الرئيسية | النادي اللغوي
 

صفحة شبكة صوت العربية في فيسبوكtwitterقناة شبكة صوت العربية في يوتيوبشبكة صوت العربية في موقع فليكر

النادي اللغوي
تطور اللغة العربية عبر التاريخ طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: بحوث لغوية
الكاتب مراد محمد ليمام   
السبت, 19 يوليو 2014 18:52

تأثرت اللغة العربية بمختلف المراحل التي واكبت المجتمع منذ فجر الٳسلام. فبعد مضي قرن على وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم دخلت اللغة العربية والدين الٳسلامي في دائرة اهتمام العالم ٬ وذلك من خلال امتداد استخدامها مع الفتوحات الٳسلامية متأثرة بسياقات جغرافية وتاريخية واجتماعية. فكانت أولها علاقة المواجهة بين أوروبا والعالم الٳسلامي. حينها أصبحت لغة هذا الأخير جزءا من التجربة الأوروبية. ٳلا أن هذه العلاقة كانت من طرف واحد ٬ اعتبرت خلالها العربية حلقة وصل مؤقتة لأوروبا بغية عودتها ٳلى الأصول اليونانية.
لقد اعتبر الغرب اللغة العربية – منذ فتح الأندلس ٳلى حدود القرن 15 م – مجرد حافظ للتراث الٳغريقي٬ وناقل له . أي ؛ من اليونان ٬ ٳلى الشرق ٬فٳسبانيا ثم أوروبا. حمل هذا التصور في طياته نزوعا صليبيا يحمل كراهية للظاهرة الٳسلامية ٬ ٳلى جانب النزوع التبشيري الذي يهدف وضع حد لانتشار الٳسلام.

اقرأ المزيد...
 
اللغة حياة - أ.د/عبد الله بن أحمد الفَـيْـفي طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: بحوث لغوية
الكاتب صوت العربية   
السبت, 12 أبريل 2014 17:01

   عادةً ما يردِّد بعض المنتصرين للعاميّة كلامًا عن (ابن خلدون) في نعت العاميّة، أو يسوقون كلامًا آخر عن (ابن الأثير الجزري). ولقد ناقشتُ ذلك في مقال سابق(1)، مشيرًا إلى أنه ينبغي فهم ما قاله هذا العَلَمان على وجهه، لا توظيفه، وكأنهما يستخفّان بالقواعد، وبأهميّتها في الحفاظ على هويّة العربيّة. هما يقولان، بجلاء، إن العاميّة فيها بلاغة أيضًا. وهذا لا جدال فيه. بل إن أيّ لغةٍ في العالم، أو لهجة دارجة، لا تخلو من بلاغة. غير أن القضية، في البدء والمنتهى، ليست في البلاغة، بل في بناء اللغة، وفي آليات نقلها المعنى وتلقِّيه، وفي كيانها، بوصفها حاملة تراث ومستودع حضارة ودِين. وهذا معنى القول: «إن الجهل بالنحو لا يقدح في فصاحة وبلاغة».  ثم إن الكلام هناك منصبٌّ على الجهل بالنظريَّة، لا على الجهل بنظام الاستعمال الصحيح. ذلك لأن اللغة استعمال، لا قواعد، وما كان العرب يعرفون القواعد قبل تقعيدها، وإنما استُنبطت من استعمالاتهم، بيد أنهم كانوا عُرَباء فُصَحاء، يتنفّسون اللغة سليقةً وطبعًا، كالعاميَّة اليوم على ألسنتنا.  وقواعد العاميّة لو استُقرئتْ هي أعقد من الفصحى، وأشدّ التواء، وأكثر شتاتًا وتنوُّعًا.

   لنقُل، إذن، بتطوير مناهج تعليم اللغة، لا بالتخفُّف من أعبائها؛ فهذا الخيار الأخير هو هروب إلى الأسهل- بل قل: إلى الأسفل- وهو باب القول بالتنازل عن آخِر ما يمكن أن يتنازل عنه العربي، وهو لسانه، الحامل هويَّته، ورابطه بتراثه. وتلك دعوات قديمة، بعضها مريب، وبعضها صادق، من مثل دعوة (ابن مضاء الأندلسي)، المتعلّقة بالعامل النحوي تحديدًا، لكنها بقيتْ في إطار الجدل الفكري، أو الأيديولوجي؛ لأنها لم تقدِّم البديل العمليّ والعلميّ، المراعي طبائع اللغات وعلائقها بمعطيات الإنسان والحضارة، في الحاضر والماضي.

اقرأ المزيد...
 
حُجَج النُّحاة - أ. د. عبد الله بن أحمد الفَـيْـفي طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: بحوث نحوية
تقييم المستخدمين: / 6
سيئجيد 
الكاتب صوت العربية   
السبت, 27 يوليو 2013 14:25

 كان النحوي العربي لا يهتمُّ بصِحَّة الرواية، وإنما يهتمّ بصِحَّة الاحتجاج بعربيَّة مَن سُمِع منه النصّ، وإنْ كان منتحِلًا، أو ناحِلًا، أو ربما مجنونًا.  لأنها أمور لا تطعن في سلامة اللغة، من حيث هي.  إن شاهد النحويّ منظور فيه إلى (حُجِّيَّة القائل- أو الناقل- النحويَّة)، لا إلى (صحَّة نسبته الشاهد إلى الشاعر المعيَّن).  ومن ثَمَّ فإنه لا يَصِحُّ أن يُحتجَّ باستشهادات سيبويه، مثلًا، على صحَّة نسبة الأبيات التي يستشهد بها سيبويه إلى الشعراء المنسوبة إليهم لديه، من جاهليِّين أو إسلاميِّين.  لأنه لا يَعنيه أن يكون القائل الشنفرَى، على سبيل المثال، أو الأعشى، أو النابغة، أو امرأ القيس، أو أعرابيًّا كاذبًا، أو حتى مجنونًا؛ بما أن مدار اهتمامه منصبٌّ على سلامة نِسْبَة الشاهد إلى عربيٍّ حُجَّةٍ في عربيَّته، لا على سلامة نِسْبَة الشاهد إلى قائله الحقيقي، أو على أخذ الشاهد عن الراوي الحُجَّة في روايته، بالضرورة. 

ولمَّا كان النحوي إنما يتحرَّى الحُجِّيَّة النحويَّة في الناطق بالشاهد، ولمَّا كان لا يلتفت إلى ما جاء عن غير حُجَّة نحويًّا- وَفق مقاييس احتجاجه الزمانيَّة والمكانيَّة- ولمَّا كانت بضاعة النحوي المطلوبة قد اشتهرت بين الرواة، وكان في هؤلاء الرواة الكَذَبَةُ والمتكسِّبون بالرواية، كان من المحتمل- والحالة تلك- وقوع أمرين:

1- إهمال عربيَّةٍ وافرةٍ، لا مطعن فيها، سوى عدم انطباق شروط النُّحاة عليها.

2- مع حِرص النُّحاة، لم يكن ما استشهدوا به ليَخْلو من الفساد اللغوي؛ لأن الراوي المتكسِّب، المتاجِر بالرواية، مثلما كان مستعِدًّا للكذب في الرواية، ربما كان مستعِدًّا أيضًا لتحريف الكَلِم عن مواضعه، من أجل أن يُدهِش الباحثَ عن الغرائب والنوادر، من جهة، أو لكي لا يروي من اللغة إلّا ما وافق قواعد النُّحاة، من جهة أخرى؛ حاجبًا ما عداه، وإنْ كان يعرفه مستعمَلًا عن عربٍ أقحاح.   

وبذا جرى تنميط العربيَّة وَفق قواعد ذهنيَّة؛ ما خالفها نُفيتْ صحَّته من العربيَّة، وما وافقها رُسِّخ فيها وخُلِّد ذِكره.  ولئن كان ذلك المنهاج قد أَدَّى إلى استقامة عِلْم النحو، وضَبْط أنساقه، فإنه على المستوى اللغوي العامّ قد أسهم جوهريًّا في أن يُهْمَل من العربيَّة أكثر ممَّا يُحفَظ.  

ولقد بدت مثل تلك المخالفات لقواعد النحو في القرآن الكريم، قبل غيره، من قبيل تلك الآية المشهورة: ﴿قَالُوا: إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى.﴾ [طه: 63].  وفي قراءة: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾.  وإنْ كان المعنى بهذه الصياغة الأخيرة لا يبدو متَّسقًا، إلَّا لو جاءت الصياغة: «إِنْ هَذَانِ إلَّا سَاحِرَانِ»، كما في آية [المائدة: 110] وغيرها: ﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ: إِنْ هَـٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾. 

ومن تلك المخالفات عن قواعد النحو أيضًا الآية الأخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ والَّذِينَ هَادُواْ (والصَّابئُونَ) والنَّصَارَى، مَنْ آمَنَ بِاللّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا، فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ.﴾ [المائدة: 69].  في حين تَرِد الصياغة في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ والَّذِينَ هَادُواْ والنَّصَارَى (والصَّابِئِينَ)، مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا، فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ.﴾ [البقرة: 62](1). أو الآية: ﴿لـٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ مِنْهُمْ والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ومَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ، (والمُقِيمِينَ) الصَّلَاةَ،  والمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ، والمُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ واليَوْمِ الآخِرِ؛ أُولَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا.﴾ [النساء: ١٦٢]. التي أَوْجَه تخريجاتها أن «المقيمين الصلاة» المقصود بهم الملائكة، أي الذين يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله؛ فيكون تخريج الآية الإعرابي: «لـٰكِنِ (الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ)، (والمُؤْمِنُونَ [الذين] يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ومَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وبالمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ)، و(المُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)، و(المُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَاليَوْمِ الْآخِرِ): أُولَـٰئِكَ سَنُؤْتِيْهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا.» (انظر: تفسير الطبري).  ولكَم داخَ النُّحاة ودَوَّخونا لتخريج الإعراب في تلك الآيات، طوعًا أو كرهًا(2).  ولو أنهم سلَّموا أن قواعدهم لم تكن متَّبعة كلَّ الاتِّباع قبل التقعيد، لأراحوا واستراحوا.  وكما يُقال في لغة القانون: «لا عقاب إلّا بقانون أو بنظام»، يقال هنا: «لا تَخْطِيْءَ إلَّا بقاعدة».  أمَّا ما جاء قبل وضع القواعد للُّغة، فلا يخضع لقواعد إنما وُضعت بعد الاستعمال اللغوي، ولا تُعَدُّ خروجاتُه أخطاء لغويَّة أو نحويَّة، بحالٍ من الأحوال.  هذا على الفرض، جَدَلًا، أن ثَمَّة خروجًا على تلك القواعد؛ وقد أوضحنا وجاهة الاستعمال، وأنْ لا خروج هنالك عن أساليب العرب.  على أن لقائلٍ أن يقول أيضًا: إن أمثال تلك الاستعمالات جاءت وَفق أعراف لغويَّة كانت متَّبعة، وإنْ لم تُدَوَّن أو يُعْتَدّ بها لندرتها، فجُعلتْ ممَّا سمَّاه علماؤنا: «الشاذّ» الخارج عن القاعدة، ولا يُقاس عليه.  ولقد وُجِدَت أمثال هذه الخروجات النحويَّة في شِعر العرب ونثرهم معًا، ممَّا لا حصر له. 

وقد سُقنا في مقال سابق نَصَّ تلك الوثيقة عن (ابن فضل الله العمري)، وفيها العهد الذي كتبه رسول الله إلى تميم الداري:

«...هذا ما أنطَى محمَّد رسول الله، لتميم الداريّ، وإخوته... شَهِدَ عتيق بن أبو قحافة، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وكتب عليّ بن بو طالب وشَهِدَ.»

وهي دالَّة دلالة مهمَّة على ملامح لغويَّة تاريخيَّة كانت قبل التقعيد اللغوي والنحوي.(3)

كما أنها دالَّة كذلك على مسألة تاريخيَّة أخرى بالغة الأهميَّة في جدليَّات المسلمين السياسيَّة السرمديَّة، بعد «التعقيد» السياسي والمذهبي الذي أعقب خصومة المسلمين حول الحاكم: أ يجب أن يكون من الأسرة النبويَّة، أم لا بأس أن يكون من غيرها، في «ديمقراطيَّة إسلاميَّة» مبكرة؟ وذلك من خلال ترتيب شهود وثيقة الرسول على هذا «النحو»: (أبي بكر، فعمر، فعثمان، فعليّ). إذ يغلب على التصوُّر أنه ما كان رسولُ الله ليُرتِّب شهوده هذا الترتيب سهوًا، أو اعتباطًا، لولا ما يبدو من أن مراتبهم «البروتوكوليَّة» قد كانت بهذا التسلسل سُنَّةً غالبةً متَّـبَعَةً منذ العهد النبوي، وفي معاملات الرسول نفسه.

وعودًا إلى مسألة الفصحى والعاميّة التي تطرقنا إليها في مقالات سالفة، فلقد كان ينبغي على المتعلِّم في العصر الحديث- إنْ كان شاعرًا- أن يطمح إلى الارتقاء بلغته الأدبيَّة لتجاوز المستوى المتدنِّي الذي ارتبط بالأُمِّيَّة والجهالة والعُزلة والاختلاط اللغوي، أو حتى بعربيّة ما قبل التقعيد.  أمّا الإبداع والجماليّة من حيث هما، فليس ثمَّة شِعر، يستحق هذا الاسم، فاقدًا للإبداع أو الجمال، في أيِّ لغة كانت، عربيَّة وغير عربيَّة.

-------------------------------

(1) ولهذا الاستعمال وجاهته، على كل حال، وَفق القواعد النحويًّة المقرَّرة؛ إذ لمَّا قرَّر أن الذين آمنوا والذين هادوا مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُون، استأنف في أثناء ذلك الإشارة إلى النصارى والصابئين، وكأن تلك جملة اعتراضيَّة.  وهو أسلوبٌ عربيٌّ مألوفٌ، لا يخضع فيه المستأنَف للمقتضى الإعرابيّ حسبما قبله، وفي ذلك فَرْزٌ له وتمييز، كما نفعل اليوم عندما نستعمل من علامات الترقيم (الشَّرْطَة الاعتراضيَّة) لتِبيان الجملة الاعتراضيَّة في أثناء الكلام.  ولعلّ مسوِّغ هذا الاستئناف أسلوبيًّا أن الخطاب المباشر كان قبل الآية وبعد الآية موجَّهًا إلى السامعين على نحو فوريّ من يهود المدينة، فالآيات هي: "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ، لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ومَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ، ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا؛ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.  إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا- وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ- مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولَا هُمْ يَحْزَنُونَ.  لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا؛ كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾. (سورة المائدة: 68- 70).  ولئن كانت الآية الأخرى من سورة البقرة- ومثلها في سورة الحج-  تشتركان في تلك الحيثيّة المسوِّغة أسلوبيًّا للاستئناف، فإن الاستئناف ليس أمرًا لازمًا في كلّ حال، بل هو خيار تعبيريّ، للمُخاطِب أن يستعمله في دَرْج الكلام، (ولاسيما في جملة غير ملاصقة للعامل الإعرابي)، أو أن يَدَعَه. 

(2) راجع آراء النحاة حول الآية «إن هذان لساحران»: (ابن منظور، لسان العرب، (أنن)).

(3) انظر مقالنا تحت عنوان «استنبَطَ العُرْبُ في الموامي!»، صحيفة «الراي»، الخميس 11 يوليو 2013، ص45، على الرابط:  http://www.alraimedia.com/Article.aspx?id=450079&;date=11072013ـ

-------------------

[الكاتب: أ.د/عبدالله بن أحمد الفيفي، عنوان الموضوع: «حُجَج النُّحاة!»، المصدر: صحيفة «الرأي» الكويتية، العدد 12440، الثلاثاء 23 يوليو 2013، ص24].

 

 
كلمات خالدة! - أ.د/عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: بحوث لغوية
تقييم المستخدمين: / 6
سيئجيد 
الكاتب صوت العربية   
الجمعة, 24 مايو 2013 09:19

 ـــ1 ـــ

قبل أسابيع نشرتُ مقالًا عن اللغة العربية بوصفها أقدم لغة حيّة في العالم اليوم(1). ومع أن ذلك ما يقرِّره علماء اللغة منذ حين، فقد نُشِر مؤخًّرًا، في صحيفة «الواشنطن بوست»، تقرير عن دراسةٍ لغويةٍ تدلّ على ذلك، مع أنها تُغفل المقارنة باللغة العربيَّة، بل بلغات منطقة الشرق الوسط وأفريقيا جميعًا، وكأنها ليست من العالم اللغوي الأهم، وإنْ كانت مهد ذلك العالم!

جاء التقرير حول دراسة عن 23 كلمة تمثّل، كما تقول الدراسة، أقدم المفردات التي ما زالت مستعملة في العالم، وتُقارن بين بعض العائلات اللغويّة في نُطقها تلك المفردات. ويقول ملخّص الدراسة- التي أجراها فريق بحث بقيادة (مارك باجِل Mark Pagel)، من (جامعة ريدينغ The University of Reading) في إنجلترا- ما فحوى ترجمته:

«إن البحث عن أعمق العلاقات على الإطلاق بين لغات العالم ما انفكّ متعثِّرًا لأن معظم الكلمات قد تطوَّرت بسرعة شديدة عن أصولها العائدة إلى ما قبل 5000 إلى 9000 سنة. وبالرغم من ذلك، فإن هناك قدرًا من النماذج اللغوية تشير إلى أن ثمة بعض الكلمات الخالدة التي يمكن أن يُستدلّ بها على علاقات لغوية عميقة أبعد من ذلك الأمد الزمني. ونحن هنا نستخدم نموذجًا إحصائيًّا، يأخذ بالحسبان نسق الكلمات المستعملة في لغة الحياة اليومية العامَّة، بهدف التنبُّؤ عن وجود كَمٍّ من مثل تلك الكلمات الخالدة، مشتركٍ بين العائلات اللغوية السبع (الأوراسية/ الأوربية الآسيوية)، يُفترض أنه يُشكِّل الفصيلة اللغوية التي تطوّرت من سَلَفٍ لغويٍّ مشتركٍ منذ حوالَى 15000 سنة. إننا نستمدّ شجرةَ نشوءٍ وتطوُّرٍ مؤرّخة من هذه الفصيلة المقترحة عبرَ زمن يوغل إلى 14450 سنة، ما يعني أن بعض الكلمات المستخدمة بشكلٍ متكرّرٍ جرى الاحتفاظ به في صِيَغٍ مستمرةٍ منذ نهاية العصر الجليدي الأخير. (...). ونتائجنا تُشير إلى دِقّةٍ ملحوظةٍ في انتقال بعض الكلمات، ومن ثم تُعطي التبرير النظري للبحث عن ملامح اللغة التي يمكن أن تكون قد حافظت على تلك الكلمات خلال تاريخ طويل وجغرافيا واسعة.» . 

اقرأ المزيد...
 
التداخل بين عالية الحجاز وعالية نجد- أ.د. عبدالرزاق بن فراج الصاعدي طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: بحوث لغوية
تقييم المستخدمين: / 4
سيئجيد 
الكاتب صوت العربية   
الجمعة, 22 مارس 2013 19:05

 يتردد في كتب اللغويين القدامى وغيرهم ذكر العالية، ويقولون: لغة أهل العالية، ويضيفونها أحيانًا إلى الحجاز أو نجد فيقولون: عالية الحجاز أو عالية نجد، وتوصف لغتهم بالفصاحة، والفصاحة في كل العرب، قال أبو زيد: لستُ أقولُ: قالت العربُ إلا إذا سمعتُه من هؤلاء: بكر بن هوازن وبني كلاب وبني هلال أو من عالية السافلة أو سافلة العالية وإلا لم أقلْ: ((قالت العرب))!

فما حدود العالية؟ وما الفرق بين عالية الحجاز وعالية نجد؟ وما المراد بالعالية عند الإطلاق؟ فأقول: جاء في (مراصد الاطلاع): العالية كل ما كان من جهة نجد من المدينة من قراها وعمائرها إلى تهامة العالية، وما كان دون ذلك السافلة، وقال الأزهري: «عالية الحجاز أعلاها بلدًا وأشرفها موضعًا، وهى بلاد واسعة، وقيل: العالية ما جاوز الرمّة إلى مكّة، وفي اللسان: العالية: ما فوق أرض نجد إلى أرض تِهامةَ وإلى ما وراء مكة، وهي الحجاز وما والاها، ويقال: عالى الرجلُ وأَعلى إذا أَتى عالِية الحجاز ونَجْدٍ.

وقد كتب عن عالية نجد الشيخ سعد الجنيدل -رحمه الله- وهو من أبناء نجد، وذكر أن عالية نجد هي ما دفعه نفود قنيفذة ونفود الخبرا وصحراء الساقية غربًا إلى شرقيُ جبل حضن وجبل عن وتغوث في منطقة أبي راكة وبر الجرد وبر بساطة، وصحراء رُكبة، وكذلك حرة كُشب وماء السّليلة والربذة والقوز غربًا، ويدخل في هذا ما يقع شمال بلدة رنية وبلدة الخرمة من بلاد سبيع، أما من الناحية الشمالية فإنه يقف عند حدود منطقة القصيم الإدارية.

قلت: العالية من العلو، ومعلوم أن ذروة العلو في الحجاز هي جبال السروات، ثم تنحدر شرقا جهة نجد، وغربا جهة تهامة، ولذا فإن ما يتصل بتلك الجبال من نجد فهو مرتفع، وتنحدر نجد إلى الشرق، فغرب نجد مما يلي الحجاز هو عاليتها وشرق الحجاز عاليته، أما شرق نجد فسافلتها، وغرب الحجاز (تهامة) سافلة الحجاز، والعالية المشهورة تكاد أن تكون محصورة بين المدينة والطائف، وفيها جملة من الحرار أشهرها حرة سليم، فالعاليتان الحجازية والنجدية متلاصقتان ومتداخلتان، والأشهر عند إطلاقهم (العالية) أنهم يريدون بها عالية الحجاز، ولكني وجدت القدامى مضطربين في أهل العالية عند إطلاقها، فتارة يجعلونها في مقابل نجد، فتكون عالية الحجاز، ومثال هذا قول ابن السكيت في إصلاح المنطق: ويقول أهل العالية: القُصْوَى، وأهل نجد يقولون: القُصْيَا.

وقول الصغاني في الشوارد: أهل العالية يقولون: ما لقِيتُه مُنْذُ اليومِ، واهلُ نَجدٍ يقولون: مُذِ اليَوْمِ.

وفي البحر المحيط: قرأ حمزة والكسائي وحفص (حِجّ البيت) بكسر الحاء، والباقون بفتحها. وهما لغتان: الكسر لغة نجد، والفتح لغة أهل العالية. وتارة يجعلونها في مقابل أهل الحجاز، فيكون المراد بالعالية: نجد، أو عالية نجد، كقول الجوهري في الصحاح: هذه لغة أهل العالية، فأمَّا لغة أهل الحجاز فبالضدِّ منهم. وفي العمدة وكذلك المزهر: وكان أهل العالية لا يعدلون بالنابغة أحدًا، كما أن أهل الحجاز لا يعدلون بزهير أحدًا.

وعلّة الاضطراب فيها عند بعض القدامى حين إطلاقها أن العالية منطقة مشتركة جزء منها في الحجاز وجزء منها في نجد، فتتداخل العاليتان.

الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة

-------------

صحيفة المدينة: http://www.al-madina.com/node/441495

 
الإنسان واللغة! - أ.د/عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: بحوث لغوية
تقييم المستخدمين: / 5
سيئجيد 
الكاتب صوت العربية   
الجمعة, 01 مارس 2013 10:08

ــ1ــ

لكل عصر لغة، ولكل مقام مقال، ولكل نصّ أسلوب، ولكل جنس أدبي بيان. وليس يعني عدم استعمال ألفاظ، أو تداولها، في عصر من العصور تصنيفها في باب الغرابة والحوشية، أو تدنِّي الفصاحة في مستعمل اللغة حين يستعمل تلك الألفاظ.  ولو كان ذلك كذلك، لصار معظم العربيَّة اليوم حوشيًّا غريبًا منبوذًا، لجهل الناس غالبًا بالعربيَّة.  ولعلّ عالم اللغة (أبا الفتح عثمان بن جني، ــ392هـ= 1002م) كان من أكثر علمائنا القدماء استنارة ووعيًا بطبيعة اللغة وضرورات الشِّعر. سواء تعلّق الأمر بضرورات الشعر التعبيريَّة والموسيقيَّة، أو ضرورات اللغة في التطوُّر ومواكبة مستجدات الحياة.  لهذا ذهب إلى أن ما جاز للعرب القدماء جاز للاحقين، ولم يقدِّس قاموس القدماء، ويقفل اللغة وأبوابها دون المحدثين. وكان له في هذا مصطلحه الدالّ على فكره اللغوي، وهو ما دعاه بـ«ـشجاعة العربيَّة»(1) 

ثم إن من وظيفة الأدب إحياء اللغة، واستغلال طاقاتها القديمة والجديدة في التعبير والتصوير، وتوظيف بعض المفردات للتعبير عن معانٍ خاصَّة، قد تكون حوشيَّة، أو غريبة،  أو أعرابيَّة، أو قديمة، أو حديثة، أو حتى أعجميَّة أو عاميَّة.  فهذا هدف فنِّي يتعمَّده الشاعر لا عن جهل، ولا عن عِيٍّ.  وهذا ما لا يلتفت إليه معظم نقدنا البلاغي القديم، بل يردِّد تطلُّب السهولة والوضوح، وكأن ذلك مطلبٌ في كلٍّ حال، هكذا ضربة لازب. 

كما أن مفهوم القدماء حول البيان لم يكن يفرّق كثيرًا بين طبيعة الشِّعر وطبيعة الخطابة، ولا بين طبيعة النظم الشِّعري وطبيعة النثر الأدبي.  كانت لديهم القصيدة وسيلةَ إيضاح، وأداة إبانة، كالخطبة تقريبًا، وكالنثر البليغ!  على أن هذا ليس لدى العرب وحدهم، بل هو لدى معظم الأُمم القديمة.  ولذاك وُظِّف الشِّعر، أو بالأصحّ «النظم»، للتعليم والتاريخ.  فأنت إذا قارنت الأمر، على سبيل المثال، بمفخرة الفُرس الشِّعريَّة الكُبرى قديمًا، «الشهنامة»،  (للفردوسي، ـــ1021م)، وجدت أنها إنما جاءت في ستين ألف بيت(2)، من هذا الباب، لا من باب الإبداع الشِّعري.  لأجل هذا قد لا تجد فيها كثيرًا ممّا يشوقك شِعريًّا، من حيث هي تاريخ أكثر ممَّا هي شِعر، بما تعنيه كلمة شِعر من معنى.  وهي، فوق ذلك، تاريخٌ لم يُسرَد بطريقةٍ ملحميَّة خياليَّة مشوِّقة كثيرًا، كما لدى الإغريق في ملاحمهم الأسطوريَّة، التي- وإنْ لم تَصِل بلاغيّاتها الشِّعريَّة إلى غير الإغريق كلّ الوصول- فإنها تدخل إلى المتلقّي، أيًّا ما كانت لغته، من باب الخيال السردي الأسطوري، وعبر لَبوسها من الجمال القصصي الفاتن.

ــ2ــ

ولشأن اللغة ذاك، يمكننا أن نُجري المحاكمة الآتية:  لقد تمّ في جزيرة العرب خلال القرن المنصرم التخلُّص من عقابيل أمراض اجتماعيّة وعقديَّة كثيرة كانت سائدة بين الناس. غير أن ما تمّ في المستوى الدِّيني من تحريرٍ من أغلال ذلك الإرث البالي، لم يصاحبه تحرير في المستوى اللغوي.  والسبب في ذلك أنه نُظر إلى الشِّعر على أنه مجرَّد كلام، حسنه حسن.. وقبيحه حسن أيضًا!  مع أن الشِّعر اللهجوي كان وعاء تلك الثقافة الاجتماعيّة والقيمية والدِّينية القديمة، بلغتها، وطرائق تفكيرها، ومُواضعاتها الاجتماعيَّة. أي أن مشروع الإصلاح «الوهّابي»- إنْ جاز الوصف- إنما حَسَّن القشرة الظاهريَّة للثقافة، فيما بَقِي اللُّباب مَوّارًا بتاريخه العتيق. ولا يمكن هنا أن نفهم دعوى سلامة المعتقد مع عدم سلامة اللغة، حاملة ذلك المعتقد، وعيًا وتعبيرًا.  كما لا يستقيم نشر عقيدة دون لغتها، ناهيك عن بقائها متلبّسةً بلغة عقيدة نقيضة.  مثلما أنه لا يمكن عمليًّا إصلاح الأرواح والتصوّرات والعقول، واللغة التي تحمل تلك المعطيات الروحيَّة والتصوريَّة والعقليَّة قائمة، مزدهرة، ممتدَّة، تمتح من مياه تلك الآبار القديمة ما شاء لها الهوى أن تمتح.  فما الدِّين إلّا لُغة، وما الإنسان إلّا لُغة كذلك! لا يمكن ذلك الفصل، إذن، ولا يُتصوَّر، إلّا لدى مَن لا يعرف ما تعنيه اللغات، وما يعنيه الشِّعر، في حياة الأُمم. ولهذا الوعي الدقيق بما تعنيه اللغة في حياة الناس حَرَّم الفرنسيّون على الجزائريِّين اللغة العربيّة في الخمسينيّات من القرن الفارط، فارضين التعليم بالفرنسيَّة. وفي تجربة الروائي الجزائري (واسيني الأعرج) شاهد في هذا السياق؛ فلولا إصرار جَدَّته على تعلُّمه العربيَّة؛ لكي يكون أهلًا للانتماء إلى أجداده المورسكيِّين الأندلسيِّين، لربما لم يُصبح شيئًا مذكورًا في عالم الأدب، فضلًا عمَّا وراء الأدب واللغة من انتماء ثقافيّ وحضاريّ.(3) والشواهد في هذا كثيرة جدًّا. 

من هذا المنطلق لا غرابة أن الإصلاح الدِّيني والاجتماعي الذي جرى في جزيرة العرب بتلك الحركة التجديديَّة لابن عبدالوهاب- مع قيمته العُليا- قد بقي يلامس الظواهر والسلوكيَّات، فيما ظلَّت البواطن والمستكنَّات مغبرَّةً بماضيها. كما لا غرابة أن تبقى مدنيَّتنا العربيَّة الحديثة- بصفةٍ عامَّة- قشرةً، لُبابها البداوة، وباطنها الأعراف والتقاليد والقِيَم البدائيَّة. ولهذا سرعان ما تستيقظ ذاكرتنا الاجتماعيَّة القديمة، و«سُلومنا» القَبَليَّة المباركة، بمختلف نعراتها؛ لنعود كما كنّا، أو أشدّ غيًّا؛ لأن روح تلك الذاكرة، ولأن لغتها وإكسير حياتها؛ كل ذلك ما يزال حيًّا متأجِّجًا في الصدور والرؤوس. ثم جاءت التقنية الحديثة لتسميد تلك البذار، إذ سعى الساعون إلى ترسيخها وتأبيد ثمارها، من الخليج إلى المحيط.  بل أكثر من هذا، فإن هذه العقليَّة الاجتماعيَّة تُلبَس، أحيانًا، لَبوس الدِّين نفسه، والسلفيَّة ذاتها، والوطنيَّة، والأصالة، والقِيَم العربيَّة والإسلاميَّة الصميمة، وما إلى ذلك من شعاراتنا الخلّابة. لأجل ذلك نشأ تمجيدٌ لذلك الإرث، لم يكن له، حتى في ماضيه القديم، وجعلنا نسمع وصفه بأنه: "تراثنا" العريق، ومجدنا التليد...!  ومن ثَمَّ رُبط شِعره العامِّي بالوطنيَّة، وبشؤونها الأثيرة، واندفع الناس زرافات ووحدانًا يطوفون ببيته ويتمسَّحون بأركانه. فلا غرو أن أصبح من مسلَّماتنا اليوم، وأن بات يُضَخّ عبر خطابنا الإعلاميّ المحلِّي والخليجي، الرسمي منه والخاص، وكأنه قدر مقدور، لا فكاك لنا منه إلى يوم الدِّين! حتى لقد أصبح انتقاد هذا الواقع مستغربًا، وفاعله مشنوءًا، واقترافه يحزّ في بعض النفوس. وحتى ظهر جيل جديد تربَّى سمعه وبصره وعقله على هذا الهيلمان الإعلامي الشِّعري؛ لم يعتد على مقاربته بنقد، بل دَرَجَ على تملُّقه بالتمجيد، واعتاد له الإشادة والتصفيق. وبذا أصبح الشِّعر العامِّي تيارًا فكريًّا وأيديولوجيا، ولم يَعُد مجرَّد أدبٍ تداوليٍّ، يُمارَس بعفويَّة، بعيدةٍ عن التعصُّب والأنفاس الأصوليَّة.

وهنا سترى الناس في مواقفهم من هذا الشِّعر طرائق قِددًا: بين متورّطٍ فيه، وخائفٍ من أهله، وفاقد البوصلة في شأنه؛ فهو مع الخيل يجري، وإنْ إلى هاوية.  وثمَّة فريق آخر، هو الأخطر، يقدِّم آمالًا تنظيريَّة، وأحلامًا أيديولوجيَّة، على ما سواها من حقائق ووقائع.  وهو مستعدٌّ أن يضحِّي بعقله المعرفي، وبضميره اللغوي، في سبيل «رغائبه» الفكريّة، وَفق رؤيةٍ تخصّه، في المجتمع، والثقافة، والأنثروبولوجيا، وحتى في الدِّين.  فإنْ نال مبتغاه، كان بها، أو بات كالمهزوم يعمل بسياسة «الأرض المحروقة»، ولتذهب المبدئيَّات وجميع المصالح العُليا إلى الجحيم، في سبيل طموحاته الفكريّة والأيديولوجيّة.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر: ابن جني، (1957م)، الخصائص، تح. محمّد علي النجار (القاهرة: دار الكتب المصريّة)، 1: 323- 000؛ 2: 360- 000  

(2) حينما نقول (60000 بيت) لا يعني ذلك أنها على قافية واحدة كالقصيدة العربيّة، بل هي قائمة على نظام المثنوي الفارسي، أي النظم المزدوج الذي يتّحد شطرا البيت الواحد منه في القافية، ثم يستقلّ كلّ بيت بقافية.  كقوله ما ترجمته:

يخرّ على الدهر كل بنـــــــــاءْ ** بقطر السحاب وحرّ ذُكاءْ

بنيت من الشِّعر صرحًا أغرْ ** يمل الرياح ويعيي المطرْ

وهذه طريقة سهلة النظم، لا تدل على طول نفس، يمكن للناظم أن ينظم عليها إلى ما شاء الله، أو حتى إلى أن يتوفّاه الله! (ترجمها نثرًا: الفتح بن علي البنداري، وقارَنها بالفارسيّة، وأكملها وصحّحها وعلّق عليها: عبدالوهاب عزّام، (الكويت: دار سعاد الصباح، 1993)). أمّا عَروض الشِّعر الفارسي، ففقير جدًّا، قياسًا إلى الشِّعر العربي، وإنما يدور في فَلَك: المتقارب، والهَزَج، والرَّجَز، والرَّمَل، والخفيف. وتُعدّ- باستثناء الخفيف- من أسهل البحور، أو «حمير الناظمين»! (انظر في هذا: هلال، محمَّد غنيمي، (1977)، الأدب المقارن، (القاهر: نهضة مصر)، 259- 261).

(3) انظر: حوارًا أُجري مع (واسيني الأعرج) في مجلَّة «اليمامة» السعوديَّة، ع 2238، السبت 16 صفر 1434هـ= 29 ديسمبر 2012م، ص ص 24- 25

----------------------

[الكاتب: أ.د/ عبد الله بن أحمد الفيفي، عنوان الموضوع: «الإنسان واللغة!»، المصدر: صحيفة «الرأي» الكويتية، العدد 12294، الأربعاء 27 فبراير 2013، ص20]، على الروابط:

 

http://www.alraimedia.com/Article.aspx?id=417107&;date=27022013

 
العربية لغة العلم: من هنا البداية - فؤاد بوعلي طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: بحوث لغوية
تقييم المستخدمين: / 4
سيئجيد 
الكاتب صوت العربية   
الخميس, 21 فبراير 2013 22:09

 كثيرة هي المقالات والمصنفات المدبجة لوصف قدرات اللغة العربية الذاتية وإمكاناتها الهائلة في التعبير عن عصر الحداثة والتنمية، وعديدة هي المحاولات التي يقوم بها بعض الباحثين لتمثل الحالة الإبداعية للإنسان المسلم وقدراته العلمية التي جعلته يتمثل علوم الكون المختلفة ويقدمها نبراسا لشعوب العالم القديم، قبل البحث في إمكانية نقلها إلى عربي اليوم. لكن قلة من الأبحاث والدراسات من انتقلت من القول إلى الفعل، وحاولت تمثل قدرات اللغة العربية ومكنوناتها المضمرة في معانيها ومصطلحاتها ونظامها الصرفي والتركيبي بعيدا عن تقديم الوصفات الجاهزة، وعملت من خلال المعالجة الميدانية على سبر أغوار سحر العربية وإمكانياتها التعبيرية المختلفة.

فقد احتضنت رحاب كلية العلوم والتقنيات بجامعة عبد المالك السعدي بطنجة حدثاً تاريخياً بامتياز يؤكد أن النهوض بالعربية ليس مسألة سياسية أو مدنية فحسب بل هي قبل كل ذلك قضية إرادات ومبادرات ذاتية وجماعية. فقد قدر لي خلال الأسبوع المنصرم مناقشة أطروحتين لنيل الدكتوراه في علم الحيوان في إطار وحدة البحث والتكوين "تاريخ العلوم عند العرب والأفكار العلمية" المعتمدة بجامعة عبد المالك السعدي. وقد توقفت الأطروحتان عند: مصطلحات علم الحيوان عند العرب من خلال مؤلفات الأصمعي، ومصطلحات خلق الإنسان من خلال "المخصص" لابن سيده. وأهمية الحدث نابعة من أمرين متلازمين:

1 ـ أنها، على حد علمي، المرة الأولى التي تناقش فيها أطروحة في كلية العلوم بالمغرب باللغة العربية. فبعد توقف عملية التعريب ورهن التعليم المغربي بازدواجية مقيتة قضت على إمكانية الإبداع العلمي في ميادين المعرفة الدقيقة، منذ إقرار لجنة إصلاح التعليم سنة 1958م أن تدريس العلوم يتم باللغة الفرنسية، لدرجة التشكيك في قدرة العربية الإجرائية على توصيل العلم والمعرفة، أتت هذه المبادرة من عروس الشمال لتثبت أن الأمر يرتبط في الجوهر بوجود إرادة فاعلة قادرة على تفعيل المبادئ النظرية والشعارات الكبرى. وقد تمثل الأمر في مجموعة من الأساتذة المؤطرين والطلبة الباحثين، الذين جمعهم إيمانهم العميق بفكرة الانتماء للهوية الإسلامية وقدرة العربية على مواكبة عالم التنمية والتقنية، وبالرغم من أن تكوينهم العلمي كان منذ البدء بلغة أجنبية وفي دول أجنبية، فإن إصرارهم قد دفعهم إلى النبش في التراث العلمي العربي مما كون لديهم رصيدا من الخبرات على الصعيدين الوطني والدولي .

2 ـ المواضيع المعتمدة هي جزء من مشروع ضخم يستهدف إنشاء معجم تاريخي لعلم الحيوان عند العرب في أفق إنشاء معجم عصري لمصطلحاته والذي سيستمد مادته الأولية من المعاجم العلمية الحديثة ومنتجات البحث المعجمي والعلمي القديم. والغاية الثاوية التي توقف عندها الباحثون في معالجتهم لنصوص الجاحظ والأصمعي وابن سيده أن المصطلح العلمي العربي يتمتع، كما تجلى في صياغاته المختلفة، بالعديد من المميزات التي تؤهله للاستعمال العلمي وإغناء المعجم العلمي الحديث بمصطلحات دقيقة ويجنبنا مخاطر الاقتراض اللغوي والترجمات الحرفية التي أصابت الفضاء العلمي بعقم اشتقاقي مقيت. كما تدفع عن الإبداعات التراثية تهمة القصور والقدم. هل هو حلم ؟

قد يبدو تبرير قابلية اللغة العربية لاستيعاب وصف آلة أو البحث عن أسماء لمخترعات يعطيها القابلية لتكون لغة للعلم تبريرا ساذجا ومبسطا، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن العرب ليسوا في وضع إبداعي للعلم بل في حالة استهلاكية تفترض متابعة ما يستجد للبحث عن مرادفاته بصورة دائمة ومستمرة. لكن مشروع مصطلحات علم الحيوان يؤسس أطروحته على أن في التراث العربي مخزونا علميا لم يستثمر نهائيا حيث توجه الباحثون والعلماء بدل ذلك النبش في نصوص الرسائل والقواميس والمعاجم نحو الاقتراض والترجمة الحرفية. وفي تصنيف إجمالي توصل الباحثون إلى أن المصطلحات المعتبرة في الموضوع التي تتوزع على ثلاثة أصناف: مصطلحات حافظت على معناها الأصلي بسبب كثرة تداولها مثل الحمل والجمجمة والجبين، ومصطلحات حافظت على تركيبها لكن تغيرت معانيها مثل العضلة التي تعني عند المعجميين القدامى عضلة العضد أو بطن الساق في حين تعني في المعجم العلمي الحديث كل نسيج ليف يتميز بالانقباض ويؤمن حركة الكائن يقابله بالفرنسية:muscle، وصنف ثالث يتعلق بمصطلحات ترجمت ترجمة حرفية فأغفلت بذلك المصطلحات المقابلة لها والموجودة أصلا في التراث العربي. ولهذا النوع نماذج كثيرة بل قد نزعم بأنه الأصل المحرك للمشروع بأكمله من نحو(الحولاء) التي تعني عند ابن سيده "السائل المحيط بالجنين" لكن المعاجم العربية الحديثة تطلق عليه (السائل السلوي) وهو ترجمة حرفية لــliquide amniotique .

مدخل المعرفة مصطلحاتها. إن أزمة المصطلح العلمي العربي واقع لا يمكن القفز عليه، لعوامل عديدة أهمها حالة الهوان والضعف التي يعيشها العلم العربي نفسه. لكن الاعتزاز بالتراث القديم يجعلنا نتوصل إلى الإجابة عن سؤال عده أصحاب المشروع محوريا هو: هل تراثنا قادر على مدنا باصطلاحات تفيد مجال العلوم الدقيقة؟ إن ثروة اللغة العربية من المصطلحات العلمية لها خصوصية الماضي والحاضر، كانت مفرداتها وعاءً لمصطلحات مختلف العلوم، ابتدع أبناؤها من علومها ما كان فريداً في زمانه، ومن فلسفتها ما كشف عن مرونة اشتقاقاتها وطاقاتها على التعريب والتفاعل مع اللغات الأخرى. لذا فقد أثبتت البحوث المشار إليها دقة العربية في التعبير وقدرتها على وصف الحالات المختلفة وإمكانيات متعددة للتداول تغنينا عن مشاكل التعريب والترجمة الحرفية.

وجملة القول، تثبت هذه المبادرة أن النهوض باللغة العربية لا يتم بتكرار الشعارات عن قيمتها وقدراتها اللا محدودة بل بمشاريع علمية حقيقية تستطيع نقل لغة الضاد من سجون الوجدان والخطب الرنانة إلى ميدان المختبر والتحليل التقني. لذا فمبادرة وحدة البحث في طنجة تحتاج منا إلى الإشادة باعتبارها مدخل البداية إلى سيادة اللغة العربية على كل قطاعات المجتمع أي في التعليم بسائر مراحله وتخصصاته وفي مراكز البحث العلمي الإنسانية والدقيقة.

---------------

هسبريس:

 http://hespress.com/writers/70935.html

 
<< البداية < السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالي > النهاية >>

الصفحة 1 من 13
Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
Joomla Templates by Joomlashack