الرئيسية | النادي اللغوي
 
النادي اللغوي
نحو مفهوم عربيّ لــ"علم اللّسـَان" قراءة تأصيلـيّة في نصّـيْن من التّراث العربي - د. خليفة بوجادي طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب صوت العربية   
الأحد, 29 أغسطس 2010 13:31

جامعة سطيف - الجزائر

1- توطئة:
لعل أهم ما ميّز القرن الماضي في مجال العلوم الإنسانية ظهور ثلاثة علوم متزامنة، هي: علم الاجتماع، علم اللسان وعلم النفس، على يد الأعلام الثلاثة المولودين تباعا  (1): (دوركايم)، (دي سوسير)  و(فرويد).
ولم تكن هذه العلوم مستقلة فيما يبدو، مع أن كلا من الأعلام الثلاثة قدّم مدونة شاملة لمجال معرفته، أوضح فيها أسس العلم ومذاهبه ومجاله وقضاياه، ولكنها تفيد جميعا من المعطيات المعرفية المميزة لتلك الفترة؛ فلم يكن علم الاجتماع –مثلا- مستقلا عن المقولات اللسانية، ولا علم اللسان –في المقابل- مستقلا عن المقولات الاجتماعية، بل اِن من أهم مبادئه آنــذاك، أن اللــغة ظاهرة اجنماعية.

وكانت هذه العلوم فتحا جديدا على معرفة العلوم الإنسانية في القرن العشرين، إذ قَدّمت –لأول مرة- في تاريخ الفكر الغربي نماذجَ من العلوم المؤسَّسة، القائمة على معطيات علمية ومنهجية بـيّنة.
ووقفتُنا هذه مع (علم اللسان) أو (اللسانيات) التي أسسها (فردينان دي سوسير) من خلال محاضراته القيمة التي قدمها لطلابه بجامعة جنيف بسويسرا  قبيل وفاته في 1913، ونشرها بعض طلابه بعد ذلك في 1916، لتكون حينها، نموذجا فريدا يُحتذى في دراسة اللغة، ما يزال تأثيره إلى اليوم.
وللإشارة، فقد توفرت لدى دي سوسير جملة عوامل أسهمت في نجاح درس اللسانيات لديها، أهمها:
- أتت أفكاره دعما للرؤى التي كان ينهجها النحاة الشبان، والتي عارضوا بها كثيرا من الآراء السابقة في اللغة وقضاياها.
- جنح باللسانيات لتكونَ علما مستقلا، شأنُه شأنُ العلوم الأخرى، بعدما كانت دراسة اللغة في عمومها، مكمِّـلةً لدراسات ومعارف غير لغوية.
- إستطاع أن يحدّد للسانيات موضوعها (دراسة اللغة)، ومنهجها (الآني والتاريخي، مع إعطاء الأولوية للآني)، وهدفها (معرفة اللغة في ذاتها).
- لم يكن الدرس اللساني لديه مدوّنة مغلقة، بل اِنّ به كثيرا من آرائه وإشاراته إلى ضرورة تناول موضوعات أخرى مجانبة وعلى التماسّ مع اللسانيات، منها:
* إشارتُه إلى الصلة بين اللغة وأنماط الإشارة الأخرى ( الأزياء، الآداب، السلوك ...)،  ودعوتُه لضرورة تأسيس علم جديد (السيميولوجيا)، وحصل ذلك فيما بعدُ، مما ضمن حياة أطول للدرس اللساني عموما.
*وصفُه اللغةَ بأنها منظومة، وكان ذلك سببا في شيوع مفهوم البنية، واللسانيات البنيوية.
* ركز على العوامل الجغرافية في اللغة، وكان ذلك سببا في رقيّ اللسانيات الجغرافية.
- لم يجعل اللسانيات مرتبطة بلغة معينة، بل اِنّها علم إنساني عالمي، يتوخى دراسةَ القواعد الأساسية التي تميز اللغات البشرية. وبذلك، فإن كثيرا من الخصائص اللسانية تشترك فيها كل اللغات.
- لم ينظر إلى اللغة – نحو ما فعل عدد من سابقيه في الغرب وفي أمريكا، في بدايات الدرس اللغوي- على أنها موضوع فلسفي، ذهني أو نفسي، بل هي حقيقة، وواقعة اجتماعية... وبذلك فهي أكثر ارتباطا بالتفكير الإنساني المتجدد، الحامل لرؤاه وأفكاره وعاداته وأفعاله.
ويمكن أن نجمع أهمّ مقولات الدرس اللساني عند (دي سوسير)، في خلاصة عاجلة لكتابه "محاضرات في اللسانيات العامة"، فيما يلي:
يقع الكتاب في مقدمة وخمسة أجزاء فيما يقارب 300 صفحة من القطع المتوسط، تناول في المقدّمة قضايا هامة تتعلق بتاريخ اللسانيات ومادّتها وعناصر اللغة، ومبادئ علم الأصوات، ومفهوم الفونيم.
وفي الجزء الأول يتناول طبيعة العلامة واللسانيات الآنية واللسانيات التطورية. وفي الجزء الثاني يبحث اللسانيات التزامنية. ويخصّص الجزء الثالث لدراسة اللسانيات التزامنية، والتغيرات الصوتية والتأثيل. وفي الجزء الرابع تناول اللسانيات الجغرافية والتنوعَ اللغوي وبواعثَه. وأفرد الجزءَ الخامس والأخير لمسائلَ في اللسانيات الاستعاديّة، وقضايا اللغة الأكثر قدْماً، وشهادة اللغة على الأنتربولوجيا وما قبل التاريخ.

 

2- من المفاهيم الأساسية في اللسانيات السوسيرية:
لعلّ من أهمّ المفاهيم التي أسّس عليها (دي سوسير) مفهوم (علم اللسان) عنده، تمييزَه بين اللغة، اللسان والكلام:
أ- اللسان: يتساءل (دي سوسير) عن اللسان، قائلا: "ولكن ما اللسان؟ ففي نظرنا لا بد من التمييز وعدم الخلط بينه وبين اللغة. وصحيح أن اللسان ليس سوى جزء جوهري محدَّد منها، وهو في وقت واحد نتاج اجتماعيّ لملكة اللغة، وتواضعات ملحّة ولازمة يتبناها الجسم الاجتماعيّ لتسهيل ممارسة هذه الملكة لدى الأفراد"
فماهية اللغة أول ما عرض إليه (دي سوسير) في محاضراته، وحدّد ضمن ذلك ثلاثة مستويات؛ اللغة بعدِّها ظاهرةً إنسانية طبيعية، فطرية، تشترك فيها كل الأجناس البشرية: اللغة / langage. واللغة بعدِّها ظاهرةً اجتماعية مكتسبة، يدخلها العُرف، وتُميّز مجتمعا عن آخر: اللسان / langue. واللغة بعدّها خصائصَ أدائيةً تميز فردا عن آخر، وإن كانا ينتميان إلى نظام لغويّ مشترك: الكلام/ parole.
ومن خلال النصّ، يبدو أن (دي سوسير) يلحّ على ضرورة التمييز بين المستوى الإنسانيّ في اللغة (اللغة) والمستوى الاجتماعيّ (اللسان)؛ إذ الجانب الاجتماعيّ جزءٌ من الجانب الإنساني. فاللسان ظاهرة اجتماعية أخصّ من اللغة (ظاهرة إنسانية)، التي تملك أشكالا كثيرة تنتج من الملكة اللسانية.
وخلاصة ذلك:
- ليس اللسان هو اللغة ؛ إذِ اللغة ملكة بشرية، أما هو فتواضع.
- اللسان مؤسسة اجتماعية، وهو نظام قائم بذاته، وأداة للتواصل.
- اللغة/ Langage: ظاهرة إنسانية لها أشكال متعددة تنتج من الملكة اللغوية.
- اللسان/ Langue : جزء معين، متحقق من اللغة بمعناها الإنسانيّ الواسع، وهو اجتماعي، عرفي، مكتسب. ويشكل نظاما متعارفا عليه داخل جماعة إنسانية محددة مثال ذلك : اللسان العربي، الانجليزي، الفرنسي،...
- الكلام/ Parole : مفهوم فردي ينتمي إلى اللسان، ويشمل ما يعتري أداءَ الفرد للسان من ملامحَ فردية.
ولأن اللسانيات منظومة اجتماعية، فإنه دعا إلى دراسة اللسان لأنه اجتماعي، ولم يجعل اللغة ولا الكلام ضمن موضوع اللسانيات.
ب- البنية: يؤكد (دي سوسير) قبل أن يتساءل عن مفهوم اللسان، منهجَ دراسته، فيقول: "يجب أن يكون الانطلاق للوهلة الأولى من اللغة، واتخاذُها معيارا للظواهر اللغوية الأخرى كافّـة" .
والبنية في الواقع، مفهوم عامّ وضروري للتمييز بين الموجودات، بل اِنها مفهوم أساس للتفكير. وتحديد اللسان عند (دي سوسير) بأنه موضوعٌ للدراسة في مطلع القرن العشرين، يقتضي أن يتناول هذه المستويات متكاملةً دون تمييز ولا تفاضُل. وبذلك يكون قد رفض كثيرا من تصورات سابقيه القائمة على اتخاذ معايير خارجة عن اللسانيات ذاتها (نحو المسوّغات النظرية، أو المبادئ التفسيرية)، وبهذا الرفض أسّس ما يُعرف باللسانيات الداخلية أو بنية اللغة.
جـ - النظام: يذهب (دي سوسير) إلى أن اللسان منظومة لا تُعرَّف، ولا تعترف إلا بترتيبها الخاص, فيقول:"إن اللسان منظومة لا قيمة لمكوناتها؛ أي لعلاماتها اللغوية، إلا بالعلاقات القائمة فيما بينها، وبالتالي لا يمكن للألسنيّ اعتبار مفردات لسان ما كيانات مستقلة، بل عليه وصف العلاقات التي تربط هذه المفردات." . ويتحدّد مفهوم النظام من هذا النصّ في مجموع القوانين التي تقوم عليها هذه المنظومة، ومختلف العلاقات القائمة بين المفردات والتراكيب. وعلى الذي ينظر في اللسان أن يعتدّ بهذه العلاقات، وتكاملِ الوحدات اللغوية فيما بينها.
هذه مفاهيمُ أولى لـ (علم اللسان) عند دي سوسير، تصدّرت محاضراته، وبـنى عليها جملة من المفاهيم الأخرى، نحو: العلامة اللسانية ووجهاها الدال والمدلول، ومحورا الاستبدال والتوزيع اللذان يميزان اللسان أثناء التعبير، والمنهجان الآني والتطوري، ... وغيرهما.
وبقيت آثار أفكار دي سوسير هذه وبصماته واضحةً ومهيمنة لأزيدَ من نصف قرن تقريبا، في الدرس اللغوي العالمي غربا وشرقا، حظي خلالها كتابه بشروح كثيرة ومعارضات عديدة وانتقادات أيضا، مما أسهم في إيضاحها وتطويرها. وأفرز للعالم رؤىً لسانية مختلفة، ووجهات نظر ثرية في دراسة اللسان، مثّلتها المدارس اللسانية المنتشرة في كل أصقاع العالم، بداية بجماعة "براغ"، في نهاية الربع الأول من القرن العشرين، وهي أول مدرسة تتلقى أفكار (دي سوسير) وتتأثر بها، إلى المدرسة الوظيفية، الجلوسيماتيكية، التوليدية التحويلية،.... ولكل هذه المدارس  وغيرها، علاقةٌ بصورة أو بأخرى ؛ نقدا أو شرحا أو تطويرا لبعض ما ورد في محاضراته.
وقبل انقضاء نصف قرن، وتحديدا في منتصف الأربعينيات من القرن الماضي، بدأت محاولات الفلاسفة الألمان، وبعض الباحثين في بريطانيا، تتضح في إعادة البحث اللغوي إلى حضيرة الفلسفة؛ الفلسفة التحليلية على الأقلّ. بعدما كان (دي سوسير) قد اجتهد في عزل الدرس اللغوي عن الفلسفة والعلوم الأخرى.
وبعدها بسنوات قليلة، زادت رؤية (نعوم تشومسكي) مجالَ اللسانيات اتساعا حين أعادت الاعتبار إلى المتكلم الذي كان مقصىً في التحليل اللساني السوسيري، ثم إلى الكلام فيما بعد.. وهكذا عرفت اللسانيات انعطافا جديدا لم تعد فيه أفكار (دي سوسير) هي المهيمنة وحدَها، بعد أن سادت العالمَ قرابة نصف قرن تقريبا، بآرائها اللغوية، وأفكارها المتجددة من فترة إلى أخرى.
وقد كان الدرس اللساني العربي الحديث خلال هذه الفترة متلقيا للمقولة اللسانية الغربية، ومُسقِطا كثيرا من مفاهيمها على اللغة العربية، وكشف خلال ذلك عددا من المطابقات بين المقول اللساني الغربي، والمقول العربي القديم. كما وقف على عدد من الاختلافات في مواضعَ أخرى. ويعجبني في هذا الصّدد قول (عبد العزيز حمودة) في (المرايا المقعرة): "... إنّ كل معطيات علم اللغة كما طوّره سوسير لم تكن فتحا جديدا، وكان يجب أن تكون كذلك بالنسبة للمثقف العربي، لو أنه في حماسه للتحديث وانبهاره بمنجزات العقل الغربي لم يتجاهل تراثه العربي."

3- "علم اللسـان" في المفهوم الغربي، قراءة في مدوّنة اصطلاحية:

لعل ما لا تختلف فيه المعاجم المتخصّصة في اللسانيات أنها الدراسة العلمية للغة. ولقد عرّفتها المعاجم وكتب الدارسين تعريفات عديدة، من زوايا متباينة، دون أن يشكل ذلك تناقضا -في تقديري- في صياغة مفهومها العام؛ و فيما يلي عددٌ من التعريفات المتداولة، ومن بيئات زمانية مختلفة:
أ- عرّفها دي سوسير بقوله: "هي دراسة اللسان في ذاته و من أجله "
يقوم هذا التعريف على تقديم  مادة اللسانيات (في ذاته) وهدفها (من أجله):
- و تعني (في ذاته) أن اللسانيات تدرس اللسان في مادّته، ظواهرِه الصوتية، الصرفية، النحوية والدلالية، وتُنعت باللسانيات الداخلية. ولقد حدّد (دي سوسير) ذلك، لأن دراسة اللغة من قبله لدى الغريبين، لم تكن تنظر إلى اللغة بعدِّها موضوعا مستقلا جديرا بعلم مستقل أيضا، بل كانت تُتناول ضمن منظومات معرفية أخرى (التاريخ، الفلسفة...).
- و تعني (من أجله) أن اللسانيات تدرس اللسانَ لغرض معرفته في ذاته، وتحديد طبيعة النظام الذي يميز وحداته، ومختلف العلاقات القائمة بينها، وذلك لأن هذا الهدف لم يكن متوخّىً من قبله؛ حيث كانت تدرس اللغة خدمةً لعلومٍ ومعارفَ أخرى، لا معرفتها في ذاتها.
ب- و عرّفها معجم (ديبوا وآخرين) بقوله "يمكن أن نحدّد مفهوم اللسانيات عموما بعدِّها دراسةً علمية للسان، فقد تحقق بعد نشر م.ل .ع. لـ: ف.د. سوسير في 1916م، وابتداء من هذا التاريخ، فإن كل دراسة لسانية ستُعرّف اعتدادا بما وضعه دي سوسير"
في هذا التعريف عدّة قيم أهمّها، أنه -وإن كان معجما متأخرا كثيرا عن مرحلة دي سوسير- فهو يُقرّ بالتعريف السائد للسانيات (دراسة علمية للغة) والذي يرجع إليه. ويحدد البداية الفعلية لاعتماد هذا التعريف وشيوعه وهي 1916؛ تاريخ نشر محاضرات دي سوسير. ثم يشير إلى مسألة أساسية في تاريخ اللسانيات الحديثة، وهي أن أي دراسة للغة بعد هذا التاريخ -وإن تعددت مذاهبها، وتنوعت مدارسها- ترتبط بشكل أو بآخر بما يقدمه دي سوسير في محاضراته؛ شرحا وتطويرا، أو نقدا واعتراضا.
جـ- و عرفها (جورج مونان) في معجمه، بأنها "هي علم اللسان، وهي دراسة هادفة، واصفة وشارحة للبنية، وللاستخدام (اللسانيات الآنية)، ولتغيرها في الزمن (اللسانيات التطورية). كل ذلك يخص اللغات البشرية" .
يقدّم هذا التعريف -على قصره- عدة قيم أساسية في مفهوم اللسانيات، هي:
- يقر بأنّ اللسانيات علمٌ موضوعُه اللغة.
- خصائص الدراسة اللسانية: محددةُ الهدف (معرفة اللسان في ذاته)، واصفةٌ (تصف العلاقات بين الوحدات اللسانية)، شارحةٌ لأحوال البنية: خصائص نظام اللغة في لحظة زمنية محددة، و هي اللسانيات الآنية. كما قد تتبّع ما يحصل في الظاهرة اللسانية من تغيرات في أزمنة متوالية: الدراسة التاريخية.
- موضوع الدراسة اللسانية: هو اللغة البشرية.
د- وذكرها (جان بيرو) في (la linguistique)  بقوله: "لقد مُهّد للسانيات العامة من خلال النحو العام في ق 17م و18 م، والذي كان يبحث في وصف قواعد اللغة انطلاقا من القوانين العالمية للفكر البشري." .
في هذا التعريف إشارة أساسية إلى الدرس اللغوي الغربي قبل ظهور دي سوسير، و تمثله الدراسات التاريخية والمقارنة التي ميزت القرنين 17 و 18، ويطلق عليها (النحو العام) الذي يبحث في قواعد اللغة، انطلاقا من القوانين العالمية للفكر البشري، وهو لا يختلف في هذا المبدإ عما  قدمه دي سوسير.
وللإشارة، فإن استخدام مصطلح (النحو) هو ما يميز الدراسات اللغوية القديمة؛ عند الغربيين في القرنين المذكورين، وعند العرب أيضا في العلوم اللغوية التي عرفتها القرون الأولى؛ حيث كان النحو الذي قدمه سيبويه في (الكتاب) مثلا، نحوا شاملا لقوانين الظاهرة اللغوية، خلافا لـ(علم الصرف) الذي فُصِل عنه فيما بعد، أو (لعلم اللغة) الذي كان يطلق آنذاك على الإلمام بالثروة اللفظية و دلالاتها.
والمصطلح نفسُه كان قائما لدى الهنود القدماء فيما قدّمه (بانيني) مثلا، من  خلال كتابه (المثمن) وما اشتمل عليه من ( حِكَم نحوية)، وذكر فيه ما يقارب سبعين نحويا سبقوه؛ فـ (النحو) إذاً، اصطلاح ميّز الدراسة اللغوية القديمة عموما، ويكاد يقابل مصطلح (اللسانيات) عندنا اليوم.
وخلاصة هذه التعريفات أن اللسانيات التي أسسها (دي سوسير)، أفادت من الدراسات التاريخية والمقارنة التي سبقتها عند الغربيين، وموضوعها اللغة؛ حيث تدرس خصائص نظامها (لسانيات آنية)، أو تبحث في تغيّرات الظاهرة اللغوية عبر الزمن (لسانيات تاريخية)، وهو دراسة تهدف إلى معرفة اللغة في ذاتها.

4 - "علم اللسان" في المفهوم العربي، قراءة في نصّيـن تراثيـّين:
ستستند هذه المقاربة إلى نصّين من التراث العربي، لكل من الفارابي وابن خلدون، وستقف من خلالهما على تداول مصطلح (علم اللسان) في التراث العربي، وعلى مدلوله. وتجتهد في التقريب بينه و بين المفهوم الغربي الحديث الذي مرّ بنا في المبحث السابق.
أ‌- النص الأول:
ذكر الفارابي في (إحصاء العلوم) قوله: "علم اللسان ضربان: أحدهما حفظ الألفاظ الدالة عند أمة ما وعلى ما يدل عليه شيء منها. والثاني قوانين تلك الألفاظ.
وعلم اللسان عند كل أمة ينقسم سبعة أجزاء عظمى: علم الألفاظ المفردة، علم الألفاظ المركبة، علم قوانين الألفاظ عندما تكون مفردة، وقوانين الألفاظ عندما تركّب, وقوانين تصحيح الكتابة، وقوانين تصحيح القراءة وقوانين تصحيح الأشعار." .
لعل هذا من النصوص النادرة في التراث العربي، التي تعرض بصورة صريحة مصطلح " علم اللسان"، بهذا التفصيل. وقبل أن يتناول الفارابي أقسام علم اللسان، يحدّد مـجاليْه الواسعين اللذين تنضوي تحتهما كل الأقسام التي يفصلها بعد ذلك؛ فعلم اللسان ضربان واسعان:
أ-1- حفظ الألفاظ الدالة عند أمة ما وما يدل عليه شيء منها؛ أي معرفة الجانب المادّي للغة والإحاطة بثروتها اللفظية، دوالها ومدلولاتها. ويمكن أن نجمل هذا الضرب الأول في دراسة اللغة، في: مادة اللغة أو بنيتها.
أ-2- معرفة قوانين الألفاظ في لغة ما؛ أي الإحاطة بنظام اللغة وقوانينها الصوتية، الصرفية، النحوية والدلالية. ويلخّص هذان الضربان طبيعة اللغة البشرية في أنها مادّة ونظام، وعلى عالم اللسان الإحاطة بمعرفة المادّة (الدّوالّ والمدلولات) ومعرفة النظام (القواعد والقوانين).
هذا من حيث طبيعة العلم (علم اللسان)، وما الذي ينبغي أن يحيط به. ثم ينتقل الفارابي بعد ذلك إلى تحديد العلوم الفرعية التي تُدرَج ضمن علم اللسان، بضربيْه المذكورين، ويجعلها سبعة علوم عظمى.
وقبل تفصيل هذه العلوم، ينبغي الإشارة إلى ما في قوله (وعلم اللسان عند كل أمة) من دلالة على عالمية العلم وشموله كلّ ما يميز اللغة البشرية، وهو في هذا المنطلق لا يختلف عما قامت عليه اللسانيات الحديثة من تعميم أسسها العلمية على مختلف اللغات البشرية، وبذلك كانت اللسانيات علما عامّا لا يخصّ لغةً بعينها، بقدر ما تقوم مفاهيمه على خصائص اللغة الإنسانية (البنية، النظام، العلامة، الدال والمدلول، الاستبدال والتوزيع ...).
وكذلك، لا يجعل الفارابي أقسام علم اللسان المذكورة مقتصرة على لغة ما ولكنها أقسام (علمية) لا تخلو منها أي لغة :
أ – علم الألفاظ المفردة : هو علم يتناول دراسة الألفاظ مفردةً، فيقف على تحديد دلالتها الإفرادية ومجال استعمالها.  ويمكن أنه يُصنّف –بحسب الضربين المذكورين- في الضرب الأول، كما أنه يمكن أن يقابل حديثا ما يعرف بـ (علم المفردات Lexicology).
ب – علم الألفاظ المركبة : يتناول دراسة الألفاظ مركبةً، فيقف على تحديد دلالتها التركيبية ومجالات استعمالها، وهو أيضا ينضوي ضمن الضرب الأول المتعلق بمعرفة الجانب المادّي للغة.
ويمكن أن يمثل مجموعُ القسم الأول (علم الألفاظ المفردة وعلم الألفاظ المركبة) ما يُعرف حديثا بـ (علم الدلالة / semantics)؛ حيث إنه يتناول دراسة المعنى دون تمييز بين معنى إفراديّ أو معنى تركيبي.
هذا فيما يتعلق بالأقسام التي تنضوي ضمن الضرب الأول، أما بقية الأقسام، فيبدو أنها ضمن الضرب الثاني جميعا، لاحتوائها على لفظ (قوانين)، نحو:
جـ – علم قوانين الألفاظ عندما تكون مفردة : والاختلاف بين هذا القسم والقسم السابق، في لفظ (قوانين)؛ حيث يجعلها ضمن معرفة النظام لا معرفة المادة، ويتناول هذا العلم قوانين بنية اللفظ المفرد وقواعده، ويقابله حديثا علم الصرف الذي يدرس بنية الكلمة دراسة إفرادية، فيقف على خصائصها الصرفية Morphology.
د- علم قوانين الألفاظ عندما تركّب: يتناول قواعد التراكيب ونظام ائتلاف الوحدات اللغوية فيما بينها، ويقابل حديثا علم التراكيب (syntax).
هـ- علم قوانين تصحيح الكتابة: موضوعه الكتابة ورسم الحروف والكلمات ونظام الخطّ في اللغة، وهو علم زهد فيه الناس اليوم، ولم يعد ذا أهمية ضمن مدوّنة العلوم اللغوية التي يُعنَون بها، و إن كانت الحاجة إلى معرفة قواعده لا تزال قائمة. ولعل من نتائج هذا الزهد في علم نظام الكتابة/ علم نظام الخطّ، ما نعيشه يوميا من هِنات كثيرة في رسم الهمز والتاء، ومواضع الألف، وحالات رسم بعض الكلمات،... و يشكو كثيرٌ من الناس –في العربية مثلا- قصورا في هذه المواضع، ولو كان هذا العلم قائما –في تقديري- إلى جانب علم الصّرف والنحو، لزالت معظم هذه المشكلات.
و- علم قوانين تصحيح القراءة: تشمل (القراءة) مختلف نواحي الأداء اللغوي والنطق بالأصوات. ولذلك يُقترح هذا العلم ليكون مقابلا لـ (علم الأصوات/ phonetics) حديثا، على ما في تسمية (قوانين تصحيح القراءة) من تجاوز للأداء الصوتي الموضوعي، إلى الأداء الفني والوظيفي للغة؛ فليس النطق مقصورا على الصوت وحده، بقدر ما هو نطق للغة وتمـثُّـلٌ لحالات دلالاتها المتعددة. و بذلك فالتسمية (قراءة) تكون أكثر إحالة على نطق اللغة وأدائها.
ح- قوانين تصحيح الأشعار: هو سابع أقسام علم اللسان عند الفارابي، وموضوعه تصحيح الأشعار، و لفظ (الأشعار) إحاليّ أيضا، مثل: لفظ (القراءة) في القسم السابق، ويمكن أن يشمل نظامَ كلِّ الأشكال الأدبية بفنونها المختلفة، وقواعد تحريرها؛ من قوانين الخطبة مثلا، إلى قوانين القصيدة، إلى قوانين المقامة، على القصة والرواية... ولعلّ في هذا القسم جانبا هامّا ينبغي الالتفات إليه، لأنه ينظر إلى النص الأدبي (الفني) نظرة متكاملة؛ حيث يميز بين جانبه الفني وجانبه العلمي أو التقني. ففي القصيدة مثلا جانب فني متعلق بالقريحة ومستوى التجربة وسَخاء الإلهام، وفيها أيضا جانب تقني/ علمي، ينبغي أن يحيط به الشاعر لينظم نصا جديرا بلقب "الشعر" و قمينا بالإحتفاء، وهذا الجانب العلمي كما يمكن أن يُوهب إلهاما، يمكن له أيضا أن يُتعلم ويُكتسب.
فالأدب -حسَب هذا القسم إذاً- علمٌ وفنّ؛ علمٌ من حيث قوانينه وقواعدُه، وفنّ من حيث معاينته وتجربته وخيالاته وتصويرُه.
وأقترح لهذا القسم تسمية علم (الصناعة الأدبية)، ويمكن أن يشمل علم العروض مثلا (في الشعر)، وعلم البلاغة بمختلف أقسامها، وكل ماله علاقة بقواعد صناعة الأدب.
ولعلّ هذا العلم أيضا يشكو زهد بعض الناس اليوم فيه، مثل (علم قوانين الكتابة). ومن نتائج هذا الزهد ضياع الكثير من الإمكانات البشرية الفنية في صناعة الأدب، فكم من موهبة أدبية أو تجربة فنية رائدة ضاعت في مدارج الرياح، لأننا لم نوفر لها سبيلا لمعرفة قوانين صياغة هذه التجربة، ونظام توجيه هذه الموهبة ... و غير ذلك.
و إذا ما نظرنا إلى هذه الأقسام السبعة نظرة رأسية، يمكن أن نحدد منها أربعة أقسام، هي (علم الدلالة، علم التراكيب، علم الصرف، علم الصوت ) وهي مرتبة من الكل إلى الجزء أو من العامّ إلى الخاصّ - وهذا موافق لمنهجٍ من مناهج البحث في العلوم عند القدماء- والعلوم الأربعة هذه، هي ما يشكّلُ مفهوم (علم اللسان) الحديث عند (دي سوسير).
و يُضاف إليها في مفهوم (علم اللسان) عند الفارابي قسمان آخران، هما: علم قوانين الكتابة وعلم قوانين الصناعة الأدبية.

ب- النص الثاني:
نجد مصطلح اللسان شائعا في مقدمة ابن خلدون ، ويوصف بأنه موضوعٌ للدراسة العلمية، ولقد أفرد فصلا عنوانه (في علوم اللسان العربي) ، أدرج ضمنه: "علم النحو، علم اللغة، علم البيان وعلم الأدب.".
- علم النحو: بعموم إطلاقه، يستخدم قديما للدلالة على قوانين اللغة من صوت وصرف وتراكيب. و هو (علم النحو) الذي عرفه الأوائل من قبل أن تجزّأ علوم اللغة، ويظهر في (الكتاب) لسيبويه مثلا.
- علم اللغة: هو العلم بالثروة اللفظية في اللغة، والإحاطة بدوالها ومدلولاتها، ويظهر في (العين) للفراهيدي، و(الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها) لابن فارس، و(الخصائص) لابن جنّي، وغيرهم.
ومن خلال هذين القسمين، يتضح الضربان اللذان حدّدهما الفارابي من قبل؛ فـ(علم النحو) علمٌ بالنظام، و(علم اللغة) علمٌ بالمادة.
- علم البيان: وهو العلم بالبيان بمفهومه المطلق في الآية الكريمة: "خلق الإنسان، علّمه البيان"  ويشمل كل ما يندرج في معرفته طرق البيان وأساليبه و أفانينه، من بلاغة وغيرها.
- علم الأدب: هو العلم بالجانب العلمي، التقني في الأدب، والإحاطة بقوانين الصناعة الأدبية.
وبمقارنة سريعة بين أقسام (علم اللسان) عند الفارابي، وأقسامه عند (ابن خلدون) يتضح أن الفارابي أكثر إيغالا في تفصيل علوم اللسان وتجزئتها، خلافا لابن خلدون الذي فضّل مذهب الإجمال، وإن كانا لا يختلفان فيما يشمله علم اللسان عموما.
فعلم الأدب عند ابن خلدون هو علم قوانين تصحيح الأشعار عند الفارابي، وعلم النحو يشمل علم قوانين الألفاظ المفردة وقوانين الألفاظ المركبة وعلم تصحيح القراءة.
و علم اللّغة يشمل القسمين الأولين: علم الألفاظ المفردة وعلم الألفاظ المركبة. أما علم البيان، فيأخذ بعضا مما يشمله (علم الأدب) و(علم البلاغة العربية).
ولأن ابن خلدون يصنّف ضمن المتأخّرين عن الفارابي، فقد أغفل الحديث عن قسم يتناول علم قوانين الكتابة والإملاء.
وإذا ما تناولنا النصين معا، في نظرة إجمالية لا نجد بينهما فرقا لصياغة مفهوم عربيّ لـ (علم اللّسان):
هو علم موضوعُه اللغة وتطبيقاتها؛ حيث يشمل دراسةَ جانبها المادي (الدوالّ والمدلولات) ونظامها (القواعد الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية)، ويتجاوز ذلك إلى العلم بقوانين الصناعة الأدبية (بعدّها ممارسةً للغة) والعلم بقوانين الرسم والكتابة.
و إذا ما قارنا هذا المفهوم بـ (علم اللّسان) في مفهومه الحديث اتضح الاتفاق في أنّ كلا من المفهوم العربي و المفهوم الغربي الحديث يقوم على مبدإ أن علم اللسان علمٌ شاملٌ لا يخصّ لغة بعينها، ويجتهد في تقديم مفاهيم عامة لمجموع أشكال اللغة البشريّة.
أما من حيث نقاط التباين فإن المفهوم العربي لـ (علم اللسان) أشمل وأوسع من المفهوم الحديث –مع الاعتداد بالظروف العلمية والحضارية والفكرية لكل مفهوم، ولا ينبغي معالجة هذا التمايز بعيدا عن هذه الاختلافات- كونه يتجاوز العلم باللغة في ذاتها (نحو ما حدّده دي سوسير) إلى العلم بمجالات استخدامها. وفي هذا الفرق عدّة ملاحظات أهمّها:
- إنّ الثقافة العربية القديمة لم تنشأ على التجزيء، بقدر ما انطلقت من الكليات: فلم تفصل بين اللغة و الأدب، ولا بين علم النحو وعلم اللغة والبلاغة، لأنها في منظورها بنية واحدة، وكيان موحّد لا ينبغي فصل أجزائه.  ولعلّ ذلك –من ناحية أخرى- سمة مميزة لها، لا ينبغي أن نشترطها في الثقافات الأخرى، لنحفظ شيئا من الخصوصية بين ثقافات الشعوب، وإن كنا في موضوع اللغة بالذات من حيث هي علم لا نعتني كثيرا بهذه الفروق.
- إن الثقافة الحديثة عموما، نشأت في ظروف تقوم على الجزئيات، والبحث في العلاقات بين بُنى الأشياء، ولذلك فظروف تأسيس (علم اللسان) عند (دي سوسير) كانت تقتضي أن ينظر إليه نظرة مجزّأة داعية إلى الاستقلال؛ حيث فصل اللغة عن الفلسفة ليؤسّس علما مستقلا لها، ولكن هذا الفصل ظرفـيّ –في تقديري- إذ سرعان ما عادت البحوث اللغوية إلى حضيرة الفلسفة (والفلسفة التحليلية) على الأقل بعد نحو 40 سنة تقريبا لدى الألمان والإنجليز، ثم إلى حضيرة العلوم الاجتماعية في السبعينيات من القرن الماضي لدى الألمان أيضا والانجليز والأمريكان والفرنسيين.
و لعل أحدث الاتجاهات اللسانية اليوم هي التي تستغلّ مختلف الظروف التي تُستعمل فيها اللغة، وهي نتاح لكل هذه التحوّلات، فيما يعرف بـ (اللسانيات التداولية).
------------
المراجع:
- ابن خلدون: المقدمة، بيروت، دار صادر، ، ط1، 2000.
- عبد العزيز حمودة:  المرايا المقعرة، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، رقم 272.
- الفارابي (أبو نصر محمد بن طرخان): إحصاء العلوم، تحقيق عثمان أمين، القاهرة، 1931.
- فردينان دي سوسير: علم اللغة العام، ترجمة الدكتور يوئيل يوسف عزيز،  مراجعة النص العربي د مالك يوسف المطلبي، العراق، بيت الموصل، 1988.

المراجع بالفرنسية:
-  jean dubois et autres: dictionnaire de linguistique, France, larrousse, 1988.
-  georges mounin: dictionnaire de la linguistique, France, quadrige, puf,1993.
- jean perrot: la linguistique, que sais-je, France,puf, 16 di , 1998.

للتواصل مع صاحب المقال :
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته  

 
خواطر عن العرب البائدة - أ. رشأ عبد الله الخطيب طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: بحوث لغوية
الكاتب صوت العربية   
الأحد, 22 أغسطس 2010 13:15

هذه ملاحظات خطرت في نفسي بعد قراءة بحث الأستاذ الدكتور ناصر الدين الأسد خواطر وملاحظات عن العرب البائدة(1)، وسمحتُ لنفسي باتخاذ عنوان قريب؛ لأنّ في ما يلي من السطور ما أظنه امتدادًا وبناء على ما وصل إليه الباحث من أفكار، أعانتني في تفسير بعض النصوص التي وقعت عليها عن العرب البائدة، وإضاءة جوانبها. 

تستوقف الباحثَ في الشعر الجاهلي الروايات التي توردها المصادر وفيها أخبار عن أشعار قيلت تنسب إلى الأقوام البائدة، وبعضها مرفوع إلى الأنبياء حتى آدم  باللغة العربية التي عرفنا الشعر الجاهلي بها، وهذه الأشعار بطبيعة الحال ينقض العقل صحتَها ولا يقبلها، وقد فنّدها رواةُ الشعر العربي والمهتمون به من القدماء قبلنا.
إلاّ أنّ طائفة من الشعر تنسب إلى بعض العرب البائدة ممن أخبر الله عنهم في كتابه أنهم ظَلَموا فأهلكهم، وصاروا عبرة للناظرين. لكن الآيات القرآنية نفسها تخبر بأنّ أولئك القوم الظالمين لم تنقطع صلتهم بعرب الجاهلية قبل الإسلام؛ بل إنّ العرب في الجاهلية عرفوا أولئك القوم وخالطوهم بل وسكنوا في ديارهم ومنازلهم أحيانًا.
ولذلك يمكن أن نفهم علاقة العرب في الجاهلية ببعض الأقوام البائدة في ضوء أنّ الله أخبرنا أنه أنجى أنبياءه والمؤمنين من العذاب، فالعرب في الجاهلية قد اختلطوا ببقايا الأقوام البائدة، وهم الناجون من العذاب. وهذا الاتصال بين عرب الجاهلية والبقية الباقية من العرب البائدة قد يكون سببًا فيما نجد من أشعار منسوبة للأقوام السابقين، وقد يساعدنا هذا الرأي في فهم تلك الأشعار في سياقها والاطمئنان إلى صحة الشعر الجاهلي.
فمن هم العرب البائدة؟ وما علاقتهم بعرب الجاهلية بالشعر المروي عنهم؟
يتفق الدارسون من قدماء ومحدثين على أنّ العرب تنقسم إلى: عرب بائدة وعرب باقية، \"فأمّا الفرقة البائدة فكانت أممًا ضخمة كعادٍ وثمودَ وطَسْمٍ وجَديسٍ والعماليق وَجُرْهُمٍ، أبادهم الزمانُ وأفناهم الدهر بعد أن سلف لهم في الأرض مُلْكٌ جليل وخبر مشهور، ولا يُنكِر لهم أحدٌ من أهل العلم بالقرون الماضية والأجيال الخالية\"(2).
وهكذا فالعرب البائدة كان لهم مُلكٌ قائم ولا يُنكَر أنه كانت لهم حضارة وإرث تاريخي، قد عمَروا الأرضَ حينًا من الزمان، وهذا من المتفق عليه، إذ يعيه أهل العلم بأحوال تلك الأمم الماضية، ومن النص نفهم أنه وُجد الناس –في عصر صاعد الأندلسي وهو من أهل القرن الخامس الهجري وفي العصور التي قبله بالضرورة لأنها أقرب زمنيًّا- وُجِد أناس يختصون بمعرفة أخبار الأمم الماضية وأحوالها، وهذا مما يُتَّفَق عليه أيضًا، لكن عدمَ المعرفة الدقيقة وعدم الوقت على جميع أخبار تلك الأقوام الغابرة –بالدقة العلمية المطلوبة- راجع إلى تباعد الزمن وانقراضهم من مدة.
فالعرب في الجاهلية كانوا أصحاب علم، وإن كان ذلك العلم هو العلم باللغة واللسان، فهو الذي به تفاخر العرب، وهم \"أهل علم الأخبار ومعدن معرفة السير والأعصار... ليس يوصَل إلى خير من أخبار العرب والعجم إلا بالعرب ومنهم؛ ذلك أنّ من سكن بمكة من العماليق وجُرْهم وآل السَّمَيْدَع ابن هونا وخُزاعة أحاطوا بعلم العرب العاربة والفراعين العاتية وأخبار أهل البلاد... وعنهم صدر أكثر ما رواه عُبَيد بن شَرْيةَ الجُرْهُمي ومحمد بن السائب الكلبي والهيثم بن عَدِي\"(3).
وهذا يعني أنّ العرب كانوا على معرفة بالأقوام البائدة، ويعرفون من أخبارهم شيئًا جيّدًا وصل إلى الرواة أمثال هؤلاء، ولا نستطيع أن نقول إنّ ما عرفوه من أخبار تلك الأمم كان قليلاً، ولا أن نجزم أنه كان كثيرًا، لكنه كان كافيًا لأن تؤلِّف فيه الكتب. فقد وفد عبيد بن شرية الجرهمي النسابة (ت67هـ) على معاوية بن أبي سفيان \"فسأله عن الأخبار المتقدمة وملوك العرب والعجم وسبب تبلبل الألسنة وأمر افتراق الناس في البلاد، وكان استحضره من صنعاء اليمن فأجابه إلى ما أمر... وله كتاب الملوك وأخبار الماضين\"(4).
\"ولوهب بن منبه، صاحب الأخبار والقصص، المتوفى سنة (ت110هـ) كتاب في الملوك المتوجين من حمير وأخبارهم وأشعارهم وقصصهم؛ قال ابن خَلِّكان إنه شاهده بنفسه، وإنه في مجلد واحد، وهو من الكتب المفيدة\"(5). وكتاب ابن منبه هو كتاب \"التيجان في ملوك حمير\"، وفي قسم منه أخبار عبيد بن شرية في أخبار اليمن.
وفي أخبار ابن هشام محمد الكلبي (ت206هـ)، وهو عالم بالنسب وأخبار العرب، أنه له كتب في أخبار الأوائل منها: كتاب \"ملوك اليمن من التبابعة\"، وكتاب \"طَسْمِ وجَديس\" وكتاب \"عاد الأولى والآخرة\"، وكتاب \"أمثال حِمْيَر وغيرها\"(6).
وفي اسم كتابه \"كتاب عاد الأولى والآخرة\" ما يجعلنا نرجح أنّ العرب كانت تميّز بين عادٍ أولى انقرضت، وبين أخرى من بقيتها الباقية ، وبناء على الفكرة التي ذكرها الدكتور الأسد في بحثه من أنّ الله قد أهلك من أولئك الأقوام الذين ظلموا، وأنه أنجى أنبياءه والمؤمنين، وأنّ بقية هذه الأقوام البائدة من المؤمنين قد انساحوا في القبائل الأخرى، فإنّ الجاحظ يذكر في \"البيان والتبيين\" بيتين لأبي الطمّحان القَيني في ذكر لقمان، ويعلّق بعدهما تعليقًا مهمًّا، والبيتان هما:

إنّ الزمان ولا تفنى عجائبُه
أمستْ بنو القَين أفراقًا موزَّعةً
فيه تَقَطَّعُ أُلاَّفٌ وأَقرانُ
كأنهم من بقايا الحيِّ لقمانُ

وقد ذكرت العربُ هذه الأممَ البائدةَ والقرون السالفة، ولبعضهم بقايا قليلة وهم أشلاء في العرب متفرقون مغمورون مثل جُرْهُم وجاسم ووبار وعملاق وأميم وطَسْم وجَديس ولقمان

فهذا نص صريح للجاحظ بأنّ من العرب البائدة من نجا ولهم بقية، لكنهم لم يعد لهم الغلبة والمنعة كالسابق فأصبحوا مغمورين وتفرّقوا في القبائل الكبرى حتى ذابوا فيها فلم يعد لهم شأن يذكر، وهو يشير إلى أنّ العرب كانوا على عهد قريب من أولئك الأقوام الذين حلّ عليهم العذاب فبادوا.
وفي نص أكثر صراحة بأنّ الأقوام السابقة لم ينقطع نسلها تمامًا -ما قاله ابن الكلبي ففي نسب ثقيف: \"...ويقال إنّ ثقيفًا كان عبدًا لأبي رغال، وكان أصله من قوم نَجَوْا من ثمودَ فانتمى، بعد ذلك إلى قيس... وأنّ الحجّاج قال في خطبة خطبها في الكوفة: بلغني أنكم تقولون إنّ ثقيفًا من بقية ثمود! ويلكم، وهل نجا من ثمودَ إلا خيارهم ومن آمن بصالح فبقي معه\"(8).
وهذا صريح في أنّ العرب كانوا يعلمون تمام العلم أنّ ثمودًا نجا منها بعض أهلها ولم يذهبوا جميعًا، وأنّ من نجا من أولئك كانوا قلّة، ثم انتموا إلى قبائل أكبر كما يقتضي التطور الاجتماعي للجماعات البشرية.
* * *
وفي نص آخر لا يقل صراحة بأنّ العرب البائدة بقيتْ منهم قلة قليلة، وهم من أنجاهم الله، لكنهم ذابوا في القبائل الأخرى، ونُسِيت نسبتُهم الأولى، يقول المسعودي: \"...وانقرضت العرب العاربة من عاد وثمود وعُبَيد وطَسْم وجَديس والعماليق ووبار وجُرْهم، ولم يبق مِن العرب إلاّ مَن كان من عدنان وقحطان، ودخل مَن بقي ممن ذكرنا من العرب البائدة في عدد قحطان وعدنان فانمحت أنسابهم وزالت آثارهم\"(9). وروي عن عمرو بن عبيد عن الحسن أنه سئل عن جُرْهم: هل بقي منهم أحد؟ قال: ما أدري، غير أنه لم يبق من ثمود إلاّ ثقيف في قيس عيلان، وبنو لجا في طيئ، والطُّفاوة في بني أعصُر\"(10).
وفي السؤال وحده عن أحوال الأمم البائدة ما يدل على أنّ العرب قد فكّروا في أمر تلك الأقوام، وأنهم لم يُبادوا كلهم وإنما بقي منهم من بقي، فذاب ودخل في القبائل الكبرى، غير ما أقرّه الحسن بأنّ لثمود بقية ذابت في قبيلة أخرى.
ومما ورد في المصادر ويدل على أنّ العرب كانوا على معرفة بالأقوام السابقة ما قاله الهمداني في \"صفة جزيرة العرب\" بأنّ \"القرية الخضراء خضراء حِجْر التي التقطها عبيد بن ثعلبة بن الدُّول ولم يشرك فيها أحدًا، وهي حصون طَسْم وجَديس، وفيها آثارهم وحصونهم وبُتُلهم الواحد بَتيل، وهو هنٌّ مربع مثل الصومعة، مستطيل في السماء من طين، وكانت جديس تسكن الخِضرِمة، وطسم تسكن الخضراء\"(11).
وأنّ هناك حصنًا يقال له مُرْغِم، أي يرغم العدوّ بامتناعه دونه، وهو لبني أبي سَمُرَة والقصر العادي بالأثْل من عهد طسم وجَديس، وصفته أنّ بانيه بنى حصنًا من طين ثلاثين ذراعًا دكَّهُ، ثم بنى عليه الحصن وحوله منازل الحاشية، وساكنه اليوم بنو أبي شمسة(12). وهذا يعني أنّ العرب في الجاهلية قد عاينوا آثار من سبقوهم من الأقوام البائدة وشاهدوها بأعينهم ووصفوها كما في النص، بل وسكنوا ديارهم التي خلّفوها وراءهم، وهذا مما يرجّح أنّ أهل الجاهلية كانوا قريبي عهد بزمان تلك الأقوام ومكانها وآثارها.
* * *
وفي نص آخر عن العرب المتعربة (المستعربة) أنهم \"بنو قحطان بن عابر الذين نطقوا بلسان العرب العاربة وسكنوا ديارهم\" والعرب العاربة هم البائدة من \"عاد وثمود وطسم وجديس وعمليق وجرهم ووبار\"(13).
إذن فقد عرف العرب في الجاهلية لسان تلك العرب العاربة وديارَهم، بل سكنوا فيها أيضًا،
كما تدل بعض الأخبار على أنّ العرب عرفوا تلك الأقوام عن قرب، واختلطوا بهم وشاهدوهم، ففي مادة (أجأ) -وهو أحد جبلَيْ طيِّئ- في قصة عمرو بن طيِّئ الذي وجد بلادًا واسعة كثيرة المياه والشجر. فرجع إلى أبيه وأخبره بها، فلمّا سار إليها نزل الجبلَيْن\" ورأى فيها شيخًا عظيمًا جسيمًا، مديدَ القامة، على خَلْق العاديين ومعه امرأة على خلْقه يقال لها سلمى\"(14). وفي خلال الحديث عن هذا الجبل يذكر ياقوت: \"... بينما طيئ ذات يوم جالس مع ولديه إذ أقبل رجل من بقايا جَديس ممتد القامة عاري الجبلَّة، كاد يسدّ الأفق طولاً ويفرعهم باعًا\"(15).
فهذان نصان صريحان على أنّ العرب في الجاهلية قد شاهدوا واتصلوا بالقوم الذين بادوا من بقايا عاد وجديس وغيرها؛ فهم يعرفون أوصافهم وسماتهم ويستطيعون تمييزهم بين الناس.
وكذلك في وضوح الحجة على ما سبق النص التالي للمسعودي، الذي يبين أنّ العرب عرفوا الأقوام البائدة وميّزوا صفاتهم؛ إذ يقول في سياق ذكره لأخبار ثمود: \"...وبيوتها إلى وقتنا هذا أبنية منحوتة في الجبال، ورسومهم باقية وآثارهم بادية، وذلك في طريق الحاجّ لمن ورد من الشام بالقرب من وادي القرى، وبيوتهم منحوتة في الصخر بأبواب صغار، ومساكنهم على قَدْر مساكن أهل عصرنا؛ وهذا يدل على أن أجسامهم على قدر أجسامنا، دون ما يخبر به القُصّاص من بُعد أجسامهم. وليس هؤلاء كعاد؛ إذ كانت آثارهم ومواضع مساكنهم وبنيانهم بأرض الشِّحْر تدل على بُعد أجسامهم\"(16).
فأيّ كلام أوضح من هذا الذي يفصِّل في أوصاف تلك الأقوام من العرب البائدة بما يدل على معرفة العرب لهم وتمييزهم إياهم، وأي وعي كان عليه صاحبه وهو يفصِّل ويشرح الفروق بين الأقوام البائدة نفسها من جهة، وبينها وبين أهل زمانه من جهة أخرى. ويوضح سوء الخلط الذي نشأ عند الناس بسبب ما قد يصيب مثل تلك الروايات في سابق الأزمان من مبالغة أو زيادة؛ إمعانًا في التشويق وزيادة في الرهبة التي تضفيها المبالغة على أخبار القدماء.
وفي قصة أخرى أنّ \"عبد الله بن جدعان كان في ابتداء أمره صعلوكًا... فتوصل إلى جبل فوجد فيه شقًّا فدخل فيه... ثم وجد داخله بيتًا فيه جثث طوال بالية... فإذا هم رجال من جُرْهم...\"(17).
* * *
ومما يتصل بمعرفة عرب الجاهلية بالأقوام البائدة الأخبار الكثيرة التي ترويها المصادر عن العثور على آثار وحفائر وألواح من بقايا تلك الأمم. ولو قُدِّر لعرب ذلك الزمان أن يعرفوا علم الآثار وأهميته السياحية مصدرًا للدخل القومي وللتأريخ والأنثربولوجيا لكانوا حفظوا تلك الآثار التي عثروا عليها بكل وسيلة! إذ إنّ في المصادر أخبارًا وقصصًا كثيرة عن العثور على حفائر وبقايا آثار ثمينة من الذهب والأحجار الكريمة والألواح التي عليها نقوش وكتابات. وقد تكون المبالغة قد لحقت بعض تلك الأخبار أو اختلط بعضها الآخر بالأسطورة؛ وهذا ليس مستبعدًا؛ لتقادم العهد وعدم تقدير أهمية تلك الآثار في التاريخ للماضين. وربما ضاعت تلك الآثار؛ لما فيها من كنوز الذهب والأحجار الكريمة التي قد تغري بالسرقة والاستيلاء عليها دون النظر في قيمتها التاريخية والأثرية.
ففي كتب البلدان والمسالك وغيرها أخبار عديدة قصّها بعضُ المغامرين ممن وجدوا آثارًا لأقوام مضت وبادت. ومن اللافت في تلك الروايات أنّ الألواح التي وُجِدتْ مع تلك الآثار وكان عليها نقوش كتابية كانت تجد من يفهمها ويستطيع قراءتها، وفي هذا ما يزيد الترجيح بأنّ العرب كانوا قريبي عهد بتلك الحضارات التي بادت، وأنّ من العرب أو من تلك الأقوام بقية تفهم ما كانت عليه تلك الحضارات من اللغة والمعتقد وغيرها من العناصر الحضارية. وفي النصوص دلائل صريحة على معرفة العرب بلغات تلك الأمم، وأنهم ترجموا تلك النقوش وفسّروها، ما يجعل الأشعارَ التي نُسبتْ إلى العرب البائدة تُفهَم بوضوح واطمئنان في سياق ترجمة النقوش والألواح الأثرية التي عُثر عليها، وأنها ليست مروية بنصها عن أولئك القوم؛ وقد كان بعض الشعر الذي يردُ في النصوص يحتوي ألفاظًا وتراكيب من لغات قديمة، فيضطر الرواة إلى تفسيرها وتوضيحها باللغة العربية التي يفهمها أهل الجاهلية، والتي لا نزال نفهمها، وهذا يرجِّح أنّ بعض أولئك الرواة كانوا على معرفة بتلك اللغات، وكانوا قادرين على ترجمتها وتفسيرها لأهل زمانهم.
كما أنّ بعض النصوص والروايات في المصادر تدل على أنّ القوم يميزون تلك النقوش من مجرد رؤيتها، فيصفونها بأنها مكتوبة بخط كذا، وإن لم يقدروا على قراءتها حال العثور عليها.
وكثير من الأخبار عن آثار القدماء التي عُثِر عليها كانت من اليمن؛ وفي كتاب \"الإكليل\" مثلاً للهمداني، أخبار كثيرة قرأها في مسند، أي قرأها بخط المسند على الحجارة المتبقية من قصور حمير القديمة ومنازلهم التي كانوا فيها. ويبدو من تلك الأخبار أنّ الآثار ذات النقوش الكتابية كان يمكن قراءتها، وهي متيسّرة ومنتشرة بين أيدي الناس على الحجارة أو على المباني؛ لقرب عهدهم بتلك الحضارة التي كانت قد قامت هناك في الزمن الماضي\"(18).
وفي خبر عن رجل من أهل حضرموت وقع على حفيرة شداد بن عاد (أي قبره) في جبل من جبال حضرموت مطلّ على البحر، يذكر ياقوت في \"معجمه\" قصة المغامرة التي قام بها هذا الرجل، وساقَتْه إلى مغارة من مغارات حضرموت أفضتْ به إلى أزَج (نوع من البنيان يُبنى طولاً) وجد فيه سريرًا \"وإذا على رأس السرير لوح من ذهب فيه كتاب بالمسند -وهو كتاب عاد كانت تكتبه في زمانها- محفور ذلك الكتاب في اللوح حفرًا فقلعناه [ويذكر كيف أنه احتفظ بذلك اللوح عنده] قال: ومكث ذلك اللوح عندي حولاً وأنا لا أجد من يقرؤه، حتى أتانا رجل حِمْيَرِيّ من أهل صنعاء كان يحسن قراءة تلك الكتاب، فأخرجتُ إليه اللوح فقرأه فإذا فيه مكتوب هذه الأبيات:
اعتبِـرْ بي أيهـا المغـ
أنـا شـدادُ بن عـاد ـرورُ بالعمر المديدِ
صاحبُ الحصن العتيدِ...\"
إلى آخر الأبيات(19).
ونفهم من النص أعلاه أنّ الذي وجد اللوح لم يكن يعرف قراءة تلك اللغة، إلا أنه ميّزها بأنها كُتِبَتْ بالمسند \"وهي كتابة حمير على خلاف أشكال ألف باء تاء\"(20)؛ وكان لحمير كتابة تسمى بالمسند، وحروفها منفصلة غير متصلة\"(21). ولو لم يكن من المألوف لديهم أن يوجد أناس يفهمون لغة الأقوام السابقة ويقرؤونها لما بقي ذلك المغامر يبحث عمن يقرؤها له، ولما احتفظ باللوح مدة على أمل أن يجد ذلك القارئ، حتى عثر أخيرًا على من يقرأ ما فيها ويترجمه إلى لغة مفهومة منظومة، وهي ليست بشعر تلك التي سمّاها ابن سلام في طبقاته \"كلام مؤلَّف معقود بقوافٍ\"(22).
وليس ذلك الشعر المذكور في الرواية كلام أولئك القوم بنصه وليس من لغتهم، بل هو ما فسّره المفسر وترجمه ليفهمه الناس، فالتبس الأمر على من جاء من بعد، وظن أنّ ذلك الشعر إنما قيل بتلك الصورة المكتملة من قديم الزمان، مع وضوح الدلالة في العبارة التي انتقاها ابن سلام بأنّ ذلك ليس بشعر بل هو كلام مؤلف معقود بقوافٍ.
وكانوا يترجمون ما يجدونه في الآثار في مناطق أخرى غير اليمن، ففي الأخبار عن مدينة الإسكندرية أنّ \"الإسكندر المقدوني لما استقام ملكه في بلاده سار يختار أرضًا صحيحة الهواء والتربة والماء، فانتهى إلى موضع الإسكندرية، فأصاب في موضعها آثار بنيان وعمدًا كثيرة من الرخام، في وسطها عمود عظيم مكتوب عليه بالقلم المسند وهو القلم الأول من ملوك حمير وملوك عاد: \"أنا شداد بن عاد، شددت بساعدي البلاد، وقطعت عظيم العماد، من الجبال والأطواد، وأنا بنيت إرم ذات العماد...\"(23). وقد ذهب قوم إلى أنّ \"الإسكندرية هي إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد\"(24).
* * *
ويذكر ياقوت روايات أخرى فيها نصوص عمن بنى تلك المدينة ومنها حديث عن عمودين \"كان مكتوبًا عليهما بالحميرية: أنا شداد بن عاد الذي نصب العماد وجنّد الأجناد\"(25)، وفي بقية كلامه ذكرٌ لأمّة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا ما دفع ياقوتًا للتشكيك في الرواية.
ولكن مع هذا فإنّ ما نفهمه نم تلك الرواية أنّ ما كان مكتوبًا بالمسند والحميرية يُترجم إلى اللغة العربية التي يفهمها عرب الجاهلية، وهم قريبو عهد من الأمم السابقة، ويغلب على تلك الترجمات أن تكون نظمًا (مؤلفًا معقودًا بقوافٍ).
ومما يدل على أنّ العرب في الجاهلية كانوا يفهمون ما يعثرون عليه من نصوص ويترجمونها -الأخبار التي تتحدث عن عثورهم على آثار القدماء التي فيها نقوش وكتابة، يذكر الأصفهاني أنه حدّثه \"أبو الحسين أحمد بن محمد بن زيد الوراق قال: أخبرني عمي قال سافرت في طلب العلم والحديث... وقال: ووُجِد على جبل بنواحي ديار ثمود كتابة منقورة في الصخرة تفسيرها: يا ابن آدم ما أظلمك لنفسك ألا ترى إلى آثار الأولين فتعتبر... وتحته كلام مكتوب بخط عربي: بلى كذا ينبغي\"(26).
أي أنّ مَن وجد النقش في الصخرة ميّز أنها من لغة غير لغته، ولكنه مع ذلك يفهمها ويفسِّرها. ومن كتب التعليق بالعربية فهم العبارة بلغتها ثم كتب الجواب تحتها بلغته العربية، ومن النص نفهم أنّ ديار ثمود (وهي من العرب البائدة) كانت معروفة لهم، وذلك يعود بنا لتأييد ما سبق من أنّ العرب كانوا قريبي عهد بالأقوام التي بادت، وعرفوا أخبارهم وديارهم وعاينوها.
* * *
وتوجد أخبار أخرى عن آثار القدماء التي عُثر عليها مصادفة في الغالب \"ففي الرس بناحية صِهْد من أرض اليمن ذكر الهمداني حنظلة بن صفوان وقال: وُجد في قبره لوح مكتوب فيه: أنا حنظلة بن صفوان، أنا رسول الله بعثني إلى حمير وهمدان والعريب من اليمن فكذبوني وقتلوني\"(27).
وأنه في زمن أبي بكر الصدّيق عُثر بعد سيل في اليمن على باب مغلق \"...ثم فُتح فإذا برجل على سرير عليه سبعون حُلّة منسوجة من الذهب وفي يده اليمنى لوح مكتوب فيه\" بيتان من الشعر(28).
فهذا يوضح أنّ ما يُنقل من كلام كان في تلك النقوش التي وُجِدت في آثار القدماء إنما هي ترجمات وتفسير لما كُتب، وليست من لغة أولئك الأقوام في شيء، وأنّ العرب الذين كانوا يعثرون على تلك الآثار كانوا قادرين على ترجمتها ونقلها إلى لغتهم، وأنهم كانوا يعرفون لغات تلك البلاد، فيترجمون ما يجدون إلى اللغة التي عرفها عرب الجاهلية ووصلت آثارهم إلينا بها.
وفي حكاية أخرى أُخبِر بها \"رجل من أهل صنعاء: أنهم حفروا حفيرًا في زمن مروان فوقفوا على أزَج فيه باب، فإذا هم برجل سرير كأعظم ما يكون من الرجال... وعند رأسه لوح من ذهب مكتوب فيه: أنا عَلَس ذو جَدَن القَيْل، لخليلي مني النيل ولعدوّي مني الويل... وهذا سيفي ذو الكف عندي [ويقول الأصفهاني بعده] ووجدت هذا الخبر عند ابن الكلبي في بعض الكتب... فوجدت فيه فإذا طول السيف اثنا عشر شبرًا، وعليه مكتوب تحت شاربه بالمسند: باست يد امرئ كنت في يده فلم ينتصر\"(29).
وذكر عن قوم من اليمن أنهم قالوا: \"أقبل سيل فخرق موضعًا باليمن فأبدى عن أزَج فدُخِل، فإذا سريرٌ عليه رجل، عليه جِبابُ وشْيٍ مُذهبة، وبين يديه مِحْجَن من ذهب، في رأسه ياقوتة حمراء وإذا لوح فيه مكتوب: \"باسمك اللهم إله حمير أنا حسان بن عمرو القيل إذ لا قيل إلا الله، متُّ أزمان هِيد وما هيد؟ هلك فيها اثنا عشر ألف قَيْل كنتُ آخرهم.. قال أبو بكر: هِيد طاعون كان قديمًا(30). وفي رواية أخرى لهذه القصة مع بعض اختلاف في ترجمة المكتوب \"...وإلى جنبه سيف مكتوب فيه بالحميرية: أنا قبار بي يدرك الثار\"(31).
وقد يكون العدد (اثنا عشر ألفًا) من باب المبالغة في فتك الطاعون، ولكن في النص إشارة إلى أنهم كانوا يفهمون تلك الكتابة القديمة أو الحميرية كما في الرواية الثانية.
ومن تلك الأخبار والقصص التي تحدِّث عن اكتشاف بعض آثار القدماء -وغالبيتها لقبور أناس يبدو أنهم كانوا من علية القوم؛ لأنّ جثثهم محفوظة، ولأنها ترافقهم الأحجار الكريمة والمعادن الثمينة- من تلك القصص يمكن أن نعرف عن معتقدات أولئك الأقوام الماضية في الموت والحياة بعده، أو عن معتقداتهم وإنجازاتهم في الدنيا كما سجلت النقوش. مع أنّ في بعض الحكايات شيئًا من المبالغة في مقادير المعادن النفيسة والأحجار الكريمة من باب تجميل القصة في أذهان السامعين وزيادة إثارتهم وتشويقهم، وهذا كثير في أخبار الماضين في أثناء نقل القصص بين الناس.
* * *
وفي أخبار أخرى دلالات صريحة على معرفة العرب بلغة الأقوام السابقة وقدرتهم على تفسيرها وترجمتها إلى وقت قريب، ففي الخبر عن أهل العلم أنّ حمير وقبائل اليمن كرهت المسير مع حسان بن تبان من اليمن ليطأ أرض العرب والعجم، وأرادوا الرجعة إلى بلادهم، وفيها أنّ أخاه عَمْرًا قتله وقتل رعين الحميري لأنه خالفه في الرأي ورجع مع القوم إلى ديارهم، وكان فيما كان أنه كتب له رقعة فيها شعر:
ميتكمْ خيرُنا وحيُّكمُ ربٌّ علينا وكلكمُ أربابي

قال ابن إسحق: وقوله لباب لباب: لا بأس لا بأس، بلغة حمير. قال ابن هشام ويروى لِباب لِباب\"(32).

مما سبق نعرف أنّ العرب في الجاهلية وفي الإسلام كانوا على معرفة بلغة حمير، ويستطيعون تفسير مفرداتها وترجمة لغتها إلى اللغة العربية التي كانوا عليها، ولا نزال نفهمها إلى يومنا هذا.
وهكذا نخلص من الصفحات السابقة إلى أنّ العرب قد عرفوا الأقوام السابقة ممن اصطُلح على تسميتهم العرب البائدة، وكان لهم بعض اتصال بهم؛ إذ عرفوهم وعاينوا ديارَهم وسكنوها، وأنّ أولئك الأقوام لم يذهبوا جميعًا، بل بقي منهم قلة قليلة دخلت في القبائل الأخرى وذابت فيها ونُسِيَتْ نسبتُها.
هذا إلى جانب أنّ العرب قد عرفوا لسان تلك الأقوام، وظل منهم أناس يعرفون تلك اللغات، وكانوا قادرين على ترجمة كلام القدماء مما عُثر عليه في النقوش والألواح المختلفة التي وُجدت في آثارهم، ويبدو أنّ تلك الترجمات المنظومة أحيانًا كثيرة كانت من تأليف المترجمين وليست من لغة الأقوام السابقة بنصها، بما يفسر لنا الشعر المروي عن أولئك الذي نجده باللغة العربية المكتملة فنيًّا التي نعرفها. ومن هذا الاتصال كان للعرب فيما بعد تلك الكتب والروايات التي تحدّثت عن تواريخ الأمم السابقة، وحفظت لنا أخبارها فيما ألّفه أبناء العرب الباقية في القرون التالية عنها.
===============
الهوامش:
* عمّان، الأردن.
(1) د. ناصر الدين الأسد: خواطر وملاحظات عن العرب البائدة وشعرها، مجلة \"العرب\" عدد خاص بمناسبة بلوغها السنة الأربعين، ج9و10، السنة 41، الربيعان 1427هـ نيسان وأيار 2006م.
(2) صاعد الأندلسي: طبقات الأمم، ص111.
(3) المصدر نفسه، ص118.
(4) ابن النديم: الفهرست، ص118.
(5) الكتاني: التراتيب الإدارية 2: 262 نسخة إلكترونية.
(6) ابن النديم: الفهرست، ص125.
(7) الجاحظ: البيان والتبيين، 1: 105.
(8) الأصفهاني: الأغاني، 4: 463.
(9) المسعودي: مروج الذهب، 2: 51.
(10) الأصفهاني: الأغاني، 4: 463.
(11) الهمداني: صفة جزيرة العرب، ص254.
(12) المصدر نفسه، ص273.
(13) ابن النديم: الفهرست، ص14.
(14) ياقوت: معجم البلدان، مادة أجأ.
(15) المصدر نفسه، المادة نفسها.
(16) المسعودي: مروج الذهب، 2: 42، والشِّحْر: ساحل اليمن.
(17) الأبشيهي: المستطرف، ص347.
(18) الهمداني: الإكليل، صفحات متفرقة.
(19) ياقوت: معجم البلدان، مادة إرم، وفيها أنها مكتوبة على لوح عند رأس رجل عظيم ممدد على سرير من ذهب. والقصة عند النويري: نهاية الأرب، 6: 62-64.
(20) ابن النديم: الفهرست، ص15، وقد رأى ابن النديم في خزانة المأمون مثالاً على القلم الحميري ذاك.
(21) ابن خلكان: وفيات الأعيان، 3: 344، ترجمة ابن البواب الكاتب أبوالحسن علي بن هلال.
(22) ابن سلام: طبقات فحول الشعراء، المقدمة.
(23) النويري: نهاية الأرب، في فتوح مصر وما والاها في \"فن التاريخ\".
(24) ياقوت: معجم البلدان، مادة الإسكندرية.
(25) المصدر نفسه، المادة نفسها.
(26) الأصفهاني: أدب الغرباء، ص78.
(27) الحميري: الروض المعطار، مادة الرس.
(28) الأبشيهي: المستطرف، ص121.
(29) الأصفهاني: الأغاني، 4: 406، والقَيْل واحد الأقيال وهو الملك من ملوك حمير يتقبَّل من قبله من ملوكهم يشبههم.
(30) ابن دريد: الاشتقاق، ص524.
(31) اليغموري: نور القبس، ص238.
(32) ابن هشام: السيرة النبوية، 1: 29، لاه أي لله، حذف حرف الجر.
---------------------------
مصادر البحث:
1- الأبشيهي: شهاب الدين بن محمد (ت852هـ): المستطرف في كل فن مستظرف، حققه عبد الله أنيس الطباع، دار القلم، بيروت، 1981م.
2- الأصفهاني، أبو الفرج علي بن الحسين (ت356هـ): أدب الغرباء، ط1، نشره د. صلاح الدين المنجد، دار الكتاب الجديد، بيروت، 1972م.
3- الأصفهاني، أبو الفرج، الأغاني، ط1، إعداد مكتب التحقيق، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1994م.
4- الجاحظ: أبو عثمان عمرو بن بحر (ت255هـ): البيان والتبيين، دار الكتب العلمية، بيروت، بدون تاريخ.
5- الحِمْيَري: محمد بن عبد المنعم (ت900هـ)، الروض المعطار في خبر الأقطار، ط2، تح. إحسان عباس، مكتبة لبنان، بيروت، 1984م.
6- ابن خلكان: أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد (ت681هـ): وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: تح. إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1970م.
7- ابن دريد: أبو بكر محمد بن الحسن الأزدي (ت321هـ): الاشتقاق، ط2، تح. عبد السلام هارون، مكتبة المثنى، بغداد، 1979م.
8- ابن سلام الجمحي: محمد بن سلام (ت231هـ): طبقات فحول الشعراء، قرأه وشرحه محمد محمود شاكر، مطبعة المدني، القاهرة، دون تاريخ.
9- صاعد الأندلسي: أبو القاسم صاعد بن أحمد التغلبي: طبقات الأمم، ط1، تح. حياة بوعلوان، دار الطليعة، بيروت، 1985م.
10- الكتاني: عبد الحي الكتاني الإدريسي: نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية، دار الكتاب العربي، بيروت، دون تاريخ (نسخة إلكترونية).
11- المسعودي: أبو الحسن علي بن الحسين (346هـ): مروج الذهب ومعادن الجوهر، ط5، تح. محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت، 1973م.
12- ابن النديم: محمد بن إسحاق النديم (ت380هـ): الفهرست، ط2، اعتنى بها الشيخ إبراهيم رمضان، دار المعرفة، بيروت، 1997م.
13- النويري: شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب (ت733هـ): نهاية الأرب في فنون الأدب، ط1، تح. مفيد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، 2004م.
14- ابن هشام: أبو محمد عبد الملك بن هشام الحميري (ت213هـ): السيرة النبوية، حققها مصطفى السقا وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت، دون تاريخ.
15- الهمداني، أبو محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب (ت334هـ): الإكليل، حققه محمد بن علي الأكوع، صنعاء، 1966م.
16- الهمداني: صفة جزيرة العرب، تح. محمد بن علي الأكوع، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1989م.
17- وهب بن منبه: كتاب التيجان في ملوك حمير، ط1، تحقيق ونشر مركز الدراسات والأبحاث اليمنية، صنعاء، 1347هـ.
18- ياقوت الحموي: شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله (ت626هـ): معجم البلدان، دار صادر، بيروت، دون تاريخ.

---------------

مصدر البحث : ملتقى بني الحارث :

http://www.harthi.org/articles.php?action=show&id=193

 
تصحيح مجمعي اللغة العربية بدمشق ومصر كلمة المرفق والإرفاق بمعنى المصاحبة – فريد البيدق طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: التصحيح اللغوي
الكاتب صوت العربية   
الاثنين, 16 أغسطس 2010 10:58

عالج الأستاذ محمد العدناني في كتابه "معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة" الصادر عن مكتبة لبنان في باب الراء مادة رقم 769 المعنونة بالإرفاق والمرفقات، ص265 و266- قضية اكتساب صيغة (أرفق) معنى المصاحبة فقال:
ويخطئون من يقول: الرسوم مرفقة بكتابي هذا؛ لأن الفعل أرفقه بمعنى (لانَ له وحسن صنيعه) كما تقول المعجمات، ولا يعني صاحَبَه أو رافقَه.

اقرأ المزيد...
 
اللهجات العربية: قضايا وخصائص - ثريا عبدالله خربوش طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: بحوث لغوية
تقييم المستخدمين: / 1
سيئجيد 
الكاتب صوت العربية   
الأربعاء, 04 أغسطس 2010 17:46

1. تقديم
نعرض في هذا المقال للخصائص السوسيو-لسانية العامة للهجات العربية، بالمقارنة مع اللغة العربية الفصيحة، من جهة، وبالنظر إلى بعضها البعض، من جهة أخرى. ثم نناقش أصول اللهجات وعوامل التلهيج وتعدده ومظاهره وأسبابه.

2.  السمات السوسيو - لسانية للهجات العربية
تتسم اللهجات العربية بخصائص سوسيولسانية عامة، منها ما هو كليٌّ ينطبق على كل اللهجات، ومنها ما هو خاصٌّ قد تتميّز به لهجة دون أخرى، بحسب.أوضاعها والمجموعات التي تتكلّمها. وفيما يلي، نناقش بعضاً من هذه السمات.(1)
.1.2. التساوي المجتمعي
يُقصد بالتساوي المُجتمعي أن اللهجات العربية متساوية بالنظر إلى بعضها البعض، أي ليس منها ما هو وضيع مقارنة بغيره، كما أنها ليست "إثنية" أو"ثقافية".
صحيح أن المتكلّم العربي يُكن التقدير والاحترام لعاميات المدن الكبرى، (الدار البيضاء والرباط في المغرب، مثلا)، إلا أن هذا موقف لا يرتبط باللهجات في العواصم ومدن الاقتصاد والتجارة والثقافة في ذاتها، بل بوضع لهجات المناطق المتمدّنة وشروط استعمالها وتوظيفها المتمثلة في اتصال سكان المدن بقطاعات الإدارة والتعليم والاقتصاد والتجارة والسياسة ومراكز الثقافة والعلوم والفنون.(2) أي إن ما يُحسّن وضع اللهجات القريبة من الفصحى هو مبدأ الغلبة الذي يشترط، بالإضافة إلى اقتران اللهجة بالرقيّ والحضارة والثقافة والأدب، انتشار التعليم.(3)
ويضمن التفتح، من جهة أخرى،تواصل أبناء المجتمع وتزوجهم من بعضهم البعض، بعكس "المجموعات الاثنية" التي لا يتزوج أعضاؤها من غيرهم، وتمكّن وسائل النقل، على المستوى الثقافي، من عدم الانعزال.
.  2.2 التبعية والتاريخانية والحيوية
قبل معرفة مدى استقلالية اللهجات العربية وتاريخانيتها وحيويتها، لنعرّف بهذه السمات:(4)
- الاستقلالية (autonomie)، ومضمونها عدم التبعية التي تتحصّل للغة بسيرورات مثل التعيير (standarisation) والتطبيع (normalisation) والتقعيد و(codification) وحصر معايير الاستعمال "الصحيح" ووضع القواميس والأنحاء وإدراج الكلمات الجديدة والحدّ من ابتعاد اللغة عن القواعد والمعايير (normes) وصياغة المراسيم الموافقة والمؤكّدة للمعايير.
- التاريخانية (historicité)، ويُقصد بها قَرْنُ اللغة المطبَّعة/المستقلّة بأنواع طراز (prototypes) أو بوظيفة دينية. ويتمّ القَرْن بسيرورات مثل اعتماد إيديولوجية معيّنة أو تدبير حركة وطنية.
- الحيوية (vitalité) وتعدّ العنصر الذي يتوقف عليه احتفاظ النوع اللغوي على الاستقلالية والتاريخية. وترتبط حيوية اللغة بدرجة استعمال المتكلِّمين لها، وبطبيعة الوظائف التي تُؤديها؛ إذ بقدر ما يرتفع عدد المستعملين، وكلّما كانوا أشخاصا مرموقين، أسهم ذلك في ارتفاع حيوية اللغة وأكبرها ونمّاها وقوّى قابليتها للاستقلالية والتاريخانية والحيوية نفسها، والعكس صحيح، كلّما تقلّص العدد وتدنّى مستوى المتعلّمين، انحطّ النوع اللغويّ، وصار عقيماً وغير ملائم للاستقلالية والتاريخانية والحيوية، وقد تحلّ محلّه لغات مجموعات أخرى، وتصبح هي المؤثرة والفاعلة.
إذا ترجمنا خصائص اللغة المتسمة بالاستقلالية والتاريخانية والحيوية في جدول نُقارن فيه بين اللهجات العربية واللغة العربية الفصحى، فإن اللهجة تبدو، حسب الرمز السّالب غير مستقلّة وغير تاريخانية وغير حيوية، والعربية الفصحى، بالعكس، كما يبدو من الرمز الموجب:(5)
خصائص
1  2  3 نمط النوع
-  -  - لهجة عربية
+  +  +  +      عربية فصحى
اللهجات، إذن، غير مستقلة، لأنها تابعة للفصحى، وغير تاريخانية، كونها ليست لغات الدين، وهي، وإن كان عدد من يستعملها كبيرا، لأنها وسيط المتكلّمين العرب في الوظائف اليومية، وتستجيب لحاجات التداول المحلي، فإنها ليست حيوية (6)ذلك أن طبيعتها لا تؤهلّها للتطبيع، بل إن اللهجات العربية، على غرار كلّ لهجات العالم، لا يُمكن أن ترقى إلى مرتبة لغة، مهما تطوّرت.
3.2. الاستبقاء اللغويّ
الاستبقاء (maintenance) هو استمرار وإبقاء الأنواع والأشكال اللغويّة عبر مرور الزمن، وصمودها في بيئاتها، وتوارثها من جيل إلى جيل.(7) يتجسّد ذلك، على مستوى اللغة المعيار، كما يتجلّى في أشكال اللغات واللهجات غير المعيار. يتصل النوع الأوّل بالقناة اللغويّة المكتوبة (النطق والصواتة والتهجية و/أو الإملاء والنحو (الصرف والتركيب)، حيث تعمل مؤسسات الدولة من خلال الضغوط الّرسمية على حماية اللغة بتطبيعها ووضع المعايير ومنع الخطأ وتقويمه والإلزام بالوضوح في الكتابة، واعتبار قواعد النحو ومحتويات المعاجم في التركيب والتعبير.
ويتصل النوع الثاني بالأنواع السّفلى من اللغة واللهجات، أي الأنواع غير المعيرة. فإذا كان النوع يستمر ويصمد بفضل سيرورات التعيير والتطبيع والكتابة وقوانينها، فإن الثاني يستمرّ ضمن المجموعات اللغويّة المحليّة والجهيّة، إذ يُنقل من جيل إلى جيل، وإن لم يُحفظ أو يُخزّن. ويكمن الفرق في أن ضغوط النوع الأوّل صريحة، بينما ضغوط الأنواع من النمط الثاني ضمنية. يُسميj milory وl milory الضغوط التي يُمارسها الكتّاب والمؤسسات بضغوط الاستبقاء الصريح، ويُعرّفان السلوك الذي يُحافظ على الاستعمالات اللغويّة الخاصة بمجموعة معيّنة بسلوك الاستبقاء الضمني. ويُوسّطا
ن لتحديد ضمنية الاستبقاء مفهوم الشبكة المجتمعيّة.
تُقارب نظرية الشبكة المجتمعيّة أسئلة من قبيل: لماذا يستمرّ الناس في استعمال وتكلّم الأشكال الدّنيا و/أو الدونية واللغات واللهجات غير المعترف بها على الرّغم من وعيهم بأن مصلحتهم تكمن في استعمال اللغة الراقية؟
توجد في كلّ مجموعة لغويّة روابط شخصية، كلّما كانت مكثّفة ومتعدّدة، تقوّت ومكّنت الاستعمال اللغويّ من الاستمرار. وتُقاس الروابط بمعيارين اثنتين: تكثّف الشبكة ودرجة تعدّدها.
توصف الشبكة بالتكاثف حين يكون كل واحد من أعضائها يعرف الآخر، وتُوصف درجة تعدّدها بقوّة الروابط (لا بعددها) ويكون ذلك بحسب الصفات التي تجمع بين أعضاء الشبكة. ففي الوقت الذي يُحدّد فيه الكثافة بمدى معرفة الفرد أ للفرد ب وج ود وه في المجموعة، والعكس، تظهر قوّة الروابط تبعا للصفات التي تربط بين أ ب وج ود ه:أ هو قريب أم صديق أم زميل أم جار؟
وهكذا يصير كل فرد مقيّد داخل مجموعته، بحيث يحتسب فوائد وخسائر استعماله اللغوي (نطق صوت، مثلا، أو توظيف معجم معيّن). فقد يستعمل الأشكال الدارجة مع أسرته أو أصدقائه، تقديرا وتعاطفا، وقد يستعمل اللغة المعيار الرّفيعة طلبا لتحسين وضعه اللغوي، أو تعبيرا عن مستواه الثقافي والمجتمعيّ.
1.3.2. ظواهر لهجية مُستبقاة
مازالت كثير من الظواهر اللهجيّة القديمة مستعملة في اللهجات الحديثة، أي إنها بقيّت واستمرّت رغم عدم تدوينها. نعت النحاة واللغويّون القدماء هذه الاستعمالات "بالرديئة" و"الخبيثة" و"البعيدة" و"الضعيفة" و"الفاسدة" وغير ذلك من الصّفات الواصمة.(8)
كانت تلك الاستعمالات لغات مجموعات لغويّة تجمعها روابط التعارف والتقارب وأهداف التضامن والتكتل "التميُّز الهُوي"ّ. ولا شك أن تبني المتكلّمين القدماء للاستعمالات الموصومة كان بسبب عدم التمكّن من الأشكال الرفيعة، شأن عدد كبير من المستعملين اليوم ممّن لم يتعلّموا اللغة العربية المعيار.
من الظواهر اللهجية المشهورة في الدرس القديم المستمرّة إلى الآن، فيما، أكدته الدراسات الحديثة (9)
- الاستنطاء، ينتشر في العراق، وعلى لسان أعراب صحاري مصر: يكون بتحويل عين أعطى السّاكنة نوناً، إذا جاورت الطاء؛
- التلتلة، تستمر في اللهجات العربية الحديثة في أمثلة من قبيل ِيِسمع، ِيِقرا: تتم بكسر حرف المضارعة (إِعلم، تِعلم، ِيِعلم)؛
-الشنشنة، يُسمع في عامية حضرموت في عليش عوض عليك: تتمثل في جعل الكاف شيناً؛
-الطمطمانية، مازالت في بعض لهجات اليمن، واللهجة المصرية ، حيث يقول المصريون امبارح: تتجلّى في إبدال لام التعريف ميما؛
- الجعجعة، يقول أهل صعيد مصر في لأ لع، وينطق السودانيون سأل سعل: ُتلفظ الهمزة عيناً مبالغة في تحقيق الهمز؛
-الترخيم و/أو القطعة، يذكره رمضان عبد التواب في اللهجة العربية المصرية في مسلخي في مساء الخير، وهو منتشر في اللهجة العربية المغربية، كما نعلم، إذ نقول: مسلخي: قطعٌ للهمزة من اللفظ الأول، والراء من اللفظ الثاني، ودمجٌ للفظين؛
- الكسكسة و/أو الكشكشة، تشيع في الجزيرة العربية وجنوب العراق والكويت والبحرين ومحافظة القرى الشرقية في مصر، ففي الجزيرة، مثلا، يُقال تسيف حالك في كيف حالك، وفي مصر تْشَلَب في كلب: تتجسّد في الصوت المزدوج تس وتش، الذي تستبدل فيه الكاف سيناً أو شيناً، وتلحق التاء بهما.
وإذا كانت هذه نماذج من مظاهر لهجية تستمر داخل المجموعات اللغوية بفعل التوارث والاستحفاظ الضمني، فسنرى أشكالاً من التلهيج القديمة/الحديثة، بحيث يُمكن تصنيفها ضمن المستبقيات اللغوية العربية. لكن، قبل ذلك، لنقف عند مظاهر التلهيج.
3. تكوّن اللهجات
تتكون اللهجات بفعل مبدأ حتمية التفرّع. يتحكّم قانون التفرّع في اللغات حين تتعرّض لظروف معيّنة مثل الانتشار بالنسبة للعربية الفصحى. يترتب عن التفرّق في البلدان والمناطق المتباعدة تولّد لهجات مختلفة تختلف وتتعدد باختلاف وتعدد الألسنة والمجموعات وتقاليدها ونظمها وأعرافها وبيئاتها.(10)
أي إن ما يُكون اللهجات هو التلهيج الذي ينعكس في سيرورات الاختلاف. نقول إن لغة قد تلهّجت حين تأخذ، حسب المناطق التي تتكلّمها أشكالاً واضحة الاختلاف، أي إن التلهيج يفترض، بالضرورة، وحدة سابقة للغة. يُسمى التلهيج تطوّراً، ويُقصد به التغيير الذي يحدث على مستوى اللغة الأم الموحدّة uniforme))، يبدأ هذا التغيّر صغيراً ثمّ يكبر مع مرور الزمن.(11)
صحيح أن التطور ،مهما كبُر، لا يُلغي، الاشتراك في خصائص اللغة العامة،(12) لكنه يُوسّع الهوّة في الإنجاز والممارسة، ويُباعد بين اللهجات إلى حدّ يُعتقد معه، في النطق، على الأقل، أن الأمر يتعلّق بلغة أخرى (13)
1.3. من مظاهر التلهيج
عموماً، تعد اختلافات ظواهر الإنجاز أكثر من أن تُحصى ضمن لهجات البلد الواحد، فأحرى بين منطقة وأخرى تبعُد عنها بمائة متر، أو بين لهجات بلدان مختلفة تفصل بينها البحار، وملايين الكيلومترات.(14) ولا شك أننا نحتاج دراسات لهجية تمسح جغرافية عموم المناطق في كل بلد حتى تتيسر مقارنة خصائص التلهيج بين اللهجات، من جهة، وبين اللهجات والعربية الفصيحة، من جهة أخرى.
من مظاهر الانحراف الصوتية (المشهورة) المجسِّدَة لابتعاد العاميات عن العربية المقعّدة المشتركة، نذكر، على سبيل المثال، لا الحصر:(15) استبدال الحروف: نطق الذال دالا والثاء تاءاً والظاء ضاداً. و القلب: جذب/جبد. وحذف الأصوات: سافروا/سافْرُ. وتحويل الهمزة ألفاً: رأس/راس، أو واواً: أُذن/وذن، أو ياءاً: أين/فين. و والواو والياء الساكنين صوت لين في: عيْن/عينْ، مثلا، ويوْم/ يُوم. وترك السواكن في أواخر الكلمات، ومنه سقوط التنوين ونون الأفعال الخمسة والهمزة والهاء التناء المبوطة، كما يظهر، على التوالي، من: ولدٌ/ولدْ، يلعبونَ/كيْلْعبُ، هواءٌ/هْوَا، ساعة/ساعَ. وحلول الصوامت محلّ بعض: ساخن/صاخن. وتناوب الحركات بين كسرة وفتحة، مثل: عِنده/عَندُ.
تعتبر هذه المظاهر قديمة/حديثة. وإذا استثنينا القراءات القرآنية التي حُسم فيها بالتدوين،(16) فإن كل الظواهر المستمرّة في العاميات الحديثة مظاهر تلهيج. ومن ذلك، الغناء بالعامية والتخفف من الإعراب، واللحن،(17) كترك الهمز في طأطأ وأبطأ وهنّأ وتوضّأ واتّكأ وهدأ،(طاطا،ابطا، هنّا، توضّا، اتكّا) واستبداله بالواو في آسيته وآخذته،(واسيته، واخذته) وإسقاطه في إوزّ وأوقية وأعييت،(وزّ،وقيّة، عييت) وهمز غير المهموز في أخير الناس وأشر الناس، (خير ، شرّ) وتشديد المخفف كدخّان وقشّر،(دخان، قشر) وتحريك الساكن، في وعْراً، (واعر)، وإبدال الذال دلاً في مثل زمرّد،
(زمرذ)، ونطق المفتوح مكسوراً في غَيرَة (غِيرة)،  والمكسور مفتوحاً في مِطرقة ومِغرفة وبِطيخ ومِنديل، (مَطرقة ومَغرفة وبَطيخ ومَنديل)،(18) وأمثلة اللحن كثيرة شائعة، كما نعرف.
إن أغلب المُلهجات تمتد في الزمن البعيد، منذ العصور الإسلامية، على الأقل، إلى الآن. بل إن الحديث العادي نفسه لغة ملهّجة. وقديما، سمى الجاحظ العامية لغة العامة ولغة النخبة لغة العلية، واليوم، نسمي العربية الفصيحة لغة المتعلّمين و العاميّة لغة غير المتعلّمين.
4. الأصول
نناقش أصول اللهجات العربية من خلال مجموعة من المجالات التي رسمت حدوداً لتواجد اللهجات العربية، ومنها، مجال النصوص (المنقوشة والمقروءة والنحوية ولغات القبائل)،(19) ثم، بعد ذلك، لغات الانتشار والفتح.
1.4. لغات النصوص والقبائل
استخلص اللغويون العرب صعوبة التعرّف على أصول اللهجات من خلال اللغة النصيّة والقبلية، على السواء، وذلك لأسباب عدّة، مثل نقص المعطيات أو غموض الظواهر أو عرضية الدرس أو عدم صحّة المعلومات.
تجلى النقص، على مستوى النصوص المنقوشة، في القلّة، بحيث لا يكفي ما وُجد منها، لا لتكوين صورة عن اللهجات العربية، ولا عن أصولها. وتجسّد الغموض في اعتباطية النسبة للقراءات القرآنية ومحدوديتها. ففي الوقت الذي يفترض تعددها تعدد اللهجات، وبالتالي تعدد الأصول، اصطدم البحث بإسناد المفسّرين الخاصيّة الواحدة إلى أكثر من قبيلة، من جهة، واقتصارهم في المعالجة على ظواهر صوتية محدودة كالقلب والإبدال والحركات. أما عرضية الدرس، فقد ظهر في علم النحو، حيث اعتبر النحاة اللهجات لغات لا يُؤخذ بها ولغات رديئة،(20) ومن هنا تسمية بعضها التسمية المشهورة: "أكلوني البراغيث".(21) وأما عدم صحّة المعلومات، فقد تجلى في افتراض تضمّن لهجة قريش أو تميم أصول الفصحى،(22) مع أن الوقائع التاريخية تؤكّد عكس ذلك لأسباب عديدة، منها، أن الوضع القرشي الديني والثقافي والسياسي والتجاري هو الذي ربط لغة قريش بالفصاحة، كما أن لهجة تميم لم تتفرّد بخصائص الفصحى دون غيرها، وإلا لما كان الشعر الجاهلي الفصيح لغة القبائل المتعددة، لا القبيلة الواحدة.(23)
2.4. اللهجات من خلال لغات الانتشار والفتوحات
حاولنا، من ناحيتنا، تكوين صورة عن أصول اللهجات من خلال لغات الانتشار والفتوحات الإسلامية. لكن، لا يتعدّى ما خرجنا به من هذا الرصد، ما يلي:(24):
1. تأثير لهجات القبائل الوافدة على اللغات الأصلية الفارسية، خصوصا، وتأثر اللهجات الوافدة باللغات الأصلية؛
2. مرافقة العربية "المولّدة" لعربية الإسلام طيلة تاريخها؛
3. انكماش اللهجات في عصر الانحلال؛
4. الاقتباس الكبير الذي تعرفه اللهجات من اللغات الأوربية والأنجلوساكسونية خلال عصر الانحلال التام وبداية النهضة، وهو الوضع المستمّر إلى الآن.
ترتّب عن ظاهرة التأثير والتأثُر بين الفارسية والعربية ما عُرِف بالعربية الهجين، أي نُطق العربية على نحو غير عربي. كان الفارسي يقول في شركائنا شركاتنان (يضيف جمع التكسير – آن إلى شركاء)، وفي تجيء تيجي، وفي المدائن مداين: لم يكن يهمز في كلامه. وتجلّى تأثُر لغة العرب الوافدين بالفارسية في استعمال الكوفيين وازار، مثلا، (بازار في الإيرانية الحديثة) في سوق، وقول المدنيين أسترنج في شطرنج.(25) وظهر تأثُر السكان الأصليين في البصرة بمن وفد عليهم من العرب في استعمال قدر وغرفة والطلع، في حين استعمل سكان الكوفة اقتداءاً بمن وفد عليهم البُرمة في القدر واستعمل أهل مكّة عُليَّة في غرفة والكافور في الطلع.
واقترن المُولّدُ بلغة العوام الدارجة المتحرّرة من الإعراب المختلفة عن لغة الكتابة في النحو (التعريف والإضافة) والتركيب (الرتبة والتطابق) والصرف (الصيغ).(26) من أمثلتها في شعر المتنبي جمع رُكبة على ركبات، واستعمال رؤيا (الحلم) في رُؤية، وقَرن أن النّاصبة بالمضارع المرفوع، وصياغة أفعل من الألوان (لأنت أسود في عيني من الظلم)، ومن ذهب أذهب (أذهب للغيظ)، وتسهيل رؤوس (روس)، وترخيم اسم العلم بحذف السين حابس (عمرو بن حاب).(26)
واشتهر عصر الانحلال بانكماش اللهجات واختلافها باختلاف الأقاليم، حيث انضمّت اللهجات إلى بعضها البعض، وأصبحت لهجة كلّ إقليم مميّزة عن لهجات الإقليم الآخر، من ناحية الصوت والتركيب والمعجم، وصار كل إقليم يُسهم في لغة الأدب الفصحى بطريقته.(27)
وأخيرا، تميزت عربية الانحلال التام، وعصر النهضة باقتباس كبير تمظهر في اقتراض اللهجات العربية الألفاظَ الغربية.(28)
والخلاصة أن العربية الهجين عكست تأثر الأجانب الفارسيين باللسان العربي وتكلّم اللغة الفارسية بطريقة، لا هي عربية، ولا هي فارسية، شأن الوضع اليوم في العامية العربية المغربية، مثلا، حيث يمسّ التهجين اللغة العربية والفرنسية في آن واحد، إذ تُصاغ الكلمات الفرنسية في قوالب غير منسجمة مع النظام الفرنسي، والعكس تُسبك المفردات العربية في أشكال تخرق القواعد العربية. وكانت العربية المُولّدة إمّا دارجة لا تلتزم الإعراب، على غرار العاميات اليوم، أو لحناً يخرق قواعد النحو، أو خصائص لهجية تمثّلت في ظواهر مثل التسهيل والترخيم. ونستنتج من عربية عصر الانحلال تشتّت اللهجات وتعدّدها واختلافها بفعل انعزال الأقاليم العربية. وشكّل الاقتباس  سمة لهجات عصر الانحلال التامّ، وهي الحالة المستمرّة إلى الآن في دمج اللهجات العربية لآلاف ومئات الألفاظ الغربية.
5.4. خلاصة البحث في الأصول
عموماً، تعدّ قضية البحث في أصول اللهجات العربية مسألة معقّدة لعدم توفّر المعطيات في الدّرس العربي. ويرتبط إمكان الوصول إلى بعض خصائص الأصول اللهجية بدراسة اللهجات التي لم يقع بينها وبين الفصحى أي اتّصال، ومنها اللهجات التي توجد في المناطق المنعزلة من أفغانستان وأوزبكستان وتركيا ومالطا.(29)
إن اتصال اللهجات باللغة العربية الفصحى يُؤثر عليها، بل قد يطمس تاريخها وماضيها. والدليل على ذلك أن اللغة العربية المزيج pidginised)) في جنوب السودان صارت كريولية (creole) لما استعملها متكلِّموا العاصمة جوبا (juba)، ثم صارت، بعد ذلك، شبيهة بباقي اللهجات، وتخضع لتطوّر عادي بسبب الاحتكاك بالفصحى ولهجة الخرطوم.(30)
5.  خاتمة
حاولنا في هذا المقال مناقشة الخصائص السوسيو-لسانية للهجات العربية، ومبادئ تكونّها ومظاهره، وصعوبة تحديد أصولها وأسبابه.
--------------------
استفدنا في صياغة هذه السمات من:
J.A Fishman, Sociolinguistique, labor Bruxelle, 1971. p.36..
(2) عبد الواحد وافي، علم اللغة، أطره مجمع اللغة العربية، مكتبة نهضة مصر بالفجالة، 1957، ص.ص. 168 -170.
(3) والمعنى أن شرط غلبة لهجة أن يكون أصحابها، ليس أعلى سلطاناً وسياسة، بل أعلى ثقافة وحضارة وأدباً، انظر الأمثلة على ذلك من لهجة قريش وباريس ولندن وألمانيا وإيطاليا ضمن المرجع نفسه، ص. 168.
(4) يعتمد فيشمان خاصية التعيير والاستقلالية والتطبيع والتاريخانية والحيوية للتمييز بين اللغة المعّيرة (التي وصلت إلى مرتبة لغة بفعل التعيير) واللهجة (اللغة التابعة غير المستقلّة) واللغة الكلاسيكية (وهي المرجع والمعيار بالمعنى المدرسي، لأنها بلغت مرحلة التوازن والكمال، بحيث يبدو ما سبقها غير كامل، وما تلاها متراجع)، واللغة الشعبية (populaire) (وتُعرف بخضوع كلماتها للتغيّر الصوتي من جيل إلى جيل، وتُقابل اللغة العالمة (savante) التي تحتفظ كلماتها بالنطق الأول primitive))، واللغة الهجين (créole) (وتنطبق على لغات المستعمرات المتراكبة من احتكاك مجموعتين أو أكثر في التعاملات التجارية، وتتميّز بمعجم محدود وقواعد تأليف مختصرة وبنية نحوية سيّئة التخصيص mal caractérisé)) واللغة المزيج (pidgin)  (التي تولدت عن احتكاك الإنجليزية بالصينية، وأساسها النحو الصيني والمعجم الإنجليزي)، وأخيراً اللغة المصطنعة (تُعارض اللغة الطبيعية، لأنها من صنع العلماء، تُعتمد في التواصل بين المتكلمين للغات مختلفة لاتِّسامها بالبساطة وعدم تغيّر الوحدات المعجمية، مثالها لغة اسبيرانتو (espéranto) التي تعتمد في العالم كلّه. انظر، في التفاصيل، ص.ص. 38-42. وفي تعريف هذه اللغات: DUBOIS & autres, Dictionnaire de Linguistique, Larousse, 1973.
(5) تحيل الخصائص 1 2 3 على الاستقلالية والتاريخانية والحيوية، أي: الخصائص المعرّفة أعلاه.
(6) تعتبر اللهجات العربية غير وظيفية كذلك، لأن استجابتها للتواصل منحسرة فيما هو محلي خاص، ولا تتعداه، بعكس الفصحى، إلى مجال التداول العام.
(7) انظر:
J. Milory & L. Milory, Authority in Language, Investigating language, prescription and standardisation, Rout ledge, London, 1991.p. 203.
(8) راجع مواقف القدماء من اللهجات في المزهر في علوم اللغة وأنواعها لعبد الرحمان جلال الدين السيوطي، شرحه وضبطه وصححه وعنون موضوعاته محمد جاد المولى وآخرون، دار الفكر، ج.1، ، ص.ص.200-234.
(9) رمضان عبد التواب، فصول في فقه اللغة، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط.2، ص.ص. 120-141.
(10) في عوامل التلهيج من انتشار وما يرتبط به من وسائط أخرى، كالاتصال بلغات المناطق المُنتَشَرِ فيها، والاستقلال الثقافي والسياسي والإقليمي، انظر عبد الواحد وافي، فقه اللغة، أطره مجمع اللغة العربية، نشر لجنة اللسان العربي، ط.5، 1962، ص.ص.127-143. وفي تعدد اللهجات، وتعدد وظائفها بتعدد المجموعات اللغوية وتعدد الحاجات "الحياتية"، واختلافها باختلاف الاستعمال الاعتيادي، وارتباطها بكل ما هو رسمي وغير كلاسيكي وغير مكتوب، واقترانها بالحديث والاستعمال اليومي العادي وخطاب السليقة التلقائي، ولغة الإنجاز والكلام والتنفيذ والأوضاع الحركية والدينامكية،
انظر، على التوالي، عبد الغني أبو العزم، عربية الصحافة وسلامة اللغة، ضمن وقائع ندوة: عربية الصحافة، منشورات معهد الدراسات والأبحاث للتعريب، 1998، ص.ص.7-8. وتمام حسان، اللغة بين المعيارية والوصفية، مكتبة الأنجلو-مصرية، القاهرة، 1958، ص.ص، 184-194.
(11) معنى هذا أن اللهجات تتفرّع عن لغةٍ تمَّ ارتقاؤها. ولقد كان ارتقاء الفصحى، بفعل الأدب الجاهلي، و زاد اكتمالها بفضل نزول القرآن، ثم تطوّرت، سياسياً، بالانتشار. ويذهب فليش إلى أن وضع العربية شبيه بوضع الإيطالية التي ما كانت لتكتمل لولا الأدباء الكبار مثل دانت الفلورانسي (1391) وبيترارك الفنيزي (1474) وبيمبو الفنيزي (1470). والدليل على دور الثقافة والأدب في رقي اللهجات إلى لغات أن انتشار اللغة اللاتينية لم يُحوّلها إلى لغة ثقافة عظيمة إلا بعد أن استعملها الأدباء الكبار من أمثال سيزار (césar) وشيشرون(horas) وهوراس وشرشل.jirgile)). في مقابل ذلك، تحوّلت اللغات الروسية (التشيكية والبلغارية والصربية) إلى لغات قومية بفضل عامل السياسة. انظر:
H.Fleich, Arabe classique et Arabe dialectal, Extrait de l Etude de l Arabe dialectal, Dar El Machreq, Beyrouth, 1974, p.p. 7-9.
انظر كذلك: أنيس فريحة، محاضرات في اللهجات وأسلوب دراستها، معهد الدراسات العربية العالية، 1955، ص.ص.41-46.
(12) بل إن اللهجة لا تكون لهجة إلا إذا اشتركت في خصائص اللغة العامة: انظر إبراهيم أنيس، اللهجات العربية، المطبعة الفنيّة الحديثة، ط.2،ص.ص. 16-21، وعبد العزيز مطر، الأصالة العربية في لهجات الخليج، عالم الكتب، 1985، ص. 7، وعبد القادر حامد هلال،اللهجات العربية، نشأةً وتطوّراً، مكتبة وهبة، القاهرة، ط.2، ص. 33.
(13) عبد العزيز بن عبد الله، نحو تفصيح العاميّة في الوطن العربي، دراسات مقارنة بين العاميّات العربية، مطبعة فضالة، 1972.
(14) لا ينفي الاختلاف في الإنجاز الفعلي (actual) بين اللهجات التشابه البنيويِّ. أي إن الاختلاف يقع على مستوى الممارسة، أما، على مستوى البنية، فإنها متماثلة. فمثلا، تعد مبادئ الجرّ (genetive) والجهة الامتدادية (durative aspect) واحدة في بنية كل اللهجات، لكن، إنجاز هذين المبدأين وتحقّقهما، يختلف من لهجة إلى أخرى: تعبر العامية العربية المغربية عن الجر بالحرف: ديال، والمصرية: بِتَاع والسورية: تَبَع والسودانية: هَنَ، وتؤشِّر العربية المغربية إلى الجهة الامتدادية في الفعل بالحرف: ك- والمصرية: ب- والسورية: عَمْ، وهكذا دواليك. وهنا، نلاحظ أن الفرق في الإنجاز بين اللهجات يُمكن أن يكون معجمياً، وليس صوتيّاً فقط، كما يقول إبراهيم أنيس في كتابه اللهجات العربية، حيث يختزل الاختلاف في التباينات الصوتية العامة، على مستوى المخرج، ووضع أعضاء النطق، ومقاييس أصوات اللين، والحركات، وحروف المدّ، ونغمة الكلام الموسيقية، وتفاعل الأصوات.
(15) عبد الواحد وافي، علم اللغة، المرجع السابق نفسه، ص.ص. 272-279.
(16) إبراهيم السمرائي، التطوّر اللغوي التاريخي، معهد البحوث والدراسات العربية، 1966، ص.ص. 52-53. ومن دلائله على أن الحد من تعدد القراءات واختلافها حسم في استمرار تنوعها أن الشيرة التي جاءت في إحدى القراءات، عوض الشجرة، مازالت مستمِرةً إلى الآن في قرى جنوب العراق.
(17) المرجع نفسه.
(18) جردنا هذه الأمثلة من عبد الرحمن جلال الدين السيوطي، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، المرجع السابق نفسه، ص.ص.116-312.
(19) نعتبر لغات القبائل الشفهية نصوصاً، تجاوزاً، اعتباراً لما دُوِّن منها من معطيات في كتب النحو واللغة.
(20) إبراهيم السمرائي، 1966، المرجع السابق نفسه. وُجِدت النقوش في شمال الجزيرة العربية. تتضمّن أداة الإشارة: ه، ذو، ذا، ذي. أما ه، فمازالت مستمرّةً في اللهجات الحديثة، إذ نقول: ها- لْوَلْد، مثلا. وأما باقي الأدوات، فقد نسبها النحاة إلى قبيلة طيئ، ص.ص.59-64.
(21) محمود فهمي حجازي،علم اللغة العربية، مدخل تاريخي مقارن في ضوء التراث واللغات السامية،دار العلم للملايين، تاريخ المقدمة: 1973، ص.ص.193-194. ويُقصد بلغة "أكلوني البراغيث" التطابق الكامل بين الفعل والفاعل في الجنس والعدد. وهي ظاهرة مازالت موجودة في بعض اللهجات الحديثة: المرجع نفسه، ص.ص.232-233.
(22) انبنى الافتراض الأول على كون لهجة قريش هي اللغة التي نزل بها القرآن، وقام الثاني على اشتهار لغة تميم بالفصاحة: انظر استدلال فليش، 1974 في المرجع السابق نفسه، حيث يرى أن غياب خصائص اللهجة التميمية في الشعر الجاهلي لا يطعن في الافتراض، وذلك قياسا على وضع اللغة الإيطالية. فهذه اللغة، وإن كانت تعود، في أصولها إلى لهجة توسكانا (toscana)، فإنها لا تدمج كل خصائص اللهجة التوسكانية. فمثلا، لم تدمج التغيّر بين الصائت في الحرف (k- intervocalique)، إذ لو أدمجته، لاحتوت الإيطالية fuoha  عوض fuocoفي نار و la hasa بدل  la casa في دار: ص.ص.9-10.
(23) من الدلائل على أن توازي لغات القبائل في الفصاحة: تضمّن لغة القرآن لخصائص لهجة تميم، وليس الحجاز فقط، والتصاق سمة الإعراب، التي ظلت خاصية الفصحى طيلة تاريخها، بلغة الأعراب في البوادي، وعدم فهم الناس من العامة ومتوسطّي الثقافة للغة القرآن، ورفع المتكلمين للفصحى إلى مستوى فوق مستواهم، واختلاس العرب الإعراب وحذفه، واللحن الذي يُشير إلى أن الفصحى كانت لغة تُكتسب وتُتَعلَّم، لأن من يتكلّم لغة على السليقة لا يُخطئ فيها. في هذه الحجج، وغيرها، انظر، مثلا: محمود فهمي حجازي، اللغة العربية عبر القرون، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، 1993ص.ص.77-97. ورمضان عبد التواب في فصول في فقه اللغة: المرجع السابق نفسه. وتمام حسان، الأصول، دراسة إبستمولجية لأصول الفكر اللغوي العربي، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط.،1،1981ص.ص.78-83، ومحمد عيد، المستوى اللغوي للفصحى واللهجات- للشعر والنثر، عالم الكتب، القاهرة، 1984، ص.41.
(24) اعتمدنا في هذا التلخيص على يوهان فك، العربية، دراسات في اللغة واللهجات والأساليب، نقل عبد الحليم النجّار- مكتبة الخانجي، مصر، 1951.
(25) المرجع نفسه، ص.ص.15-22.
(26) نفسه، ص.ص.100-104.
(26) نفسه.
(27) نفسه، ص.ص.230-234.
(28) نفسه، ص.ص. 230-234.
(29) ك.فرستيخ k. Versteegh، المرجع السابق نفسه، ص.ص. 211-112.
(30) المرجع نفسه. أما في مصطلح اللغة المزيج والكريولية، فيُمكن مراجعة تعريف هذين المصطلحين في الصفحة الرابعة من هذه المقالة.

 

---------------------

ذة: ثريا خربوش
كلية الآداب – المحمدية
جامعة الحسن الثاني - المغرب

 
الاستشراق اللغوي أهدافه ودوافعه - د . عبد السلام حامد طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: بحوث لغوية
الكاتب صوت العربية   
الأحد, 01 أغسطس 2010 11:38

هذا جانب من جوانب علاقة الشرق بالغرب من زاوية اللغة العربية ، نشير إليه وهو متسع وممتد في الزمان والمكان على وجه الإجمال والتقريب . ويقصد بالشرق " العالم العربي " ، كما يقصد بالغرب المفهوم العام له الذي يطلق على أوروبا وأمريكا .

تمهيد :

لا اتصال حقيقياً يدوم طويلاً ولا معرفة ولا احتكاك فعالاً بين إنسان وآخر أو شعب وشعب آخر من غير لغة ، وبدهي جداً ـ بناءً على هذا ـ أن تعد اللغة من أهم مداخل الاستشراق الذي هو العلم بالشرق أو علم العالَم الشرقي . فالصلة بين الاستشراق واللغة قوية جداً ، وقد بالغ بعض الدارسين في ذلك فذهب إلى أن الاستشراق علم يختص بفقه اللغة خاصة  ([1]) ، والصواب أن هذا الجانب ـ وإن يكن من أكثر الجوانب التي اهتم بها المستشرقون ـ لا يمثل النشاط الاستشراقي كله ؛ لأنه قام أيضاً بدراسات شملت الأديان والعادات والنظم والأفكار وغير ذلك . وتتجلى العلاقة القوية بين الاستشراق واللغة العربية خاصة في اهتمام المستشرقين الواضح بتعلمها ودراستها عبر تاريخه الطويل ، بعد أن كان الجهل باللغة له أثره الكبير في تعميق العداء وسوء التفاهم بين العرب وأوروبا في العصور الوسطى ، فلم يكن عامة الناس يفهمون الذي يجري في بلادهم ، وصعب عليهم أن يفهموا موقف المسلمين الفاتحين وأن يعوا مبادئ الإسلام كمبدأ الجزية أو الحرب عند رفض الدخول في الإسلام ، وزاد الطين بلة في هذا أن القساوسة كانوا هم الذين يقومون بدور المترجم ، وقد جمع هؤلاء ـ إلى جهلهم باللغة ـ حقدهم الشديد على الإسلام والمسلمين ، فنقلوا إلى مواطنيهم كل شيء عن الإسلام بعد تحريفه .

وقد ظهر في أوروبا في ذلك الحين اتجاهان لمقاومة العرب ومواجهة المشكلة الإسلامية : اتجاه يدعو إلى المواجهة العسكرية ، بناءً على أنه لا يوجد وقت للتفاهم وتعلم اللغة العربية لغة المحارب ، واتجاه يدعو إلى المواجهة السلمية لحل المشكلة والمقاومة الثقافية بتعرف أفكار المسلمين ولغتهم عن كثب ، وترجمة القرآن والإلمام بالسنة والسيرة ، تمهيداً لتشكيك المسلمين في عقيدتهم وتنصيرهم ، وقد ظهر هذا الاتجاه الثاني عقب هزائم أوروبا المتلاحقة في الحروب الصليبية ([2]) .

وقد نشأ الاستشراق رسمياً ـ كما يؤرخ له في الغرب المسيحي ـ بصدور قرار مجمع فينا الكنسي عام 1312 م بتأسيس عدد من كراسي الأستاذية في العربية واليونانية والعبرية والسريانية في جامعات باريس وأكسفورد وبولونيا وأفينيون وسلامانكا  ([3]) ، ووجدت له أهدافه ودوافعه التي حاول الغرب تحقيقها من خلال دراسة العربية في المقام الأول إلى جانب غيرها من اللغات المتصلة بها.

أهداف الاستشراق في مجال اللغة :

وبناءً على ما سبق ، كان ثمة نوعان من الأهداف : أهداف خاصة تتعلق باهتمام المستشرقين بالدراسات اللغوية العربية ، وأهداف عامة تتعلق باهتمامهم باللغة العربية بشكل عام.

فأما أهدافهم التي تتعلق باهتمامهم بالدراسات اللغوية العربية ، فمنها : كون الدرس اللغوي عند العرب حلقة متوسطة بين النظام اليوناني في الغرب ، والنظام الهندي في الشرق ، يؤدي البحث عنها وكشفها إلى بيان العلاقة بين هذه المدارس المختلفة ، وكذلك أهمية النحو العربي في تعلم اللغة ([4]) ، بالإضافة إلى القيمة الكبيرة للدراسات اللغوية العربية ؛ لأنها جزء مهم في منظومة العلوم الإسلامية " وقد عدها "فايس" Weiss على درجة كبيرة من الأهمية لمن أراد أن يقوّم الحضارة الإسلامية ، بل ذهب هذا المستشرق إلى أبعد من ذلك ، فنوه بأهميتها التي تتجاوز دورها الكبير في تاريخ الدرس اللغوي بعامة ، إلى مكانتها في دراسة تاريخ الفكر الإنساني على الإطلاق " ([5]) .

وأما الأهداف والدوافع العامة التي كان ـ وما يزال ـ يرجع إليها الاهتمام باللغة العربية بشكل عام فهي متنوعة على النحو الآتي :

أ ـ أهداف حضارية .

ب ـ أهداف اقتصادية وسياسية .

ج ـ أهداف تنصيرية .

د ـ أهداف لاهوتية .

هـ ـ أهداف علمية وثقافية .

فأما الأهداف الحضارية فيقصد بها القضاء على حضارة الإسلام ، وقد اكتشف الغرب أن ذلك لن يتأتى إلا بالقضاء على الدين الذي هو حصنها ودعامة حضارتها ، ومن مستلزمات ذلك دراسة لغة العدو لتكون مفتاحاً لفهمه والدخول إليه حضارياً والقضاء عليه ثقافياً ، ولذا كثرت المراكز والمعاهد التي عنيت بجمع المخطوطات وأمهات الكتب وعقد الدراسات والبحوث في كل جانب من جوانب الحضارة الإسلامية وأحوال أهلها ، وفي مقدمة ذلك الدراسات المستفيضة في الجوانب اللغوية المختلفة .

وأما الأهداف الاقتصادية والسياسية ، ففي ذلك يقول وليام بدويل (1561 ـ 1632) في سياق ترغيبه في تعلم العربية : " إنها هي لغة الدين الوحيدة وأهم لغة للسياسة والعمل من الجزائر السعيدة إلى بلاد الصين " ([6]) . ومما يذكر في هذا المجال أن الشركات التجارية الكبيرة كان لها دور في دعم المشروعات الاستشراقية ؛ ومن أمثلة ذلك تأسيس شركة الهند الشرقية البريطانية كلية Haileybury ليدرس موظفوها لغات البلاد التي يتعاملون معها ، وكانت العربية من بين هذه اللغات " وفي عام 1265 م كُتبت باللغة العربية المعاهدة التجارية التي أبرمت بين تونس وبيزا ، ومنذ الحملة الصليبية الرابعة انفردت إيطاليا في أعمالها عن بقية الصليبيين واهتمت بتحسين علاقاتها التجارية مع الشرق الإسلامي ، فكانت البندقية همزة الوصل بين الشرق والغرب ، وتكلم أهلها العربية حتى سقوط القسطنطينية في قبضة محمد الثاني 1435 م ... وفي سنة 1797 م تألفت حملة نابليون إلى مصر ، وفيها بعثته العلمية التي كان قوامها المستشرقين والمترجمين الشاميين ... (وعلماء أعلاماً) في كل فن من فنون الثقافة في ذلك العصر ، ليمكن اعتصار خيرات البلاد والسيطرة على كل شيء فيها " ([7]) .

وقد وظفت الدراسات اللغوية لخدمة غرض بسط الهيمنة والاحتلال وتمجيد الاستعمار وإجلاله ، وكان المستشرق الفرنسي آرنست رينان (1892 م) من أبرز من عُنوا بتأصيل هذه الفكرة ، فقد انتهى من دراساته في مجال فقه اللغة المقارن إلى أن اللغات قسمان : آرية وسامية ، ولكل منهما خصائصها التي تميزها وتميز الناطقين بها ، ومما قاله في هذا أن الجنس السامي أقل شأناً من الجنس الآري لأن عقليته تتسم بالبساطة التي هي أقرب إلى الضحالة والسذاجة في اللغة والصنعة والفن والمدنية ، أما الجنس الآري فتتميز عقليته بأنها تميل إلى التعدد والانسجام والتركيب وقدرتها على وضع الفلسفات والمناهج والشعر الراقي . ومعنى ذلك أن مثل هذه الدراسات تقدم الأساس الفلسفي لدعوى تفوق الأوربيين على شعوب الشرق ، وتقدم المسوغ في الوقت نفسه لاحتلالها بل لمطالبتها بتقدير هذا الجميل الذي تقدمه الدول المستعمرة  لها ([8]) !

 وأما التنصير فهو ذو علاقة وثيقة بالاستشراق ، بل إنهما توءمان يصعب التفريق بينهما كثيراً وبخاصة في بداية نشأتهما ، فقد كان علماء الكنيسة المسيحية هم أول من اعتنى بدراسة اللغة العربية وتعلمها .

فأول مؤسس لكرسي الاستشراق في جامعة أكسفورد هو رئيس الأساقفة واسمه "لود" ، كان ذلك في سنة (1636) . وكان من أهداف أول جالس على كرسي اللغة العربية في كمبردج في السنة نفسها أن يعد مشروعاً لتفنيد القرآن ، كما كان من أهداف هذا الكرسي أيضاً تمجيد الله بتوسيع حدود الكنيسة ، والدعوة إلى الديانة المسيحية بين هؤلاء الذين يعيشون في الظلمات !

ويقول جيوم بوستل (ت 1581 م) أول من شغل كرسي اللغة العربية في "الكوليج دي فرانس" في باريس عن اللغة العربية " إنها تفيد بوصفها لغة عالمية في التعامل مع المغاربة والمصريين والفرس والأتراك والتتار والهنود ، وتحتوي على أدب ثري ، ومن يجيدها يستطيع أن يطعن كل أعداء العقيدة النصرانية بسيف الكتاب المقدس " ([9]) .

ويقول "يوهان فوك" في ترجمته لسيرة "كارل بروكلمان" : " نشأت في نفس الصبي رغبة ملحة في أن يجوب العالم سواء كطبيب بحري ، أو مترجم ، أو مبشر . وكانت الترجمة الأولى للقرآن الكريم (1143 م) إلى اللاتينية ، بتوجيه من بيتروس فينيرابيليس رئيس دير كلوني في إسبانيا " ([10]) . كما أن الكاردينال "فريدريك دي مدسيس" وهو من الأسرة المالكة في إيطاليا أنشأ سنة 1536 م مطبعة في فلورنسا وطبع فيها ثمانية عشر ألف نسخة من الإنجيل باللغة العربية ، ونشر في مطبعته كذلك كتاب "قواعد العربية" ([11]) .

فكل هؤلاء من خلال حرصهم الشديد على دراسة اللغة العربية وترجمتهم الإنجيل إليها وترجمة القرآن للاتينية لم يكن هدفهم علمياً ، بل كان هدفهم الرد على الإسلام وإثارة الشبهات والاختلافات في الأمور الدينية وتنصير المسلمين فيما بعد.

وأما الأهداف اللاهوتية فخلاصتها أن للغة العربية أهمية كبيرة من هذه الناحية تتمثل في أنها ـ ببقائها حية وبأصلها السامي ـ تساعد على فك طلاسم نصوص العهدين القديم والجديد وفهمها ؛ لأن لغتيهما (العبرية القديمة للعهد القديم والآرامية للعهد الجديد)  قد ماتتا ، بل لم يبق من سائر اللغات السامية إلا العربية ، وقد تمكن علماء اليهود والنصارى من خلال هذا الجسر اللغوي الماثل في الشبه والعلاقة بين العربية وغيرها من الساميات المنقرضة من فهم كثير من النصوص الدينية اليهودية والنصرانية ، يقول يوهان فوك عن المستشرقين الذين معظمهم من اللاهوتيين : " لم يدرسوا اللغة العربية لقيمتها الأدبية أو للتعمق في تاريخ الإسلام أو لدرس تطور الأدب عند المسلمين ، بل لاستعمالها وسيلة لدرس العهد القديم واللغة العبرانية " ([12]) .

ولم يخل الاستشراق والاهتمام باللغة العربية من أهداف علمية وثقافية خالصة ؛ لأن المسلمين ظلوا متقدمين وأساتذة العالم من القرن التاسع الميلادي إلى القرن الرابع عشر ، فقد كان من يرغب من الغربيين في العلم أو الفن أو الأدب أو الفلسفة ييمم شطر الشرق مستخفاً بالجامعات الغربية آنذاك ، فهذا "إدلارد" الذي درس في الأندلس وسوريا في الربع الأول من القرن الثاني عشر وترجم إلى اللاتينية كثيراً من كتب الفلك والرياضة عن العربية ، وهذا فولتير يقول : إنه لم يبدأ كتابة القصة إلا بعد أن قرأ ألف ليلة وليلة أربع عشرة مرة ، والاستشراق الألماني يوصف بأنه كلاسيكي ؛ لأنه استشراق بحثي قائم على دراسة النصوص والأفكار والأساطير التي جمعها من الشرق البريطانيون والفرنسيون ، وأوضح دليل على استفادته من الشرق العملان المشهوران : "الديوان الغربي الشرقي" لجوته ، و"في لغة الهند وحكمتها" لفردريك شليغل ، وكلاهما قاما على رحلة فوق نهر الراين وساعات أمضيت في مكتبات باريس على التوالي ([13]) .

 ------------------------------------

[1]) ) ـ انظر : المستشرقون والمناهج اللغوية ، للدكتور إسماعيل عمايرة ( دار حزين ـ عمّان ـ ط2 ـ 1992) 15 ، ونظرات في حركة الاستشراق ، للدكتور عبد الحميد مدكور (دار الثقافة العربية ـ القاهرة ـ 1990 م) 11 ، 12.                                         

[2]) ) ـ انظر : المستشرقون وتاريخ صلتهم بالعربية ، للدكتور إسماعيل عمايرة (دار حزين ـ عمّان ـ ط2 ـ 1992) 21 ـ 27 . 

[3]) ) ـ انظر : الاستشراق ، المعرفة ـ السلطة ـ الإنشاء ، لإدوارد سعيد ، نقله إلى العربية كمال أبو ديب (مؤسسة الأبحاث العربية ـ بيروت ـ ط2 ـ 1984) 80 ، وانظر الفصل الثاني من كتاب " الاستشراق وجه للاستعمار الفكري " للدكتور عبد المتعال محمد الجبري (مكتبة وهبة ـ القاهرة ـ ط1 ـ 1995) . 

[4]) ) ـ لذا قام بعض المستشرقين بترجمة بعض كتب النحو إلى لغاتهم ، كما قام بعضهم بتحقيق هذه الكتب ونشرها .

[5]) ) ـ المستشرقون ونظرياتهم في نشأة الدراسات اللغوية (دار حزين ـ عمّان ـ ط2 ـ 1992) : 13  .

[6]) ) ـ السابق : 22 . 

[7]) ) ـ الاستشراق وجه للاستعمار الفكري ، للدكتور عبد المتعال محمد الجبري :  76 ، 77 . 

[8]) ) ـ انظر : نظرات في حركة الاستشراق  54 ، 55 . 

[9]) ) ـ السابق : 39 . 

[10]) ) ـ المستشرقون ونظرياتهم في نشأة الدراسات اللغوية 25 ، 26 .

[11]) ) ـ انظر : الاستشراق وجه للاستعمار الفكري 81 . 

[12]) ) ـ السابق : 30 .

[13]) ) ـ انظر : الاستشراق لإدوارد سعيد 52 ، 53 و المستشرقون ونظرياتهم في نشأة الدراسات اللغوية 32 ـ 34

----------------------------

د . عبد السلام حامد

أستاذ مشارك بجامعة قطر

هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته

 
النحو التوليدي التحويلي: المرجع والمفهوم - هشام الدركاوي طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: بحوث لغوية
الكاتب صوت العربية   
الأحد, 01 أغسطس 2010 11:24

فاتحة القول:
في نأنأة الفكر اللساني، أحدث تشومسكي ثورة لغوية هامة – من خلال كتابه الشهير « البنى التركيبية » (1954 م) – أطلق عليها « النظرية التوليدية التحويلية »، والتي شكلت اتجاها لسانيا قائما بذاته؛ من حيث آليات الاشتغال، ومن حيث الجهاز المفهومي الضخم الذي يمتح أسسه ومرجعياته من المعين الثر للعلوم الآتية: (علم النفس، اللسانيات القديمة، النظريات العقلية...).

من هنا « يبدو إذن، أن التحول الإبستمولوجي في اللسانيات التوليدية لم يقف عند حدود المفاهيم الواصفة فقط، بل طال النظرية اللسانية برمتها؛ وسعى إلى تحديد ما يمكن أن يكون عليه الدرس اللساني »(1)، وهو تحول تمثل في تجاوز الاتجاه الوصفي الطاغي آنذاك؛ خاصة في اللسانيات السوسيرية إلى التفسير الذي يعنى بالكفاية اللغوية باعتبارها نسقا معرفيا.
إذن في أي سياق برزت هذه النظرية؟ وما هي منطلقاتها الفكرية ومرتكزاتها الإبستمولوجية؟ وما هي مفاهيمها المائزة؟

 

1. تحديدات مفهومية:
حري بنا قبل الانتقال إلى الحديث عن خصوصية المناخ الذي تبلورت فيه النظرية التوليدية التحويلية؛ أن نمهد لذلك بتحديد طبيعة المصطلحات المشكلة لهذه النظرية من مثل: النحو – التوليد – التحويل.
1-1 النحـو Grammaire:
استعمل هذا المفهوم في اللسانيات التوليدية للدلالة على معنيين اثنين:
أ‌- معنى عام: يقصد به مجموع قواعد اللغة التي يمتلكها ضمنيا كل فرد متكلم؛ بطريقة لا شعورية؛ « وهي قواعد قائمة في الذهن في صورة ملكة بيولوجية، وعلى اللسانيات أن تعنى بصورنتها وصوغها في إطار نموذج صوري »(2).
ب‌- معنى خاص: يصبح فيه النحو عبارة عن نظرية (Théorie) يقوم الدارس ببنائها؛ أي وصف ومعالجة القواعد التي يتوفر عليها المتكلم.
وبناء على هذين المعنيين يمكن القول؛ إن النحو كما حدده تشومسكي هو آلية تصف وتفسر في آن واحد؛ يصف حينما يبين طبيعة القواعد الضمنية في ملكة المتكلم – المستمع المثالي، ويفسر عندما يقف على طبيعة النواميس، المتحكمة في لغة معينة.
وبالتالي يصبح النحو في هذه النظرية (التوليدية) « نظرية صورية استنباطية تنتج الجمل النحوية (ما يدعى بالقدرة التوليدية الضعيفة) وتخصص أوصافا بنيوية لها (القدرة التوليدية القوية) »(3).
1-2 التوليد Génération:
يتحدد هذا المفهوم بكونه استنباطا لمستوى لغوي من مستوى لغوي أعلى منه، وفق ما يسميه تشومسكي « قواعد إعادة الكتابة »، إلى أن نصل إلى المستوى الأدنى الذي يؤدي الربط بين عناصره إلى الحصول على جملة قاعدية صحيحة التركيب، أي أن امتلاك المتكلم لهذه القواعد قمين بجعله قادرا على إنتاج عدد لا متناهي من الجمل بواسطة تطبيق هذه القواعد المحدودة. إذ من المتناهي نحصل على اللامتناهي.
1-3 التحويل Transformation:
نقصد بالتحويل عملية نقل المستوى العميق لجملة ما إلى مستواها الظاهر، أو نقل خيط في الجملة إلى خيط آخر للكشف عن المعاني الضمنية لهذه الجملة، أو هو إماطة اللثام على البنى العميقة حتى تتكشف البنى السطحية.
وبناء عليه، نستشف أن تشومسكي قد ربط بين هذه المفاهيم الثلاثة ليسم نظريته اللسانية، التي القصد منها « وصف قدرة المتكلم السامع المثالي المنتمي إلى عشيرة لغوية متجانسة وصفا بنيويا وتفسيرها »(4).

2. السياق النظري للنحو التوليدي:
قبل الحديث عن الأسس الفلسفية والعلمية والمنطلقات الإبستمولوجية والمنهجية التي تسند نظرية النحو التوليدي التحويلي، وما تزال تسندها لحد الآن، رغم ما لحقها من تطور في المفاهيم والأساليب والأدوات الإجرائية. لابد من اعتماد التدرج المنطقي الذي يقتضي منا معرفة أهم التصورات والمفاهيم التي كانت سائدة في مجال اللغة؛ خاصة مسألة اكتساب الطفل للغة والسلوك اللغوي عند الإنسان.
2-1 انتقاد وتجريح الاتجاه البنيوي:
ارتبط الدرس اللساني لردح طويل من الزمن بعلم الإناسة Anthropologie، نتيجة الاهتمام بوصف اللغات المفقودة (الهنود الحمر)؛ حيث شكل المنهج الوصفي الوسيلة والغاية في ذات الوقت. ولما ظهر تشومسكي رفض هذا المنهج (الوصفي) الذي لا يرفل إلا على السطح اللغوي ولا يغوص في الأعماق؛ محولا الإنسان إلى آلة تحركها نواميس حتمية خاضعة لظروف محددة، مؤكدا – بواسطة بديل جديد – على ضرورة الاهتمام بالجهاز الداخلي للمتكلمين، يقول الدكتور "عبد القادر الفاسي الفهري": « قاد تشومسكي ثورة علمية تقوم على التفكير في اللغة، أفرز مجموعة من الإشكالات التي يجب أن يعتني بها اللغوي وضع منها الاهتمام بالجهاز الداخلي للمتكلمين، عوض الاهتمام بسلوكهم الفعلي »(5).
2-2 تقويض النظرية السلوكية:
شكلت السلوكية منذ بداية ثلاثينيات القرن الماضي، المذهب الأكثر انتشارا بآرائه ومفاهيمه الكثيرة، وأساليبه التي أثرت بشكل لافت في مسار الدرس اللساني يومئذ، حيث كان أصحاب هذا الاتجاه (السلوكية) يعتبرون اللغة مجرد « عادات كلامية مكتسبة » خاضعة لقانون الإشراط، تحددها مثيرات الهيئة الخارجية. وبالتالي تصبح اللغة عندهم شكلا من أشكالا السلوك الإنساني، كالأكل والنوم...
وحسب هذا الاتجاه أيضا، فإن السلوك اللغوي للإنسان شبيه بالسلوك الحيواني، فكلاهما سلوك آلي ميكانيكي إشراطي خاضع لثنائية مثير / استجابة.
ومن بين أبرز الدراسات السلوكية التي انتقدها تشومسكي نظرية "بلومفيلد" الإشراطية وما تعتمد من مفاهيم: المثير / الاستجابة / التعزيز لتفسير ظاهرة اللغة عند الإنسان، ونظرية "سكينر" من خلال كتابه "السلوك اللغوي" الذي أكد فيه على أن مفهوم التعزيز يشكل الفكرة المركزية في مسألة اكتساب اللغات، إذ تتدخل البيئة المحيطة بالطفل (المدرسة، الأسرة، المجتمع، الشارع...) عن طريق قيامها بعمليات التعزيز المتجلية في إمداد الطفل بالمعطيات اللغوية الخاضعة للإعادة والترديد والمحاكاة ثم التصحيح من أجل تثبيتها وترسيخها في ذهنه (الطفل) بكيفية آلية كعادات كلامية محصلة.
استنادا على ما أنف، ستخضع كل المقولات السلوكية في مقاربة الظاهرة اللغوية لمراجعة صارمة من طرف تشومسكي، انصبت بالأساس على تقويض الآراء الواردة في كتاب "السلوك اللغوي" (1959) ل "سكينر" والتي ستؤول نتائجها إلى طمس كل منجزات البنيوية السلوكية، والإعلان عن ميلاد مرحلة جديدة من علم نفس – لساني، وآراء متقدمة في قضية اكتساب اللغة.

3. المنطلقات الفكرية والمرتكزات الإبستمولوجية للنحو التوليدي التحويلي:
ترتكز وتتأسس النظرية التوليدية على منطلقات الفكر الفلسفي العقلاني لكل من "ديكارت" و"هامبولت"، يقول تشومسكي: « إن النظرية اللغوية نظرية عقلانية حيث إنها تعنى باكتشاف الحقيقة العقلية الكامنة تحت السلوك الفعلي »(6).
ويتجلى تأثر تشومسكي بالاتجاه العقلاني في كتابه "اللسانيات الديكارتية" (1966). في حين يشهد كتابه "اللغة والمسؤولية" 1979 على تأثره الواضح بأفكار "هامبولت".
ولم يقتصر تأثر تشومسكي على الآراء العقلانية فقط، بل تعداه ليشمل الإفادة من آراء جماعة "البال الملكي" في اللغة والنحو، فتشومسكي نفسه يقول؛ إن نحوه مماثل  لنحو جماعة الباب الملكي، وذلك في كتابه: «النحو العام والتفكير Grammaire générale et raisonne »

4. الترسانة المفهومية للاتجاه التوليدي:
تسعى كل نظرية جديدة إلى إثبات مكانتها ضمن الساحة المعرفية التي تشتغل فيها. وذلك باجتراح جملة من المفاهيم الجديدة التي تمنحها الفرادة والتميز من جهة، وتشكيل سند نظري تقوم عليه ويكسبها مقبولية علمية من جهة أخرى. وهذا ما فعلته النظرية التوليدية التي استطاع مؤسسها وضع جهاز مفهومي ضخم ومائز، يعد حصيلة تشرب لكل ما كان سائدا في مجال الدرس اللساني من اتجاهات ومدارس؛ ومن هذه المفاهيم نجد:
4-1 مفهوم القدرة / الكفاية: Compétence:
حدد العالم اللغوي "نيكولارويت" الكفاءة قائلا: « كل إنسان بالغ يتكلم لغة ما، قادر في كل لحظة أن يصدر بشكل تلقائي، أو أن يتلقى ويفهم عددا لا متناهيا من الجمل التركيبية لم يسبق له فقط أن نطق بمعظمها أو سمع بعضها. كل إنسان يتكلم يملك إذن بعض القدرات الخاصة جدا التي يمكن أن نسميها كفاءة »(7).
من خلال هذا القول، يتبدى جليا أن الكفاية / القدرة هي معرفة المتكلم – المستمع المثالي الضمنية بلغته منذ الطفولة، والتي تسمح له بتوليد جمل جديدة لم يسبق له أن سمع بها، فتشومسكي ينعتها بأنها مفهوم مجرد، قائم في الذهن، إذ تعد « بمثابة نظام مجرد – مكون من قواعد تحدد الشكل والمعنى الأصلي لعدد غير متناه من الجمل الممكنة ».
ويتجلى الهدف الرئيس من دراسة القدرة اللغوية في وضع منظومة من العناصر المترابطة (نسق) من القواعد تساعد على توليد واستنباط كل العبارات أو الجمل في اللغة. وهذا النسق من القواعد يقوم على ثلاث ركائز: المستوى التركيبي، المستوى الفونولوجي، ثم المستوى الدلالي.
4-2  الإنجاز اللغوي / الأداء الكلامي Performance:
يقصد بالأداء / الإنجاز: « مدى أمانة الترجمة الفعلية لتعليمات القواعد أثناء إنتاج الكلام المحقق أو فهم المسموع من الكلام »(8).
إن الأداء الكلامي هو الاستعمال الفعلي للقدرة اللغوية، أي تحقيق الكفاءة اللغوية في جمل وأقوال يمكن ملاحظتها بكيفية مباشرة ملموسة، غير أن هذا الإنجاز يبقى نسبيا لاختلافه من شخص لآخر حسب اختلاف موضوع الكلام ومكانه، وثقافة الفرد، ومحيطه الاجتماعي والنفسي، كما يتأثر بعوامل خارجة عن نطاق اللغة؛ كالانتباه، التعب، الانفعال، والذاكرة.
وبالإضافة إلى هذه المفاهيم، هناك مفاهيم أخرى تشكل مع ما سبق ذكره العمود الفقري الذي يرتكز عليه الاتجاه التوليدي وهي:
‌أ- البنية العميقة:
تتحدد البنية العميقة بأنها التفسير الدلالي للجملة(9)، أي القواعد والبنى الأساسية التي يمكن تحويلها لتكون جملة اللغة، إذن فهي مجموع القواعد المخزنة في ذهن المتكلم / السامع المثالي، والمتمظهرة في شكل بنى سطحية متعددة؛ أي أنها إفراز للمعنى، ما دام دور النحو التوليدي، التحرك داخليا من العمق إلى السطح اعتمادا على القوانين المحققة لهذا التحول.
وتتميز البنية العميقة بجملة خصائص هي كالتالي:
- تمثل البنى الأولية المولدة في قواعد النحو عن طريق المستوى التركيبي والمستوى المعجمي.
- إنها المجال الوحيد لإفراغ الملء المعجمي.
- هي كل البنى الخاضعة للتأويل الدلالي.
- هي البنى القابلة للتحويل إلى بنى سطحية سليمة(10).
‌ب- البنية السطحية:
تعرف البنية السطحية بأنها ذلك التمثيل الصوتي للجملة(11)، أي أنها البنية الظاهرة للعيان عبر توالي الكلمات وانتظامها في سلك الجملة من حيث النطق. فهي التركيب اللفظي المشاهد الخاضع لتسلسل نحوي معين، يقول د. التهامي الراجي: « هي في اصطلاح التوليديين بنية الجملة كما هي منجزة فعلا، هي إذن البنية المرئية، البنية الملاحظية التي يمكن أن توصف مثلا بألفاظ "المكونات الأولية" »(12).
نستشف مما سبق أن البنية السطحية تمثل الحالة النهائية والأخيرة في التاريخ التحويلي للتوليد.
‌ج- متكلم / مستمع مثالي:
يقصد تشومسكي بالمتكلم / المستمع المثالي الشخص الذي تطابق كفايته اللغوية إنجازه الكلامي، إنه متكلم / مستمع لا يخطئ، لا يسهى، لا ينسى، وهو الممثل للعشيرة اللغوية ومختزلها، وهو شخص غير متحقق واقعيا، بل مفترض.
‌د- الكليات اللغوية:
يعد هذا المفهوم، المرتكز الذي تستند عليه النظرية التوليدية، ذلك أن الهدف من الاتجاه التوليدي عامة – حسب تشومسكي – معرفة الآليات والعلاقات الجامعة والموحدة بين الأنحاء الخاصة والرابطة فيما بينها في إطار ما يسمى ب "النحو الكلي" الذي يفيد وجود علاقة أو علاقات وثوابت مشتركة بين جميع الأنحاء المختلفة، وقد قسم تشومسكي الكليات الكليات إلى: كليات مادية ديدنها معرفة السمات المشكلة المادة لوصف اللغات. وكليات شكلية تتعلق بأنماط وظواهر القواعد النحوية، وإمكانات ربطها حتى نتمكن من الوصول إلى الجملة النووية الحاوية للقاعدة النحوية المشتركة بين جميع الأنحاء.

قفل القول:
إذا كان هدف تشومسكي في البداية قد تركز مسعاه على توليد أكبر قدر من الجمل، من عدد محدد من القواعد عن طريق التحويل فإنه في الآونة الأخيرة ابتكر برنامجا جديدا أطلق عليه اسم "البرنامج الأدنوي" القصد منه الابتعاد والنأي عن تلك التحويلات المعقدة، والاهتمام بتشكيل جمل بسيطة مشتركة بين جميع الأنحاء، وهذا إن دل فإنما يدل على العمق الرؤيوي للتوليديين وعلى أن هذا الاتجاه دائم التطور لا يريم.
------------------
هوامش الدراسة
:
يقول عبد القادر الفاسي الفهري: « قاد تشومسكي ثورة علمية فعلية نجم عنها بروز أنموذج جديد Newparadign للتفكير في اللغة، أفرز مجموعة من الإشكالات يجب أن يعتني بها اللغوي، وضمنها الاهتمام بالجهاز الداخلي الذهني للمتكلمين، عوض الاهتمام بسلوكهم الفعلي. ومع هذا الأنموذج، بزغ زمن التركيب، حين اتجه اللساني ليس فقط إلى ما هو موجود من السلاسل اللغوية السليمة، ولكن أيضا إلى ما يمكن أن يوجد. واتضح حينه أن إجراءات التقطيع (البنيوية) المستعملة في الأصوات وفي الصرف لم تعد ناجعة بما يكفي حتى تمتد إلى التركيب». اللسانيات واللغة العربية، ج 1، ص 65.
1. حافظ إسماعيلي علوي وامحمد الملاخ: قضايا إبستيمولوجية في اللسانيات، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط 1، 2009، ص 96.
انظر مصطفى غلفان: "في طبيعة اللسانيات العامة: أوليات منهجية"، مجلة فكر ونقد، (المغرب)، العدد 96، (2008)، ص 55.
2. نفسه ص: 95.
3. ص: 93.
4. علال خوش: نظرية النحو التوليدي التحويلي وتدريس تراكيب الفصحى، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا.
5. د. عبد القادر الفاسي الفهري: اللسانيات واللغة العربية (نماذج تركيبية ودلالية)، دار توبقال، الدار البيضاء، المغرب، ط 4، 2000، ص 56.
6. يحيى أحمد: "الاتجاه الوظيفي ودوره في تحليل اللغة"، عالم الفكر، (الكويت)، العدد 3، (1989)، ص: 69.
7.  Nicolas-Ruwet : introduction gramatica generativa, p. 17, 18 . نقلا عن د.التهامي الراجي الهاشمي: الثنائيات اللسانية، ص 87.
8. محمد المدلاوي: "اللسانيات العربية المعاصرة ما بين البحث العلمي وتهافت التهافت"، مجلة دراسات أدبية ولسانية، (فاس)، العدد 3، (1986)، ص 73.
9. انظر بريجيتيه بارتشت: مناهج علم اللغة من هرمان بول حتى ناعوم تشومسكي، تر: سعيد حسن بحيري، د ت، ص 278.
10. عبد القادر الفاسي الفهري، المرجع المذكور، ج 1، ص: 68.
11. المرجع السابق، ص 278.
12. التهامي الراجي: المرجع مذكور، ص 111.

------------------------

مصدر البحث : الباحث هشام الدركاوي

 
جولة في الأصوات اللغوية - بروفيسور حسيب شحادة - جامعة هلسنكي طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: بحوث صوتية
تقييم المستخدمين: / 1
سيئجيد 
الكاتب صوت العربية   
الأحد, 01 أغسطس 2010 09:54

إن اللغة عامة أعظمُ عملية حضارية على الإطلاق ومتكلم لغة ما، هو في واقع الأمر، مفكر فيها. كل لغة بشرية عادية عبارة عن نظام صوتي معين وهي أداة متعددة الأغراض والمهامّ، من أهمها التعبير عن الفكر والوجدان والتواصل مع الآخر بغية التأثير عليه والتأثر به، إنها هوية الناطقين بها ولبّ كيانهم. أضيفت الصفة "عادية" لأن هناك لغات بشرية معينة بدون أصوات، مثل لغات الإشارة عند الصم والبكم. وهناك أيضا شرائح بشرية معينة تستعمل الإشارة فيما بينها منها بعض الهنود الحمر في أمريكا الشمالية، هم السكان الأصليون لهذه القارة وقد طوّروا لغة إشارات فيما بينهم لتعذر التفاهم بلغاتهم الأصلية. ومن المعروف أيضا أن الرهبان والنسّاك كثيرا ما يلجأون إلى التفاهم بواسطة الإشارة. ومن الطريف حقا التنويه بالأرامل الأستراليات من السكان الأصليين اللاتي يمنعن من التحدث لمدة عام ابتداء من وفاة أزواجهن وذلك بحكم التقاليد.

وتغيّر الأصوات اللغوية ظاهرة كونية لا سيما في عصر العولمة هذا حيث التلاقح في شتّى المجالات جار دون أية حدود. ومن الممكن التعرف على طبيعة الصوت اللغوي عن طريق الإجابة السليمة على أربعة أسئلة أساسية: حالة الشفتين (لا الأوتار الصوتية)  الصوتيتين عند النطق؛ هل يجري الهواء المنطلق من الرئتين إلى الفم فقط أو أنه يمر عبر الأنف أيضا؛ هل الهواء يعبر بحرية عبر الفم أم أن هناك عائقا في نقطة معينة وما طبيعة العائق؛ ما هي المخارج الدقيقة في الفم. تدفق الهواء من الرئتين وخروجه دون أي عائق من الفم أو الأنف أو كليهما يعني التلفظ بصائت (حركة, vowel) وأي انحباس خلال هذا المجرى يعني النطق بصائت (حرف صحيح, consonant). واللغة، أية لغة، هي في الأساس التكلم بها لا كتابتها ولا زالت أغلبية لغات العالم غير مكتوبة حتى يوم الناس هذا.

يعود تاريخ أقدم النصوص المكتوبة إلى أقلَّ من ستة آلاف عام في حين أن الكلام المحكي يرجع إلى مائة ألف سنة على الأقل، وهناك من يقول قبل مليون من السنين، "الإنسان المنتصب" (Homo erectus). ويتكوّن جهاز النطق من الأعضاء التالية: الرئتان. شعبتا القصبة الهوائية (bronchial tubes)، شفتان صوتيتان (vocal cords) كوترين، الحلق ولا سيما الحَنجرة (larynx) أو تفاحة آدم، الأنف، اللهاة (uvula)، الحنكان (palate)، الأعلى والأسفل، الفم، الأسنان والشفتان. وهاتان الشفتان قادرتان على القيام بثلاث أنماط من الحركة على الأقل وهما مسؤولتان عمّا يسمّى في علم الأصوات بـ "مجهور" (voiced)، تذبذب الشفتين و"مهموس" (voiceless)، بدون ذبذبة وعن الهمز (glottal stop) الموجود في العديد من اللغات كالعربية والدانماركية وبعض اللهجات الصينية وجميع اللغات الهندية الأمريكية تقريبا. ومن الوسائل السهلة والقديمة للتعرف على جهر الصوت وضع أنملة إصبع السبابة مثلاً على تفاحة آدم عند التلفظ (أو المشافهة بتعبير سيبويه) بصوت ما وفي حالة الإحساس بذبذبة يكون الصوت مجهورا وإلا فهو مهموس. ويمتاز هذا الجهاز الآدمي (مجرى الهواء من الرئتين وحتى خروجه من الفم أو الأنف، في بعض الحالات يكون مجرى الهواء عكسيا) بِسمات فريدة إذا ما قورن ذلك بما لدى الحيوانات مثل القرد والحصان والفأر. من هذه السمات كبر حجم الجهاز وشكله المستطيل وهذا بالتالي يمكّن الإنسان من التلفظ بعدد كبير من الأصوات، صامتة وصائتة على حدّ سواء. ويلاحظ اليوم أن الطفل يبدأ بإصدار مقاطع صوتية مكونّة من صامت فصائت مثل: ما، با، دا، نا. ويشار إلى أنه في بعض اللغات الإفريقية أصوات ناتجة عن حركات عضلات اللسان والشفتين والوجنتين. وفي المقابل يلاحظ أن البَعام (الشيمبانزي، من أذكى القرود) يستطيع بالكاد التلفظ بحركة واحدة (صوت صائت) وصامتين. ويتطلب استخدام اللغة بالإضافة إلى جهاز النطق هذا قدرة فائقة للقيام بعملية فكرية سريعة، المخ البشري. ويرى بعض المفكرين تسمية المخلوق الآدمي "الانسان الناطق" (Homo loquens) بدلا من العبارة الشائعة "الإنسان العاقل / الحكيم (Homo sapiens).

لا ريب في أن أهم الأصوات في عالمنا البشري الراهن هي الخاصة باللغات، في حين أن الوضع كان مختلفا في الماضي السحيق، حيث احتلت أصوات الحيوانات الضارية المفترسة من جهة وأصوات فريستها وكذلك الصادرة عن عملية الجماع والبكاء، المكانة الأولى من حيث الأهمية. اللغة هي التي تجعلنا بشرا وهذه اللغة الآدمية فريدة في نوعها. من الممكن اعتبار مثل هذه الصيحات والتصويت ولغة الإشارات الجسدية أقدم وسيلة للتفاهم بين بني البشر. لا أحد، في الواقع، يعلم كيف تحولت مثلا الصيحات التحذيرية لاقتراب العدو أو طلب الغذاء والجنس إلى لغة بشرية. كما أننا لا نعرف شيئا ذا بال حول أصول لغة البشر، مثلنا اليوم مثل داروين نفسه الذي لم يعرف شيئا عن أصل الحياة. وهذه الصيحات الحيوانية كصرخات القردة أيضا التي تنمّ عن الغضب والفزع والرضا تفتقر لمبنى معين وهي في الأساس محدودة جدا وذات مدلولات عامة جدا. يقال إن العصفور يطلق قرابة ثلاثين صوتاً مختلفا في حين أن عدد الأصوات في اللغة الإنسانية غير متناهٍ. وهناك نظريات مختلفة حول أصل اللغة قلما يتتطرق إليها اليوم بجدية أي عمل لغوي عام إليها لافتقارها إلى أدلة علمية قابلة للإثبات، منها: نظريات BowVow, Pooh-Pooh, Ding-Dong, Yo-He-Ho ولغة الإشارة.

وللسائل أن يتساءل لماذا يتكلم البشر لغات مختلفة؟ من الأساطير العديدة التي تتطرقت إلى هذا السؤال أسطورة العهد القديم التي تحدثت عن عدم رضا الخالق عن محاولة بني آدم تشييد برج بابل يصل رأسه إلى السماء، فبلبل ألسنتهم ليحول ذلك دون التفاهم بينهم. وثمة حكاية أخرى تذكر أن شِڤا، ملك الهندوس، رقص ففرّق الناس إلى جماعات صغيرة.

يذهب معظم اللغويين إلى أن اللغات كانت قد تفرقت كما حدث بالنسبة لمجموعات بشرية انتقلت إلى بقاع شتّى. من الصعب جدا الإجابة على التساؤل: من هم الناس الأوائل الذين استعملوا اللغة البشرية؟ أكان هناك منذ البداية أصل واحد للغة البشرية أم أن الناس بدأوا بالكلام في أنحاء مختلفة من الكرة الأرضية في نفس الحقبة الزمنية؟ من المحتمل القريب القول إن الكلام الآدمي كان قد انبثق في مكان واحد ثم اتّسع وانتشر مثله مثل أي تطور ثقافي آخر. يتكلم البشر بلغات مختلفة لأنها تتغير أحيانا وبسرعة. تصور لغة الجد بالمقارنة إلى لغة الحفيد مثلا للوقوف على مدى تغير الكلام وهناك ولادة مستمرة لكلمات جديدة مثل الراديو والتلفزيون والتلفون والإنترنت والحاسوب والخلوي إلخ فاللغة مرآة لما يحدث في المجتمع من تطور وتغير، كلمات تندثر، أخرى تولد. اللغات تأتي وتروح، فالشعب الإنجليزي قبل ألف وخمسمائة سنة لم يتكلم الإنجليزية التي نعرفها اليوم، بل استعمل لغة كِلتية ثم جاء الانجلوساكسون وقبائل أخرى بلهجاتهم الجرمانية ومنها تدريجيا انبثقت الإنجليزية.

هناك سبعة آلاف لغة تقريبا في العالم اليوم ويقدّر عدد الحركات بمائتين، أمّا عدد الحروف الصامتة فيصل إلى أكثرَ من ٦٠٠. لا شك أن هناك مشكلة عويصة في معرفة شبه دقيقة لعدد الأصوات في لغات العالم لا سيما الصائتة منها (الحركات). هناك في الواقع الكثير من اللغات التي لا نعرف عنها شيئاً تقريبا، في البرازيل، على سبيل المثال، لغة باسم Oro win يتكلمها أربعة أشخاص فقط. يتراوح معدل عدد الحركات في لغات العالم بين ثلاث إلى أربع وعشرين يمكن وصفها بمعايير ثلاثة صوتية: العلو والخلفية والاستدارة. ومما يجدر ذكره أن العلاقة بين الحرف والصوت غدت غامضة بمرور الوقت وهناك لغات كالعربية والسواحيلية والفنلندية يمكن اعتبارها أكثر فونيطيقية من غيرها من اللغات، بمعنى تطابق شبه كامل بين النطق والكتابة. في غضون قرن من الزمان سيندثر نصف لغات العالم. في الوقت الحاضر ٤٨٪ من سكان العالم يتكلمون واحدة من اللغات العشر الرئيسية وهي: الصينية (المندرين) الأدبية، الإنجليزية، الإسبانية، البنغالية، الهندوسية، البرتغالية، الروسية، العربية، اليابانية، الألمانية. يصل عدد الناطقين بإحدى اللغات الثلاث الأولى زهاء ربع بليون انسان في حين أن عدد الناطقين بمعظم لغات العالم قلائل. ويقدر عدد ناطقي بقية لغات العالم، ٥٢٪ بأقلَ من عشرة آلاف شخص، ٢٨٪ من اللغات في العالم يتكلمها أقل من ألف شخص. ومما يجدر ذكره أن قبائل صغيرة في غابات جنوب أمريكا وفي المناطق الإستوائية الإفريقية وفي پاپوا غينيا الجديدة (Papua New Guinea) يتحدثون بأكثر من ٣٥٠٠ لغة.
معظم سكان العالم ثنائيو اللغة (bilingual) على الأقل، ونسبة عالية تتكلم ثلاث لغات أو أكثر. وعلى العموم تنقرض اللغات عندما لا تتحدث الأم بلغتها مع أطفالها وهكذا تتبدل لغة المنزل لتحل مكانها لغة أخرى. وبمثل هذا الاندثار يختفي قسم لا بأس به من الثقافة، وهذا الاقتراض اللغوي مرده عوامل وتغيرات اجتماعية اقتصادية وليس لوجود أصوات غير عادية. وفي كل لغة أصوات معينة تميزها عن غيرها من اللغات وهذا ما يلحظه السامع عادة بدون أن يعرف الكثير عنها.

الهدف الأساسي للغة هو إيصال المعلومة، واليوم قد تكون اللغة محكية أو مكتوبة بأحرف مختلفة أو عبر الإشارة إلا أن الكلام هو أكثر الطرق شيوعا في استخدام اللغة وهو ينم عن أمور عديدة غير لغوية مثل هوية المتكلم. وتكون النبرة في بعض اللغات ثابتة مثل البولندية حيث تكون في المقطع قبل الأخير أما في السواحيلية وهي لغة مختلفة تماما عن البولندية إلا أنها تشاركها مكان النبر.

في لغات كثيرة كالإسبانية واليابانية عدد الحركات هو خمس، في الإيطالية ٧ حركات والصوائت ٢٠، في الإنجليزية الأمريكية ١٤-١٥ حركة وفي الإنجليزية البريطانية ٢٠ حركة. أما عدد الأصوات في الانجليزية فيصل إلى أربعين وفي الفرنسية ٣٦، وفي اللغة العربية وفق وصف سيبويه في الفصل الأخير من كتابه ٤٢ صوتا، مستحسنا وغير مستحسن على حد سواء (ينظر الكتاب، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، ج. ٤، القاهرة ١٩٧٥، ص. ٤٣١-٤٨٥، سيبويه لم يميز بين "الحرف" والصوت" وترد لفظة "صوت" عنده بمعنى"الهواء") وفي بعض اللغات الإفريقية يربو عددها على المائة.
الأصوات الصامتة: ناطقو پِراها، ٣٠٠ شخص، في غابة أمازونية ذات أمطار لا يعرفون أية لغة أخرى وبالرغم من ذلك فهذه اللغة بمقدورها التعبير مثلها مثل غيرها من اللغات الأخرى عن أي شيء في الحياة. يستطيع المرء أن يقول أي شيء في أية لغة بطريقته الخاصة، قبيلة الهاوسا في نيجيريا ، على سبيل المثال، لم تستعمل الشوكة في تناول الطعام، لديها كلمة للملعقة cokali وعندما أصبح الناس بحاجة للكلمة قالوا: ملعقة ذات أصابع (cokali mai yatsu). تستطيع اللغة على الدوام ابتكار أو اقتراض ألفاظ جديدة، أي أنها قادرة على قول ما تشاء بطريقتها الخاصة. ففي اللغة الفنلندية مثلا يطلق على  البندورة صغيرة الحجم باسم ”البندورة الكرزية“ والبصل الأخضر باسم ”بصل الربيع“. أحيانا نجد أن مفاهيم معينة ناقصة في بعض اللغات، مثلا مفهوم العدد. هناك مجموعات بشرية عديدة قلما تحتاج إلى عملية عدّ الأشياء وعليه فلا وجود لكلمات للأعداد. في معظم اللغات الأصلية في أستراليا مفردات للدلالة على "واحد، اثنين، بعض، كثير" ولا وجود لكلمات تشير إلى "الثلاثة والأربعة والخمسة إلخ." قبل استعارتها من الإنجليزية. ويُحكى أن أحد المسنين سئل عن عدد الرماح أو الحربات التي بحوزته، فأجاب بما معناه: عندي رمح بعيد المرمى، آخر قصير المرمى، رمح طاعن واخز، رمح ذو شفرة عريضة، رمح طقسي / احتفالي. وآن نوّه له بأن لديه خمسة رماح مستعملين اللفظة الإنجليزية five ردّ الشيخ الذي وعى ما قصد به، حسنا إن أردتم قول ذلك. وعندها سئل ثانية فيما إذا أُخذ منك رمح واحد فكم واحدا يبقى لديك؟ أجاب مبتسما إن ذلك يتوقّف على أي رمح أُخذ، أليس كذلك؟ ربما كان ذلك المسنّ غير قادر على القيام بعملية حسابية بسيطة من هذا النوع بلغته الأصلية، إلا أنه يستطيع أن يسمّي ويعدّد أشياءَ بشكل جدير بالملاحظة. في مقدوره الإتيان على ذكر جميع سلفه منذ عدة أجيال وهذا الأمر متعذر لدى أغلبية الشعوب المتمدنة اليوم. وهذه الحادثة قد تذكّر القارىء بذلك الطفل الذي طُلب منه إحضار فناجين قهوة للضيوف المتواجدين في بيت والديه بالرغم من أن مفهوم العدد والقدرة على العدّ ما زالا خارج نطاق قدرته العقلية. بالرغم من ذلك دخل الطفل إلى المطبخ وأحضر من الخِزانة العدد المطلوب من الفناجين وكانت طريقته إفراد كل فنجان يتناوله من الخزانة لضيف معين حتى كمل العدد. وفي لغة شعب الإسكيمو لا وجود للفظة خاصّة " للثلج " في حين أنها تعبّر عن أنواع عديدة للثلج وحالاته بكلمات كثيرة متنوعة.
واللغات الأصلية في أستراليا في طور الانقراض مثلها مثل لغات العديد من المجموعات البشرية الصغيرة في العالم التي لا تقوى على البقاء لوحدها في عصرنا المعولم هذا. أخذت مثل هذه المجموعات ترى الفوائد الجمة التي يمكن أن تنجم عن التغيير والتشبه بالجيران المزدهرة أحوالهم اقتصاديا واجتماعيا. أخذ الجيل الجديد ينخرط في المدارس ويتعلم اللغة العامة المشتركة المطلوبة في البلاد وهكذا تضمحل رويدا رويدا لغة أمهم، وبوفاة المسنين الذين تحولوا أيضا في استعمال لغة أبنائهم، تنقرض لغتهم وقسم كبير وهام من تراثهم يذهب معهم أدراج الرياح. من الصعب على إنسان ناطق بلغة واسعة الانتشار كالصينية أو العربية أن يفهم بالضبط ماذا يعني خطر انقراض لغة ما بالنسبة لناطقيها. اللغة البشرية هي في الأساس وسيلة ومعظم الجنس البشري لا ينظر إليها بأنها مقدسة أو أنها جزء من الدين. مع هذا هناك بعض الشعوب كاليهود والمسلمين وبعض القبائل الصغيرة في العالم التي تعتبر لغاتها لغات مقدّسة من أعمال الباري.
هناك، كما أسلفنا، قرابة ٦٠٠ صوت صامت في مختلف لغات العالم. وفي عشر اللغات الأكثر انتشارا المذكورة آنفا حوالي ١٠٠ صوت صامت منها في الانجليزية ٢٢ فقط. وأكثر الأصوات شيوعا هي الانفجارية المهموسة (voiceless stops, p, t, k وهي موجودة في ٩٨٪ من لغات العالم وفي كل لغة في العالم أصوات شبيهة لاثنين من الأصوات الثلاثة. وينطق حوالي نصف الأصوات اللغوية البشرية بواسطة أسلة اللسان أو نصله. وكما هو معروف الفونيم صنفان، قطعي (segmental) وفوقطعي (suprasegmental) ويشمل الأول على الصوامت والصوائت والثاني يضم النبرات والأنغام والفواصل.
من الصعب تقدير عدد الأصوات الصامتة في لغات العالم وأصعب من ذلك تقدير عدد الحركات. في معظم لغات أستراليا الأصلية ثلاث حركات في حين أن أصواتها الصامتة جدّ غنية. يمكن القول إن عدد الحركات في لغة معينة ليس مؤشرا جيدا لعدد الصوامت. هناك لغات كلغة هاواي حيث فيها خمس حركات وثمانية صوامت فقط (a e i o    u h k l m n ’  v/ w) في حين أن لغة الزولو في جنوب إفريقيا فيها نفس عدد الحركات أما عدد صوامتها فهو ٤٤. وفي اللغة اليونانية سبع حركات و١٧ صوتا صامتا. الرأي الشائع في الأبحاث الصوتية اللغوية هو القول بأن في كل لغة ثلاث حركات على الأقل إلا أن هناك من يدعي أن في لغة كابرديان في القوقاز حركتان. في ٢٠٪ من لغات العالم خمس حركات ومن اللافت للانتباه أن عدد الحركات يكون في الأغلب الأعم مفردا وقد يكون سبب ذلك ناجما عن شكل المثلث حيث يكون حيز النطق ومخارج الأصوات. وثمة حقيقة أخرى جديرة بالملاحظة بخصوص معظم اللغات ذات الخمس حركات a, e, i, o, u إذ يكون شيوعها وفق تسلسلها الأبجدي. في اللغات السامية عدد قليل من الحركات إذا ما قورنت بلغات أخرى، ثلاث حركات قصيرة وثلاث طويلة , ¥, •, a, i, u / å, في حين وجود خمس عشرة حركة في إنجليزية كاليفورنيا مثلا وفي إنجليزية (BBC, British Broadcasting Corporation) وفي الألمانية والسويدية عدد أكبر من ذلك وفي لهجة Weert الهولندية ٢٨ صائتا، ١٢ طويلا، ١٠ قصيرة و ٦ حركات مركبة (diphtong). وهناك لغات كثيرة كالفرنسية والألمانية والسويدية والدانمركية والنرويجية تتميز فيها الحركات بواسطة استدارة الشفتين. والحركات الخيشومية (nasals) شائعة في جميع اللهجات الإنجليزية لا سيما عندما ترد الحركة بين أصوات خيشومية n, m, N  مثل man وهذه الأصوات غير فونيمية في الإنجليزية إلا أنها كذلك في الفرنسية. والصوت الخيشومي مجهور في الغالب الأعم إلا أن هناك لغات كالولش وعدد من اللغات الهندية الأمريكية حيث يكون فيها هذا الصوت مهموسا، كما أن بعض اللغات تحتوي على حركات مهموسة. وتوضع علامة على الصوت الخيشومي وفق الكتابة الصوتية (IPA = International Phonetic Alphabet) تدعى tilde وهي شبيهة بعلامة المدّة العربية. وفي هذا النمط الكتابي ١٠٦ رموز، ٧٨ صامتا و ٢٨ صائتا.

جولة في الأصوات اللغوية - بروفيسور حسيب شحادة
جامعة هلسنكي

------------------
مراجع مختارة:

Aitchison, Jeam, Language Chang: Progress or Decay. 2nd edn. Cambridge 1991.
Ball, M., & Rahilly, J., Phonetics, the Science of Speech. London- Arnold 1999.
Barber, C. L., The Story of Language. London and Sydney 1964.
Bickerton, Derek, Roots of Language. Ann Arbor 1981.
Bickerton, Derek, Language and Species. Chicago 1990.
Campbell, G. L., Compendium of the World’s Languages. Vol. 1-2 London & New York 1991.
Cantineau, Jean, Cours de phonétique arabe. 1ère éd. Paris 1960. Translated into Arabic by al-Qirmåd•.
Clark, J., & Yallop, C., An Introduction to Phonetics and Phonology. Oxford-Blackwell 1990.
Comrie, B. (ed.), The World’s Major Langauges. New York & Oxford 1987.
Dixon, R. M. W., The Languages of Australia. Cambridge 1980.
Grimes, B. F. (ed.), Ethnologue: Languages of the World. Dallas: Summer Institute of Linguistics 1992.
Hauser, M., The Development of Communication. Cambridge: MIT Press 1996.
Johnson, K., Auditory and Acoustic Phonetics (2nd edn.). Oxford-Blackwell 2002.
Ingram, Jay, Talk Talk Talk. Toronto 1992.
Ladefoged, Peter, Vowels and Consonants. Oxford-Blackwell 2001, 2005.
Ladefoged, Peter, A Course in Phonetics (4th edn.). Orlando: Harcourt Brace  2001.
Ladefoged, Peter & Maddieson I., Sounds of the World’s Languages. Oxford-Blackwell 1996.
Leakey, Richard, The Origin of Humankind. London 1994.
Lieberman, P., Eve Spoke. New York: W. W. Norton 1998.
Lieberman, P., On the Origins of Language: An Introduction to the Evolution of Human Speech. London 1975.
Lieberman, P. & Blumstein, S. E., Speech Physiology, Speech Perception, and Acoustic Phonetics. Cambridge 1988.
Linden, Eugene, Apes, Men and Language. Harmondsworth: Penguin 1974.
Pickett, J. M., The Acoustics of Speech Communication (2nd edn.) Needham Heights, MA: Allyn and Bacon. 1998.
Sapir, Edward, Language, an Introduction to the Study of Speech. Harcourt, Brace & World, Inc. New York. 1921, 1949.
Ruhlen, M., A Guide to the World’s Languages. Vol. 1: Classification. London 1987.
Trask, R. L., Language: The Basics- London and New York 1995.
www.ethnologue.co
القرمادي، صالح، دروس في علم أصوات العربية. ط. ١، تونس ١٩٦٦.

 
<< البداية < السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 التالي > النهاية >>

الصفحة 1 من 8
Joomla Templates by Joomlashack