الرئيسية | القرآن الكريم
 

صفحة شبكة صوت العربية في فيسبوكtwitterقناة شبكة صوت العربية في يوتيوبشبكة صوت العربية في موقع فليكر

القرآن الكريم
المؤتمر العالمي الثاني للباحثين في القرآن الكريم: توصيات مهمة وعملية تفتح آفاق تطوير خدمة النص والمصطلح في الدراسات القرآنية - د. الطيب بن المختار الوزاني طباعة إرسال إلى صديق
تقييم المستخدمين: / 1
سيئجيد 
الكاتب صوت العربية   
الخميس, 18 أبريل 2013 21:55

   اختتم المؤتمر العالمي الثاني للباحثين في القرآن الكريم  المنعقد بفاس يوم السبت الماضي 02 جمادى الثانية 1434هـ / 13 أبريل 2013  والذي دام ثلاثة أيام ـ أشغاله بجملة من التوصيات والقرارات الهامة التي جسدت خلاصة المدارسات والأشغال وأهم تطلعات المؤتمرين للارتقاء بالدراسات القرآنية خاصة في جانبيها الأساسيين : النص والمصطلح.

   وجدير بالذكر أن المؤتمر كان من تنظيم مؤسسة البحوث والدراسات القرآنية (مبدع) ـ التي يشرف عليها أمينها العام الدكتور الشاهد البوشيخي ـ بتعاون وتنسيق مع شركائها في البحث العلمي والدراسات القرآنية والتراثية خاصة الرابطة المحمدية ومعهد الدراسات المصطلحية ومركز تفسير للدراسات القرآنية كرسي القرآن الكريم وعلومه من المملكة العربية السعودية.

   وقد اشتغل المؤتمرون الذين وفدوا من دول عديدة ( المملكة المغربية ، والمملكة العربية السعودية وسوريا والكويت وقطر، ومصر وتركيا ) بدراسة المحورين الرئيسين اللذين حددهما المؤتمر في برنامجه وهما:

   أولا: محور آفاق الخدمة لنص القرآن الكريم وعلومه: خدمة النص بنوعيه المخطوط والمطبوع؛ فخدمة المخطوط من حيث الفهرسة والتصوير والتوثيق والتحقيق، وخدمة النص المطبوع تكشيفا ونشرا وتوزيعا وما يلزم في تلك الخدمة من توظيف للشابكة وتأسيس مشاريع خادمة لنص القرآن الكريم وعلومه.

  ثانيا: محور آفاق الخدمة لمصطلح القرآن الكريم وعلومه وتناول قضايا الدراسة المصطلحية ومراحلها وإجراءاتها؛ إحصاء وتصنيفا وتعريفا ثم ما يرتبط بذلك من الدراسة الموضوعية والمعجمية والمفهومية والتاريخية للمصطلح إضافة إلى مدارسة أهم المشاريع الخادمة لهذا المصطلح وآفاقها.

  وبعد ثلاثة أيام من العروض والمناقشات وحلقات البحث والورشات خلص المؤتمرون إلى جمع خلاصات المؤتمر في نقطتين: الحصيلة والآفاق:

   فالأولى المتعلقة بالحصيلة: يمكن تركيزها في التوصل إلى تحقيق بعض توصيات المؤتمر الأول: ومنها على الخصوص التمكن من طبع أعمال المؤتمر الأول في خمسة مجلدات ووضعها بين يدي الباحثين ، والتمكن من عقد المؤتمر في موعده كما تم الوعد به في المؤتمر الأول، والاقتراب من تأسيس رابطة عالمية للباحثين في القرآن الكريم . ومنها ما يتعلق بالمؤتمر الثاني الحالي ومن أهمها التوصل من حيث المضمون والمنهج إلى تحديد أسس خدمة النص والمصطلح في معالمها الكبرى مجالا ومنهجا وآفاقا إضافة إلى الوقوف على أهم الجهود المبذولة في ذلك تقويما للمنجز واستشرافا لغير المنجز، والوقوف عمليا على الصعوبات والإشكالات التي لا تزال عالقة ودراسة كيفية تجاوزها.

  أما الثانية وهي المتعلقة بآفاق الخدمة المرتقبة من الباحثين لتطوير الدراسات القرآنية وتجديدها على أساس من الرشد العلمي والمنهجي والإجرائي فتمثلت في الدعوة إلى متابعة توصيات المؤتمر السابق والحالي عبر تشكيل لجان ساهرة على ذلك ومتابعة له، والدعوة أيضا إلى التعجيل بإنجاز فهرس شامل لجميع مخطوطات القرآن الكريم في العالم وتصويرها ووضعها في مركز جامع ومتخصص، كما شددت هذه التوصيات على دعوة الباحثين المتخصصين إلى ضرورة التعاون مع الجهات المتخصصة على إنجاز المعجم المفهومي لمصطلحات القرآن الكريم والجوامع المساعد على ذلك مثل الجامع التاريخي لشروح الألفاظ القرآنية لدى المفسرين ولدى اللغويين، ونحوهما، والتنصيص على أهمية الحوار العلمي مع المفكرين والمهتمين بالدراسات القرآنية خاصة المستشرقين المنصفين وأهمية عقد مؤتمر عالمي لدراسة الطعون والشبهات عن القرآن الكريم ومعالجتها علميا ومنهجيا.

  ويمكن القول في هذا السياق إن أبرز التوصيات التي جسدها البيان الختامي كانت الدعوة إلى إنشاء كرسي بحثي للدراسات المصطلحية في مختلف الكليات والجامعات، وضرورة توسيع دوائر الخدمة للقرآن الكريم في النص والمصطلح في مجالات علمية أخرى عبر عقد مزيد من المؤتمرات والدورات وتوظيف أوسع لإمكانات الشابكة واستثمار مختلف الجهود الخادمة للقرآن الكريم وعلومه ومشروعاته وتأسيس بنك معلومات إلكتروني وقاعدة بيانات في المجال.

  وفي الختام ضرب المؤتمرون موعدا للمؤتمر الثاني في نفس الموعد زمانا ومكانا بعد عامين لاستكمال المسار ومتابعة المشروع العلمي الذي تتشرف مؤسسة مبدع بالسهر عليه وتنفيذه مع شركائها من المؤسسات والمراكز المتخصصة في الدراسات القرآنية والباحثين التراث الإسلامي عامة وفي القرآن الكريم وعلومه خاصة.

 
مقابسة قرآنية ( أيامًا معدوة ـ وأيامًا معدودات ) تعددت الأوصاف والموصوف واحد طباعة إرسال إلى صديق
تقييم المستخدمين: / 260
سيئجيد 
الكاتب د.هدى محمد قزع   
الثلاثاء, 27 سبتمبر 2011 21:38

س: وصف ربنا عز وجل في آياته العظيمة الأيام بأنها معدودة وبأنها معدودات، فأين موضع ذلك الوصف في كتاب الله ، وما الفرق بينهما؟

ج: جاء وصف الأيام في سورة البقرة، الآية رقم 80 ، بأنها معدودة ، وفيها قال ربنا عز وجل:" وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ".

وهذه الآية جاءت حكاية على لسان اليهود ، واتخذ الوصف فيها صيغة المفردة المؤنثة "معدودة" .وأما في الآية رقم 184 ، من سورة البقرة فقد وصفت الأيام على أنها معدودات ، إذ قال أعز قائل:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ "

وفي سورة آل عمران ، الآية رقم 24 ، وصفت الأيام على أنها معدودات أي بصيغة الجمع المؤنث ( جمع قلة) ، إذ جاء فيها:" أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُون "َ (24) سورة آل عمران.

إذن الموصوف واحد  في الآيات الثلاث، ويظل السؤال القائم ما هو الفرق في المعنى بين الوصفين؟

وقبل الإجابة عن هذا السؤال ، أحب  الاستعانة ببعض أقوال المفسرين الذين تنبهوا إلى هذا الفرق وحاولوا إيجاد مخارج تأويلية له،  ومن ثم أجد أنه من الضروري  أن أضعها تحت عين الفحص والتدقيق لأخرج  منها بوجهة يطمئن لها القلب والعقل  معًا.

وأبدأ بتفسير الطبري (310هـ) إذ قال فيه :" وإنما قيل"معدودة" وإن لم يكن مبينا عددها في التنزيل، لأن الله جل ثناؤه أخبر عنهم بذلك وهم عارفون عدد الأيام، التي يوقتونها لمكثهم في النار. فلذلك ترك ذكر تسمية عدد تلك الأيام، وسماها"معدودة". ثم اختلف أهل التأويل في مبلغ الأيام المعدودة التي عينها اليهود، القائلون ما أخبر الله عنهم من ذلك  فقال بعضهم:-عن ابن عباس والسدي وأبي  العالية والضحاك أنها أربعون يوما (1). وعن قتادة والضحاك عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل(2). ، وعن ابن عباس :  أنها الأجل(3) .. وقال آخرون في ذلك : ... عن ابن عباس قال : إنها سبعة أيام(4) ، و عن مجاهد في قول الله:(قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة)، قال: كانت تقول: إنما الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوما(5). ... قال مجاهد: وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة من الدهر. وسموا عدة سبعة آلاف سنة، من كل ألف سنة يوما(6).

ويلاحظ أن الطبري يميل إلى أن وصف الأيام بالمعدودة يشي بأنها غير معينة في نفسها ، وقد كان لعدم التعيين في سياق هذه الآية مدلول فكري ونفسي ، يكشف عن نفسية اليهود المريضة ، واضطرابهم النفسي إذ انهم لا يثبتون على عدد ما  من أيام العذاب فيما كانوا يدعون  ، إذ هي تارة 7 ، وأخرى 40 ...إلخ ، وأحسب أن عدم ثبات  اليهود وكذبهم في هذه الآية ينسحب على مواقف أخرى لليهود ولا يقتصر على سياق هذه الآية .

أما المدلول الفكري فيتجلى بحكمة الرب إذ جعل لسان اليهود ناطقًا بكذبهم وافترائهم على الله ، إذ هم يدعون لفظًا بأن عذابهم غير معين، وهم في أنفسهم يخفون عددًا لأيام العذاب ، من هنا ترك الرب الحكيم تسمية عدد تلك الأيام وسماها معدودة.

فإذا انتقلنا إلى تفسير الطبري للآية 184 من سورة البقرة ، فإننا سنجده يفصل القول بتأويلات المفسرين ، ويختار  رأيًا واحدا وهو أن يكون معنى "أيامًا معدودات" شهر رمضان كله(7) .

ولعل هذا الرأي يبصرنا بأن وصف الأيام بالمعدودات يعني أنها معينة بنفسها ، وتدل على عدد معين.

وفي تفسيره للآية رقم 24 من سورة آل عمران قال :" يعني جل ثناؤه بقوله:"بأنهم قالوا"، بأنّ هؤلاء الذين دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم بالحق فيما نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما أبوا الإجابة إلى حكم التوراة وما فيها من الحق: من أجل قولهم: "لن تمسنا النارُ إلا أيامًا معدودات" = وهي أربعون يومًا، وهن الأيام التي عبدوا فيها العجل  = ثم يخرجنا
منها ربنا، اغترارًا منهم ="بما كانوا يفترون" (8).

وقد أشار إلى أن مذهبه في تفسير هذه الآية يماثل ما قاله أهل التأويل من مثل ما حكي عن قتادة ، والربيع (9).

ويستطيع المرء أن يستبين بأن الطبري لا يقيم فرقًا واضحًا بين وصف الأيام على أنها معدودة أو على أنها غير معدودة ، إلا على سبيل تعيين العدد في نفسه من عدمه ، فالمعدودة لا تدل على عدد معين بنفسه ، أما المعدودات فهي محددة بعدد معين بنفسه .

وما أن ننتقل إلى تأويل آخر حتى يتضح الفرق القائم في فهم كتاب الله عز وجل لدى المفسرين ، فمثلًا لو اطلعنا على ما رآه الراغب الأصفهاني( 502هـ)  ، سنجد أن قول الله حكاية على لسان اليهود:{ إلا أياما معدودة }: يعني أنها : " قليلة لأنهم قالوا نعذب الأيام التي فيها عبدنا العجل" (10).

وهذا يعني أن الراغب يلتفت إلى جانب آخر وهو القلة التي يوحيها وصف الأيام بأنها معدودة، إضافة إلى جانب التعيين وهو أيام عبادتهم للعجل.

أما تفسيره للآية رقم 184 من سورة البقرة فهو يوافق الطبري ، ويزيد على قوله: " وقوله : { واذكروا الله في أيام معدودات } فهي ثلاثة أيام بعد النحر ، والمعلومات عشر ذي الحجة . وعند بعض الفقهاء : المعدودات يوم النحر ويومان بعده ، فعلى هذا يوم النحر يكون من المعدودات والمعلومات "(11).

وهذه الزيادة تقوي أن وصف الأيام بالمعدودات هو معين لها بعدد معين بنفسها. 

وسيأتي الزمخشري(538 هـ) من بعده ليؤكد على كلامه ويقول: "ومعنى ) معدودات (موقتات بعدد معلوم أو قلائل"(12).

فإذا يممنا بحثنا إلى تفسير فخر الدين الرازي( 606هـ)  سنجد رؤية تأويلية جديدة أشد إغراقًا في الجانب اللغوي، إلا أنها لاتفيد في بيان الحدود المائزة بين وصف الأيام بالمعدودة أو بالمعدودات إلا في الإشارة إلى الالتزام بالمشهور الشائع لغويًا وهو ما يعدّه أصلا ( أي الوصف  الذي جاء في سورة  البقرة ) ، وتسويغ النادر على أنه فرع لهذا الأصل ( أي ما جاء في سورة آل عمران ) .

وفي هذا يقول : " ولقائل أن يقول لم كانت الأولى معدودة والثانية معدودات والموصوف في المكانين موصوف واحد وهو (أياماً ) والجواب أن الاسم إن كان مذكراً فالأصل في صفة جمعه التاء يقال كوز وكيزان مكسورة وثياب مقطوعة وإن كان مؤنثاً كان الأصل في صفة جمعه الألف والتاء يقال جرة وجرار مكسورات وخابية وخوابي مكسورات إلا أنه قد يوجد الجمع بالألف والتاء فيما واحده مذكر في بعض الصور نادراً نحو حمام وحمامات وجمل سبطر وسبطرات وعلى هذا ورد قوله تعالى فِى أَيَّامٍ مَّعْدُوداتٍ و فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ فالله تعالى تكلم في سورة البقرة بما هو الأصل وهو قوله أَيَّامًا مَّعْدُودَة وفي آل عمران بما هو الفرع" (13).

هذه هي وجهة الرازي الخاصة  ، ولكنه لا يكتفي بها ، بل يستحضر تأويل الزمخشري من جديد ، وكأني به عليه موافقًا :إذ يقول :" في قوله مَّعْدُوداتٍ وجهان أحدهما مقدرات بعدد معلوم وثانيهما قلائل " (14).

فإذا طالعنا تراث الحرالي(المتوفى: 638هـ) في التفسير ، فسيتضح لنا وجهة أخرى في التأويل قائمة على الفرق بين معدودة ومعدودات بعداد الكثرة والقلة، إذ قال في تفسير إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً: "والعد اعتبار الكثرة بعضها ببعض، واقتصر على الوصف بالمفرد لكفايته في هذا المعنى، بخلاف ما في آل عمران" (15).

وهذا يعني أن معدودة في سورة البقرة  جاء وصفًا مفردًا مؤنث ، وهو يعني الكثرة ، على خلاف معدودات في سورة آل عمران التي جاءت في صيغة الجمع وتعني القلة .

وأحسب أن هذه الوجهة في حاجة إلى رجع النظر والتمحيص لغة ومعنى ، ولا دليل عليها والله اعلم.

ولا يزيد أبو حيان الأندلسي (745هـ ) على أقوال سالفيه إلا القليل ، فهو وإن بدا محورًا للفظ إلا أن المعنى ظل واحدًا إذ قال:" وصفة الجمع الذي لا يعقل تارة يعامل معاملة الواحدة المؤنثة وتارة يعامل معاملة جمع الواحدة المؤنثة . فمن الأول : ( إِلاَّ أَيَّامًا
مَّعْدُودَةً ( ومن الثاني : ) إِلا أَيَّامًا مَّعْدُوداتٍ ( فمعدودات : جمع لمعدودة . وأنت لا تقول : يوم معدودة ، إنما تقول : معدود ، لأنه مذكر ، لكن جاز ذلك في جمعه"(16).

ولا أغالي في الرأي إن قلت إنه يردد صدى مقولة الأصل والفرع التي أيدها فخر الدين الرازي .

وإني وجدته مقلدًا لوجهات المفسرين في ذكره لعدد الأيام المعدودة (17)، ولكنه يضيف عليها قوله: "وكانت اليهود تزعم أنهم لا يعذبون إلا أياماً معدودة ، وبعضهم يقول يوماً واحداً ، وبعضهم عشراً"(18). وهذا يشي بقلة الأيام لا تعيينها.

ولا أغفل عن وجهة لأبي حيان أراها ضرورية في تحديد وجهة تأويلية لوصف معدودة إذ قال: قال : " أراد بقوله : معدودة ، أي قلائل يحصرها العدّ ، لأنها معينة العد في نفسه " (19).

وهذا القول  يضيف تفسيرًا جديدًا لمعدودة ويكشف الحجاب بوضوح ، فمعدودة : تعني القلة وأنها معينة العدد في نفسها ، وهذه وجهة لمسناها عند غيره بشكل غير ظاهر ، ولكنه آثر أن  يبين عنها بجلاء، وهذا ما يسجل له.

ويختار برهان الدين البقاعي (885 هـ) تعبيرًا آخر على وصف الأيام المعدودة بأنها قليلة، وهو الانقضاء، ذلك أن " كل معدود منقض" (20)

وغريبة هي وجهة ابن جماعة ( 790هـ) ،التي ينقلها عنه السيوطي(911هـ)  ، إذ يخالف فيها المألوف عندما يجعل اليهود طائفتين مع أن المتعارف عليه أنهم طائفة واحدة ، ويعد معدودة جمع كثرة :" قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً} وفي آل عمران {مَعْدُودَاتٍ} قال ابن جماعة: لأن قائل ذلك فرقتان من اليهود إحداهما قالت: إنما نعذب بالنار سبعة أيام عدد أيام الدنيا والأخرى قالت إنما نعذب أربعين عدة أيام عبادة آبائهم العجل فآية البقرة تحتمل قصد الفرقة الثانية حيث عبر بجمع الكثرة وآل عمران بالفرقة الأولى حيث أتى بجمع القلة" (21).

ويفجؤنا الألوسي ( 1270 هـ) بوجهته الأسلوبية التي ترى بأن الفرق بين وصف الأيام بالمعدودة تارة وبالمعدودات تارة أخرى هو ضرب من التفنن في التعبير والقول، ولكن هذه الوجهة لا تخلو من الخلل إذ أدت بصاحبها إلى الزلل ، فهو عدّ معدودة مفردة ، ومعدودات صيغة جمع ، ثم قال: "وخص الجمع لمعدودات في آل عمران لما فيه من الدلالة على القلة كموصوفه"، وهذا يعني أن معدودة دلالة على الكثرة ، ومن هنا لا فائدة من قوله " تفننا في التعبير" ، والمفسر وقع في التناقض من حيث لا يدري.

إذ قال:" وجاء هنا معدودات بصيغة الجمع دون ما فى البقرة فإنه معدودة بصيغة المفرد تفننا فى التعبير وذلك لأن جمع التكسير لغيرالعاقل يجوز أن يعامل معاملة الواحدة المؤنثة تارة ومعاملة جمع الإناث أخرى فيقال : هذه جبال راسية وإن شئت قلت راسيات وجمال ماشية وإن شئت ما شيات وخص الجمع هنا لما فيه من الدلالة على القلة كموصوفه وذلك اليق بمقام التعجيب والتشنيع " (22) .

أما ابن عاشور (1393هـ ) فقد سعى  لمجاوزة ما تناقله الكثير من المفسرين من قبله ، إذ قال في تعقيبه على تفسير أبي حيان :" الوجه في الوصف الجاري على جمع مذكر إذا أنثوه أن يكون مؤنثا مفردا، لأن الجمع قد أول بالجماعة والجماعة كلمة مفردة وهذا هو الغالب، غير أنهم إذا أرادوا (23)التنبيه على كثرة ذلك الجمع أجروا وصفه على صيغة جمع المؤنث ليكون في معنى الجماعات وأن الجمع ينحل إلى جماعات كثيرة، ولذلك فأنا أرى أن معدودات أكثر من معدودة ولأجل هذا قال تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً} [البقرة:80] لأنهم يقللونها غرورا أو تعزيرا، وقال هنا:{مَعْدُودَاتٍ} لأنها ثلاثون يوما" (24).

إذن لقد كان ابن عاشور جريئًا في مخالفته للمفسرين حينما قال : "أرى أن معدودات أكثر من معدودة" ، وأما معدودة فهي تدل على القلة ، ولها دلالات متصلة بسياق الحال والقائل ، إذ تدل على غرور اليهود .

وفي قوله كثير من الحق فيما يتصل باليهود وغرورهم ، ولكن من الصعب إيجاد مخرج  له في حكمه الذي خالف فيه المجموع دون وجه حق يذكر.

هذه بعض الوقفات على عتبات المفسرين وآرائهم ، وهي تظهر مدى التناقض الذي وقع فيه بعض المفسرين ، إضافة إلى أنها تقلل من قوة الرأي الذي كثيرًا ما تداوله المفسرون وهو القائل بأن معدودة تدل على الكثرة ، في حين أن معدودات تدل على القلة، ويطمئن قلبي إلى أنه لا فرق بين معدودة ومعدودات من حيث دلالتهما على القلة ، وإنما يفترقان في الاستعمال ، ولهذا الاطمئنان القلبي مدعم عقلي في كتاب الله عز وجل : فكيف يمكن أن نغفل قوله تعالى :" وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ"(يوسف: 20) .وقوله تعالى :"أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ"(البقرة 184)وقوله: وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (سورة هود ، الآية رقم 8).

أما إن قال قائل لي: وكيف نصف الأيام بالكثرة إذن؟
أقول لهم ما قاله الزجاج فيما نقله عنه فخر الدين الرازي :"وقوله سنين عدداً ظرف الزمان وفي قوله عدداً بحثان الأول قال الزجاج ذكر العدد ههنا يفيد كثرة السنين وكذلك كل شيء مما يعد إذا ذكر فيه العدد ووصف به أريد كثرته لأنه إذا قل فهم مقداره بدون (25) التعديد أما إذا أكثر فهناك يحتاج إلى التعديد فإذا قلت أقمت أياماً عدداً أردت به الكثرة (26).

إذن إن أردنا وصف الأيام بالكثرة قلنا : أيامًا عددًا ، هذا ما أميل إليه ، ولكن الأمانة العلمية تقتضي الكشف عن رأي لا يتفق مع هذا الميل وهو رأي القرطبي (671هـ  )الذي قال فيه : و" عَدَداً " نَعْتٌ لِلسِّنِينَ، أَيْ مَعْدُودَةً، وَالْقَصْدُ بِهِ الْعِبَارَةُ عَنِ التَّكْثِيرِ، لِأَنَّ الْقَلِيلَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى عَدَدٍ لِأَنَّهُ قَدْ عُرِفَ. وَالْعَدُّ الْمَصْدَرُ، وَالْعَدَدُ اسْمُ الْمَعْدُودِ كَالنَّفَضِ وَالْخَبَطِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ:" عَدَداً" نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ. ثُمَّ قَالَ قَوْمٌ: بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى عَدَدَ تِلْكَ السِّنِينَ مِنْ بَعْدُ فَقَالَ:" وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً" (27) .

وتظهر مخالفته لي بعدّه معدودة الصفة البديلة  لنعت السنين بعددًا ، وبهذا يستوي عنده قولنا سنين عددا ومعدودة، وهذا ما لم أجده بعد محاولة فهمي للمقصود، إذ وجدت أننا إذا قلنا أيامًا معدودة ، أو معدودات ، أردنا بهما : القلة 

أما الفرق الوحيد القائم فيظهر في الاستعمال : إذ إن ﴿مَّعْدُودَة ﴾ تدل على عدد غير معين ، وهذا ماحكاه الطبري ، أبو حيان ، أما معدودات فإنها تدل على عدد معين، أي أنها معيَّنة العدِّ في نفسها وهذا ما حكاه الزمخشري والرازي والراغب الأصفهاني، والله وحده يعلم السر وما يخفى. 

-----------------------------
الهوامش:

(1)  انظر: أبو جعفر الطبري ، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق :أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط1، 2000 م،ج2:ص274، 275، 276.

  1. (2)  انظر: المصدر السابق ، ج2، ص275/ 276 
  2. (3)  انظر : المصدر نفسه ،ج2، 275/ ج2، ص276 
  3. (4)  انظر : نفسه، ج2 ، ص276./ ج2، ص277. 
  4. (5)  انظر: نفسه، ج2، ص277.، 
  5. (6) انظر : نفسه، ج2، ص277.
  6. (7)  انظر: نفسه، ج3، ص412. 
  7. (8)  نفسه ، ج6، ص292. 
  8. (9)  انظر: ج6، ص293. حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه"، أما"أبناء الله"، فإنهم قالوا: إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدًا من ولدك، أدخلهم النار، فيكونون فيها أربعين يومًا حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم، ثم ينادي منادٍ: أن أخرجوا كل مختون من ولدِ إسرائيل، فأخرجهم. فذلك قوله:( لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ) [سورة آل عمران: 24]  نفسه، ج10، ص151.
  9. (10)  الراغب الأصفهاني،أبو القاسم الحسين بن محمد ، المفردات في غريب القرآن تحقيق :محمد سيد كيلاني، دار المعرفة،
    لبنان، ص324.
  10. (11)   المصدر السابق ،ص325. ومثل ذلك أيضًا قوله تعالى :﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ﴾(البقرة: 197) ، وأشهر الحج معلومة لدى الجميع . 
  11. (12)  الزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمر الخوارزمي ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، تحقيق : عبد الرزاق المهدي،  دار إحياء التراث العربي – بيروت ، ج1، ص251.
  12. (13)  الرازي ، فخر الدين محمد بن عمر التميمي الشافعي، مفاتيح الغيب ، دار الكتب العلمية ،بيروت ، 2000 م، ج3، ص130. 
  13. (14)  المصدر السابق، ج5، ص63.
  14. (15)   الحَرَالِّيُّ، أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ بنِ حَسَنٍ التُّجِيْبِيُّ الأَنْدَلُسِيُّ ،تراث أبي الحسن الْحَرَالِّي المراكشي في التفسير، مستخرجة من: تفسير البقاعي "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور"، تصدير: محمد بن شريفة، تقديم وتحقيق: محمادي بن عبد السلام الخياطي، منشورات المركز الجامعي للبحث العلمي – الرباط ، 1997 م ج1، ص234. 
  15. (16)   أبو حيان الأندلسي ، محمد بن يوسف ،  تفسير البحر المحيط ، دار الكتب العلمية ، لبنان/ بيروت ، 2001 م، ط1، تحقيق :عادل أحمد عبد الموجود و علي محمد معوض، ج2، ص39.
  16. (17)   انظر المصدر السابق: ج1، ص444  ، 445.
  17. (18)   المصدر نفسه ،ج1، ص207.
  18. (19)   نفسه، ج1، ص445. 
  19. (20)  برهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور،  تحقيق : عبد الرزاق غالب المهدي ، دار الكتب العلمية - بيروت - 1995 م: ج1، ص177.
  20. (21)  جلال الدين السيوطي ، عبد الرحمن بن أبي بكر، الإتقان في علوم القرآن ، تحقيق :محمد أبو الفضل إبراهيم ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1974 م ، ج3، ص393.
  21. (22)   الألوسي، محمود أبو الفضل، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، ج3، ص111.
  22. (23)    ابن عاشور ، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر التونسي ، التحرير والتنوير المعروف بتفسير ابن عاشور ،  مؤسسة التاريخ العربي، بيروت/  لبنان، ط1، 2000، ج2 ، ص159.
  23. (24)  المصدر السابق ، ج2، ص160.
  24. (25)  الرازي ، فخر الدين ، مصدر سابق ، ج21، ص70. 
  25. (26) ·· المصدر السابق ،ج21، ص71.
  26. (27)  القرطبي ،أبو عبد الله محمد بن أحمد الجامع لأحكام القرآن ، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش ،دار الكتب المصرية – القاهرة، ط2، 1964، ج10، ص336. 
 
تقرير عن ندوة (ترجمات معاني القرآن الكريم) بمدينة وجدة بالمغرب يومي 27 و28 أبريل 2011م طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب صوت العربية   
الاثنين, 26 سبتمبر 2011 10:55

اختتم مؤتمر " ترجمات معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية " أعماله مؤخرا بمدينه وجده بالمملكة المغربية. وخرجت الجلسة الختامية من المؤتمر – الذي نظمه مركز الدراسات الاجتماعية والإنسانية التابع لكلية الآداب بجامعة محمد الأول بالاشتراك مع المجلس المحلي للمدينة، خلال يومي 27 و28 من شهر إبريل الجاري - بعدد من التوصيات والنتائج المهمة، كان من أبرزها التوصية بضرورة تشجيع إعداد تراجم أجنبية لمعاني القرآن الكريم، تحل محل الترجمات المشوهة وغير الأمينة التي قام بها أجانب من اليهود والمستشرقين الغربيين، إضافة إلى العمل على تشجيع الدراسات العبرية و"الإسرائيلية" للرد على الترجمات العبرية المحرفة لمعاني القرآن الكريم.

وأوصى المؤتمر كذلك بإنشاء مركز علمي وبحثي متخصص في الدراسات القرآنية ولا سيما ما يعني منها بمجال الترجمات الأجنبية لمعاني القرآن الكريم، وما يستتبع ذلك من تشجيع الباحثين والمختصين في هذا المجال على إعداد المزيد من الدراسات والبحوث في مجال نقد الترجمات الأجنبية لمعاني القرآن الكريم والرد عليها، علاوة على إعداد قاعدة بيانات بكل ترجمات القرآن الكريم السابقة.
وأصدر المؤتمر توصية خاصة بضرورة تعاون كافة المختصين من جميع فروع المعرفة على ترجمة القرآن إلى اللغات الأجنبية المختلفة، ومحاولة عقد المزيد من المؤتمرات والملتقيات العلمية الإسلامية المهتمة بمناقشة ونقد الترجمات الأجنبية لمعاني القرآن الكريم، وقبل ذلك العمل على وضع معجم أجنبي لألفاظ القرآن الكريم.

الضرورة والمحظورات :

وكان المؤتمر قد استهل جلسته الافتتاحية بمحاضرة للشيخ الدكتور مصطفى بن حمزة، رئيس المجلس العلمي المحلي بمدينة وجده، بعنوان: "ترجمة القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية بين الضرورة والمحظورات"، أشار خلالها إلى أن القرآن الكريم هو رسالة إلى البشرية وخطاب إلهي، ولابد أن يصل إلى البشر جميعا لإقامة الحجة، ولاشك أن الترجمة وسيلة من وسائل إبلاغ الدعوة.
واستدرك بن حمزة، بالقول بأن عملية الترجمة محفوفة بالمخاطر الكثيرة ويمكن أن تكون مدخل للإساءة للإسلام وإلى القرآن الكريم، فمن قاموا بعملية الترجمة من الغرب هم أناس لهم موقف معاد من الإسلام، مثل بطرس المكرم، الذي أعد ترجمة استخدمت كسخرية من القرآن الكريم، وبالتالي فإن عملية الترجمة هي عملية محفوفة بالمخاطر، ويجب أن تكون محدودة بالضوابط.
من جانبه استعرض الدكتور أحمد شحلان، أستاذ اللغة العبرية والفكر اليهودي بجامعة محمد الخامس بالرباط، تاريخ الترجمات العبرية لمعاني القرآن الكريم، مركزا على فترة العصور الوسطى، ولاسيما الترجمات التي قام بها اليهود إبان الحكم الإسلامي للأندلس، والتي كانوا يستخدمونها من أجل الرد على القرآن الكريم في حججهم ومجادلاتهم المختلفة، وكانوا يعتمدون على المعجم العربي في أحسن الأحوال لإعداد هذه الترجمات.

الترجمات الفرنسية والإسبانية :
وبالنسبة للجلسة العلمية الأولى من المؤتمر التي جاءت تحت عنوان: " نقد الترجمات الأجنبية لمعاني القرآن الكريم"، فقد اُستهلت ببحث للدكتور أحمد جوهري، أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الأول بوجده، أشار فيه إلى الأخطاء الفادحة الموجودة في عدد من الترجمات الفرنسية لمعاني القرآن الكريم، التي تبرز أهمها في الاستخدام الخاطئ لمعاني ألفاظ القرآن الكريم عند ترجمتها إلى الفرنسية، وكذلك الفهم الخاطئ لمفهوم الآيات القرآنية وذلك بسبب عدم فهم الثقافة الإسلامية ومغذى اللفظ العربي الذي نزل به القرآن الكريم.
وتحت عنوان:" ترجمات القرآن الكريم إلى اللغة الإسبانية.. دراسة ونقد"، ألقى الدكتور محمد براده، أستاذ التعليم العالي بكلية طهر المهراز بفاس، بحثا أوضح فيه حجم الأخطاء التي وقعت فيها هذه الترجمات، نظرا لتعاملها مع النص القرآني على أنه نص عادي وليس نصا عاليا، يحتمل الكثير من التأويلات والمعاني.
وأضاف الدكتور براده، أنه من المهم للغاية تدشين مركز ترجمة إسبانية يعمل على إعداد ترجمة إسبانية من وجهة نظر إسلامية لمعاني القرآن الكريم؛ نظرا لخطورة هذا الأمر المتمثل في كون الإسبانية ثاني أكثر لغة انتشارا على مستوى العالم ويعرفها الكثير من البشر، وبالتالي فمن المهم للغاية أن يتم إعداد ترجمة إسبانية تصحح أخطاء الترجمات التي أعدها الأسبان من غير المسلمين لمعاني القرآن الكريم.

الترجمات العبرية :
من جانبه، قدم أحمد البهنسي، الصحفي ومترجم اللغة العبرية بوكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية، بحثا بعنوان: "الترجمات العبرية لمعاني القرآن الكريم.. التاريخ الأهداف والإشكاليات"، ركز فيه على أهداف ودوافع الترجمات العبرية لمعاني القرآن الكريم، التي تمثلت في أهداف ودوافع دينية وأيديولوجية، وذلك في محاولة من اليهود لتشكيك المسلمين في دينهم وعقائدهم الأساسية، إضافة إلى وقف المد الإسلامي على أتباع الديانات الأخرى، ومحاولة الرد على النقد الإسلامي الموجه للانحرافات التي شهدتها الديانات الأخرى على أيدي أصحابها.
واختتم البهنسي بحثه بالتوصية بضرورة الاهتمام على المستوى العلمي والأكاديمي بدراسة ونقد الترجمات العبرية التي تصدر لمعاني القرآن الكريم، والوقوف على ما بها من أخطاء وتشويهات، والرد عليها، إضافة إلى ضرورة الاهتمام على المستوى العلمي والأكاديمي وعلى مستوى الجهات المسؤولة، بإعداد ترجمة عبرية لمعاني القرآن الكريم يقوم بها فريق من علماء المسلمين المتخصصين، لسد النقص في مجال دراسات الترجمة من العبرية للعربية على أساس أن "إسرائيل" تترجم كل منتج في العالم، والعرب يترجمون أقل من 1% مما يترجمه العالم للغات الأخرى، إضافة إلى ضرورة عرض القرآن الكريم بشكل يؤكد صلاحية الكتاب لكل زمان ومكان، وأنه كتاب أصيل، وليس مقتبسا من كتب سابقة عليه مثل التوراة أو الإنجيل.

الترجمات الأمازيغية :
وكان لافتا تركيز المؤتمر على الترجمات الأمازيغية لمعاني القرآن الكريم، التي رأى فيها الدكتور صالح بلعيد، الأستاذ قي جامعة تيزي وزو بالجزائر، انتصارا للغة العربية؛ نظرا لأن هده الترجمات كتبت بالحرف العربي ولم تكتب بالحرف الأمازيغي، كما أنها دليل على اللحمة الوطنية لأبناء المغرب العربي سواء من الأمازيغ أو العرب الدين يجمعهم الإسلام والإيمان بالقرآن الكريم.

إشكاليات الترجمة :
وتحت عنوان: "دراسة تحليلية وموازنة لترجمات معاني بعض الآيات الكونية في القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية"، أشارت الدكتور كريمة اليحياوي، من مدرسة فهد العليا للترجمة بطنجة، إلى صعوبة ترجمة الآيات الكونية لكونها حمالة أوجه ومعاني غزيرة، ضاربة الكثير من الأمثلة من الترجمات الفرنسية لمعاني القرآن الكريم، التي وقعت في أخطاء فادحة حين قامت بترجمة بعض الآيات الكونية.
وبالنسبة لليوم الثاني من أيام المؤتمر فقد ركزت محاوره على الخصائص الفنية والبلاغية التي أثارت إشكاليات في الترجمات الأجنبية لمعاني القرآن الكريم، فعلى سبيل المثال أثار الدكتور أحمد ديداوي - في بحثه بعنوان: "المعادلة في ترجمة القرآن الكريم بين مقتضى الثقافة وإعجاز النظم ونورانية البيان" - إشكالية استحالة نقل المعنى الدلالي للمصطلح القرآني كما هو، فالمصطلح القرآني يحمل الكثير من الدلالات والمعاني غير المتناهية، كما أن القرآن يعد نظما فوق الشعر والنثر يصعب نقل إيقاعه الدلالي في أي ترجمة.
من جانبه أشار الدكتور محمد لغريسي، الأستاذ بالكلية متعدد التخصصات بالراشدية، إلى أن هناك مشكلة معجمية في تراجم القرآن الكريم، تتمثل في صعوبة إلمام المرتجم بالحقل المعجمي للفظ القرآني، نظرا لتشعبه وكثرته.
--------------
المصدر : ملتقى أهل التفسير : http://www.tafsir.net/vb/tafsir26238

 
معاني حروف الجر في القرآن الكريم طباعة إرسال إلى صديق
تقييم المستخدمين: / 51
سيئجيد 
الكاتب شادي مجاي سكر   
الخميس, 09 يونيو 2011 21:09

المقدمة

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..........  وبعد

فهذا بحث في معاني حروف الجر في القرآن الكريم ، وهو متضمن لمعاني حروف الجر في القرآن الكريم  الذي يخرج الحرف من دلالته الأصلية إلى دلالته المجازية  .

واختص هذا البحث في بعض آيات القرآن الكريم التي تحتوى على معاني مختلفة عن معناها الأصلي لزيادة الشواهد القرآنية و توضيح العلاقة بين القرآن الكريم و اللغة العربية و بيان مفهوم التناوب لحروف الجر .

وقد جعلت هذا البحث في بابين :

الباب الأول : حروف الجر و معانيها

الباب الثاني : حروف الجر بين القاعدة و الاستعمال

الباب الأول: حروف الجر و معانيها

وفيه تقسيمات:

أولا : التعريف ، التسميات ، الوظائف الدلالية و النحوية

ثانيا : أقسام الجار و المجرور

ثالثا : معاني حروف الجر

أولا : التعريف ، التسميات ، الوظائف الدلالية و النحوية

-         التعريف

الجر : لغة : هو الجذب و الشد و الاقتياد ، و هي مأخوذة من المادة اللغوية ( جَرَرَ ) [1].

اصطلاحا : نقل أو وصل ما قبل الجار إلى ما بعده ، من فعل أو شبهه ، و بحرف الجر تصل الاسم بالاسم  و الفعل بالاسم  ، و لا يدخل حرف الجر إلا على الأسماء [2] .

-         التسميات :

أطلق النحويون على الجر مسميات متعددة منها ( حرف الخفض ، حرف الجر ، حرف الإضافة ) ، و منهم من رأى أنها أسماء لا غير .

و سماها سيبويه بحروف الجر فقال : هذا باب الجر، و لكنه في غمرة الشرح نراه يطلق عليها حروف الإضافة [3] ، أما ابن السراج فقد سماها حروف الجر[4] ، و أما الزجاجي فقد أطلق عليها مصطلح حروف الخفض [5] ، و سماها الخليل مرة بحروف الخفض و مرة أخرى بحروف الجر[6] .

ومن هنا نرى أن المصطلحات الثلاثة تدور في كتب العلماء النحويين بمصطلح رديف للمصطلح السابق .

و هناك مصطلح آخر يلازم الجر و هو مصطلح الصفات أو حروف الصفات و ذلك لأنها تحدث صفة في الاسم  [7] ، و هو مصطلح غير شائع بالمقارنة مع شيوع المصطلحات الثلاثة ، و يعد مصطلح حرف الجر من أشهر هذه المصطلحات و أشيعها على ألسنتنا ، و قد سميت حروف الجر بأدوات المعاني فمن خلالها نكشف معاني دقيقة في السياق النصي ، و أطلق عليها بعض المحدثين اسم المورفيمات ، لأنها أصغر وحدة لغوية ذات معنى و لا يمكن تقسيمه إلى وحدات لغوية مقارنة بحرف الجر الذي يؤدي وظيفة لغوية و لا يمكن تقسيمه إلى وحدات لغوية متعددة .

وقد اختلف النحاة في عددها ، لكن بعضهم أدخل بعض الحروف و بعضهم لم يدخلها ، فقد زاد بعض النحاة من أمثال سيبويه حرف ( لولا )  و عدها  من حروف الجر لكنه ذكر أنها لا تجر إلا الضمير كما في قولنا : لولاك ، لولا : حرف جر و الكاف ضمير متصل مبني في محل جر اسم مجرور ، و قد ذكر ابن مالك في ألفيته [8] عن حروف الجر ، حيث قال :

هاك حروف الجر ، و هي من إلى                  حتى ، خلا ، حاشا ، عدا ، في ، عن ، على

مذ ، منذ ، رب ، اللام ، كي ، واو ، وتا           و الكاف ، و الباء و لعل ، و متى

-         وظائف حروف الجر :

حروف الجر هي أدوات تستخدم لربط أجزاء الكلام حتى تتضح تفاصيل المعنى لذلك لها قيمة دلالية سياقية نصية تظهر من خلال توظيفها في النصوص فهي تحدد الدلالات السياقية بدقة و تبين معناها و مغزاها في الحديث ، و لحروف الجر وظيفتان دلالية و نحوية .

-         الوظائف الدلالية

1.  إحداث الترابط و التماسك بين عناصر الجملة ، فلا يمكن الاستغناء عنها ، لأنه لو حذفنا حرف الجر يتغير المعنى العام للجملة . 

  1. يضفي على السياق معاني متناهية في التمايز .
  2. الربط بين أجزاء الكلمة كي تتضح تفاصيل المعنى  و مقاصده ، و ليس لها دلالات .

-         الوظائف النحوية :

يؤدي حرف الجر معنى نحويا في الجملة من حيث أن جميع حروف الجر هي حروف مبينة بناء ظاهرا أو مقدرا ، على النحو التالي :

أولا : الحروف المبنية بناءً ظاهرًا ، و تتعدد حروف الجر التي تبنى بناءً ظاهرًا وتتعدد حركاتها الظاهرة كالآتي :

1- حروف مبنية علي السكون الظاهر ، وهي : [ مِنْ – عَنْ – مُذْ – كيْ  ]

ملحوظة : "  مذ  " تأتي في الأكثر اسمًا وظرفًا                       

2- حروف مبنية علي الفتح  ،  وهي : [ رُبَّ -  واو القسم –  تاء القسم –  كاف التشبيه ]  ، و تبنى    ( لام الجر ) على ( الفتح ) في الحالات الآتية                               :   
     -   عند جره ضميراً – غير ياء المتكلم

-         في أسلوب الاستغاثة

-         في أسلوب النداء التعجبي  

3- حرفان مبنيان علي الكسر ، وهما : [ اللام  -  الباء ]
4- حرف يبنى على الضم الظاهر, وهو " منذ ُ " ، و تأتي في الأكثر كاسم وظرف .

 5- تبنى ( مِنْ ) إذا سبقت كلمة تبدأ بساكن علي( الفتح العارض ) .

6- يبنى الحرفان [ عنْ – مُذْ ] إذا سبقا كلمة تبدأ بساكن علي (الكسر العارض ) .
7- يبنى الحرفان ( إلى – على ) إذا جرا " ضميراً " على الفتح الظاهر لانقلاب ألفهما " ياءً " .

ثانيا : الحروف المبنية بناءً مقدرًا ، و تتعدد الحروف التي تبنى بناءً مقدرًا وتتعدد أسباب التقدير  كالتالي :

1 -  حروف مبنية على السكون المقدر للتعذر والثقل ، وهي : ( إلي – علي – خلا – عدا – حاشا / حتى – في ـ متى  )  

2-  مبني على السكون المقدر للتعذر لا محل له من الإعراب .
( ملاحظتان )  :

-         إذا سبقت حروف الجر السابقة كلمة تبدأ بساكن حُذف حرف المد الأخير وتكون حركة البناء مقدرةً عليه .

-          تأتي " متى " كاسم استفهام واسم شرط وظرف , وجر في القليل .

ثانيا :  أقسام الجار والمجرور  : 

يقسم الجار و المجرور من حيث [9] :

1-    الاختصاص ، ثلاثة أقسام هي :

-         ما يختص بالاسم الظاهر و المضمر : ( ربّ ، مذ ، منذ ، حتى ، الكاف ، واو القسم ، تاء القسم ، كي ) .

-         ما يختص بالضمير : ( لولا ) .

-         ما هو مشترك : ( من ، إلى ، عن ، على ، في ، اللام ، الباء ، عدا ، خلا ، حاشا ) .

2-    الأصالة و الزيادة ، ثلاثة أقسام هي :

-    حرف جر أصلي : و هي الحروف التي تؤدي معنى جديدا في الجملة و تصل بين عاملها و الاسم المجرور ، و تتمثل في ما يلي : ( من ، إلى ، عن ، على ، حتى ، مذ ، منذ ، كي ، اللام ، الواو ، التاء ، الكاف )

-    حرف جر زائد : و هي الحروف التي لا متعلق لها و دخولها كخروجها و تعمل على تقوية المعنى في الجملة ، و يكون إعراب الاسم بعدها مجرورا لفظا مرفوعا أو منصوبا محلا ، و تتمثل في ما يلي : ( من ، الباء ، اللام ، الكاف ) .

ثالثا : معاني حروف الجر

لقد أشرنا في مستهل هذا البحث على أنواع حروف الجر وفق أهميتها في السياقات اللغوية ، و تكلمنا عن عددها و اختلاف العلماء في تسميتها ، و سنتحدث هنا عن المعاني الرئيسة التي يؤديها هذا الحرف في سلوكه اللغوي السياقي ، و هذه المعاني تكمن في سياقها الدلالي اللغوي تظهر بمعاني متعددة و هي على النحو التالي  :

  • مِنْ حرف جر يكون زائدا و غير زائد ، إذا كانت زائدة لابد من توفر شرطين فيها [10] :

الأول : أن يكون مجرور بها نكرة

الثاني : أن يسبقها نفي أو استفهام أو نهي

وغير الزائد له أربعة عشر معنى : ابتداء الغاية الغاية المكانية و الزمانية ، التبعيض ، بيان الجنس ، التعليل ، البدل ، المجاوزة بمعنى ( عن ) ، الانتهاء ، الغاية ، الاستعلاء ، الفصل ، بمعنى الباء ، بمعنى في ، بمعنى القسم ، موافقة ( رُب )  .

  • إلى : حرف جر له ثمانية معان [11] : انتهاء الغاية في المكان و الزمان و هو أصل معانيها ، بمعنى ( مع ) ، التبيين ، بمعنى ( اللام ) ، بمعنى ( في ) ، بمعنى ( من ) ، بمعنى ( عند ) ، بمعنى ( من ) ، و قد تكون زائدة [12].
  • عن : لفظ مشترك يكون اسما و حرفا ، و تكون اسما إذا دخل عليها حرف الجر ، و حرف الجر عن له معاني متعددة [13] : المجاوزة ، البدل ، الاستعلاء ، الاستغاثة ، التعليل ، بمعنى ( بعد ) ، بمعنى ( في )
  • على: حرف جر له ثمانية معان [14] : الاستعلاء ، المصاحبة ، المجاوزة ، التعليل ، الظرفية ، بمعنى ( من ) ، بمعنى ( الباء ) ، و قد تكون زائدة للتعويض .
  • في : حرف جر له تسعة معان [15] : الظرفية ، المصاحبة ، التعليل ، المقايسة ، بمعنى ( على ) ، بمعنى       ( الباء ) ، بمعنى(  إلى ) ، و قد تكون زائدة .
  • الكاف: حرف يكون عاملا  غير عامل ، العامل هو حرف الجر و غير العامل هو كاف الخطاب ، و يكون حرف الجر زائد و غير زائد ، فغير الزائد لها معنيان : التشبيه ، التعليل .
  • الباء: حرف مختص بالاسم ، ملازم لعمل الجر ، و هي ضربان : زائدة و غير زائدة ، فأما غير الزائدة فقد ذكر النحويون لها ثلاثة عشر معنى [16]: الإلصاق ، التعدية ، الاستعانة ، التعليل ، المصاحبة ، الظرفية ، البدل ، المجاوزة ، الاستعلاء ، التبعيض ، القسم ، بمعنى ( من ) ، بمعنى ( إلى ) .
  • اللام : حرف كثير المعاني و الأقسام ، و حرف الجراللام له معان كثيرة [17]: الاختصاص ، الاستحقاق ، الملك ، التعليل ، النسب ، التبيين ، القسم ، التعدية ، الصيرورة ، التعجب ، التبليغ ، بمعنى ( إلى ) ، بمعنى     ( في ) ، بمعنى ( عن ) ، بمعنى ( على ) ، بمعنى ( عند ) ، بمعنى ( مع ) ، بمعنى ( بعد ) .
  • رُبّ :حرف جر عند البصريين [18] ، و دليل حرفيتها : مساواتها الحروف في الدلالة على معنى غير مفهوم جنسه بلفظها ، و مما يدل على حرفيتها أنها مبنية ، و اختلف النحويون في معنى ( رب ) و لكنهم أجمعوا على أنها تفيد التقليل و التكثير .
  • الواو :حرف يكون عاملا و غير عامل ، فالعامل يكون قسمان [19]: جار و ناصب ، الجار هو واو القسم ، ولا يجوز ذكر فعل القسم معها ، نحو : قوله تعالى : " و التين و الزيتون " [ التين :1 ]
  • التاء : حرف يكون عاملا و غير عامل ، و أقسامه ثلاثة : تاء القسم ، و تاء التأنيث ، و تاء الخطاب ، و ما سوى ذلك ليس من حروف المعاني كتاء المضارعة ، أما حرف الجر فيها هي تاء القسم و لا تدخل إلا على اسم الله ، نحو : " تاللهِ تـفتـؤ تذكر يوسف " [ يوسف :12]
  • حتى :حرف له عند البصريين ثلاثة أقسام : حرف جر ، حرف عطف ، حرف ابتداء ، و زاد عليه الكوفيون قسما رابعا و هو أن يكون حرف نصب ينصب المضارع ، و تكون حرف جر يفيد انتهاء الغاية و هذا مذهب البصريين أنها جارة بنفسها  .
  • مذ و منذ :ألفاظ مشتركة تكون حرف جر و تكون اسما ، و المشهور أنهما حرفان إذا انجر ما بعدهما و اسمان إذا ارتفع ما بعدهما ، و الصحيح أن ( مذ و منذ ) حرفا جر لا يجران إلا الزمان .
  • كي :  وتكون حرف جر في موضعين هما [20]:

الأول : إذا دخلت على ما الاستفهامية ، نحو : كيْمَهْ ؟ أي لِمَهْ؟ ف ( ما ) الاستفهامية مجرورة  بـ        ( كي ) وحذفت ألفها لدخول جر الجر عليها، والهاء للسكت .

ثانيا : إذا وقعت قبل الفعل المضارع

  • خلا و عدا و حاشا : ألفاظ  مشتركة  تكون حرفا من حروف الجر و فعلا متعديا ، و هي في الحالتين من أدوت الاستثناء ، فإذا كانت حرفا جرت الاسم المستثنى بها ، و إذا كانت فعلا نصب الاسم المستثنى ، و كلا الوجهين – أغنى الجر و النصب – و تتعين فعليتها بعد ( ما ) المصدرية و ذلك لأن ( ما ) المصدرية لا توصل بحرف الجر ، و إنما توصل الفعل [21].
  • لعل :حرف له قسمان :

الأول : أن يكون من أخوات إنّ التي تنصب الاسم و ترفع الخبر ، و هذا مذهب الكثير من النحويين .

الثاني : أن يكون حرف جر في لغة عقيل .

  • متى :المشهور فيها أنها اسم من الظروف ، تكون شرطا و استفهاما ، و قد تكون حرف جر بمعنى ( من ) في لغة هذيل [22].
  • لولا : حرف له قسمان :

الأول : أن يكون حرف امتناع لوجوب .

الثاني : أن يكون حرف جر و الضمير مجرور بها ، كقولك : لولاك ، لولا حرف جر و الكاف ضمير متصل مبني في محل اسم مجرور ، و هذا ما ذهب إليه سيبويه [23].

الباب الثاني

حروف الجر بين القاعدة و الاستعمال

و فيه تقسيمات

أولا : مفهوم التناوب في القرآن الكريم

ثانيا : موقف النحاة من  تناوب حروف الجر

ثالثا : أوجه التناوب في القرآن الكريم

أولا :

       مفهوم التناوب في القرآن الكريم

قبل تحديد ما يشير إليه التناوب من معنى فمن المفيد الإشارة إلى تقسيم الأفعال العربية من حيث اللزوم والتعدي نظرًا لأن التناوب من ضمن هذا المبحث .

المعروف أن الأفعال العربية من حيث لزومها وتعديتها تنقسم إلى قسمين: الفعل اللازم والفعل المتعدي. الفعل اللازم هو " ما يليه فاعل مرفوع فقط، إما على أنه قائم به مثل : حسن زيد – قبح عمرو، وإما على أنه واقع منه مثل :قعد زيد – جلس عمرو " [24]

أو بعبارة أخرى أن الفعل اللازم هو الذي يكتفي بما يليه من الفاعل دون حاجة إلى المفعول به وقد يسمى بالفعل القاصر لاقتصاره على فاعله وعدم تجاوزه إياه للوصول إلى الاسم بعده.

أما الفعل المتعدى فهو " ما يليه فاعل مرفوع ، ومفعول به منصوب أو جار ومجرور " [25]

أو بعبارة أخرى هو الفعل الذي لا يكتفي بمرفوعه ( فاعله ) فقط بل يتعداه ليصل إلى ما بعده من اسم منصوب أو جار ومجرور، وقد يسمى بالفعل المجاوز لتجاوزه فاعله إلى الاسم ما بعده .

ينقسم الفعل المتعدى على هذه المفهوم إلى قسمين : قسم يلي الفاعل المرفوع بعده مفعول به منصوب. مثل : " كتب زيدٌ رسالةً، ظننت زيدًا سافرًا "، وقد يسمى قسم يتعدى بنفسه أو مباشرة . وقسم يلي الفاعل المرفوع بعده جار مجرور، مثل : " مر زيد بالدار، رجع زيد إلى بيته " ، وقد يسمى قسم يتعدى بواسطة حروف الجر، وهو ما يعرف عند النحاة بالفعل المتعدى بحروف الجر ، وهذا الأخير هو الذي سيدور الحديث حوله .

اختلف النحاة في شأن الفعل المتعدى بحرف الجر فبعضهم جعله قسمًا ثانيًا للأفعال المتعدية كما تقدم ذكره، وبعضهم ضمه إلى الأفعال اللازمة. وقد ذهب د. شوقي ضيف إلى أن الرأي الأول هو الأرجح وقال: "لأن الفعل مع الجار والمجرور يقع على المجرور كما يقع على المفعول به، فإذا قلت           مثلا : " لفظ زيد بالكلام – لفظ زيد الكلام , كان اللفظ – أي النطق- في الجملتين واقعا على الكلام .  فمن التحكم أن نسمى الفعل في الجملة الأول لازمًا وفي الثانية متعديًا، والفعلان متساويان في المعنى ، وهو ما جعلني أضم الفعل مع الجار والمجرور إلى الفعل المتعدى ويؤكد ذلك أنه يجوز العطف على الجار والمجرور مع الفعل بالنصب مثل: مررت بزيد وعمرًا, ورغبت فيه و جعفرًا . [26]

وقد ذهب إلى ما يخالف هذا الرأي بعضهم الآخر منهم أحمد عبد الستار الجواري حيث يرى أن الفعل المتعدي بحرف الجر قسم من أقسام الأفعال اللازمة لأنه يتسم بضعف معنى الحدث والزمن فيقل تصرفه في الأزمنة المختلفة وبذلك يضعف تمكنه من الفعلية والحدوث، فلا يتعدى إلا بواسطة . [27]

ويؤكد هذا الرأي د. إبراهيم السامرائي حيث يرى " أن الفعل أصله قاصر لازم ثم يصار من هذا الحالة إلى المتعدى ". [28]

على الرغم من أن بين الرأيين شيئا من التناقض إلا أنهما يشتركان في أن الفعل المتعدى بحرف الجر كان أصله لازمًا ثم يتجاوز فاعله ويتعدى إلى المفعول به بواسطة حرف الجر. فالدكتور شوقي ضيف ضمه مع الأفعال المتعدية لأنه جاء بمثال يجوز فيه تعدية الفعل اللازم بنفسه و بحرف على السواء ، بالإضافة إلى أنه سمى الفعل عند تعديته بالحرف لازماً مما يؤكد أن الأصل فيه هو اللزوم .         فلذلك يمكن تحديد ما يقصد بالفعل المتعدى بحرف الجر بالقول إنه فعل لازم يتعدى فاعله إلى مفعول به بواسطة حرف من حروف الجر لأنه لا يتمكن من إيصال معناه إلى الاسم بعد فاعله بنفسه .

وتناوب حروف الجر كما سبق ذكره من موضوعات تعدية الأفعال اللازمة بحروف الجر .         ويشير التناوب إلى نيابة حرف جر عن آخر أو بدل حرف جر من آخر أو استعمال الحروف بعضها مكان بعض. ومن ذلك – على سبيل المثال - نيابة حرف " اللام " عن حرف " إلى " في قوله تعالي : ( والشمس تجرى لمستقر لها ) [يس : 38] وقوله : ( وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل          مسمى )  . [ الرعد : 2]

وقولك : ( الحمد لله الذي هدانا لهذا ) . فحرف اللام المتعدى به الأفعال هنا لا تأتي في مكانها كما لا تؤدى معناها الحقيقي وإنما تنوب عن حرف " إلى " وتؤدي معناها فتعني تلك التعدية : " تجري إلى مستقر لها "، و" يجري إلى أجل مسمى "، و " هدانا إلى هذا " .

ولم يكن هنالك مصطلح محدد يمكن الاعتماد عليه في الإشارة إلى هذه الظاهرة النحوية في اللغة العربية ، فمن العلماء من يسمونها بالتناوب ومنهم من يسمونها بالتعاقب والإنابة .[29]

إلا أن الباحث يميل إلى تسميتها بالتناوب إذ إن من هذه الظاهرة نوعا من التفاعل بين الحروف كما يتضح من قوله تعالى : ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ) [ الشورى : 25] وقوله : ( فتحسسوا من يوسف ) . [ يوسف : 87]

إن حرف " عن " في الآية الأولي تنوب عن حرف " من " ( أي يقبل التوبة من عباده ) في حين تنوب حرف "من" في الآية الأخيرة عن حرف " عن " ( أي فتحسسوا عن يوسف ) ليتضح من ذلك تناوب بين حرفي " من " و" عن " إحداهما عن الأخرى .

ثانيا :

         موقف النحاة من  تناوب حروف الجر

يعد التناوب من موضوعات الاختلاف بين النحاة إذ إنه أثار جدلا لانهائيا بينهم فيما إذا كان قياسيا أم سماعيا. وقد تخلص هذا الاختلاف في مذهبين :

1. مذهب البصريين

يزعم البصريون أن التناوب ليس قياسيا لأن أحرف الجر لا تنوب بعضها عن بعض بقياس ، وأنه ليس لحرف الجر إلا معنى واحد حقيقي يؤديه على سبيل الحقيقة لا المجاز. فالحرف " في " تؤدي معنى واحدا حقيقيا هو " الظرفية "، والحرف " على " تؤدي معنى واحدا حقيقيا هو " الاستعلاء "، والحرف " من " لا تؤدي حقيقيا إلا معنى          " الابتداء " كما لا تؤدي الحرف " إلى " معنى حقيقيا إلا معنى " الانتهاء "، وهكذا .  فإن أدى الحرف معنى آخر غير معناه الحقيقي الخاص به وجب القول بأن تأديته هذا المعنى الجديد تأدية مجازية لا حقيقية. مثال ذلك قولنا " غرد الطائر في الغصن " ، فالحرف " في " كما هو معروف لا تؤدي حقيقيا إلا معنى " الظرفية " ولكن هذا المعنى عاجز عن تفسير ما أدته في هذه العبارة ، لأن الطائر المغرد ليس في داخل الغصن أو بين جوانبه كما يوحيه معنى الظرفية وإنما الطائر على الغصن وفوقه. فالحرف "في" هنا قد أدت غير معناه الأصلي وهو معنى " الفوقية " أو " الاستعلائية " وهو المعنى الذي تختص به الحرف " على " ، لذلك تعد تأديتها هذا المعنى تأدية مجازية . [30]

2. مذهب الكوفيين

على عكس ما ذهب إليه البصريون يزعم الكوفيون أن التناوب قياسي بحجة أن الحرف بصفته كلمة كسائر الكلمات الاسمية والفعلية يؤدي عدة معان حقيقية لغوية كانت أم عرفية، ومن ثم قصر حرف الجر على معنى حقيقي واحد وإخراجه مما يدخل فيه غيره من المعنى تعسف غير داع . [31]

هم يرون أن تأدية الحرف معنى غيره ليست مجازية لأن التأدية إذا شاعت دلالاتها واشتهر استخدامها لدرجة يفهمها السامع بغير غموض فهي حقيقية، فالمجاز لا مكان له إلا إذا لم يبتدر المعنى إلى ذهن السامع .

وهذا المذهب الأخير هو الذي يكتفي به كثير من المحققين لأنه عمل سهل بغير إساءة لغوية وبعيد عن الالتجاء إلى المجاز والتأويل ونحوهما، وهو فوق كل ذلك يتمشى مع الظواهر اللغوية العربية مثل ظاهرة تأدية الحرف الواحد معاني مختلفة كلها حقيقية         ( لغوية أم عرفية ) وظاهرة اشتراك عدد من الحروف في تأدية معنى واحد أو ما يعرف بالمشترك اللفظي .

ثالثا :

        أوجه التناوب في القرآن الكريم

لا تشير حروف الجر إلى معانيها الأصلية فقط كما تقدم ذكره وإنما تشير أيضا عند سياقات معينة إلى معاني حروف أخرى و تنوب عنها ، وتعرض السطور التالية هذه الظاهرة مع الاستدلال بالآيات القرآنية :

  • مِنْ ، و تنوب عن المعاني التالية :

-  ابتداء الغاية المكانية و الزمانية ، نحو : قوله تعالى : "من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى"       [ الإسراء : 1]

-  التبعيض ، نحو : قوله تعالى : " منهم من كلم الله" [ البقرة : 253 ]

-  بيان الجنس ، نحو : قوله تعالى : " واجتنبوا الرّجس من الأوثان"  [ الحج : 30 ]

-  التعليل ، نحو : قوله تعالى : " و يجعلون أصابعهم في آذانهم من   الصواعق " [ البقرة : 16 ]

-  البدل ، نحو: قوله تعالى : " أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة " [التوبة : 38]

-  زائدة ، ويشترط فيها عدة شروط :

نحو : قوله تعالى : " ما جاءنا من بشير"  [ المائدة : 19]

-  الفصل ، نحو : " حتى يميز الخبيث من الطيب " [ آل عمران : 179]

  • إلى ، و تنوب عن المعاني التالية :

-  ابتداء الغاية المكانية و الزمانية ، نحو : قوله تعالى : " ثم أتموا الصيام إلى الليل " ،  [ البقرة : 19 ]

-  معنى ( عند )، نحو : قوله تعالى : " قال رب السجن أحب إلي ممّا يدعونني إليه " ، [ يوسف : 33 ]

  • عن ، و تنوب عن المعاني التالية :

-  بمعنى بعد ، نحو : قوله تعالى : " لتركبن طبقا عن طبق " [ الانشقاق : 19 ]

-  البدل ، نحو : قوله تعالى : " واتقوا يوماً لا تجزي نفسٌ عن نفس  شيئاً " [ البقرة : 48 ]

-  بمعنى على ، نحو : قوله تعالى : " إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي " [ ص : 32 ]

-  بمعنى من ، نحو : قوله تعالى : " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده  " [ الشورى : 25 ]

  • على ، و تنوب عن المعاني التالية :

-  الاستعلاء ، نحو : قوله تعالى : " الرحمن على العرش استوى"  [ طه : 5 ]

-  المصاحبة بمعنى مع ، نحو : " و آتى المال على حبه " [ البقرة : 176 ]

-  بمعنى في ، نحو : قوله تعالى : " ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها " [ القصص : 15 ]

  • في ، و تنوب عن المعاني التالية :

-  الظرفية ، نحو : قوله تعالى : "غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين" [ الروم : 1-4 ]

-  السببية ، نحو : قوله تعالى : " يمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم"[ النور : 14 ]

-  المصاحبة ، نحو : قوله تعالى : " قال أدخلوا في أمم قد خلت من قبلكم"

-  بمعنى إلى ، نحو : قوله تعالى : " فردوا أيديهم في أفواههم " [ إبراهيم : 9 ]

-  بمعنى الباء ، نحو : قوله تعالى : " ولكم في القصاص حياة" [ البقرة : 179 ]

-  المقايسة ، نحو : قوله تعالى : " فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليلٌ "  [ التوبة : 38 ]

  • الباء ، و تنوب عن المعاني التالية :

-  الاستعانة ، نحو : قوله تعالى : " بسم الله الرحمن الرحيم " ،  [ الفاتحة : 1]

-  التعدية ، نحو : قوله تعالى : " ذهب الله بنورهم" ،  [ البقرة : 17 ]

-  العوض والمقابلة ، نحو : قولة تعالى : " وبدلناهم بجنتيهم جنتين " ،  [ سبأ : 16]

-  التبعيض ، نحو : قوله تعالى : " يشرب بها عباد الله " [ الإنسان : 6 ]

-  الظرفية بمعنى في ، نحو : قوله تعالى : " لقد نصركم الله ببدر" ، [ آل عمران : 123 ]

-  المقابلة ، نحو : قوله تعالى : " ادخلوا الجنة بما كنتم تعلمون " [ النحل : 32 ]

-  زائدة ، تفيد التوكيد ، نحو : قوله تعالى : " كفى بالله شهيدا " [ الرعد : 43 ]

-  الغاية ، نحو : قوله تعالى : " و قد أحسن بي " ، [ يوسف : 100]

-  بمعنى عن ، نحو: قوله تعالى : " سأل سائل بعذاب واقع " ، [ المعارج : 1 ]

-  بمعنى من، نحو: قوله تعالى :  عيناً يشّرب بها عباد الله" ،  [ الإنسان : 6 ]

  • اللام ، و تنوب فيه عن المعاني التالية :

-  الملكية ، نحو: قوله تعالى : " لله ما في السموات والأرض" [ لقمان : 26 ]

أي كل شئ في السماء والارض هو ملك لله وحده خالق كل شئ

-  الاختصاص ، نحو : قوله تعالى : " فان كان له إخوة " [ النساء : 11 ]

-  التعليل ، نحو : قوله تعالى :  "وإنه لحب الخير لشديد" [ العاديات : 8 ]

-  بمعنى على ، نحو : قوله تعالى : " يخرُّون للأذقان سجدا " [ الإسراء : 78 ]

  • الكاف ، و تنوب فيه عن المعاني التالية :

-  التشبيه ، نحو : قوله تعالى : " و حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون "  [ الواقعة : 22 – 23 ]

-  التعليل ، نحو: قوله تعالى : " واذكروه كما هداكم " ، [ البقرة : 198 ]

-  زائدة للتوكيد ، نحو: قوله تعالى : " ليس كمثله شيء " [ الشورى : 11 ]

الخاتمة :

يتضح مما سبق بيانه أن تناوب الحروف قد يكون في غاية التعقيد خاصة إذا كان معنى الحرف الطالع ومعنى نظيره الكامن غير متقاربين ومن ثم تنبع من ذلك صعوبة الفهم لمن لا يدرك ما وراء تبادل الحرفين من تناوب المعنى ، فإذا افترضنا أن تناوب الحروف الواردة في الآيات السابقة لا تمثل كل أوجه هذه الظاهرة اللغوية في القرآن الكريم ، لكن السؤال المطروح هو : كيف نكتشف هذه الظاهرة عينها الواردة في الآيات الكريمة ؟      و من الإجابة عن هذا التساؤل لابد من الإشارة إلى بعض السمات التي يتصف بها التناوب أثناء اكتشاف هذه الظاهرة اللغوية في القرآن الكريم و عدم الاقتصار على ذكر شواهد قرآنية من دون بيان الآلية التي تم اكتشاف التناوب في الآية .

------------------

الحواشي :

[1] - ابن منظور ، لسان العرب

[2] - أحمد فليح ، حروف الجر و معانيها ، ص 15 - 16

[3] - سيبويه ، الكتاب

[4] - ابن السراج ، الأصول ، 1/ 408

[5] - الزجاجي ،  شرح جمل الزجاجي ، ص 60

[6] - الفراهيدي ، الجمل في النحو ، 172

[7] - أحمد فليح ، حروف الجر و معانيها ، ص 21

[8] - ابن هشام  ، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك

[9] - عاطف فضل ، النحو الوظيفي ، ص 186 - 187

[10]- حسن بن قاسم المرادي ، الجنى الداني في حروف المعاني ، ص 314

[11] - المصدر السابق ، ص 373

[12] - معاني القرآن ، 2/ 78 .

[13] - حسن بن قاسم المرادي ، الجنى الداني في حروف المعاني ، ص 260

[14] - المصدر السابق ، ص 441

[15] - المصدر السابق ، ص 266

[16] - المرجع السابق ، ص 102

[17] - المرجع السابق ، ص 143

[18]-  إبراهيم السامرائي ، المسائل و الأجوبة ، ص 137

[19] - حسن بن قاسم المرادي ، الجنى الداني في حروف المعاني ، ص 185

[20] - المصدر السابق ، ص 276

[21] - المصدر السابق ، ص 414 – 433 - 510

[22] - الصاحبي ، 175

[23] - الكتاب ، 1 / 388

[24] - شوقي ضيف ، تيسيرات لغوية، دار المعارف، ص : 11

[25] - المرجع السابق، ص :11

[26] - المرجع السابق، ص : 11

[27] - أحمد عبد الستار ، نحو الفعل ، ص : 72. انظر أيضا : عبد الوهاب الصابوني ، اللباب في النحو ، ص : 183

[28] - إبراهيم السامرائي ، الفعل زمانه وأبنيته ، ص : 84

[29] - هادي الهلالي، نظرية الحروف والعاملة ومبناها وطبيعة استعمالها القرآني بلاغيا

[30] - عباس حسن ، النحو الوافي ، ج-2، ص: 537-538

[31] - المرجع السابق ، ص: 54

------------------

المصادر و المراجع :

1- القرآن الكريم .

2- ابن منظور ، لسان العرب ، بيروت ، 1955 م .

3- ابن السراج ، الأصول في النحو ، تحقيق : محمود محمد الطناحي ، مكتبة الخانجي –

القاهرة ، 1986 م .

4- ابن هشام· الأنصاري ، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك ، تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد ، الطبعة الخامسة ، بيروت ، 1996 م .

5- ابن السيد البطليوسي ، كتاب المسائل و الأجوبة ، تحقيق : إبراهيم السامرائي ، بغداد 1964 م

6- ابن فارس القز ويني ، الصاحبي في فقه اللغة و سنن العرب في كلامها ، تحقيق : مصطفى الشويمي ، مؤسسة بدران – بيروت ، 1963 م .·

7- أحمد فليح ، حروف الجر و معانيها : دراسات نحوية ، المركز القومي – عمان ،···· 2001 م

8- أحمد عبد الستار ، نحو الفعل ، المجمع العلمي العراقي - بغداد ، 1976م .

9- إبراهيم السامرائي ، الفعل زمانه وأبنيته ، الطبعة الثالثة ، مؤسسة الرسالة - بيروت ، 1983 م

10- حسن بن قاسم المرادي ، الجنى الداني في حروف المعاني ، تدقيق طه محسن ، مؤسسة دار الكتب ، جامعة الموصل ، 1976 م .

11- الزجاجي ،· شرح جمل الزجاجي ، تحقيق : الشيخ ابن أبي شنب ، الجزائر ،· ·1926 م

12- سيبويه ، الكتاب ، تحقيق :عبد السلام هارون ،عالم الكتب - بيروت 1966م .

13- شوقي ضيف ، تيسيرات لغوية ، دار المعارف – القاهرة .

14- عباس حسن ، النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة و الحياة اللغوية المتجددة ، الجزء الثاني ، الطبعة الرابعة ، دار المعارف – القاهرة ، 1961- 1966 م

15- عبد الوهاب الصابوني ، اللباب في النحو ، دار المشرق العربي ،

16- الفراء ، معاني القرآن ، تحقيق : أحمد يوسف نجاتي و غيره ، مطبعة دار الكتب المصرية ، 1955 م .

17- عاطف فضل ، النحو الوظيفي ،

18- الفراهيدي ، الجمل في النحو ، تحقيق : فخر الدين فباوة ، مؤسسة الرسالة – بيروت ، 1985 م .

19- هادي الهلالي ، نظرية الحروف والعاملة ومبناها وطبيعة استعمالها القرآني بلاغيا ، الطبعة الأولى ، عالم الكتاب ، 1986م .

 
الألسُنيّات لإحياء الكَفاءة في فهمٍ الإسلام والحَياة: كيف يَرتقي المسلمون من طَور الجُمود إلى طَور الحَركة طباعة إرسال إلى صديق
تقييم المستخدمين: / 7
سيئجيد 
الأربعاء, 08 يونيو 2011 19:20

مِن "الجُمود" إلى "الحركة" و من أجل إعلان" باب الاجتهاد غير مغلق" وابتغاء "نظام عالمي عادل". ذلك ما أكّد عليه علماء الإسلام المجتمعين في صائفة 2009 بجامعة كشمير الهنديّة مُنوّهين بمَوقف كل من  الإمام الغزالي و "شاعر الشرق" محمّد إقبال من "عقيدة الحركة"، مؤكدين أنّ "الحياة لا تتحمّل أن تكون جامدة وأنّ الحركة إنما هي طبيعية" (1) الكلمة كلمةُ حقّ ولكن هل هي كافية لتروي عطش مليارٍ ونصف من  صائمي الحضارة وَ لِتُغنيهم من جوع؟

ما من شك في أنّ "عقيدة الحركة" وسيلة فعّالة لاستنهاض هِمم الأمّة وحَثها على النهوض بنفسها، إلاّ أنّ هنالك إشكالية منهجية يُحدِثها مثل ذلك القول الذي حظي بإجماع مؤتمِرِي جامعة كشمير. إنّ مثل ذلك القول يبقى ناجما عن عقلية "علم الكلام" والتفسير التقليدي للقرآن الكريم. ولئن وضع العلماء المُجتمعون بجامعة كشمير، مَشكورين، الإصبع على واحد من أبرز الروافد اللازمة لارتقاء المسلمين، فالخشية من تواصل "الجمود" الذي أعربوا عن استنفراهم إزاءهُ لا تزال واردة وذلك لسبب بسيط : "ليس الإيمان بالتمنّي بل ما وقّر في القلب وصدّقه العمل" كما يقول الأثر(2). فمَن الذي سيعمل بمبدأ "الحركة" إن كان العلم لم يتمّ بعدُ إدراجُه في صدارة ترتيب أدوات الاجتهاد؟ وهل يتمتّع بعدُ المُجتهد الذي سيضع مفهوم "الحركة" نُصب عينيه بمناخ فكري يولِي عناية مركزية للكفاءة في فهم القرآن خصوصا، وفي فهم الإسلام عموما، ناهيك أنّ مقولة "فهم مُعاصر للإسلام" أضحت واحدة من الشمّاعات التي يبرّر بها العقل العربي والإسلامي فشلَه ويتمادى بواسطتها في الاستبداد الفكري، وذلك بمُحاولاته اليائسة لِلإسقاطِ،على عَقلِ الأُمّة قاطبة، "فَهما" ورُبّما "أفْهاما" لا تزيدُ وُجودَ الأمّة سوى التعقيد تِلْوَ التعقيد؟

إنّ "الحركة" عِلمٌ ولن يَسمح بالخوض فيها وفي أسبابها وظواهرها وفوائدها وطُرق تناوُلها إلاّ العلم.فهل سنبقى قابعين في سدّة "علم الكلام" أم سنعمل بـ"كلام العلم" (3)؟ ولأننا نعتقد أنّ القرآن قد انتهى تفسيرُه بتلك الطرق القديمة، فإننا نقترح استخراج معانٍ خَفيّة من بين معانيه، التي لا تنفذ، بطريقة العلم وبالاستئناس بالتفاسير المُتداوَلة. وفي هذا السياق نَميل إلى الاعتماد على اثنين من العلوم لِما بينهما من شراكة في تبيين أهمية "الحركة" في الحياة المعاصرة وكذلك لِما يشتمل عليه كلاهُما من أدوات ذات صلاحية لاستيعابِ معاني القرآن الكريم في هذا الزمان وفي كل مكان. والعِلمان الاثنان هما أوّلا نظرية "الفوضى" (البنّاءة) لإيليا بريغوجين وأسلافِه وأتباعِه، وثانيا ومن باب أولى وأحرى نظرية "النّحو التوليدي والتحويلي" في علم الألسنيات.

لكن توازيا مع النظَريَّتين العِلميتين، لابُدّ لنا أن نتدبّر القرآن وكذلك الواقع المعيش لكي نقدرَ على إماطة اللثام على ما قد يُفيدنا من ظواهر وخصوصيات "الحركة". ونحن نفترض أن لن تكون الإفادة حقّا مُفيدة في المرحلة الراهنة من النضال الفِكري للمسلمين إذا لم تكُن نتائجُ أيّة دراسة من النوع الذي نَحن بصدد إنجازه مُوظَّفة  خير توظيف في أُنموذجٍ ما أو مثالٍ ما يتّسمُ بإدماج المعرفة من صنف "ما قبل العلم": القرآن الكريم، مع المعرفة من صنف العلم: نظرية "الفوضى البنّاءة" ونظرية "التوليد والتحويل".فإلى أيّ واقع سنتحوّل؟

من النظام تتولّد الفوضَى ومن الفوضَى يتولّد النظام؛ ذلك ما أكدَته نظريات إيليا بريغوجين استنادا إلى ثورة الديناميكا الحرارية في الفيزياء. وبناء عليه، أعتقد أنّه بالإمكان أن نُضفِي على هذا الكلام معنى ينفعُ المؤمنين، قارئي القرآن الكريم ومُريدي تأصيل إيمانهم في واقع حياتهم. أعتقد إجمالا أنّه بالإمكان أن نستخرج من القرآن الكريم (النظام) عناصر متفرقة لم يتمّ تسليط الضوء عليها بعدُ (فوضى بنّاءة) ثمّ نُدمجها في كيان أو بناء أو هيكل أو بنيان أو تركيبة (نظام) يسمح بها العلمُ المستخدَم كوسيلة لهذا الغرض.

وإذا اعتبرنا أنّ"التوليد والتحويل" حركة في حدّ ذاته، نقْدرُ إلحاق هذا المبدأ التشُومسكيّ(4) المستند إلى نظريات كبار الفطريين السابقين في الفلسفة والعلوم الدماغية وخاصة منهم روني ديكارت وبرتران روسل .فالألسنيات هي العلم الذي نقترحه وسيلة للغرض المذكور(5).فماذا يقول تشُومسكي عن "الحركة" سارِدًا برتران رُوسل؟ إنّه يقول إنّ "مِن الدماغ الإنساني تتولّد قواعد النحو والممارسة اللغوية من دون تعلّم سابق"؛ ذلك ما يُصرّ عليه العلاّمة وأنصاره من مدرسة الفطريين والولاديين(6).ويشتمل منظور تشومسكي الفلسفي واللغوي على  صفات عديدة تدْخُل في الحِسبان لمّا يكون الإنسان بصدد ممارسة التكلّم. ومن هذه الصفات نذكر اثنَتين فحسب بناءا على مركزِيتِهما في دراستنا هذه، وهما: أوّلا، أنّ الممارسة الكلامية "عملية" ونسق وسيرورة ومسار، وليست تقليدا أو عادة أو اكتسابا. و ثانيا، أنّ الوسيلة الطبيعية والفطرية التي يستخدمها الدماغ أثناء إجرائه لـ"عملية" التكلّم هي الـ"استقراء" (بالانكليزية "إِندَكْشِنْ" على عكس "دِدَكْشِنْ" وهو الـ"استخراج" أو "الاستنباط").

فحين يغُوص الباحث في الواقع المَعيش بالتوازي مع الواقع اللغوي من جهة، وفي القرآن الكريم بالتوازي مع نظام اللغة من الجهة الثانية، ابتغاءَ إبراز التشابه بين تركيبة (من تركيبات) الإسلام الخفية بين سطور كلام الله العظيم وبين تركيبة اللغة، وهو تشابه بيّنّا بعض أوجُهه في مقالات سابقة (7)، سوف يميلُ إلى افتراض أنّ الشريعة السمحاء هي "نحوُ الإسلام" ثمّ يلتزم بإثبات أنّها قد تكون هي الأخرى، مثل "النحو" في نظرية تشومسكي، حاملة لِصِفة "التوليد والتحويل"، ما يحفِزُه على محاولة بيانِ أنّ، زيادة على أنّ الخير والشر مُتأصّل في نفس البشر( وهذا معروف لدى المُسلم)، فإنّ الجزاء والعقاب قد يكونا هما الآخران مُسجّلان في جينات الإنسان وأصلُهما ثابت في عقل الإنسان وفي نفسِه، تماما مثلما ثبت تجذّرُ أصول قواعد اللغة فيه. وفي هاته الحالة، وباعتبار أنّ الشريعة الإسلامية هي الوَجه الظاهر للجزاء والعقاب، فالباحث مُطالَب بِبَيانِ ما إذا كان الأجدرُ بالمُسلم أن "يستقرأ" قوانيها من داخل عقله و نفسه،مثلما "يستقرأ" طالبُ اللغة قواعد النحو منهما، عوضا عن الاكتفاء بـ "استخراجها" من كتاب الله العزيز مُوصِدا السُّبل الطبيعية والخَلْقية المُؤدّية  إلى أغوار العقل (بما فيه العقل المُتدَين) والنفس (بما فيها النفس المُتديّنة)، أعني أغوار ما ألِفنا تسميَتَه بالمُمارسة الدينية.

من خلال المشهد الأوّل للمُقارنة (بخصوص صفة "الحركة" في اللغة) وعلى سبيل الحَوصلة لِما تقدّمنا به، نستنتج أنّ اللغة مُمارسة، ونُضيف أنّ هذه الممارسة هي التي تَصنع النحو وليس العكس، حسب التقويم التشمسكيّ.وطالما أنّ ذلك كذلك فإنّ التوجّه الذي يُميّز عملية التكلّم سوف يكون كالآتي: أصول قواعد اللغة ثابتة في الدماغ، ومنها تنطلق مُمارسة التكلّم، ومنها يتمّ تكوّن قواعد النحو بعملية الـ"استقراء" . مع العِلم أنّ المُمارس، في المُعادلة التشمسكيّة، لا يجب  أن يَغُرّه وجود كُتب النحو في المكتبات.فذلك لا يجبُ أن يعني أنّ النحو المُبُوّب بصفة أكاديمية مقدّمة لمُمارسة اللغات.

أمّا المشهد التّالي للمُقارنة (وهو يخصّ التديّن) فسيقدّم لنا الإيمان بمثابة الممارسة ("ليس الإيمان بالتمنّي بل ما وقر في القلب وصدّقه العمل")، وكَون أصول المَيل إلى الإيمان ثابتة في التكوين البيولوجي للإنسان(8)، وكَون الشريعة الإسلامية تفوق وتتجاوز وتتعالى عن المُمارسة. والذي يتبقّى عندئذ من المُعادلة هو: ما هي علاقة الممارسة الدينية بالشريعة؟ ألا يمكن أن تكون مُماثلة لعلاقة الممارسة اللغوية بالنحو؟ وإن كان الأمر كذلك، ماذا يجب أن يتغيّر(يتولّد ويتحَوّل) في منظومة التدَيّن؟

بادئ ذي بَدْء، ماذا يقول القرآن عن التوليد والتحويل في خَلق الحياة؟

التوليد والتحويل من سُنن الله في الخلق. فهو تعالى "الذي يُحيي ويُميت" و"يخرج الحيّ من المَيّت"(الروم 30 : 19) و"مُخرج المَيّت من الحيّ (الأنعام 6 : 95) والذي "أحياكم ثم يُميتكُم ثم يُحييكُم"(البقرة 2 : 22).وهو سبحانه الذي ولّد الحياة من الماء: "جَعَل من الماء كلَّ شيءٍ حيّ"(الأنبياء 21 : 30)، والذي  يحوّل نهارنا إلى ليلنا من دون أن يفاجئ سبحانه فطرتَنا بهذا التحويل: "يولجُ الليلَ في النهارِ ويولج النهار في الليلِ"(لقمان 31 : 29)، والذي سخّر لنا تحويل المادّة إلى طاقة: "الذي جَعل لكُم من الشجَرِ الأخضرِ نارًا فإذا أنتُم منه تُوقِدُون"(ياسين 36 : 80)

وماذا يقول القرآن عن التوليد والتحويل بإزاء الإيمان ؟

فلا عَجب إذَن إن اعتبرنا التوليد والتحويل من سُنن الله أيضا في تعويد المسلم على التعامل السليم مع قوانين الشريعة السمحاء وذلك من خلال الممارسة اليومية لمناسك الدين الحنيف والعملِ من أجلِ تثبيت الإيمان. والله عزّ وعلا وعَدَ خَلْقَه بأن يساعدهم على اكتشاف السنن والسبُل الدالة على انّه حقّ :"سنُريهم آياتِنا في الآفاق وفي أنفُسهم – الآية" (فُصّلت 41 : 53). وهو الذي يحثُّ الإنسان عُموما على إعمال العقل ويدُلّه على مَكمَنِ "التفكّر"، ألا وَهوَ داخل النفس : "أوَلَمْ يَتفَكَّرُوا في أَنفُسِهِم ما خَلَقَ اللهُ السّماواتِ والأرضَ إلاَّ بالحَقِّ- الآية." (الروم 30 : 8).كما أنّ سبحانه هو الذي يبدّل السماء من لَون إلى لَون، والتوقيتَ من الليل إلى النهار لِيجعَله مُلائما للإنسان المسلم في حياته ونُسُكه مثل فريضة الصيام وما تَبِعها من سحور وغيره:" وكُلوا واشربوا حتى يَتبَينَ لكُم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ مِن الفَجر"(البقرة 2 : 187). كما أنّه سبحانه يُطَمئِننا بتأكيده على تداول الفرح والترح وتداول الخلاص والعراقيل بحُكمِه جلّ جلالُه: "فإنّ مع العُسر يُسرا"(الشرح 94 : 5) و كذلك بوَعده أن "سيَجعلُ اللهُ بعدَ عُسرٍ يُسرا"(الطلاق 65 : 7). وحتّى الصلاة، فبالإضافة إلى كَوْنِ الخالق يُقدّمها دَوما في صدارة المناسك (عِماد الدّين)، فهوَ يُوَفّر لنا فُرصة رُؤيتها، هي وما يُرافقها من واجبِ فِعل الخَير، في صدارة تمشٍّ مُنقذ من الضلال، له صفات "التحرّك" المُمَيِّزة لكلّ  سيرورة  أو مَسارٍ. وهذا التمشّي الإلهي  نَلمسُه من كلام لُقمان إلى ابنه، إذْ جاء في مُحكَم التنزيل:"يا بُنيّ أقِمِ الصلاة وأمُر بالمعروف وانْهَ عن المُنكر واصْبِر على ما أَصابَك إنّ ذلك من عَزمِ الأُمور"(لقمان 31 : 17)

وما قولُ الحياة  في التوليد والتحويل من منظور التجربة الوجودية لِخَلق الله؟

ماذا عن الممارسة اليومية لمبدأ التوليد والتحويل حتى في صورة افتراض عدم توفّر كتابٍ عظيم اسمُه القرآن لدى الإنسان؟ ألَمْ يتعامل المرء، بدون اعتبار "الشرعة و المنهاج" (وَردت الكلِمتان في سورة المائدة 5 : 48) التي سينزلها له الله، بمبدأ التوليد والتحويل بصفة فطرية وولادية؟

فلمّا يتوجه رجلٌ مهَدَّد، مثلا، في مُمتلكاته إلى رجل يُهدّده بسرقتها منه، قائلا له :"إن تأخذ كذا مني فسوف أقطع يدك"،  لا يقولها فقط مَن تَربَّى على حدّ قطع يد السارق في الإسلام وما جاء معه  من حُدود أخرى في الشريعة الإسلامية السمحاء، بل يقولها أيضا كلّ من ينفعل بالفطرة ضدّ عمل الشرّ فيسنّها كأقصى عقوبة لفائدته ولِرَدع أو عقابِ من هَدّده أو من اعتدى عليه. يقولها زوجٌ غاضب تشنّجت أعصابُه على إثرِ سلوكِ امرئ يُعاكسُ زوجتَه ويُراودها عن نفسها أو رُبّما زنى معها، فيقرّرُ قائلا:"بسبب  فظاعة  صنيعك سأُرسلُ إليكَ من سيُؤدّبك فينهالُ عليك ضرْبا حتّى الموت إن لزم الأمر"، لا يتفوّه بمثل ذلك الكلام فقط من تربّى على معرفة أنّ عقاب الزاني في القرآن هو الجَلد، بل يتفوّه به القاصي والدّاني من خلق الله ممّن غلَبَهم الغيظ فانساقوا إلى أساليب، عنيفة لا محالة، ولكنّها طبيعية وفطرية.

أعتقد أنّ من الطبيعي أن تسمع كلاما مثل كلام  الرجُلَين على لسان الهنديّ والصينيّ والهندوسيّ والكنفوشيوسي والزردُشتي وغيرهم. من المُتأَكّد أنّ وصايا الثأر والانتقام وغيرها مثل تلك الصادرة عن الرجُلَين، على غرار وصايا  فِعل الخير والصدقة ومساعدة ضِعاف الحال، والحِفاظ على علاقات صلة الرحم و القرابة وعلاقات حُسن الجِوار وغيرها، كان مَعمولا بها في الشرائع البشرية القديمة، قبل مجيء التوراة ثم الإنجيل ثم آخر الكتُب، القرآن العظيم، ما يُبَرهنُ على أنّ الإنسان مجبولٌ على سِماتِ التنكيل بنظيره الإنسان لَو مسّ عرضَه أو شرفَه بسُوء مثلما هو مجبُولُ، في المُقابل، على سِمات نُكران الذات والتواضع والاعتراف بالجميل.

وماذا يقول القرآن في التوليد والتحويل من خلال التجربة الوجودية للإنسان، مخلوق الله؟

أعتقد أنّ الإنسان لَو جرّد نفسه تماما، من باب التجربة المخبَريّة، من ثقافة الدين ومن "الشرعة والمنهاج" الذي سيخصّه به الله (لِيُنجيه لا محالة من الاعتباط وإهدار وقته في التخمين والتدبّر في ما ليس فيه تدبّر)، ثم لَو جرّب الإنسان رَصْد ومُساءلَة نَواميس وسُنن الفطرة التي هو مجبولٌ عليها، في المستوى الأزلي، من طرف خالقٍ دارٍٍ: "إنّا خلَقنا الإنسانَ من نُطفة أمشاجٍ نَبتليه فجَعَلناهُ سميعاً بَصيراً- إنّا هَدَيناهُ السَّبيلَ إمّا شاكِراً وَ إمّا كَفوراً"(الإنسان 75 : 2 و 3)، سَوف يتوصّل إلى نتيجة باهرة؛ سوف يكتشف أنّ علاقته بمثيله الإنسان وبالطبيعة وبالبيئة وما في هذه العلاقة من تواصل أصليّ مع الخالق، فاطرِ السماوات والأرض وما بينهما، إنما هي علاقة محكومة، بدرجات متفاوتة لا محالة بمبدأ التوليد والتحويل. وقد تكون استحالة تقريب الدرجات هي التي تُمثّل سنَدا قويّا لفائدة تنزيل الشرائع السماوية عموما والشريعة الإسلامية على وَجه الخُصوص، ولكنّ هذا الأمر لا هُو من مشمولاتنا ولا هُو من أغراض هذه الدراسة.

فالإنسان، بصَرْف النظر عن كونِه مُسلِما، في داخله الخيرُ وكذلك الشرُّ: "ونفسٍ وما سَوّاها، فَألهَمَها فُجورَها وتَقواها"(الشمس 91 : 7 و8 ).كذلك يُرينا سبحانه الشاكلة التي  خلقَ عليها الإنسان.حينئذ ما على الإنسان إلاّ أن يختار: "إمّا شاكِراً و إمّا كَفُوراً". وهو اختيار من الداخل، من داخل الهَدي الذي في دماغه وعقله ونفسه: "وهدَيناه النجدَينِ" (البلد 90 : 10). والاختيار من الداخل هو التوليدُ والتحويلُ. وما سيختارُ الإنسانُ هكذا توليدَهُ هو من هُدى الله؛ إمّا قوانينُ الفطرة الطيّبة: " شاكرا"، وهو ما يَرتضيه له الله؛ وإمّا قوانين الفطرة الرديئة: "كَفُورا"، وهو ما يَحُثه الله على اجتِنابِهِ. كما أنّ صفة التوليد والتحويل وردت في تفسير ابن كثير للآية الكريمة "سنُريهم آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِم- الآية" (فُصّلت 41 : 53) حيث يقول:" أيْ سنُظهرُ لهم دلالاتنا وحُجَجِنا على كَون القرآن حقّا منَزّل من عند الله، على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بدلائل خارجيّة من الفُتوحات... ويُحتملُ أن يكون المُراد ( من "وفي أنفُسِهِم") ما الإنسان مُرَكّبٌ منه، من المواد والأخلاط والهَيئات العجيبة…"(9) (10)

ولكَي نُنَزّل حديثنا إلى واقع العالم اليوم وعمل الإنسان فيه، دَعْنا نرى كيف أنّ طريقة  التوليد والتحويل لتلك القرارات بوَصفِها قائمة على قوانينَ مجبولٌ عليها الإنسانُ إنّما هي نُسخة طبق الأصل لِما أنجزته العلمانية، على أرض الواقع وعلى الميدان، في التاريخ المُعاصر للمسيحيين (واليهود تباعا).فالإنسان الذي افترضناه جدَلا مُجرّدًا من الشرائع وُجدَ فعلا. بل قَلْ هو مازال موجودا. وهو المُواطن المسيحي (واليهودي، ورُبّما أيضا الياباني والكوري والصيني...)، الذي عُرف،و ما زال يُعرَف، بحُسن توظيفه للائيكية/العلمانية. يُمكن أن نُعرّفه الآن، في ضوء تعريفنا للتوليد والتحويل، بأنّه مواطنٌ نَزَع عن طواعِية كِساء الدين والتديّن (كلّ دين) في ممارسته للحياة وللشأن الاجتماعي العام،أو بذَلَ  قُصارى جُهده ليفعل ذلك، ما جعله يفترض نفسه إمّا غيرَ مُسَيّرٍ بالمَرّة من لدُن قوّة خارقة (الماأدريّون والمُلحِدون النُّفاتيّون) وإمّا مُسَيَّرًا بصفة جُزئية ، أي مُحافظا على عذارة خلدِه من الركون إلى التسيير الإلهي في  شؤون السياسة وتسييرالحياة العمومية و دواليب الدّولة. فالذي حَصل بخُصوص نمَط "التَّعَلْمِن" المسيحي اليهودي، كنتيجة لذلك، أنّ العلماني نجَح إلى حدّ بعيد في صيانة قوانين الفطرة الطيبة بالرغم من إذعانِه، بالتحديد الإلهي، لمشيئة خالقٍ دارٍ بأسرار هذا الكون. والذي حصَل أيضاً أنّه لقِي نفسه مجبُولا على توليد وتحويل قرارات اللَّوم أو الاشمئزاز أو الزجر أو العقاب أو الثأر من داخل تركيبته العقلية والنفسية، وكذلك على توليد وتحويل قرارات المكافأة  مثل الشكر أو الاعتراف بالجميل، انطلاقا من وضعية مُعيّنة، سيّئة مثل التعرّض إلى الخيانة أو السرقة أو الإهانة أو الاضطهاد، أو طَيبة مثل إسعاف المريض أو نجدة الغريق أو إطعام المسكين.ومن ثمّة قام هذا الإنسانُ، الذي اختار التجرُّد من الشرائع السماوية (في الإيمان وفي السياسة فقط، أو في السياسة فحَسب) أن يُترجِم ما أسفر عنه استخدامُه للأداة التوليد والتحويل من مشاعرَ وعواطفَ وأفكارٍ وآراءٍ ومواقف و قراراتٍ، على قانون سُمّي بـ"الـقانون الوضعي" وعل مواثيق جدّ هامة وجدّ متطوّرة تخصّ الحريات الأساسية وحقوق الإنسان والحقوق المدنية وحقوق المرأة وغيرها.

هكذا نُدرك أنّ أولئك العلمانيين الأصليّين فرّقوا بين دينهم (المسيحية وتباعا اليهودية  وغيرها ما عدى الإسلام) وبين الدولة والحياة قبلَ أن يَنكبّوا على التفاعل الفطري والولادي مع الحياة ومع إدارة الشأن العام بالسياسة. وقد يَفهم مُعظم المسلمين أنّ ذلك شيء جميل وأنّ هؤلاء قد أنجزوا ذلك بالاحتكام إلى وسائل العلم؛ وأنّ هذا إنجازُ أجمل. وقد يستنتج كثير من المسلمين، ممّن يبغون الإقتداء بهم، أنّ من أعظم إنجازات هؤلاء أنّهم قد قرؤوا الواقع بالعِلم عوضا عن الدين وأنّه ثبت لديهم أنّ العلم وحده يوصل أتباعه إلى أعلى مراتب الرّقيّ والحضارة. ولكن، باعتقادنا، يجب على المُسلمين أن يُدركوا أنّ هذا الأمر الأخير من أخطر التهديدات على المسيرة الفكرية والوجودية لديهم، إذ أنّه جدُّ مَشكوكٍ فيه تاريخيّا وسيكولوجيّا بالخصوص، كما سنرى إجمالا.

"هيهات"، نَسوقها لكل واحد منّا انبهر بما وصل إليه الغرب بلائيكيته (علمانيته) من تقدّم ورُقيّ. فَهُمْ ليسوا نحنُ، ونحنُ لا يمكن أن نكون مثلهم. لا يُمكنُنا استنساخ هذا التمَشي اللائيكي/ العلماني من عند المسيحيين ومن تبِع تمَشّيهم. لماذا؟ لأنّ أنموذجهم غير قابل للاستنساخ من ناحية.فالاستنساخ له قواعد، ومن قواعده التوليد والتحويل انطلاقا من الخلايا الأُم. فهل تَربتُهم الثقافية والعُقدية والتربوية هي تُربتُنا حتى نتفاءل بنجاح استنساخ أنموذج للحياة من لدُنهم؟ ولأنّ، من ناحية ثانية، الفرق بينهم وبيننا في التعامل مع نواميس الفطرة والولادة مثل نواميس التوليد والتحويل هو الآتي: هُم تَحَتمَ عليهم التعامل معها بالعِلم مع التجرّد من الدين، بينما نحن محكومين بالتعامل معها بالعِلم، مثلهم، لكن، وهنا تتنزّل المُفارقة المنهجية الكبرى،مع استحالة التجرّد من الدين.فقد سبق أن رأينا في هذا المقام وفي غيره أنّ دين الإسلام، دون سواه من الأديان السماوية أو غير السماوية هو دين الفطرة بامتياز. ولسائل أن يسأل: ما الذي أحدث هذا التباين الرهيب، أي كيف يكُون دينُنا دين فطرة ونحن لم نقدر على استجلاء واستبيان واستنباط، و( لكي نستعمل "الدّال" الألسني) لماذا لم نقدر على "استقراء" قوانين الفطرة بواسطته،أي لماذا لم نُطبّق الإسلام؟ أذلك مَرَدُّه الإيمان بالعلمانية  كحَل ليس مثله حلّ لأنّها خيارٌ طبيعيّ ومتناسق مع النموّ الثقافي للبشر كافّة؛ مثلما هو سائد في أوساط علمانية عديدة من بين المسلمين؟ أمْ أنّ مرَدّه زوالُ الرغبة في الإسلام كدينٍ صالحٍ للتطوّر؛ مثلما هو سائد لدى البعض الآخر من العلمانيين من بني هذه الأمّة؟ أم أنّ الرغبة في تحيين الإسلام موجودة ولكن تصحبُها قُدرة عجيبة على الحِفاظ على الأوضاع الفكرية والتربوية والعُقدية السائدة، مع العِلم أنّ التُّربة التي يترعرع فيها هذا النوع العجيب من القدرة السالبة ما هي إلاّ تكريرٌ لفقدن الكفاءة في فهم الإسلام والحياة معًا؛ مثلما لا يعتقد أحد ولا يُريدُ أحدٌ أن يعتقد؟

قبل الإجابة المباشرة نقول إنّ ترْك الإسلام في ثقافتنا لا يُعَدّ حلاّ جميلا مثلما هو في ثقافة الآخرين. بل بالعكس، ترْكُ الإسلام لفائدة العلمانية هو إعلان بالفشل للمنظومة الفكرية والعلمية والثقافية عندنا بتمامها وكمالها.و كلامُنا هذا ليس دَحْضا للعلمانية بأيّة صورة من الصور. بل بالعكس، إنّه اعترافٌ بأنّ العلمانية إنّما هي مهارة تُكتَسَب، مثل سائر المَهارات المُبَوّبة تعليميّا وتَربَويّا في خانة "الاكتساب". إنّه نِداء (مَوصولٌ بالعَضُد العِلمي) من أجل العمل على تحصيل المَهارة العِلمانية بواسطة الدخول من بوّابة دون سواها؛ الدخول من بوّابة التأصيل الفكري فالثقافي ثمّ يأتي دَور السياسي، عِوضا عن التمادي في المُخاطرة بولوج بوّابة مُحكمة الغَلق، إن لَم نَقُل تَفتحُ على متاهات لن تسمحَ لِمَن جرّب وُلوجَها الخُروج منها ثمّ العودة إلى قواعده سالِمٍا و مُعافًا: بوّابة الاغتراب والاستِلاب بواسطة الاقتداء الحَرْفي بالغرب العِلماني. إنّ ما نرمي إليه هو بَيانٌ بأنّ الإسلام يَسمح، في مساحات لا تزال عَذراء في ما بين سطور القرآن والحديث، رغم إعلانٍ ضِمني بإتمام تفسيرها من طرف عُلماء الدين والمُفسّرين، بقراءة لِمسائل التقدّم، تكونُ أكثرَ تطوّرا وأكثرَ تلاءُمٍ مع واقع المسلمين وعقلياتِهم من ذلك الشكل من العلمانية الذي نشأ في بيئة غربية (11). نقصُد أنّه قد آنَ الأَوان لأن ينكَبَّ المفكّر العربي والإسلامي على تحويل وِجهة اهتمامه وانشغاله، بل قُل وهَوسه، من وِجهة إلى وِجهة أخرى أكثر تفتّحا وأكثر واقعية.

فعِوضا عن التّهافت على ضمّ العلمانية في شكلها الخارجي ضَمًّا (مثلما يفعل اللائيكيون/ العلمانيون) أو ما يُقابِلها من تهافتٍ معكوس (على إعادة إنتاج أنموذج شبيه بالأنموذج الإسلامي التاريخي، وذلك من طرف الإسلام السياسي)، وجبَ على المثقفين العرب والمسلمين أن يُصوّبوا مهاراتهم في الفهم والإدراك والتمعّن وإعمال العقل نحو الإشكالية الأُم : إنّ الحِرص على توخّي العلمانية من طرف كثير من مثقّفينا صار حِرْصا على اعتناقِها وكأنّها تعويض للدّين. وهذا مرَدُّه حالة مَرَضية من النوع الفُصامي (12) كأنّي بها تجذبُ الشخصية العربية الإسلامية جذبا نحو حُلول الاستلاب وتدفعها دفْعا بعيدا عن أيّة مُحاولة للتطبيق العقلانيّ لِلإسلام، وذلك من دون توفّر سبب منطقي مؤكّدٍ ولا سبب حُقوقي مبيَّنٍ و لا سبب عِلمي مُجَرَّبٍ؛ من دون توفّر أسباب قوية المتن تخدم لفائدة التخلّي عن الإسلام.إذن، إذا توفّرت الإحاطة، هكذا، بلُبّ الإشكالية، فلم يبْقَ إلاّ أن يُحاول مُثقّفو العلمانية من المسلمين وكذلك نُظرائهم من الإسلاميين، طرحَ تلك الإشكالية الأُم من المنظور الآتي: ما الذي يمنعُنا من إنجاز قراءة مُتطوّرة للإسلام تكون، بتلاؤُمها مع عقلياتنا، كفيلةً بتوليد العشرات بل الآلاف من المعاني التي تُضاهي أو تفوت معنى العلمانية بالذات؟ بكلام آخر، كيف نُفسّر عدم جاهزيّتنا لتطبيق الإسلام؟ أليس تطبيق الإسلام مطلبا مركزيّا من مطالب الأمّة؟ وهل سوف لن يكفّ بعضنا على تخويف البعض الآخر بمثل هذا المطلب: بعضُهم بالترهيب بواسطة التنكيل بفَرَضية تطبيقه (العلمانيون) وبعضهم الآخر بتوخّي أساليب في الدعوة والتبليغ لم تعُد صالحة لِمَن يعيش بين المُسلمين، ناهيك لِمَن هو مؤمنٌ مُمارسٌ بَعْدُ، وما ينجرُّ عن هذا الأسلوب اللاّ بيداغوجي من تحوّلٍ لدَعوة الدّاعية وتبليغِ المُبلِّغ، في عُيون المسلمين أوّلا ثم في عُيون غير المسلمين ثانيا، إلى إعلانٍ تَهديد بتطبيق الإسلام (الإسلاميون)؟

لقد توفّر لدَينا بعدُ الشطر الأول من الإجابة لمّا أكدنا أنفا أنّ عملية الاجتهاد لم تتبنَّ بعدُ العِلم كأداة كاشِفة عن أغوار القرآن الحكيم، ما "ولّد" لدينا مرَضًا مُستحدَثا زيادة عن تلك العِلّة الأصلية، وهو التدافع من أجل الاقتداء بالغربيين في الابتعاد عن الدين، وما يقابله من تدافع على التطبيق الفوري لأحكام الشريعة من طرف من يرُدّون عن الاغتراب الخارجي بالاغتراب الداخليّ. هؤلاء يُخْلِطون بين دين لا يقول بأهمية العلم و الفطرة (المسيحية)، ما جعلَ دُعاتَه وأَتباعَه أوّل مَن تجَنّبوه في شأن السياسة وإدارة الحياة العامّة، وبين دين العلم والفطرة (الإسلام)، الذي هُو بطَبعِه مَدعاة للإتباع والصّيانة والتّكرير. وأولئك يُخلطون بين الدين والدولة بما لم يَسمح بِخَلْطهِ الدينُ نفسُه (13).

أمّا الشطر الثاني للإجابة عن سؤال لماذا لم نُفلح في تطبيق الإسلام فهو الآتي: إذا كان المسلمون لا يتعاملون مع الشريعة السمحاء مثلما يتعامل طالب اللغات، أو المولود، مع اللغة، فكيف هُم يتعاملون معها في الوقت الراهن؟ إنّهم يتناولونها إلى يوم الناس هذا، وبسبب انغلاق المجتهدين على أنفسهم في باب علم الكلام (في الدين) وعلوم التفسير والاجتهاد التقليدية، مثلما لا يتناول متكَلّمٌ لغة يتكلّمُها ؛ أو لِنَقُل إنّهم يتناولون الإسلام ككُلّ مثلما كان  متعلّمو اللغات في النصف الأول من القرن المنقضي يتناولون اللغة، أي قبل الثورة الألسنية التي أتى بها نعوم تشمسكي بفضل نظرية النحو التوليدي والتحويلي: جملة من القوانين/ الحُدود، المبوّبة داخل نظام النّحو/الشريعة وجب على المستعمِل أن يحفظها عن ظهر قَلب، بعْد "استخراجها" من كتاب النحو/كتاب الله العزيز، ويطبّقها في كلامه/في تديّنه.والحال أنّ مبدأ التوليد والتحويل يقتضي اعتبار اللغة ،وبالتالي الدين أيضا، في مقاربتنا التشبيهية، نظاما، بالتأكيد، ولكنه نظام يمتاز بصفات "الفطرية" كما أسلفنا، ما يجعل المُتدَيّن مطالبٌ بـ"استقراء" ما يحملُه دماغه وعقلُه وما نفسُه حُبلى به، من أصول القوانين المُسجّلة في جيناته، شريطة أن يكون بصدد ممارسته للدّين أي من خلال تجربة التديّن بالذات وليس من خلال العبادة الدّغمائية ؛ وتلك هي مواصفات "العملية" أو "السيرورة" أو "المسار"("بْرُوسَاسْ " بالانكليزية) التي يعتبرُها تشمسكي ومدرستُه عمودا فقريّا لجسم اللغة بعد أن اعتمدوا مبدأ التوليد والتحويل كمُحَرّك، أو بالأحرى كمجموعة كبيرة وكثيفة من المُحرّكات، لذلك الجسم.

فالمقصود بـ"عملية" هو في الأصل "عمليّات"، وهو بالضبط عكس التقليد والإتباع والتلقين. فبخصوص "العملية" اللغوية يقول رتشرد  وال  إنّ " ما يقصده تشمسكي هو أنّ السبب الرئيس في أن تكون مُهتمّا بالدراسة العلمية للّغة، ومن باب أولى وأحرى بالنّحو التوليدي، هو أنّ لَديها مساهمة ستُضيفها إلى فَهمِنا للعمليات العقلية." (14) سواء في اللغة أو، كما يفرضه علينا غرَضُ المُقارنة، في الدّين؛ سواء في ما يخصّ "التكلّم" أو ما شابهه من "تديّن"، نعتبرُ أنّ تصنيف تشمسكي لـ"فهم العمليات العقلية" كغاية للممارسة اللغوية، فيه من الشمولية العلمية ما يُؤهّله لأن يكون مُدرَجا كغاية للممارسة دين الإسلام. فالعقل البشريّ واحد. سواء أمارَسَ اللغة أم مارَسَ الدّين. إنّه اندماجيّ في كثير من وظائفه، ناهيكَ أنّه قادرٌ على توحيد النحو بالذات(15). وألَيس العقلُ القادرُ على توحيد النحو بقادرٍ على تَوحيدِ كلّ فحوى العقل، بِما فيها على الأقلّ المَيل إلى التديّن، أو الفطرة أو، لِمَ لا، الدّين؟ ونكون حينئذ شاهدين على لحظةٍ رائعة، لحظة تلاقي حُكم العِلم (التوليد والتحويل هي من خصوصيات الدّين،على غرار اللغة) مع حُكم القرآن العظيم:"إنّ الدِّينَ عندَ اللهِ الإسلامُ وَما اخْتَلَفَ الذينَ أُوتُوا الكِتابَ إلاّ مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ- الآية.")( آل عمران 3 : 19)، و"لِيُظهِرَهُ على الدِّينِ كُلِّهِ- الآية." (التوبة 9 : 33).

وإذا كان ذلك كذلك فسَنزْدادُ يقينٍا بأنّ  ما يُفيدُ المسلمين في فهم عمليّات التكلّم سيُفيدهم أيضا في فهم عمليّات التديّن. وسيكون ذلك مَيسورًا طبعا شريطة أن يتّبعوا الرابط الرئيس، أعني استبيان قُدرات العقل البشري على التّأقلم مع قوانين سنَّها شارعٌ عظيم ذو الجلال والإكرام، ما لم نَفعَلْه إلى يوم الناس هذا. أمّا الذي سيترتّب عن التحوّل المنهجيّ في التديّن هو أن يكون المسلم قادرا على تطبيق الدين بواسطة منهجيات التعلّم العصرية الرامية إلى استفزاز مهارات التفاعل لدى المُسلم "البَاث" لـ"المَدلول" الدّيني والمَعرفي، بالمدّ والجزر، مع قوانين الشريعة. وهذه السيرورة لا تحُثّ لا على التطبيق الآلي للشريعة السمحاء ولا، في المُقابل، على تركِها جانِبا والخَوض في التجديد الهدّام. فقط هو مسارٌ يهدف إلى توفير الإمدادات الدماغية والشعورية لدى المسلم لكي يكون قادرا، بنفسه، على إصابة مَرماه حين يُطلب منه اختيار سلوكياته ومواقفه وتحرّكاته: "بَل الإنسانُ على نَفسِهِ بصيرَةٌ- الآية." (القيامة 75 : 14).بكلام آخر،هو مسار يهدف إلى إرساء الركائز العلمية ، انطلاقا من علوم التربية والعلوم الدماغية والعلوم السلوكية وغيرها لِفهمٍ أو لأفهامٍ، لتأويل أو لِتأويلاتٍ مُعاصرة للإسلام.

فإلى حدّ اليوم لم يَكفِنا عِلمُنا (الاجتهاد التقليدي) سوى لإعادة "اكتساب" ما نَعلَمُه بعدُ بفضل تواصُلنا مع أجداد أجدادنا منذ تمّ تعلّمهم الفعلي للدين الحنيف مباشرة من سيّد المُعلّمين محمد صلّى الله عليه وسلّم ، وهو الذي كان"خُلُقُه القرآن" أي استوعَب القرآن حتّى تماهت معه خُلُقه. وهل يتمّ استيعابٌ وتماهٍ من دون "عملية"؟ وهل يجوز اليوم، تربويّا وبيداغوجيا، أن يُرسي المسلم علاقة مع دينه غير علاقة الاستطلاع و الاستكشاف والتمحيص والنظر والـ"استقراء" ؟ ألسنا نعرِفُ ديننا كما لا يَعرِفُ دينَه أحدُ،إلاّ أنّنا نجْهل المسالك التي تقودنا إلى إعادة ربط الأواصر معه؟ رحِم الله مالك  بن نبي وهو الذي صدق قولُه :"فكلّ مُسلم مُقتنع بدِينه من يوم أن أُُنزلت الآية الأولى في غار حراء، ومَن يحاول أن يأتي للمسلمين بوسائل لاقتِناعِهم بدنهم فإنما يُضيع وقتَه وربما يضيعُ وقت المُسلمين أنفسهم" (16).

هكذا نُدرك أن لا بُدّ للمسلمين أن يكُفّوا عن  تناول مسألة تطبيق الإسلام من الخَلف وأن يعكفوا على  مُجابهتها من الصّدر لأنّ الخيار الأوّل لم يُولّد لديهم سوى الالتصاق إلى حدّ الهَوس بالنظام (الشريعة السمحاء) فاقدين السيطرة، في الأثناء على الآليات التي من شأنها أن تشحذَ مهاراتهم في حُسن التعامل مع هذا النظام عبر عملية اسمها ممارسة الدين. وهنا يأتي الفرق بين الدين والتديّن. فمَعشرُ المُسلمين يعرفون دينهم أكثرَ وأفضلَ من عِرفهم لأنفُسهم، أي أنّهم يجهلون آليات التديّن طِبقا لِشروط العصر الراهن. لا يمتلكون جهازا معاصرا للتديّن يُبلور لهم معنى وأبعاد مقولة "الإسلام صالح لكل زمان ومكان".والتديّن هو فنّ العيش بإبداعٍ وابتكارٍ وَلَو تحتّم أن يقع إنجاز ذلك في ظلّ نظام تسنّه قوانين.

وهنا تأتي الأهمية القُصوى للمُفكّر. فهو الذي من المفروض أن يجهّز لعموم المسلمين، مُمارسين للدين و غيرِ مُمارسين، تصميما لمنهج أو مناهج تدرّبهم على استبطان آليات الفهم المتحرّر من قيود التقليد والحَرْفية.وتصميم المنهج ليس تأليفا لفهم معيّن أو لتأويل معيّن للإسلام عن طريق تطوير الفقه مباشرة أو بأية طريقة ظاهرية أخرى أدّت، في ما أدّت إليه، إلى التخبّط في اصطناع فتاوى أقرب للـ "الصندويتش" منه للإفتاء العلمي والمُنظَّم، وفي التقَوقُع داخل أشباه منظومات لإنتاجِ فِقهٍ أقرب لِمَنتوجات المَداجن الكهربائية، أو للزراعات بالأسمِدة الكيميائية، أولِمنتوجات البَاكُورات في البيوت المُكيَّفة منه للقانون المُوَلّد من أرضية فكرية اكتَمَلت نمُوّها الطبيعيّ بواسطة أدوات طبيعية. فعملية تَصميمِ المنهج من طرف مُفكرين جُدد إنّما هي شبيهَة بِعمل الفلاّح الذي يجب أن يُهَيّئ التُّربة المزروعة فيَقلبها حتىّ تُعطي أُكلَها بِأن تُنبت زرْعا، مِن نوع الـ"ـبيو" إن لزِم الأمر، مَرغوبٍا فيه. وما أحوَجَ المُسلمين إليه : فِقهًا و أحكاما شرعيةٍ مُجدَّدة؛ فَهمًا أو أفهامًا مُعاصِرة ؛ تأويلاً أو تأويلاتٍ جديدة؛ تكون كلُّها نتيجةً لعملية تحويلية وتَوليدية تعرِفُ انطلاقتها من داخل العقل العربي والإسلامي المتحرِّك، مَنتوجا طبيعيٍّا لفِكرٍ مُتجَذّرٍ في بيئته وفي عَصره وفي عالَمِه وفي عالميّته (17).

ولن يحظى مثل ذلك التدريب بالقابلية والقَبول من طرف "مُتعلّم" الدين، وهوَ "باث" وليس بـ"مُتقَبّل"، إلاّ في حال يَتوفّر في المنهج المُصمَّم أسلوبٌ يُرغّبه في إعادة رَبط الأواصر مع الدين بتصويره له بطريقة مستَوحاة من الطريقة التي صوّره لنا بواسطتها الخالق البارئ : العبادة "عملية" فيها تداول بين "الكدح" و"السَّكينة". فالكدح ورَد في قوله تعالى "يا أيها الإنسانُ إنكَ كادحٌ إلى ربِّك كَدْحا فمُلاقيهِ" (الانشقاق 84 : 6). وقد جاء في تفسير للآية الكريمة أنّ "أنت يا ابن آدم جاهد ومُجدّ بأعمالك التي عاقِبَتها الموت، والزمان يطير وأنت في كَلّ لحظة تقطع شوطا من عمرك القصير، فكأنّك سائر مُسرِعٌ إلى المَوت..." (18).

و"الكدْح" في رأينا من أهمّ الدلالات القرآنية على "الحركة" الخلاّقة، فهو مسيرة المؤمن وسِباقه نحو الله فاطر السماوات والأرض. والمسيرة هي الزمانُ، و"الزمانُ إمّا أن يكون اختراعا وإمّا أن يكون لاشيءَ" كما يقول هنري برجسن (19). أمّا "السكينة" وهي التي وردت في الآية الكريمة "هُو الذي أنزَل السَّكينةَ في قُلوب المؤمنينَ ليَزدادُوا إيمانا معَ إيمانِهم - الآية" (الفتح 48 : 4) ،فهي الجزاء الدُّنيوي الذي يحصل عليه كل مُؤمن "كادح" قبل نَيله الجزاء الأخروي؛ هذا المؤمن الذي، بالرغم من توفّر الإيمان لديه، إلاّ انّه بفضل"السكينة" تتولّدُ لديه "زيادة" في الإيمان.

 

يتعلّق الأمر إجمالا بالإبحار، لا فقط في ما ظَهر من الإسلام (الشعائر والأحكام الشرعية) وإنّما أيضا في أعماق "المُعاملات" و"الأخلاق". يتعلّق الأمر بانتهاج المُسلم الممارس و المسلم غير الممارس على حدّ سواء لمُقاربة مماثلة تقريبا لمُقاربة  الطالب/المُتكلِّم مع اللّغة، مُولِيان الأهمية القُصوى للخَلق والابتكار والإبداع، باستقراء قواعد التطبيق الصحيح للغة/الدين من داخل النظام الأشمَل: نظام ممارسة التكلّم/ممارسة الدين. فهذا التمشّي من شأنه أن يفتح أمام المسلم فُرصَ الإبحار في مساحات النّص، قرآنا وحديثا، وهي مساحات بالرغم من سَعة قابليتها للإبداع والتدبّر، تخضع عن طواعية إلى أضواء كاشفة تُسَلّطها عليها، بمنتهى الدقّة والرقابة، مَنارة الشريعة السمحاء.

كما يتعلّق إجمالا بإتباع منهجية في التعامل مع النص القرآني والسنة الشريفة يشتَمل على مواصفات "الفوضى البنّاءة" مثلما قَدّمناها أنفا، وبأن تتمَخّضَ عملية التعامل تلك على نظامٍ مُتَحرّر وتحرُّريّ. وذلك لن يُنجَز إلاّ باستخراج ما يلزِمُ من عناصرَ، من القرآن الكريم ومن الحديث الشريف، ثم ضمّها في قالبٍ أو نسق أو نظام أو كيان أو بنيانٍ أو هيكل يقوم مقام وعاءٍ لفكرة أو لثقافة أو لإستراتيجية أو لِدرْسٍ أو لبرنامج. ومن مزايا القالب والفكرة التي يحتوي عليها أن تساعد المسلم "المُتعلّم" على تفعيل كفاءاته الكامنة بِهَدَف فَهْم الإسلام من خلال التجربة الوجودية مع "نظيره في الخلق" ومع "أخيه في الدين" (كما قال عليّ كرّم الله وجهَه في تعريفه للإنسان)، وكذلك من خلال التجربة الميدانية في الطبيعة وفي البيئة. حينئذ يُمكن القول إنّ الغاية النهائية من توظيف الوعاء بواسطة ملئِه بالخيرات، وتباعًا الغاية النهائية من توظيف تلك الخيرات، أن يتَمَكَّن "المتعلّم" من التحرّر المُنَظَّم. ونعني بذلك التفاعلَ الآني مع الواقع، من منظور القرآن والسّنّة، بالتّأكيد، ولكن بآليات الجدَل والشك المُوصلة إلى اليقين والاستقراء والاستشراف وبغيرها من مهارات التدبّر المتعددة التي من شأنها أن تُساعد المسلمين على الارتقاء بأحوالهم من ظُلمة الإتّباع والتبعيّة إلى نُور الإبداع و الاكتفاء؛ كلّ ذلك بواسطة منهجية مُستخرَجة من أعظم نظام عرفته الإنسانية: نظام الإسلام؛ ومُطبَّقة على أضخم مسرحٍ عرَفتْه الإنسانية: مسرح الحياة.

أخيرا وليس آخرا، يُمكن تصوّر الاستعمالات المستقبلية للنسق/الوعاء كما يلي:

1.استنساخ الأنموذج المستخرج من القرآن في التربية العامة والدينية واستقراء أنظمة ومقاربات مولّدة منه تُعنى  بتطوير استيعاب اللغات عوما واللغة العربية خصوصا، لا سيما أنّ من النتائج الطبيعية لهذا التمشّي  تأصيل اللغة في الثقافة من أساسها، طالما أنّ  المدلول (الديني بالخصوص والثقافي بصفة أعمّ) سيتحرّر من العراقيل السُّوسيوألسُنية و السَّيكوألسُنيية التي كانت تعرِضُه حصريّا في وضع صراع متواصل مع "الدّال"، حارمة  "الكلمة" و"الكلام" من إثراء "اللغة" من الارتقاء إلى مستوى الحداثة، أو لنقُل إلى مستوى العَصر.

2. استنساخ الأنموذج في الثقافة وفي الفكر لتوليد مقاربات ومنهجيات وتصاميم ونظريات في الفلسفة ثمّ في السياسة وفي استراتيجيات التقدّم (20).

3. حفز العلماء والباحثين من الاختصاصات العلمية المختلفة والمتعددة، الصحيحة منها والطبيعية والاجتماعية والإنسانية، النظرية منها والتجريبية الميدانية، على الانكباب على إنجاز عملية التوليد والتحويل الأولي ، أي تدبّر القرآن الكريم من منظور اختصاصهم ثمّ استخراج قالب أو نسق أو نظام أو كيان أو بنيان أو هيكل ليكون، بحُكم حُسن تصميمه، أنموذجا من القرآن، يمكن سَحبُه في مرحلة التوليد والتحويل الثانية على مجال من مجالات اهتمامهم ذي طبيعة ملائمة للأنموذج المتولّد.

هكذا رُبّما يكون المفكّر العربي و المسلم قد أَعلن طلاقهُ من دون رِجعة من مُحاولاته اليائسة  لتِكرار مسيرة أثبت العلمُ الحديث، على عكس ما كان مُتعارفا، استحالة تكرارها(21): مسيرة الزمن، ما حتّم عليه رُبّما، أن يُحاول من هنا فصاعِدٍا تَكرير الشريعة السمحاء مثلما يُكرّر المُهندس الذهب الأسود ...

محمد الحمّار 

باحث في تجديد أساليب الفكر الديني بفضل اللغة، وفي تطوير اللغة العربية انطلاقا من معرفة اللغة الأجنبية 

هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته

-------------------------

الحواشي : 

(1) ذُكر في النسخة الالكترونية لـ" كشمير أوبزارفر" بتاريخ 20-7-2009  في مقال " العلماء يقولون إنّ باب الاجتهاد غير مغلق" (ترجمة م.ح) : 

http://www.kashmirobserver.net/index.php?id=2316:scholars-say-door-of-ijtihad-not-closed&option=com_content&catid=2:local-news&Itemid=3

(2) يقول الشيخ عطية صقر إنّ الحديث المذكور أثر عن الحسن البصري. على موقع "كلملت"

http://www.kl28.com/fat1r.php?search=3727

(3) العبارة لأبي يعرب المرزوقي  أستاذ الفلسفة في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا.

(4) نسبة لمكتشفه نعوم تشُمسكي عالم الألسنيات.

(5) وهذا هو ما أنجزناه إلى حدّ بعيد ونشرناه في مقالات متفرّقة، باللغتين العربية (المعذرة إن كان معظمها محررا بلغة عربية وسطى بين الفصحى والعامية) والانكليزية. توجد المقالات العربية (والوسطى) ضمن سلسة مرقّمة تحت عنوان "الإسلام يتكلّم" نشرت على :

http://mohamed-hammar.maktoobblog.com

أمّا المقالات بالانكليزية فمنشورة على

http://islaminfrajtihad.canalblog.com

أو على:

http://www.articlesbase.com

(6) لمزيد التفاصيل: مقال "من يخاف من نعوم تشومسكي؟" لـريتشرد  وال بتاريخ17-8-2004 على:

http://www.chomsky.info/onchomsky/20040817.htm

(7) المرجع رقم 5 .

(8) في العلم:بدأ بإثبات ذلك رائد السوسيوبيولوجيا، الأمريكي أدوارد أوزبورن ويلسن في كتابه "الطبيعة الإنسانية"،1979 (وتُرجم إلى الفرنسية في سنة،منشورات ستوك، 1986).في الدين: سبق أن بيّنّا ذلك من خلال آيات الفطرة في القرآن الكريم وكذلك حديث المولود للرسول صلى الله عليه وسلّم (في مقالات سابقة على مدوّنتَينا)

(9) "مختصر تفسير ابن كثير" لمحمد علي الصابوني، المجلّد الثالث، ص 268، دار القرآن الكريم، بيروت 1981.

(10) تغليظ الكلمات من اختيار كاتب هذا المقال.

(11) * يقول د.حسن حنفي:" النظام الإسلامي نظام مدني خالص، والدولة الإسلامية دولة علمانية" وذلك في مقال "الإسلام العلماني":

http://mm10002.maktoobblog.com/500771/

*صدر مقال هام في الموضوع: " لماذا العلمانية هامة للإسلام" بواسطة فيصل غازي،نُشر بتاريخ 8-8-2009:   

« Why Secularism is Key to Islam”  by Faisal Gazi

http://www.averroespress.com/AverroesPress/Main/Entries/2009/8/8_Why_Secularism_is_Key_to_Islam.html

(12) صدر عن الكاتب السوري غريغوار منصور مرشو كتابا قيّما في هذا الموضوع بعنوان "الفصام في الفكر العربي المعاصر":

www.fikr.com

(13) لمزيد الإطلاع على رأينا بإزاء هذه الإشكالية: كتاب "الاجتهاد الثالث (الاندماجي): رحلة المسلم المريض من الإسلام إلى الإسلام"، محمد الحمّار،(جزء "الإسلام والديمقراطية، نظرة الحاكم إلى المحكوم هي القضية") ص 94:

www.aracicebook.com

(14) المرجع رقم 6.

(15) يؤكد تشمسكي أنّ "النحو" واحد مهما تعددت اللغات ويُسمّيه "النَّحو الكَوني" (بالانكليزية "يونِفرْسل جْرامرْ")

(16) في "دور المسلم ورسالته"، دار الفكر، دمشق، 1989، ص 51.

(17) للمزيد من الإطّلاع على موقفنا من علاقة الفكر بالفقه : المصدر رقم 13 ( جزء"الفكر قبل الفقه وتحيين الوجود أَولى من تعصير الموجود") ص 81 على :

www.aracicebook.com

(18) "صفوة التفاسير" لمحمد علي الصابوني، المجلد الثالث، ص 537، طبعة 4، دار القرآن الكريم، بيروت 1981.

(19) روَتْهُ آتيان كلاين في مقال "زمن الفيزياء" بخصوص الجُملة التي أثرت كثيرا في إيليا بريغوجين :

http://nicol.club.fr/ciret/bulletin/b12/b12c5.htm

(20) وقَد بادرْنا على بركة الله بالقيام بالتجربة لمّا أنجزنا كتابا في نسخة الكترونية في هذا السياق: المرجع رقم 13.وقد أردناه أن يكون استنساخا للفكرة الألسنية/الدينية التي نحن بصدد تصريفها، استنساخا في المجال الأنثروبولوجي والفينومينولوجي. وقد نُشرالكتاب بواسطة :

www.arabicebook.com

(21) يقول إيليا بريقوجين استنادا إلى اكتشافات فيزياء الديناميكا الحرارية: "لا يقدر المرء على قَلب نموّ الكَون" إذ الزمن عند الفيزيائيين الجدد وعنده صار يُعرف بأنّه "لاعكسي" ( أي "إريفرسيبل" بالانكليزبة).قال ذلك في حديث نشر في شهر مايو سنة 1983 تحت عنوان "بيغوجين، "ساحر الزمن" أجراه معه روبرت ب.توكر:

http://www.omni.generalmedia.com

 
متخصص في العبرية يكشف عن تحريفات مقصودة في ترجمات 3 مستشرقين لمعاني القرآن، ترجمة عبرية رابعة للمصحف.. وتساؤلات حول جدواها طباعة إرسال إلى صديق
تقييم المستخدمين: / 3
سيئجيد 
الكاتب صوت العربية   
الأحد, 05 يونيو 2011 19:39

الرياض: عبد الإله الخليفي
كشف متخصص في اللغة العبرية عن ما وصفه بالتحريف المقصود في عدد من ترجمات معاني القرآن من العربية إلى العبرية والتي قام بها مستشرقون يهود، إلى جانب رسائل مضمنة في الترجمات عينها تحمل عدائية واضحة تجاه الإسلام والمسلمين وللنبي محمد صلى الله عليه وسلم على وجه الخصوص.
وأبلغ المتخصص «الشرق الأوسط» عن صدور نسخة عبرية جديدة من المصحف الشريف على يد مستشرق إسرائيلي في مطلع العام الجاري، متسائلاً عن جدوى ودوافع إصدار هذه الترجمة طالما أن هناك 4 ترجمات عبرية سابقة، 3 منها مطبوعة ومتداولة والآخر (مخطوط) وغير متداول.

وبين الدكتور محمد أحمد حسين أستاذ اللغة العبرية في جامعة الملك سعود في الرياض، أن الترجمة الحديثة تمت على يد أوري روبين الأستاذ في جامعة تل أبيب، باحث كبير متخصص في اللغة العربية والقرآن الكريم والتفسير والسيرة النبوية والحديث الشريف، لافتا إلى أن الترجمة استغرقت خمس سنوات، قبل أن تدرج ضمن سلسلة كتب ودراسات متخصصة في علوم الأديان تهتم بنشر الترجمات العبرية لعدد من الكتب العربية إلى العبرية تتبناها دار نشر جامعة تل أبيب، ويشرف عليها الدكتور أفيعاد كلينبرج المستشرق والمؤرخ والمتخصص في علوم الأديان.
ويشير حسين إلى أن المترجم أفصح عن محاولته في بناء النص القرآني المترجم بواسطة شروحات وملاحظات في الحواشي مع تساؤل يتصدر مقدمة الترجمة التي تقع في 616 صفحة، بـ «ماذا يقول القرآن؟»، يعقبه استطراد للمترجم نصه: «إنه سؤال لا يوجه فقط للمتخصصين في علوم القرآن، بل سؤال له تداعيات اجتماعية وسياسية وثقافية عميقة. فهذا السؤال يتعلق بالحياة والموت غالبا». وعلى الرغم من الترجمة التي يبدو أنها لم تحمل أي فكر عدائي إلا أن الدكتور يتساءل عن جدواها وضرورتها، معرباً عن استيائه لما حصل في الترجمات السابقة للقرآن من المغالطات ويؤكد أن بعض المترجمين قد عبثوا بالنصوص القرآنية مستغلين الخصائص اللغوية لها، ويلمح إلى أن التحريفات المقصودة يتبين الهدف من ورائها، إذ تخدم فكرا دينيا معاديا، ويضيف أن صعوبة نقل الخصائص البلاغية للقرآن شكلت عائقاً أمام المترجمين نتج عنه تحريفات أخرى غير مقصودة، وهو ما يعرف بـ «علم المعاني» ويتضمن الإطناب، التقديم، التأخير، الحذف، البيان، الاستفهام، التشبيه، الاستعارة، الكناية، علم البديع، الطباق، المبالغة، النظم، الفواصل والتكرار.
وفي معرض حديثه عن تاريخ الترجمات استنكر حسين عدائية المترجمين تجاه القرآن واللغة التي نزل بها، حيث طلب المترجم ريكندورف من ربه الصفح والغفران لقيامه بترجمة القرآن للعبرية، معتبراً اللغة العبرية هي اللغة المقدسة، كما أنه يعلن بصراحة مباشرة أنه أراد من ترجمته للقرآن إبراز سمو العبرية على العربية، ودرجة تأثير ما جاء في التوراة على القرآن، إضافة إلى أنه سطر قصيدة رثاء في أبيه بعنوان «أبي الغالي»، ورسالة مفادها أن الرسول لم يكن أميا وإنما تعلم على يد علماء اليهود في رحلاته التجارية.
وتحسب الترجمة الصادرة أخيراً كرابع ترجمة عبرية للقرآن كاملة ومطبوعة، بعد مرور أكثر من ربع قرن على صدور آخر ترجمة عبرية للقرآن قام بها أحد المستشرقين، وسط نداءات قوية وجهت إلى القطاعات الإسلامية المعنية بالترجمة والطباعة بالتحرك السريع لإصدار نسخة خالية من التحريف والتأويل، من خلال تخصيص فريق عمل إسلامي يجيد الترجمة إلى العبرية، ليعكف على إصدار نسخة إسلامية تشرح القرآن من دون زيادة أو نقصان، وتصحح ما تضمنته ترجمات بعض المستشرقين من المغالطات، بغية إقناع المسلمين بصدق الإسلام وسماحته.
ويستطرد حسين في حديثه عن الترجمات فيوضح أن مترجما يدعى بن شيميش نفى في ترجمته تهمة نية قتل اليهود للمسيح مستشهداً بقوله تعالى: «وما قتلوه وما صلبوه«، متجاهلا قول الله سبحانه في القرآن: «ولكن شبه لهم«، بيد أن هذه الأخيرة دلالة كبيرة تؤكد أن قتل أو صلب الشبيه يؤكد ثبوت نية قتل المسيح عليه السلام وصلبه، وهو ما سعى لنفيه المترجم.
كما يصل الدكتور محمد إلى أن البقرة الحمراء التي هي إحدى الأساطير اليهودية المرتبطة ببناء الهيكل، أكد عليها المترجم بن شيميش الذي تعمد في إصداره على تحويل البقرة الصفراء «فاقع لونها» والتي هي إحدى معجزات سيدنا موسى عليه السلام لإحياء الموتى، إلى حمراء اللون، وهو ما يعني التكرر المتعمد على هذه الأسطورة الدينية اليهودية بغية توظيفها سياسياً من أجل إقامة الهيكل الثالث.
ويستبعد الأكاديمي حسين أن تكون بعض الترجمات السابقة والمتضمنة مغالطات عديدة أي تأثير على القارئ الإسرائيلي لمحاولة تقريبه من المسلم العربي، ويشير إلى أن بعض الترجمات التي طالها العبث بمقدماتها وشروحها وتعليقاتها المعادية، من الممكن أن تساهم في حدة التباعد والعدائية بين اليهودي والمسلم، مع الأخذ بالاعتبار أن العداء موجود أصلاً نتيجة الصراع العسكري والسياسي والفكري والثقافي.
ويرى الدكتور محمد حسين أن الترجمة قناة مهمة من قنوات الاتصال مع الآخر، وفعل ثقافي متقدم يستهدف محاورته وتنمية الوعي به، ومجال يمارس المترجم تأثيره فيه، ووسيلة يستدل بها على التوجهات، وهي ليست مجرد نقل من لغة إلى أخرى، بل حوار يقوم على وجود اعتراف متبادل بين قطبي الحوار، بالحضارة والثقافة واللغة وأداة معرفية مهمة للوعي بالآخر والتعرف على فكره وثقافته وإمكانياته وفعل ثقافي لا يظهر إلا في اللحظة التي تدرك فيها الجماعة مدى احتياجها لثقافة الآخر، شرط أن تسير الترجمة وفق قيم النقل الصادق والصريح وعدم المساس بصراحة المضمون واستبعاد الأغراض المضادة.
توثيق ترجمات القرآن للعبرية
* يعد الحاخام يعقوب بن يسرائيل أول مترجم لمعاني القرآن باللغة العبرية، إذ أصدر مخطوطاً في القرن السادس عشر، إلا أنه لم يحظ بالنشر ولا بالتداول. وتمتلك مكتبة المتحف البريطاني نسخة منه، ويتضمن ثلاثة أجزاء تسرد حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم والتاريخ الإسلامي حتى نهايات العصر الأموي، إلى جانب ترجمة لـ 118 سورة.
في حين أصدر المستشرق الألماني اليهودي ريكندورف أستاذ اللغات السامية في جامعة هايدلبرج بألمانيا في القرن التاسع عشر ثاني ترجمة للقرآن بالعبرية وأول ترجمة تحظى بالنشر والتداول وكانت بعنوان (همقرأ فهوقرآن) وتعني بالعربية (المقرأ والقرآن). وفي عام 1936 أصدر المترجم يوسيف يوئيل رفلين ثالث ترجمة عبرية للقرآن وثاني ترجمة تنشر وتتداول، وكانت ترجمة مستساغة لتمكنه من اللغة العربية كتابة وتحدثا. وفي عام 1971 أصدر المترجم أهارون بن شيميش رابع ترجمة عبرية للقرآن وثالث ترجمة تحظى بالنشر مكتفيا بتقديم المعنى الكلي لخمس آيات من دون الحفاظ على تسلسل الآيات القرآنية.
--------
صحيفة الشرق الأوسط : الاحـد 04 جمـادى الثانى 1426 هـ 10 يوليو 2005 العدد 9721
http://aawsat.com/details.asp?section=43&article=311026&issueno=9721

 
مؤتمر ( جهود الأمة في خدمة القرآن الكريم وعلومه ) فاس – المغرب طباعة إرسال إلى صديق
تقييم المستخدمين: / 10
سيئجيد 
الكاتب عبد العزيز الحميد   
الخميس, 26 مايو 2011 23:21

عقد المؤتمر العالمي الأول للباحثين في القرآن الكريم وعلومه في موضوع ( جهود الأمة في خدمة القرآن الكريم وعلومه ) في فاس 10-12 جمادى الأولى 1432هـ الموافق 14-15-16 أبريل 2011
وقد نظم المؤتمر مركزان بحثيان هما :
1) مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع).
2) معهد الدراسات المصطلحية .
وبتعاون من الرابطة المحمدية للعلماء.

وفيما يلي أعرض محاور المؤتمر مع إمكانية تنزيل الزائر البحث الذي يريده بالضغط على الرابط الذي يظهر في عنوان البحث وهو مرتبط بموقع ( مبدع http://www.mobdii.com ) :

المحور الأول : جهود الأمة في حفظ القرآن الكريم

المحور الثاني : جهود الأمة في تيسير القرآن الكريم

المحور الثالث : جهود الأمة في تفسير القرآن الكريم

المحور الرابع : جهود الأمة في استنباط الهدى من القرآن الكريم

المحورالخامس : جهود الأمة في بيان إعجاز القرآن الكريم

----------------

المصدر : موقع مؤسسة البحوث والدراسات العلمية ( مبدع ) : http://www.mobdii.com

 
<< البداية < السابق 1 2 3 التالي > النهاية >>

الصفحة 1 من 3
Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
Joomla Templates by Joomlashack