الرئيسية | النادي اللغوي
 

صفحة شبكة صوت العربية في فيسبوكtwitterقناة شبكة صوت العربية في يوتيوبشبكة صوت العربية في موقع فليكر

النادي اللغوي
معضلة الإعلام الاقتصادي الناطق بالعربية طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: بحوث لغوية
تقييم المستخدمين: / 10
سيئجيد 
الكاتب د. عبد السلام إسماعيلي علوي   
الثلاثاء, 28 أغسطس 2012 21:24

تقديــم:

       إن كل نشاط إنساني ينطوي على تمثيلٍ ما، بمعنى أننا لا نستطيع إدراك الحياة الواقعية ما لم نفترض في نشاطاتنا اليومية وسيطاً رمزياً أو تمثيلياً يحدد وعينا بوجودنا الاجتماعي. إننا نحتاج دوماً إلى أن نعطي صوراً ما عن أنفسنا، أو نأخذها عن غيرنا، ولا يتسنى لنا ذلك إلاّ بتوسط ما نعتمده من تمثيلاتٍ رمزية، أي بتوسط أنساق تواصلية أثبتت التجربة أن أعدادها لا تنتهي، وأن اللغة هي المثال الأسمى داخل هذا التعدد. أوَ ليس هذا يثبت أهمية اللغة في حياة الناس اليومية؟

اقرأ المزيد...
 
العربية التقنية وإشكالية المصطلح «المصطلح اللساني نموذجاً» طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: بحوث لغوية
تقييم المستخدمين: / 11
سيئجيد 
الكاتب عبد السلام إسماعيلي علوي   
الثلاثاء, 28 أغسطس 2012 21:19

تقديــم:

- هل يمكن الحديث عن عربية تقنية أو قطاعية؟

- متى صح التفاضل بين اللغات الطبيعية؟

- ما هي شروط كفاية اللغات قطاعياً؟

- هل يمكن تصحيح المعطى الاصطلاحي بالنظر إلى ما تقتضيه الأحوال أو الأنساق؟

- لماذا هذا المصطلح دون غيره من المصطلحات الرائجة؟

إن الإشكالية هنا هي إشكالية مصطلح، وما هذه الأسئلة إلا بعض من عناصرها، أسئلة عامة كل يطرحها بصيغته وحسب انتمائه أو تخصصه. ونحن هنا نثيرها من منظور لساني لا للإجابة عنها بالضرورة، وإنما فقط للبحث عن بعض عناصر هذه الإجابة، أو لتعميق السؤال وفهمه وتقريبه على الأقل. 

اقرأ المزيد...
 
وقفات مع المعــــاني النحــــويـــة وموقعها في التصنيف البلاغي وأثرها في تبويب علم المعاني طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: بحوث بلاغية
تقييم المستخدمين: / 10
سيئجيد 
الكاتب سليمان إبراهيم العايد   
الثلاثاء, 07 أغسطس 2012 23:41

ملخص العمل :

حديث المعنى والمعاني النحويّة ما زال بحاجة إلى تفسير وبيان ، وشرح وتوضيح، وما زال البلاغيّون والنقّاد العرب يردّدون كلمة الجاحظ "المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العربي والعجمي". فهل قول الجاحظ موافق للحقيقة؟ وهل فهِم قوله كما ينبغي؟ وهل يسوغ لنا في هذا المقام أن نُدْلي في بيان مراده دلوًا يكشف سرَّ هذا القول، ويجلو حقيقته؟

والبلاغيّون يؤسِّسون لعلم المعاني بتوخِّي معاني النحو، كما يؤسّسون لعلوم البلاغة الأخرى على فروع الدرس اللغويِّ الأخرى؛ إذ يجعلون معاني النحو واللغة أسَّ البلاغة وركنها الشديد الذي تبنى عليه.

فكرة هذا العمل تنطلق من توافق النحو والبلاغة بكونهما على شقّين : لفظيٍّ ومعنويٍّ : شكليٍّ ومضمون، وتقوم على تعرّف المراد من "معاني النحو" ، وقد انتهى الباحث إلى أنّ "معاني النحو" ضربان ، أولهما : "معانٍ وظيفية" ، وثانيهما : "معانٍ إضافيّة" .

وما يدخل في علوم البلاغة خاصة "علم المعاني" ما يقصد إليه المتكلّم من النوعين، وما كان للمتكلّم حرّيّة في أن يدعه وأن يأخذ به من المعاني الوظيفية ، وكل ما يلزم المتكلّم من جهة أنه وظيفة نحوية يقتضيها النظام النحوي ، وليس للمتكلّم خيار أن يأخذ به وأن لا يأخذ ، كرفع الفاعل ، ونصب المفعول ، وبناء الفعلين الماضي والأمر ، ولزوم تقدّم الخبر إذا كان ظرفًا والمبتدأ نكرة . كل هذا وما كان نحوه لا يدخل في "علم المعاني" ؛ إذ ما يبحث فيه هذا العلم شيءٌ يأتي بعد الفراغ من الوظائف النحوية ، ومن تحقيق الصحة ، وسلامة التركيب ، والتزام النظام النحوي ، كما أن الوظائف التي قصِد بها أغراض لفظية شكلية ، كالتخفيف ، وتحسين اللفظ لا مدخل لـ"علم المعاني" فيها . كما لا يدخل في المعاني الإضافية التي قصِد مجرّد اختصار التعبير عن المعنى اللغويّ ، ولم يكن له ارتباط بالسياقات والمقامات، كالإلصاق .

والعمل يقدِّم رؤية الكاتب ، وتصوّره لـ"علم المعاني" بعد تنظيمه وفق هذين الضربين من المعاني بما يحقّق سهولة في عرض المادّة العلمية منظّمة مرتّبة يمكن لها أن تلتزم بضوابط التأليف المنهجيّة ، وجودة عرض المادّة العلمية ، وتحاشيها بعض السلبيّات التي وقعت في بعض التصانيف البلاغيّة التي يكثر فيها الاستطراد ، والخروج من موضوع إلى موضوع ، وغياب التسلسل المنطقي في ترتيب بعض الأبواب وتفريعاتها الداخليّة ، وتكرار الموضوع أو الفكرة غير مرّة في المصنّف الواحد أو تجزئتها في مواضع وتفريقها ، وتباعد المتناظرات عن بعضها ، والخلط بين النوعين من المعاني .

وهو قبل هذا يسهّل المادّة البلاغيّة , ويقرِّبها لطالبها ، ويعرضها بصورة تعينه على الفهم والتذوّق ؛ لأنّها بنيت على أسس واضحة للمخاطب ، وعلى ترتيب يدركه المتلقي .

**************

يربط علماء المعاني والبيان علمهم بمعاني النحو ، ويكرِّرون عبارة عبد القاهر الجرجاني : «النظم تأخِّي (توخّي) معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام» . (الخطيب القزويني/تلخيص المفتاح1/27) وهذا كلام يحتاج إلى شرح وإيضاح ، ولعلّي في عملي هذا أقدِّم هذا الشرح والإيضاح من خلال رؤيتي الخاصة ، ومن خلال ما أدركته من كلام أهل العلم .

إنّ ممّا يعدّ من قبيل التفسير وتقريب المراد قول الشيخ عبد المتعال الصعيدي في تفسير قول عبد القاهر : "يريد بمعني النحو الخصوصيّات التي هي مقتضى الحال من التقديم والتأخير وغيرهما ، والأغراض في قوله :"على حسب الأغراض" هي الأقوال الداعية إليها ، أو المعاني الثانوية التي يقصد من الخصوصيّات إفادتها" .

وهذا تفسير يقرب ممّا جلوته ووضّحته في هذا العمل ، وإن لم يكن هو هو ، وهو كلام يؤنس، ويرفع وحشة أن نقول قولا لا يقبله العلم .

يمكن قسم المعاني النحويّة إلى قسمين :

  • معانٍ وظيفيّة : أثرها في التركيب , وتأتي لتحقيق المعاني الإضافيّة , وهي غير مقصودة لذاتها , وإنّما تقتضيها المعاني الإضافيّة ؛ ليستقيم بها الكلام ويصحّ نظمه, وتُظهِر المعانيَ الإضافيّة ( بمعنى الإبانة عن المعاني الإضافيّة ). ثمّ إنّ المعاني الوظيفيّة بعضها لتحقيق السلامة , والحدِّ الأدنى من الصحّة (أصل الصحّة) وبعضها لتحقيق العبارة المستوى الأعلى والكلام الأفصح , مثل الرفع , النصب , الجرّ , الجزم , الحكاية , الإعراب , البناء , الفتح , الضمّ , الكسر , السكون, الإدغام , الإمالة , الإتباع ، التفريع ،الإبدال , القلب بأنواعه , الزيادة , الحذف , الذكر , الإضمار , الاستتار , التقدير , التبعيّة , العطف , البدليّة , التنوين , الصرف , الإجراء , التمكين , الإفراد , التركيب , الإفراد , التثنية , الجمع , الاستغناء , المطابقة , الاستئناف , الوصل , الوقف , الهمز , القلب , المصدريّة , التعريف , التنكير , التخصيص , العهد , الجنسية , الصلة , التعليق , الإلغاء , الإعمال , الإهمال , التذكير , التأنيث ، الصدارة , التقريب , التقوية , الابتداء , الكفّ , المقابلة , العوض , الترنّم , الضرورة , التصرُّف , الجمود , السكت , الاستئناف , القطع , الوصل , الفصل , المدّ , القصر , النقص , الاعتراض , تقارض الألفاظ والصيغ , التضمين , الوقاية , المناسبة , التعذُّر , التقاء الساكنين , التخلُّص من التقاء الساكنين , الحرف , الحركة .
  • معانٍ إضافيّة : وهي المعاني المضافة للنحو , وإن كانت في الأصل لغويّة , وهي المعاني الّتي يقصد إليها المتكلِّم , ويؤلِّف كلامه لتحقيقها , والإبانة عنها , مثل الاستفهام , التصوُّر , التعيين , التصديق , الوعد , الإعلام , التعجُّب , الجمع , التشريك , التعقيب , التراخي , الإضراب , الاستدراك , البيان , التبعيض , النداء , الاستغاثة , الندبة , الإضافة , الإنكار , الطلب , الأمر , النهي , الدعاء , المضارعة , المضيّ , الاستقبال , الحاليّة , الفجاءة , الطلب , الإلصاق , الإسناد , الفاعليّة , المفعوليّة , التعريف , التنكير , الإشارة , العلميّة , التعدية , اللُّزوم , السلب , النقل , المشاركة , التسوية , التذكير , التأنيث , الجمع , التثنية , الإفراد , الاستثناء , التفضيل , التوكيد , القسم, المدح , الذمّ , التشبيه , العوض , التسوية , الإنكار (الإبطالي , والتوبيخي) التقرير , التهكُّم , الاستبطاء , الجواب , التفسير , التعليل , الإضراب , الاستفتاح , التفصيل , التقسيم , الشكّ , الإبهام , التخيير , الإباحة , الجمع , التقريب , التحقيق , التنبيه , التمنِّي , العرض , التحضيض , الإغراء , التحذير , البدل , الابتداء , الغاية وانتهاؤها زمانًا , المعيّة والمصاحبة , التبيين , الكمال , التعدية , الاستعانة , السببيّة , المقابلة , المجاوزة , الاستعلاء , الترتيب , الموالاة , التعظيم , التحقير , التكثير , التقليل , التوقُّع , التقريب , التعويض , الاستدراك , الحضور , الغيبة , الإبهام , المقايسة , المبادرة , الردع , الزجر , التشبيه , الشكّ والظنّ , الشمول والعموم , الاستحقاق , الاختصاص , الملك , التمليك , التبليغ , الصيرورة والعاقبة والمآل , البعد , القرب , الامتناع , التعليق , التقييد , الإطلاق, التوبيخ , التنديم , الكناية , البيان , الإيجاب, السلب, الاستئناف , القسم , التذكُّر , التضمين (يراجع) المغالبة , المشاركة , الروم ويقصد به القصد والطلب، نحو : تقاربت من الشيء , الترك , الجعل , الهجوم , الضياء , نفي الغريزة , التسمية , التعريض , الوجود , الوصول , النقل , القيام على الشيء , الإزالة , النسبة , الاتِّخاذ , التصرُّف والاجتهاد , الخطفة , الإصابة , التحوّل من حال إلى حال , الإطناب , المساواة , الإيجاز .

وقد يقول قائل : لماذا لم يفردوا لكلِّ ما ذكرت بابًا خاصًّا , والجواب لدى ابن جني حين قال : " إن أهل العربية أفردوا للتوكيد باباً لعنايتهم به ، وكونه مما لا يضاع ولا يهمل مثله؛ كما أفردوا لكل معنى أهمهم باباً ؛ كالصفة والعطف والإضافة والنداء والندبة والقسم والجزاء ونحو ذلك ". الخصائص 2/451

والمعنى الواحد قد يكون وظيفيًّا في حال , وإضافيًّا في حال , وذلك باعتبارين مختلفين , مثل التنكير إذا قصِد صار معنًى إضافيًّا , مثل : جاء زيدٌ وزيدٌ آخر , أو جاء سيبويه وسيبويهٍ آخر . وإذا لم يقصد فهو معنًى وظيفيٌّ , مثل :"جاء رجلٌ" و"لا رجل في الدار" و"ما من أحدٍ عندنا" ؛ إذ القصد منه التعميم (العموم) والتنكير وسيلة أو أداة , والقسم فيما لو قال القاضي للمدّعى عليه : يمينَك , فأقسم , وقال : والله لقد كان كذا وكذا. فهذا معنًى إضافيٌّ , ولو قصد إلى توكيد خبرٍ بالقسم , كأن تخاطب شخصًا ينكر مجيء زيد , فتقول : والله لقد حضر زيدٌ , فالقسم هنا معنًى وظيفيٌّ ؛ لأنّه غير مقصودٍ , وإنّما المقصود توكيد الخبر , والقسم أداة التوكيد , ووسيلته .

والتمكين بمعنى الصرف , أو الإجراء معنًى وظيفيٌّ يقصد به إظهار تمام الإعراب , ومكنته , والتمكين في نحو قولك : "أحفرت زيدًا بئرًا , وأرعيته أرضًا" معنًى إضافيٌّ ؛ لأنّه مقصود المتكلِّم .

والّذين تحدَّثوا عن المعانى النحويّة في العصر الحاضر لم يفرِّقوا بين هذه المعاني هذا التفريق , ولم يميزوا بينها، بل جعلوا المعاني هي الوظائف .

وقال ابن النحويّة في شرحه ألفيّة ابن معط ص57 :"...لأنّ التعريف معنًى , والقياس في المعاني أن تؤدِّيها حروف المعاني , فبني لتضمُّنه معنى الحرف ...." ولهذا وضِعت الأدوات للتعبير عن المعاني النحويّة .

وقال ابن هشام :"...الأمر معنًى حقُّه أن يؤدَّى بالحرف , ولأنّه أخو النهي , ولم يدلَّ عليه إلاّ بالحرف , ولأنّ الفعل إنّما وُضِع لتقييد الحدث بالزمان المحصًّل , وكونه أمرًا خارجًا عن مقصوده " المغني ص227

ولا يلزم أن يعبّر عن كلِّ معنًى نحويّ بالحرف ؛ فالإشارة معنًى نحويٌّ ولم يعبِّروا عنه بحرف , كما لا يلزم أن يعبّر عن كلّ معنًى في الحياة بالتعبير النحويِّ ؛ إذ يكفي من النحو أن يتدخَّل في تكوين المعنى وتركيبه , ولولا التركيب ما تحقَّق المعنى الّذي يقصد إليه المتكلِّم , فتعبِّر عن حزنك بـ : حزنتُ , وحزن المخاطب : حزنتَ , وحزن الغائب : حزِن زيدٌ , وحزن الجمع حزِن المصابون , وحزِن أهل الميِّت , وحزِنوا ...إلخ , وكذا فرِحْتُ ...إلخ .

ثمّ إنّ معاني النحو معانٍ كلِّيّة يقصدها المتكلِّم , أو يعبِّر عنها , بالصيغة , أو الأداة , أو التركيب , أو الأسلوب , أو العلامة , أو النظام . ومعاني اللّغة معانٍ خاصّة تعبّر عنها الألفاظ , والعلاقة بين المعنى اللُّغويِّ واللّفظ هي علاقة الاسم بالمسمّى. وهذا يعنى به أصحاب اللُّغة والمعجميُّون.

وقد كان من طرائق العرب في كلامها أن تعبّر عن المعاني النحويّة بالأداة ، ولا يلزم أن يعبّر عن كلّ معنًى نحويّ بأداة أو حرف ، فهناك معان ٍ لم يعبّروا عنها بالحرف ، أو الأداة ، فالتعبير عن المعاني النحويّة إمّا بالحرف والأداة ، وإمّا بالصيغة، وإمّا بالتركيب ، وإمّا باللّفظ عينه (المفردة) فيكون حينئذٍ معنىً لغويًّا .

المعنى النحويّ وسيلته التركيب من قرينة ، ورتبة ، وأداة ، وإعراب ، وحذف وإظهار ، وإضمار، وتقديم وتأخير ، وربط ، ومطابقة ....إلخ .

والمعنى الصرفيّ ، وهو جزء المعنى النحويّ , وسيلته الصيغة من حركة وسكون ، وتعيين نوع الحركة ، والزيادة ، إلاّ الحذف , و الإبدال والقلب , والقلب المكانيّ فإنّها لا تحمل معنًى صرفيًّا ، ولا غيره ؛ لأنّ المقصود منها تحسين اللفظ , و التيسير , وطلب الأخفّ .

ولسائلٍ أن يسأل : كيف تدلّ الصيغة على المعنى النحويِّ , فنقول : إنّ الأبنية الصرفيّة مبناها على التغيير , والتغيير في الأبنية ـ كما أسلفت ـ نوعان :

نوعٌ يراد به إحداث معنًى جديد في البنية , مثل التغيير في صيغة الفعل : كسا وكَسِيَ , وكُسِيَ , وعلِم وعلُم , وفعل وأفعل وفعَّل وفاعل , نحو : كرُم وأكرم , وعلِم وعلَّم , وقتل وقاتل , وصيغة الاسم (الصفات) مثل : ذاهب , ومقتول , وقتّال , ومقتل , ومضرَب , وموعِد , وهُمَزة وهُمْزة , ونَفَض ونَفْض , وطَحْن وطِحْن . ومن الصيغ ما لا يتحدَّد معناه إلاّ من خلال سياقه , كالمشتقِّ ممّا زاد على ثلاثة إذا بُدِئ بميمٍ زائدة وفُتِح ما قبل آخره , مثل " مُكْرَم " تحتمل أن تكون اسم مفعولٍ , ومصدرًا ميميًّا , واسم زمان , واسم مكان , واسم آلة , والسياق هو الّذي يعيِّن واحدًا منها , ويرفع لبس الاشتراك اللّفظيّ (الاشتراك بالصيغة).

ونوع من التغيير في الأبنية لا يراد به إلاّ تحسين اللفظ , مثل مسائل الإعلال , والإبدال , والقلب المكانيّ , وتسهيل الهمز , والحذف , وهذا لا نقف عنده طويلاً ؛ فـ"ميزان" الغرض من قلب واوه ياءً هو تحسين اللّفظ, لا غير .

ودلالات الصيغ ـ كمفرداتها ـ لا تتحقَّق إلاّ من خلال تركيبها مع غيرها , حتّى يخرج لنا كلام يفيد فائدةً يحسن السكوت عليها , أمّا المعاني التجريديّة فليست إلاّ تقريبًا للعلم .

سبق أن ذكرنا أنّ الأداة ذات معنًى إضافيّ ، وأقول هنا : إنّها ذات معنًى وظيفيّ نحويّ ، مثل أداة الشط الجازمة، معناها الإضافي الشرط، ومعناها الوظيفي الجزم، ثمَّ نحن بحاجة للتفريق ما بين المعاني الإضافيّة, والمعاني الوظيفة, والتفريق بينهما على نحو ما تقدّم.

ثمّ إنّ الأداة لا تحمل معنىً بنفسها ، بمعنى أنّها لا تدلّ على المعنى بنفسها، وإنّما تدلُّ على المعنى بغيرها ، فهي حرف أو كالحرف ، ولهذا لا يجوز عدُّ الضمائر والأسماء الموصولة وأسماء الإشارة والظروف أدوات .

الأداة لا تقصد لذاتها ، وإنّما يقصد معناها ، فحين تقول : من يجتهد ينجح ، أنت قصدت الشرط ، بخلاف ما إذا قلت : هذا ناجح ، فأنت قصدت الإخبار عن هذا بالنجاح . وإذا قلت : هذا ناجح قصدت إلى المعنى اللّغويّ الّذي وضع له، وهو المشار إليه، لا الإشارة ، بخلاف ما إذا قلت : "إن" فإنّك تقصد المعنى النحويّ الّذي وضعت له، وهو الشرط ، وهو معنًى لا تدلّ عليه إلاّ بعد تضامِّها مع غيرها (جملتي الشرط والجواب). وحين تقول : كيف الحال؟ فالمقصود السؤال والاستفهام عن الحال، و حين تقول : هذا ناجح ، لا تقصد الإشارة إلى الناجح ، وإنّما تقصد الحكم على المشار إليه بالنجاح . و فرق بين المعنيين ، فالأوّل معنًى نحويّ عبِّر عنه بالأداة (كيف) والثاني معنًى نحويّ عبِّر عنه بالإسناد .

وقد تحتمل الأداة عدّة معانٍ إضافيّة , والسياق هو الّذي يعيِّن أحدها , كالمشترك اللّفظيّ , يحتمل معاني متعدِّدة ليس معنًى بأولى من معنًى , حتّى يعيِّن السياق المعنى المراد .

وأمّا التراكيب فتشمل جميع أنواع التركيب بحيث يحتوي على الأقلِّ مسندًا ومسندًا إليه , وقد تحتوي التراكيب على ما يزيد عليهما , من المفاعيل , والقيود , والموضِّحات , والتتمّات الأخرى ؛ الّتي تجعل الكلام تامًّا بإفادته فائدةً يحسن السكوت عليها .

وأمّا الأساليب فهي أقرب ما يكون من لغة الأمثال ، والعبارات المسكوكة , الّتي تلزم وضعًا تركيبيًّا خاصًّا لا يقبل التغيير , ولا التصرُّف , ولا ينفرد جزءٌ منه بإفادة المعنى , بل يتركَّب المعنى من مجموع التركيب , فأسلوب التعجُّب " ما أكرم زيدًا " ليست "ما" هي الّتي تفيد التعجُّب وحدها , ولا صيغة "أفعلَ" وحدها , ولا نصب "زيدًا" وحده , بل المجموع هو الّذي يفيد التعجُّبَ , ومثله الاستغاثة , وما أشبهها من التعجُّب , فهذه أساليب, تجري مجرى الأمثال, وتفيد المعنى باعتبارها كتلةً واحدةً, لا تنفرد الصيغة, ولا الأداة , ولا مجرَّد التركيب بإفادته .

وللمعاني النحويّة الوظيفيّة أغراض ، هي :

1ـ الإفهام والإبانة عمّا في النفس من معانٍ ، وتكوين المعاني الإضافيّة , والإسهام في تكوين وتعيين المعاني العامّة ، وهذا النوع مقصود لغيره من المعاني الإضافية التي ستأتي .

2ـ التسامي بتحقيق المعاني الإضافيّة على أعلى درجة بيانيّة ، وهذا من جنس ما سبقه ؛ إذ هو مقصود لتحقيق غيره من المعاني الإضافية .

3ـ تحقيق الحدِّ الأدنى من صحّة النظام النحويّ, وسلامة التركيب، وفق ما تقضي به أصول الصناعة النحويّة .

4ـ تحسين اللّفظ , في مثل : ميزان , وما كان من الأبنية فيه قلب أو إبدال , أو نقل، أو إعلال , أو إدغام واجب , ومثل الإضافة اللّفظيّة، والتخلّص من التقاء الساكنين .

5ـ التيسير على مستعمل اللغة بمجاراته على ما اعتاد لسانه , من خلال الإمالة والإشمام والروم , و بعض حالات الإدغام , والقلب المكاني , وترك ما يعسر نطقه .

والمعاني النحويّة الإضافيّة محصورة معدودة , بخلاف المعاني اللُّغويّة ؛ فإنّها لا تقع تحت حصرٍ , ولا يأتي عليها العدُّ , ثمّ المعاني النحويّة ممّا يمكن إدراكها بالفطرة , وبالحسِّ , والذوق , والسياق , بخلاف المعاني اللُّغويّة ؛ فإنّها تتطلَّب شيئًا من الحفظ والدرس والمعاناة , والإدراك من خلال تعاطي أسباب الحياة , وتتعذَر أو تعسر الإحاطة بها أو بألفاظها ؛ لأنّها متجدِّدة متوالدة ، نامية متكاثرة، وقد يكون لبعضها خصوصية.

**************

وسؤالنا : كيف يتعامل البلاغيون مع هذه المعاني بصنفيها؟

لو ألقينا نظرة على كتاب تلخيص المفتاح للخطيب القزويني (ت739هـ) لوجدناه أورد الصنفين ، وبوَّب عليهما ، فمن المعاني الوظيفية تلك التي جعلها عناوين لأبوابه ، أو وظّفها في عناوينها باب أحوال المسند من ناحية الحذف والذكر ، وأغراضهما ، والأغراض من المعاني النحوية الإضافية . والتعريف والتنكير ، وأغراضهما ، كما تحدّث عن أنواع التعريف من إضمار وعلمية وموصولية وإشارة وتعريف بـ"أل" وإضافة ، وأغراضه ، وأغراض التنكير من إفراد وتعظيم وتهويل وتحقير وتكثير ، ومن المعاني الإضافية التقديم ، وهو لا يقصد لذاته ، وإنما يقصد إليه لبيان أهمية المقدَّم ، ولتمكين الخبر في ذهن السامع وتشويقه ، والتخصيص والتأكيد والعموم ، والتأخير "للمسند" لاقتضاء المقام تقديم المسند . ومنها وضع الضمير موضع الظاهر لتمكين ما يعقبه في ذهن السامع ، ووضع المظهر موضع المضمر لغرض بحسب المظهر و وضع ضمير موضع ضمير للالتفات ، والقلب لأغراض ، والإخبار بالمفرد أو الجملة ، وبالاسم أو الفعل ، وتقييد الفعل بأحد المفاعيل ، أو بالشرط لأغراض ، والتغليب ، والتقديم والتأخير في متعلقات الفعل وغيرها لأغراض ، والحذف والذكر في باب المفاعيل ، والفصل والوصل ، والاعتراض .

ومن المعاني الإضافية تلك التي جعلها في عنوان باب الخبر الذي قسمه ثلاثة أنواع : ابتدائي ، وطلبي ، وإنكاري ، كما تحدّث عن أغراضه ، وأضربه . ومثله الإسناد الذي جعله قسمين : حقيقيًّا وعقليًّا ، ومنها الوصف للتفسير والتخصيص والمدح والذم والتأكيد والبيان ، والتوكيد للتقرير ودفع توهّم التجوُّز أو السهو ، والبيان والتفسير للإيضاح ، والإبدال لزيادة التقرير والإيضاح ، والعطف للتفصيل والاختصار ، ومطلق الجمع والترتيب والتعقيب والتراخي والإضراب ، ودفع الخطأ ، والشكّ، والتشكيك، والإبهام، والإباحة، والتخيير، والتعريض بالاستفهام وغيره ، والقصر بيّن أنواعه وطرقه ، وشروطه . وأنواع الإنشاء من تمنٍّ ، واستفهامٍ ، للتصوّر أو التصديق ، وأمرٍ ، ونهيٍ، وعرضٍ، ونداءٍ، والإيجاز والإطناب ، وقد تحدّث عن تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر ، ص47 فما بعدها .

والمتأمِّل في تصنيف البلاغيين يجد أن الأمور تداخلت ، فلم يكن ثمّة تفريق بين المعاني النحوية الوظيفية والمعاني النحوية الإضافية ، وفي كتاب تلخيص المفتاح للخطيب القزويني زاد الأمر تعقيدًا ما وضعه كاتب الحاشية من عناوين . نعم كان لبعض مصنفي علم البيان محاولة أو مقاربة في عنايته بالمعاني النحوية الإضافية ، كالمراغي في "علوم البلاغة" وإن لم يسلم من تأثير البلاغيين ، صحيح أنه في كثير من تبويبه فرّق بين النوعين غير أن هذا التفريق لا يكفي ؛ إذ لا بدَّ من تفريق مطّرد ، وحديثهم متداخل متشعِّب ، يتكرر مثلا حديثهم عن التقديم والتأخير في غير ما موضع ، وكذا الحذف والذكر ، والكلام في تلخيص المفتاح ، وهو من أفضل المصنّفات، ويحظى بقبول البلاغيين، أشبه ما يكون بالمسوّدة ؛ إذ تتداخل فيه المعاني ، وتتكرّر العلل والأسباب ، وتتزاحم الأغراض وتتكرّر .

ويمكن لنا أن نقترح تصنيفًا أو تبويبًا لعلم البيان على النحو التالي :

عـــلم المعـــــــاني

القسم الأول : المعاني النحوية الوظيفية ، وتحته :

الذكر والحذف .

الإظهار والإضمار .

التقديم والتأخير .

التعريف والتنكير .

القلب لأغراض .

الإخبار بالمفرد أو الجملة ، وبالاسم أو الفعل .

التقييد والإطلاق .

الإجمال والتفصيل .

الإبهام والبيان .

التغليب .

الفصل والوصل .

الاعتراض .

وهذه المعاني هي التي تدخل في مباحث علم المعاني وتؤثّر في الخطاب والبيان ، بخلاف سائر المعاني الوظيفية فإنها من ضرائر تكوين الكلام ؛ بحيث لا يصحّ إلا بها أومن ذوات التأثير اللفظي لتحقيق غرض من الأغراض السابقة ، ويبقى تأثيرها شكليًّا لفظيًّا.

ويبحث تحت كل عنوان أساليبه وطرق التعبير عنه ، والمعاني الإضافية التي يؤدِّيها ، مع العلم أن المعاني الوظيفية قد يكون الغرض منها لفظيًّا لتحقيق الصحّة النحويّة ، مثل التقديم لئلا يعود الضمير على متأخِّرٍ لفظًا ورتبة ، أو لتحقيق تحسين اللفظ مثل التخلّص من التقاء الساكنين ، ومسائل الإعلال والإبدال ، كما أن بعضًا منها قد يتردّد بين المعاني الوظيفية والمعاني الإضافية ، فيأتي لهذه تارة ، وللأخرى تارة أخرى .

وبما أن علم المعاني أو علوم البلاغة لا تبحث إلا فيما يقصد إليه المتكلّم أو منشئ الكلام كان علينا أن نميز بين نوعين من المعاني النحوية الوظيفية ، معانٍ لا يقصد إليها المتكلّم ، وإنما تأتي في الكلام من باب اقتضاء قوانين النحو وقواعده وضوابطه لها لتحقيق صحة الكلام أو لتحقيق غرض في اللفظ من تحسين اللفظ أو تخفيفه ، مثل : الرفع , النصب , الجرّ , الجزم , الحكاية , الإعراب , البناء , الفتح , الضمّ , الكسر , السكون , الإدغام , الإمالة , الإتباع ، التفريع ،الإبدال , القلب بأنواعه (المكاني , وغيره) ، إعلال النقل ، التقدير , التبعيّة , التنوين , الصرف , الإجراء , التمكين ، الاستغناء , المطابقة , و القطع والوصل في الهمز , وما يتعلّق به من تليين وتسهيل وحذف وتمكين، والقلب , والمصدريّة , والتعليق , والإلغاء , والإعمال , والإهمال , والتذكير , والتأنيث ، والصدارة , والتقريب , والتقوية , والابتداء , والكفّ , والمقابلة , والعوض , والترنّم , والضرورة , والتصرُّف , والجمود , والسكت , والمدّ , والقصر , والنقص , والاعتراض , وتقارض الألفاظ والصيغ , والتضمين , والوقاية , والمناسبة , والتعذُر , والتقاء الساكنين , والتخلُّص من التقاء الساكنين. وهي معانٍ لا يقصد إليها المتكلِّم لذاتها ، بل يقصدها لتحقيق غرض آخر أو للوصول إلى مقصود آخر ، فمثل هذا المعنى لا يعدو أن يكون واسطة يصل به المتكلّم إلى غرض أو معنًى من المعاني الإضافية ، وهذا منحصر في المعاني التي أوردتها في القسم الأوّل ، ويمكن لمن مكّن النظر تارة أخرى أن يضيف لها معاني وظيفية تصلح للدرس البلاغي .

القســـم الثاني : المعاني النحوية الإضافية ، وتحته :

الخبر والإنشاء .

أنواع الإنشاء من تمنٍّ ، واستفهامٍ ، للتصوّر أو التصديق، وأمرٍ ، ونهيٍ، وعرضٍ ، ونداءٍ .

الإسناد .

الوصف . مع بيان أنواعه : التفسير والتخصيص والمدح والذم والتأكيد والبيان .

التوكيد للتقرير ودفع توهّم التجوُّز أو السهو .

البيان والتفسير للإيضاح .

الإبدال لزيادة التقرير والإيضاح .

العطف للتفصيل والاختصار ، ومطلق الجمع والترتيب والتعقيب والتراخي والإضراب ، ودفع الخطأ ، والشكّ والتشكيك والإبهام والإباحة والتخيير .

التعريض بالاستفهام وغيره .

القصر يبيّن أنواعه وطرقه ، وشروطه .

التنبيه .

الإيجاز والإطناب .

الإضافة .

التشبيه .

المدح , الذمّ .

الإنكار (الإبطالي , والتوبيخي) .

التقرير .

التهكُّم .

التعظيم , التحقير , التكثير , التقليل .

الحضور , الغيبة.

الردع , الزجر .

الكناية .

إلى آخر المعاني النحوية التي تؤدَّى بأساليب قد تتنوّع ، وتختلف من مقام إلى مقام ، ومن شخص إلى شخص، كما قد تجوز في مقام وتمتنع في مقام ، وليست ذات استعمال واحد ومعنًى لا يختلف بحسب المقامات والأحوال.

ويتّضح ممّا سبق أن هناك معاني نحوية إضافية لا يتطرّق إليها الدرس البلاغي ، مثل التبعيض والإلصاق والفجاءة والفاعلية ، والمفعولية . ولعلّ السبب أن هذه لا تدخل في مسألة مطابقة الكلام لمقتضى الحال التي تراعي حال المتلقّي ، التي تجعل من واجب المتكلّم أن يراعيها كي يحقّق من كلامه الغاية المرجوّة ، ولا تسهم في تكوين الصورة البيانية ، ولا في تحسين اللفظ والمعنى ، وإنّما هي مجرّد اختصار للتعبير عن المعنى اللغويّ .

كما أنّه ليس من همِّ البلاغي البحث في تقديم توجبه الصناعة النحوية ، ولا في حذف يوجبه قانون نحوي ، ولا تعريف أو تنكير لا محيد عنه ، أو هو لازم للمتكلّم ؛ فالبلاغي لا يبحث إلا فيما استوفى الصحة ، وكان مقصودًا لدى المتكلّم .

ولا يقصد الدرس البلاغي إلى كلِّ معنًى نحويٍّ إضافيّ ما لم يكن له علاقة بالمقام ومقتضى الحال بحيث يوافقه أو يخالفه ، أو يكون منتقلا من معناه الأصلي إلى معنًى آخر ، كالاستفهام يقصد به الإنكار أو التقرير , والخبر يقصد به الإنشاء ، كالدعاء مثلا في "يرحمه الله" و"صلّى الله عليه وسلّم" ؛ إذ ظاهرهما الخبر وحقيقتهما الإنشاء (الدعاء) .

ويمكن لنا أن نمثِّل بأمثلة ممّا بحثه البلاغيّون من المعاني الإضافية : القصر ، والتوكيد ، والأمر ، والتشبيه . فالتوكيد له مقامات تستدعيه من إنكار أوشكٍّ أو أهمّيّة خبر أو دفع تهمة ونحو ذلك ، وقد يكون مستهجنًا في غير هذه المقامات . وله أساليب منها :

القسم .

توكيد الفعل بنون التوكيد .

التأكيد بـ"إنّ" وأخواتها .

التوكيد باللام التي تدخل على المبتدأ أو الخبر .

التوكيد باللام التي تدخل على الفعل أو "قد" .

التوكيد بـ"قد" .

التأكيد المعنوي بـ"كلّ" وأخواتها .

التوكيد بتكرير اللفظ أو مرادفه .

التوكيد بالضمير فصلا أو غيره .

التوكيد بالمصدر (المفعول المطلق) .

التوكيد بالوصف ، مثل "شعر شاعر" .

التوكيد بالاستثناء .

التوكيد بأسلوب من أساليب القصر .

والأمر من المعاني الإضافية التي يمكن أن يبوَّب لها ، فتدرس من ناحية الأساليب التي تعبِّر عنه ، وما تخرج إليه صيغ الأمر من المعاني كالدعاء والالتماس ، والإباحة .

وهذه الدراسة ، وهذا النمط من التأليف يحقّق دعوة من دعا إلى دراسة النحو بحسب المعاني ، كما تؤدِّي إلى ضبط الدرس البلاغي ، وإبراز الجانب النحويّ فيه ، ومدى ارتباط العلمين وعلاقتهما ببعض .

وأمّا القصر فأكتفي بتلخيص ما جاء في تلخيص المفتاح للخطيب القزويني ، وهو من أوضح ما في كتابه وأتمِّه ، وفيه : تقسيمه إلى حقيقي وغير حقيقي ، وتقسيمه إلى قصر موصوف على صفة ، وقصر صفة على موصوف . ثمّ أورد طرقًا للقصر ، منها : العطف ، نحو : "زيد شاعر لا كاتب ، والشاعر زيد لا عمرو" ، والنفي والاستثناء ، نحو : "ما زيد إلا شاعر" ، و"إنّما" نحو "إنّما زيد شاعر ، وإنّما الشاعر زيدٌ" . والتقديم ، نحو : لزيدٍ الإبل . وتعريف الطرفين ، نحو : "المجتهد زيدٌ" (ولم يورده الخطيب). وقد ذكر أشياء وأحكامًا وفروقًا بين طرق القصر ، فليرجع إليها هناك .

وأمّا التشبيه وهو عند النحاة كما هو عند البلاغيين ، ولا أدري أهم يدخلون فيه الاستعارة ، وله طرائق منها : الربط بين ركني التشبيه بأداة تفيد التشبيه حرفًا كالكاف ، واسمًا نحو : مثل ومثيل وشبه وشبيه ، وفعلاً نحو يماثل أو يشبه ، وقد تحذف الأداة ، فيسند المشبّه به إلى المشبّه (مبتدأ وخبر)، والبلاغيون يقسمونه أقسامًا ، مثل التشبيه البليغ ، والضمني ، كما يقسمونه بحسب أغراضه . وهذه التقسيمات وغيرها من التقسيمات هي من عمل البلاغيين ، وليس عند النحاة إلا ذكر التشبيه مجملا باعتباره معنًى يقصده المتكلّم ، وإلا ذكر أدواته مفرّقة في أبواب النحو، مثل"كأنّ" في باب "إنّ" وأخواتها ، و"الكاف" في حروف الجرّ.

توصيات :

  1. 1) تصنيف مصنّفات تدار على المعاني النحويّة، ويجعل فيها درس النحو بحسب معانيه الإضافية ؛ بحيث يكون المعنى مرتكزًا ، وتفرّع عليه طرائق درسه بذكر الطرق والأساليب التي تعبّر عن هذا المعنى ، مثل التنبيه ، يعبّر عنه بالهاء في نحو "هذا" ، ويعبّر عنه بـ"يا" النداء ، في نحو "ألا يا اسمعوا" . ومثل الأمر يعبّر عنه بفعل الأمر ، وباسم الفعل ، وبلام الأمر التي تدخل على المضارع ، وبالمصدر ، وبالفعل المضارع أحيانًا ، حتّى تستوفى جميع المعاني معنًى معنًى .
  2. 2) التفريق في المعاني الإضافية بين ما يمكن أن يبحث في علم المعاني وبين ما يكون مكانه كتب النحو فقط ؛ إذ هناك معانٍ إضافية لا دخل لها في البلاغة ، وكل ما أرادت العرب منه هو اختصار التعبير اللغويّ ، من غير أن يكون وراءه معانٍ أخرى ، مثل الإلصاق ، والتبعيض ، والعوض ، والسببية .
  3. 3) بذل مزيد عناية في تقريب المعاني الإضافية ، وتيسير دراستها في المعاني ، وتبيين ما يصلح للدراسة في هذا العلم ، وما يكتفى منها بدرسه في كتب النحو؛ لأن لا مدخلَ إلى دراسة المعنى فيه.
  4. 4) مراجعة كتب البلاغة العربية ،لتقريبها من القارئ العربي ، وإعادة التصنيف في البلاغة بناءً على معطيات ونتائج دراسة المعنى؛ ووفقًا لما تقرّر من تقسيم المعنى ، وتخليصها من الاستطراد والتكرار ، وتقسيم الموضوع الواحد، والغرض الواحد .
    1.                هذا ما أمكن زبره وسطره . والحمد لله الّذي بنعمته تتمّ الصالحات ، وصلّى الله وسلّم على محمد وآله وصحبه . تمّ .

ومرادنا بالمعاني الكلية نحو قولنا في أقمت زيدا ، وأخرجته الهمزة للتعدية ، ولا نعبر عن هذا بأن نقول : جعلت زيدا يخرج أو جعلته يجلس ، بل نعبر عنها هي وأمثالها بقولنا الهمزة للتعدية ، وهذا معنى عام يدخل تحته أفراد كثير .

 
التنوّع في اللغة والكلام والوظائف: علاقته وأثره على برامج تعليم طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: بحوث لغوية
تقييم المستخدمين: / 8
سيئجيد 
الكاتب سليمان إبراهيم العايد   
الأحد, 29 يوليو 2012 05:45

مقدّمة:

يكثر الحديث عن الازدواج اللغوي, ويدخل كثير من المتحدّثين عنه وجود العامية والفصحى في العربية في هذا الباب, وكأن العربية قد تفرّدت به, ويكثر الحديث عن سلبيّات العامّيّة, وكأنّها تناصب الفصحى العداء, وكأنه لا تصحّ كلّ لغة في مجالها, فالعامية ضرب من اللغة المنطوقة, واللغة المنطوقة هي لغة المقام, ولغة التواصل, والفصحى لغة الكتابة ولغة التداول, والأكثر في حياة الناس هي اللغة المنطوقة. ويعاني دارسو اللغة العربية من العرب وغير العرب, مشكلة وجود مستويين في الأداء: منطوق ومكتوب.

يتعلّمون في الدرس قواعد وضوابط لا تطبّق في حياتهم, حتّى إذا ما خرجوا للشارع لم يجدوا معهم ما يسعفهم ممّا درسوا إلا أشياء قد تكون موضع تندُّر ممّن يحاورهم أو يحادثونهم, حتّى إنّهم ليقولون لهم: أنتم تكلّموننا بلغة الكتاب. فكيف نتعاطى مع هذا؟ وما الذي يسوغ وما الذي لا يسوغ؟ قد تأتي الورقة بطرحٍ يكون فيه ما يفيد درس العربية في العصر الحديث.

اقرأ المزيد...
 
التنوّع بين العامية والفصحى وأثره على تكوين الهوية الثقافية طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: بحوث لغوية
تقييم المستخدمين: / 17
سيئجيد 
الكاتب سليمان إبراهيم العايد   
الأحد, 29 يوليو 2012 05:33

مقدمــة :

يكثر الحديث عن الازدواج اللغوي, ويدخل كثير من المتحدّثين عنه وجود العامية والفصحى في العربية في هذا الباب, وكأن العربية قد تفرّدت به, ويكثر الحديث عن سلبيّات العامّيّة, وكأنّها تناصب الفصحى العداء, وكأنه لا تصحّ كلّ لغة في مجالها, فالعامية ضرب من اللغة المنطوقة, واللغة المنطوقة هي لغة المقام, ولغة التواصل, والفصحى لغة الكتابة ولغة التداول, والأكثر في حياة الناس هي اللغة المنطوقة.

ويعاني دارسو اللغة العربية من العرب وغير العرب, مشكلة وجود مستويين: منطوق ومكتوب. يتعلّمون في الدرس قواعد وضوابط لا تطبّق في حياتهم, حتّى إذا ما خرجوا للشارع لم يجدوا معهم ما يسعفهم ممّا درسوا إلا أشياء قد تكون موضع تندُّر ممّن يحاورهم أو يحادثونهم, حتّى إنّهم ليقولون لهم: أنتم تكلّموننا بلغة الكتاب. فكيف نتعاطى مع هذا؟ وما الذي يسوغ وما الذي لا يسوغ؟ قد تأتي الورقة بطرحٍ يكون فيه ما يفيد درس العربية في العصر الحديث.

هذا ما تحاول هذه المقالة تلمُّس إجابة له, وإلمامة بما يحيطه, ويكتنفه.

*********

أفاض علماء العربية من نحاة ولغويين في الحديث عن اختلاف لغات العرب, وهذا أمر طبيعيّ في كل لغة؛ إذ من المحال أن تتوافق لهجات لغاتٍ ما , أو يتفق أهل لسان ما على أداء واحد لا يغيّرونه, ولا يختلفون فيه؛ والعربية ليست بدْعًا بين اللغات؛ إذ اختلف أهلها, وتنوّع أداؤهم, في مستويات اللغة الأربعة: الصوتي, والصرفيّ, والتركيبي, والدلاليّ بشقّيه المعنويّ, واللفظيّ, واختلاف أداء الأصوات بين العرب قديم قدم العربية, نصّ عليه سيبويه في كتابه بقوله "فأصل حروف العربية تسعة وعشرون حرفا: الهمزة، والألف، والهاء، والعين، والحاء، والغين، والخاء، والكاف، والقاف، والضاد، والجيم، والشين، والياء، واللام، والراء، والنون، والطاء والدال، والتاء، والصاد، والزاي، والسين، والطاء، والذال، والثاء، والفاء، والباء، والميم، والواو.([1])

وتكون خمسةً وثلاثين حرفا بحروفٍ هن فروعٌ، وأصلها من التسعة والعشرين، وهي كثيرةٌ يؤخذ بها وتستحسن في قراءة القرآن والأشعار، وهي: النون الخفيفة، والهمزة التي بين بين، والألف التي تمال إمالةً شديدة، والشين التي كالجيم، والصاد التي تكون كالزاي، وألف التفخيم، يعنى بلغة أهل الحجاز، في قولهم: الصلاة والزكاة والحياة.

وتكون اثنين وأربعين حرفاً بحروف غير مستحسنةٍ ولا كثيرةٍ في لغة من ترتضي عربيته، ولا تستحسن في قراءة القرآن ولا في الشعر؛ وهي: الكاف التي بين الجيم والكاف، والجيم التي كالكاف، والجيم التي كالشين، والضاد الضعيفة، والصاد التي كالسين، والطاء التي كالتاء، والظاء التي كالثاء، والباء التي كالفاء.

وهذه الحروف التي تمَّمتها اثنين وأربعين جيدها ورديئها أصلها التسعة والعشرون، لا تتبين إلا بالمشافهة"([2])كما تحدّث عمّا بين العرب من اختلافات صوتيّة من إدغام وإمالة, وترقيق وتفخيم, وإشمام وروم, وما شابه هذا, من صور الأداء لا يطعن في اللغة, ولا يخرج بعضها من كونها عربيّة , ولغات العرب – كما يقول ابن جني – كلّها حجّة. وقد عقد ابن فارس في كتابه ‘‘الصاحبي’’ بعنوان ‘‘باب القول في اختلاف لغات العرب’’([3]) نأخذ منه ونزيد عليه, فتناول فيها المستويات الأربعة, فذكر في المستوى الصوتيّ : اختلافهم في نطق حركة حركة حرف المضارعة؛ إذ عامّة العرب تفتح حرف المضارعة في الأفعال الثلاثيّة والخماسيّة والسداسيّة, وقليل منهم من يكسره, مثل "نَستعين ونِستعين", ومثل إسكان العين وفتحها في نحو "معَـْكم, ومعه", ومثل الإبدال في "أولائك" إذ يقول بعضهم: "وأولالك" , ويقولون في "أنّ": "عنَّ", وهي لغة في تميم, كما يقول بعضهم في "أمّا زيد": "أيما زيد", ولم يقف الأمر عند مجرّد كلمات؛ إذ جازه إلى ظواهر صوتية, مثل: الاختلاف في تحقيق الهمزة وتسهيلها أونطقها بين بين, مثل: "مستهزئون ومستهزون". ومثل القلب المكاني، يقولون: "صاعقة، وصاقعة", ومثل الإثبات والحذف في نحو "استحييْت واستحيت". ومنها الاختلاف في الإمالة والتفخيم, في مثل "قضى ورمى"؛ فبعضهم يفخِّم وبعضهم يميل, وكذا الاختلاف في الإدغام"من يرتدَّ , ومن يرتدِدْ", ونحو "مهتدون" و"مهدُّون" , ومثل الاختلاف في إشباع الحركة, من نحو "أنظُر وأنظور". وهذا الخلاف وإن عدّ بعض أهل اللغة شيئًا منه من مذموم اللغات، كما قال ابن فارس في " باب اللغات المذمومة":

أما العَنْعَنة الَّتِي تُذكِر عن تَميم فقلبهم الهمزة فِي بعض كلامهم عيناً. يقولون: "سمعتُ عَنَّ فلاناً قال كذا" يريدون "أَنَّ".

ورُوي فِي حديث قَيْلَة: "تَحسب عَنِّي نائمةٌ" قال أبو عُبيد: أرادت تَحْسب أني، وهذه لُغة تميم. قال ذو الرمّة:

أَعَنْ ترسَّمت من خرقاء منزلة              ماءُ الصَّبابة من عَيْنيك مَسْجُومُ

أراد "أن", فجعل مكان الهمزة عيناً.

وأما الكَشْكَشة الَّتِي فِي أسَد فقال قوم: إنهم يبدلون الكاف شيناً فيقولون: "عَلَيْشَ" بمعني "عَلَيْكَ". ويُنشدون:

فَعَيْناشِ عيناها وجيدش جيدُها               ولَوْنُشِ إِلاَّ    أنها غيرُ عاطلِ

وقال آخرون: يَصِلون بالكاف شيناً، فيقولون: "عَلَيكِش".

وكذلك الكسكَسة الَّتِي فِي رَبيعة إنما هي أن يَصِلوا بالكاف سيناً، فيقولون: "عَلَيْكِسْ".

وحدثني عليُّ بن أحمد الصبَّاحيُّ، قال سمعت ابن دُرَيْد يقول: حروفٌ لا تتكلم بها العرب إِلاَّ ضرورة، فإذا اضطُرُّوا إِلَيْهَا حوَّلوها عند التكلم بها إِلَى أقرب الحروف من مخارجها.

فمن تِلْكَ الحروفِ الحرفُ الَّذِي بَيْنَ الباء والفاء. مثل "بور" إِذَا اضطُروا. فقالوا: "فور".[4]

ومثلُ الحرف الَّذِي بَيْنَ القاف والكاف والجيم -وهي لغة سائرة فِي اليمن- مثل: "جَمَل" إِذَا اضطرُّوا قالوا: "كَمَل".

قال: والحرفُ الَّذِي بَيْنَ الشين والجيم والياء: فِي المذكر "غُلامِجْ" وَفِي المؤنث "غُلامِش".

فأما بنو تميم فإنهم يُلحقون القاف باللَّهاة حَتَّى تَغْلظ جداً فيقولون: "القوم" فيكون بَيْنَ الكاف والقاف، وهذه لغة فيهم. قال الشاعر:

ولا أكُولُ لِكدرِ الكَوم قَدْ نضجت               ولا أكولُ لبابِ الدَّار مَكْفولُ

وكذلك الياء تجعل جيماً فِي النَّسب. يقولون: "غُلامِجْ" أي "غلامي".

وكذلك الياء المشدَّدة تحوَّل جيماً فِي النَّسب. يقولون: "بَصرِجّ" و"كُوفِجّ" قال الرَّاجِز:

خالي عويفٌ وأبو عَلِجّ                       المُطْعِمَانِ     اللحمَ بالعَشِجِّ

و بالغَداةَ   فِلــــَقَ الْبرْنِجِّ

وكذلك مَا أشبهه من الحروف المرغوب عنها. كالكاف الَّتِي تُحوَّل شيناً.

قلنا: أما الَّذِي ذكره ابن دُرَيد فِي "بور" و"فور" فصحيح. وذلك أن بور لَيْسَ من كلام العرب، فلذلك يحتاج العربيّ عند تعريبه إياه أن يُصيّره فاءً. وأما سائر مَا ذكره فليس من باب الضرورة فِي شيء. وأيُّ ضرورة بالقائل إِلَى أن يقلب الكاف شيناً، وهي ليست فِي سجع ولا فاصلة? ولكن هَذِهِ لغات للقوم عَلَى مَا ذكرناه فِي باب اختلاف اللغات.

وأما من زعم أن ولدَ إسماعيل عَلَيْهِ السلام يُعيّرون وَلدَ قَحْطان أنهم ليسوا عرباً، ويحتجُّون عليهم بأنَّ لسانَهم الحِمْيريَّة وأنهم يُسَمُّون اللِّحية بغير اسمها مع قول الله جلّ ثناؤه فِي قصة من قال: لا تأخذ بلِحْيتي ولا بِرَأْسي- وأنهم يُسمُّون الذّيب "القِلَّوْبَ" مع قوله: {وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ} ويسمون الأصابع "الشنَّاتر" وَقَدْ قال الله جلّ ثناؤه: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} وأنهم يسمّون الصَّديق "الخِلْمَ" والله جل ثناؤه يقول: {أَوْ صَدِيقِكُمْ} وَمَا أشبه هَذَا. فليس اختلافُ اللُّغات قادِحًا فِي الأنساب.

ونحن -وإن كنا نعلم أن القرآن نزل بأفصح اللغات- فلسنا نُنكر أن يكون لكلّ قوم لغة. مع أن قحطان تذكر أنهم العرَب العارِبة، وأن مَن سواهم العرَب المَتَعَرِّبة، وأن إسماعيل عَلَيْهِ السلام بلسانهم نَطق، ومن لغتِهم أخَذَ، وإنَّما كَانَتْ لغةُ أبيه r العِبرية وَلَيْسَ ذا موضعَ مفاخَرة فنَستَقصي"([5]) وتتفاوت هذه الأداءات , وهذه اللغات جودة ورداءة.

ومن الاختلاف في بنية الكلمة (الصرف) الاختلاف في صورة الجمع, نحو "أسرى وأسارى", والتفريع في نحو "عُفِيَ له وعُفْيَ له" . وكذا التفريع في أوزان الثلاثيّ عند تميم, ومجيء الفعل على وزني "فعل وأفعل", مثل "صدَدْتُ و أصددْتُ".

ومن الاختلاف في التركيب (النحو) الاختلاف في تحقيق حركة الإعراب واختلاسها, نحو: "يأمرُكم ويأمرْكم". والاختلاف في الوقف على هاء التأنيث, مثل "هذه أُمّهْ وهذه أمَّتْ". ومنه في التركيب طريقة التخلّص من التقاء الساكنين, إمّا بكسر الأوّل, أو ضمّه في نحو "اشتروُِا الضلالة". والاختلاف في التذكير والتأنيث, في نحو "هذه البقر, وهذا البقر", و"هذه النخيل وهذا النخيل". والاختلاف في الإعراب في نحو"ما زيدٌ قائمًا, وما زيد قائمٌ" بين قريش وتميم. ومثله "إن هذان, وإنّ هذين".

قال ابن فارس: "وكل هذه اللغات مسمّاة منسوبة إلى أصحابها, لكن هذا موضع اختصار, وهي وإن كانت لقومٍ دون قومٍ، فإنّها لمّا انتشرت تعاورها كلُّ".([6] )

ومن اختلاف الألفاظ ما يرجِع إلى معنى اللفظ بأن يكون له معنًى لدى طائفة من العرب يخالف المعنى عند آخرين، مثل ما ذكره ابن فارس في تفسير تصرُّفات "وثب" وكثير ممّا يسمّى المشترك اللفظيَّ, أو ينعت بالتضادِّ, هو من هذا الباب؛ إذ يكون للفظ معنًى عند قبيل, وله معنًى آخر عند قبيلة أخرى. كما أنّ من اختلاف الألفاظ رجع إلى اللفظ ذاته بأن يما يعبَّر عن المعنى بغير لفظٍ, فتعبِّر قبيلة بلفظٍ, وتعبِّر قبيلة أخرى بلفظٍ آخر, وهذا هو ما يسمّى بالمترادف.([7] )

فهل كان هذا الاختلاف في أداء اللغة, وفي بعض مكوِّناتها من صوتيّة, وصرفيّة, وتركيبية, ودلاليّة, مدعاة للإخلال بالانتماء؟ وهل كان هذا داعيًا للإخلال بهوِّيّة هؤلاء؟ وهل كان من لا يحسن ما يسمّى الفصحى, وهو يحسن الكلام بما تعوّده في حياته اليوميّة منقوص الانتماء, مختلَّ الهوِّيّة مضطربها؟ وهل هذا الاختلاف أمر طبيعيّ؟ أم أنّه أمر اختصت به العربية من بين اللغات وهل كان الذين وصفهم الهمدانيّ بأنّهم غُتْم, وأنّهم لا يكادون يبينون , أو أنّهم كانوا يرتضخون لكنة فارسيّة؟ أو أنّهم متأثِّرون بلغة الأحباش, أو الهنود؟ هل كان هؤلاء مسلوبي الانتماء إلى العربيّة, لا يصحّ نعت هوّيّتهم بالعربية؟ وهل كانت الوفود التي تفد إلى رسول الله r ويحادثونه بلغة لا يفهمها أصحابه ناقصي الهوّية, مسلوبي الانتماء، ليسوا بعرب؟ وهل كان من لا يحتجّ أهل العربية وعلماؤها بما روِي عنهم, وصحّ من كلامهم مسلوبي الانتماء, ناقصي الهوّيّة؟ وهل كان المخالطون للأعاجم في ديارهم كالمناذرة, واللخميين في العراق, والغساسنة في بلاد الشام, وبكر وتغلب في الجزيرة الفراتيّة, هل كان ثمّت شكُّ أو اختلاف في انتماء هؤلاء وهوّيّتهم؟أم أنّ دائرة العربية أوسع من ذلك, وأجلّ من أن تضيق بهؤلاء وغيرهم؟!

وهل المقصود بقول رسول الله r : ((إنّما العربيّة اللسان)). عربيّة ذات مستوًى عالٍ يقبله رواة العربيّة وأدباؤها؟ أم أنّ هذا يشمل مستوياتٍ متفاوتة, يتحقّق فيها الحدُّ الأدنى من العربيّة؟

اختلاف الألسن ليست عمليّة بلبلة وتشتيت للبشريّة, بل هي آية من آيات الله, قال ) Uوَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ ( الروم ﴿٢٢﴾ والاختلاف درجات, ومستويات , وأنواع, فهناك من الاختلاف ما يكون تغايُرًا تامًّا, ومنه ما يكون تغايُرًا منقوصًا, ومنه ما لا يعدو تفاوت المستويات, ومنه ما يكون في نظام اللغة, ومنه ما يكون في أدائها, ومنه ما يكون في تحقيق نسبة من الجودة والجمال.

وبناءً عليه, فكلّ من تكلّم بشيءٍ من هذا اللسان, وانتمى إليه, فهو عربيّ, وعلينا أن نتّسع في الانتماء للعربية, بأن ندخِل فيه كلّ من يغلب على منطقه العربيّة, ولو كانت محرّفة مغيّرة معدّلة, بل لو كانت تمثِّل الحدّ الأدنى من التواصل, كما هو الحال حين يتحدّث مبجِّلو الإنكليزيّة, ويذكرون من يتحدّثها, وتعدادهم, وكثير منهم لا يجاوز الحدَّ الأدنى من التواصل, مع شيءٍ من الإخلال في أنظمة اللغة المختلفة (الصوت, البنية, التركيب, الدلالة).

*********

والخلاف في اللغة لا يقف عند هذا الحدِّ؛ فاللغة من مشتركات الحياة؛ إذ الناس بل مستعملوها فيها على درجة سواء من ناحية الإتاحة، ولكلٍّ منهم أن يتعلّم منها حسب حاجته، وأن يكتسب منها حسب طاقته، ولأهل اللغة كما لطلابها تلمّس الحاجة والطاقة، وفي اللغة ثلاثة مستويات، كما أسلفنا، وليس مستوًى واحدًا كما هو جارٍ في درس العربية :

المستوى الأوّل : مستوًى أدبيّ يوظّف اللغة توظيفًا خاصًّا ، ويجنح إلى التسامي فوق اللغة العاديّة، في أنظمتها المختلفة من بنية وتركيب، ومن خروج في معانيها عن مقتضى الظاهر. ومن خروج دلالة ألفاظها من حقلٍ دلالي إلى حقل دلالي آخر، ويتمثّل هذا المستوى في الشعر والخطابة، والكتابات الأدبية، وكلّ ما يقصد إلى الجمع بين جودة المعنى ، وجودة العبارة، ويوظف إمكانات اللغة والخيال، وقدرات أخرى.وهذا المستوى له طلابه ، وهم من نوعٍ خاصٍّ، وليسوا كلّ الأنواع والفئات، وهذا النوع أعلى المستويات وأرفعها، ولغة هذا المستوى قابلة للمراجعة والتصحيح والتنقيح، لتخرج بصورة تلائم مستواها التداولي.

المستوى الثاني: وهو مستوًى تداوليٌّ، لا يحتاج إلا أساسيات اللغة في مفرداتها التي توظّف في معانيها الوضعية غالبًا، كما لا يحتاج إلى كثير ممّا يرد في كتب النحو من قواعد فرعية، وخلاف، ومعانٍ، كما أن من يكتب بهذا المستوى أو يتحدّث ليس بحاجة لأن يوظِّف إمكانات اللغة التي تخرج عن القياس والمطّرد، وما تدعو إليه ضرورة الإبداع. وطلاّب هذا النوع لا بدَّ من تحديد حاجاتهم ، ولا بدَّ من الرأفة بهم، وعدم تكليفهم ما لا يحتاجون، والاكتفاء بالحدِّ الأدنى من الكفايات اللغويّة، ذات الصبغة العملية، وبإمكانهم توظيفها في استعمالهم اللغويِّ.ومن هذه الفئة طلاّب الأقسام في العلوم الطبيعية والطبية، والعلوم الأخرى.

المستوى الثالث: المستوى التواصلي الذي يقال في مقام خاص، ويؤدّي غرضًا آنيًّا محدودًا بالزمان والمكان وأطراف الخطاب، ولا يجري عليه التدوين في الغالب؛ لعدم الحاجة إلى تدوينه، ثم هو لا يصلح للتداول فيما بعد، وهو معظم كلام البشر وأكثره ، ولو قيل 99% من الكلام وما يدور من لغة وحديث وحوار هو من هذا المستوى، بل كلّ ما يجري على الألسنة من حديث المجالس والفكاهة والطرفة، بل لغة المدرِّس في فصله من هذا المستوى، ولا يرقى إلى المستوى التداولي، وهو بحكم آنيّته يتطلّب شيئًا من اليسر، والسهولة، والاقتصاد، ولا يلتزم بقواعد النحو القياسية بقدر ما يلتزمه من نجاح في الأداء والفائدة، ثم هو مستوًى يتميّز بالأخذ في الترخصات، وأن الكلام فيه تغلب عليه العفوية، ثمّ هو يمثِّل كلام الناس العفويَّ ، وكلامهم الفطريّ على سجيّتِهم، دون تكلُّف؛ فالمتكلّم يهمّه أن يتواصل مع الآخرين، وأن يفهم ما يريد، باقتصاد وجهدٍ قليلٍ، وبأخصر طريق، وأيسر سبيلٍ. وأن بعضه يؤدَّى بالصوت وبعضه يؤدّى بوسيلة دلالية أخرى غير لغويّة، مثل الإشارة وحركات العين، وأخيرًا هو مستوًى يراعي المقام، ولا يتكلّف كالمستوى التداوليّ، وقد أسلفنا الحديث عنه.

********

نزل القرآن والعرب مختلفون في لغاتهم, متمايزون في أدائهم, متشابهون في معانيهم, وحين نتحدّث عن اختلاف لغات العرب, لا نتحدّث عن اختلاف بين العربية في الجنوب والعربية في الشمال, بل نتحدّث عن لغاتهم حين نزول الوحي (القرآن) واختلاف أداء القبائل العربية, وإن كانت من عرب الشمال, فقد كانت الأعراب تفد إلى المدينة, ويكلّمون رسول الله r وينكر أصحابه ما يسمعونه منهم أو بعضه, حتّى إنّ الصحابة لا يكادون يفهمون لحونهم، أو يعسر عليهم إدراك ما يقوله هؤلاء الأعراب، حين يخاطبون رسول الله r, وهو عليه الصلاة والسلام يدرك معنى ما يقولون ومغزى ما يومئون إليه, ومرامي ما يقصدون إليه, وقد يسّر الله قرآنه على البشر كما في قوله )ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر( فأنزله على سبعة أحرف كلها شافٍ كافٍ, بحسب اختلاف القبائل, وطرائق أدائهم للكلام؛ تيسيرًا عليهم, ومجاراة لهم, حتّى لانت ألسنتهم للغة متقاربة, وأداءٍ متشابه, فتقاربت ألسنتهم من بعض, فاتحدت العرب في القراءة, وانتفت الحاجة لهذه الرخصة, ولم يبق من تلك الأحرف إلا حرفًا واحدًا, تنضوي تحته القراءات بأنواعها: المتواترة, والمشهورة, والشاذّة, بحكم عوامل كثيرة, منها زيادة اختلاط العرب بعضهم ببعض, من خلال معسكرات الجهاد, وكتائب الغزو, وجيوش الفاتحين, ومن خلال اختلاطهم في المدن العربية والأمصار التي بنِبت في الأقاليم المفتوحة, واشتغال العرب بالقرآن, والعلوم الإسلاميّة, وتسامي العرب إلى محاكاة لغة القرآن, ونظام الدولة الذي يدعو إلى الوحدة.

                                                                     ********

حين نقول: اللغة المنطوقة ، واللغة المكتوبة، لا نقصد النظر في قدرة وفاء الصورة الكتابية بأصوات اللغة، أو عدم وفائها، وإنما نريد اللغة التي يستعملها الناس في واقع حياتهم اليومي، وفي حركتهم المعاشية المتكررة، وما اعتادوا التعبير به عن أغراض ومطالب وشئون الحياة؛ وهذا شامل للغة حين تنطق، وللغة حين تكتب، ما دامت بهذا الوضع، وعلى تلك الحال .

كما نريد باللغة المكتوبة تلك التي اكتسبت صفة الثبات ، وتتابعت الأجيال على التزام كتابها ، وهذه تشمل ما ينطق من اللغة إذا اتسم بالتأنق والصنعة كما يفعل الخطباء .

والأولى هي لغة الخطاب، واللغة المنطوقة، واللغة المتكلمة، أو لغة التخاطب الحيّ، وهي لغة ينفك مستعملها من كثير من سمات اللغة الفصحى، كالإعراب، ونظام الجملة، واستعمال أدوات الربط، ويستعيض عنها بغيرها، ولا يحرص على تجنب اللحن، ويرسلها، دون تحضير أو تزوير .

وكل ما لا ينطبق عليه هذا الوصف فليس بلغة خطاب ، كالشعر والخطابة ، والتأليف ، مما يتعمَّل له الشاعر والخطيب والمؤلف ، ويبذل فيه شيئًا من الصنعة ، انتقاء واختيارًا وإحكامًا .

واللغة المنطوقة لغة متحولة سريعة التغير ، لا تكاد تثبت على حال ، بخلاف اللغة المكتوبة التي تقف في طريق التغير الذي يلحق لغة الكلام « بما فيها من صواب قد ضبطته معيارية دقيقة ، تقف في وجه التغير السريع الذي هو طبيعة اللغة المنطوقة ، ولها فائدة في تحسين وسائل الاتصال وصبغ اللغة المنطوقة بصبغة أدبية مشتركة »([8]) .

إن اللغة المنطوقة المتكلمة تختلف عنها اللغة المكتوبة في قواعدها ، واستعمالاتها، وميادينها؛ إذ اللغة المكتوبة تمثل عددًا من اللهجات واللغات المتكلمة داخل هذه اللغة، على حين تجنح المنطوقة إلى الابتعاد عن المثل الأعلى الذي تحتذيه اللغة المكتوبة ( المشتركة ) وهي - أي : اللغة المكتوبة - تتأثر باللغة المتكلمة من أوجه متعددة .

واللغة المتكلمة تعنى برءوس الأفكار ، دون أدوات الربط التي تربط بينها اكتفاءً بدلالات صوتية أخرى ، أو ذهنية ، أو أعمال أخرى كالإشارة .

وتمتاز اللغة المكتوبة بإمكانية توسيع رقعتها بخلاف المنطوقة التي لا يمكن نقلها إلا في نطاقٍ محدودٍ ، على حين تمتاز المنطوقة بالسهولة ؛ إذ تستخدم أبسط وسائل التعبير اللغوي في الأصوات ، والبنية ، والتراكيب ، ودلالة المفردات ، وتتخلى عن كثير من القواعد المنضبطة في ذلك كله .

كما تمتاز المكتوبة بإمكانية التنقية والتصحيح ، بخلاف اللغة المنطوقة التي لا يستطاع فيها ذلك ؛ لصعوبة الإحاطة بها .

ولن ندخل في جدلية تعريف اللغة واللهجة ، والعلاقة بينهما ، وإنما يهمُّنا في حديثنا وجود نمطين من لغة واحدة ، يتعايشان في أرض الواقع ، أحدهما أصل ، والآخر طارئ .

جاء الإسلام، ولدى العرب لغة أدبية سامية، تقصر دونها لغاتٌ منتشرة بين قبائل الجزيرة هي أشبه باللهجات المحلية، أو الإقليمية، يدير بها كل فئام شئونهم اليومية، ويتفاهمون من خلالها في حياتهم البيئية، غير أنهم إذا أرادوا لقولهم اتساع الرقعة، ولكلامهم أن يفهمه من كان من غير بيئتهم فزعوا إلى نمط من القول، ذي صفاتٍ خاصة في الأصوات، والبنى، والتراكيب؛ ليؤدُّوا به ما يرغبون فيه من أفكارٍ، ومشاعر، وتجربة. وهذا النمط ينظر إليه العربي على أنه نمطٌ عالٍ من القول، يخرجه من حدود بيئته الضيقة إلى سعة البيئة العربية، كما يحل له مشكلة الاختلاف اللغوي بينه وبين غيره في البيئات العربية الأخرى .

وقد كان هذا الواقع أمرًا ملموسًا لكل عربي ، وكانت لغة الشمال بل اللغة المضرية هي اللغة العربية التي يسمو بها الأدب ، ويتطلع إليها الأديب ، وهي التي نزل القرآن بها ، كما قال ابن فارس ؛ وإن لم يمنع هذا من ورود لغاتٍ لليمن من خلال مفرداتٍ معروفة ، وردت في القرآن .

وكان هذا الاختيار تأكيدًا لزعامة وجدارة لغة الشمال ، وتميزها عن لغات أطراف الجزيرة الأخرى ، بعد أن تأكدت أهليتها من خلال اللغة الأدبية في الشعر والخطابة والحكمة .

ثم جاء أهل العربية وعلماؤها - ولهم دوافع إسلامية - فنظروا في لغات العرب، وقر قرارهم على دراسة لغة القرآن، ولغة الشعر، لغة الأدب والبيان، التي لا يقصر العربي عن فهمها، ولا يأبى انتحالها، فجعلوها مجالًا للدرس ، وميدانًا للنظر والجمع ، ونموذجًا عاليًا يجب احتذاؤه ، وخشوا على هذا النموذج الانحراف والتغيير ، فسارعوا إلى عمل يؤصله، واستنباط قواعد تضبطه، وارتفعوا بدرسهم عن لغة الحواضر ، وما شاكلها من النواحي التي شاب لغتها شوبٌ من اللغات الأخرى بالمخالطة والجوار، وعمدوا إلى وسط الجزيرة موطن القبائل المضرية، وما جاورها من القبائل التي أخذت بلسانها، وانتحلت لغتها ، فجمعوا أشعارهم وأقوالهم، واستقرءوا أنماط كلامهم، فاستنبطوا قواعده الكلية، وضوابطه الأساسية، فخرجوا بعد ذلك بهذا النظام الرائع لقواعد اللغة في أصواتها، وبنيتها، وقواعدها، ثم أردفوه بعملٍ معجمي، استأنس بعضهم بعمله بلغاتٍ أخرى كاللغات اليمانية التي أورد منها الكثير ابن دريد في معجمه « الجمهرة » مقتصرًا في ذلك على الكلمة المفردة ، دون النظر إلى تركيبها مع غيرها ( أو أحكامها التركيبية ) .

وهكذا صار لزامًا على من يدرس اللغة العربية ، أو ينشد تعلمها ، ويرغب في إتقانها أن يتعلمها على هذه الصورة ، متجاوزًا كل ما خالفها من لغاتٍ لبعض القبائل خاصة .

وقد كان من الصعوبة بمكان أن يجمع اللسان العربي على هيئة واحدة بقرارٍ مهما كانت قوته ، وكان لابد من إيجاد فسحةٍ ، والتيسير على العرب حملة الرسالة ، فكان أن نزل القرآن على سبعة أحرف، كلها شافٍ كافٍ، أقرأ بها رسول الله ﷺ أصحابه على ما يلائم طبائعهم ، وتُلِيقُ ألسنتهم ، واعتادته سلائقهم ، وقد كان من الصعوبة بمكان - أيضًا - أن يتخلى العربي عما جبل عليه لسانه من الكلام ، وهي صورة تتكرر معنا إلى الوقت الحاضر ؛ إذ من العسير على من نشأ في البادية أن يغير من طريقة كلامه ، أو أن يحاكي غيره ، بخلاف من نشئوا في المدن ، وأكلوا الكواميخ([9]) ، فإن ذلك لا يعجزهم .

ولو تتبعنا قراءات القرآن لوجدنا فيها : قرأ رؤبة ، وقرأ بنو تميم ، وقرأ أهل الحجاز ، وهو أمرٌ واجهه أصحاب الشأن بما يليق به ، فكان عبد الله بن مسعود ( رضي الله عنه ) يستحب أن يكون الذي يكتبون المصاحف من مضر، وقال عمر ( رضي الله عنه ) : لا يملينَّ في مصاحفنا إلا غلمان قريشٍ وثقيفَ . وقال عثمان ( رضي الله عنه ) : اجعلوا المملي من هذيل ، والكاتب من ثقيف ، وهي قبائل مضرية ، وهم الذين قال فيهم أبو عمرو بن العلاء : أفصح العرب عليا هوازن ، وسفلى تميم([10]) .

هذه مقدمات ، أحببت أن أدخل من خلالها إلى ما أردت الحديث عنه ، فأقول : إن اللغة - كما يقرر علم اللغة الحديث ، وكما هو واقعها - ظاهرة متغيرة ومؤقتة ، وخاضعة لقوانين التطور ، مع اختلاف في الاستجابة لهذه القوانين بين اللغة المنطوقة واللغة المكتوبة ؛ إذ اللغة المكتوبة ثابتة جامدةٌ بطيئة التغير على حين ينطبق قانون التغير السريع على لغة الخطاب، وهي أوسع انتشارًا ، وأقدر على البقاء من اللغة المنطوقة ذات المدى القصير، والنطاق المحدود، والزوال السريع، التي تكتفي « بأبسط وسائل التعبير صوتًا ، وبنيةً، وتركيبًا ، ومفرداتٍ »([11]) إذ هي لغة قد تتخلى في كثير من أحوالها عن قواعد اللغة أو بعضها ، أو لا تلتزم بها في جوانبها الأربعة المتقدمة .

وهناك حقيقة قائمة ، وهي أن اللغة المنطوقة ذات حركة دائبة لا يمكن متابعتها وتنقيتها ، وتصحيحها ، ووضع القواعد المعمرة لها .

وهذا أمرٌ أدركه علماء العربية قبل أكثر من ألف عام ، فلم يصرفوا جهدًا تأليفيًا نحو تصحيح لسان العامة ، ولغة الخطاب اليومية التي يتكلمها الناس في الحواضر الإسلامية .

وقد يقول قائل: إننا رأيناهم يؤلفون في لحن العامة والخاصة، فما مرادهم بذلك ؟

فالجواب : أنهم ما أرادوا بالعامة عامة الناس ممن يستعمل اللغة في حياته اليومية خطابًا وتكلمًا ، ولو نظرنا في كتب لحن العامة لانتهينا إلى أنه « ليس المقصود بالعامة في إطلاقهم الدهماء وخشارة الناس ، والسقاط ، أو رجل الشارع » في اصطلاحنا الحديث ، وإنما يقصد بهم المثقفون الذين تسربت إلى لغتهم الفصحى أخطاء من لغة التخاطب والحياة اليومية حين يكتبون أو يتحدثون في مجالات العلم والأدب ، أو يقفون مواقف جدٍ مثل الخطابة ، والمناظر العلمية - وهذا ظاهر لمن تأمل الكتب المؤلفة ، والمصنفات المصنفة في هذا الفن ، وهو عين ما يسمى بلحن الخواص ، فالعوام والخواص لا تغير في المراد .

فهو إن سمي لحن العامة فباعتبار أنه جاء من لغة العامة . وإن سمي لحن الخاصة فباعتبار أنه وقع في لغتهم التي يستعملونها .

ومن المعروف بداهةً أن لغة العامة لغة التخاطب والحياة اليومية قد أقصيت عن نظر أهل اللغة من أول ما نشأ التأليف في علوم العربية، وإن كان فشو اللحن فيها هو الداعي إلى التأليف، ووضع المصنفات، حتى إذا ما رأوا أن لغة العامة من العسير تقويمها ، اكتفوا بجمع اللغة، وما تكلم به العرب، ووضع القوانين والقواعد التي تمكن من أجادها من محاكاة كلام العربي ، وتقيه الخطأ في القول، واللحن في الإعراب .

أما أن يعمد مؤلف إلى حصر أخطاء العامة اللغوية نحوًا وصرفًا ، وصوتًا ، ودلالة ، فهذا ما لا يمكن أن يطيقه عمل ؛ لأنَّ لغة العامة كثيرة التحول ، سريعة التغير ، وأنّى بمن يقدر على رصد شيءٍ من هذا, فضلًا عن الإحاطة به .

إن اللحن قد بدأ يظهر في لسان العرب في آخر عهد الخلفاء الراشدين، وقد أفزع الغُير على اللسان العربي، فهبوا ليتداركوا الأمرَ قبل أن يفشو ويصير ظاهرة يصعب الخلوص منها ، وكان هذا سببًا من الأسباب التي من أجلها أشار علي ( رضي الله عنه ) أو غيره على أبي الأسود أن يضع ما يصون اللسان من الزلل .

وكان من أثر ذلك أن بدءوا بوضع قوانين تستخلص من كلام العرب ، تكون عونًا لمن أراد محاكاة كلامهم ، وتذكرة يعصم بها اللسان من الخطأ .

ومن المعلوم أن الحياة في الحواضر الإسلامية كانت خليطًا من أجناسٍ وأعراق ، والعرب فيها جنسٌ وعرقٌ ، ولهم السلطة والسطوة ، والنفوذ ، لكن هذا كله غير كاف لتحويل الألسنة إلى اللسان العربي ، بل كانت الدواوين في بدايتها ذاتَ لغةٍ غير العربية ، ومن الطبيعي أن يتسرب إلى ألسنة العرب شيءٌ من كلامهم ؛ لطول الألفة ، وكثرة المخالطة ، والرغبة في إنجاح أمور الحياة اليومية ، وهو أمر شعر به العلماء بالعربية مما جعلهم يرتفعون عن لغة الحواضر ، ويعرضون عن النظر فيها ، وإن كانوا يجارون أهلها في شئون اللغة في الحياة اليومية ، فكان مطمحهم البادية ، حيث الفصاحة والسليقة ، خرجوا فجمعوا ما جمعوا ، ثم عادوا إلى حلقة درسهم ، واستقرءوا واستنبطوا قوانين وقواعد لغة العرب .

القوانين اللغوية تمنع القضاء على لغة البلاد المفتوحة بسهولة إلا بعد مرور زمن طويل، وممارسة شيءٍ من العسف والجور على تلك البلاد، غير أن هذا غير مانع تعايش لغتين في بيئة واحدة، وغير مانع تأثير لغة الفاتحين على لغة البلاد الأصلية، وقد اختلف أثر اللغة العربية على البلاد المفتوحة تبعًا لعوامل مختلفة؛ إذ ماتت لغة البلاد الأصلية في المناطق المجاورة أو القريبة من الجزيرة ، وهي مناطق كثر فيها العرب ، واختلطوا بسكانها من مثل العراق ، والشام ، ومصر ، كما أن قوة لغة البلاد ، ومكانتها الحضارية كان لها أثر في احتفاظ بعض الأقاليم بلغاتها مع تأثر باللغة العربية قوي ، لكن هذا لا يصل إلى درجة تتساوى فيها تلك الأقاليم بمراتع البيان ، ومهد الفصاحة : الجزيرة العربية ، فعاشت فترة من الأزدواج اللغوي بين لغتين : العربية وأخرى . ثم انتهت إلى عربية مسها كثير من التغيير والتصحيف ، والخروج عن المألوف من قواعدها . وهذه اللغة أو اللهجة التي درج عليها الناس في مخاطبتهم ، ولغة حديثهم اليومية غير مقصودة بكلام المقدسي في أحسن التقاسيم ؛ إذ مراده من لغة الأقاليم اللغة التي يتكلم بها المثقفون ، لا لغة الشعب الدارجة ، وقد ذكر أن أصح العربية ما يتكلم بها في المشرق ، أي في الإقليم اللغوي الفارسي ؛ لأنهم يتكلفونها تكلفًا ، ويتعلمونها تلقفًا([12]) » والظاهر من وصفه عربية العراق بأنها حسنة فاسدة أنه يقصد حسن وقعها في الأذن ، وإن لم تطابق قواعد النحو ؛ إذ يعد لهجة بغداد أجمل اللهجات العربية ، وأحسنها لسانًا على الرغم من اعترافه في موضع آخر بأنه طالما خجل من اللحن اللغوي على لسان قاضي ببغداد ، دون أن يرى أحدٌ في ذلك عيبًا([13]) .

ويتضح هذا من قصيدة أبي الطيب المتنبي ( 303 - 354هـ ) التي يمدح فيها عضد الدولة وولديه أبا الفوارس وأبا دلف ، ويذكر طريقه في شعب بوَّان ، ومطلعها :

مغاني الشعب طيبًا في المعاني

 

بمنزلة الربيع من الزمان

ولكن الفتى العربي فيها

 

غريب الوجه واليد واللسان

ملاعب جنة لو سار فيها

 

سليمان لسار بترجمان([14]) 

فبعدت اللغة الدارجة ، لغة الخطاب اليومي ، والحياة اليومية ، عن أصلها الفصيح ، ولم يعد لها مكان إلا في بيئات خاصة ، حتى « صار الوزير يتكلم اللغة الدارجة ، فضلًا عن غيره ممن يعملون في القصر »([15]) وهذا لا ينفي وجود بيئات تعنى بالفصحى، وبطريقة التعبير اللغوي الصحيح، غير أنها في طريقها إلى الضعف، وفقدان التأثير .

وكان علماء اللغة بل أئمتها لا يلتزمون العربية الفصحى المعربة في مخاطباتهم اليومية ؛ إذ كانوا يجارون العامة ، ولا يرون في ذلك بأسًا ، ولا يتكلفون معهم ما يعلمونه من قواعد اللغة، حتّى « قال ابن داود ( أبو بكر محمد ) ( ت 297هـ ) : وإن قبيحًا مفرط القباحة بمن يعيب مالك بن أنس بأنه لحن في مخاطبة العامة بأن قال : مطرنا البارحة مطرًا أي مطرًا ، أن يرضى لنفسه هو أن يتكلم بمثل هذا ؛ لأن الناس لم يزالوا يلحنون ويتلاحنون فيما يخاطب به بعضهم بعضًا ؛ اتقاءً للخروج عن عادة العامة ، فلا يعيب ذلك من ينصفهم من الخاصة ، وإنما العيب على من غلط من جهة اللغة ، فيما يغير به حكم الشريعة. والله المستعان »([16]) .

ويتلاحنون ، ماضيه تلاحن ، ومعناه التظاهر والإيهام ، وهو أن يريك أنه في حالٍ ليس فيها ، كقولك « تغافلت » و « تعاميت » و « تناعست » و « تجاهلت » أي : أظهرت ذلك ، وإن لم أكن في الحقيقة موصوفًا بذلك ، قال :

إذا تخازرت وما بي من خزر

أي : أظهرت ذلك ، وقوله « وما بي من خزر ، يدل على ما قلناه من
الإيهام »([17]) . وعليه قول الشاعر :

ليس الغبي بسيدٍ في قومه

 

لكن سيد قومه المتغابي

هذا في لغة الخطاب ، أما لغة الكتابة فلهم فيها وضع آخر يصوره ابن فارس بقوله : « قد كان الناس قديمًا يجتنبون اللحن فيما يكتبونه أو يقرءونه اجتنابهم بعض الذنوب ، فأما الآن فقد تجوزوا ، حتى إن المحدث يحدث فيلحن ، والفقيه يؤلف فيلحن ، فإذا نبها قالا : ما ندري ما الإعراب ، وإنما نحن محدثون وفقهاء ، فهما يسران بما يساء به اللبيب »([18]) .

وتوضيح هذا بسوق بعض الأخبار والقصص :

« قيل لإبراهيم الحربي ( 198 - 285هـ ) : إن ثعلبًا يلحن في كلامه ! فقال : إيش يكون إذا لحن في كلامه ؟! كان هشام - يعني النحوي - يلحن في كلامه . وكان أبو إبراهيم يكلم صبيانه بالنبطية »([19]) . وروي نحوٌ من هذا عن الإمام أحمد ( 164 - 241هـ ) حين قيل له : إن هشيمًا لحانة .

وكان أبو العباس ثعلب ( 200 - 291هـ ) لا يتكلف الإعراب في كلامه ، كان يدخل المجلس فيقام له ، فيقول : أقعدوا أقعدوا بفتح الألف([20]) . « ولم يكن ثعلبٌ موصوفًا بالبلاغة ، وكان إذا كتب كتابًا إلى بعض إخوانه من أصحاب السلطان لم يخرج عن طبع العامة ، فإذا أخذته في الشعر والغريب ، ومذهب الفراء والكسائي رأيت من لا يفي به أحدٌ ، ولا يتهيأ له الطعن عليه »([21]) . ومع ذلك ألف كتابه « الفصيح » لدفع اللحن والخطأ عن اللغة ، وقد حكي وقوع اللحن عن علماء لغة آخرين مثل محمد بن الحسن الأحول ( ت 59هـ ) والأخفش الأصغر ( 235 - 315هـ ) بل تجاوز الأمر هذا ، فحكوا عن أبي عمرو بن العلاء ( ت 154هـ ) نحوًا من هذا . قال السبكي : « حكي أن أبا عمرو بن العلاء قصده طالب ليقرأ عليه ، فصادفه بكلّاء([22]) البصرة ، وهو مع العامة يتكلم بكلامهم ، لا يفرق بينه وبينهم ، فنقص من عينه ، ثم لما نجز أبو عمرو مما هو فيه تبعه الرجل إلى أن دخل الجامع ، فأخذ يخاطب الفقهاء بغير ذلك اللسان فعظم في عينه ، وعلم أنه كلم كل طائفة بما يناسبها من الألفاظ »([23]) .

قال السبكي ( ت 771هـ ) : وهذا هو الصواب ؛ فإن كل أحد يكلم على قدر فهمه ، ومن اجتنب اللحن ، وارتكب العالي من اللغة ، والغريب منها ، وتكلم بذلك مع كل أحدٍ عن قصدٍ ، فهو ناقص العقل ، وربما أتِيَ بعض هذه الطائفة من ملازمة هذا الفن ، بحيث اختلط بلحمهم ودمهم ، فسبق لسانهم إليه ، وإن كانوا يخاطبون من لا يفهمه ، ثم أورد طائفة من أخبار أهل اللغة ، وتكلفهم في خطابهم العامة ، ومن لا يفهم ما يقولون ، وعد من يتكلف هذا التكلف خسيف العقل ، ثم قال : ولا ينكر أنهم يأتون بالألفاظ الغريبة لكثرة استعمالهم لها ، وغلبتها على ألسنتهم ، ظنًا منهم أن كل أحدٍ يعرفها ، وإلا فكيف يذكرونها في وقت لا يظهر فيه لاستعمالها سببٌ غير ذلك »([24]) .

ثم قال : « واعلم أن الحكايات في هذا الباب تخرج عن حد الحصر ، وتقتضي الخروج من الجد إلى ضرب من الهزل ، والحاصل أن ما كان الحامل عليه غلبة هذه الصناعة مذمومٌ من جهة أن ذا الصناعة كان ينبغي أن يقوم قلبه ودينه قبل أن يقوم ألفاظه ، فاللحن في اللفظ ، ولا اللحن في الدين ، وقد غلب على كل ذوي فن فنهم »([25]) وعد « ما كان الحامل عليه مجرد التقعر في اللفظ رعونة »([26]) .

وما من شك أن مجاراة العامة خير من التقعير ، وأقرب للقبول ؛ لأن التقعير ، وتكلف الإعراب ، والتفيهق في النطق يجعل المتكلم هزأة وسخرية للناس ، كما يحكى عن عيسى بن عمر البصري ( ت 149هـ ) « وكان لا يدع الإعراب لشيءٍ »([27]) ، « وكان أفصح الناس، وكان صاحب تقعير في كلامه، واستعمال الغريب فيه وفي قراءته ، وضربه عمر بن هبيرة بالسياط ، وهو يقول : والله إن كانت إلا أثيّابًا في أسيفاط قبضها عشاروك »([28]) . وكان تقعر أبي زيد الأنصاري ( ت 214هـ ) مع العامة في بغداد موضع سخريتهم([29]) . وهذا شيء نلمسه في حياتنا حين يأتي طلاب العربية من غير أهلها ليتعلموها فيخرجون إلى الشارع والأسواق ، فيحادثون الناس بما لقنوه في قاعة الدرس ، فيقال لهم : أنتم تتكلمون بلغة الكتاب ، ذلك أن لغة الخطاب والحياة اليومية شيءٌ, ولغة الكتاب والتأليف شيءٌ آخر . ولو حاول محاول أن يلتزم جميع ما درسه من قواعد اللغة لا يخرج عنها قيد أنملة متناسيًا الواقع الذي يبثٌ فيه كلامه لأوقع نفسه في غاية الحرج ، وقد أمرنا أن نخاطب الناس بما تدركه عقولهم . وكان رسول الله ﷺ يخاطب كل قبيل بلغته . وقد تعرض بعض علماء اللغة للحصب والطرد والسب بسبب تقعرهم في استعمال اللغة ، ومخاطبة العامة بغير ما درجت عليه .

إننا لو نظرنا نظرة واقعية لوجدنا أنه لا يمكن القضاء على العاميات وإقصاؤها من الحياة العامة إلا بجهد خيالي فوق المعتاد ، ثم نحن بحاجة إلى جهد مضاعف للمحافظة على النتيجة التي نصل إليها ، ذلك أن هذه العاميات نتيجة تراكمات أربعة عشر قرنًا ، كانت اللغة الفصحى التي تتجلى في اللغة المدونة المكتوبة معزولة فيها عن مظاهر الحياة اليومية ، ولغة الخطاب الدارجة .

وقد تم التمايز بين العربية الفصحى لغة العلم والأدب ، والعربية المولدة الدارجة حوالي نهاية القرن الثالث في جميع الأوساط المثقفة([30]) . وهذه اللغة المولدة لغة تحررت من كثير من نظام العربية في تراكيبها ، وأبنيتها ، وأصواتها ، ودلالة مفرداتها ، وتراكيبها ، فتخلصت من الإعراب ، وقدمت ما حقه التأخير ، وأخرت ما حقه التصدير ، وتصرفت في الصيغ الصرفية ، ودلالة الألفاظ اللغوية ، ونظام التراكيب بجملة ، تصرفًا لا تزيده الأيام إلا تأكيدًا ورسوخًا ، حتى صارت البيئة العربية لا تعين العربي على تلقي العربية المسمّاة الفصيحة, ودرسها ، وصار العربي بحاجة إلى أن يتعلم العربية التي تسمّى الفصحى, ويصبر على تعلمها، غير أنه لا يتعلّم ولا يكتسب لغة أجنبيّة؛ إذ لا يقف عند الجوانب الصوتية والكتابية طويلًا ، وهو ملمٌّ بكثير من مفرداتها وألفاظها, عارف بدلالاتها, وتراكيبها ليست غريبة عنه, كما أنه يتذوّق العربية الجامعة, أو ما نسمِّيها الفصحى؛ لأنها لا تعدّ بالنسبة له لغة أجنبية, أو لغة ثانية.

إننا نستطيع أن نصور العلاقة بين اللغة الفصحى ، والدارجة بقانون « العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من الأسواق » . وذلك لما في اللغة الدارجة من تخلص من كثير من ضوابط الفصحى ، ولأنها لغة الحياة اليومية التي سهل استخدامها بمرور الأيام .

والعلاقة بين اللغتين يفي هذا القانون بتصويرها ، كانت العاميات المرفوضة بقياس الفصحى لغات أو ظواهر في لغات في أطراف الجزيرة ولغتهم عربية ، ففي العراق المناذرة واللخميّون والعباديّون, وفي الشام : الغساسنة وغيرهم ، ولغتهم عربية، وكذا في عمان واليمن. وكان هناك لغة النبط في شمال الجزيرة، وهذه لغات أو لهجات يمكن أن نجعلها نظائر العاميات أو اللغات الدارجة في العصر الحاضر ، وكانت بمعزل عن اللغة البيانية العالية ، نزل القرآن بغيرها ، وارتفع عنها جامعو اللغة حين دونوها ، ولم يبن عليها أهل النحو نحوهم ؛ إذ يمموا شطر قلب الجزيرة العربية في الحجاز ونجد ، وقصدوا إلى اللغة المضرية، وما ضارعها من لغات العرب، فكانت هي اللغة الأم ، وما عداها فروع أصابها غير قليل من الوهن والعلة .

ثم إن هذه اللغات أغارت على العربية في الحواضر الإسلامية أولًا ، ثم في البادية أخيرًا حتى غلبت الفصحى ، وطردتها من ميدان الحياة اليومية ، والخطاب اليومي ، ويصور الحسن بن أحمد الهمداني ( 280 - 334هـ ) وضع اللغة في عصره في جزيرة العرب فيقول : « أهل الشحر والأسعاء ليسوا بفصحاء ، مهرة غتم يشاكلون العجم ، حضر موت ليسوا بفصحاء ، وربما كان فيهم الفصيح ، وأفصحهم كندة وهمدان ، وبعض الصدف ، سرو مَذحِج ومأرب وبيحان وحريب فصحاء ، ورديء اللغة منهم قليل ، سرو حمير وجعدة ليسوا بفصحاء ، وفي كلامهم شيء من التحمير([31]) ، ويجرون في كلامهم ويحذفون ، فيقولون : يا ابن معم في يا ابن العم ، وسمع في اسمع . لحج وأبين ودثينة أفصح ، والعامريون من كندة ، والأوديون أفصحهم . عدن لغتهم مولدة ردية ، وفي بعضهم نوك وحماقة إلا من تأدب . بنو مجيد وبنو واقد والأشعر لا بأس بلغتهم ، سافلة المعافر غتم ، وعاليتها أمثل ، والسكاسك وسط بلد الكلاع نجدية مثيل مع عسرة من اللسان الحميري ، سراتهم فيهم تعقد « سخلان وجيشان ووراخ وحضر والصهيب وبدر قريب من لغة سرو حمير ، ويحصب ، ورعين أفصح من جبلان ، وجبلان في لغتهم تعقد ، حقل قتاب فإلى ذمار الحميرية القحة المتعقدة ، سراة مَذْحِج مثل ردمان ، وقرن ، ونجدها مثل رداع ، وإسبيل ، وكرمان ، والحدا ، وقائفة ، ودقرار فصحاء ، خولان العالية قريب من ذلك ، سحمر وقرد والحبلة ومِلْح ولحج وحمض وعتمة ووتيح وسمح وألهان وسط وإلى اللكنة أقرب . حراز والأخروج ، وشم وماضخ والأحبوب ، والحجاوب ، وشرف أفيان ، والطرف وواضع ، والمعلل خليطي من متوسط بين الفصاحة واللكنة ، وبينها ما هو أدخل في الحميرية المتعقدة لا سيما الحضورية من هذه القبائل وبلد الأشعر وبلد عك ، وحكم بن سعد من بطن تهامة ، وحوازها لا بأس بلغتهم إلا من سكن منهم القرى ، همدان من كان في سراتها من حشاد خليطي من فصيح ثمل عذر وهنوم ، وحجور ، وعتم مثل بعض قدم وبعض الجبر ... والخشب عربي يخلط حميرية ظاهر همدان النجدي من فصيح ، ودون ذلك ، خيوان فصحاء ، وفيهم حميرية كثيرة إلى صعدة ، وبلد سفيان بن أرحب فصحاء إلا في مثل قولهم : أم رجل ، وقيد بعيراك . ورأيت أخواك ، ويشركهم في إبدال الميم من اللام في الرجل والبعير وما أشبهه ، الأشعر وعك وبعض حكم من أهل تهامة . صنعاء في أهلها بقايا من العربية المحضة ، ونبذ من كلام حمير ، ومدينة صنعاء مختلفة اللغات واللهجات ، لكل بقعة منهم لغة ، ومن يصاقب شعوب يخالف الجميع ، شبام أقيان والمصانع وتخلى حميرية محضة . خولان صعدة نجديها فصحاء ، وأهل قدها وغورها غتم . ثم الفصاحة من العرض في وادعة فجنب فيام فزبيد فبني الحارث مما اتصل ببلد شاكر من نجران إلى أرض يام ، فأرض يام ، فأرض سنحان ، فأرض نهد وبني أسامة ، فعنز ، فخثعم ، فهلال ، فعامر بن ربيعة ، فسراة الحجز ، فدوس ، فغامد ، فشكر ، ففهم ، فثقيف ، فبجيلة ، فبنو علي ، غير أن أسافل سروات هذه القبائل ما بين سراة خولان والطائف دون أعاليها في الفصاحة .

وأما العروض ففيها الفصاحة ما خلا قراها، وكذلك الحجاز، فنجد السفلى فإلى الشام، وإلى ديار مضر، وديار ربيعة فيها الفصاحة إلا في قراها، فهذه لغات الجزيرة على الجملة، دون التبعيض والتفنين»([32]).

كما وصف المقدسي محمد بن أحمد ( 336 - 380هـ ) حال اللغة في أقاليم الدولة الإسلامية: الجزيرة وغيرها، ووصف بدقة حال الازدواج اللغوي بين العربية والعاميات، وبين اللغة العربية وغيرها من اللغات الأعجمية، والازدواج الثلاثي بين الفصحى والعاميات واللغة الثالثة ( غير العربية ) ، فكان مما قاله :

1- « وسنتكلم في كل إقليم بلسانهم ، ونناظر على طريقتهم ، ونضرب من أمثالهم ، لتعرف لغتهم ، ورسوم فقهائهم ، فإن كنا في غير الأقاليم تكلمنا بلغة الشام ؛ لأنها إقليمي الذي به نشأت ، وناظرت على طريقة القاضي أبي الحسين القزويني ؛ لأنه أول إمام عليه درست ، ألا ترى إلى بلاغتنا في إقليم المشرق ؛ لأنهم أصح الناس عربية ؛ لأنهم تكلفوها تكلفًا ، وتعلموها تلقفًا([33]) . ثم إلى ركاكة كلامنا في مصر والمغرب ، وقبحه في ناحية البطائح ؛ لأنه لسان القوم ، لأن قصدنا في هذا الأصل الإنهاء والتعريف ، لا المبارزة والتشفيف »([34]) .

2- وفي وصف لغة الجزيرة العربية « أهل هذا الإقليم لغتهم العربية ، إلا بصحار ، فإن نداهم وكلامهم بالفارسية ، وأكثر أهل عدن وجدة فرس إلا أن اللغة عربية ، وبطرف الحميري قبيلة من العرب لا يفهم كلامهم ، وأهل عدن يقولون لرجليه : رجلينه ، وليديه : يدينه ، وقس عليه ، ويجعلون الجيم كافًا ، فيقولون لرجب ، ركب ولرجل : ركل ، وقد روي « أن النبي ﷺ أتى بروثة عند الاستجمار ، فألقاها ، وقال : هي ركس »([35]) وقد تعني الفقهاء هذا ، فيجوز ما قالوه ، ويجوز أن يكون استعمل هذه اللغة ، وجميع لغات موجودة في بوادي هذه الجزيرة إلا أن أصح [ اللغة ] بها لغة هذيل ، ثم النجدين ، ثم بقية الحجاز ، إلا الأحقاف ، فإن لسانهم وحش » ([36]) . وقال أيضًا : « أهل الأحقاف نواصب غتم »([37]) .

3- وفي وصف لغة العراق : « ولغاتهم مخلتفة ، أصحها الكوفية ؛ لقربهم من البادية ، وبعدهم عن النبط ، ثم هي بعد ذلك حسنة فاسدة ، بخاصة بغداد ، وأما البطائح فنبط لا لسان ولا عقل »([38]) . وقال أيضًا : « ولا أحسن لسانًا من أهل بغداد »([39]) . وقال : « وكنت إذا حضرت مجلس قاضي القضاة ببغداد أخجل من كثرة ما يلحن ، ولا يرون في ذلك عيبًا »([40]) .

4- وفي وصف لغة الجزيرة الفراتية وما حولها : « ولغتهم لغة حسنة ، أصح من لغة الشام ؛ لأنهم عرب ، أحسنها الموصلية .. وقد جمعت أكثر القبائل ، أكثرهم حارثيون »([41]) .

5- وفي وصف لغة أهل الشام « وإنما الكتبة به وبمصر نصارى ؛ لأنهم اتكلوا على لسانهم ، فلم يتكلفوا الأدب كالأعاجم ، وكنت إذا حضرت مجلس قاضي القضاة ببغداد أخجل من كثرة ما يلحن ، ولا يرون في ذلك عيبًا »([42]) .

6- وفي وصف لغة مصر : « لغتهم عربية ، غير أنها ركيكة رخوة ، وذمتهم يتحدثون بالقبطية »([43]) .

7- وفي وصف لغة أهل المغرب « ولغتهم عربية ، غير أنها منغلقة مخالفة لما ذكرنا في الأقاليم ، ولهم لسان آخر يقارب الرومي ، والغالب على بوادي هذا الإقليم البربر ... ولا يفهم لسانهم »([44]) .

8- وفي وصف لغة خوزستان ( الأهواز ) « وليس في أقاليم العجم أفصح من لسانهم ، وكثيرًا ما يمزجون فارسيتهم بالعربية ، ويقولون : أين كتاب وصلاكن ، وأين كار قطعاكن . وأحسن ما تراهم يتكلمون بالفارسية حين ينتقلون إلى العربية . وإذا تكلموا بأحد اللسانين ظننت أنهم لا يحسنون الآخر ، وفي كلامهم طنين ومد في آخره . وإذا قالوا : اسمع قالوا : ببخش . ويسمون الكبارخيال ... ولأهل هرمز لسان لا يفهم .. ثم أورد ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال « أبغض الكلام إلى الفارسية ، وكلام الشياطين الخوزية ، وكلام أهل النار البخارية . وكلام أهل الجنة العربية »([45]) .

9- ثم تحدث عن لغات الأقاليم العجمية ، ووصف ألسنتها ، فوصف لغة الديلم([46]) . ولغة الران وأرمينية وأذربيجان([47]) ، ولغة الري ، وهمذان ، وأصبهان وما حولها([48]) ، ولغة كرمان([49]) ، والسند([50]) ، ثم لغات إقليم المشرق ، وذكرها خمسًا حسب كورها ، وقد قارن بين تلك اللغات في الصفات العامة ، وذكر بعض خصائصها ، وميزة كل لغة على غيرها ، وما فيها من صفات تحمد أو تذم ، ولم أر نقل تفصيل وصفه ؛ لأنها لا تهم المحاضرة ؛ إذ هي لغات أعجمية ، وهي لغات الحياة اليومية ، والخطاب اليومي ؛ ولغة العلم هي اللغة العربية ، وهي المرادة بقول المقدسي « ألا ترى إلى بلاغتنا في إقليم المشرق ؛ لأنهم أصح الناس عربية ، لأنهم تكلفوها تكلفًا ، وتعلموها تلقفًا »([51]) .

ويؤيد ما ذكره الهمداني والمقدسي ما أورده ابن جني ( ت 392هـ ) في كتابه
« الخصائص » عن أبي حاتم سهل بن محمد السجستاني أنه قال : قرأ على أعرابي بالحرم : « طيبي لهم وحسن مآب » فقلت : طوبى . فقال : طيبي ، فأعدت . فقلت : طوبى ، فقال : طيبي ؛ فلما طال علي قلت : طوطو . قال : طي طي ، ثم قال ابن جني أفلا ترى إلى هذا الأعرابي ، وأنت تعتقده جافيًا كزًا لا دمثًا ولا طيعًا ، كيف نبا طبعه عن ثقل الواو إلى الياء ، فلم يؤثر فيه التلقين ، ولا ثنى طبعه عن التماس الخفة هز ولا تمرين ، وما ظنك به إذا خلي مع سومه ، وتساند إلى سليقيته ونجره .

وسألت يومًا أبا عبد الله محمد بن العساف العقيلي الجوثي التميمي - تميم جوثة - فقلت له : كيف تقول : ضربت أخوك ؟ فقال : أقول : ضربت أخاك ، فأدرته على الرفع ، فأبى . وقال : لا أقول : أخوك أبدًا ، قلت : فكيف تقول : ضربني أخوك ؟ فرفع . فقلت : ألست زعمت أنك لا تقول : أخوك أبدًا ؟ فقال أيشٍ هذا ؟! اختلفت جهتا الكلام »([52]) .

وهكذا استمر حال العاميات الدارجة مع الفصحى في زحف وتراجع ، زحف من العاميات الدارجة ، وتراجع من الفصحى ، حتى آل الأمر إلى طغيان اللغة الدارجة التي تحررت من كثير من ضوابط العربية ، وسماتها المميزة على لغة الخطاب اليومي في جميع الأقاليم الإسلامية ، وانحصرت الفصحى في مجال الدرس والعلم والأدب ، وهي لغة أهل العلم والمثقفين ، وهي المرادة في قول المقدسي في أحسن التقاسيم : « إن أصح العربية يتكلم بها في المشرق ، أي : في الإقليم اللغوي الفارسي ؛ لأنهم يتكلفونها تكلفًا ، ويتعلمون تلقفًا »([53]) .

ويصف عربية العراق بأنها حسنة فاسدة، والظاهر أن مراده أنها حسنة الوقع في الأذن، وإن لم تطابق قواعد النحو ، بل هو يعد لهجة بغداد أجمل اللهجات العربية ، وأحسنها لسانًا ، على الرغم من اعترافه في موضع آخر بأنه طالما خجل من اللحن اللغوي على لسان قاضي القضاة ببغداد، دون أن يرى أحدٌ في ذلك عيبًا »([54]) .

ومن المعروف أن العامية كانت لها السيطرة على لغة الحياة اليومية ، والخطاب اليومي منذ القرنين الثاني والثالث ، إلا ما ذكر في القاموس وشرحه عن جبل عكاد قرب زَبيد ، وأن أهله باقية على اللغة الفصحى إلى الآن ، ولا يقيم الغريب عندهم أكثر من ثلاث ليال خوفًا على لسانهم([55]) .

هذا هو حال اللغة في العصور الإسلامية ، وهذا هو موقف علماء اللغة من لغة الحياة اليومية ، فهل وقف الأمر عند هذا الحد ؟ وعند مجاراة العامة في لحونهم ؟ أم كان وراء ذلك شيء آخر ؛ إنهم أوجبوا أو استحسنوا اللحن في مقامات وأحوال غير مجاراة العامة ، منها :

1- سياق النكات والنوادر عن العامة والبلديين ، يقول الجاحظ : « فإذا سمعت بنادرة من نوادر العامة ، وملحة من ملح الحشوة والطغام ، فإياك وأن تستعمل فيها الإعراب ، أو تتخير لها لفظًا حسنًا ، وتجعل لها من فيك مخرجًا سريًا ، فإن ذلك يفسد الإمتاع بها ، ويخرج من صورتها ، ومن الذي أريدت له ، ويذهب استطابتهم إياه ، واستملاحهم لها »([56]) .

ويقول قدامة : « ولفظ السخيف موضع آخر لا يجوز أن يستعمل فيه غيره ، وهو حكاية النوادر ، والمضاحك ، وألفاظ السخفاء والسفهاء ؛ فإنه متى حكاها الإنسان على غير ما قالوا ، خرجت عن معنى ما أريد بها ، وبردت عند مستعمليها ، وإذا حكاها كما سمعها ، وعلى لفظ قائلها ، وقعت موقعها ، وبلغت غاية ما أريد بها([57]) .

وقد جرى الجاحظ على هذا النهج في إيراد ما أورده من نوادر في كتاب « البخلاء » وغيره .

2- كلام الجواري والإماء ومن في حكمهن ، يقول قدامة : « إن اللحن قد يستملح من الجواري والإماء ، وذوات الحداثة من النساء ؛ لأنه يجري مجرى الغرار منهن وقلة التجربة »([58]) . ويقول الجاحظ : « واللحن من الجواري الظراف ، ومن الكواعب النواهد ، ومن الشواب الملاح ، ومن ذوات الخدور الغرائر أيسر ، وربما استملح الرجل ذلك منهن ما لم تكن الجارية صاحبة تكلف ، ولكن إذا كان اللحن على سجية سكان البلد ، وكما يستملحون اللثغاء إذا كانت حديثة السنّ ، ومقدودة مجدولة ، فإذا أسنت واكتهلت تغير ذلك الاستملاح »([59]) .

3- مجاراة ذوي السلطان، وهو ذو صلة بمجاراة العامة، غير أنه خص لخفائه وأهميته، وقد عدّ قدامة من الطبيعي أن يستعمل اللحن ويتعمد له عند الرؤساء والملوك الذين يلحنون ولا يعربون ؛ فإن الرئيس والملك لا يجب أن يرى أحدًا من أتباعه فوقه ، ومتى رأى أن أحدًا منهم قد فضله في حال من الأحوال نافسه، وعاداه، وأحب أن يضع منه، كما صوب قدامه رأي رجل تكلم في مجلس بعض الخلفاء الذين كانوا يلحنون ، فلحن فعوتب على ذلك. فقال: لو كان الإعراب فضلًا لكان أمير المؤمنين إليه أسبق »([60]) .

وفي مراتب النحويين لأبي الطيب اللغوي ( ت 351هـ ) « عن أبي حاتم السجستاني أنه قال : « جاء رجل إلى أبي عبيدة يسأله كتاب وسيلة إلى بعض الملوك ، فقال لي : يا أبا حاتم ، اكتب له عني ، والحن في الكتاب ، فإن النحو محدود »([61]) .

« وحدث محمد بن الجهم ( السِّمَّريّ ) قال : حدثني ابن المستنير قطرب قال : دخل الفراء على هارون الرشيد ، فتكلم بكلام لحن فيه مرات ، قال جعفر بن يحيى - يعني : البرمكي - إنه لحن يا أمير المؤمنين ، فقال الرشيد للفراء : أتلحن ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، إن طباع أهل البدو الإعراب ، وطباع أهل الحضر اللحن ، فإذا تحفظت لم ألحن ، وإذا رجعت إلى الطبع لحنت ، فاستحسن الرشيد قوله »([62]) .

4- كتابة الإقرارات ، والإدلاء بالشهادات ، يحسن أن يكون ذلك كله بلفظ المتكلم ( المقر أو الشاهد ) ؛ لأنه أدق في دلالته على مراده ، والعرف قادر على تفسير مالا تطيق اللغة تفسيره ، ولهذا يقدم الفقهاء الاحتكام إلى العرف والعادة ، وإلى ما يتداوله الناس من كلام وألفاظ وتفسيرهم على ما استقر لدى علماء العربية ، فلا يدين الشخص إلا بما يلزمه حسب لفظه وكلامه ، ومقصده ، وإن خالف اللغة .

وفيما عدا هذا من مقامات « يتحرى الكاتب تجنب اللحن ، وترك مجاراة العامة فيما لا يغتفر فيه اللحن من اللفظ المكتوب ؛ لأن الطرف يتكرر فيه ، والروية تجول في إصلاحه ، وليس كمثل الكلام الملفوظ الذي يجري أكثره على غير روية ولا فكرة([63]) ، ويغتفر فيه بوجه عام مالا يغتفر في غيره من الكلام ، خاصة إذا كثر الخطأ في النحو ، وانتشر اللحن والفساد في لسان العامة والخاصة([64]) .

ومن مقامات الأسلوب الجزل الصلات بين الخاصة والعامة ، والعرب الفصحاء ، والكتاب ، والأدباء([65]) ، وأهل العلم ، وذوي الزعامة ، والقيادة ، والمسئولية عن الأمة ، ففي هذه المقامات لا يحسن إلا الكلام المعرب ، المبين ، الذي يجري على سنن الفصاحة ، ومثله مقام الخطابة ، وما في حكمه ، مما ليس مكتوبًا ، فلا يحسن فيه إلا كلام على طريقة العرب الفصحاء . « وهو يتعلم بمجالسة الأدباء ومعاشرة الخطباء ، وحفظ أشعار العرب ، ومناقلاتهم ، والمختار من رسائل المولدين والأدباء ومكاتباتهم ، وللمران على ذلك ينبغي التبكير بتعليم الأولاد كتابة الرسائل ، ورواية أشعار القدماء ، وحفظ القرآن »([66]) وممارسة ذلك ، والمران عليه ، ليرتاض من المرء لسانه ، وينطلق بيانه .

وبعد :

إن اللغات العامية ليست إلا وليدًا ممسوخًا مشوهًا للغة العربية الفصحى ، وليس هناك مضارة من تعايشهما ؛ لأن كلا منهما تصح في مجالها ، ولا يضير ما في العاميات من اختلاف ؛ لأن الخلاف بينهما ظاهرة طبيعية ، تميز الأفراد والبلاد والشعوب بعضها من بعض ، وقد ظلت هذه الظاهرة قرونًا طوالًا ، ولم يهدد ذلك سلامة اللغة ، فمنذ القرون الأولى كان الناس يميزون بين أهل العراق ، وأهل الشام ، وأهل مصر ، وأهل المغرب ، وأهل البادية بلهجاتهم وطريقة أدائهم ، وكانوا يفهمون عن بعضهم ما يريدون ، وإذا عسر فهمهم باللغات المحلية أداروا ألسنتهم إلى العربية الفصحى ، لغة العلم والأدب ، والجد ، دون أن يمنع فهمهم ما في الكلام من صفات ثانوية ، أو فوقها ، كالنبر والتنغيم ، والتزمين ، والتلوين ، ما تمسكوا باستعمال الفصحى في مختلف المجالات العامية ، والأنشطة الثقافية ، يجري العمل على خلافه في كثير أو بعض من تلك المناشط .. وسوف ينتج عن الالتزام بها ، واعتياد الناس سماعها أن يتأثروا بكلماتها وأساليبها ، فتصبح أكثر شيوعًا في لهجاتهم ، وأحاديثهم اليومية . وبذلك يصبح لدينا مركز موحد يشد ما ندّ وشذّ وتفرق من اللهجات إليه ، فيقترب بعضها من بعض باقترابها من هذا المركز الموحد([67]) .

تدين اللغة العربية بخلودها ، وسعة رقعتها للإسلام ؛ إذ أعان على بقاء العربية لغة قوية على الرغم من سقوط حكم العرب وسلطتهم ، وتقلب الأوضاع ، وانتقالها إلى أعراق أخرى « إن لغة القرآن قد صارت في شعور كل مسلم أيًا كانت لغته الأصلية جزءًا من حقيقة الإسلام ، حتى إن الفرس الذين باشروا الحكم إذْ ذاك لم يكونوا يستطيعون التفكير في رفع إحدى اللهجات الإيرانية لتكون لغة الدولة »([68]) .

وقد قامت اللغة العربية في جميع البلدان العربية ، وما عداها من الأقاليم الداخلة في المحيط الإسلامي رمزًا لغويًا لوحدة العالم الإسلامي في الثقافة والمدنية »([69]) .

وقد أعانها هذا على الصمود أمام حركات حاولت إقصاء العربية ، أو الغضَّ من شأنها في الحياة الإسلامية ، خاصة التي تراعي اللهجة المحلية كما سيمكنها من الاحتفاظ بهذه المكانة في المستقبل »([70]) .

واللغة العربية الفصحى لا يضارها كثيرًا قيام لهجات محلية أو لغة خطاب يومي دارجة ، يتداولها العامة ، وتقضي بها شئون الحياة اليومية ، يقول د. محمد محمد حسين: « وكل دارس للغات والمجتمعات يعرف أن ما يسمونه ( الازدواج ) في المراوحة بين استعمال الفصحى والعامية الذي يزعمونه ظاهرة فريدة خصت به اللغة العربية دون اللغات ، وهو ظاهرة بشرية ، تشمل كل اللغات : قديمها وحديثها ، لهما جميعًا لغة متأنقة دقيقة للفكر وللأدب ، ولها لغة أخرى أقل دقة وجمالًا ، وأدنى درجة ووقارًا ، للتعامل اليومي ، وهي لغة متحولة متغيرة ، لم تحظ بعناية العلماء والأدباء إلا في أيامنا هذه ، التي كثر فيها التهريج في التمسح باسم الشعب ، والتشدق بالفنون الشعبية »([71]) . وفي تصوري أنه لا يبعد حال من يجنح إلى استعمال العاميات في الأدب ، والعلم ، والفكر عن حال ابن المقفع وبشار فيما لو نزعا إلى لغتهما الأصلية ، وكتبا ما كتبا، وهما من هما في نزعتهما الشعوبية، غير أنهما لم يحاولا استخدام لغتهما الأصلية لغة أدبية »([72]) .

إن الدعوات التي تصطنع العداوة مع العاميات و تدعو إلى طمس اللهجات الدارجة من الخارطة - مع يقيني بحسن وصحة نيات أصحابها - دعوات تنقصها الواقعية ، وأنها أقرب لأن تكون شبيهة بجمهورية أفلاطون ( 428 - 347 ق.م ) أو مدينة الفارابي الفاضلة ( 259 - 339هـ ) أو أمنية كأمنية أصحاب الفلسفية المثالية .

قد كتب كثير من ذوي الحماسة للعربية عن الدعوة إلى القضاء على الازدواجية في واقعنا اللغوي ، وأعظموا الموضوع ، وبالغوا في تأثيره ، حتى خيلوا لغيرهم أن هذه الازدواجية عقبة كأداء في سبيل تحقيق العربية الفصحى على أرض الواقع .

يمكن للباحث أن يوافقهم على ضرورة إنهاء الازدواجية فيما تتحتم فيه الفصحى من المجالات والميادين ، على نحو ممَّا بيناه ، لكن أن نقول بإلغاء العامية من الوجود غير مقبول . وغير ممكن واقعًا .

إن البعض يحلم بأن يكون للعربية بيئة كبيئتها الأولى يتلقى فيها مريد اللغة من خلال المحاكاة والتقليد ، والمشافهة ، كما كان الحال في العصر الجاهلي ، وفي العصور الإسلامية . وهذا لا أظنه ممكنًا . وكل ما يمكن عمله هو الترقي بلغة الحياة اليومية ، وتقريبها من الفصحى ، وتقليل التجاوزات والمخالفات في الأصوات ، والبنية ، والتراكيب ، والدلالة ، لتكون قريبة من الفصحى ، وإن لم تكن كذلك .

وهذا العمل بحاجة إلى تضافر الجهود العلمية ، مع القرارات السياسية ، والتوجهات الإعلامية ، والمناشط الإدارية . . ومهما بذلنا من جهد فلن نصل إلى مستوى يضارع ما كان عليه الحال في العصور الإسلامية الزاهية .

هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى سيئول الأمر إلى دورة زمنية تعود فيها العربية المنطوقة نموذجًا ، ثم يخرج الناس عنه قليلًا قليلًا ، وهكذا إلى أن تعود الحال كما كانت ، فنبدأ حركة لغوية جديدة في الحفاظ على اللسان العربي ، ورد اللحن ، وتصحيح الخطأ ، والذين يظنون غير ذلك لا يبعد تفكيرهم عن تفكير أصحاب الفلسفة المثالية الذين أوقفوا حركة التاريخ على الصورة الشيوعية التي يتساوى بها أفراد المجتمع في الكفاية والغنى ، وبذلك يسود العدل في نظر أصحاب الفلسفة تلك ، وقد أكذبهم الواقع ، فانهارت الشيوعية في وقت لم يكونوا يتوقعونه .

ومن الواقعية أن نقرر أن كلًا من الفصحى والعاميات الدارجة تصح في مجالها ، فغير مقبول تكلف الفصحى في مجالات العامية ، كما أنه من غير المقبول إقحام العامية في مجالات لغة الأدب والعلوم ، والخاصة من العلماء والمسئولين ، وذوي الفكر والنباهة ، والمكانة الاجتماعية .

إن اللغة العربية الفصحى في السابق كانت تدل على مكانة المتكلم الاجتماعية ، وكانت مطمح كثير من الموالي ، يتسامون بها ويتعالون ، وكان هذا العامل الاجتماعي معينًا على تغلب الفصحى ونشرها بالتربية والتعليم ، ومن الملحوظ أنه « كلما أخذت سلامة اللغة تصير أمرًا من أمور التربية والتعليم قويت آمال غير العرب أن يستبدلوا بالصبر والدأب عربية فصحى من عربية اللهجة الدارجة في محيطهم ، حتى فاق بعض الموالي العرب ، واحتج علماء العربية بكلامهم ، من أمثال الحسن البصري ( ت 110هـ ) وبشار بن برد ( 95 - 167هـ ) وزياد الأعجم ( ت نحو 100هـ ) ([73]) .

ويكفي قدحًا في اللغات الدارجة أنها لغة فئة قصرت أداتها عن الفصحى وما تستطيع ذلك، ولا تقدر عليه؛ لأن الفصحى لا يقدر عليه إلا الفئات المنتسبة إلى أنماط العلوم المختلفة، فهي التي تقدر على إقامة نظامها، وإحكام بنائها ، والوفاء بأغراضها ، والميز بين مقامات الكلام فيها، ومراعاة تلك المقامات. أما الدارجة فهي لغة، أقل ما يقال فيها: إن منتحليها ومتخذيها وسيلة للبيان والتعبير ليس لهم بالعلم صلة، فهم فئة حيل بينهم وبينه، أو عجزت هممهم عنه ، أو قصرت أداتهم عن الوصول إليه، ويكفي هذا تشنيعًا، على خلاف الفصحى التي هي عنوان العلم، وسمة أهله الفارقة، وعلامتهم المميزة، وإنك بمجرد أن تسمع المتكلم تحكم عليه بالعلم أو خلافه، من طريقة حديثه وبيانه، وكل يختار من اللغتين ما يلائمه, ويقدر عليه .

ثم إن اللغة الدارجة ( العاميات ) لغة فئة محدودة بالزمان والمكان، ومن أراد لعلمه الخلود فعليه أن يكتبه بالفصحى التي كتب لها الخلود والبقاء ما بقي في هذه الأرض دين الله وكتابه؛ وذلك لطبيعة اللغات الدارجة التي تتميز بسرعة الحركة والتغيير فيها، والتي ليس لها كتاب ضابط ترجع إليه، وليس لها قواعد تحكمها، فهي في كل جيل تأخذ وضعًا، وفي كل بيئة تنتحل شكلًا، وفي كل مصر ترتدي سمتًا. وأنى لمثل هذه اللغة أن تقدر على حمل العلم ونقله، وتجاوز الحدود التاريخية والجغرافية، مع قولنا: إن كل لغةٍ تصح في مجالها، فهل تدوين العلم من مجالات العاميات ، أو اللغات الدارجة ؟!

وليس يقف الأمر على مجرد التعايش بين نمطين من لغة واحدة ؛ إذ يمكن للفصحي أن تفيد من الدارجة في وضع الألفاظ أو المصطلحات ، وفي تقديري أن هذا المتولد أو المولد الذي أنشأته العامية أولى من إقحام الأعجمي ، وإن مسه التغيير حتى يتلاءم مع نظام العربية في أصواتها وأبنيتها ، خاصة أبناء البادية . يقول خير الدين الزركلي : « لا تزال في عرب البادية خاصة القدرة على وضع الأسماء لكل ما يرونه ارتجالًا ، وقد كنت أعجب من قصة سليمان البستاني مع الأعرابية في بادية العراق حين أرادت الاستغاثة به ، ورأت على عينيه نظارتين ، فصاحت به : يا أبا المناظر أدركني !

وبينما أنا جالس يومًا للطعام بمكة، وحولي رجال من البادية لم ينزلوا الحواضر إلا قليلًا، عرفت ذلك من هيئاتهم ونظراتهم، واستغرابهم كل ما يرونه، إذ جيء باللحم والأرز، فأكلوا بأيديهم ما شاءوا، وهم يحسبونها كل شيء ، فقال لهم عارف بهم: إننا - معاشر الحضر - لا نأتي بالطعام دفعة واحدة ، بل نجعله أنواعًا، ونجلبه شيئًا فشيئًا، فرفعوا أيديهم عما أمامهم، وجيء بالصحن الثاني ، فالثالث، فقال أحدهم: وي، تجلبون الطعام دَلَف ! يريد: تباعًا، قالها من دون أن يفكر، أو يتأمل، وأراها لفظة يحسن بنا أن نجعلها بدلًا من الكلمة التركية الشائعة بيننا « قالدر». وشتان ماهما. والدَّلَف في المشي : أن تمشي مشيَ المقيَّد .

وعرب الحجاز منذ عرفوا البرقية ( التلغراف ) سموها السلك على اسم السلك الذي يحملها ، فهم يقولون : « جاءني اليوم سلك من فلان » وهو كقول العرب الأقدمين « جرى النهر » يريدون ماء النهر ، وأنبت الربيع البقل ، ويسمون قلم الرصاص « المرقم » ، وهذه التسمية أفضل وأجمل ، وهنك كلمات وأسماء كثيرة غير هذه »([74]) .

*********

وأخيرًا: يمكن لنا أن نخرج بنتيجة, مفادها أنّ اللغة ذات مستويات, ومن يتكلّم أيَّ منه هو يتكلّم بالعربيّة, وانتماؤه للعربيّة, وهوِّيَّته العربيّة؛ ذلك أنّ العربيّة الموحَّدة, والعربيّات الدارجة مرجعها واحد, ومن يتكلّم الدارجة يملك أهمّ مزايا المتكلّم باللغة الأمِّ, وهي القدرة على تذوُّق العربية الراقية الموحِّدة.

وعلينا أن لا نناصب الدارجة العداء؛ فإنّ متكلِّمها إنّما يتكلّمها في مقامات التواصل, ولا يطمح أن يجعلها لغة تداول, وهذا هو الميدان الذي يجب قصره على العربيّة الموحَّدة؛ فكلّ من أراد الخلود لعمله, لا يمكن أن يفكِّر بالكتابة في العربيّة الموحَّدة, ولا يمكن لمن أراد أن يتسامى بعمله؛ ليكون مقروءًا لدى الفئات المثقَّفة, والمتَّصلين بالعلم بسببٍ لا يعدِل بالعربيّة الموحَّـِدة الفصيحة بديلا.

وحين نستمع إلى بعض المتحدِّثين الذين يزعِجهم ما يسمّونه الازدواج اللغويّ اللغويّ بين الفصيحة والعاميّات الدارجة يصاب بالإحباط بسبب ما يوحيه من افتعال العداوة بينهما، فهل العامية غير العربية، أو أنها مستوًى من مستوياتها, وهل التغاير لو وجِد تغير تامٌّ أم تغاير ناقص؟!

إن الإفراط في المحافظة, والغلوَّ والتشدُّد بشأنها- وحالها مع ما يسمَّى الفصحى – كما أوردناه بهذا العمل يضرّ باللغة العربيّة, وعلينا أن نبني علاقة واقعيّة، بأن تصحَّحَ كلّ لغةٍ في مجالها وميدانها, وما الدارجة لم تتجاوز قدرها, وبقيت في مكانها المناسب لها, ولم يُدْعَ إلى إحلالها محلَّ اللغة الموحِّـَدة العالية, ما دام الأمر كذلك فالأمر طبيعيّ في العربية وغيرها من اللغات. تمّ, والحمد لله ربِّ العالمين.

---------------------------

الحواشي:


[1] ) سيبويه , الكتاب 4/ 431

[2] ) المصدر السابق 4/ 432

[3] ) ابن فارس , الصاحبي ص28ص32

[4] ) المصدر السابق ص: 29

[5] ) المصدر السابق ص: 30 ص31

[6] ) المصدر السابق ص31

[7] ) المصدر ص31ص32

([8]) ماريو باي ، أسس علم اللغة ص61 ص 62

([9]) نوع من الأدْم ، فارسي معرِّب، وهو جمع كامخ. انظر قصد السبيل2/382، ولسان العرب ( كمخ ) .

([10]) ابن فارس الصاحبي ص

([11]) انظر يوهان فك . العربية ص 20

([12]) المقدسي . أحسن التقاسيم ص 32

([13]) يوهان فك ، العربية ص 200

([14]) ديوانه بشرح البرقوقي 4 / 383 - 384

([15]) يوهان فك . العربية ص 145

([16]) ابن فارس ، الصاحبي ص 55

([17]) ابن عصفور ، الممتع ص 182 ص 183

([18]) ابن فارس ، الصاحبي ص 56

([19]) الخطيب البغدادي , تاريخ بغداد 5 / 206

([20]) انظر ياقوت الحموي . معجم الأدباء 5 / 117

([21]) ياقوت . معجم الأدباء 5 / 122

([22]) الكلّاء ومجتمع السُّفُن : المرفأ . انظر اللسان ( كلأ ) .

([23]) السبكي . معيد النعم ومبيد النقم ص 72

([24]) المصدر السابق ص 73

([25]) المصدر السابق ص 75

([26]) المصدر السابق ص 76

([27]) الزبيدي . طبقات النحاة واللغويين ص 41

([28]) أبو الطيب اللغوي . مراتب النحويين ص 43

([29]) الخطيب البغدادي . تاريخ بغداد 9 / 78

([30]) انظر يوهان فك , العربية ص 149

([31]) ذكر ياقوت في معجم البلدان 3 / 217 نحوًا من هذا فقال : « والسرو : قريةً كبيرة مما يلي مكة ، وإلى هذه السروات ينسب القوم الذين يحضرون مكة يجلبون الميرة ، وهو قومٌ غُتْمٌ ، بالوحش أشبه شيء » وذكر قبلها : « ... وهو منازل حمير بأرض اليمن ... » وعليه تكون السروات حميرية اللغة ، وهذا وصفٌ قريب من وصف الهمداني .

([32]) الهمداني . صفة جزيرة العرب ص 248 ص 250

([33]) يقصد اللغة التي تكون في مجالات العلم والدرس دون اللغة التي يتكلمها الناس في حياتهم ؛ فإنهم يتكلمون لغات مختلفة ، وهم شعوب مختلفة ، فصَّل القول في لغاتهم ص 334 ص 336 ذكر خمسة ألسنة أو أكثر ، فليراجع خبرها هناك .

([34]) ص 34

([35]) البخاري ( الجامع الصحيح ) كتاب الوضوء ، باب لا يستنجي بروث ، رقم الحديث : 156 ، 1 / 256 ، والترمذي ( السنن ) كتاب الطهارة ، باب ما جاء في الاستنجاء بالحجرين ، رقم الحديث : 87 ، 1/ 25 ، والنسائي ( السنن ) كتاب الطهارة ، باب الرخصة في الاستطابة بالحجرين 1 / 39 - 41 ، والإمام أحمد ( المسند ) 1 / 388 ، 418 ، 427 ، 450 ، 465 .

([36]) ص96 ص 97

([37]) ص103

([38]) ص128

([39]) ص34

([40]) ص 183

([41]) ص146

([42])ص 183

([43])ص 203

([44])ص 243

([45])ص 418 والحديث لم أقف عليه في دواوين السنة ، والله أعلم بصحته ، وإن كانت علائم الوضع عليه بادية .

([46]) انظرص: 368

([47]) انظر ص 378

([48]) انظر ص 398

([49]) انظر ص 471

([50]) انظر ص 482

([51]) انظر ص 334 ص 336

([52]) 1 / 76 وقد أعاد القصة ص 250 ، وسمِّى الأعرابي الشجري ، ولعلهما شخص واحد .

([53]) المقدسي . أحسن التقاسيم ص 32 ، وانظر يوهان فك . العربية ص 199 .

([54]) انظر المقدسي . أحسن التقاسيم ص 183 ، وانظر يوهان فك . العربية ص 200 .

([55]) الزبيدي . تاج العروس ( عكد ) 2 / 429 .

([56]) الجاحظ . البيان والتبيين 1 / 146 .

([57]) قدامة بن جعفر . نقد النثر ص 120 بواسطة يوهان فك . العربية ص 151 .

([58]) انظر : يوهان فك . العربية ص 152 . نقلًا عن جواهر الألفاظ لقدامة ( المقدمة ) .

([59]) الجاحظ . البيان والتبيين 1 / 146 .

([60]) قدامة بن جعفر . نقد النثر ص 124 بواسطة يوهان فك . العربية ص 152 .

([61]) ص ص 79 .

([62]) الزبيدي, طبقات النحاة واللغويين ص131 وبعد القصة كلام لثعلب يحسن النظر فيه؛ لأنه يبين مابنى عليه الفراء فهمه للنحو.

([63]) جعفر بن قدامة . نقد النثر ص 124 بواسطة يوهان فك . العربية ص 151 .

([64]) انظر يوهان فك . العربية ص 151 .

([65]) قدامة بن جعفر . نقد الثنر ص 120 بواسطة يوهان فك . العربية ص 151 .

([66]) انظر قدامة بن جعفر . نقد الثنر ص 120 بواسطة يوهان فك . العربية ص 151 .

([67])محمد محمد حسين / مقالة "فقه اللغة بين الأصالة والتغريب" مجلة كلية اللغة العربية بالرياض / عدد 11 سنة 1401هـ - 1981م جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، مقالة عن فقه اللغة بين الأصالة والتغريب ص 213

([68]) يوهان فك . العربية ص 3

([69]) انظر يوهان فك . العربية ص 242

([70]) انظر يوهان فك . العربية ص242

([71]) انظر فقة اللغة بين الأصالة والتعريب (مجلة كلية اللغة العربية بالرياض) ، عدد (11) ص214

([72]) انظر يوهان فك . العربية ص 63

([73]) انظر يوهان فك . العربية ص 40 فما بعدها .

([74]) الزركلي . ما رأيت وما سمعت ص 197 ص 198

-------------------------------

المصادر والمراجع:

  • أحمد بن فارس (ت395هـ)

 

 

-       الصاحبي/ تحقيق السيد أحمد صقر/ الناشر عيسى الحلبي/ 1977م

  • الإشبيلي: ابن عصفور (ت 669هـ)

-       الممتع ، تحقيق د. فخر الدين قباوة، ط الثالثة 1393هـ - 1973م . دار القلم - حلب .

  • التنوخي المفضل بن محمد بن مسعر المعري ( ت 442هـ )

-     تاريخ العلماء النحويين من البصريين والكوفيين وغيرهم تحقيق د. عبد الفتاح محمد الحلو 1401هـ . جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض .

  • الجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر ( ت 255هـ )

-       البخلاء . تحقيق طه الحاجري، ط السادسة، دار المعارف - مصر .

-       البيان والتبيين . ، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي - مصر 1975م .

  • ابن جني أبو الفتح عثمان ( ت 392هـ )

-       الخصائص . تحقيق محمد علي النجار ، دار الهدى - بيروت ، صورة عن الطبعة المصرية .

  • الحملاوي أحمد

-       شذا العرف في فن الصرف . دار القلم - بيروت .

  • الخطيب البغدادي أبو بكر أحمد بن علي ( ت 463هـ )

-       تاريخ بغداد . المكتبة السلفية بالمدينة المنورة ، صورة .

  • الرافعي أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي ( ت 770هـ )

-       المصباح المنير في غريب الشرح الكبير تصحيح مصطفى السقا ، الناشر مصطفى الحلبي - مصر .

  • الزُّبيدي أبو بكر محمد بن الحسن الأندلسي ( ت 379هـ )

طبقات النحويين واللغويين. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، دار المعارف - مصر 1973م

  • الزركلي خير الدين

-       ما رأيت وما سمعت . تقديم وتعليق عبد الرزاق كمال ، مكتبة المعارف - الطائف .

  • سيبويه عمرو بن عثمان(ت180)

-       الكتاب، تحقيق عبد السلام هارون/ ط ثالثة 1408 هـ - 1988 م مكتبة الخانجي, القاهرة.

  • الطيب أبو الطيب اللغوي ( 351هـ )

-       مراتب النحويين . تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، دار نهضة مصر - القاهرة .

  • ماريو باي

-       أسس علم اللغة، ترجمة د. أحمد مختار عمر، جامعة طرابلس، كلية التربية 1973م .

  • المقدسي محمد بن أحمد

-       أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ، مكتبة خياط ، بيروت، صورت عن طبعة أوربا .

  • الموسى نهاد

-       قضية التحول إلى الفصحى في العالم العربي الحديث . دار الفكر - عمان ، ط أولى 1987م .

  • الهمداني الحسن بن أحمد ( ت بعد سنة 344هـ )

-       صفة جزيرة العرب . مركز الدراسات والبحوث اليمني - صنعاء ، ط ثالثة 1403هـ .

  • اليماني عبد الباقي بن عبد المجيد ( ت 743هـ )

-       إشارة التعيين في تراجم النحاة واللغويين . تحقيق عبد المجيد دياب، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية.

  • يوهان فك

-العربية / دراسات في اللغة واللهجات والأساليب / ترجمة د. رمضان عبد التواب ، مكتبة الخانجي - مصر 1400هـ .

 
تدريس النحو بين الجمود وعدم الرغبة في التطوير طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: بحوث نحوية
تقييم المستخدمين: / 11
سيئجيد 
الكاتب سليمان إبراهيم العايد   
الجمعة, 27 أبريل 2012 18:07

(محاضرة ألقيت في الموسم الثقافي لكلية اللغة العربية في 20 /6/ 1432 هـ)

سؤال أستهلّ به كلمتي : أ إتقان اللغة أو معرفتها يتمثَّل حين نتخاطب، بقولنا : يا أبا محمّد، يا أبا أسامة، يا أبا صالح، أم يتمثّل بشيءٍ آخر، هو أكبر من هذا؟ إذا كان الأمر كذلك فكلّنا متقنون للغة ونحوها، ولا عذرَ لواحدٍ منّا في عدم بلوغه هذه المرحلة، والتقصير في الوصول إليها؛ فوظيفة النحو ليست ضبط الكلم في الجملة، أو النص، بل وظيفته، الإبانة عن المعنى وتحديده، ومع هذه المكانة للنحو، فليس النحو إلا جزءًا من نظام لغوي يتناول الصوت، والمفردات والبنية، والبيان، ونصوصها المختلفة، متآزرة مع بعضها، يكمل بعضها بعضًا.

أنا لا أرى أن نتلهّى بجلد الذات، فليس الوقت وقته، وعلينا أن نفكّر فيما يجب عمله خدمة للغة، وتحقيقًا لأهداف طالبيها، وعلى الجهات المختصة مؤازرة هذا التوجه، وتكوين فرق عمل لإنجاز مشروع تعليم لغوي ينهض بحاجاتنا وتطلعات أبناء العربية.

مقدمات:

من طرائق تعليم العربية :

التعليم بحفظ القواعد .

التعليم بقراءة نص تراثيٍّ، تسطر فيه القواعد، وهذه الطريقة والتي قبلها شيء واحد.

التعليم بالطريقة المباشرة ((الخلطة ، والإغماس)).

التعليم بالطريقة التكاملية بالمزج بين فروع العربية والانطلاق من النصٍّ .

من خلال اتصالي بأساتذة اللغة العربية، وأنا واحد منهم، ألمس تواطؤًا منهم، واتفاقًا على حصر عملهم في التدريس، وعلى توجيه جميع مناشطهم إليه، وعلى ضرورة أن تسخّر المناهج كلها لهذا النشاط فحسب. هذه هي حدود تفكيرهم في الغالب، كما تنطق بذلك الشواهد والأدلّة من الواقع.

وحتّى لا أكون متجنِّيًا فيما أقول أرغب لمن لديه غير ما أعلم أن يفيدني بذلك، فلعلّ في الميدان ما لا أعلمه؛ إذ كلّ ما أقوله من تجربة وممارسة، وتصوّرات كوّنتها من خلال عملي، ومن خلال اطلاعي على الخطط الدراسية في أقسام اللغة العربية المختلفة، ومن خلال الخلطة بالطلاب والأساتذة.

وليس الأمر واقفًا عند هذا الحدِّ ؛ فالنمط التعليمي في الغالب واحد، غير قابل للتنوّع والتعدّد بحسب الغاية والمقاصد والأهداف، ولا بحسب الفئات التي تقدّم لهم هذه البرامج، فالكل يدرس مقرّرًا واحدًا، ومنهجًا واحدًا ، لتحقيق أهداف واحدة ، وإن وجد اختلاف فالاختلاف في الكمية ، والاختيار، وصنف لمتعلّم واحد، غير متنوِّع وغير متعدِّد، وليس لديهم اعتبار لمن يدرس اللغة لأغراضٍ خاصّة، وليس في حسابهم من يحتاج إليها وسيلة اتصال مؤقّت، وليس لديهم من يقصد إلى مهاراتها ، ولا يهمّه التزيّد من معارفها وقواعدها.....إلخ.

بغضّ النظر عمّن يتكلّم اللغة هناك فئاتٌ تستخدم اللغة كالباحثين ، والمترجمين ، والتربويين والإعلاميين، والمشتغلين بالحاسب الآلي وميكنة اللغة أو المعالجة الآلية للغة، والطلاب، ولها أهداف ومقاصد خاصة، ولا بدّ من مراعاتها والاستجابة لها، ولا يجوز لأهل اللغة أن يستمسكوا بطريقتهم الوحيدة في الدرس اللغوي ، كما يجري عليه العمل في درس اللغة التقليدي، والتعليم الناجح هو الذي يراعي فئات المستفيدين، وتنوّع تلك الفئات، وأهدافها الخاصة.

غياب الهدف عن الأستاذ، وأول أسباب النجاح وضوح الأهداف، وواقعيّتها، وقابليّتها للقياس، ومن أول معايير الجودة وضوح الهدف. التفريق بين من يطلب المعرفة اللغوية ، وبين من يطلب المهارات اللغوية، وتنوع الدرس حسب الفئات؛ فالدرس عند معظم معلمي العربية وأساتذتها واحد ، وفي الغالب يعتمد قراءة نصّ تراثيّ ، أو إذا أحسنّا الظنّ شرح نصٍّ تراثيّ، وهذا على الرغم من جلالته وقيمته ليس بالضرورة صالحًا لجميع الفئات التي تدرس العربية.

أهداف التربية في العصر الحديث أربعة : ((تعلّم لتعرف، تعلّم لتعمل، تعلّم لتكون، تعلّم لتشارك الآخرين)).(الثقافة العربية وعصر المعلومات ص307)

ومن مشاركة الآخرين( تنمية مهارات الحوار مع الآخر (بالاهتمام بتنمية مهارات التواصل، والتفاوض الثقافي، وتنمية القدرة على الإقناع، وهندسة الحوار، وإبرام الصفقات المتوازية) (الثقافة العربية وعصر المعلومات ص320) (إذ يشكو معظم طلابنا من ضمور مهارات التواصل اللغويّ الأربع: القراءة، والكتابة، والمشافهة، والاستماع ، نتيجة لآفة التلقِّي السلبي التي تعاني منها أنظمة التعليم لدينا، ويحتاج هذا من التربويين ومعلمي العربية ومنظِّميها تغييرًا جوهريًّا في تعليم العربية وأنماط تقديم المادة التعليمية، بحيث لا تقتصر على أسلوب المحاضرة بل تشمل أساليب جذّابة توظّف أساليب التعلّم المختلفة وتنوِّع بين الأساليب التقليدية والندوات وحلقات النقاش،وغيرها من مستنتجات العصر والتربية). (ينظر الثقافة العربية ص321 ).

وكلية اللغة العربية، تتفرّد بتدريس طلابها مقررات اللغة العربية، وتسهم بتقديم مقرر اللغة العربية لجميع الأقسام الجامعية، إلى جانب تقديم مقررات أخرى لبعض الأقسام التي لها مزيد عناية باللغة العربية نحوًا وبلاغة، ومن الطبيعي أن يختلف تقديم المقررات ، حسب الأقسام والغاية من تدريس المقرر، غير أن هناك نوعين يمكن أن يشملا جميع الطلاب، وهما : من يدرس اللغة من أجل التكوين المهاري العام، ومن يدرس اللغة لأغراض معرفية، ومهارية خاصة، وعلى كلٍّ التفريق بينهما لازم، فتدريس اللغة العربية لغير المختصين تدريس مهارات ويجب أن يلتزم بهذه المهمّة، ولا يخرج عنها.ولا أكون مبالغًا إذا قلت : إن هذه الفئة يجب أن تكون فئاتٍ.

و((تشمل تربية اللغة الأمور المتعلقة بتعليمها وتعلّمها ، سواء كلغة أولى للناطقين بها، أم لغة ثانية لغير الناطقين بها ، وتغطّي تنمية مهارات التواصل اللغوي الأربع: القراءة، والكتابة، والتحدّث, والاستماع. ويحظى تعليم اللغة الأم بأهمية متزايدة هذه الأيام بعد أن ثبت للجميع خطورة الدور الذي تلعبه في تنمية فكر الفرد، وتوطيد عرى التماسك الاجتماعي ، علاوة على كون تعلم اللغة الأم بمنزلة (طبقة الأساس) التي يبنى فوقها تعلم اللغات الأجنبية، وهو يحظى بأهمية متزايدة بفعل ظاهرة العولمة وما يصاحبها من عولمة سوق العمل {هناك ما يزيد على خمسين مليونً صيني يتعلّمون الإنجليزية}يشهد على ذلك هذا العدد الكبير من مواقع الإنترنت لتعليم اللغات وتعلّمها ذاتيًّا، علاوة على توفير كمٍّ هائل من برمجيّات تعليم اللغات والمناهج البرمجية، ونظم تأليف المنهج وما شابه)) [الثقافة العربية وعصر المعلومات ص268-269]

*********

هل عندنا مشكلة في تعليم النحو، أو اللغة في الجامعة، وتلقينه طلابنا؟

لا أظنّ أنّ مخالفًا يخالف في أن لدينا غير مشكلة ، غير أن الذي يهمّنا أن نورد مشيراتٍ قد تنتهي بنا إلى وصف وضع ، وتقرير حالة ، يتطلّب اقتراح بعض الحلول ، وطرح رؤًى تخرج بنا من مأزق في تعليم النحو ، ودرس العربية على العموم, ومن هذه المشيرات:

‌أ)        فقدان أو ضعف أثر النحو فيما يقوله الطلاب أو يكتبونه. وهذا أمر من الوضوح بمكان لا يسيغ لنا شرحه، وتفصيله.

‌ب)    ضعف الحصيلة المعرفية المستوعبة لدى طلابنا بقواعد النحو وكلّياته ، فضلا عن العجز عن مهاراتها، وتوظيفها واستعمالها أو الاسترشاد بها عند إنشاء الكلام ، والكتابة، أو عدم الرغبة في هذا التوظيف، والزهد فيه.

‌ج)      غياب الرغبة في الصحّة النحويّة، والسلامة اللغويّة فضلا عن فقد التميّز أو الإبداع اللغويّ في الأداء لكونه قيمة يقدّرها المجتمع، ويتسامى إليها المتكلِّمون والمنشئون ، والكتّاب.

‌د)       برودة في علاقة الطلاب بالنحو وعلوم اللغة الأخرى، يتمثّل بالآتي :

  1. v شكاوى الطلاب, وتذمّرهم من مقررات اللغة العربية, ومن معلِّميها، وضيق ذرعهم بها وبهم.
  2. v شعور لدى الطلاب أن ما يدرسونه بعيدٌ عن مشاعرهم ، وبمعزلٍ عن عواطفهم، وبغربته عنهم، وغربتهم عنه، وأنه شيء أو علم من كوكبٍ آخر.
  3. v تلبّس الطلاب بالملل، وانتشار التثاؤب، وغيبوبة الطلاب عن الدرس إما بنوم أو بتكلّفه، وإمّا برحلة ذهنية بعيدًا عن الدرس والفصل.
  4. v غياب أو ضعف التذوّق في دراسة النحو وتدريسه، وغياب أثر الذوق في التفريق بين المعاني، وطرائق أدائها، الأعاريب والأنواع، والأحكام، والوظائف النحوية، وعدم وضوح مدى تأثير الذوق في ذلك كلّه.

‌ه)      شعور الطلاب بصعوبة اللغة العربية، وتعقيد أفكارها، وكثرة تقسيماتها، وتداخلها في حسِّه، وأين يذهب بطالب محدود الإدراك، حين يجد مثلا تقسيمات في بعض الأبواب، وحين يجد تلك التقسيمات العقلية وغير العقلية في علم يفترض أن يكون أبعد العلوم عن كدِّ العقل، وأقربها لتذوّق النصِّ، بل أين يذهب بطالب محدود التفكير والإدراك حين تفجؤه بمثل هذا ؛ إنّ إدراك ترابط الكلام، أو تفكّكه، وترتيب بعض أجزائه على بعض، وتعيين العلاقة بين هذه الأجزاء، لا يحتاج منا أن نعقِّده بمسائل الوصل والفصل، وتنويع الكلام بين كمال الانقطاع، وكمال الاتصال، وشبه كمال الانقطاع، وشبه كمال الاتصال، والتوسط بين حالتي كمال الانقطاع، وكمال الاتصال.  

النحو مفصول عن حياة الطالب وشعوره. وهل يسوغ أن يكون النحو بمعزلٍ عن معايشة الطالب له؟! يدرس الطالب وهو يحسُّ أنّه يتعلّم، أو يتلقّن قواعد وقوانين بعيدة عنه، وعن حياته، ولغته، ليس بينهما أدنى ارتباط، وأول مسئوليات معلِّم اللغة رفع هذه الوحشة، وإيجاد ألفة بين الطالب من جهة، وبين النحو وممارسته ومهاراته من جهة أخرى، ويجب أن يستيقن الطالب أن النحو جزء من كلامه اليومي، وأنه النظام الذي يحكم كلامه، وأنّ المعاني التي يتكلّمها هي معاني النحو التي لا يمكن لمتكلِّم أن يستغنيَ عنها، وأن لا يعرفها عمليًّا، وإن خفيت عليه تنظيرًا، كما هو شأن كلِّ علم له جانبان: نظري، وتطبيقي، كعلم التجويد في جانبه التنظيري، قد يخفى على كثيرٍ من مجيدي القراءة، وإن كان تطبيقًا طوع إرادتهم، وآلة قراءتهم، بل هو عادتهم، وسليقتهم التي تطبّعوا عليها.

التذوق أساس لدرس النحو، بل الذوق والتذوُّق أساس الإبداع في كل شيء، ومدخل الفهم والاستيعاب، ويهمنا التذوّق في دراسة العربية خاصّة نحوها، وكثير من معلمي العربية وأساتذتها لا يلتفتون إلى هذا الأمر، بل كثير منهم يصعب إفهامه هذه الأهمية، فضلا عن أن يسهم في إحياء ذوق الدارسين وإنمائه، وقد يسأل كثير فيقول: هل في اللغة والنحو ذوق وهو لا يعدو كونها قواعد ومطردات؟! ولعلّه غاب عن هؤلاء أن الذوق أساس فهم جميع العلوم دون استثناء، والنحو ليس بِدْعًا بين العلوم، وقد جرى لي مع بعض الطلاب شيءٌ من هذا، حين شرحت لهم التفريق بين المنصوبات، وكيف يقال عن منصوب: إنّه مفعول، أو مفعول به، أو مفعول لأجله، أو مفعول معه، أو حال، أو تمييز، أو استثناء، والفرق بين هذه المفاعيل، خاصة إذا كان هناك احتمال تعدُّد الإعراب. وكذا التفريق بين الخبر والصفة والحال، وهي من باب واحد، ومجال توظيف الذوق في إدراك النحو وحبّه واستيعابه، وإقامة علاقة ودّ بين الطالب ودرس العربية.

وأذكر هنا قصة ابنتي طالبة الابتدائي التي ما كنت تحبّ درس القواعد، وتعدّ هذه المادّة ثقيلة، درست لها معلمة اللغة العربية في السنة السادسة من المرحلة بطريقة قلبت علاقتها بالمادّة، وغيّرت موقفها منها.

من أوجه القصور في تعليم اللغة العربية :

‌أ)  (( التركيز على الجوانب الصورية سواء في تعليم النحو أو الصرف ، أو تنمية مهارات الخطابة والحوار. وقد طغت سطحية قراءة النصوص وضبط أواخر الكلمات على حساب عمق استيعابها ، والربط بين جملها وفقراتها، وإدراك هيكلتها الشاملة)) [الثقافة ص269 ] فقلّما يعنى معلِّم اللغة باستيعاب المقروء ، وصناعة العناوين الرئيسية والفرعية، وتقسيم النص ، وترقيمه، فضلا عن محاكاته.

(( إهمال عنصر الدلالة {المعنى}إذ طغت الوظائف النحوية من فاعل، ومفعول، وتمييز، وحال، ومجرور، ومضاف ... على المعاني النحوية معاني التراكيب والأبنية والمفردات، فليس بمكنة كثير من الطلاب التفريق بين التراكيب المتقاربة التي تؤدّي معنًى واحدًا ، مثل: رأيته يخرج من الباب، ورأيته خارجًا من الباب، ورأيته وقد خرج من الباب ، وهي تراكيب تؤدّي معنًى نحويّا واحدًا وهو تقييد الرؤية حال الخروج ؛ وهو قيد للعامل، والاختلاف في تفصيلات وقيود المعنى، التي يمكن لغير دارس العربية ، ولمن يلمّ ببسيط القواعد النحويّة أن يدركها. ولا يدرك كثير منهم الفرق بين "ضربه ضربًا" و"ضربه ضربة" ولا الفرق بين سامع وسميع ، وغيرها من الأمثلة والأوزان الصرفية. ولا بين معاني صيغ الجموع ، و لا بين معاني زوائد الأفعال، ولا بين الاستفهام بالهمزة و(هل).

غالب أساتذة ومعلمي النحو لا يعنون منه إلا بالجانب الشكلي المتعلّق بالإعراب، وما يتصل به، في حين يهمل المعنى، وإدراك المعنى النحوي هو الذي يشدّ الدارس ويجذبه، وقد لاحظنا هذا من خلال الممارسة، حتّى إنك لتجد الطالب يفغر فاه بما يسمع في درس النحو ممّا لم يتعوّد سماعه فيه .

وينأى معلِّمو اللغة العربية وأساتذتها عن توظيف الفطرة اللغوية في درس العربية، حيث يشعر الطالب من خلال الدرس أنّه يتعلّم شيئًا لا علاقة له به ، بل هو شيء بعيد عن حياته؛ من المسلّم به أن أيّ لغة بل أيّ مستوًى لا يخلو من نظام يدركه مستعمل اللغة بفطرته، وحسِّه، ليس بحاجة أن يتعلّمه من خلال دروسٍ يقدّمها ملقِّنون أو معلِّمون؛ ومن النحو الفطري ما يحسن أن يكون منطلقًا لدرس العربية ، مثل تقرير المعاني النحوية العامة، التي هي معانٍ متغلغلة في الحياة اليومية ، مثل تقرير معاني كالنداء، والتعجّب، والإخبار، والأمر، والنهي، والتمني، والدعاء، والتنبيه، والبيان، والتفصيل، وغير ذلك من المعاني التي بمكنة الشخص أن يعبّر عنها من غير حاجة إلى أن يتعلّمها من معلِّم . بل الفطرة اللغوية تتجاوز هذا القدر إلى إدراك ما بين الجمل والكلام من تمايز، يدركه من لا يعرف شيئًا من النحو ، وعلوم العربية، كما فال عبد القاهر: ((فإذا عرَفَ البدويُّ الفرْقَ بين أنْ يقولَ: ﴿جاءني زيدٌ راكباً"، وبين قولهِ: ﴿جاءني زيدٌ الراكبُ"، لم يَضُرَّهُ أنْ لا يعرفَ أَنه إِذا قال: ﴿راكباً"، كانتْ عبارةُ النحويينَ فيهِ أن يقولوا في ﴿راكب": إنَّه حالٌ، وإِذا قال: ﴿الراكبُ"، إِنه صفةٌ جاريةٌ على (زيد) وإِذا عرَف في قوله: ﴿زيدٌ منطلقٌ" أَنَّ (زيداً) مُخْبَرٌ عنه، و (منطلق) خَبرٌ، لم يضره أن لا يعلم أن نسمى (زيدًا) مبتدأ وإذا عرف في قولِنا: ﴿ضربْتُه تأديباً له"، أنَّ المعنى في التأديب أنه غرضه من الضرب، وأنه ضرْبَه ليتأدَّبَ، لم يضرَّه أنْ لا يَعْلَم أن نسمى (التأديب) مفعولًا له)). [عبد القاهر الجرجاني(ت471هـ) دلائل الإعجاز 1/ 418 تحقيق محمود شاكر/ ط الثالثة/1413هـ 1992م دار المدني/ القاهرة]

ويتعيّن ترك التركيز على الأخطاء المفردة في الأعاريب، والتراكيب، والأبنية، و توجيه العناية بالكليّات التي تعود على المعنى بالإفادة، وصحّة المعنى، ووفائه بالغرض، حسب مقتضى الحال، وتعويد الطلبة على الانطلاق في الإبانة عمّا يريدونه بيانًا مناسبًا، مؤدِّيًا، وبلغة ذات مستوًى، جماليّ مقبول، إنّ علينا أن نعلم الناس كيف يتكلّمون، وكيف يوفّون أغراضهم من خلال كلامهم، وهذا يقتضي منّا أن نغيِّر إستراتيجيات تعليم اللغة.  

وقد ((أغفلت معظم دراساتنا اللغوية استخدام اللغة وظيفيًّا، بمعنى استخدامها في مسار الحياة الواقعية, استخدامها في إبداء الآراء والدفاع عنها، وفي عمليات التبادل والتفاوض والتراسل والتهاتف، وهلمّ جرًّا . يتّضح ذلك بصورة سافرة في ضعف مهارات الاتّصال لدى الغالبية منّا: كتابة وقراءة وشفاهة واستماعًا، وليس هذا حتمًا نتيجة قصور في العربية؛ فهي تملك العديد من الخصائص والأدوات التي تؤهِّلها لتكون لغة حوار فعّالة، إننا ما زلنا أسرى اللغة المكتوبة غير ملمِّين بالعلاقات اللغويّة والتداوليّة والمقامية التي تربط بين أدائنا الشفهي وأدائنا الكتابي، ويتجلّى ذلك بوضوح في أساليب حوارنا وتفاوضنا)). [الثقافة العربية وعصر المعلومات ص239]

‌ب)    ((إهمال الجانب الوظيفي لاستخدام اللغة ، وعدم تنمية المهارات اللغوية المطلوبة في الحياة العملية؛ فنحن ننحاز إلى جانب الخطابة[أي اللغة الأدبية ولغة الشعر، واللغة التداولية] على حساب فاعلية التواصل)) الثقافة ص269

‌ج)      إهمال تنمية التذوّق للكلام ولمآثر اللغة العربية شعرًا ونثرًا . الثقافة ص269

‌د)       نقص في برمجيات تعليم العربية وتعلّمها ، وإهمال أو قلة العناية بتعلّم اللغة العربية ذاتيًّا حين لا يتوفّر تعليمها تلقينًا لأيّ سبب ، أو يكون في تلقينها قصور, أو حين يكون هناك رغبة في الاستجابة لمتطلبات غايات التربية في العصر الحديث ((تعلّم لتعرف)) ولمبدأ التعلّم مدى الحياة . وهذا المشروع يمكن تنفيذه عن طريق الإنترنت أو البرمجيات التعليمية . ينظر الثقافة ص269-270

‌ه)        لم يدّع النحويّون أنهم يقصدون إلى تعليم الناس كيف ينشئون الكلام، ولا كيف يكوّنونه، وإن زعموا أنهم يعلِّمونهم قوانين صحة الكلام، وملاءمته للموقف؛ إذ الكلام مغروس في طبائع البشر، وهم مفطورون عليه مجبولون ، وإنما قصد النحاة إلى وضع ميزان يزنون به كلامهم، يمايزون به بين الصحة والخطأ، ووضع نموذج مستخلص من كلام العرب يكون نبراسًا لكل من أراد محاكاتهم فيما يقولون، وما ينتجون، ومن هنا جاء تكوين الكلمة واشتقاقها.

‌و)      تدريس النحو مفصولا عن علوم العربية ونصوصها الإبداعية، وتدريسه بدون الالتفات إلى المهارات والقدرات وتوظيفه في حياة المتعلِّم ولغته.

***********

وماذا بعد هذا؟

((اللسان في تصور اللغويين المحدثين جملة من الصيغ، أو ذخيرة كوّنتها الممارسات الكلامية، لدى المتكلمين باللغة، وهو نظام نحويّ، قائم في عقل كل متكلِّم لتلبية كل المقاصد والأغراض، واللغة الشرط اللازم لكي يكون الكلام مفهومًا)) ينظر المرايا المقعّرة ص207ص208وبناء عليه لا بدَّ من الانطلاق من النحو الفطري الذي يمارسه الطالب وإن لم يعلم به. وضرورة ربط النحو بالبدهيات اللغوية الفطرية لدى الطالب؛ حيث إن النحو فطري يلتزمه كل متكلم في كل لغة .فكل متكلم يعرف كيف يستفهم وكيف ينادي وكيف يتعجّب؟ وهذا ما يعرف بالمعاني النحويّة، ولا يمكن له أن يخلط حين يقصد إلى معنى من هذه المعاني بينها فلا يستفهم وهو يريد التعجب، ولا ينادي وهو يريد الاستفهام، ولا يخبر وهو يريد الإنشاء، وهو قادر على إخراج كلامه على مقتضى الظاهر؛ فقد يستعمل الاستفهام للتعجّب والخبر للإنشاء، مثل((رحمه الله))، فكلٌّ كلام مهما كانت منزلة من ينشئه،

ومن ربط النحو بالبدهيات اللغوية التفريق بين المنصوبات : حال تمييز، ظرف ، مفعول به ، مفعول مطلق ، مفعول لأجله ، مستثنى بشرح دلالتها شرحًا مبسّطًا بعيدًا عن التعقيد ، والوعورة المصاحبة لها في كتب النحو، وإن كان أصله من كلام النحاة.

تبسيط المفاهيم النحوية وتقريبها، ومن الظاهر أن السائد هو صرف للطالب عنه، وتعقيد درس النحو من غير ضرورة، كتعقيد الطالب بالعمدة والفضلة، وتعليق الظرف والجار والمجرور ... يأتي المدرس ، ويظل يشحذ في ذهن الطالب من أجل ترسيخ مفهوم العمدة والفضلة . ويجب تبسيط مثل هذا المفاهيم لدى متعلّم العربية للأغراض المهارية بأن يقال : العمدة في النحو من وجهة نظري ما يبنى عليها المعنى ، ويقصد إليه المتكلِّم ، نحو : ((وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين)) لا يمكن الاستغناء عن الحال (لاعبين). وإن كان النحاة يعدون الحال فضلة، ولكن الفضلة التي يجب أن يستوعبها الطالب هي ما يمكن أن يستغنى عنه من الكلام من دون أن يفقد الكلام مدلوله، أو شيئًا ذا بال من مدلوله.

توظيف إبداع اللغة في ذاتها في درسها ((ويقصد به ذلك الكامن في صلب منظومتها، والذي يمكن لكل ناطق بها أن يمارسه ، إن للغة ابتكاريّتها الخاصة بها،و لا تتوقّف الجماعة الناطقة باللغة عن ابتكار العبارات المستجدّة،وإضافة المفردات الجديدة إلى معجم اللغة،وإضافة معانٍ جديدة إلى مفرداتها القائمة بالفعل، ويبدو إبداع اللغة نحويًّا في قدرتها على توليد عدد لا نهائيّ من تراكيب الجمل، وذلك بفضل ما سمِّي بالتداخل الحلقي[الذي تتضمّن فيه الجملة الفعلية شبه جملة اسمية،في حين يمكن لشبه الجملة الاسمية تضمّن جملة فعلية، أو أكثر، وهكذا، مثل: جاء الرجل الذي قابلنا أخاه يعمل في المؤسسة...](انظر الثقافة العربية ص251).

أما إبداع المجاز فيكمن في قدرة صاحبه على هذا التنقّل الحرّ بين الحقول الدلالية المختلفة. ينتقل من حقل العواطف البشرية إلى حقل النيران ؛ فيجعل من العواطف لهيبًا يحرق شغاف القلوب ويؤجِّج المشاعر ويكتوي به قلب العاشق، وينتقل من حقل الوقت إلى حقل المال، فيجعل الوقت ذهبًا وموردًا يدخر، وينفق من ميزانيته، ويبدِّد إسرافًا وتبذيرًا، وينتقل من حقل الشخصية الإنسانية إلى حقل البناء، فيجعل من الشخصية مثلها مثل البناء تتحطّم وتنهار ويعاد بناؤها وترميمها.

إنّ الإبداع الكامن في اللغة هو بمنزلة(دمقرطة) {إشاعة الملكية} لحق الإبداع ، وهو أول قدرة إبداعية يتحلّى بها الطفل خلال عملية اكتسابه لغته الأمَّ، وهل هناك إبداع أروع من أن يتعلّم الطفل لغته دون مدرس، فنراه يستنتج قواعدها بمنطقه الغريزي، من وسط تلك العينة العشوائية التي تتنامى إلى سمعه البكر من لغة الكبار. إنّ إبداع اللغة يوفِّر جرعة الإبداع اليوميّة، التي تضمن لعقولنا الاحتفاظ بحيويّتها ويقظتها، ولكل مهارة لغوية إبداعها الخاص بها، فكما أنّ هناك إبداعًا للكتابة فهناك أيضًا قراءة مبدعة ، تنفذ إلى قرار النصِّ ، وتعيد تأليف مؤلِّفه. كما أنّ هناك إبداعًا في التحدث ، فهناك أيضًا استماع مبدِع، يستوعب ليتفاعل ويقبل ويرفض، في صمتٍ، ويعلِّق الحكم مرجئًا إيّاه للبوح به في اللحظة المناسبة.

ولا شكّ في أنّ ثقافة عصرنا تتطلّب إبداعًا لغويًّا جديدًا، إبداعًا مغايرًا في فنِّ كتابة النصوص- حتّى تتألّف وتنصهر في "سبيكةْ الوسائط المتعدِّدة مع أنساق الرموز الأمور الأخرى، من صور و أصوات وإبداعًا جديدًا في فنِّ قراءة غير الخطيّة، يلمّ شتات شظاياها، ويقتفي أثر تشعّبها الداخليّ، وتناصّها الخارجيّ مع غيرها من النصوص، وإبداعًا جديدًا في الحوار عن بعدٍ، تحدُّثًا واستماعًا، لا يرى الحوار نوعًا من عشوائيّة التفوُّه بالكلام بل بناء يخضع لهندسة الحوار، تتآلف فيه الآراء وتتباعد، وتخلص فيه النوايا وتتآمر ، وتحيل الأسئلة وردودها إلى ما قبلها وتمهد الطريق إلى ما بعدها، وفقًا لغايات المتحدِّثين، وتكتيكات حوارهم)) (الثقافة العربيةص275ص277)

توظيف الفوائض، والقرائن المتعدِّدة في صناعة كلام مفهوم، وفهمه كلامًا لا يستوفي شرائط النظام اللغويّ الصحيح؛ إذ ((تعتمد اللغات الإنسانية دون استثناء على مفهوم الفائض أو الحشو، ويقصد بالفائض، اللغوي تلك العلاقات الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية والمقامية التي تربط بين الحروف والكلمات والجمل والفقرات، والتي يمكن الترخّص فيها لكونها فائضًا مع احتفاظ التعبير اللغوي بقدرته على نقل المعنى، وإليك مثالا لتبسيط الفكرة الأساسية للفائض اللغويّ، لنفرض أنه بدلا من أن نلتزم بالقواعد اللغويّة في قولنا(اشترى أخوها تفاحتين من أحد الباعة) ترخصنا في علاقات الإعراب، فنصبنا الفاعل ورفعنا المفعول به، وأهملنا بعض النقاط، وأضفنا من لدينا همزة إلى ألف الوصل، وأغفلنا وجوب التذكير في (أحد) لتصبح الجملة(اشترى أخاها تفاحتان من إحدى الباعة) فعلى الرغم من مجموعة الأخطاء، تظلّ هذه الجملة الممسوخة أشدّ ما يكون عليه المسخ، مفهومة، يمكن لنا قراءتها، والفضل في ذلك يرجع إلى الفائض اللغويّ، فائض العلاقات والقرائن التي يشتمل عليها التعبير اللغويّ، إن فائض اللغة أو حشوها الزائد ليس بعيب ينتقصها، بل هو سند لمرونتها ومصدر لقوّتها، فهو الذي يكسبها المناعة ضدّ التشويش والضوضاء، والخطأ واللبس والغموض، وهو يسهم أيضًا في قدرتها على قلب المعنى، جاعلة من الوعد وعيدًا، ومن المدح ذمًّا، لتظلّ قادرة على توصيل المعنى بين المتكلِّم والسامع)). الثقافة العربية ص213

********

ولعل لسلوك بعض أساتذة اللغة ما يجعلهم لا يفكِّرون بمثل هذا عوامل، تصيب درسهم بالضعف وممّا رصدته من هذه العوامل تهافت مدرِّسي اللغة العربية وأعضاء هيئة التدريس في أقسام اللغة العربية على المحاضرات الزائدة من أجل تحسين أوضاعهم المادّيّة، وهذا عمل فيه من الجهد ما يشلّ عمل الفكر والنظر والمراجعة، والقراءة الحرّة ومتابعة ما يكتب في قضايا اللغة ، فليس من المعقول أن يقوم الأستاذ بتدريس خمسٍ وعشرين محاضرة مثلا ، نحن نقول : إن أربع عشرة (14) محاضرة كثيرة ، فكيف إذا تضاعفت؟! ويجب الحجر على من يتنافسون في المحاضرات الزائدة ومحاضرات خدمة المجتمع ، والتعليم الموازي، ويحسن غرس قيم بحثية بها يقوّم الأستاذ وأداؤه ، بل كيف لشخصٍ كلّ وقته من محاضرة إلى محاضرة، من غير أن يكون لديه فرصة للمراجعة والنظر والتأمل، والتفكير الجادّ في جديد مادّته العلمية، وطرائق تقديمها، فكيف له؟ بل أنّى له أن يفكِّر بالإبداع؟! وكلّ جهدِه منصرف إلى أداء الواجب، وعمل ما يلزمه، وهذا الإسراف في التدريس لا يصنع إبداعًا.

و ما علينا الآن إلا أن نراجع منطلقات درسنا للغة، فندرسها بمفهوم اللغة لا بمفهوم النحو، وهو نظام من أنظمة من أنظمة اللغة، في حين أن اللغة مجموع الأنظمة اللغويّة، وأن ندرسها باعتبار أنها إبداع، واللغة من أظهر وأبرز مواطن ظهور الإبداع. .

ولعلنا لو درسنا النحو أو اللغة على ثلاثة مستويات، كما سيأتي لكان أجدى :

أولها: المستوى التواصلي ، ونقصد به ما يؤدِّي غرضًا آنيًّا محدودًا بالزمان والمكان وأطراف الخطاب، ولا يقبل التدوين لعدم الحاجة إلى تدوينه ، وهو معظم كلام البشر، بحيث لو قلنا : إن 99% من الكلام وما يدور من لغة وكلام وحديث وحوار هو من هذا المستوى، ولا يرقى إلى المستوى التداولي، وهو غير ملائم للكتابة، وهو بحكم آنيّته، يتطلّب شيئًا من اليسر والسهولة والاقتصاد، ولا يلتزم بقواعد اللغة بقدر ما يلتزمه من نجاح في الأداء والفائدة، وكل ما يجري على ألسنة الناس من حديث المجالس والفكاهة والطرفة بل لغة المدرس في فصله داخل في هذا المستوى، وهو يمثِّل كلام الناس العفويّ، وكلامهم الفطري على سجيّتهم دون تكلّف، فالمتكلِّم يهمه أن يتواصل مع الآخرين، وأن يفهم ما يريد، باقتصاد وجهدٍ قليل، وبأخصر طريق، وأيسر سبيل، هذا المستوى يراعي المقام ، ولا يتكلف كالمستوى التداولي، وله مزايا، منها: التوسّع في الترخّصات، ومشاركة اللغة المنطوقة للدلالات الأخرى، كالإشارة، وأنها لغة خاصة بمقامها الذي أنشئت من أجله، مثل كلام الفرّاء مع الخليفة، والحوار، ولغة المعلّم، بل أكثرية الكلام ينشأ من أجل التواصل. واللغة التواصلية لغة عفوية ، لا تكلّف فيها، ولا مراجعة لها ولا تنقيح؛ فقد يوظِّف المتكلّم الإشارة باليد حين تقول: زيد، وأنت تشير إليه بيدِك، وفي النداء تشير بيدك، وتقول: تعالَ، أو العكس: تقول: محمّد، وتشير بيدك: أن تعالَ، أو تستغني بالإشارة عن اللفظين تعبيرًا عن المعنيين: النداء، والإشارة،تقول بيدك : أن يا محمّد أقبلْ أو تعالَ. كما يوظّف المكملات الصوتية الأخرى، من نبرٍ، وتنغيمٍ، وتزمين، وتلوين، للتعبير عمّا يريده من معنًى. وهذا مستوى يصلح أن يستعمل في المقامات الخاصة، ثم هو لا يصلح للتداول فيما بعد، وأكثر كلام البشر على هذا المستوى، وهو مستوًى يتميّز بالأخذ في الترخصات، وأن الكلام فيه تغلب عليه العفوية، وأن بعضه يؤدَّى بالصوت وبعضه يؤدّى بوسيلة دلالية أخرى غير لغويّة، مثل الإشارة وحركات العين، وهذا يمكن لنا أن نسميه مستوى المقام أو الموقف.

وثانيها: المستوى المعتاد الذي يعبّر عن المعنى بتحقيق الحدِّ الأدنى من الصحة، وسلامة النظام، بما يوصل الفكرة إلى المتلقِّي، وهو صالح للتداول ، ويمكن تداوله وتناقله في غير المقام الخاص الذي أنشئ من أجله. وهذا: المستوى مستوًى تداوليٌّ، لا يحتاج إلا أساسيات اللغة في مفرداتها التي توظّف في معانيها الوضعية غالبًا، كما لا يحتاج إلى كثير ممّا يرد في كتب النحو من قواعد فرعية، وخلاف، ومعانٍ، كما أن من يكتب بهذا المستوى أو يتحدّث ليس بحاجة لأن يوظِّف إمكانات اللغة التي تخرج عن القياس والمطّرد، وما تدعو إليه ضرورة الإبداع. وطلاّب هذا النوع لا بدَّ من تحديد حاجاتهم ، ولا بدَّ من الرأفة بهم، وعدم تكليفهم ما لا يحتاجون، والاكتفاء بالحدِّ الأدنى من الكفايات اللغويّة، ذات الصبغة العملية، وبإمكانهم توظيفها في استعمالهم اللغويِّ.ومن هذه الفئة طلاّب الأقسام في العلوم الطبيعية والطبية، والعلوم الأخرى، ويمكن أن يسمّى هذا المستوى بمستوى الموضوع.

وثالثها: المستوى الإبداعي: ويمثِّل اللغة العالية التي تجمع مزايا الكلام الجيِّد، في مضمونه، وصياغته،وهو مستوًى ذو قيمة فنية عالية،فيها مقوِّمات أعلى من مقوِّمات اللغة المعتادة، كالشعر،والنثر الفني،وبعض الأنماط الشعرية. وهذا المستوى يكون غالبًا في التعبير عمّا في النفس من مشاعر وأحاسيس ووجدان وهو مستوًى أدبيّ يوظّف اللغة توظيفًا خاصًّا ، ويجنح إلى التسامي فوق اللغة العاديّة، في أنظمتها المختلفة من بنية وتركيب، ومن خروج في معانيها عن مقتضى الظاهر. ومن خروج دلالة ألفاظها من حقلٍ دلالي إلى حقل دلالي آخر، ويتمثّل هذا المستوى في الشعر والخطابة، والكتابات الأدبية، وكلّ ما يقصد إلى الجمع بين جودة المعنى ، وجودة العبارة، ويوظف إمكانات اللغة والخيال، وقدرات أخرى.وهذا المستوى له طلابه ، وهم من نوعٍ خاصٍّ، وليسوا كلّ الأنواع والفئات، وهذا النوع أعلى المستويات وأرفعها، ولغة هذا المستوى قابلة للمراجعة والتصحيح والتنقيح، لتخرج بصورة تلائم مستواها التداولي.

وكان التواصل ينحصر في اللغة الشفويّة ، والخطأ الشفهيّ والحوار ، وقد كان هذا النوع يمثِّل نسبة تجاوز 95% من اللغة المستعملة ، والتي تصدر عن مستخدمي اللغة، أيّ لغة كانت، بل هناك لغات لا تعرف غير هذا النمط ، ولا تعرف لغة مكتوبة فضلا عن لغة أدبية إبداعية عالية. ثمّ تغيّر التواصل في عصرنا ، وظهرت أنماط صارت تضارع أو تقارب لغة المشافهة، فصار لدينا البريد الإليكتروني، والماسنجر، ولغات المحادثة و الحوار والمخاطبة المكتوبة، كما يجري في غرف المحادثة من خلال الشبكة، من مثل ما يسمونه (الشات)، ولغتها في الغالب لا تختلف عن لغة الخطاب والحوار الشفهي إلا في كتابته في وسيلة أليكترونية، وهذا يفرض على أهل العربية أن يقتحموه؛ ليكون لهم رأيٌ واجتهاد في صناعة لغة تواصل جديدة تتوزّع بين المشافهة والكتابة بالوسائل الأليكترونية، التي هي أشبه بالمشافهة.

وكما يغفل أهل اللغة عن هذا النمط من لغة التواصل يغفلون عن لغة البرامج الحوارية في الإذاعات، والقنوات التلفزيونية، وهي تتطلّب قدراتٍ تواصليّة مناسبة أكثر ممّا تطلبه من إتقانٍ للنظام اللغويِّ، وصحّةٍ في التركيب النحوي.

لا شكّ أنّ الحديث في هذه المقامات التواصلية، بهذه الوسائل ليس كحديث في مستوًى تداولي، سواء كان نصًّا ثريًّا ، أي: أدبيًّا ، أو كان نصًّا محدودًا في لغته ، ومعانيه، وأساليبه، وتراكيبه، ومفرداته. ومن المعلوم أن المستوى التداولي يشمل النوعين؛ إذ التواصلي ما لا يناسب غير المقام الذي ورد فيه. والتداولي ما يصلح لمقامه الذي أنشئ من أجله، وهو صالح لاجتياز الجغرافيا والتاريخ، وتناقله عبر الحدود ، بحيث يصح ويسوغ استعماله في سياقات غير المقام أو الموقف الذي دعا إلى إنشائه.

إن أهمّ شيءٍ في لغة التواصل حنكة التعامل مع الغير، وما من شكٍّ في أهمّيّة التواصل مع الآخرين، ومن أهمّ الوسائل لإنجاح هذا التواصل أن يكون لدى الشخص قدرة على الإقناع والتأثير في الآخرين، وممّا يحسن توظيفه لهذه المهمّة اللغة ومهاراتها، والقدرة على توظيفها، كما ينبغي.

اللغة من مشتركات الحياة؛ إذ الناس بل مستعملوها فيها على درجة سواء من ناحية الإتاحة، ولكلٍّ منهم أن يتعلّم منها حسب حاجته، وأن يكتسب منها حسب طاقته، ولأهل اللغة كما لطلابها تلمّس الحاجة والطاقة، وفي اللغة ثلاثة مستويات، كما أسلفنا، وليس مستوًى واحدًا كما هو جارٍ في درس العربية :

المستوى الأوّل : مستوًى أدبيّ يوظّف اللغة توظيفًا خاصًّا ، ويجنح إلى التسامي فوق اللغة العاديّة، في أنظمتها المختلفة من بنية وتركيب، ومن خروج في معانيها عن مقتضى الظاهر. ومن خروج دلالة ألفاظها من حقلٍ دلالي إلى حقل دلالي آخر، ويتمثّل هذا المستوى في الشعر والخطابة، والكتابات الأدبية، وكلّ ما يقصد إلى الجمع بين جودة المعنى ، وجودة العبارة، ويوظف إمكانات اللغة والخيال، وقدرات أخرى.وهذا المستوى له طلابه ، وهم من نوعٍ خاصٍّ، وليسوا كلّ الأنواع والفئات، وهذا النوع أعلى المستويات وأرفعها، ولغة هذا المستوى قابلة للمراجعة والتصحيح والتنقيح، لتخرج بصورة تلائم مستواها التداولي.

المستوى الثاني: وهو مستوًى تداوليٌّ، لا يحتاج إلا أساسيات اللغة في مفرداتها التي توظّف في معانيها الوضعية غالبًا، كما لا يحتاج إلى كثير ممّا يرد في كتب النحو من قواعد فرعية، وخلاف، ومعانٍ، كما أن من يكتب بهذا المستوى أو يتحدّث ليس بحاجة لأن يوظِّف إمكانات اللغة التي تخرج عن القياس والمطّرد، وما تدعو إليه ضرورة الإبداع. وطلاّب هذا النوع لا بدَّ من تحديد حاجاتهم ، ولا بدَّ من الرأفة بهم، وعدم تكليفهم ما لا يحتاجون، والاكتفاء بالحدِّ الأدنى من الكفايات اللغويّة، ذات الصبغة العملية، وبإمكانهم توظيفها في استعمالهم اللغويِّ.ومن هذه الفئة طلاّب الأقسام في العلوم الطبيعية والطبية، والعلوم الأخرى.

المستوى الثالث: المستوى التواصلي الذي يقال في مقام خاص، ويؤدّي غرضًا آنيًّا محدودًا بالزمان والمكان وأطراف الخطاب، ولا يجري عليه التدوين في الغالب؛ لعدم الحاجة إلى تدوينه، ثم هو لا يصلح للتداول فيما بعد، وهو معظم كلام البشر وأكثره ، ولو قيل 99% من الكلام وما يدور من لغة وحديث وحوار هو من هذا المستوى، بل كلّ ما يجري على الألسنة من حديث المجالس والفكاهة والطرفة، بل لغة المدرِّس في فصله من هذا المستوى، ولا يرقى إلى المستوى التداولي، وهو بحكم آنيّته يتطلّب شيئًا من اليسر، والسهولة، والاقتصاد، ولا يلتزم بقواعد النحو القياسية بقدر ما يلتزمه من نجاح في الأداء والفائدة، ثم هو مستوًى يتميّز بالأخذ في الترخصات، وأن الكلام فيه تغلب عليه العفوية، ثمّ هو يمثِّل كلام الناس العفويَّ ، وكلامهم الفطريّ على سجيّتِهم، دون تكلُّف؛ فالمتكلّم يهمّه أن يتواصل مع الآخرين، وأن يفهم ما يريد، باقتصاد وجهدٍ قليلٍ، وبأخصر طريق، وأيسر سبيلٍ. وأن بعضه يؤدَّى بالصوت وبعضه يؤدّى بوسيلة دلالية أخرى غير لغويّة، مثل الإشارة وحركات العين، وأخيرًا هو مستوًى يراعي المقام، ولا يتكلّف كالمستوى التداوليّ، وقد أسلفنا الحديث عنه.

*********

توصيات و مقترحات :

  1. 1.مراجعة وتقويم فائدة المقررات، مثل الأصوات، وعلم اللغة، وبعض مداخل العلوم، والتخلّص من الموادِّ الفلسفية التي لا تسهم إسهامًا واضحًا في تكوين المهارات، وتوظيف اللغة.
  2. 2.التركيز على الجوانب الوظيفية من النحو وغيره من علوم العربية.
  3. 3.الخروج بالنحو عن النحو النصي إلى نحوٍ أشمل وأكمل وأكبر نفعًا وأثرًا، يصنع الفكر، ويسهم في تذوُّق الكلام وبنائه.
  4. 4.ضرورة ربط النحو بالبدهيات لدى الطالب ؛ حيث إنه فطري يلتزمه كل متكلم في كل لغة .فكل متكلم يعرف كيف يستفهم وكيف ينادي وكيف يتعجّب؟ ولا يمكن له أن يخلط حين يقصد إلى معنى من هذه المعاني بينها فلا يستفهم وهو يريد التعجب ، ولا ينادي وهو يريد التعجب ، ولا يخبر وهو يريد الإنشاء . فكل كلام مهما كانت منزلة من ينشئه له معنًى نحويٌّ.
  5. 5.ربط النحو بالبدهيات اللغوية مثل التفريق بين المنصوبات : حال تمييز، ظرف ، مفعول به ، مفعول مطلق ، مفعول لأجله ، مستثنى بشرح دلالتها شرحًا مبسّطًا بعيدًا عن التعقيد ، والوعورة المصاحبة لها في كتب النحو .
  6. 6.لا بدَّ أن نأخذ بأسباب تطوير الدرس اللغوي ، ولا يمكن أن يتطوّر ما لم نأخذ بثلاث، وندع ثلاثًا، فالثلاث التي نأخذ بها، هي :
  • أن ندرس النحو على أساس أنّه مادّة فكر، يجب فهمه، واستيعابه، وليس محفوظات، يكفي فيها الحفظ والترديد.
  • أن ندرسه على أساس من الذوق، الذي يصنع ألفة بينه وبين دارسه.
  • أن ندرسه مصحوبًا بالممارسة الجيّدة، والتطبيق المؤازر للمادة النظرية.

والثلاث التي نجتنبها:

  • اللفظية، التي تعتمد حفظ القواعد دون فهم، وتكريرها؛ إذ يحفظ الطالب القاعدة ، ومثالها أو أمثلتها، ويحصل على الدرجة الكاملة في الاختبار، وإذا ما قرأ وكتب وقع في لحنٍ مشين شنيع ، ولو تغيَّر عليه المثال، الذي حفظه من المقرر، أو فقد من حافظته كلمة أو عبارة لم يهتد إلى إجابة صحيحة، وهو مع ذلك في عداد الممتازين المتفوِّقين؛ لأنّه استطاع أو قدر على استرجاع محفوظه، ولو بدون فهم، وما خطؤه إلا من الطريقة التي تعلّم عليها : الحفظ دون الفهم والاستيعاب لما حفظ.
  • الحجب التي تحول بين الدارس والنحو، من خلال ربطه بلغته المحكية المعتادة نظامًا ولفظًا وشكلا ، موافقة ومخالفة لمقتضى الظاهر.
  • الإغراق في التنظير؛ فمن الحتم أن نخلِّص الدراسة النحوية بل اللغويّة من كونها تنظيرًا محضًا لا صلة لها بالواقع، ولا بلغة الدارس، لنرتقي بها، لتكون مهارات، وممارسات على الأقلِّ - يعيشها الدارس في حياته، ومن المعلوم أن ربط المعرفة بسلوك المتعلِّم يمرّ بأربع مراحل: المعاناة، فالممارسة، فالمهارة، فالعادة، فالسليقة. والمهارة لا تأتي إلا بتكرار الممارسة الواعية على شدّة المعاناة التي ستقع للممارس، والاعتياد على دقّة الأداء، والالتزام بالانضباط، وتكلّف التركيز والانتباه، واستحضار قواعد العلم النظريّة، و إذا كان هذا في المهارة فمتى تأتي أو تتكوّن العادة والسليقة؟!
  1. 7.عمل مقرر للجامعة جديد يشمل جميع مكوِّنات الدرس اللغوي، ولا يستأثر به فرع دون فرع، ويراعي الأهداف الخاصة للفئات المستهدفة، وكل ما من شأنه الإسهام في تطوير الدرس اللغويِّ. ومقرر اللغةوهذا المقرر الذي يقدّميقدَّم لعموم الطلبة، يجب أن يعلم اللغة، ويطلق الألسنة للإبانة عمّا لدى المتعلِّم من أفكار، وخواطر بخطاب يناسب المقام، وأن يكون خليطًا من المعارف اللغويةاللغويّة البسيطة، والمهارات، والتدريبات، مع التركيز على جوانب الاتصال، والتواصل، وتعلم الناس اللغة، وإطلاق ألسنتهم للإبانة عمّا لديهم من أفكار وخواطر، وكل من شأنه قضاء حاجات الحياة اليومية، والتواصل الإنساني المتكرر.والتواصل.

تمّت بحمد الله والصلاة والسلام على رسوله الكريم.

 
النحو العربي بين اللفظ والمعنى طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: بحوث نحوية
تقييم المستخدمين: / 11
سيئجيد 
الكاتب سليمان إبراهيم العايد   
الجمعة, 27 أبريل 2012 18:05

محاضرة ألقيت في موسم نشاط كلية اللغة العربية/جامعة أم القرى مساء الثلاثاء الموافق 11 /1/1433هـ

سياق المحاضرة بدء حوار، وإثارة من أجل تحقيق مصلحة لدرس العربية، الذي ارتبطت به حياتنا ومصالحنا، كما ارتبطت به حياة من نعول، وهذا السياق في إطار مجتمعٍ يستبطن شيئًا غير قليل من الغيرة على العربية ودرسها، وأنا على ثقةٍ أنّ لدى كلِّ واحدٍ منكم ما هو خير مما أقول، وأفضل ممّا أطرح، ولا يعدو ما أذكره وجهة نظر هي أقرب للخواطر, ولا ترقى لتكون نظريّة، ولا تحمل نتيجة نهائيّة، بل هي مطارحة فكرية، وسجال مباح في وجهات النظر، وكلّ ما أتمنّاه أن يوضع ما يسمع هذا اليوم في هذا الإطار. وسوف يكون كلامي في الأفكار التالية:

- مقدمات.

- مقاصد النظام اللغويّ.

- النحو بين اللفظ والمعنى(جولة مع اللفظيين, النحو بين تصوّرين).

- نماذج .

- أفكار , وتوصيات, ونداء.

هناك في الأذهان اقتران بين أشياء, فاسم بلال لا يصلح إلا لحبشي, ولا يناسب التشيّع إلا الفارسي, ولا دارس النحو إلا تراثيًّا منكفئًا على ذاته, كما تقترن التبولة باللبناني, وكما يرتبط الخليجي مع النفط, والأمريكي مع الدولار

ويبدو أن أهل اللغة واقعون في هذا الارتباط الذي يعسر انفكاكه , فقليل من المشتغلين بعلوم العربية من يستطيع أن نفكّه من هذا الأسر , فالنحوي مثلا : إمّا موغِل في النحو النصّي المؤسِّس على قراءة كتاب من كتب التراث, وتقريره على الطلاب, فهو منغلق على ما تحفّظه من النحو الأصيل, وليس عنده استعداد لتفهّم ما لدى الآخرين فضلا عن الإفادة منه؛ لأنّه لا يرى العلم إلا ما تعلّمه، فهو يعيده على طلابه, وإمّا شخص ليس بينه وبين التراث النحويّ العربيّ أيّ صلة؛ فهو كافر به وبمعطياته. فكلّ هؤلاء لا يفيدون دروس النحو ولا العربية، ولا يسهمون في تجديدها وإنمائها.

قال إبراهيم بن هانئ: من تمام آلة القصص أن يكون القاص أعمى، ويكون شيخا بعيد مدى الصوت. ومن تمام آلة الزّمر أن تكون الزامرة سوداء. ومن تمام آلة المغني أن يكون فاره البرذون. برّق الثياب عظيم الكبر، سيء الخلق. ومن تمام آلة الخمار أن يكون ذميا، ويكون اسمه أذين أو شلوما، أو مازيار، أو ازدانقاذار، أو ميشا، ويكون أرقط الثياب، مختوم العنق. ومن تمام آلة الشعر أن يكون الشاعر أعرابيا، ومن تمام آلة الدعوة أن يكون الداعي إلى الله صوفيا. ومن تمام آلة السؤدد أن يكون السيد ثقيل السمع، عظيم الرأس. ولذلك قال ابن سنان الجديدي، لراشد بن سلمة الهذلي: «ما أنت بعظيم الرأس ولا ثقيل السمع فتكون سيدا، ولا بأرسح فتكون فارسا» .

وقال شبيب بن شيبة الخطيب، لبعض فتيان بني منقر: «والله ما مطلت مطل الفرسان، ولا فتقت فتق السادة » .

وقال الشاعر:

فقبّلت رأسا لم يكن رأس سيد وكفا ككف الضبّ أو هي أحقر

فعاب صغر رأسه وصغر كفه، كما عاب الشاعر كف عبد الله بن مطيع «1» العدوي، حين وجدها غليظة جافية، فقال: [البيان والتبيين 1/ 96]

دعـــا ابن مطيع للبياع فجئته إلى بيعـــة قلبي لهــا غير آلف

فناولني خشــناء لما لمســــتها بكفي ليست من أكف الخلائف

وهذا الباب يقع (في كتاب الجوارح) «1» مع ذكر البرص والعرج والعسر والأدر والصلع والحدب والقرع، وغير ذلك من علل الجوارح. وهو وارد عليكم إن شاء الله بعد هذا الكتاب.

وقال إبراهيم بن هانئ: من تمام آلة الشيعي أن يكون وافر الجمة، صاحب بازيكند «2». ومن تمام آلة صاحب الحرس أن يكون زمّيتا, قطوبا, أبيض اللحية، أقنى, أجنى «3»، ويتكلم بالفارسية.

وأخبرني إبراهيم بن السندي قال: دخل العماني الراجز على الرشيد، لينشده شعرا، وعليه قلنسوة طويلة، وخف ساذج، فقال: إياك أن تنشدني إلا وعليك عمامة عظيمة الكور, وخفان دمالقان «4» .

قال إبراهيم: قال أبو نصر: فبكر عليه من الغد وقد تزيّا بزِيِّ الأعراب، فأنشده ثم دنا فقبّل يده، ثم قال: يا أمير المؤمنين، قد -والله-أنشدت مروان ورأيت وجهه وقبلت يده وأخذت جائزته، وأنشدت المنصور ورأيت وجهه وقبلت يده وأخذت جائزته، وأنشدت المهدي ورأيت وجهه وقبلت يده وأخذت جائزته. وأنشدت الهادي ورأيت وجهه وقبلت يده وأخذت جائزته. هذا إلى كثير من أشباه الخلفاء وكبار الأمراء، والسادة الرؤساء، ولا والله إن رأيت فيهم أبهى منظرا، ولا أحسن وجها، ولا أنعم كفا، ولا أندى راحة منك يا أمير المؤمنين. و و الله لو ألقي في روعي أني أتحدث عنك ما قلت لك ما قلت. قال: فأعظم له الجائزة على شعره، وأضعف له على كلامه، وأقبل عليه فبسطه، حتى تمنى، والله، جميع من حضر أنهم قاموا ذلك المقام. [البيان والتبيين 1/97- 98]

وإنني لأخشى أن يصاب كثير من المهتمّين بالدرس اللغويّ وبحثه بمتلازمةٍ ما, كمتلازمة داون – كما يقول الأطبّاء-مثل متلازمة التراثيّة, والمحافظة, والغيرة على العربية, والخوف عليها من الإفساد, وما يمكن أن يقال من هذه البابة, ويصدق علينا شيء ما من مثل تلازمات الجاحظ, ويحقّ لنا حينئذٍ أن نضيف متلازمات أخرى تتعلّق بتخصصات اللغة العربية, فهناك متلازمة الحفاظ على التراث اللغوي, ومتلازمة النحو النصيّ, ومتلازمة عدم قابلية علوم العربية للتطوير، من مثل مقالة "النحو شاط حتّى احترق", ومتلازمة بلاغة معيّنة, ومتلازمة طرائق نقدية معروفة, ومتلازمة دراسة الأدب بطريقة ما, يتحصّن بها كل أصحاب طريقة, ومنتحلو كل اتجاه أمام زحف لا يستطيعون مواجهته إلا بالانكفاء على الذات, والتحرّز بما لديهم.

وقد صرنا إلى هذه الحالة, فلا يصحّ أن يكون لدينا نحويّ أو بلاغي, إلا وهو يمانع أشدّ الممانعة في نظر ما عند الآخرين, ويمانع أشدّ من مراجعة مسلّماته و بدهيّاته, كما يرفض إعادة صياغة أو تشكيل علمه, بصورة تناسب العصر, وتقرِّب من طلابها. حتّى غدا النحو في مؤسّساتنا أشبه باللعب البلاستكية, صورة بلا حياة, وجسدًا بلا روح.

رحم الله الجاحظ, وصرف عنّا شؤم مقالته، وطالع فكرته, والتطيّر من النظر فيها, (اللهم حوالينا ولا علينا).

إن القائمين بتعليم العربية بل كل العلوم في التعليم الجامعي, وخلافه من معلمين وأعضاء هيئة تدريس ثلاث فئات أو ثلاثة أصناف, على الصورة التالية:

1) نوع حكمه حكم النافورة تخرج ما يدخل فيها دون معالجة أو تغيير؛ فهم ليسوا إلا ممرًّا أو معبرًا للمعرفة, فهم كما قال (صلّى الله عليه وسلّم) : "بلّغوا عنّي ولو آية, فربّ مبلّغٍ أوعى من سامع, وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه" وهؤلاء يؤدِّون ما حفظوا أو حُفِّظوا, وهم غالبية المنتمين للعلم, وغالبية البيئة الجامعية, وهم أشبه بمحطّات الوقود, يتزوَّد منها العابرون, ولا يقفون عندها أكثر ممّا تقضي به حاجتهم للتزوُّد.

2) نوع كالمعصرة تقوم بتنقية ما يُدْخَل فيها وتصفيته, ثمّ تخرجه نقيًّا خالصًا من كثيرٍ ممّا يشوبه, كتخليص المسائل ممّا لا تدعو إليه حاجة, والتخلّص ممّا يعدّ تزيُّدًا أو لا تعلّق له بالعلم, أو يكون مسلكًا لتيسير العلم، وتسهيل الفهم للطالب والإدراك ,أو سبيلا لإحكام العبارة, وتحريرها, مثل عمل المشجّرات, وكتابة الملخَّصات والمختصرات, وما في حكمها, وهؤلاء معلِّمون بدرجة جيِّدة, لا يجاوزون هذه الرتبة, ولا يرتقون فوق هذه الدرجة, وهم بالنجوم المضيئة, والعلامات الهادية التي يهتدي بها الحائرون, ويسترشد بها الضالون أشبه, فهم مؤدّون لما عليهم حسب طاقتهم, وعلى قدر وسعهم, وبما تقضي به إمكاناتهم, )لا يكلّف الله نفسًا إلا ما آتاها (فهم مفيدون ونافعون, فهم – كما قلت- أشبه بالنجوم في سماء الأقسام العلمية, وجامعاتهم.

3) نوع لديهم قدرات تفوق ما لدى سابقيهم, لديهم قدرة على إعادة تشكيل المعرفة, وإعادة صياغتها, وإخراجها بصورة جديدة, كأنها نتاج جديد, مع إمكانية الإضافة لها بمهاراتهم ومعارفهم وأدواتهم, والقدرة على توظيفها, وهؤلاء يمكن أن أمثِّلهم بالمصانع التي تتعامل مع نواتج الصناعات التحويلية، التي تقدِّم لهم موادّ ببعض تصنيع, أو بدونه, أو بتصنيع أوّليٍّ؛ إذ يمكن أن نقدِّم لمصانع مختلفة كتلة من منتج المواد البتروكيمائية, ونلقمها لمصانع مختلفة, لتخرج لنا هذه المصانع خزانات المياه, وأوعية التغليف، وأكياس النفايات, وخيوط النسيج, وألعاب الأطفال وعرائسهم, وقطع غيار السيّارات, وغير ذلك, وهؤلاء مثل الأقمار المنيرة, التي يستضيء الناس بنورها في سماء العلم والمعرفة, والمؤسسات العلمية, وقليل ما هم.

وهناك صنف دون هذه, فذاك أعوذ بالله من ذكره؛ فهو غصة يغصّ بها طلبة العلم, وهو فجّ الطعم, عسير الهضم, ولا يكاد يسيغه أحد, يضرّ أكثر ممّا ينفع, يصدّ ولا يجذب، ينفِّر ولا يبشِّر, وهو من البلاء, ومن نكد الدنيا. وصنف يحلِّق في سماء الإبداع, كالشموس الوهّاجة, فذاك غاية المنى, وهو نادر عزيز, وأنّى لنا به؟!.

وعلى العموم , من الظاهر للمعاينة واقع أساتذة اللغة العربية ومعلِّميها الذين رضوا بان يكون أقصى جهدهم في درسهم أن يعيدوا في العام اللاحق ما قاموا به في سابقه, غير عابئين بإبداع أو تميُّز, أو تنويع الطرح والتناول، فقد رضوا أن يكرِّروا أنفسهم في كل عامٍ، والمكرّر في ظنِّهم يحلو, وعند غيرهم نوعٌ من الكسل, وضرب من العجز.

*********

نحن لو ألقينا نظرة عجلى على نتاج البحث اللغويّ, والبحث هو منطلق التطوير والتجديد, وطرح التنظير للفحص والاختبار, وموطن الممارسة التطبيقية للتنظير؛ فكل الأعمال البحثية إلا ما ندر لا تخرج في غايتها عن تجميع مفترق, وتفريق مجتمع, وهي في مجملها إعادة, لا تحمل فكرًا جديدًا, ولا إبداعًا علميًّا, فهي ما بين تصنيف مدرسيّ, أو كتابة موسوعيّة, أو مختارات علمية, أو شرح مختصر, أو اختصار مطوَّل, و لا تعدو في أحيانٍ أخرى نشرًا يسمّى تحقيقًا, أو نقلاً يسمّى ترجمة, وهذا الأمر أو الشأن يتساوى فيه, الباحثون المبتدئون من طلاّب المرحلة الجامعية والدراسات العليا والباحثون المبرِّزون – كما يرون أنفسهم – من أساتذتهم ومشرفيهم.

إن البحث العلميّ في برامج الدراسات العليا أو أعمال أعضاء هيئة التدريس يجب أن يكون همّه الأوّل تطوير برامج اللغة العربية, والانتقال بها من حال إلى حال, وما لم يتوفّر هذا الأمر فعلينا ألا نسرّ بكثرة ما ننتج, ولا بوفرة ما نكتب, إلا بمقدار ما تمنحه لكاتبها من فرحة التخرّج, والشعور بالغبطة بإكمال مرحلة, والتهيُّؤ لمرحلة أخرى, وإلا تغييرًا في لقبٍ, وزيادة في الراتب, وامتلاءً خادعًا يخفي وراءه ضحالة الفكر, ورداءة النتاج, والعجز عن الإضافة والإبداع, والتخاذل عن الإصلاح وحمل الهمِّ, وتوظيف النواتج فيما يعود على تلك البرامج بالفائدة, وإلا الانصراف عن تنمية الذات, وانعدام ما يمكن أن نقدِّمه لمن يحسن الظنّ بهذه الفئة.

*************

مقاصد النظام اللغوي أو الأنظمة اللغويّة:

 

- الإفهام

- الإبانة

- رفع اللبس أو الإلباس

- المواءمة أو الملاءمة

- تحسين اللفظ

 

الإفهام :

مثل الإسناد، العمدة والفضلة ، والإفهام عملية تخصّ المتلقّي ، وإن كان القائم بها المتكلِّم . ويمكن جمع الإفهام والإبانة في نقطة واحدة.

الإبـــــانة :

1. التفصيل بعد الإجمال .

2. الإيضاح بعد الإبهام.

3. التفسير والشرح.

4. التمييز.

5. الإطناب/المساواة/الاختصار/الاقتصار(الإفادة).

6. التعريف.

7. الوصف.

8. الأدوات النحويّة.

9. الاستغاثة /التعجّب/النداء/الاختصاص/الإغراء والتحذير.

10. الفضلات من مفعول، ومفعول به، ومطلق، ولأجله، ومعه، وحال، وتمييز، واستثناء.

11. توخِّي المعاني النحويّة.

12. صور البيان.

رفع اللبس أو الإلباس:

1) التنصيص: التأكيد بأنواعه، الحال المؤكِّدة .

2) البدل بدل الاشتمال، والبعض من الكلِّ.

3) خاط لي عمروٌ قباء ..... وترغبون أن تنكحوهنّ.

4) الاعتراض.

5) حرف العطف في الجملة الدعائية: لا، وهداك الله .

6) التورية والمعاريض.

المواءمة: مطابقة الكلام مقتضى الحال، الاقتصاد، مطابقة الكلام بعضه لبعض :

1. مطابقة ركني الجملة (تذكيرًا وتأنيثًا، إفرادًا وتثنيةً وجمعًا) .

2. مطابقة التوابع في خمسة من اثنين ، أو أربعة من عشرة .

3. العاقل وغير العاقل، (من، ما، هؤلاء).

4. جموع القلّة والكثرة – بين مطابقة الواقع أو الاستعمال.

5. الاستعمال والقواعد.

6. التواصل والتداول.

7. الإشارة ، والموصول، والضمائر.

8. الحقيقة والمجاز – المجاز العقلي.

9. الكناية (اللازم والملزوم).

10. الروابط.

11. الاقتصاد في مقامات التواصل, وما فيه من تعاقب اللغة المنطوقة, ومكمِّلات البيان الأخرى, من إشارة, أو حركة جسدٍ، أو رمز.

12. الاقتصاد في استعمال الضمائر ، والحذف ، والاستتار.

13. علامات التثنية والجمع.

14. أدوات ، مثل "أل" العهدية، "أل" للاستغراق في الأفراد والصفات.

15. حذف متعلّق الظرف والجار والمجرور إذا كان كونًا عامًّا .

16. لغة القانونيين وما فيها من تحرّزات، والتعاريف العلمية .

تحسين اللفظ وتخفيفه, ويدخل فيه التيسير على المتكلِّم:

1) الإعلال والإبدال .

2) الإمالة وما في حكمها.

3) التخلّص من التقاء الساكنين.

4) الإضافة – الإضافة اللفظية- الصفة المشبّهة.

5) الإبدال اللغويّ.

6) الحذف غير المطّرد – الحذف المطّرد.

7) المحسِّنات البديعية اللفظيّة.

8) منع توالي أربعة متحرِّكات في الكلمة الواحدة أو فيما هو كالكلمة الواحدة .

9) بنية الكلم ، وامتناع توالي بعض الأصوات (جص، منجنيق).

10) التفريع وما في حكمه.

11) العروض والقافية ، وما يتّصل بهما.

12) عود الضمير على متأخِّرٍ لفظًا ورتبة، أو رتبة لا لفظًا ... إلخ.

***********

ويمكن تقسيم النحو إلى أربعة أقسام:

1) مقاصد النحو : كما تقدّم في النظام .

2) نظام النحو: مثل نظام الجملة, والرتبة(التقديم والتأخير) والمطابقة, والذكر والحذف, والإسناد, والمعنى, والمفرد والمركّب, والربط.

                        3) مقتضيات: علامات الإعراب والبناء, التخلص من التقاء الساكنين, امتناع توالي أربعة متحركات فيما هو كلمة واحدة, أو كالكلمة الواحدة.

4) إجرائيّات: الإعراب, التأويل, التقدير, التخريج والتوجيه, التفسير, التعليل.

********

يقول كثير: إن النحو العربيَّ مغرق في الشكليات, ولا يعنى بالمضمون بمثل ما يعنى بالشكل, واللفظ, وكلّ ما يقوم به النحو هو دراسة الجانب اللفظيّ, وتعليم شكليّات في اللغة لا يتوقَّف عليها الفهم والإدراك, ولذلك يكثر تعسُّف النحاة, وتكلُّف التخريجات, والبحث عن التأويلات ولو بعُدت, ويقولون: إنّ هذا الإغراق يحرم النحو العربيّ من أهمِّ مزايا موضوعه, وهو دراسة المعنى.وقضية اللفظ والمعنى في النحو قديمة، تناولها بعض نحاة العربية, كابن جنِّيّ , وهو صاحب تجلِّيات في هذا الأمر، فقال : المحذوف للدلالة عليه بمنزلة الملفوظ, ويؤكِّده قول الشاعر :

قاتلي القـــومَ يا خزاعُ ولا يأخــذكم من قــتالهم فشَلُ

فتمام الوزن أن يقال: فقاتلي القومَ..... (الخصائص 1/288). ومثل هذا الحذف اللازم في نحو: "زيدٌ في الدار", وقرّر أن حكم المحذوف إذا دلّت الدلالة عليه كان في حكم الملفوظ به إلا أن يعترض هناك من صناعة اللفظ ما يمنع , مثل القرطاسَ واللهِ . (الخصائص 1/284) وعقد بابًا آخر بعنوان "باب في تجاذب المعاني والإعراب" وقال فيه: هذا موضِع كان أبو عليّ (رحمه الله) يعتاده, ويلمّ به كثيرًا, ويبعث على المراجعة, له, وإلطاف النظر فيه, وذلك أنّك تجد في كثير من المنثور والمنظوم الإعراب والمعنى متجاذبين: هذا يدعوك إلى أمر, وهذا يمنعك, فمتى اعتورا كلامًا ما أمسكت بعروة المعنى, وارتحت لتصحيح الإعراب؛ فمن ذلك )إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر( وأورد آياتٍ, ونماذج أخرى( انظر الخصائص 1/284-290).

وعقد بابًا آخر بعنوان((باب في التفسير على المعنى دون اللفظ)) اعلم أن هذا موضع, قد أتعب كثيرًا من الناس واستهواهم, ودعاهم من سوء الرأي وفساد الاعتقاد إلى ما مذِلوا به, وتتابعوا فيه, حتّى إنّ أكثر ما ترى من هذه الآراء المختلفة, والأقوال المستشنعة, وإنما دعا إليها القائلين بها تعلّقهم بظواهر هذه الأماكن, دون أن يبحثوا عن سرِّ معانيها, ومعاقد أغراضها, فيقولون: حتّى الناصبة في نحو "اتق اللهَ حتّى يدخِلَك الجنّةَ" ويقولون: "أهلَك والليلَ".( انظر الخصائص 3/260-240).

أسهم النحاة من أجل تيسيره – كما يقولون - في تصغير النحو, فحذفوا كثيرًا من أصوله, واستغنوا عن كثيرٍ منه, في حين أنهم في التصغير يحذفون الزيادات وما لا تستقيم به البنية من الأصول بعد التصغير, فقصروه على الإعراب, وحركة آخر الكلمة, من إعراب وبناء, بعد أن قصروه على الكلمة, وربّما ألمّوا بالجملة, وبعدوا عن دراسة الكلام؛ فقد حفظنا في ألفية ابن مالك:

كلامنا لفظ مفيد كاســـــتقم واســــم وفعل ثم حرف الكلمْ

فالإعراب وظيفة نحويّة؛ والوظيفة النحويّة قسمان: إعرابية, وغير إعرابية, فالإعرابية لا بدَّ فيها من العامل, و تتعلّق بأحوال آخر الكلم, وغير الإعرابية، تتعلّق ببقيّة النظام النحويّ، والإعراب أثر العامل, والبناء فعل الواضع، نحو: ضربَ زيدٌ، وهذا لكَ أو لكِ, أو لكمْ, أو لكنَّ, أو لكما, والإعراب غير ثابت, بل يتغيَّر بحسب العوامل, والبناء ثابت, لا تؤثِّر فيه العوامل المختلفة.

وهذه مقدّمة حسنة, وهي تبين عن موضوع النحو, وتصوُّر النحاة له, غير أنّنا لا نجده واضحًا في تعاطيهم للنحو, ولا في التصنيف النحويّ, خاصّة التعليمي, لا في النظام المدوّن, ولا في تطبيقاته, ولا في إجرائيّاته؛ فالنحو لا يخرج عن مفرد – وهو الغالب – وجملة – وهو القليل- أو مفرد وتركيب, من خلال درس آليّ, لا يمتدُّ إلى السياقات, والمعاني, والذوق, ولا إلى بقيّة مكوِّنات الكلام، ممّا أفسح المجال لميلاد علم آخر يكمّله, وهو علم المعاني, وكان بالإمكان أن يكونا علمًا واحدًا.

وقد غُمِسَ النحو في العصور المتأخرة في شكليّات، وأغرق في الجانب اللفظي، وقد أسهم في ذلك تعريف المتأخرين للنحو الذي يختزل النحو في حركة أواخر الكلم من إعراب وبناء, فـالنحو في اصطلاح متأخِّري النحاة هو"العلم بالقواعد التي يُعْرَف بها أحكامُ أوَاخِرِ الكلمات العربية في حال تركيبها: من الإعراب، والبناء وما يتبع ذلك".وموضوعُه: "الكلمات العربيةُ، من جهة البحث عن أحوالها المذكورة".وهذا التعريف هو الذي سوّغ لدعاة تجديد النحو أن يدعوا للتجديد. ودعوا إلى العناية بالمعنى؛ حتّى دعوا إلى إعادة تصنيف النحو على المعاني النحوية. فهم "يقصرون بحثه على الحرف الأخير من الكلمة, بل على خاصة من خواصه, وهي الإعراب والبناء..."(إحياء النحو ص1) "فغاية النحو بيان الإعراب, وتفصيل أحكامه, حتّى سمّاه بعضهم علم الإعراب؛ وفي هذا التحديد تضييق شديد لدائرة البحث النحوي, وتقصير لمداه, وحصر له في جزء يسير ممّا ينبغي أن يتناوله, فإن النحو.... هو قانون تأليف الكلام, وبيان لكل ما يجب أن تكون عليه الكلمة في الجملة, والجملة مع الجمل, حتّى تتّسق العبارة ويمكن أن تؤدِّي معناها".(إحياء النحو ص1).

وتعريف النحو عند المتقدمين هو العلم المستخرج بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب الموصلة إلى معرفة أحكام أجزائه التي ائتلف منها. وهذا التعريف يشمل النحو والصرف كما هو معلوم في شأنه الأول .

وقد وقع دعاة التجديد فيما أرادوا تجنبه، فأوغلوا في لفظيّة النحو العربي، حين اختصروا الوظائف وجعلوا المنصوبات شيئًا واحدًا مكملات: تكملة أو فضلة، في حين أن تبويب النحاة وتنوّعه مرتبط بالمعاني، فعنوانات الأبواب هي المفعول, والمفعول المطلق، والمفعول لأجله، والمفعول معه, والظرف، والحال، والاستثناء، هذه كلها معانٍ. إذا أعربوها قالوا فضلة، وهي مختلفة الدلالة والمعنى.ويقال مثل هذا في التوابع فهي نوع واحد من ناحية العمل, وهي مختلفة من حيث المعنى, ومن هنا جاء تفريقها على أربعة أبواب أو خمسة.

يتجاهل اللفظيّون من النحاة ما يوحي أو يومئ إليه التبويب النحوي, فنحن لو نظرنا إلى التبويب لوجدنا أنّه إمّا أن يكون تبويبًا يرجع إلى الوظائف النحويّة(معاني النحو الوظيفية) وهي في الغالب أشياء ترجع إلى الشكل واللفظ, مثل تصنيف المتون إلى مرفوعات فمنصوبات, فمجرورات, فمجزومات, ومثل التبويب لالتقاء الساكنين, والوقف, والإدغام, والإمالة, والإعلال والإبدال, والتوابع, وهذا لا يمنع أن يأخذ هذا التبويب بشيءٍ من المعاني النحوية, مثل : الفاعل, والمفعول به, والمفعول المطلق, والمفعول لأجله, أو معه, والحال والاستثناء, والتوابع من بدل, وعطف بيان، وعطف نسق, ونعت, فهذه معانٍ, والوظيفة هي تبعيّة اللاحق للسابق في الإعراب, ومثل الإضافة المعنوية دون اللفظية, ومثل أبواب الإغراء والتحذير, والنداء, والاستغاثة, والتعجّب, فهذه كلّها أبواب للمعاني, وليست أبوابًا للوظائف. وهناك أبواب تؤسّس على الأمرين, مثل الجرِّ, فالجرّ وظيفة, ومعاني حروف الجرِّ معانٍ نحويّة إضافيّة, ولو جرّدنا هذا الباب من معاني الحروف لكفاه سطرٌ أو سطران. ويقال: مثل هذا في عطف النسق, إذ يكفي لبيانه وظيفيًّا سطر بل كلمات معدودة على أصابع اليد, غالبها حروف العطف, وحين قصد النحاة بيان المعاني النحوية, والتفريق بين هذه المعاني كان هذا البسط الذي هو في المعنى لا في الوظيفة, و لولا المعنى لم يكن.

**********

ناقش أستاذنا الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة مسائل في الاستثناء المفرّغ وفق المنهج اللفظي، ولو ناقشها بالنظر إلى المعنى لسلِم ممّا وقع فيه من الخطأ, قال:"أحصيت آيات الاستثناء في القرآن الكريم, وكان من ثمرة هذا الاستقراء أن وجدت آيات كثيرة جاء فيها الاستثناء المفرّغ بعد الإيجاب, وبعض هذه الآيات جاء الإثبات مؤكّدًا ممّا يبعد تأويل هذا الإثبات بنفي, مثل قوله تعالى:

1.) وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين([2/45]

2.) وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله([2/143]

3.) لتأتنّني به إلا أن يحاط بكم([12/66]

فهذا الإثبات المؤكّد بـ"إنْ" و"اللام" أو بالقسم ونون التوكيد لا يسوغ حمله على معنى النفي، فإنّنا لو سلكنا هذا الطريق, وسوّغنا هذا التأويل ما وجدنا في لغة العرب إثباتًا يستعصي على تأويله بالنفي؛ لذلك لا أستسيغ تأويل ابن هشام في المغني(2/189) والزركشي في البرهان (4/24) تأوّلا قوله (تعالى) )وإنها لكبيرة ( بقولهما : إنها لا تسهل. وكذلك تأويل الزمخشري قوله (تعالى) ) لتأتنّني به( بقوله : لا تمتنعون من الإتيان. (دراسات لأسلوب القرآن الكريم1/370 )

ولو تأمّل شيخنا المعنى في الاستثناء المفرّغ لما وقع فيما وقع فيه, ولما خالف جمهور النحاة الذين لم يشذَّ عنهم إلا ابن الحاجب في اشتراط النفي أو شبهه؛ إذ الاستثناء في التامّ عملية إخراج, بمعنى أنّه نفيٌ, فحين نقول: "نجح الطلاب إلا صالحًا" فصالح أخرجناه من حكم النجاح, والاستثناء المفرّغ عملية إدخال, أي: إثبات, فإذا قلنا: "ما نجح إلا صالح" فالكلام فيه نفيان "ما" و"إلا" ونفي النفي إثبات , وليس كأيِّ إثبات, فليس هو إثباتًا مجرَّدًا, بل هو إثبات مؤكّد, يسمّى "القصر أو الحصر" وهو أسلوب من أساليب التأكيد, وقد تكوّن من تآلف أداتي النفي والاستثناء, في حين أن الذي يفيد المعنى في التامّ أداة الاستثناء, وما في الآيات الثلاث, والآيات التي تكثَّرَ منها, وهي ثمانِ عشرة آية, كلها استثناء تامّ, فيها إخراج؛ فالصلاة كبيرة شاقّة إلا على الخاشعين, ويقال: هذا في بقيّة الآيات.

ثمّ إن العامل في الاستثناء المفرّغ ما قبل "إلا" قولا واحدًا, و"إلا" ليس لها عمل, ولا تأثير لها في الاسم الواقع بعدها, فكأنّها لم تكن, بخلاف التام ، فالأمر فيه تفصيل يجعل لـ"إلا" أو بالتبعية لما قبلها, أي: المستثنى منه, ذكِر في كتب النحو.

ومثل هذا ما عقده من تقسيم الاستثناء المفرَّغ إلى متّصل ومنقطع, قال:"الاتّصال والانقطاع يكونان في الاستثناء المفرّغ أيضًا" وهذا غريب ؛ فالاتّصال والانقطاع أمر يرجع إلى علاقة المستثنى بالمستثنى منه, إن كان من جنسه فهو اتّصال, والاستثناء متّصل, مثل "نجح الطلاب إلا زيدًا" وإن كان من غير جنسه فهو منقطع, كما يمثِّل النحاة بقولهم "جاء القوم إلا حمارًا" وهذا غير قائم في الاستثناء المفرّغ؛ إذ ليس فيه مستثنًى منه, وليس له من الاستثناء إلا الصورة اللفظية "أداة الاستثناء" ولو نظر الشيخ إلى المعنى لم يذهب إلى ما ذهب إليه, ممّا لم يسبَق إليه. كما أنّه لا يفوتني أن أشير إلى أن المعنى النحوي إنما يتكوّن بعد أن نجمع بين النفي والاستثناء, وليس النظر إلى أحدهما في الاستثناء المفرّغ بمغنٍ شيئًا.

وقد أورد شيخنا ما يقوّي ما قلناه, فقال: "يرى النحويّون أنّ الاستثناء المفرّغ لا يأتي بعد الإيجاب, وإنّما اشترطوا له تقدّم نفي أو شبهه, وعلّلوا بأنّ وقوع المفرَّغ بعد الإيجاب يتضمّن المحال أو الكذب, ونذكر طرفًا من أحاديثهم.

في معاني القرآن للفرّاء 1/433 "ولولا الجحد ... لم تجِزْ دخول (إلا) كما أنّك لا تقول: ضربت إلا أخاك, ولا ذهب إلا أخوك".

وفي المقتضب4/389 : "والاستثناء على وجهين:

أحدهما: أن يكون الكلام محمولا على ما كان عليه قبل دخول الاستثناء وذلك قولك: ما جاءني إلا زيد, وما ضربت إلا زيدًا, وما مررت إلا بزيدٍ ... وإنّما احتجت إلى النفي والاستثناء؛ لأنّك إذا قلت: جاءني زيدٌ, فقد يجوز أن يكون معه غيره, فإذا قلتَ: ما جاءني إلا زيد, نفيت المجيء كلّه إلا مجيئه, وكذلك جميع ما ذكرناه".وانظر سيبويه 1/360

ومن الإغراق في اللفظية: الخلاف الممتدّ بين النحاة, وبين علماء الشريعة في إعراب كلمة التوحيد ((لا إله إلا الله)), وهم – على الرغم من ذلك – لا يختلفون في معناها, فما بالهم يتّفقون على المعنى, ويختلفون على الإعراب؟! إنهم يختلفون في الإعراب؛ لأنّهم يغلون في اللفظ, ويعطون مقتضيات الصناعة النحويّة أكثر ممّا تستحقّ, وليس النحو إلا آلة بيد المعنى, وبيد المعنى آلات أخرى, ويمكن لمستعمل اللغة أن يقرِّب ما بين اللفظ والمعنى, ويجعل اللفظ تمثيلا له, فهم يختلفون في إعراب لفظ الجلالة من بدل مع اختلاف في المبدل منه, أو مبتدأ , ووقع في الكلام تقديم وتأخير, كما هو تخريج الزمخشري وتوجيهه, ومنع النحاة إعرابها خبرًا؛ لأنّ "لا" لا تعمل في المعارف, ولما يلزم من جعل المبتدأ نكرة والخبر معرفة, كما منعوا جعلها خبرًا لـ"لا" التبرئة لثلاثة أسباب:

أحدها: أنّ "لا" هذه لا تعمل إلا في النكرات.

الثاني: أن ما بعد"لا" موجب, ولا تعمل في الموجب.

الثالث: الابتداء بالنكرة, والخبر معرفة, وهو عكس ما توجِبه الصناعة النحويّة.(ينظر دراسات لأسلوب القرآن الكريم 1/256-157)

ومع هذا الخلاف والجدل لا نجد إشكالا في معناها, فلماذا لا نقف مع بساطة المدركين لمعناها, ونتجاوز هذا الجدل, لنقول: إن معناها "لا معبود بحقٍّ , أو لا مستحقَّ للعبادة, أو لا مألوه إلا الله, وتحتمل غير وجه: أن يكون لفظ الجلالة خبرًا, أو مرفوعًا بـ"إله" باعتباره في حكم المشتقِّ سدّ مسدّ الخبر, حيث الاتفاق على الإسناد من منطوق المعنى, الذي يقول:"لا مألوهَ إلاّ الله", فإذا كان النحو يحار في كلمة تحمل أكبر حقيقة كونيّة بسبب ما اصطنعه من ضوابط, وما تقيّد به من قيودٍ, فهل تلزمنا حيرته فيها؟! وهل قول "لا إلهَ إلا اللهُ" إلا قول "الإله الحقّ الله" وإن كان النفي ب"التبرئة" أقوى معنًى, وأبلغ عبارة. .

ومن إغراق النحو باللفظيّة إعراب المعرّف بـ"أل" بعد اسم الإشارة نعتًا أو بدلا, وبشيء من التأمل وتوظيف الذوق يتبيّن تعيُّن إعرابه بدلا؛ لأنّه المقصود بالحكم, وهذه وظيفة البدل , والنعت يجعل المقصود المنعوت, والنعت بيان ونوع تحديد للمنعوت, ولا معنى للنعت هنا، فلو قلت: "مررت بهؤلاء الرجالِ "لأعربت الرجال بدلا. ينظر عبده الراجحي/التطبيق النحوي ص54 ويقال مثل هذا في إعراب الرجل في نحو "يا أيُّها الرجلُ" فهم يعربونه نعتًا, والأولى أن يعرب بدلا؛ لأنه المقصود, ولا تلتفت لمسألة "أل" ومسألة إحلال البدل, أو امتناع دخول حرف النداء على ما فيه "أل"فهذه أصول مفترضة.

ومن الخداع الصوري أو الإغراق في اللفظية : ما يقع فيه بعض النحاة ويشاركهم في ذلك البلاغيّون حين يعدّون "أنت"من قولك : "ادخُل أنت وعمرو" يجعلون "أنت" تأكيدًا , وهي في حقيقة أمرها لا تعدو كونها مسوِّغًا للعطف؛ لتحقيق الحدِّ الأدنى من الصحة النحويّة. ومثل اعتبارهم ما يجب تقديمه أو يتعيّن في الجملة المعنيّة (بمعنى أنّه لا يصحّ غيره في سعة الكلام) لعارض نحويٍّ يوجب التقديم تقديمًا, مثل "في الدار رجل" , و"في الدار صاحبها", فمثل هذا التقديم جبريّ اضطراري, لا يجوز غيره, ولا يصح نظم الكلام بدونه, كما ينص على ذلك النحاة, فلا يجوز تقديم المبتدأ النكرة, ولا يجوز عود الضمير على متأخِّرٍ لفظًا ورتبةً, ذلك أنّه يجب أن نستحضر أمرًا خلاصته" شروط الكلام موضع البحث البلاغي ثلاثة : 1-القصد . 2- الحرية في أن يستعمله أولا . 3- إمكانية التعاقب في الرتبة (التقديم والتأخير) الموقع ، أو الاستبدال، وهو تنوُّع في طرائق التعبير, ما بين حقيقة ومجاز، ومباشر ولازم, مثل "واشتعل الرأس شيبًا"

فالتكرار قد يكون للتأكيد ، وقد يكون لغيره ، فنحو حديث "فطُف أنت ومن معك" التكرار هنا من أجل تسويغ العطف ، بخلاف حديث"لأنك أنت ضيّعت" فالتكرار للتأكيد".

وأصحاب المعاني يقعون في اللفظية, كما وقع غيرهم من النحاة, فنظروا إلى ظاهر الشيء ولفظه, ولم يتأمّلوا المعنى, ولا مقصد المتكلِّم, فيجعلون نحو قوله ((ما كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ)) من قوله تعالى)قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ( (64) القصص يقول: لم يكونوا يعبدوننا, [تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر 19/ 606] يجعلونه من القصر , وما هو منه؛ لأن التقديم في الآية لغرضٍ لفظيٍّ, لا لغرض معنويٍّ, وهو مراعاة الفواصل, والغرضان اللفظيّ والمعنوي إذا تنازعا قدِّم اللفظيّ, وأهمل المعنويّ, وهذا يحتاج إلى بسطٍ وشرحٍ, من خلال عرض أبواب النحو والبلاغة,

ما يذكره النحاة من معاني "أو" كان موضع توقُّفٍ لابن هشامٍ في المغني, وإن جارى النحاة في "أوضح المسالك", فالتحقيق – عنده - أن (أو) موضوعة لأحد الشيئين أو الأشياء، وهو الذي يقوله المتقدمون، وقد تخرج إلى معنى "بل"، وإلى معنى "الواو"، وأما بقية المعاني فمستفادة من غيرها، ومن العجب أنهم ذكروا أن من معاني صيغة افعل التخيير والإباحة، ومثلوه بنحو (خذ من مالى درهما أو دينارا) أو (جالس الحسن أو ابن سيرين) ثم ذكروا أن "أو" تفيدهما، ومثلوا بالمثالين المذكورين لذلك، ومن البين الفساد هذا المعنى العاشر، ((والعاشر: التقريب، نحو (ما أدرى أسلم أو ودع) قاله الحريري وغيره. ))و"أو" فيه إنما هي للشك على زعمهم، وإنما استفيد [معنى] التقريب من إثبات اشتباه السلام بالتوديع، إذ حصول ذلك - مع تباعد ما بين الوقتين - ممتنع أو مستبعد، وينبغي لمن قال: إنها تأتى للشرطية أن يقول: وللعطف لأنه قدر مكانها "وإن"، والحق أن الفعل الذي قبلها دال على معنى حرف الشرط, كَمَا قدره هَذَا الْقَائِل وَأَن "أَو" على بَابهَا وَلكنهَا لما عطفت على مَا فِيهِ معنى الشَّرْط دخل المعطُوف فِي معنى الشَّرْط)) [مغني اللبيب عن كتب الأعاريب ص: 95]

ومن مراعاة المعنى والذوق ما اختاره ابن هشام من إعراب "لايسَّمَّعون" استئنافًا لا صفةً, ولا حالا وعدّه مشكلا, قال: ((وَالْجَوَاب عَنْهَا أَن جملَة {لَا يسمعُونَ} مستأنفة أخبر بهَا عَن حَال المسترقين لَا صفة لكل شَيْطَان وَلَا حَال مِنْهُ؛ إِذْ لَا معنى للْحِفْظ من شَيْطَان لَا يسَّمَّع وَحِينَئِذٍ فَلَا يلْزم عود الضَّمِير إِلَى كل، وَلَا إِلَى مَا أضيفت إِلَيْهِ, وَإِنَّمَا هُوَ عَائِد إِلَى الْجمع الْمُسْتَفَادِ من الْكَلَام)) [مغني اللبيب عن كتب الأعاريب ص: 263] وقصة المازني مع الواثق دالة على أثر الذوق في فهم النحو والإعراب في قول الشاعر:

أظــــــلومُ إن مصابكم رجــــــلا أهـــدى الســــــلام تحـــيّةً ظــــــلمُ

يربط بعض دارسي النحو العربي بين عمليات التفسير والشرح للعبارات النحوية, حتّى يجعلوها بمنزلة الإعراب, وتحليل النظام, فإذا قال المتكلِّم: "ما أعظم الأمر", وقرّبه النحاة بأنّه مثل قولك ((شيء أعظم الأمر)) وحين نقول في "يا رجل": إنّه بمثابة"أدعو رجلا" , فيحيلون الإنشاء إلى خبر, فالكلام المفسَّر إنشاء طلبي, والتفسير خبر, وكذا كلّ ما يقوله النحاة في هذا الشأن, أو مثل ما يقرِّرونه من أحكام, مثل قولهم "البدل على نيّة إحلاله محلَّ المبدَل منه"فيرتِّبون على ذلك منع بعض صور البدل, والتكلّف بإعرابها نعتًا, وقد فاتهم أن هذا في التقدير لا في الفعل , وفي المفترض لا في الواقع, بمعنى أنه كسائر الأصول الافتراضية في نحو "قال" أصلها ((قَوَلَ)) ليس معنى هذا أن العرب كانت تقول: "قَوَل", ثمّ عدلت عنها إلى"قال".

*********

إن النحاة لا ينازعون في المفرد والجملة, لكن لغيرهم أن يسأل : ألا يتكوّن الكلام من غير هذا؟ إنّ معنى هذا أن الكلام يتكوَّن من جملٍ, والجملة لا بدَّ فيها من ركنين: مسندٍ ومسندٍ إليه, ولدينا من الكلام المفيد ما لا يتحقّق فيه هذا القول, مثل: النداء (يا رجلُ) فأين المسند والمسند إليه؟! فالكلام ليس إسنادًا فحسب, بل قد يفاد المعنى من الصوت وحده, مثل : و"ي" و "صه"، فالنحو يجب أن يكون ثلاثة مستويات : المفرد, والجملة، والكلام. والتردُّد بين الكلام والجملة, فهناك خلطٌ بين مكوِّنات الكلام ومكوِّنات الجملة, فمكوِّنات الجملة الخبريّة الإسناد (مسند ومسند إليه), ومكوِّنات الكلام الإفادة (ما يفيد ولو كان صوتًا, أو كلامًا إنشائيًّا طلبيًّا, وغير طلبيّ, أو ما يحتاج إلى الشيء وجوابه) وهناك فرق بين أن ندرس الجملة وبين أن ندرس الكلام, وما يظهر للبعض من أن النحاة يركِّزون على المفردات (مكوِّنات الجملة) لا يلزم منه إهمالهم الجملة والكلام, فللنحاة جهودٌ غير منكورة في دراسة الكلام, كما نجده في كتاب سيبويه, وما فعله ابن جنّيّ في الخصائص, وما فعله ابن فارس في الصاحبي؛ فالمتكلِّم لا يلزمه الوقوف عند الجملة, بل يجاوزها إلى إكمال كلامه, ولو تطلّب عددًا من الجمل, ونحن نقف في درسنا النحويِّ على الجملة, فكما أنّه لا يسوغ للنحويّ أن يقف عند حدِّ المفردات, لا يسوغ له كذلك الوقوف على حدِّ الجملة, كما لم يجز من قبلُ الوقوف على الأصوات قبل تضامِّها لتكوِّن المفردات.

**********

جعل الجاحظ حذق اللغة وتذوّقها شرطًا أساسيًّا في فهم المتلقي رسالة المتكلِّم ، فقال: ((فللعرب أمثال واشتقاقات وأبنية، وموضع كلام يدلّ عندهم على معانيهم وإرادتهم، ولتلك الألفاظ مواضع أخر، ولها حينئذ دلالات أخر، فمن لم يعرفها جهل تأويل الكتاب والسّنّة، والشاهد والمثل، فإذا نظر في الكلام وفي ضروب من العلم، وليس هو من أهل هذا الشأن، هلك وأهلك)). [الحيوان 1/ 102]

ونحن لو قرأنا مثل هذه الإشارات ، واسترجعنا مجمل ما يقوله كتبة نحو النص أو لسانيات النص، الذي يرتكز على مقوِّمات، أهمّها: الكمّيّة والاقتصاد، والملاءمة للمعنى وللمقام، ووفاء الكلام بأغراض المتكلِّم وحاجة المتلقِّي، والترابط بين أجزاء النص وأطرافه, وصحة ترتب آخره على أوله، والوضوح في الكلام والمراد، لوجدناها داخلة في سياق هذا النحو, وواقعة في نطاق هذا الدرس.

كما أننا لو تأمّلنا كثيرًا ممّا كتبه لوجدناه صالحًا ليوظَّف في دراسة نحو النص، أو لسانياته؛ إذ تحدّث عن أمورٍ تبثُّ في النصِّ روح التأثير في السامع أو المتلقِّي، من أمثال هيئة الخطيب، وتنويع الكلام وأدائه, في تراكيبه وأساليبه، ونسبة ارتفاع الصوت أو انخفاضه، وهو ما يسمّى بالتلوين، وما يكون في مكوِّنات المرسل أو الخطيب، من حسن الهيئة , وجهارة الصوت, وسلامة المخارج, وتحقيق الصفات, وحضور البديهة, وامتلاك زمام الملكة اللغوية, مع مناسبة المقام مكانًا, وزمانًا, وبيئة، وأشخاصًا, إضافة إلى طبيعة الموضوع, وإمساسه حياة المتلقِّي واهتماماته, وكل هذه وأمثالها نجد لها صدًى فيما كتبه, سواء أكان ذلك صريحًا, أو كان مستخرجًا مستنبطًا ممّا يورده من قصص، وحكايات, وأخبار، ومن ذلك:

الإجابة بحسب ما يعانيه المسئول [ينظر البيان والتبيين (هارون)1/114]

مراعاة أقدار المستمعين [ينظر البيان والتبيين (هارون)1/138-141]

وينظر في هيئات الخطيب [ينظر البيان والتبيين (هارون) 1/370 فما بعدها وص383فما بعدها].

كما أورد بعض القيم الصوتية للخطيب. [ينظر البيان والتبيين (هارون) 1/121و123و125و127]

اختلاف القيم اللغوية ، مثل الإسهاب والإيجاز، بين الحاضرة والبادية [ينظر البيان والتبيين (هارون) 1/102]

إطالة خطب النكاح وتقصير الجواب [ينظر البيان والتبيين (هارون)1/104و116]

إطالة خطاب الصلح [ينظر البيان والتبيين (هارون)1/116]

اختلاف المقامات والقيم [ينظر البيان والتبيين (هارون) 1/116]

وفد نقل عن ابن المقفع كلاما طويلا عن الخطبة وما يليق بكل نوع من الكلام، والاستهلال، والإيجاز والإطناب، [ينظر البيان والتبيين (هارون) 1/115-117]

********

ولقائل أن يقول: بم نصلح هذه الحال؟

مراجعة أسلوب التعليم الذي يعتمد أسلوب التلقِّي السالب, ويقصد إلى الامتلاء الخادع, إلى طريقة تؤسِّس لحوارٍ بين طرفي العمليّة التعليمية بنّاء مثمر, وتعتمد على أن لا يتلقّى أيَّ شيءٍ حتّى البدهيّات إلا ببرهان يشفع لها, ودليل يبين عن صحّتها, وصدقها, وثباتها, واطِّرادها, والمشاهد من الطلبة والأساتذة أن لا يجيزوا ولا يجاز لهم أن يتأمّلوا تلك المسلَّمات, إلا بطريقة تحترم العقل, وتجعل من حقِّ المتلقِّي أن يسأل, وأن يطلب الدليل, ويحاور ليفهم, وأن يبحث عن العلّة والتفسير, وأن لا يتنازل عن هذه المطالب المشروعة, التي تؤسِّس لمشروع عالم, بإمكانه أن يعيد تشكيل المعرفة من جديد.

أن تؤسَّس دراسة النحو على الانطلاق من خبرة التلميذ, وعلى ما لديه من نحوٍ فطريٍّ, يمكن توظيفه لإزالة الغربة أو الوحشة بينه وبين النحو, وقد جرى لي تجربة هذا الأمر , وحقّق نجاحًا. كأن نقرر أن النحو من بدهيات البشر, ونظام ضروري لكل لغة سواء كانت عالية الجودة أم كانت عامية منحرفة عن لغة راقية, مثل تقرير المعاني النحوية, مثل النداء، والاستغاثة، والتعجب, والاستفهام, والمطابقة تذكيرًا وتأنيثًا, إفرادا وجمعا, والإفادة.

وضرورة ربط النحو بالبدهيات لدى الطالب ؛ حيث إنه فطري يلتزمه كل متكلم في كل لغة .فكل متكلم يعرف كيف يستفهم وكيف ينادي وكيف يتعجّب؟ ولا يمكن له أن يخلط حين يقصد إلى معنى من هذه المعاني بينها فلا يستفهم وهو يريد التعجب ، ولا ينادي وهو يريد التعجب ، ولا يخبر وهو يريد الإنشاء . فكل كلام مهما كانت منزلة من ينشئه له نظام لا يمكن أن يصح فضلا عن قبوله بدونه.

ومن ربط النحو بالبدهيات اللغوية التفريق بين المنصوبات: حال, تمييز، ظرف، مفعول به، مفعول مطلق، مفعول لأجله، مستثنى, وذلك بشرح دلالتها شرحًا مبسّطًا بعيدًا عن التعقيد ، والوعورة المصاحبة لها في كتب النحو.

ومن ذلك أسلوب التنظير سواء كان التنظير بما يعرفه الطالب بداهة من لغته اليومية، أو التنظير بين أشياء في الفصحى يسهل على الطالب إدراكها، مثل: نفقتك دينارا أصلح من درهم، تنظر بنحو: ضربك زيدًا خير لك. (انظر الزبيدي الطبقات ص88)

دراسة النحو بطريقة غير الطريقة السائدة, أو شوبها بطرائق أخرى كتلك التي تعنى بدراسة النحو، وفق مجمل ما يقوله كتبة نحو النص أو لسانيات النص، الذي يرتكز على مقوِّمات، أهمّها: الكمّيّة والاقتصاد، والملاءمة للمعنى وللمقام، ووفاء الكلام بأغراض المتكلِّم وحاجة المتلقِّي، والترابط بين أجزاء الكلام وأطرافه, وصحة ترتب آخره على أوله، والوضوح في الكلام والمراد. وإصرار بعض أساتذة النحو على دراسته من خلال نصٍّ تراثيّ, يقرؤه الطلاب في سني دراستهم – على الرغم من شرف الغاية وجودة المقصد - لم يعد مقبولا ولا وافيًا بالغرض أو الأهداف. ومثل هذا التوجّه بالإمكان تأسيسه على منطلقات تراثية, تعيد إلى النحو ما سلب منه بسبب تفريط النحويين اللفظيين الذين اختزلوا النحو العربي في الإعراب، وحركة أواخر الكلم، فأضاعوا كثيرًا من مكتسباته, وهذا منهج شمولي يجعل دراسة النص أو نحوه شاملة لما كان من خارجه، ولما كان من داخله.

********

توصيـــات:

- نشيط المشاريع البحثية بل إيجادها من أجل إجراء تجارب لاختبار صحة ما يقترح لتحسين دروس العربية, وصدقه وثباته, من خلال عمليات تطبيقية, تسند التنظير, والفرصة أمامنا متاحة من خلال توجيه أبحاث الأساتذة, وأعمال طلاب الدراسات العليا في الكلية, وبالإمكان تجربة ذلك في الكلية أو غيرها.

- تكوين حلقات دراسية لمناقشة تدريس النحو, ومراجعته, وتقويمه, وفحص أدواته وأساليبه, ليخرج من هذه الحلقات بمقترحات , ودراستها, وتجربتها, وهذا من المغيَّبات التي لا أظنّ أنّها تلوح في الأفق, أو واقعة في المنظور القريب؛ لأسباب لا داعي للإفصاح عنها, ولأنّها تقع في دائرة الشريف من علمكم.

- أن نستبدل في درس النحو بالإعراب التحليل النحوي، وهو عملية شاملة تقوم على ممارسةٍ عمليةٍ توظِّف مكوِّنات الكلام وهي (الأصوات، الكلم، الأبنية، التراكيب، الأدوات، السياقان: المقامي والمقالي، مقاصد المتكلِّم) ومقوِّمات الصناعة النحويّة من عامل، ورابط، ومطابقة، ومعنًى نحوي، ومعنًى عام، ورتبة، وموقع، وقرينة.والنحو بين الكفاية والأداء.ودراسة الفروق النحوية، وتوظيف الذوق، والفطرية اللغويّة، وربط الأعاريب والتحليل باستحضار المبادئ والمقدّمات النحوية مثل خصائص الاسم, والفعل، والكليات، والأصول.

*******

وبعــد,

إننا أمام خيار صعب, إمّا أن يشعر حملة العربية بمسئوليّتهم, نحو العربية, وأن يتحمّلوا ما ائتمنوا عليه, وأن يؤدّوا واجبهم والتزامهم, وما كلِّفوه, وإمّا أن يدعوا الأمر لغيرهم؛ ليقوموا بالمسئولية نيابة عنهم, حسب ما أمكنهم الله, وأقدرهم عليه, وليحمل أهل العربية مسئولية ما يترتّب على ذلك.

مسئولية العربية ليست قاصرة على معلِّميها ودارسيها, ومن يدّعون الاختصاص بها, وأنهم أهلها من دون الناس, بل هي مسئولية أمّة؛ لأنّها من مكوِّنات الهوِّيّة, ولهذا لا بدَّ أن نشرك فئاتٍ أخرى ذات اهتمامات أخرى في حمل همّ العربيّة, وتقديمها للحياة بصورة تناسب العصر, وتفتح أمامها آفاق الانتشار, وتكسر رتاج المغاليق الموصدة, وتستثمر إيجابيّات العصر, فأهل اللغة لا بدَّ أن يمدّوا يد التعاون مع رجال التربية, والإعلام والحاسوب, وأصحاب تخصصات أخرى, وذوي اهتمامات لها علاقة ما بالعربية, باعتبارها مكوِّن هوِّيّة, ووسيلة اتصال, وباعتبارها وعاءً للفكر, أو جزءًا منه, أو هي الفكر. وعليهم أن يحملوا راية المبادرة, قبل أن يتقدّم لحملها آخرون, يسيِّرونها حسب ما لديهم, من تصوّرات, وبقدر ما لديهم من رؤية. وبحماس لا يقلّ عن حماسة مدّعي أهليّتها, والاختصاص بها. تمّت, والحمد لله رب العالمين.

 

 
<< البداية < السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالي > النهاية >>

الصفحة 2 من 13
Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
Joomla Templates by Joomlashack