراكيب الزيادة : كقوله تعالى : ] لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ (الشورى: من الآية11) ، الكاف زائدة ، والحذف كقوله تعالى : ]  وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [(يوسف: من الآية82) ، أي أهل القرية .

و المجاز في التركيب يسمى المجاز الإسنادي أو المجاز العقلي وذلك في مقابلة المجاز المفرد المعروف بالمجاز اللغوي .

وعلاقات المجاز العقلي هي : الملابسة ، وذلك بأن يسند الفعل إلى غير ما هو له أصالة كقوله تعالى عن فرعون ( يذبح أبناءهم ) فنسب الذبح إلى فرعون وهو فعل أعوانه لكونه آمرا به ، ومنها الزمانية و المكانية  و المصدرية .

ويشمل المجاز المفرد اللغوي ما عرف بالاستعارة و الكناية ، والاستعارة بدورها تنقسم إلى : التصريحية و المكنية .

وفي المجاز المفرد تنقل دلالة اللفظ الأصلي إلى لفظ آخر لعلاقة بينهما كقولنا ( الأسد ) للرجل الشجاع ، لعلاقة المشابهة .

وقد ذكر القدماء الأسباب التي تؤدي إلى وقوع المجاز وهي :-

1- ثقل لفظ الحقيقة لصعوبة نطقه على اللسان فلفظ ( الخفنقيق ) بمعنى الداهية أو المصيبة يعدل عنه لنقله إلى لفظ يكون سهلا على الناطق ، وبينه وبين معنى اللفظ السالف علاقة . وكلفظ ( الموت ) مثلاً يقال : وقع في الموت ، وهو يريدون مصيبة شديدة وهو سبب صوتي يؤثر بلا شك في هجر استعمال بعض الألفاظ . واستعمال ماله دلالة على معنى الكلمة نفسها ،  أو ما هو قريب منها ، فإذا استعمل القريب منها للدلالة على معناها فهو المجاز ، وهو بالتالي ذو أثر في التغير الدلالي وفي حياة بعض الألفاظ وموت أخرى .

2-  أن يكون معناها حقيراً ، فيعدل عن لفظ الحقيقة إلى لفظ مجازي كالتعبير بالغائط عن عملية التبرز أو قضاء الحاجة ، والأصل في الغائط  ( المكان المنخفض من الأرض ) .

3-  أن يتحقق باستعمال المجاز شيء من البديع لا يتحقق بلفظ الحقيقة كالمجانسة و المقابلة و السجع ووزن الشعر .

4-  أن يكون في المجاز تعظيم كقولك لمن تخاطبه معظماً : سلام على المجلس العالي ، فإن فيه تعظيماً بخلاف قولك سلام عليك .

وقد يكون في المجاز تقوية للمعنى كقولك : رأيت أسدا يقاتل ، ففيه من القوة ما ليس في قولك : رأيت رجلا يشبه الأسد في الشجاعة .

وقد حدد اللغويون المعالم التي يمكن في ضوئها الاهتداء إلى الفصل بين الحقيقة و المجاز ومعرفة الطرائق التي تعود إلى كون اللفظ المستعمل من الحقيقة أم من المجاز ، وواضح أن ما ورد من ملاحظات عن تطور الاستخدام الدلالي للألفاظ من الحقيقة إلى المجاز هو من صميم ما عرف في عالم المعنى بالتطور الدلالي .

أما الأمر الثالث في ملحوظات اللغويين القدماء عن التغير الدلالي فهو الذي أورده اللغويون عند الحديث عن تطور دلالات بعض الألفاظ الإسلامية ([6]) .

وقد كانت ملاحظات أبي حاتم الرازي حول مسالة تطور دلالات بعض الألفاظ من أكثر الملاحظات أهمية . فقد جمع الرازي في كتابة ( الزينة ) ما يزيد عن أربعمائة لفظ اشتملت على بعض الأسماء التي وردت في القرآن و الألفاظ التي اصطلح عليها المسلمون وذكر معانيها ومدلولاتها الجاهلية و الإسلامية واستشهد على ذلك بالشعر المعروف وأراد فيها ما روى علماء العربية ، وأهل التفسير في تفسير كل كلمة .

وحاول الرازي أن يفسر معاني الكلمات التي تغيرت مدلولاتها في العصر الإسلامي عما كانت في العصر الجاهلي ، وإن لم تكن مفهومة عند العرب قبل الإسلام ثم يسير إلى أن يشرحها كما وردت في القرآن و الحديث ويورد فيها آراء اللغويين و النحويين المتقدمين ، وأحياناً نراه لا يراعي هذا التسلسل الزمني ، بل يبدأ بمدلولها الإسلامي ويستشهد بالقرآن و الحديث قبل أن يحتج بالشعر و اللغة ، وكثيراً ما يفسر الكلمات تفسيراً لغوياً صرفاً يأتي باشتقاقاتها ومعانيها ، ولا يهدف فيه إلى معنييها الجاهلي والإسلامي .

وتجدر الإشارة إلى أن الرازي قد صنف كلماته فيما يشبه الحقول الدلالية ، وهي التي تجمع كلمات ذات قرابة ، وذلك لأنه بدأ بأسماء الله تعالى ثم بالقضاء ثم بالجنة وصفاتها و النار وصفاتها .... الخ وفيها عالج كلمات ذات قرابة ، مثل : النار ، الصراط ، الأعراف ، الثواب ، و العقاب ، الإثم و الوزر .

ومن ذلك اسم منافق لمن راءى بالإسلام واستتر بالكفر ، أخذ ذلك من النافقاء و القاصعاء و الداماء ( أسماء جحر اليربوع ) .

ومثل الشرك و الكافر ، ومثل التيمم ، قال تعالى : ]  فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [ (النساء: من الآية43) ، أي تحروا ذلك وتوخوه وقال تعالى : ]  فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [ (المائدة: من الآية6) ، فكثر في هذا الكلام حتى صار التيمم هو المسح نفسه ، وكذلك عادتهم وصنيعهم في الشيء إذا طالت صحبتهم وملابستهم له .

ومن ذلك النجو : وذلك أن الرجل إذا أراد قضاء الحاجة تستر بنجوة ، والنجو الارتفاع من الأرض ، قالوا من ذلك : ذهب ينجو . كما قالوا ذهب يتغوط ثم اشتقوا منه فقالوا إذا غسل موضوع النجو : قد استنجى .

ومن ذلك العذرة ، وإنما العذرة الفناء ، والأفنية هي العذرات ولكنه لما طال إلقاؤهم النجو و الزبل في أفنيتهم سميت تلك الأشياء التي رموا بها باسم المكان التي رميت به و في الحديث ( اتقوا عذراتكم ) . وقال ابن الرقيات :

رحم الله أعظما دفنوها


بسجستان طلحة الطلحاتِ

كان لا يحجب الصديق ولا


يعتل بالبخل طيب العذرات

ولكنهم لكثرة ما كانوا يلقون نجوهم في أفنيتهم سموها باسمها .

من قضايا المعنى ( التطور الدلالي )

أشرنا إلى أن العرب قد أدركوا مسألة تغير المعنى وتدل ملاحظاتهم حول المجاز وكلمات مثل الصلاة و الحج والنفاق على أنهم قد تحدثوا عن جانب من هذه المسألة ولكن تلك الملاحظات الدلالية لم ينتظمها منهج معين .

وفي علم الدلالة الحديث نالت قضية تغير المعنى حظاً كبيراً من عناية اللغويين ، وقد بحث هؤلاء في صور تغير المعنى وأسباب ذلك التغير و العوامل التي تتدخل في حياة الألفاظ أو موتها .

أسباب تغير المعنى :-

ذكر بعض العلماء أن أسباب تغير المعنى ترجع إلى ثلاثة أسباب ، إمّا لغوية أو تاريخية أو اجتماعية . ولخص بعضهم  هذه الأسباب فيما يأتي :-

1- ظهور الحاجة :-

حينما يملك المجتمع اللغوي فكرة أو شيئاً يريد أن يتحدث عنه فإنه يمثله بمجموعة من الأصوات في معجم اللغة .

وقد يكون هذا التمثيل عن طريق الاقتراض من مصدر خارجي أو عن طريق وضع لفظ جديد على طريقة كلمات هذه اللغة ، وهذان النوعان ليس لهما صلة بتغير المعنى . ولكن هناك وسيلة ثالثة تعد من هذا الباب وهي أن يلجأ أبناء اللغة إلى الألفاظ القديمة ذات الدلالة المندثرة فيحيوا ([7]) بعضها ويطلقوه على مستحدثاتها ملتمسين في هذا أدنى ملابسة ، وهكذا نجد أنفسنا أمام كم هائل من الألفاظ القديمة في صورة جديدة الدلالة .

ومن أمثلة ذلك الكلمات : مدفع ، دبابة ، سيارة ، قاطرة ،  ثلاجة ، سخانة ،  مذياع ، ذبذبات ، تسجيل ، جرائد ، صحف ، وغير ذلك من الألفاظ التي أحياها الناس ، أو اشتقوها ، وخلعوا عليها دلالات جديدة تطلبتها حياتهم الجديدة ، وتتم هذه العملية عن طريق الهيئات و المجامع اللغوية ، أو قد يقوم بها بعض الأفراد الموهوبين في صناعة الكلام كالأدباء و الكتاب و الشعراء ، ثم تفرض تلك الألفاظ في وضعها الجديد على أفراد المجتمع بالتداول و التعامل بها .

2- التطور الاجتماعي و الثقافي :-

وهذا السبب يظهر في صور مختلفة ، منها :

أ‌- فقد يكون في شكل الانتقال من الدلالات الحسية إلى الدلالات التجريدية نتيجة لتطور العقل الإنساني ورقية .

وانتقال الدلالات من المجال المحسوس إلى المجال المجرد يتم عادة في صورة تدريجية ، ثم  قد تنزوي الدلالات المحسوسة وقد تندثر وقد تظل مستعملة جنباً مع الدلالات التجريدية لفترة تطول أو تقصر .

ب‌- وقد يكون في شكل اتفاق مجموعة فرعية ذات ثقافة مختلفة على استخدام ألفاظ معينة في دلالات تحددها تماشياً مع الأشياء و التجارب و المفاهيم المناسبة لمهنها وثقافتها ، وقد يؤدي هذا إلى نشوء لغة خاصة ، ولا شك أن شدة الاتصال بين أفراد هذه الجماعة ، وبينها وبين أفراد الجماعات الأخرى من المجتمع الكبير سيقضي على صعوبة إفهام الآخرين وتعاملهم مع المدلول الجديد .

وقد حدث هذا مثلاً بالنسبة للكلمات الدينية كالصلاة والحج و الزكاة و الوضوء و التيمم . ويمكن القول على وجه العموم : إنّ الاتجاه في مثل هذه الحالات يميل نحو التضييق في معنى الكلمة حين تنتقل من الاستعمال العام إلى المجالات المتخصصة .

ت‌- وقد يكون في شكل استمرار استخدام اللفظ ذي المدلول القديم وإطلاقه على مدلول حديث للإحساس باستمرار الوظيفة رغم الاختلاف في الشكل .

ومن ذلك كلمة ( بيت ) في العربية التي ما تزال تطلق على الشكل الحديث رغم تغيره عن القديم .

3- المشاعر العاطفية و النفسية :-

تحظر اللغات استعمال لبعض الكلمات لما لها من إيحاءات مكروهة أو لدلالتها الصريحة على ما يستقبح ذكره ، وهو ما يعرف باللامساس Taboo ولا يؤدي اللامساس إلى تغير المعنى ولكن يحدث كثيراً أن المصطلح البديل يكون له          معنى قديم ، مما يؤدي إلى تغير دلالة اللفظ ، فكان اللامساس يؤدي إلى التلطف في العبير . وهو في الحقيقة إبدال الكلمة الحادة بكلمة أقل حدة وأكثر قَبولاً . وهذا التلطف هو السبب في تغير المعنى .

4- الانحراف اللغوي :-

قد ينحرف مستعمل الكلمة بالكلمة عن معناها إلى معنى قريب أو مشابه له فيعد من باب المجاز ، ويلقى قَبولاً من أبناء اللغة بسهولة، وقد يكون الانحراف نتيجة سوء الفهم أو الالتباس أو الغموض ، وحينئذٍ يتصدى له اللغويون بالتقويم و التصويب ، وغالباً ما يكون محل رفض منهم ، وحتى لو قبلته الجماعة اللغوية وجرى على ألسنتهم ([8]) .

ويحدث سوء الفهم حين يصادف المرء اللفظ الأول فيخمن معناه وقد ينتهي به التخمين إلى دلالة غريبة لا تكاد تمت إلى ما في ذهن المتكلم بأي صلة ، وحين يتكرر الانحراف من أكثر من شخص قد يؤدي هذا إلى تطور اللفظ تطوراً مفاجئاً يرثه الجيل الناشئ ويركن إليه .

ومن أمثلة ذلك كلمة ( الأرض ) التي تحمل دلالات عدة متباينة فهي الكوكب المعروف وهي الزكاة والرعدة ، ومثل ( الأسد ) الذي يعني الليث ويعني العنكبوت .

ويعد الأطفال كذلك أحد الأمثلة البارزة للانحراف اللغوي خصوصاً وأنهم يغلبون جانب الشكل على جانب الوظيفة ، فقد يطلق الطفل على الفأس و المطرقة لفظ ( قدوم ) . وقد يطلق على ( الكنبة ) لفظ سرير ..... وهكذا .

5- الانتقال المجازي :-

وعادة ما يتم بدون قصد ، بهدف سد فجوة معجمية . وقد يحدث بمرور الوقت أن يشبع الاستعمال المجازي فيصبح للفظ معنيان ، وقد يشيع المعنى المجازي على حساب المعنى الحقيقي ويقضي عليه .

6- الابتداع :-

ويعد الابتداع Innovation من الأسباب الداعية لتغير المعنى ، وكثيراً ما يقوم به أحد صنفين من الناس :-

أ‌- الموهوبون من أصحاب المهارة في الكلام كالشعراء و الأدباء ، وحاجة الأديب إلى توضيح الدلالة ، أو تقوية أثرها في الذهن هي التي تحمله على الالتجاء إلى الابتداع .

ب‌- المجامع اللغوية و الهيئات العلمية حين تحتاج إلى استخدام لفظ ما للتعبير عن فكرة أو مفهوم معين وبهذا تعطي الكلمة معنى جديداً يبدأ أول الأمر اصطلاحياً ثم يخرج إلى دائرة المجتمع فيغزو اللغة المشتركة كذلك ، ومثال ذلك كلمة Root التي يختلف معناها بحسب مهنة المتكلم أهو مزارع أم عالم رياضيات أم لغوي .

أشكال تغير المعنى :-

حاول رجال القواعد وعلماء البلاغة جاهدين منذ أرسطو أن يخضعوا تغيرات المعنى لشيء من التنظيم و التعقيد ، غير أنهم حصروا جهودهم قروناً طويلة في تصنيف المجازات لأسباب جمالية أو أسلوبية .

وحين انتقل الأمر إلى علماء اللغة حاولوا تنظيم البحث عن عمليات انتقال دون حساب لمضموناتها الأدبية .

وقد كانت الأنواع التي توصل غليها اللغويون هي :-

1- توسيع المعنى :-

يقع توسيع المعنى عندما يحدث الانتقال من معنى خاص إلى معنى عام ، ويعني ذلك أن يصبح عدد ما تشير إليه الكلمة أكثر من السابق ، أو يصبح مجال استعمالها أوسع من قبل . ومن أمثلة ذلك استعمال الطفل ( تفاحة ) لكل الأشياء المستديرة .

وكلمة Salary التي تعني مرتب الجندي فقط ، وقبل ذلك كانت تعني حصة الجندي من الملح .

وكلمة Picture كانت تطلق على اللوحة المرسومة ، والآن امتدت لتشمل الصور الفوتوغرافية .

2- تضييق المعنى :-

تضييق المعنى أو تخصيصه يعني تحويل الدلالة من المعنى الكلي إلى المعنى الجزئي أو تضيق مجالها ، وعرفه بعضهم بأنه تحديد معاني الكلمات وتقليلها .

ومن أمثلة ذلك كلمة ( حرامي ) هي في الحقيقة نسبة إلى الحرام ، ثم تخصصت دلالتها ، واستعملت بمعنى ( اللص ) .

وكلمة ( الحريم ) كانت تطلق على كل محرم وأصبحت الآن تطلق على النساء وكلمة Poison الإنجليزية كانت تعني الجرعة من أي سائل و لكن الذي حدث هو أن الجرعات السامة دون غيرها هي التي استرعت الانتباه واستأثرت به لسبب أو لآخر ، وبهذا تحدد مدلول الكلمة مقصورا على أشياء تقل في عددها عما كانت عليه .

3- نقل المعنى :-

ويكون الانتقال عندما يتعادل المعنيان أو إذا كانا لا يختلفان من جهة العموم و الخصوص ، كما في حالة انتقال الكلمة من المحل إلى الحال أو من المسبب إلى السبب أو من العلاقة الدالة إلى الشيء المدلول عليه .... الخ أو العكس . وانتقال المعنى يتضمن طرائق شتى مثل الاستعارة وإطلاق البعض على الكل ، وهو المجاز المرسل بشكل عام .

وعلى هذا يكون الفرق بين هذا النوع و النوعين السابقين ، كون المعنى القديم أوسع أو أضيق من المعنى الجديد في النوعين السابقين ، وكونه مساوياً في النوع الحالي .

ومن أمثلة نقل المعنى الكلمة ( شنب ) التي كانت في القديم تطلق على جمال الثغر وصفاء الأسنان وهي في الاستعمال الحديث بمعنى الشارب ، وكلمة ( السفرة ) كانت تعني الطعام الذي يصنع للمسافر وهي في الاستعمال الحديث المائدة وما عليها من الطعام ، وكان طول اليد يعرف بالسخاء فأصبح يوصف به السارق .

ومن أشكال انتقال المعنى ما يعرف باسم ( انحطاط المعنى ) أو ( ابتذاله ) ،         وعكسه ( رقي المعنى ) وقد يتردد معنى الكلمة بين الرقي و الانحطاط في سلم الاستعمال الاجتماعي ، بل تصعد الكلمة الواحدة إلى القمة وتهبط إلى الحضيض في وقت واحد .

والأمثلة على ذلك ما يلي :-

1- اللقب ( أفندي ) : المأخوذ من التركية كان له خلال القرن التاسع عشر الميلادي مركز هام ومكان مرموق ثم انحط قدرة على توالي الأيام ، وصار الآن ذا قدر تافه ، ومثل هذا كلمة ( حاجب ) التي آلت إلى المعنى التافه الذي تدل عليه الآن .

2- كلمة ( رسول ) : كان معناها الشخص الذي يرسل في مهمة ما ، ثم صار لها هذه الدلالة السامية التي نعرفها اليوم .

وكلمة ( Knight ) التي كانت في القرون الوسطى تعبر عن مركز مرموق وكانت قبل ذلك تعني ( ولد خادم ) .

4- المبالغة :-

عُدَّ بعض اللغويين المبالغة من أشكال تغير المعنى ، وعدها مسئولة عن تلك الشعارات المذهبية والاصطلاحات الخادعة التي تستغلها أجهزة الدعاية حتى أنها لا تلبث أن تؤدي إلى عكس المقصود منها .

كما في قولك هو سعيد بشكل مخيف ، ورائع بكل بساطة ، ومثل هذه التعبيرات سرعان ما تفقد جدتها وقوة التعبير عنها حتى تصبح مبتذلة بالية ، ثم تخلفها وتحل محلها تعبيرات أخرى .

نظرية السياق :-

وهذه النظرية تقوم على أساس أن معنى الكلمة هو ( استعمالها في اللغة ) أو الطريقة التي تستعمل بها أو الدور الذي تؤدية ، ولهذا لا ينكشف المعنى إلا من خلال تسييق الوحدة اللغوية أي وضعها في سياقات مختلفة ويقوم أصحاب هذه النظرية في شرح وجهة نظرهم معظم الوحدات الدلالية تقع في مجاورة وحدات أخرى ، أو، معاني هذه الوحدات لا يمكن وصفها أو تحديدها إلا بملاحظة الوحدات الأخرى التي تقع مجاورة لها .

وعلى هذا الأساس فدراسة معاني الكلمات تتطلب تحليلا للسياقات و المواقف التي ترد فيها حتى ما كان منها غير لغوي ، ومعنى الكلمة على هذا يتعدد تبعاً لتعدد السياقات التي تقع فيها أو بعبارة أخرى تبعاً لتوزيعها اللغوي .

أما السياق اللغوي فيمكن التمثيل له بكلمة ( حسن ) في العربية ، التي تقع في سياقات متنوعة وصفا لــ :-

1-          أشخاص ( رجل ، امرأة ، ولد ..... ) .

2-          أشياء مؤقتة ( وقت ، يوم ، حفلة ، رحلة .... ) .

3-          مقادير ( ملح ، دقيق ، هواء ، ماء .... ) .

فإذا وردت في سياق لغوي مع كلمة ( رجل ) كانت تعني الناحية الخلقية ، وإذا وردت وصفا لطبيب مثلا كانت تعني التفوق في الأداء وليس الناحية الأخلاقية ؛ وإذا وردت وصفا للمقادير كان معناها الصفاء و النقاوة .

كما يمكن التمثيل للسياق اللغوي بكلمة ( يد ) التي ترد في سياقات متنوعة  منها :-

1-          أعطيته مالا عن ظهر يد .

2-          هم يد على من سواهم .

3-          يد الفأس .

4-          يد الدهر .

5-          يد الطائر .

6-          بعته يدا بيد .

7-          يد الريح .

8-          ثوب قصير اليد .

9-          فلان طويل ليد .

10-     سقط في يده .

11-     حتى يعطوا الجزية عن يد .

12-     إن بين يدي الساعة أهوالا .

وأما السياق العاطفي فيحدد درجة القوة و الضعف في الانفعال مما يقتضي تأكيدا أو مبالغة أو اعتدالا . فكلمة Love في الإنجليزية غير كلمة Like رغم اشتراكهما في أصل المعنى . وكلمة ( يكره ) العربية غير كلمة ( يبغض ) رغم اشتراكهما في أصل المعنى .

و أما سياق الموقف ، فيعني الموقف الخارجي الذي يمكن أن تقع فيه الكلمة ، مثل استعمال كلمة ( يرحم ) في مقام تشميت العاطس ( يرحمك الله ) ( البدء بالفعل ) ، وفي مقام الترحم بعد الموت ( الله يرحمه ) ( البدء بالاسم ) فالأولى تعني طلب الرحمة في الدنيا و الثانية طلب الرحمة في الآخرة ، وقد دل على هذا سياق الموقف إضافة إلى السياق اللغوي المتمثل في التقديم و التأخير .

و أما السياق الثقافي فيقتضي تحديد المحيط الثقافي أو الاجتماعي الذي يمكن أن تستخدم فيه الكلمة ، فكلمة ( عقيلته ) تعد في العربية المعاصرة علامة على الطبقة الاجتماعية المتميزة بالنسبة لكلمة ( زوجته ) مثلاً ، وكلمة ( جذر ) لها معنى عند المزارع ، ومعنى ثان عند اللغوي ، ومعنى ثالث عند عالم الرياضيات .

وقد كان للعملاء العرب جهود في العناية بدلالة السياق على المستويين النظري و العملي إذ أشاروا إلى أهمية السياق ووظفوه في دراسة النصوص وتحليلها .

ويتّضح ذلك عند المفسرين والأصوليين ، فقد اشترطوا فيمن يتصدّى لتفسير القرآن الكريم وتأويله شروطاً لها علاقة بالسياق اللغوي و الحالي وهي العلم بأسباب النزول و الناسخ و المنسوخ ، وعلى المفسر أن يراعي السياق اللغوي فسيتحضر النص القرآني عند تفسير بعضه .ومعنى أسباب النزول في ملابسات النص وكل ما يحيط به وهي من أهم مكونات سياق الحل . ومعرفة السياق تقتضي المعرفة بألفاظ العربية ودلالالتها وهذه المعرفة ضرورية للمفسر و إلا فلا يحلّ له الإقدام على تفسير كتاب الله .

وأما الأصوليون فكانوا أسبق من غيرهم في التصريح بمصطلح السياق وتحديد مفهومة . وقد استثمروا دلالة السياق في استنباط الأحكام الشرعية وجعلوها أصلاً مهماً في فهم النصوص الشرعية .

مثال يوضح ضرورة اعتداد ( المقام ) في تحديد المعني الدلالي . من المعلوم أن                   ( يا ) من حروف النداء وأن كلمة ( سلام ) اسم من أسماء الله تعالى وهي كذلك ضد الحرب . فإذا أخذنا بالمعنى الوظيفي لأداة النداء و المعنى المعجمي لكلمة ( سلام ) حين ننادي ( يا سلام ) فإن المعنى الحرفي أو المقالي أو ظاهر النص أننا ننادي الله سبحانه وتعالى لا أكثر ولا أقل . ولكن هذه العبارة صالحة لأن تدخل في مقامات اجتماعية كثيرة جدا ومع كل مقام منها تختلف النغمة التي تصحب نطق العبارة فمن الممكن أن تقال هذه العبارة في مقام التأثر وفي مقام التشكيك وفي مقام السخط وفي مقام الطرب وفي مقام التوبيخ وفي مقام الإعجاب وفي مقام التلذذ وفي مقامات أخرى كثيرة غير ذلك ، وظاهر النص في عبارة ( السلام عليكم ) أنها تحية إسلامية يجاب عليها بأحسن منها أو مثلها . ولكن هذه العبارة بذاتها قد تتحول إلى معنى المغاضبة فقد يطول النقاش بينك وبين إنسان في موضوع ما ويتمسك كل منكما براية فحين تيأس من إقناع صاحبك . وتريد أن تعلن له عن انتهاء المقابلة بالمغاضبة تولية ظهرك منصرفا وتشير بيديك إشارة الذي ينبذ شيئاً وراء ظهره من فوق كتفه وتقول مع هذه الإشارة ( السلام عليكم ) وتذهب مغاضبا . فهذا المعنى لا يفهم من مجرد المعنى الوظيفي منفردا ولا المعجمي منفردا ولا هما معا ولكنه يتوقف النهاية على ( المقام ) الاجتماعي المعين . وقد تقال هذه العبارة بعينها فيفهم منها معنى الهزل في مقام يعين فيه ذلك .

 

نماذج من تحليل اللغويين العرب في كتب غريب الحديث

الألفاظ الغريبة المتعلقة بالزواج و الطلاق في غريب الحديث

أ- الألفاظ الغريبة المتعلقة بالخطبة و الزواج :-

الدلالة ونوعها

اللفظ

الدلالة الأصلية

دلالة القصد

الدلالة الشرعية

يُؤْدَم

أدم الطعام وإصلاحه

إيقاع الألفة و الوفاق

السَماح شرعاً بمجالسة الخطيب لخطيبته قبل الزواج .

اغتربوا

ـــــــــــــــــــــــــ

تزوّجوا الغرائب

الترغيب في زواج الغريبات ( غير الأقارب )

جدول يبين دلالات الألفاظ الغريبة المتعلقة بالخطبة و الزواج

 

يُؤْدَم :-

قال أبو عبيد في حديثه عليه السلام ( حين قال للمغيرة بن شعبة وخطب امرأة ، لو نظرت إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما ) . قال الكسائي : قوله يؤدم بينكما : يعني أن تكون بينكما المحبة و الاتفاق ..... قال أبو عبيد لا أرى هذا إلا من أدم الطعام لأن صلاحه وطيبه إنما يكون بالأدام ، وقال الزمخشري فيه ( و المعنى فإن النظر أولى بالإصلاح و إيقاع الألفة والوفاق بينكما ) . فقد حدد أبو عبيد الدلالة الأصلية بأنها من أدم الطعام أي إصلاحه ، ثم انتقلت الدلالة من الإصلاح الحسي للطعام لتعم وتدل على الإصلاح المعنوي و التوفيق والألفة بين العروسين ، وهذه دلالة القصد ؛ كما قال الكسائي في تفسيره ( يعني أن تكون بينكما المحبة والاتفاق ) وهذا ما قاله الزمخشري أيضاً ، وفي هذا توجيه شرعي بأن يرى الخاطب خطيبته قبل الزواج .

 

اغتربوا :-

قال الزمخشري جاء في الحديث ( اغتربوا لا تضووا ). أي تزوجوا الغرائب دون الأقارب  . فقد حدد الزمخشري دلالة القصد لـ ( اغتربوا ) وهي ( الزواج بالغريبات ) ، وكأن الغرابة في دلالة القصد بالنسبة للعرف الاجتماعي الذي كان سائداً وهو تحبيذ الزواج من الأقارب ، دلالة شرعية تفهم من ذلك الترغيب في الزواج من الغرائب أي من غير الأقارب .

 

ب- الألفاظ الغريبة المتعلقة بالزواج المحرم أو المنهي عنه في الإسلام :-


الدلالة اللغوية

الدلالة العرفية

دلالة القصد

دلالة الشرع

الشِّغار

الإخراج

أن يزوج الرجل أخته أو ابنته مقابل زواجه من أخت أو ابنة الآخر ولا مهر إلا هذا

ـــــــــــــــــــــــــــ

النهي

جدول يبين دلالات الألفاظ الغريبة المتعلقة بالزواج المنهي عنه في الإسلام ونوعها كما حددها أصحاب معاجم غريب الحديث

 

الشِّغار :-

قال أبو عبيد في حديثه عليه السلام ( لا جلب ولا جنب ولا شغار في             الإسلام ..... وأما الشغار فالرجل يزوج أخته أو ابنته على أن يزوجه الآخر أيضاً ابنته أو أخته ليس بينهما مهر غير هذا ، وهي المشاغرة وكان أهل الجاهلية يفعلونه ) ([9]) ، وفيما قاله أبو عبيد تحديد للدلالة العرفية للشغار . أما الدلالة الأصلية للشغار فقد حددها ابن قتيبة في قوله ( وأصل الشغر للكلب وهو أن يرفع إحدى رجليه ويبول ، فكني بذلك عن النكاح إذا كان على هذا الوجه وجعل له علماً ) ([10]) وأرى أن هذه التكنية عن هذا الأسلوب في النكاح بهذه اللفظة التي تحمل دلالة سيئة يدل على كراهتهم ونفورهم من هذا النوع من الزواج بالرغم من كونه معروفاً عندهم . ولكن الزمخشري أصلها أو حدد دلالتها اللغوية بصورة أخرى فقال ( شغرت بني فلان من البلد إذا أخرجتهم ... ومن قولهم تفرقوا شغر بغر لأنهم إذا تبادلا بأختيهما فقد أخرج كل واحد منهما أخته إلى صاحبة وفارق بها إليه ) ([11]) فكأن الشغار الإخراج بعامة ثم تخصص بالكلب عندما يرفع رجله ويخرج بوله ، ثم كنى به عن الزواج الذي لا يكلف الرجل ، ثم جاء الشرع الإسلامي ليحمل اللفظ دلالة النهي و التحريم لهذا الأسلوب من أساليب النكاح .

=======================

([1])(2)على الطالب أن يعود إلى بعض هذه الكتب  .

([3]) المزهر 1/402 .

([4]) انظر : المزهر 1/408 وفيه تعدد لأسماء السيف و العسل .

([5]) انظر فقه اللغة للثعالبي ص 349 .

([6]) راجع : الصاحبي لابن فارس ، والمزهر للسيوطي ، والزينة لأبي حاتم الرازي ، والحيوان للجاحظ .

([7]) انظر علم الدلالة د/ أحمد مختار عمر ص 237-250 ، ودلالة الألفاظ د/ إبراهيم أنيس ص146-162 .

([8]) انظر التصحيح اللغوي في ( فوائد لغوية ) في الأجزاء الأربعة من هذه السلسلة .

([9]) الجلب : بمعنى الجلبة وهوالتصويت . الجنب : مصدر جنب الفرس إذا اتخذه جنيبة . الشغار : ما زال هذا الأسلوب من أساليب الزواج موجوداً ويتعامل به الناس في بعض المناطق المختلفة من الوطن العربي حتى يومنا هذا ويسمونه ( زواج البدائل ) .

([10]) غريب الحديث 1/207 .

([11]) الفائق 1/17 .

 
القياس النحوي بين التجريد العقلي والاستعمال اللغوي طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: بحوث نحوية
تقييم المستخدمين: / 15
سيئجيد 
الكاتب د. حسن منديل حسن العقيلي   
الأحد, 09 يناير 2011 20:43

الخلاصة:

البحث محاولة لدراسة القياس النحوي في ضوء النظام اللغوي الاستعمالي للعربية ، الذي ينأى عن النظام العقلي المنطقي التجريدي التعليمي ويتقاطع معه كثيراً. وقد درس النحاة – ولاسيما المتأخرون منهم – القياس في ضوء النظام العقلي لذلك أهدرت مواد لغوية ، وأضيفت أخرى خارجة عن النظام اللغوي الاستعمالي للعربية.

تناول القياس كثيرٌ من الدارسين القدامى والمعاصرين([1]).ولا نريد هنا تناول القياس تناولاً تقليدياً فنبدأ بالقياس لغة ثم اصطلاحاً ثم نكرر ما قاله الدارسون من ذكر أركان القياس وأنواع العلل وغير ذلك. ولسنا ملزمين باستقصاء دارسيه وأرائهم به كل الإلزام وإنما نتناول القياس على وفق منهج نقدي ، وفي ضوء نظام العربية. حيث تختلف نتائج البحث ومساراته بحسب الهدف والمنهج وطريقة التفكير، فيضيق او يتسع او يكون تقليدياً او أصيلاً.

تناول النحاة النظام اللغوي للعربية في ضمن مباحث القياس النحوي وتوسعوا فيه بمنهج عقلي ولاسيما لدى المتأخرين. على الرغم من الفارق الكبير بينهما ، فالنظام اللغوي للعربية أكثر دقة وأقرب إلى واقع اللغة العربية (النصّ القرآني). والقياس النحوي يهدر مواد لغوية كثيرة ويضيف أخرى خارجة عن النظام اللغوي والاستعمال ، داخلة في النظام العقلي المنطقي المعياري التعليمي. والقياس جزء من نظام العربية إلا ان النحاة جعلوا نظام اللغة العربية قسماً من أقسام القياس النحوي ، ثم انحرفوا عنه كما سنرى.

ومصطلح القياس عام ، تشترك فيه علوم مختلفة ، حيث تتغير مفاهيمه تبعاً للمادة العلمية التي يتناولها ، والغاية منها ، كالفقه الذي يستخدمه لاستنباط الحكم الشرعي وإصدار الفتيا. وكذلك الفلسفة والمنطق لانضباط المادة العلمية على وفق نظام عقلي محكم([2]).

لذلك نجد له أكثر من فهم في مصادر اصول النحو تبعاً للمنهج والهدف ، والأهم من ذلك انّ اللغة العربية لا تخضع له خضوعاً مطرّداً وتتقاطع معه كثيراً من هنا ظهرت إشكالات لدى النحاة اضطروا إلى تأويلها أو الانقسام حولها بين متشدد ومتسامح ، لأنهم بَنُوه على المنطق العقلي ، والعربية لها منطقها ونظامها الخاص بها.

القياس "استنباط مجهول من معلوم"([3]) سواء في اللغة او غيرها ، لذا عرّفه اللغويون والنحاة بأنه "حمل غير المنقول على المنقول إذا كان في معناه"([4]).

والفهم العام له اليوم هو "محاكاة العرب في طرائقهم اللغوية وحمل كلامنا على كلامهم في صوغ المادة وفروعها وضبط الحروف وترتيب الكلمات وما يتبع ذلك من إعلال وإبدال وإدغام وحذف وزيادة..."([5]) فهو معيار لضبط حركة الاستعمالات اللغوية الجديدة وعدم خروجها عن سنن الفصحى ، واللغة تحتاج إليه في تطورها لتراكيب التطور الحاصل بمناحي الحياة التي تنعكس على اللغة.

وتتم عملية القياس اللغوي والنحوي على مراحل:

1-  رصد الظواهر اللغوية وتصنيفها بحسب تماثلها في التركيب الاعرابي او الصيغ الصرفية ، وتقرير القاعدة اعتماداً على استقراء الغالب في السماع.

2-   استبعاد الصيغ التي لم ترد في السماع ولو كانت موافقة للقياس النظري.

3-  اعتبار ما خرج من القاعدة المطرّدة سماعاً منقولاً ،لا يقاس عليه مثل الشاذ والنادر وما دعت إليه الضرورة الشعرية([6]).

لذلك نجد مفاهيم كثيرة للقياس في الموروث النحوي ، يخلطون بينها وبين مستويات اللغة المختلفة ، يتوسعون به ويضيقّون بحسب المادة اللغوية التي اختلفوا فيها وبحسب المناهج المختلفة التي تناولوه في ضوئها. اختزلها المتأخرون في منهجين واسعين من غير تحديد دقيق هما: المنهج البصري الذي يمثل الاتجاه العقلي المتشدد في المادة اللغوية التي هي أساس القياس. يقابله المنهج الكوفي الأقل تشدداً في ذلك.

وقد استخلص المعاصرون أقساماً أخرى من القياس لدى القدامى واحتمالاته منها حمل غير المنقول على المنقول من اللغة ، ومنها قياس المشابهة في الأحكام ، والقياس المجازي لدى الفقهاء([7]).

وذكر بعض الدارسين أقساماً للقياس تبعاً للاستعمال ، والعلة الجامعة ، والمعنى واللفظ ، والوضوح والخفاء. وأكّد على التمييز بين القياس اللغوي والقياس النحوي واخذ على الدارسين خلطهم بين النوعين([8]). وصنفه آخر إلى: القياس العام (الأصلي) والقياس النظري (التعليلي)([9]).

وعلى كثرة هذه التقسيمات لا نجد بينها تصنيفاً يبني على التفريق بين اللغة الفنية واللغة الايصالية والعلمية لأنهم حدّدوا لأنفسهم حدوداً وأهدافاً ومسارات أهمها التحديد الزماني والمكاني للمادة الخام التي يبني عليها القياس في ضوء نظرة قدسّية اللغة والخشية على لغة القرآن من التغير والانحراف. معتمدين على المنطق العقلي المجرّد المتمثل في الاطرّاد وانعكاس القاعدة على مواد اللغة جميعها. وفصله أحياناً عن السماع في الدراسة ، "لا يوجد القياس النحوي مستقلاً في الذهن عن السماع لأنه لا يتصوّر احدٌهما إلا اقترانه بالآخر"([10])

ويمكن تصنيف الأنواع الكثيرة للقياس النحوي ومفاهيمه المتعددة والتسميات المختلفة في الموروث اللغوي والنحوي على اتجاهين او نزعتين ظلتا مستمرتين لدى الدارسين منذ نشأة النحو حتى عصرنا:-

النزعة العقلية والنزعة اللغوية وكلتاهما قصرتا في تمثيل واقع اللغة. ونضيف نزعة ثالثة تمثل واقع اللغة وتربط القياس بالنظام الاستعمالي الذي يختلف عن القياس العقلي ، وتدرسه في ضوء النصّ القرآني ونظامه المعجز. يمكن ان نطلق عليها التسميات الآتية تمييزاً لها:

تجريد القياس ، والقياس اللغوي ، وتصحيح القياس (قياس النظام). الأول: أقرب يبدوا إلى النحو ، والثاني اقرب إلى اللغة وروايتها ، والثالث شامل للغة والنحو البلاغة.

1-  تجريد القياس([11]): أي تجريده عقلياً سواء اتفق مع الشواهد الواردة او تقاطع فهو أقوى من الشاهد وهو قيمٌ على اللغة ، يهدر منها ويضيف إليها. لذلك طعنوا على فصحاء العرب وشعرائهم([12]) في ضوئه.

نسبت هذه النزعة أولاً إلى ابن أبي اسحق الحضرمي 117هـ ومن تبعه ثم إلى البصريين نسبة عامة تقابل الكوفيين عامة ، او عدّوها الفارق الأساس بين المذهبين النحويين البصري والكوفي وهي غير دقيقة كما أثبت البحث النحوي المعاصر([13]).

وظهرت هذه النزعة واضحة لدى أبي علي الفارسي (377هـ) القائل "لأن أخطيء في خمسين مسألة مما به الرواية أحبّ إليّ من ان اخطيء في مسألة واحدة قياسية"([14]) ، والمازني (247هـ) القائل "ما قيس علي كلام العرب فهو من كلام العرب"([15]) ، وابن جني (392هـ) الذي كان أكثر اهتماماً بالقياس وتوسعاً حيث "كان مولعاً بالقياس كثير الأخذ به ، داعياً إليه ، القائل: "لا تسرع إلى إعطاء اليد بانقاض بابه والقياسَ القياسَ"([16]). وان كان يشير إلى مذهب أبي عمرو بن العلاء (154هـ) ومن تبعه أحياناً نحو قوله: "وان شذّ الشيء في الاستعمال وقوى في القياس كان استعمال ما كثر استعماله أولى وان لم ينته قياسه إلى ما انتهى إليه استعماله"([17]).وصرّح بإبطال القياس عند تعارضه مع السماع.

وتسود هذه النزعة لدى غالب المتأخرين فعدّوا النحو هو القياس ومزجوه بمناهج دخيلة ولاسيما الفقه والمنطق والفلسفة ، واستمر ذلك في عصرنا متمثلاً بالمتشددين في حركة التصحيح المعاصر ([18]).

2-  نزعة نسبوها إلى أبي عمرو بن العلاء وبعض تلامذته ومن تبعهم (175هـ) كانوا أكثر عناية باللغة وروايتها وجمعها وتنظيمها والقياس على الأعم الأغلب ، ولا تحكم القياس ولا تعد ما خالف القياس لحناً او خطاً وإنما لغات تحفظ ولا يقاس عليها او سماعاً لا يُرد([19]).

ولا يبتعد المعاصرون عن النزعتين في تفريقهم بين ما سموه بالقياس النحوي والقياس اللغوي وانكروا الخلط بينهما([20]). ويبدو ان الذي ساد لدى المعاصرين (القياس اللغوي) وتحت تسميات مختلفة نحو (القياس الطبيعي) وهو التي تتسع به اللغة لتواكب التطور الاجتماعي والعلمي،  فهو استنباط مجهول من معلوم مما لم يذكره القدماء في المعاجم([21]). أي اتخذوه وسيلة من وسائل تنمية اللغة ربما لحاجتهم إلى التعريب وتوليد ألفاظ جديدة ووضع المصطلحات أكثر من حاجتهم إلى وضع قواعد النحو ساد هذا النوع في ضوء قياس كلامنا على كلام العرب. وسمّاه الدكتور تمام حسان بـ (القياس ألاستعمالي) وقال: "انه تطبيق عملي وهو انتحاء كلام العرب ومحاكاته"([22]) وسمّاه د. محمد حسن (قياس الأنماط)([23]) وأقرب تسمياته إلى مضمونه يبدو (القياس الاشتقاقي الصرفي) واللغوي ، قال الزعبلاوي عنه: هذا بحث ظريف خاض فيه الباحثون إذ لم يصرح الأئمة الأوائل بقياس اشتقاق..."([24]). إذن هو قياس تبعاً لحاجة التطور لكنهم جمعوا فيه بين النزعتين العقلية وكثرة المنقول ، وليس على وفق نظام العربية الاستعمالي.

3- قياس النظام:

هو قياس الخليل بن احمد الفراهيدي (170هـ) او فهم الخليل للقياس ومنهجه في تحليل النصّ القرآني وتفسيره له ولاسيما فيما يبدو خروجاً عن القياس النحوي المجرد ، لذلك قالوا عنه انه صحح القياس بعد أن جرده الحضرمي (117هـ) أي ان الحضرمي فصله عن النصّ وواقع العربية الاستعمالي في ضوء نظامها.

الخليل لا يحكم القياس العقلي ولايجرّده من نظام النصّ القرآني ، ولا يقيس على الكثير كما فعل أصحاب نزعة السماع إذا كان خارجاً عن نظام العربية كالنسب إلى قريش بغير ياء وسماه معدولاً ويقيس على القليل الشاذ إذا كان موافقاً لنظام العربية وان لم يرد به السماع او ورد بخلافه ويتخذه أصلاً يقيس عليه. فالقضية ليست سماعاً ورواية ولا كثرة او قلة عددية([25]).

وبهذا شادّ (النحو) واستقام بناؤه واكتمل على يده. ومازلنا نردد أقواله وآراءه في كثير من الدراسات النحوية. ذلك انه درس العربية في ضوء الفهم الإسلامي لها معتمداً على المأثور في لغة القرآن وقدسيتها وربطها بالقرآن والشريعة والعقيدة الإسلامية.

ولا يعني هذا انه لم ترد له أقيسة كما لدى النزعة الأولى لكنه يفرق بينها وبين نظام العربية لذلك توصل احد الباحثين المعاصرين إلى أن الخليل كان لا يسير على وتيرة واحدة في أقيسته([26]).

فهو قياس أقرب إلى نظام اللغة العربية الخاص بها مبني على المشابهة وحمل الكلام بعضه على بعض ، كالتشبيه له طرفان ووجه شبه وعلة جامعة. لذلك سماه النحاة المتأخرون قياس العلة والطرد والشبه. وقد أشار الدكتور تمام حسان إلى قريب من هذا حيث قال: "ان القياس كالمجاز اللغوي بحاجة إلى علاقة تربط بين طرفيه إما ان تكون عقلية (كالمجاز المرسل) او تخيليه كما في (الاستعارة) ، فالعلاقة العقلية في القياس (مناسبة) العلة او (اطراد) الحكم والعلاقة التخيلية إنما تكون هي (الشبه) بين المقيس والمقيس عليه"([27])

لذلك ذكر النحاة المتأخرون أركاناً تشبه أركان التشبيه سموّها (أركان القياس)([28]) وهي المقيس عليه والمقيس (او الأصل والفرع) والعلة الجامعة بينهما. والحكم وهو ليس مطلوباً دائماً. ولتعدد أوجه التشبيه وأنواعه وجدنا القياس أيضاً متعدداً.

لكنهم اختلفوا في بعض شروط المقيس عليه والمقيس([29]) ، قال د. تمام حسان: "شرط المطرد في السماع ألا يكون شاذاً في القياس وألاّ يحفظ ولا يقاس عليه. وإذا اطرد المقيس عليه في القياس ، وقلّ في السماع جاز القياس عليه ترخصّاً في كثرة المسموع وذلك كأن تقيس على النسب إلى شنوءة (شنئي) فتقول في حلوب (حلبي). وإذا كثر في السماع وخالف القياس لم يجز أن نقيس عليه كما في (قرشي) وسلمي وثقفي ومغزى هذا ان موافقة القياس في هذا المجال أولى من كثرة السماع فإذا عرفنا هذا فهمنا السبب في قول النحاة ، وان النحو هو القياس"([30]).

ثم ذكروا شروطاً لكل ركن وتفصيلات وفروعاً ، واختلفوا في كثير منها خلافاً جدلياً عقلياً غير مبني على الواقع الاستعمالي متأثرين بالفقه والمنطق والجدل ولاسيما في العلة فأصبحت غاية في دراساتهم النحوية نحو لم رفع الفاعل ونصب المفعول ولِمَ لم يعكس الأمر ، ولم بنيت بعض الأسماء. وقسموها على أقسام ثلاث العلة القياسية التي هي اقرب لنظام العربية في حمل الكلام بعضه على بعض والعلة التعليمية التي هي تقرّب اللغة للتلاميذ تربط السبب بالمسبب. والعلة الجدلية التي تنأى عن الواقع الاستعمالي وتدخل في علوم عقلية مجردة لذا يكثر فيها الخلاف والنفض فيدخلون في جدلٍ حولها لهذا سميت جدلية.

نحو: لِمَ نَصَبَتْ (إنَّ) الاسم بعدها ورفعت الخبر بعدها. فيقال في العلة التعليمية ، (إنّ) تنصب الاسم بعدها في لغة العرب وبهذا ربط بين السبب والمسبب ويقال في العلة القياسية: لمشابهة (إنّ) الفعل من وجوه إلا انها فرع بالعمل لذا تقدّم منصوبها على مرفوعها. اما العلة الجدلية فكل ما يختلفون فيه حولها فيدخل في باب الجدل([31])

وبنوا هذا الجدل على أسس نظرية العمل التي فلسفوها ووضعوا لها شروطاً وقوانين تحكمت في نظام اللغة وإن كانت هي في الأصل جزء من هذا النظام إلا أن النحاة نأوا عنه ودرسوا العمل النحوي في ضوء المنطق الأرسطي والتدخل في واقع الاستعمال اللغوي. فطبقوا قواعد المنطق الأرسطي  على اللغة نحو قولهم: لا يجوز الجمع بين العوض والمعوض في مثل (أبتِ) بحذف ياء المتكلم ، و(اللهم) بحذف ياء النداء وغير ذلك.

وقسموه على ثلاثة أقسام: قياس علة وقياس طرد وقياس شبه "ذلك أن القياس إما أن تراعى فيه العلة وإما ألاّ تراعى فيسمى (قياس شبه) كإعراب الفعل المضارع واسم الفاعل لمشابهته في مطلق الحركات والسكنات وفي تعاقب المعاني عليه. وهذه روعيت العلة فإما أن تكون مناسبة سمي (قياس علة) كرفع نائب الفاعل بعلة الإسناد، و إلا (فقياس طرد) كبناء (ليس) لاطراد البناء في كل فعل غير متصرف([32]).

وهذا السبب يبدو الذي حمل فيه المعاصرون على النحو وأقيسته وعلله. فمنهم من ابطل القياس ومنهم من دعا إلى إلغاء نظرية العامل ومنهم دعا إلى إلغاء العلل النحوية جملة ً وتفصيلاً ومنهم أبقى على العلة التعليمية.

ولاسيما أصحاب التيسير النحوي المعاصر الذين يضيقون ذرعاً بالتعليل النحوي فقدّموا مئات المحاولات والدراسات تحت تسميات مختلفة: إصلاح النحو وتيسيره وإحيائه وتجديده وتهذيبه وغير ذلك.

ولاسيما في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي وجلّها اليوم مهمل ذلك إن الغالب منها لم تعالج النحو في ضوء نظام العربية الاستعمالي ، ونظام القرآن الكريم ومنها الدعوات التي دعت إلى (النحو القرآني)([33]) .

ومنهم المتأثرون بالمناهج الغربية الحديثة ولاسيما: المنهج الوصفي الذي لا يقرّ بالجانب العقلي في الدراسات اللغوية فألغوا التعليل ونظرية العمل وغير ذلك ، ثم تراجعوا بعد ذلك بظهور النظرية  التوليدية التحويلية التي بنيت على العقل بدراستها للغة([34]).

ومن الدارسين المتذمرين من القياس النحوي الدكتور إبراهيم أنيس الذي حمل على القياس النحوي. قال: "ولست أعرف مصطلحاً من مصطلحات الدراسة اللغوية العربية قد أُسمي فهمه وأسيء استعماله بقدر ما أسيء فهم واستعمال مصطلح القياس"([35])

وكان على الدارسين المعاصرين أن يميّزوا بين الدخيل في دراسة القياس وبين ما هو يمثل نظام العربية. ويصحّحوا الانحراف الذي لحق بدراسة القياس ، ويدرسوه في ضوء نظام العربية الشامل ، الذي ينأى عن الخلط الشديد الذي نجده في كتب النحو وأصوله والمشكلات الكثيرة التي يعاني منها النحو كقضية الاطراد والشذوذ والكثرة والقلة التي لم تحدد وكان كثير من النحاة ومنهم المتأخرون لم يطمئنوا اليها كابن هشام (761هـ) لما فيها من غموض أوقعت الباحثين في حيرة واضطراب ، أهي عددية او أمر (ذاتي نسبي) ناهيك عن عدم جدواها([36]). فأقرّوا بما سموه بـ (القياس المهجور) أو (المتروك) وهو ينافي الكثرة العددية بل السماع والرواية ، وكان كبار النحاة يقيسون على التحليل والشاذّ كيونس بن حبيب (182هـ) والأخفش الأوسط (225هـ) ومنهم المتشددون في القياس كالمبرد (285هـ) والفارسي (377هـ).

والقياس النظري الذي نسبوه إلى الكوفيين ، وهو قياس من غير شاهد أو أصل (مقيس عليه) يقاس عليه([37]). كتجويزهم العطف بلكن في الإيجاب حملاً على (بل) كقولنا (جاء عمرو ولكن خالد) وقد يكون ذلك من افرازات التنافس الشديد بين البصريين والكوفيين. وعدّه الشيخ الخضر حسين من الاجتهادات العقلية وعرّفه الدكتور محمد المختار ولد أباه: "هو إلحاق اللفظ بنظير غير مماثل أو بنظير غير مسموع كقياسهم ترخيم المركب المرجي على الأسماء المنتهية بتاء التأنيث..."([38]).

والذي أراه أن قضية الكثرة والقلة أمر متعلق بحاجة المجتمع في الاستعمال فان بعض المواقف الخطابية اليومية الحياتية أكثر وروداً واستعمالاً من غيرها. وهي قضية لا تميز بين اللغة التواصلية والإبداعية. كما سنجد في قياس النظام.

وكان أبو زيد الأنصاري وهو أحد شيوخ سيبويه يجعل الفصيح والشاذ سواء فضلاً عن أبي عمرو والأصمعي كما مرّ بنا. وقد أدرك المتأخرون ذلك فذهبوا إلى إن الشاذ ليس هو الخارج عن سنن نظام العربية وليس بتفرّده او قلّته فلا يقاس عليه إنما هو الخارج عن سنن القياس العقلي المنطقي كحذف نون التوكيد في قول الشاعر:

اضرب عنك الهموم طارقها             ضربك بالسيف قونس الفرس([39])

فقد يقاس على القليل والنادر والشاذ لموافقته القياس ويمتنع على الكثير لمخالفته القياس([40]). وقال الأشموني: "ان الكثير الوارد لا يصلح للقياس عليه"([41]).

إن دراسة القياس في ضوء نظام العربية يجنبنا أيضاً المشكلات الناجمة عن الاستقاء اللغوي وخلافهم في كونه ناقصاً او تاماً ولهذا أثرٌ كبير في أقيسة النحو لأنها مبنية على الاستقراء والرواية والجمع فأوقعهم في خلاف وتشعب.

فضلاً عن ان جمع المادة والاستقراء خلط بين مستويات لغوية عدّه كاللهجات والقراءات والشعر وما سموّه: اللغة في حال السعة والاختيار مما أوقعهم في خلط شديد اصطدم معها القياس واضطربت قواعدهم فاضطروا إلى اللجوء إلى التأويل والتعليل والخلاف النحوي والجدل ، وتسميات مختلفة كاللحن والضرورة والعدول عن الأصل والخروج عن القياس النحوي والشذوذ والمجاز واللهجات والقراءات وغير ذلك.

وقد جمع المستشرق نولدكه كتاباً كبيراً في الخروج عن قواعد النحو واللغة([42]) وكذلك الدكتور عبد الفتاح الدجني بلغ كتابه أكثر من ستمائة صفحة في الشذوذ النحوي.

وقد اتخذوا القياس معياراً نقدياً ، فكثرت مصطلحاتهم في تقسيم اللغة ومستوياتها كالمردود والمقبول والتضعيف والوجه والكثير والغالب والقبيح والشاذ والخبيث وغير ذلك([43]).

حمل المعاصرون حملاً شديداً على هذا النوع من القياس الذي هو أقرب إلى أنظمة العربية. فقد سمّاه أنيس بـ (الصوغ القياسي) وقال: انّه صناعة نحوية ، وسخر منه ، ورأى انه "لا يمت للقياس النحوي الحقيقي بصلة لأنها من علل النحاة المخترعة التي ادعوا ظلماً وتجنياً"([44]) وانه مجرد مشابهة أسرف النحاة المتأخرون في استعماله إسرافاً كبيراً حتى عدّوا النحو كله قياساً([45]).

وكان عليه أن يميّز بينه وبين الصناعة المنطقية التي شوهته وانحرفت به ، وان يصحح مسار هذا الانحراف. بدلاً من المهاجمة الشديدة على النحاة ونعتهم بأقسى النعوت من غير تحقيق علمي رصين. ففي هذا النوع من القياس تكمن أسرار العربية ونظامها المعجز ، وان دارس العربية لابد أن ينطلق من النصّ القرآني المرتبط بنظام العربية المبني على المشابهة والتعلق والارتباط.

وسمّاه الدكتور تمام حسان بـ (قياس الأحكام والأصول)([46]). وسمّاه الدكتور محمد مختار ولد اباه بـ (القياس التعليلي) وقال: "هو ما يرد للتنبيه على علة الحكم مثل قول النحويين ان النص المضارع أعرب قياساً على الاسم لمشابهته له في احتمالات"([47]).

وكثير من الدراسين المعاصرين أطلقوا عليه تسمية (القياس) النحوي ونسبوه إلى الحضرمي وقد تسرب إلى النحو من المتكلمين والفقهاء([48]). وهو خلط بين منهج تجريد القياس العقلي وبين قياس النظام الذي يبنى على حمل الكلام بعضه على بعض وتعلق بعضه برقاب بعض.

خلاصة المشكل في رأينا: - مبني على أساسين:

أولاً: المزج بين المنطق وواقع الاستعمال

ثانياً: قضية السماع (الأنموذج اللغوي)

أما المشكل الأول فثمة فارق بين الواقع والمنطق العقلي ، نلحظ هذا في كثير من المواقف الحياتية ، فالمنطق مثلاً فكرة إن العرب كانوا أهل فصاحة وبيان وان لغتهم لا تختلف عن لغة القرآن الكريم ، ذلك إن الله تحدّاهم بأن يأتوا بمثل القرآن او بسورة مثله ، ولا يصح التحدي – منطقياً- إلا إذا كانوا مبرزين فيما تحدّوا به. لكن الواقع والتحقيق العلمي اثبت غير ذلك كما سنرى.

إذا عرفنا ذلك فهمنا موقف بعض المذاهب الإسلامية بإبطال القياس وذم الفلسفة. فالدين الإسلامي يختلف عن الفلسفة اليونانية ومنطق أرسطو المبني على العقل المجرد.

ينطبق هذا على اللغة العربية ونظامها المرتبط بالنظام الإسلامي والقرآني. فهو يتقاطع مع المنطق العقلي كثيراً. والشواهد على ذلك كثيرة. ونظام لغة القرآن يشبه النظام الكوني ، وهذا دليل على ان خالق الكون هو القائل للقرآن الكريم ومنزله([49])

قال ابن جني: "معاذ الله ان ندّعي ان جميع اللغة تستدرك بالأدلة قياساً"([50]). وقوله في أحكام المقيس عليه: "ألاّ يكون شاذاً في الاستعمال مطرّداً في القياس فان كان كذلك ، فاستعمل من هذا ما استعملت العرب واجز منه ما أجازوا"([51]) وهو رأي سيبويه أيضاً([52]).

فالمنطق يبيح استعمالات كثيرة غير مستعملة ولا يبيحها الاستعمال ، قال سيبويه ، ان القياس يجيز مثل: أعطاكني واعطاهوني ، "إلا انه قبيح لا تكلم به العرب ولكن النحاة قاسوه ، لكراهة المتكلم ان يبدأ بالأبعد قبل الأقرب"([53])

"فاللغة ليست نظاماً هندسياً محكماً ولو كانت كذلك لتوقفت عن الحياة وخَلَت من الإبداع"([54]).

وقد أشار النحاة إلى ذلك في مسائل وأبواب نحوية كثيرة مثل قولهم بـ (القياس المتروك او المهجور)([55]). قال ابن يعيش: "مما جاء في الشعر ثلاث مئات وأربع مئات ونحوهما مضافاً إلى الجمع على القياس المتروك"([56]).

وقال سيبويه: "وأما ثلثمائة إلى تسعمائة فكان ينبغي ان تكون في القياس مئين او مئات"([57]) وأقوالهم في ذلك كثيرة.

ومن ذلك باب الحمل على المعنى الذي سنتناوله وهو باب واسع. قال الأخفش الأوسط: "وأما قوله تعالى: (واسْتَعينِوُا بالصَّبرِ والصّلاةِ وإنّها لَكَبيَرةٌ) (البقرة 45) فلأنه حمل الكلام على الصلاة ، وهذا الكلام منه ما يحمل على الأول ومنه ما يحمل على الآخر ، وقال تعالى: (والله ورَسُوله أحقُ أنْ يرضَونْ) (التوبة 62) فهذا يجوز على الأول والآخر أقيس هذا اذا ما كان بالواو ان يحمل عليهما جميعاً"([58]).

فالقياس اللغوي هو الاستعمال وليس المنطق العقلي الرياضي ، المبني على نظام العربية فهو أدق وأكثر اطراداً وأشمل وأنسب في تفسير العدول الكثير الوارد في النصّ القرآني. وسترد شواهد كثيرة على ذلك ولاسيما في مبحث المطابقة.

ثانياً: قضية السماع

تحوم الشكوك في كثير من المادة اللغوية التي جمعها رواة اللغة ، فضلاً عن اختلاطها في مستويات لغوية متباينة كالشعر والنثر واللهجات والقراءات لا يمكن للباحث الاطمئنان اليها من غير تحقيق ودراسة واسعة. فقد كان ذلك السبب الرئيس في انحراف النحو واضطراب القياس فضلاً عن السبب المذكور: (الخلط بين القياس العقلي واللغوي).

وقد ذكرت أدلة كثيرة لاختلاف (كلام العرب) عن (كلام الله) في النصّ القرآني في بحث (العربية قبل الإسلام)([59]) ، إبان نزول القرآن.

ان كثرة الألفاظ الجديدة والتراكيب التي ادخلها الإسلام المتمثلة بالنصّ القرآني والحديث الشريف اكبر دليل على اختلاف العربية اختلافاً كبيراً بعد نزول القرآن الكريم ، ناهيك عن الألفاظ والتراكيب التي تغيّرت دلالتها في ضوء الاستعمال القرآني والشريعة الإسلامية الجديدة.

وحسناً فعل الدكتور إبراهيم السامرائي بما اصطلح عليه بـ (كلم القرآن) التي لم يسبق إليها كـ "الغاسق" (الفلق3) وهو القمر([60]).

وذكرت العوامل التي أدت إلى التشويه والخلط والوضع شعراً ونثراً ،منها التعصب القبلي والعوامل السياسية والشعوبية والدينية فضلاً عن العوامل الشخصية كالتكسب وحبّ الظهور. ناهيك عن (الحلقة المفرغة) في تاريخ الدراسات اللغوية الذي استمرت أكثر من قرن ونصف القرن بعد نزول القرآن ، قبل تدوين التراث الإسلامي واللغوي. وقد شهدت هذه الحلقة صراعاً سياسياً على السلطة ولاسيما بين العرب وغيرهم من المسلمين وبين المسلمين والملحدين والشعوبيين والفلاسفة والأديان الأخرى ، والهجوم العنيف الذي وجه للقرآن الكريم (معجزة النبي محمد صلى الله عليه وسلم) ورد الطعون في لغته والشبهات.

وشهدت أيضاً هذه الحلقة تثبيت الدولة الأموية التي اتجهت سياستها إلى تعريب الدولة الإسلامية واعتمادهم على العنصر العربي في بناء الدولة. يقول الأستاذ عبد الرحيم الشريف: "كان هاجس الأمويين على الدوام يتمحور على مسألة تجسيد الروح العربية في جميع مناحي الحياة" وقال: "ان عملية التعريب هذه كانت أبعد أثراً من المعارك والفتوح في باب توطيد أركان وأسس الدولة العربية"([61]) والدولة إذا تبنّت أمراً بإمكاناتها الكبيرة ساد وانتشر وان تصدّ لذلك من يتصدى.

وشهدت هذه الحلقة الأسس العلمية التي بنيت عليها الدراسات اللغوية والقرآنية ، والفرضيات العقلية والمنطقية المبنية على ردود أفعال المسلمين على المطاعن التي وجهت للغة القرآن. فنسبوا إلى العرب ما لم يقولوه، وقولهم بأن لهجة قريش أفصح لهجات العرب ، وان القرآن لا يفسر إلا بلغة العرب. فان القرآن لا يكون معجزاً ولا يتحدى قوماً إلا بما يحسنون ، فنسبوا اليهم ما لم يقولوه.  قال ابن فارس عن سنن العرب في كلامه: " لتكون حجة لله –جلّ اسمه- عليهم أكبر ولئلا يقولوا ، إنما عجزنا عن الإتيان بمثله لأنه بغير لغتنا وبغير السنن التي يسلكونها في أشعارهم ومخاطباتهم ، ليكون عجزهم عن الإتيان بمثله اظهر وأشهر"([62]).

والسنن او المجازات التي ذكروها كلها تحاكي أساليب العدول في القرآن التي تخالف القياس النحوي لمخاطبة الواحد بالجمع والاثنين والعكس وغير ذلك والتي طعن بها أعداء الإسلام.

وقد نسبوا إلى ابن عباس (رض) انّه كان يفسّر لغة القرآن بالشعر العربي قبل الإسلام([63]). ولم نجد اشارة إلى ذلك في كتاب سيبويه او الشيوخ الذين نقل عنهم ، وكان بهم الأولى أن يشيروا إلى هذا الأمر المهم.

اعتقد العلماء في تلك الحلقة التاريخية المفقودة الذي تسرب فيها الانحراف في النموذج اللغوي الذي بني عليها النحاة دراساتهم ، اعتمدوا المشافهة والرواية التي كان يتناقلها الاخباريون قبل التدوين ، الذي شكّك البحث المعاصر في كثير من رواياتهم. وكثرة الرواة الذين عرفوا بالوضع والضعة والانتحال.

وقد استغرب مؤلف كتاب (الأعراب الرواة) من ان جلّ الرواة لم يكونوا من الأعراب الذي تنقل عنهم العربية ، وإنهم غير صريحي العروبة وليسوا من العرب الصليبة([64]) وهذا خلاف المنطق.

فضلاً عن قضية الشك بالمروي من الشعر في العصر الجاهلي التي افتعلها بعض المتشرقين ومن تبعهم ، ولا يعني استشهادنا بهم إننا نؤيدهم في إنكار الشعر قبل العصر الأموي ولكنا نشير إلى ضرورة التثبت والتحقيق من اللغة التي اتخذها النحاة سماعاً لقياسهم النحوي([65]).

قال الخليل: "ان النحارير ربما ادخلوا على الناس ما ليس من كلام العرب إرادة للبس وللتعنيت"([66]).

ان النص الوحيد العربي الموثوق به هو النصّ القرآني ، أما غيره فعلى الدارس التثبت منه قبل بناء الأحكام عليه. وهذا ما ندعوا إليه لتستقيم لنا الدراسة والنتائج. وان ندرس النصّ القرآني في ضوء نصّه نفسه ونظامه المرتبط بنظام العربية. وقد أشار الباحثون المعاصرون إلى ذلك وأكّدوا هذه الحقيقة([67]).

--------------------

المصادر والمراجع

-         القرآن الكريم

-         الإتقان في علوم القرآن ، جلال الدين السيوطي (911هـ) تحقيق: محمد ابو الفضل ابراهيم ، مكتبة المشهد الحسيني ، مصر (د.ت)

-         الأشباه والنظائر ، السيوطي ، ط3 ، دار الحديث للطباعة والنشر ، بيروت 1984.

-         الأصول ، دراسة ايبستمولوجية للفكر اللغوي عند العرب ، د. تمام حسان ، منشورات عالم الكتب ، القاهرة 2004م.

-         أصول الشعر العربي ، ديفيد مرجيلون ، ترجمة: ابراهيم عوض ، دار الفردوس 2006.

-         الإيضاح في علل النحو ، ابو القاسم الزجاجي (337هـ) ، تحقيق: د. مازن المبارك ، ط5 ، دار النفائس ، بيروت 1971.

-         البحث البلاغي عند العرب ، د. احمد مطلوب ، الموسوعة الصغيرة (116) ، دار الجاحظ للنشر ، بغداد 1982.

-         البرهان في علوم القرآن ، بدر الدين الزركشي (794هـ) ، تحقيق: محمد ابو الفضل ابراهيم ، (د.ت).

-         تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب ، د. محمد ولد أباه المختار ، ط1 ، دار التقريب بين المذاهب الاسلامية ، بيروت 2001.

-         التيار القياسي في المدرسة البصرية ،د. أحمد مكي الانصاري ، مجلة آداب القاهرة ، مج24 ، ج2 ، السنة 1962.

-         الخصائص ، ابو الفتح عثمان بن جني ، تحقيق: محمد علي النجار ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد 1985.

-         الخلاف النحوي في ضوء محاولات التيسير ، د. حسن منديل حسن (اطروحة) ، كلية الاداب ، الجامعة المستنصرية 1996.

-         الدراسات اللهجية والصوتية عند ابن جني ، د. حسام الدين النعيمي ، دار الرشيد للطباعة والنشر ، بغداد 1980.

-         رؤية جديدة في قضية السماع ، د. أحمد نصيف الجنابي ، (مخطوط) هدية من المؤلف.

-         شرح المفصل ، موفق الدين بن يعيش (643هـ) ، مطبعة عالم الكتب ، (د.ت).

-         الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها أ احمد بن فارس (395هـ) ، تحقيق: السيد احمد صقر ، مطبعة عيسى الحلبي ، القاهرة (د.ت).

-         طبقات فحول الشعراء ، محمد بن سلام الجمحي (231هـ) ، تحقيق: محمود محمد شاكر ، مطبعة المدني ، القاهرة ، (د.ت).

-         ظاهرة الشذوذ في النحو العربي ، د. فتحي الدّجني ، ط1 ، دار ن والقلم ، بيروت ، الناشر وكالة المطبوعات ، الكويت 1974.

-         العدول عن النظام التركيبي في النص القرآني ، (اطروحة ثانية) د. حسن منديل العكيلي ، جامعة بغداد ، كلية التربية للبنات 2008.

-         القياس في اللغة العربية ، الشيخ محمد الخضر حسين ، المطبعة السلفية ، القاهرة 1353هـ.

-         القياس في النحو العربي ، د. سعيد الزبيدي ، ط1 ، دار الشرق ، عمان ، الاردن 1997.

-         القياس النحوي بين مدرستي البصرة والكوفة ، محمد عاشور السويح ، دار الجماهيرية ، بنغازي 1986.

-         الكامل ابو العباس المبرّد (285هـ) ، تحقيق: محمد ابو الفضل ابراهيم والسيد شحاته ، دار نهضة مصر بالفجالة (د.ت).

-         الكتاب ، ابو بشر عمرو بن عثمان سيبويه (180هـ) ، تحقيق: عبد السلام محمد هارون ، مكتبة الخانجي ، القاهرة ، دار غريب للطباعة 1988.

-         لغة محمد (ص) ، ابراهيم الجبين ، مكتبة المشكاة الاسلامية http:www.almeshkat.net   في 4/9/2006.

-         اللغة والإبداع ، مبادئ علم الأسلوب العربي ، شكري محمد عياد ، طذ ، بيروت 1988.

-         اللغة والنحو بين القديم والحديث ، عباس حسن ، ط2 ، دار المعارف ، مصر 1971.

-         لمع الأدلة في أصول النحو ، ابو البركات الانباري ، تحقيق: سعيد الافغاني ، ط2 ، دار الفكر ، بيروت 1971.

-         المزهر في علوم اللغة وأنواعها ، جلال الدين السيوطي (911هـ) ، تحقيق: محمد جاد المولى وآخرون، المكتبة العصرية ، بيروت1987.

-         معاني القرآن ، ابو زكريا الفراء (207هـ) ، تحقيق: محمد علي النجار ، الدار المصرية للتأليف والنشر ، مطابع سجل العرب (د.ت).

-         المقتضب ، ابو العباس المبرد (285هـ)، تحقيق: محمد عبد الخالق عضيمة ، عالم الكتب، بيروت ، (د.ت).

-         من أسرار اللغة ، د. ابراهيم انيس ، ط6 ، مكتبة الانجلو المصرية ، القاهرة 1978.

-         من بديع لغة التنزيل، د. ابراهيم السامرائي ، ط2، مؤسسة الرسالة، دار الفرقان، عمان 1986.

----------------------
الحواشي :

[1] - استقرى الدكتور سعيد الزبيدي جلّ قضايا القياس ودارسيه في كتابه (القياس في النحو) 169-180 وقد فاته بعضهم نحو( القياس في اللغة العربية) د. محمد حسن عبد العزيز و (القياس بين المدرستين البصرة والكوفة) ، السويح.

[2] - ينظر: تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب 29 والمعجم المفصل في فقه اللغة 135.

[3] - من اسرار اللغة 9.

[4] - الأغراب في جدل الاعراب 5.

[5] - اللغة والنحو ، عباس حسن.

[6] - تاريخ النحو العربي بين المشرق والمغرب 33.

[7] - ينظر: القياس في اللغة العربية ، محمد الخضر حسين 25 ، ودراسات لغوية 31.

[8] - ينظر: القياس في النحو ، د. سعيد الزبيدي 35 ، 171 ، 179.

[9] ينظر: فقه اللغة 21 ، 128 وتاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب 31.

[10] - رؤية جديدة في قضية السماع والقياس، د. احمد الجنابي ، (مخطوط) هدية من المؤلف.

[11] - ينظر: الموازنة بين المناهج البصرية 65 والتيار القياسي في المدرسة البصرية 20. وينظر ايضاً طبقات فحول الشعراء 60 ، ونزهة الالباء 22 والأشباه والنظائر 2/ 104.

[12] - الروايات في ذلك كثيرة ولاسيما بين الحضرمي والفرزدق. ينظر: المصادر السابقة. وطبقات فحول الشعراء 1/ 15 وانباه الرواة 2/ 105 ، 375 ، والقياس النحوي بين مدرستي البصرة والكوفة 121 وبروكمان 2/ 130.

[13] ينظر: تفصيل ذلك: الخلاف النحوي في ضوء محاولات التيسير 28 ، 49 والقياس في النحو ، الزبيدي 47.

[14] - العلة النحوية 74.

[15] - التصريف 1/ 180.

[16] -  الخصائص 2/ 233.

[17] -نفسه 2/ 95 ، 1/125.

[18] - ينظر: حركة التصحيح ، الضاري 175 و الدراسات اللهجية ، النعيمي 47.

[19] - ينظر: الكتاب 3/ 218 ، اخبار النحويين البصريين 26 والخصائص 1/ 36 وطبقات اللغويين والنحويين 39 وانباه الرواة 2/ 375 والموازنة بين المناهج البصرية 67 والقياس النحوي بين مدرستي البصرة والكوفة 19 ، 122 والمفصّل في تاريخ النحو 171.

[20] - القياس في النحو ، الزبيدي 169-180.

[21] - من اسرار اللغة 15 ، 31.

[22] - الاصول 147 ، 177.

[23] - القياس في العربية 19.

[24] - القياس وصيغ المباغة ، الزعبلاوي ، مجلة التراث العربي 7.

[25] - ينظر: كتاب سيبويه 3/ 335 والقياس النحوي بين مدرستي البصرة والكوفة 144.

[26] - نفسه 106 ، 157 ، 148 ، 156.

[27] -الأصول 169.

[28] - لمع الأدلة 42 والاقتراع 96.

[29] - ينظر: الخصائص 1/115 ، 36 ، 84 ، 357 والمنصف 1/ 180 والاقتراح 38 ، 72 والقياس في النحو 20-24 ، 26.

[30] - الأصول 169.

[31] - الإيضاح في علل النحو 64.

[32] - الأصول 164 ، 167 ، 169.

[33] - ينظر: تفصيل ذلك: الخلاف النحوي في ضوء محاولات التيسير الحديثة 70.

[34] - المصدر نفسه 73.

[35] - طرق تنمية الألفاظ في اللغة 15 ، وينظر: من أسرار اللغة 9 ، والموازنة بين المناهج البصرية 20 وظاهرة الشذوذ في النحو العربي 37 ودراسات لغوية ، د. عبد الصبور شاهين 10.

[36] - اللغة والنحو ، عباس حسن 34 ، والقياس في العربية ، د. محمد حسن 26 ، 44.

[37] - القياس في العربية 26 ، والبحث اللغوي عند العرب 123 ومن قضايا اللغة والنحو 98.

[38] - تاريخ النحو العربي 31.

[39] - ينظر: الخصائص 1/ 126 ، والاقتراح 39.

[40] - الاقتراح 73.

[41] - القياس في العربية ، د. محمد حسن 49.

[42] - ينظر: المناهج اللغوية لدى المستشرقين 77.

[43] - ينظر: القياس في النحو ، الزبيدي 195.

[44] - من اسرار اللغة 114.

[45] - نفسه 118.

[46] - الاصول 145.

[47] - تاريخ النحو العربي 32.

[48] - الاصول 164 والقياس النحوي ، السويح 104 ، ومن أسرار اللغة 8.

[49] - ينظر تفصيل ذلك: العدول عن النظام التركيبي في النص القرآني 27.

[50] - الخصائص 2/ 44.

[51] - نفسه 1/ 39.

[52] - الكتاب 1/ 414.

[53] - نفسه 1/ 383.

[54] - اللغة والابداع 107.

[55] - الايضاح العضدي 1/ 201.

[56] - شرح المفصل 6/ 21.

[57] - الكتاب 1/ 29. وينظر: 1/ 50 ، 436 ، 2/ 21 ، 51 ، 69 ، 82، 404.

[58] - معاني القرآن 1/ 81 ، 2/ 327. وينظر: أمثلة اخرى المقتضب 2/ 193 ، 244، 255.

[59] - البحث مقبول للنشر ، مجلة كلية التربية للبنات

[60] - من بديع لغة التنزيل 314.

[61] - ظاهرة الانتحال في الشعر العربي ، موسوعة الإعجاز العلمي ، شبكة المعلومات العالمية 12/2/2007.

[62] - الصاحبي 196.

[63] - الكامل 2/ 110-145 والاتقان 1/ 20 والبرهان ، الزركشي 1/ 291.

[64] - الاعراب الرواة 11.

[65] - ينظر: الأدب الجاهلي في اثار الدراسين ، د. عفيف عبد الرحمن حول الشك بالشعر الجاهلي. واصول الشعر العربي ، وجيلوث 3 ، 14 والمعايير النقدية في رد شواهد النحو الشعرية 60 ولغة محمد (ص) ، مجلة افق الالكترونية ، وضحى الإسلام 2/ 259.

[66] - المزهر 85.

[67] - ينظر: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 8/ 564 ، وأثر القرآن في الدراسات النحوية 38 والشواهد والاستشهاد في النحو 29 والتطريز النحوي 201.

 
الملامح الشرعية والفلسفية في التفكير النحوي عند العرب طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: بحوث نحوية
تقييم المستخدمين: / 4
سيئجيد 
الكاتب حسان الزبيدي   
الأحد, 09 يناير 2011 07:46

ليس غريبا أن يجد الباحث - وهو يتصفح كتب النحو العربي , ويقرأ آراء النحويّين – ملامح من الفقه الإسلامي وأصوله , والفلسفة اليونانيّة وجدلها , على صفحات تلك الكتب . فقد كان من قوّة هذا الدين أن سطع نوره على كلّ العلوم والمعارف , وصبغها بصبغته الإسلاميّة . فكان تأثيره في الشعر والنثر واضحا , وكذلك في الفلسفة وعلم الكلام , وفي علوم الطبيعة .

ويبدو أنّ تأثير الإسلام في النحو لم يكن بدعا من الأمر , فهو واحد من المعارف التي أفرزها الإسلام في بيئة الثقافة العربية , وهو إلى جانب علوم التفسير والحديث والفقه والأصول والبلاغة والمعجم يعكس خصوصيّة هذه البيئة في ظلّ الإسلام , ويشكل لبنةً في هرم الثقافة الإسلاميّة . وهي قطعا جاءت جميعا خدمة للنصّ القرآني في كلّ مضامينه العقديّة والفقهيّة والأصوليّة والبيانيّة .

ونستطيع أن نتبيّن ملامح هذا التأثير في الدرس النحو من خلال مقولة ابن الأنباريّ في مقدّمة كتابه···· ( الإنصاف ) ؛ إذ يقول : " وبعد فإنّ جماعة من الفقهاء المتأدبين, والأدباء المتفقهين المشتغلين عليّ ... سألوني أن ألخص لهم كتاباً لطيفاً يشتمل على مشاهير المسائل الخلافيّة بين نحوييّ البصرة والكوفة, على ترتيب المسائل الخلافيّة بين الشافعيّ وأبي حنيفة, ليكون أوّل كتاب صنف في علم العربية على هذا الترتيب ..."([1]). وهذا السيوطي يقول في خطبة كتابه ( الاقتراح ) : " هذا كتاب غريب الوضع ... في علم لم أُسبق إلى ترتيبه , ولم أُتقدّم إلى تهذيبه , وهو أصول النحو الذي هو بالنسبة إلى النحو كأصول الفقه بالنسبة إلى الفقه "([2]).

وهذا التأثير ظاهر في منهج التأليف . لكنّ التأثير لم يقف عند هذه الحدود , بل تجاوزها إلى شرح المسائل في ضوء المعطيات الفقهيّة والأصوليّة . وسأعرض في هذه الورقة بعض هذه المعطيات الفقهيّة , التي استأنس بها النحاة في تعليلهم المسائل النحويّة , فمن ذلك :

1-· استعمال مصطلح ( حرمة ) , وهو مصطلح شرعي . قالوا : " إذا دار الاختلال بين أن يكون في اللفظ أو في المعنى كان في اللفظ أولى ؛ لأنّ المعنى أعظم حرمة ؛ إذ اللفظ خدم المعنى , وإنّما أُتي باللفظ من أجله "([3]).

2-· مبحث ( في أنّ الإعراب حركة أم حرف ) :

" فإن قال قائل : فهل يكون الإعراب حرفاً عند سيبويه في شيء من الكلام؟ قلنا :هذا الذي ذكرنا الأصل,وعليه أكثر مدار الكلام العرب , وقد ذكرنا أن الشيء يكون له أصل يلزمه ونحوٌ يطّرد فيه, ثم يعرض لبعضه علة تخرجه عن جمهور الباب, فلا يكون ذلك ناقضاً للباب, وذلك موجود في سائر العلوم حتى في علوم الديانات كما يقال بالإطلاق ( الصلاة واجبة على البالغين ) (من سرق من حرز قطع) , فقد تجد القطع ساقطاً عن بعضهم . ولهذا نظائر كثيرة, فكذلك حكم الإعراب "([4]).

3-· مبحث ( التركيب ) :

" قال ابن يعيش : إنّما قلنا إنّ المفرد أصل ؛ لأنّه الأول والمركّب ثانٍ , فإذا استقلّ المعنى في الاسم المفرد , ثمّ وقع موقع الجملة , فالاسم المفرد هو الأصل , والجملة فرع عليه . قال :

ونظير ذلك في الشريعة شهادة المرأتين فرع على شهادة الرجل "([5]).

4-· مبحث ( الطارئ يزيل حكم الثابت ) :

" وقال أبو البقاء في ( التبيين ) : إذا ثبت الحكم لعلّة اطّرد حكمها في الموضع الذي امتنع فيه وجود العلّة ، ألا ترى أنّك ترفع الفاعل وتنصب المفعول في موضع يقطع بالفرق بينهما من طريق المعنى , كما لو قلت: ضرب الله مثلا , فإنّك ترفع الفاعل وتنصب المفعول مع أنّ الفاعل والمفعول معقول قطعا .

قال : ونظيره من المشروع أنّ الرَّمَل في الطواف شرع في الابتداء لإظهار الجلد ,ثم زالت العلة وبقي الحكم .

ومثل ذلك : العدّة عن النكاح شُرعتْ لبراءة الرحم,ثم ثبتت في مواضع ليس فيها شغل الرحم . قال: وسبب ذلك أنّ النفوس تأنس بثبوت الحكم , فلا ينبغي أن يزول ذلك الأنس "([6]).

ومن مظاهر التفكير الأصولي في الدرس النحويّ قولهم : " إنّ النصّ مقطوع به, والعلة مظنونة, وإحالة الحكم على المقطوع به أولى من إحالته على المظنون .. إلى آخر ماقرروا " , قلنا : الحكم إنّما يثبت بطريق مقطوع به وهو النص , ولكنّ العلة هي التي دعت إلى إثبات الحكم , فنحن نقطع على الحكم بكلام العرب , ونظنّ أنّ العلّة هي التي دعت الواضع إلى الحكم . فالظنّ لم يرجع إلى مايرجع إليه القطع , بل هما متغايران فلا تناقض بينهما "([7]).

أمّا ملامح التفكير الفلسفي في النحو العربي , فهي من الكثرة بمكان ما يجعل استقصاءها في هذا الموضع عسيرا . ولكن سأعرض لبعض السياقات التي تُظهر مدى تأثّر النحاة بالمنهج الفلسفي , ثمّ كيف وُظّفت الأدلّة العقليّة في خدمة التعليلات النحويّة .

والحقّ أنّ التفكير الفلسفيّ تبلور نتيجة الاتصال الثقافيّ بالفلسفة اليونانيّة , وازدهار حركة الترجمة من اليونانيّة إلى العربيّة . وقد بلغ هذا التأثير أوجه في القرنين الرابع والخامس الهجريّين , وهذا ظاهر في مؤلفات ابن السراج والسيرافي الرّماني والأنباري والزجاجي وغيرهم .

تبدو ملامح التفكير الفلسفيّ عند النحاة في استعمال المصطلحات الفلسفيّة كالعَرَض والجوهر والحادث والموجود والعدم والطارئ والجسم..إلخ , وانتهاج طريقة الفلاسفة والمناطقة في عرض القضايا . ومن هذا الملامح :

1-· مبحث ( أسبق الأفعال ) :

" قال الزجاجي في كتاب ( إيضاح علل النحو ) : اعلم أنّ أسبق الأفعال في التقدّم المستقبل ؛ لأنّ الشيء لم يكن ثمّ كان , والعدم سابق , ثمّ يصير في الحال , ثمّ يصير ماضيا , فيخبر عنه بالماضي , فأسبق الأفعال في الرتبة المستقبل , ثمّ فعل الحال , ثمّ فعل الماضي "([8])

2-· مبحث القول في الاسم والحرف أيّهما أسبق في المرتبة والتقدّم :

" قال البصريّون والكوفيّون : الأسماء قبل الأفعال , والحروف تابعة للأسماء , وذلك أنّ الأفعال أحداث الأسماء , يعنون بالأسماء أصحاب الأسماء, والاسم قبل الفعل؛ لأنّ الفعل منه , والفاعل سابق لفعل . وأمّا الحروف , فإنّما تدخل على الأسماء والأفعال لمعان تحدث فيها , وإعراب تؤثره ...

سؤال يلزم القائلين بهذه المقالة .

يقال لهم : قد أجمعتم على أنّ العامل قبل المعمول فيه , كما أنّ الفاعل قبل فعله , وكما أنّ المحدث سابق لحدثه . وأنتم مقرّون أنّ الحروف عوامل في الأسماء والأفعال , فقد وجب أن تكون الحروف قبلها جميعا سابقة لها , وهذا لازم على أوضاعكلم ومعانيكم

الجواب , أن يقال : هذه مغالطة ليس شبه هذا الحديث والمحدث , ولا العلّة ولا المعلول , وذلك إنّا نقول : إنّ الفاعل في جسم فعلا ما من حركة وغيرها سابق لفعله ذلك فيه لا للجسم , فنقول : إنّ الضارب سابق لضربه الذي أوقعه بالمضروب , ولا يجب من ذلك أن يكون المضروب أكبر سنّا من الضارب , ونقول أيضا : إنّ النجّار سابق للباب الذي نجره , ولا يجب ذلك أن يكون سابقا للخشب الذي نجر منه الباب ... "([9]).

3-· مبحث ( في الإعراب والكلام أيّهما أسبق ) :

" فإن قال : من أين حكمتم على سبق بعضه بعضا , وجعلتم الإعراب الذي لا يعقل أكثر المعاني إلا به ثانيا , وقد علمتم أنّها تكلّمت به هكذا جملة .

قيل له : قد عرّفناك أنّ الأشياء تستحقّ المرتبة والتقديم والتأخير على ضروب , فنحكم لكلّ واحد منها بما تستحقّه , وإن كانت لم توجد إلا مجتمعة , ألا ترى أنّا نقول : إن العرض داخل في الأسود , عرض الأسود والجسم أقدم من العرض بالطبع والاستحقاق , وإنّ العرض قد يجوز أن يتوهم زائلا عن الجسم , والجسم باق , فنقول : إنّ الجسم الأسود قبل السواد , ونحن لم نر الجسم خاليا من السواد الذي هو فيه , ولا رأينا السواد قط عاريا عن الجسم , بل يجوز رؤيته ؛ لانّ المرئيات إنّما هي الأجسام اللونة , ولا تدرك الألوان خالية من الأجسام , ولا الأجسام غير ملونة ... ومنها : أنّا نعلم أنّ الذكر في المرتبة مقدّم على الأنثى , ونحن لم نشاهد العالم خاليا من أحدهما , ثمّ حدث بعده الآخر إلا ما وقفنا عليه بالخبر الصادق من سبق خلق الذكر الأنثى في خلق آدم وحواء ... "([10]).

4-· مبحث· ( الشيئان إذا تضادا تضادّ الحكم الصادر عنهما ) :

قال ابن الدهان :" ولهذا نظائر في المعقولات وسائر المعلومات مشاهدا ومقيسا , ألا ترى أنّ الإعراب لمّا كان ضدّ البناء , وكان الإعراب أصله الحركة والتنقل كان البناء أصله الثبوت والسكون , وكذلك الابتداء لمّا كلن أصله الحركة ضرورة كان الوقف أصله السكون "([11]).

5-· مبحث ( العامل المعنوي ) :

" العامل المعنوي قيل به في مولضع :

أحدها : الابتداء عامل في المبتدأ على الصحيح , واختلف في تفسيره , فقيل : هو التعري من العوامل اللفظيّة , وقيل : هو التعري وإسناد الفعل إليه .

قال ابن يعيش : والقول على ذلك أنّ التعري لا يصلح أن يكون سببا , ولا جزءا من السبب , وذلك أنّ العوامل توجب عملا ؛ إذ لا بدّ للموجب والموجب من اختصاص يوجب ذلك , ونسبة العدم إلى الأشياء كلّها نسبة واحدة .

فإن قيل : العوامل في هذه الصناعة ليست مؤثّرة حسّيا كالإحراق للنار , والبرد للماء , وإنّما هي أمارات ودلالات , والأمارات قد تكون بعدم الشيء , كما تكون بوجوده .

قيل : هذا فاسد ؛ لأنّه ليس الغرض من قولهم إنّ التعري عامل أنّه معرّض للعامل ؛ إذ لو زعم أنّه معرض لكان اعترافا بأنّ العامل غير التعرّي "([12]) .

---------------------------

[1]- الأنباري : الإغراب في جدل لاإعراب , مقدّمة المحقق ص 20

[2]- السيوطي : الاقتراح ص 17

[3]- السيوطي : الأشباه والنظائر ج1 ص 58

[4]- المصدر نفسه ج1 ص 94-95

[5]- السيوطي : الأشباه والنظائر ج1 ص113

[6]- المصدر نفسه ج1 ص278

[7] - الأنباري : لمع الأدلة ص122

[8]- السيوطي : الأشباه والنظائر ج1 ص 59

[9]- السيوطي : الأشباه والنظائر ج1 ص 63-64

[10]- السيوطي : الأشباه والنظائر ج1 ص 91

-[11] السيوطي : الأشباه والنظائر ج1 ص 262

[12]- ·السيوطي : الأشباه والنظائر ج1 ص291

 
فلسفة التبويب عند النحاة العرب , كتاب الجُمَل للزجاجيّ أنموذجاً طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: بحوث نحوية
تقييم المستخدمين: / 3
سيئجيد 
الكاتب حسان الزبيدي   
السبت, 08 يناير 2011 10:27

يحاول هذا التقرير أن يقف على جانب من جوانب التفكير النحويّ عند النحاة العرب , وهو ملامح التبويب في مؤلفات النحاة . وقد اخترتُ كتاب الجمُـَل للزجاجيّ (ت 340 ه) أنموذجاً ؛فهو يمثل مرحلة متوسطة بين النحاة , فقد عاش في القرن الرابع الهجريّ.

ولكي يخرج التقرير بتصوّر واضح حول منهج التبويب في كتاب الجُمَل – وهو بدوره يمثل مرحلة من مراحل التأليف – عمدتُ إلى مقارنته بكتاب المُفَصّل للزمخشريّ (ت 538 ه) .

هذا,وقد ضمّ الكتاب سبعة وأربعين ومائة باب ,تناول أبواب النحو, والصرف , والأصوات , والتأريخ , والضرورة الشعريّة . فهو إذاً كتاب جامع لمعظم علوم اللغة, إلى جانب ذلك يمثل منهجاً جديداً في التأليف , ينئ عن التعليلات المنطقية , والأمثلة الجافة , والعبارات المعقدة .

وقد ظهر لي – وأنا أنظر في أبواب الكتاب – افتقار الكتاب إلى خطّة في تبويب الموضوعات ؛ إذ لا تسير الأبواب في تسلسل منطقي . بل نجد اختلاط الموضوعات النحويّة , والصرفيّة , والأصواتيّة بعضها ببعض . فمثلاً يتحدث في الباب الأول عن الإعراب وعلامات الإعراب , ثمّ ينتقل إلى الحديث في الباب الرابع عن التثنية والجمع , وهو باب صرفي , ثم يعود إلى الحديث عن التوابع ,ثمّ ينتقل إلى الأفعال المتعدية وغير المتعديّة .. وهكذا دواليك .

ويُلمَح هذا التشتت ليس بين الموضوعات العامّة فحسب . وإنّما في الموضوع الواحد. فعلى سبيل المثال نجده في باب النحو يعرض الموضوعات مرتبة على النحو الآتي :

الأفعال , الفاعل والمفعول به , التوابع , الابتداء , اشتغال الفعل عن المفعول بضميره , الحروف التي ترفع الأسماء وتنصب الأخبار , الحروف التي تنصب الاسم وترفع الخبر, حروف الخفض ,"حتّى " في الأسماء , القسم وحروفه ... وهلم جرا .  

وممّا يُؤخذ على أبواب الكتاب , أنّها لم تراعِ التدرج في طرح الموضوعات , بحيث يبدأ بالكليات, ثمّ ينتهي منها إلى الجزئيّات . فمثلاً باب المعرفة والنكرة جاء ترتيبه الثاني والخمسين, وباب المعرب والمبني كان في الباب السادس والثمانين . ولك أن تتصور كم من الأبواب يتفرع من هذين البابين الرئيسين . و كم كان مفيداً تعليميّاً لو أنّه أخذ بهذه المنهجيّة في تقسيم الأبواب .

إنّ من يقف على أبواب الكتاب , يدرك بما لا يبعث على الشكّ أنّ منهج التبويب عند المؤلف لم يكن ناضجاً على النحو الذي نراه مثلا عند الزمخشري . فعلى نحو نراه في باب النداء يعرض الموضوعات بصورة مرتبة فيبدأ بـباب النداء , ثمّ باب الاسمين اللذين لفظهما واحد والآخر مضاف منهما , ثم باب إضافة المنادى إلى ياء المتكلم , ثم باب ما لا يجوز فيه إلا إثبات الياء , ثم باب ما لا يقع إلا في النداء خاصة ولا يستعمل في غيره , ثم باب الاستغاثة , ثم باب الترخيم , ثم باب ما رخمت الشعراء في غير الشعر اضطراراً , ثم باب الندبة . وقل مثل ذلك في باب التصغير , وباب الهجاء , وباب المذكر والمؤنث ...إلخ .

فإذا كان هذا سبيله في مثل هذه الأبواب , فإننا نقف على صورة مغايرة في أبواب أُخر , فنجد على سبيل المثال باب الابتداء ,ثم باب اشتغال الفعل عن المفعول بضميره , وهو باب أقرب إلى درْس الفعل وعمله , ثم يتحدث عن الحروف التي ترفع الأسماء وتنصب الأخبار , ثم باب الحروف التي تنصب الاسم وترفع الخبر , ثم باب الفرق بين (إنّ) و (أنّ) , ثم باب حروف الخفض , ثم باب (حتّى) في الأسماء ,ثم باب القسم وحروفه , ثم باب ما لم يُسمّ فاعله , هنا ندرك الفجوة في الأبواب بين الفاعل والمفعول , وقد جاءا في الباب الخامس , ونائب الفاعل الذي جاء في الباب الحادي والعشرين , ثم باب من مسائل ما لم يُسمّ فاعله , ثم باب اسم الفاعل , ثم باب الأمثلة التي تعمل عمل اسم الفاعل , ثم باب الصفة المشبهة باسم الفاعل فيما تعمل فيه , ثم باب التعجب , ثم باب (ما) , وهي ما العاملة عمل ليس , وهنا أيضاً نجد فجوة أخرى بين الحروف التي ترفع الاسم وتنصب الأخبار وبين (ما) العاملة عمل ليس .وعلى هذا النحو يمكن نقول في باب مذ ومنذ , فهذا الباب لا يرتبط بما قبله وهو باب (كم) , ولا بما بعده , وهو باب الجمع بين ( أنّ وكان ) ,وباب ضمير الفصل .

وعلى حين نجد دقّة في توصيف عنوان الباب , وانسجامه مع المضمون - وهو الصورة العامة في معظم الأبواب- نجد بعض الغموض في بعض العنوانات , من حيث عدم اختيار اللفظ المناسب للباب . فمثلاً باب الحروف التي تنصب الاسم وترفع الخبر , فالعنوان لا يُلبس على القارئ بصورة عامة , ولكنّ إطلاق مسمّى الحروف على الأفعال الناسخة ,في باب الحروف التي ترفع الاسم وتنصب الأخبار , أشعر أنّه فيه لَبْس , فالقارئ المبتدئ سيتساءل وقتئذٍ , هل هي حروف أم أفعال؟ ومثل ذلك يمكن القول في باب الحروف التي يَرتفع ما بعدها بالابتداء والخبر , وهذا عنوان لا لبس فيه . لكنّ اللبس يتأتى من تعقيبه عليه بقوله : وتُسمّى حروف الرفع . وهذا يُشعر القارئ بتناقض , هل العمل للابتداء والخبر أم للحروف ؟ فأول العنوان يُظهر أنّ هذه الحروف غير عامله , بيد أنّ تسمية الحروفِ حروفَ الرفع يُشعر بأنّها عاملة , مثلها مثل حروف النصب , وحروف الخفض . فهذه الحروف تعمل فيما بعدها ؛ ولذلك سُميت حروف النصب؛ لأنها تنصب . وسُميت حروف الخفض ؛ لأنها تجرّ ما بعدها .

ومن الأمور التي تستوقف الباحث تقديم ما حقّه التأخير: كالتوابع , والتعجب , والقسم وحروفه, وحروف الخفض . وتأخير ما حقّه التقديم : كالمعرفة والنكرة , والمعرب والمبني , والصلات , والابتداء , وأفعال المقاربة . والذي يظهر لي أنّ فكرة تقسيم موضوعات النحو في مجال التأليف إلى : مرفوعات , ومنصوبات , ومجرورات, لم تنضج بَعْد عند النحاة , وإن كانت حاضرة في أذهانهم ومناقشاتهم .

تُرى هل كان للمؤلِّف منهجيّة محددة في تبويب الكتاب ؟ يقول الدكتور علي الحمد معلقا على أبواب الكتاب :" فبعد أن بدأ ببعض التقسيمات الصرفية تناول مجموعة من الأبواب النحوية , يظهر في ترتيبها احتفاله بالعامل " [1], ونظرية العامل هذه هي أحد أهم الأسس التي ابتنى عليها النحاة تفكيرهم النحويّ , حتى  الكتاب  كتاب سيبويه كان محتفلاً  بنظرية  العامل  بشكل واضح .

وعليه فإنه يمكن القول : إنّ التبويب في المؤلفات المتقدّمة كانت تراعي في منهجيتها نظرية العامل , وربّما كانت هي الأساس التي أُلفت عليه الكتب , مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ كلّ عَالِـم وطريقته في عرض الأبواب . لكنّ هذا لا يعني أنّ عدم انتظام أبواب النحو كان مبعثه نظرية العامل , إذ نظرية العامل كانت أيضاً أساساً في تأليف كتب النحو المتأخرة , مثل : المفصّل , واللمع , وغيرهما من كتب النحو الكثيرة .   

ومَن ينظر في كتاب المُفَصّل للزمخشريّ سيكتشف مدى التطوّر الذي شهدته منهجية التبويب عند النحاة . فنحن أمام كتاب مبوّب تبويباً منسقاً يبدأ بكليات النحو ثم بالجزئيات . فهو - كما يصفه صاحبه- " كتاب في الإعراب , محيط بكافة الأبواب , مرتب ترتيباً يبلغ بهم الأمد البعيد بأقرب السعي , ويملأ سجالهم بأهون السقي "[2]. ثم إنّ الهدف من وراء تأليفه كان تعليميّاً , فهو يقول :" ولقد ندبني ما بالمسلمين من الأرب إلى معرفة كلام العرب , وما بي من الشفقة والحدب على أشياعي من حفدة الأدب "[3]

أما عن تقسيم الكتاب فنجد في خطبة الكتاب أنّه قسم الكتاب أربعة أقسام : الأسماء , والأفعال,  والحروف , والمشترك من أحوالها . ثم ينضمّ إلى كلّ قسم منها جملة من الموضوعات الرئيسة . فالأسماء تتفرع إلى مرفوعات , ومنصوبات , ومجرورات . وكلّ غصن منها يتشعب إلى جملة من أغصان عديدة . أما الأفعال فسبيلها كسبيل الأسماء تتوزع تبعاً للزمان , والتعدية واللزوم , والمعلوم والمجهول , والمجرد والمزيد. فإذا تمّ له ذلك واستوى , توجه تلقاء الحروف . فسنّ فيها سنّة ما قبله . فقسّمها بحسب وظائفها , كحروف العطف , والنفي , والندبة . 

وأما القسم المشترك من أحوالها , فقد تناول فيه الأصوات , هو أمر يجمع بين الأقسام الثلاثة السالفة , كالإمالة , والإدغام , والوقف , وغير ذلك .

والحقّ أنّ الكتابين لم يختلفا في الموضوعات أو الهدف . لكنّ المنهجية في تبويب الكتابين كانت متباينة بصورة تبدو ملامح التطوير فيها بارزة . وهذا يعكس المجهود الفكري الذي استغرقه النحاة في إنضاج النحو العربي , وإتاحته مائدة سائغة يطيب أُكُلُها , وأَكْلها للنشء المتعلّمين .  

------------------------

[1]- الزجاجي : الجمل , مقدمة المحقق , ص(20)

-[2] الزمخشري : المفصل ص5

-[3] المصدر نفسه ص5

 
<< البداية < السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالي > النهاية >>

الصفحة 5 من 13
Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
Joomla Templates by Joomlashack