الرئيسية | القرآن الكريم
 

صفحة شبكة صوت العربية في فيسبوكtwitterقناة شبكة صوت العربية في يوتيوبشبكة صوت العربية في موقع فليكر

القرآن الكريم
القراءات القرآنية - الأزهري طباعة إرسال إلى صديق
تقييم المستخدمين: / 15
سيئجيد 
الكاتب فلاح محمد آل غايب   
الاثنين, 02 ديسمبر 2013 09:29

الحمد لك رب العالمين ، يا من خلقت فأبدعت ، وأنعمت فأجزلت ، وهديتنا صراطك المستقيم ، والصلاة والسلام على حبيب الحق وشفيع الخلق ، وآله الطاهرين مصابيح التقى ، وصحبه المجاهدين سرايا الهدى .

أما بعد :

فالقراءات القرآنية قد اعتمدت أصلاً من أصول دراسة العربية الفصحى ، لأنها أوثق نص على ما كانت عليه ظواهر اللغة النحوية والصرفية والصوتية ، فلا خلاف على أن هذه القراءات ، على اختلاف أوجهها ، سجل دقيق لما كان يجري في كلام العرب من تصاريف ، ذلك أن كل قراءة تمثل وجهاً اعرابياً يختلف عن غيره ، فينشأ عن ذلك الاختلاف اختلاف في التوجيه أو التخريج ، ويقف وراء ذلك كله الاختلاف في المعنى ، اذ على اساسٍ من الاختلاف في المعنى يكون الاختلاف في نظم الكلام .

وقد اخترت كتاب (معاني القراءات) للأزهري (ت370هـ) ميداناً لدراستي ، لأنه أول كتاب في القراءات يعنى بمعانيها، اذ استقصى آراء النحويين في توجيهها ، وكانت له آراؤه في الكشف عن معانيها ، لذا جاءت تسمية الكتاب اسماً على مسمى . واخترت الجانب النحوي من الكتاب لتعلقه بالنظم القرآني وأساليبه في التعبير ، فهو ميدان المعاني .

اقرأ المزيد...
 
موقـف النحاة المعاصرين من القـراءات ‘‘الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة نموذجًا’’ مراجعة وتقويم طباعة إرسال إلى صديق
تقييم المستخدمين: / 12
سيئجيد 
الكاتب سليمان إبراهيم العايد   
الخميس, 06 يونيو 2013 13:15

ملخص:

يستغرب من يتابع ما يكتبه نحاة العصر, وما يثيرونه بل يفتعلونه من معركة بين النحاة والقرّاء, أو بين النحو والقراءات, وكأن هناك  معركة بين طرفين متعاديين, بينهما قدر كبير من التنافي, ولا مكان بينهما للتكامل, حتى إن بعضهم يصف النحاة بالطغاة, وحتى حشرهم آخرون مع المستشرقين الطاعنين في القرآن,  وغاب عن هؤلاء أو تناسوا أن النحاة في غالبهم قرّاء تتناقل الكتب التي تعنى بتراجم القرّاء, تراجمهم, وتدرج كثيرًا من أعلام النحاة فيهم, ويكفينا أن نتصفَّح على عجلٍ كتابًا من تلك الكتب.

وهذا- إن كان من باب الفخر بالنحو، والتعصّب له- غير مستغربٍ, ولا يلحقه الذمّ من كلِّ وجهٍ ما دام في حدوده المعقولة؛ فلدينا في كل علم  طائفة تغلو في علمها, وتزري بغيرها من أصحاب العلوم الأخرى, فلا يرون علمًا غير علمهم.

وقد حاول هؤلاء أن يجدوا لما يقولونه نوع شرعيّة, فالتمسوها من مقالات النحاة قديمًا وحديثًا, فإذا وجدوا ما هو زلّة في التعبير عن مسألة عاملوها كأنّها جنحة  قاتلة, أو انحراف في المنهج، و هي لا تعدو ممارسة خاطئة.

وسوف تعتمد مناقشتي لهذا الموضوع, وحواري لعلمٍ من أعلام النحو في العصر, على أصل الخلل, وهو الخلل المنهجيّ, بتقرير مبادئ المناهج العلميّة, التي تتفق فيها العلوم, مع امتاز كلِّ علمٍ بمنهجه الخاصِّ في تناول مادّته العلميّة؛ فالنحاة ينظرون للقراءات أنّها مادّة لغويّة, لا تختلف عن كلام العرب الآخر, من نثرٍ وشعرٍ؛ ولذلك يتساوى عندهم القراءة المتواترة, والمشهورة, والشاذّة, والمتروكة, وقراءة الخطأ والباطلة, التي يقرأ بها الأعراب ومن يحتجّ بلغته على خلاف قراءة القرّاء, ما دام إسنادها يصحّ إلى عربيٍّ سليم السليقة, يحتجّ بلسانه, فلو قرأ أعرابيّ شيئًا من القرآن وأخطأ فيه لكانت قراءته في النحو لديهم مقبولة, وخطؤه حجّة, ولا يلحَّن لمخالفته الصحيح الثابت من القراءة؛ لأن النحاة لا ينظرون إلى القراءة باعتبارها قراءة, ولا في حال القراء وصحّة تلقّيهم كما ينظر مشايخ الإقراء؛ فهم لا يفرِّقون بين القراءات، وإن اختلف مستواها, ولا يقولون: إنّ قراءة تلغي قراءةً أخرى, فالكل محتجّ به, فلا تردّ قراءة بقراءة، فالكل مددٌ لدرس اللغة.

وسوف يكون من ممارستي في نقاش الموضوع الرجوع إلى أصول القراءة, ومقاصدها, وموضوعها، والرجوع إلى أصول العربية, ومقاصدها, وموضوعها.

وآمل أن يكون فيما أقدّمه طرح شيءٍ فيه من الجدّة والطرافة, وتصحيح بعض ما علِق في الأذهان, ورسخ عند بعض الغيورين، الذين تدفعهم الغيرة إلى الغلوِّ والتجاوز في الحوار مع غيرهم.

وقد جاءت دراسة الموضوع على النحو التالي:

1)         ملخّص.

2)         مقدّمة.

3)         اتِّهام النحاة بتخطئة القرّاء, ونماذج منها.

4)         موقف الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة: عرض.

5)         مناقشة أفكار الشيخ عضيمة, وآرائه من خلال:

           القراء نحاة, والنحاة قرّاء.

           مبادئ.

           مفاهيم.

           نماذج وأمثلة.

6)         الخاتمة والخلاصة.

===================

مقــدمـة:

قبل الولوج في الموضوع أرى أنني بحاجة إلى العودة إلى أيام الطلب, في مرحلة الطلب في الدراسات العليا الماجستير وقد درسنا النحو على أستاذنا أحمد مكي الأنصاري, وهو ممن يغلبه حماسه للقراءات، حتّى نصب نفسه محاميًا مدافعًا عن القراء  من جور النحاة عليهم, ونسبتهم إلى ما لا يليق بهم، كما يرى؛ إذْ يقول: «لقد جاوزوا كلّ حدٍّ معقول أو مقبول حين طعنوا في بعض القراءات, وخطَّئوها, ولحَّنوا قارئها, وحرّموا القراءة بها» [سيبويه والقراءات ص249]. وحين يسم ما قام به النحاة بأنّه "هجومًٌ عنيفٌ سخيفٌ لا يليق بذي دينٍ أو ذي حياءٍ فضلا عن العلماء الأجلّاء" [سيبويه والقراءات ص249]

ومن قبل قال أستاذنا محمد عبد الخالق عضيمة: ((... القرآن الكريم حجّة في العربية بقراءاته المتواترة وغير المتواترة, كما هو حجّة في الشريعة, فالقراءات الشاذة التي فقدت شرط التواتر لا تقلّ شأنًا عن أوثق ما نقِل إلينا من ألفاظ اللغة وأساليبها, وقد أجمع العلماء على أن نقل اللغة يُكتفى فيه برواية الآحاد.

لو أراد دارس النحو أن يحتكم إلى أسلوب القرآن وقراءاته في كل ما يعرض له من قوانين النحو والصرف، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا ؛ ذلك لأن الشعر قد استبدَّ بجهد النحاة، فركنوا إليه, وعوّلوا عليه, بل جاوز كثيرٌ منهم حدّه، فنسب اللحن إلى القرّاء الأئمة, ورماهم بأنهم لا يدرون ما العربية؟! وكان تعويل النحويين على الشعر ثُغرةً نفذ منها الطاعنون عليهم؛ لأن الشعر رُوِيَ برواياتٍ كثيرة, ثمّ هو موضع ضرورة)).[من مقال له بعنوان: دراسات لأسلوب القرآن الكريم في مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية/ العدد الخامس 1395هـ 1975م ص92] و[دراسات 1/2]

وطرح سؤالًا : هل كان للنحويين استقراء للقرآن في جميع رواياته؟ فأجاب بوجوده في كتب النحو في بعض المسائل، فاستشهدوا بالقرآن وببعض القراءات، المتواتر منها وغير المتواتر، ولكنه لا يقاس باستشهادهم بالشعر الذي غلب عليهم, واستبدّ بجهدهم. [انظر دراسات لأسلوب القرآن الكريم في مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية/العدد الخامس 1395هـ 1975م ص92] وقال: ((وللنحويين بجانب هذا قوانين كثيرة لم يحتكموا فيها لأسلوب القرآن, فمنعوا أساليب كثيرة، جاء نظيرها في القرآن, من ذلك : ....)) [دراسات لأسلوب القرآن الكريم في مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية/ العدد الخامس 1395هـ 1975م ص93]

وما ذكره الشيخ من أن ((لبعض النحاة جرأة عجيبة, يجزم بأن القرآن خلا  من بعض الأساليب, من غير أن ينظر في القرآن, ويستقرئ أسلوبه, وساق أمثلة ونماذج ....)) [دراسات لأسلوب القرآن الكريم في مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية/ العدد الخامس 1395هـ 1975م ص94-95] والحق أن هذا لا يدلّ على ما قاله, بل يدلّ على العكس, وما وقعوا فيه لا يخرج عن كونه وهمًا.

ويقول: ((لست أزعم أن القرآن قد تضمّن جميع الأحكام النحويّة, فالقرآن لم ينزل ليكون كتاب نحوٍ, وإنما هو كتاب تشريع وهداية, وإنما أقول: ما جاء في القرآن كان حجّة قاطعة, وما لم يقع في القرآن نلتمسه في كلام العرب، ونظير هذا الأحكام الشرعية؛ إذا حاء الحكم في القرآن عُمِل به, وإن لم يرد به نصٌّ في القرآن التمسناه في السنة وغيرها)) [دراسات لأسلوب القرآن الكريم في مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية/ العدد الخامس 1395هـ 1975م ص95].

ومن يتتبع ما ورد في كتب النحو قديمًا يجد ما ظاهره يوافق ما قاله شيخنا، وتحاملًا على النحاة، قد يزيله حوار هذه الورقة، من مثل ما ذكره السيوطي في الإتقان، وغيره، من نقد قراءة ((ابن عامر  (زُيِّنَ) على البناء للمفعول الذي هو القتل، ونصب الأولاد، وجر الشركاء بإضافة القتل إليه مفصولًا بينهما بمفعوله، وهو ضعيف في العربية معدود من ضرورات الشعر). تبع في ذلك الزمخشري، وقد أطبق الناس على الإنكار عليه في ذلك.

قال ابن المنير: نبرأ إلى الله تعالى ونبرئ حملة كتابه وحفظة كلامه عما رماهم به، فقد ركب عمياء، وتخيل القراءة اجتهاداً أو اختيارًا لا نقلاً وإسنادًا، وزعم أن مستنده ما وجده مكتوبًا في بعض المصاحف شركائهم بالياء وجعل قراءته سمجة، ونحن نعلم أنَّ هذه القراءة قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على جبريل كما أنزلها عليه، وبلغت إلينا بالتواتر عنه، فالوجوه السبعة متواترة عن أفصح من نطق بالضاد جملةً وتفصيلًا، ولا مبالاة بقول الزمخشري وأمثاله..... [نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي 3/ 387] وبعد أن ناقش الزمخشري أورد بعض الشواهد, فقال: فهذه شواهد من العربية يجمع شملها هذه القراءة، وليس القصد تصحيح القراءة بالعربية بل تصحيح العربية بالقراءة. اهـ

قال الكواشي: كلام الزمخشري يشعر أن ابن عامر قد ارتكب محظوراً، وأن قراءته قد بلغت من الرداءة مبلغاً لم ييلغه شيء من جائز كلام العرب وأشعارهم، وأنه غير ثقة لأنه يأخذ القراءة من المصحف لا من المشايخ ومع ذلك أسندها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو جاهل بالعربية، وليس الطعن في ابن عامر طعناً فيه وإنما هو طعن في علماء الأمصار حيث جعلوه أحد القراء السبعة المرضية، وفي الفقهاء حيث لم ينكروا عليهم إجماعهم على قراءته، وأنهم يقرءونها في محاريبهم، والله أكرم من أن يجمعهم على الخطأ. اهـ

وقال أبو حيان: أعجب لعجمي ضعيف في النحو يرد على عربي صريح محض قراءة متواترة نظيرها في كلام العرب في غير ما بيت، وأعجب لسوء ظن هذا الرجل بالقراء الأئمة الذين تخيرتهم هذه الأمة لنقل كتاب الله شرقًا وغربًا، وقد اعتمد المسلمون على نقلهم لضبطهم ومعرفتهم وديانتهم. اهـ

وقال الشيخ سعد الدين: هذا عذر أشَد من الجرم؛ حيث طعن في إسناد القراء السبعة [نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي 3/ 388] وروايتهم وزعم أنَّهم إنما يقرءون من عند أنفسهم، وهذه عادته يطعن في تواتر القراءات السبع وينسب الخطأ تارة إليهم كما في هذا الموضع، وتارة إلى الرواة عنهم، وكلاهما خطأ؛ لأن القراءات متواترة، وكذا الروايات عنهم وهى ما يستشهد بها لها، وقد وقع الفصل فيها بغير الظرف ينبغي أن يحكم بالجواز [لوروده في أشعار عن العرب]. لأن تخطئة الثقات والفصحاء أبعد من ذلك، أو يعتذر لمثله بما ذكر صاحب الانتصاف من أن إضافة المصدر إلى معموله وإن كانت محضة لكنها تشبه غير المحضة، واتصاله بالمضاف إليه ليس كاتصال غيره, وقد جاز في الغير الفصل بالظرف فيتميز هو عن الغير بجواز الفصل بغير الظرف. اهـ

قال الطَّيبي: ذهب هنا إلى أن مثل هذا التركيب ممتنع، وخطأ إمام أئمة المسلمين، وضعفه في قوله (فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدَهِ رُسُلِهُ)، فبين كلاميه تخالف.

وقال مكى: لم أر أحدًا تحمل قراءته إلا على الصحة والسلامة، وقراءته أصل يستدل به لا له. [ينظر نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي 3/ 389]

وَكَثِيرًا أَرَى النَّحْوِيِّينَ يَتَحَيَّرُونَ فِي تَقْرِيرِ الْأَلْفَاظِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ، فَإِذَا اسْتَشْهَدُوا فِي تَقْرِيرِهِ بِبَيْتٍ مَجْهُولٍ فَرِحُوا بِهِ، وَأَنَا شَدِيدُ التَّعَجُّبِ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ إِذَا جَعَلُوا وُرُودَ ذَلِكَ الْبَيْتِ الْمَجْهُولِ عَلَى وَفْقِهِ دَلِيلًا عَلَى صِحَّتِهِ، فَلِأَنْ يَجْعَلُوا وُرُودَ الْقُرْآنِ بِهِ دَلِيلًا عَلَى صِحَّتِهِ كَانَ أَوْلَى. [تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير 9/ 401]

*******

اتِّهام النحاة بتخطئة القرّاء, ونماذج منها:

قال عضيمة: تبيّن لي أن أكثر النحويين ردًّا للقراءات هو أبو حاتم السجستاني, قال عنه تلميذه الْمُبَرِّدُ: كَانَ أَبُو حَاتِمٍ دُونَ أَصْحَابِهِ فِي النَّحْوِ، وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَلْدَتِهِمْ لَمْ يُلْقَ أَعْلَمُ مِنْهُ. [البحر المحيط في التفسير 8/ 231]

وَكَانَ أَبُو حَاتِمٍ يَطْعَنُ فِي بَعْضِ الْقُرْآنِ بِمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ [البحر المحيط في التفسير 9/ 439] جَسَارَةً مِنْهُ، عَفَا اللَّهُ عَنْهُ. [البحر المحيط في التفسير 9/ 440]

أضف إلى هذا أن النحويين كثُر منهم تلحين القرّاء الأئمّة, يستوي في ذلك القراءات المتواترة وغيرها, وسنعرض لذلك بتفصيلٍ وافٍ, إن شاء الله)). [دراسات 1/12-13]

ويقول الشيخ عضيمة: ((إلى سنة 1940هـ كانت معلوماتي لا تتجاوز أن الزمخشري هو الذي يطعن في القرّاء, وأن لاعتزاله إصبعًا في هذا, فلمّا قرأت "المقتضب" لأبي العبّاس المبرّد راعني أن يقول عن نافع أحد القرّاء السبعة: إنّه لا يدري ما العربيّة. كما لحّن كثيرًا من القراءات السبعة المتواترة. ولمّا وسّعت دائرة القراءة وجدت المازنيَّ سبق المبرَّدَ إلى ذلك, كما وجدت أن أبا عمرو بن العلاء قال عن قراءةٍ لابن مروان: احتبى ابن مروان في لحنه. نقل عنه سيبويه هذا, كما قال سيبويه عن قراءةٍ لنافع سبعيّة في همز النبيّ: إنّها رديئة. والفرّاء يتحدّث عن وهَمٍ القرّاء ويقول: قلّما يخلو واحدٌ من القرّاء من وَهَمٍ. تبيَّن لي أن تلك الحملة الآثمة قد استفتح بابها, وحمل لواءها نحاة البصرة المتقدِّمون, ثمّ تبعهم نحاة الكوفة وغيرهم)). [دراسات لأسلوب القرآن الكريم في مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية/ العدد الخامس 1395هـ 1975م ص96] .

قلت: الأمر ليس كما ذكر الشيخ؛ لأن الدليل كي يصبح صالحًا للاحتجاج لا بدّ فيه من توافر أمرين: الاعتداد به, وكفايته. و مقارنة النحو بالشريعة غير مسلّمة، والفرق بينهما كبير, وسأوضِّح ذلك، إن شاء الله.

وقال عضيمة: ((ونرى في كتب النحو ذكر بعض المسائل من غير استشهاد لها بكلام العرب، أو القرآن على حين أن شواهدها في القرآن كثيرة جدًّا في شرح الشافية للرضي 1/46 "يحكى عن الأخفش أن كلّ (فُعْلٍ) في الكلام فتثقيله جائز, إلا ما كان صفةً أو معتلَّ العين, كحُمْرٍ وسُوق؛ فإنهما لا يثقَّلان إلا في ضرورة الشعر, وكذا قال عيسى بن عمر: إنّ كلَّ (فُعْلٍ) كان فمن العرب من يخفِّفه, ومنهم من يثقِّلُه، نحو عُسْر, ويُسْر".

كلّ ما كان على (فُعْلٍ) في القرآن فقد قرئ فيه بالتثقيل في القراءات المتواترة {العسر, اليسر, عسرة, العسرى, جزء, الرعب, رعبًا, نكرًا, رحمًا, سحتًا, عذرًا})), وههنا إحالات على كتب القراءات تركتها.[دراسات ص12-ص13]

وفي المنهج يقول عضيمة: ((يحتفظ النحويون لأنفسهم بحرية الرأي, وانطلاق الفكر, فلا يعرفون الحجر على الآراء, ولا تقديس رأي الفرد مهما علت منزلته. قال أبو الفتح: اعلم أن إجماع أهل البلدين إنما يكون حجّة إذا أعطاك خصمك يده ألا يخالف المنصوص, والمقيس على المنصوص, فأمّا إن لم يعط يده بذلك فلا يكون إجماعهم حجّةً عليه, وذلك أنه لم يرد ممن يطاع أمره في قرآن ولا سنة أنّهم لا يجتمعون على الخطأ, كما جاء النص عن رسول الله من قوله: "أمّتي لا تجتمع على ضلالة" وإنما هو علم منتزع من استقراء هذه اللغة, فكلّ من فرِقَ له عن علّة صحيحة, وطريقٍ نهجةٍ كان خليل نفسه, وأبا عمرو فكره)).[الخصائص 1/189-190] ويقول أبو حيّان: "لسنا متعبّدين بمذهب البصريين".  فسيبويه إمام البصريين غير منازع ولا مدافع تعرّض كتابه لنقد من نحاة البصرة: الأخفش, والمازني، والمبرّد, وما أكثر ما استعمل المبرد الأسلوب اللاذع في نقد سيبويه، حتّى ابن القيِّم وهو ليس معدودًا في النحاة, يقول في [البدائع 3/28] "فسيبويه (رحمه الله) ممن يؤخذ من قوله وينرك, وأمّا أن يعتقد صحة قوله في كل شيء فكلا". ولم يكن هذا صادرًا عن صلف وكبرياء؛ فللنحويين تواضع عجيب، سيبويه الذي أثار إعجاب الناس بكتابه, وظفِر بتقديرهم, لم يبدأه بخطبة يكشف فيها عن جهوده, وإنما بدأه بالبسملة ثمّ دخل إلى الموضوع, وكذلك فعل المبرّد في (المقتضب). [دراسات 1/14-15]

قلت: لعلّ الأمر سببه أنّ تأليف كتاب سيبويه كان في بداية عصر التصنيف.

*******

ويقول عضيمة: ((يؤسفني أن أقول: إن كتب النحو واللغة والتفسير وغيرها قد تضمّنت نصوصًا كثيرة في الطعن على الأئمّة القرّاء الذين تواترت قراءاتهم في السبع, والذين ارتضت الأمّة الإسلاميّة قراءاتهم, فركنوا إليها, وعوّلوا عليها.

أ‌-          في مراتب النحويين لأبي الطيِّب اللغويِّ  ص26-27 سأل أبو حاتم عن حمزةَ أبا زيدٍ، والأصمعيَّ، ويعقوبَ الحضرميَّ, وغيرهم من العلماء، فأجمعوا على أنّه لم يكن شيئًا, ولم يكن يعرف كلام العرب, ولا النحو, ولا كان يدّعي ذلك, وكان يلحن في القرآن, ولا يعقله يقول: "وما أنتم بمصرخيِّ"  بكسر الياء المشدّدة, وليس ذلك من كلام العرب, ونحو هذا من القراءة. قال أبو حاتم: وإنما أهل الكوفة يكابرون فيه ويباهتون؛ فقد صيَّره الجهّال من الناس شيئًا عظيمًا بالمكابرة والبهت)).  [دراسات عضيمة 1/19]

ب‌-        قال أبو عثمان المازني في التصريف: فأمّا قراءة من قرأ من أهل المدينة "معايش" بالهمز, فهي خطأ؛ فلا يلتفت إليها, وإنما أخذت عن نافع بن أبي نعيمٍ, ولم يكن يدري ما العربية, وله أحرفٌ يقرؤها لحنًا نحوًا من هذا. [المنصف 1/307] وقد ردّد هذا الكلام المبرّد في [المقتضب 1/123]. [دراسات عضيمة 1/20]

ت‌-        أورد عضيمة نصًّا لابن قتيبة، هو ((وليست تخلو هذه الحروف من أن تكون على مذهب من مذاهب أهل الإعراب فيها، أو أن تكون غلطًا من الكاتب، كما ذكرت عائشة رضي الله عنها. فإن كانت على مذاهب النحويين فليس هاهنا لحن بحمد الله. وإن كانت خطأ في الكتاب، فليس على رسوله   جناية الكاتب في الخط. ولو كان هذا عيبا يرجع على القرآن، لرجع عليه كل خطأ وقع في كتابة المصحف من طريق التّهجّي: [تأويل مشكل القرآن ص: 41]..... وكذلك لحن اللاحنين من القرّاء المتأخرين، لا يجعل حجّة على الكتاب. وقد كان الناس قديما يقرءون بلغاتهم كما أعلمتك. ثم خلف قوم بعد قوم من أهل الأمصار وأبناء العجم ليس لهم طبع اللغة، ولا علم التكلّف، فَهَفَوْا في كثير من الحروف وزلّوا وقرءوا بالشاذ وأخلّوا. منهم رجل ستر الله عليه عند العوام بالصلاح، وقرّبه من القلوب بالدين.

لم أر فيمن تتبعت وجوه قراءته أكثر تخليطا، ولا أشد اضطرابا منه، لأنه يستعمل في الحرف ما يدعه في نظيره، ثم يؤصِّل أصلًا ويخالف إلى غيره لغير ما علّة. ويختار في كثير من الحروف ما لا مخرج له إلَّا على طلب الحيلة الضعيفة. هذا إلى نبذه في قراءته مذاهب العرب وأهل الحجاز بإفراطه في المد والهمزة [تأويل مشكل القرآن ص: 42])) لعلّ ابن قتيبة يقصد حمزة. قال ابن مطرف الكناني في القرطين 2/15: «باقي الباب لم أكتبه لما فيه من الطعن على حمزة, وكان أورع أهل زمانه».

ث‌-        ونقل عضيمة كلام الزركشي «عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ كره قراءة حَمْزَةَ لِمَا فِيهَا مِنْ طُولِ الْمَدِّ وَغَيْرِهِ فَقَالَ لَا تُعْجِبُنِي وَلَوْ كَانَتْ مُتَوَاتِرَةً لَمَا كَرِهَهَا» [البرهان في علوم القرآن 1/ 320]

ج‌-         ونقل أيضا كلام الفراء : ((وقد خفض الياء من قوله (بِمُصْرِخِيّ) الأعمش ويحيى بن وثَّاب جَميعًا. حَدَّثَنِي القاسم بن مَعْن عَن الْأَعْمَش عَن يَحْيَى أَنَّهُ خفض الياء. قَالَ الفراء: ولعلها من وَهْم القراء طبقة يَحْيَى فإنه قل من سلم منهم من الوهم. ولعله ظَنَّ أن الباء فِي (بِمصرخي) خافضة للحرف كله، والياء من المتكلم خارجة من ذَلِكَ)). [معاني القرآن للفراء 2/ 75] وهي قراءة حمزة . وأعاد هذا الكلام أبو عبيدة القاسم بن سلام  كما في البحر 5/419 [دراسات عضيمة 1/20]

ح‌-         وكذلك قوله عز وجل: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} مختلسًا غير ممكن كسر الهمزة, حتى دعا ذلك من لطف عليه تحصيل اللفظ إلى أن ادعى أن أبا عمرو كان يسكن الهمزة والذي رواه صاحب الكتاب اختلاس هذه الحركة لا حذفها البتة, وهو أضبط لهذا الأمر من غيره من القراء الذين رووه ساكنًا. ولم يؤت القوم في ذلك من ضعف أمانة، لكن أتوا من ضعف دراية.[الخصائص 1/73- 74]

خ‌-         قال الزمخشري: ((وقرئ: فيغفر ويعذب، مجزومين عطفًا على جواب الشرط، ومرفوعين على: فهو يغفر ويعذب. فإن قلت: كيف يقرأ الجازم؟ قلت: يظهر الراء ويدغم الباء. ومدغم الراء في اللام لاحن مخطئ خطأً فاحشًا. وراويه عن أبى عمرو مخطئ مرّتين، لأنه يلحن وينسب إلى أعلم الناس بالعربية ما يؤذن بجهل عظيم. والسبب في نحو هذه الروايات قلة ضبط الرواة، والسبب في قلة الضبط قلة الدراية، ولا يضبط نحو هذا إلا أهل النحو)) . [تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل 1/ 330]

د‌-          همز "مَعَايِش, ومَصَاوِب" خطأ: قال أبو عثمان: فأما قراءة من قرأ من أهل المدينة: "معائش" بالهمز فهي خطأ, فلا يلتفت إليها، وإنما أخذت عن نافع بن أبي نعيم، ولم يكن يدري ما العربية, وله أحرف يقرؤها لحنا نحوا من هذا. [المنصف لابن جني، شرح كتاب التصريف لأبي عثمان المازني ص: 307] قال أبو الفتح: قد اختلفت الرواية عن نافع، فأكثر أصحابه يروي عنه: "مَعَايِش" بلا همز، والذي روى عنه بالهمز خارجة بن مصعب. وإنما كان همزها خطأ عنده؛ لأنها لا تخلو من أن تكون جمع "معاش، أو معيشة, أو معيش" [المنصف لابن جني، شرح كتاب التصريف لأبي عثمان المازني ص: 308] لا يهمزها، وإنما يجوز مثل هذا الغلط عندهم لما يستهويهم من الشبه؛ لأنهم ليست لهم قياسات يستعصمون بها. وإنما يخلدون إلى طبائعهم، فمن أجل ذلك قرأ الحسن البصري رحمة الله عليه: "وما تنزلت به الشَّيَاطون"؛ لأنه توهم أنه جمع التصحيح نحو "الزيدون" وليس منه.وكذلك قراءته: "ولا أَدْرَأْتُكُم به" جاء به كأنه من "درأته" أي: دفعته وليس منه, وإنما هو من "دريت بالشيء" أي: علمت به, وكذلك قراءة من قرأ "عادَ للُّؤلى", فهمز وهو خطأ منه. [المنصف لابن جني، شرح كتاب التصريف لأبي عثمان المازني ص: 311]

ذ‌-          قال المازني في ختام كتابه "التصريف"  ((والتصريف إنما ينبغي أن ينظر فيه من قد نقّب في العربية؛ فإنّ فيه إشكالا وصعوبة على من ركبه غير ناظر في غيره من النحو, وإنما هو والإدغام والإمالة فضل من فضول العربية. وأكثر من يسأل عن الإدغام والإمالة القرّاء للقرآن، فيصعب عليهم؛ لأنهم لم يعملوا أنفسهم فيما هو دونه من العربية, فربما سأل الرجل منهم عن المسألة قد سأل عنها بعض العلماء, فكتب لفظه، فإن أجابه غير ذلك العالم بمعناه، وخالف لفظه كان عنده مخطئًا, فلا يلتفت إلى قوله: أخطأت، فإنما يحمله على ذلك جهله بالمعاني, وتعلقه بالألفاظ)). [المنصف2341]

ر‌-         قال أبو الفتح: هذا الذي حكاه أبو عثمان عن هؤلاء القوم مستفيض مشهور, وقد مرّ بي منه مع كثيرٍ منهم أشياء كثيرة, لا تساوي حكايتها, وهم عندي كالمعذورين فيه؛ لصعوبة هذا الشأن.

ز‌-         وحكي  لي عن بعض مشايخهم ممّن كان له اسم فيهم وصيت أنه قال: الأصل في "قوّة" : قوية" كأنّه لمّا رأى أن اللام في "قويت" ياءً توهّمها أصلا في الكلمة ولم يعلم أنها انقلبت عن الواو لانكسار ما قبلها؛ ولا أنّ "القوّة" من مضاعف الواو, ولو توقّف عن الفتيا – بما لا يعلم – لكان أشبه به وأليق.  [المنصف 2/431 دراسات  عضيمة 1/21]

وقال الشيخ عضيمة: ((تلحين القرّاء هذه الحملة الآثمة استفتح بابها, وحمل لواءها نحاة البصرة المتقدِّمون, ثم تابعهم غيرهم من اللغويين, والمفسِّرين, ومصنِّفي القراءات. وفي البخاري حديث عن عائشة  رضي الله عنها في ردِّ قراءة [كُذِبوا] بالتخفيف من قوله {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } [يوسف: 110] )) [دراسات عضيمة ص19] وأورد ما في البحاري ((عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ لَهُ وَهُوَ يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ} [يوسف: 110] قَالَ: قُلْتُ: أَكُذِبُوا أَمْ كُذِّبُوا؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: «كُذِّبُوا» قُلْتُ: فَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ فَمَا هُوَ بِالظَّنِّ؟ قَالَتْ: «أَجَلْ لَعَمْرِي لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ» فَقُلْتُ لَهَا: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا، قَالَتْ: «مَعَاذَ اللَّهِ لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا» [صحيح البخاري 6/77-78])). [دراسات عضيمة ص19]

((3)) اتِّهام النحاة بتخطئة القرّاء, ونماذج منها.

 ((وكذلك قراءة الحسن: "ولا أَدْرَأْتُكُم به" جاء به كأنه من "درأته" أي: دفعته وليس منه, وإنما هو من "دريت بالشيء" أي: علمت به, وكذلك قراءة من قرأ "عادَ للُّؤلى", فهمز وهو خطأ منه. وهو بمنزلة قول الشاعر:

لحب المؤقدان إلى مُؤْسَى

فهمز الواو الساكنة؛ لأنه توهم الضمة قبلها فيها.

ومن ذهب إلى أن "أَوّل من وَألَ" فهو عندنا مخطئ؛ لأنه لا حجة له عليه -وقد ذكرته قبل- ولهذا الغلط نظائر في كلامهم، فإذا جاءك فاعرفه لتسلمه كما سمعته ولا تقس عليه)). [المنصف لابن جني، شرح كتاب التصريف لأبي عثمان المازني ص: 311]

قيل له: هيهات! ما أبعدك عن تصور أحوالهم, وبعد أغراضهم ولطف أسرارهم, حتى كأنك لم ترهم وقد ضايقوا أنفسهم, وخففوا عن ألسنتهم, بأن اختلسوا الحركات اختلاسًا وأخفوها فلم يمكنوها في أماكن كثيرة ولم يشبعوها؛ ألا ترى إلى قراءة أبي عمرو " مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ " مختلسًا لا محققًا؛ وكذلك قوله عز وجل: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} مخفي لا مستوفي, وكذلك قوله عز وجل: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} مختلسًا غير ممكِّنٍ كسْرَ الهمزة, حتى دعا ذلك من لطف عليه تحصيل اللفظ إلى أن ادعى أن أبا عمرو كان يسكن الهمزة والذي رواه صاحب الكتاب اختلاس هذه الحركة لا حذفها البتة, وهو أضبط لهذا الأمر من غيره من القراء الذين رووه ساكنًا. ولم يؤت القوم في ذلك من ضعف أمانة، لكن أتوا من ضعف دراية. وأبلغ من هذا في المعنى ما رواه من قول الراجز:

متى أنام لا يؤرقني الكري ..... ليلًا ولا أسمع أجراس المطيّْ

بإشمام القاف من يؤرقني ومعلوم أن هذا الإشمام إنما هو للعين لا للأذن وليست هناك حركة البتة ولو كانت فيه حركة لكسرت الوزن ألا ترى أن الوزن من الرجز ولو اعتدت القاف متحركة لصار من الكامل. فإذا قنعوا من الحركة بأن يومئوا إليها بالآلة التي من عاداتها أن تستعمل في النطق بها من غير أن يخرجوا إلى حس السمع شيئًا من الحركة مشبعة ولا مختلسة أعني إعمالهم الشفتين للإشمام في المرفوع بغير صوت يسمع هناك لم يبق وراء ذلك شيء يستدل به على عنايتهم بهذا الأمر ألا ترى إلى مصارفتهم أنفسهم في الحركة على قلتها ولطفها, حتى يخرجوها تارة مختلسة غير مشبعة وأخرى مشمة للعين لا للأذن. ومما أسكنوا فيه الحرف إسكانًا صريحًا ما أنشده من قوله: [الخصائص 1/73- 74]

رحت وفي رجليك ما فيهما  ....  و قد  بدا  هَنْكَ  من  المِئْزَرِ

بسكون النون البتة من "هنك ". وأنشدنا أبو عليٍّ رحمه الله لجرير:

سيروا بني العم فالأهواز منزلكم ... ونهر تيرى فلا تعرفكم العرب

بسكون فاء تعرفكم أنشدنا هذا بالموصل سنة إحدى وأربعين, وقد سئل عن قول الشاعر:

فلما تبين غب أمري وأمره  ....  وولت بأعجاز الأمور صدور

وقال الراعي:

تأبى قضاعة أن تعرفْ لكم نسبا ... وابنا نزار فأنتم بيضةُ البَلَدِ

وعلى هذا حملوا بيت لبيد:

تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبطْ بعضَ النفوس حِمامُها

وبيت الكتاب:

فاليوم أشرب غير مستحقب ...... إثمًا من   الله    ولا واغــل

[الخصائص 1/ 75]

وعليه ما أنشده من قوله:

إذا اعوججن قلت: صاحب قوم

واعتراض أبي العباس في هذا الموضع إنما هو رَدٌّ للرواية, وتحكم على السماع بالشهوة مجردة من النَّصِفَةِ, ونفسه ظلم لا من جعله خصمه. وهذا واضح. ومنه إسكانهم نحو رسل, وعجز, وعضد, وظرف, وكرم, وعلم, وكتف, وكبد وعصر. [الخصائص 1/ 76]

********

 ((وللرد على النحويين في تحكيم أقيستهم نسوق أقوال العلماء في ذلك)) عضيمة 1/27 ((ومنهم من قال أن يكون الأول حرف مد ولين, نحو محيايْ في قراءة الإسكان, ولو سلّم أن النحويين اتفقوا على الأول لم يمنعنا ذلك من القراءة بالإدغام المحض، لأن القراءة لا تتبع العربية بل العربية تتبع القراءة لأنها مسموعة من أفصح العرب بإجماع وهو نبينا- صلى الله عليه وسلّم- ومن أصحابه ومن بعدهم إلى أن فسدت الألسن بكثرة المولَّدين، وهم أيضا من أفصح العرب، وقد قال ابن الحاجب ما معناه: إذا اختلف النحويون والقراء كان المصير إلى القراء أولى؛ لأنهم ناقلون عمن ثبتت عصمته من الغلط، ولأن القراءة ثبتت تواترًا ,وما نقله النحويون آحاد، ثم لو سلّم أن ذلك ليس بمتواتر؛ فالقراء أعدل وأكثر فالرجوع إليهم أولى, وأيضًا فلا ينعقد إجماع النحويين بدونهم لأنهم شاركوهم في نقل اللغة، وكثير منهم من النحويين.

وهذا كلام ليس مسلَّمًا به، فالتواتر والآحاد، لا أهمّيّة له في النحو واللغة، إذ المهمُّ هو أفراد المرويِّ سواء كان آحادًا أم متواترًا, ولا ينازع النحاة في أن ما جاء في القراءة، وإن خالف قياس النحاة، هو المتبوع قراءةً، وليس معناه لزومَ أن نقيس عليه، وإن كان ما جاء في القراءة أولى بالاستعمال من القياس، بل يتعيَّن في ذاته, وإن لم يصحّ القياس عليه، ولا تأسيس ضوابط مطّردة تبنى عليه.

وكون القرّاء أعدل ليس مناطًا يعلّق عليه الحكم اللغويّ؛ فالمهمّ هو أن يكون من رُوِيَتْ عنه اللغة سليم السليقة، يتكلّم على جبلّته اللغويّة، لا يستطيع تغييرها، ولا تكلّف غيرها، ينطق على سجيّته وطبعه، وأهل النحو واللغة أخذوا عن الأعراب مباشرة، وأسانيدهم عالية، تفوق في علوِّها أسانيد القرّاء، وغيرهم كالمحدِّثين والأخباريين والمؤرِّخين.

وأمّا دليل الإجماع عند النحاة فهو محلّ رفضٍ لدى أكثر النحاة للاختلاف فيمن ينعقد بهم إجماع أهل العربيّة، وليس له مكان في الحديث عن تفضيل القرّاء على النحاة في اللغة, ومشاركتهم النحاة في روايتها.

وكلام الفخر الآتي لا قيمة له، وهو كلام من لم يلمَّ بطريقة النحاة في الاحتجاج؛ إذ لا يصحّحون القراءة بكلام العرب، وإنّما يصحِّحون القراءة بالرواية وإسنادها، ومدى إتقان القارئ قراءته، وإن خالفت كلام العرب، وقياس النحاة؛ لأنّها دليل بنفسها، والكلام هو في طرد القياس عليها وعدمه, وهو موضع كلام النحاة، وحين يستشهدون للقراءة بشيءٍ من كلام العرب إنما يؤازرونها ويقوّونها، ويحتجّون لها، وإن لم يلزم منه القياس. وهم بفعلهم لا يثبتون القراءة، وإنّما يقصدون إلى إثباتِ نظيرٍ لها من كلام العرب. كما أنّهم لم يقيموا قواعدهم, ولم يؤسِّسوا لضوابطهم، بالبيت والبيتين، بل لهم أصول أبانها علماء العربية، عليها بنِيَت القواعد، ورُسِمت الضوابط.

وقال الإمام الفخر ما معناه: أنا شديد العجب من النحويين إذا وجد أحدهم بيتا من الشعر، ولو كان قائله مجهولا يجعله دليلا على صحة القراءة، وفرح به، ولو جعل ورود القراءة دليلا على صحته كان أولى.

وقال صاحب الانتصاف (هو ابن المنيِّر الإسكندري ت683هـ): «ليس القصد تصحيح القراءة بالعربية بل تصحيح العربية بالقراءة».

قلت: لم يقصد النحاة إلى تصحيح القراءة بالعربية، فهم مسلِّمون لها، قابلوها، بل يقرءون بها، ويؤثرونها على ما لديهم من قواعد وأقيسة، وإن خالفتها، كما أنّه لا تصحّح العربية بالقراءة لا تصحّح القراءة بالعربية؛ لأن القراءة كسائر كلام العرب الثابت المرويِّ عمّن يحتجّ بلغته؛ فالكلّ دليل نحويّ، ويعامل معاملة الدليل النحويّ في الاحتجاج به، بشرطي الاعتداد به وكفايته، كما لا تصحّح القراءة بأقيسة العربية؛ لأنها مرويّة بالسند المتّصل شفاهًا عمّن يحتجّ بلغته، بل هو الأفصح لسانًا والأصحّ بيانًا.

وقال السيوطي في كتابه الاقتراح في أصول النحو: «فكل ما ورد أنه قرئ به جاز الاحتجاج به في العربية, سواء كان متواترًا، أم آحادًا، أم شاذًّا»، ثم قال: «وكان قوم من النحاة المتقدمين يعيبون على عاصم وحمزة وابن عامر قراءات بعيدة في العربية وينسبونهم إلى اللحن وهم مخطئون في ذلك فإن قراءتهم ثابتة بالأسانيد المتواترة لا طعن فيها وثبوت ذلك دليل على جوازه في العربية»، وقد ردّ المتأخرون منهم ابن مالك  على من عاب عليهم بأبلغ رد، واختار ما وردت به قراءتهم في العربية، وإن منعه الأكثرون. [ينظر كلام ابن ملك وتعقيب الشاطبي في موضعه من هذا العمل] .

فالحاصل أن الحق الذي لا شك فيه، والتحقيق الذي لا تعويل إلا عليه أن الجمع بين الساكنين جائز، لورود الأدلة القاطعة به، فما من قارئ من السبعة وغيرهم إلا وقرأ به في بعض المواضع، وورد عن العرب، وحكاه الثقات عنهم، واختاره جماعة من أئمة اللغة منهم أبو عبيدة، وناهيك به، وقال: هو لغة النبي فيما يروى عنه نِعْمَّا بإسكان العين وتشديد الميم. نِعْمّا المال الصالح للرجل الصالح، و حكى النحويُّونَ الكوفيُّونَ سماعًا من العرب شهر رمضان مدغما، و حكى سيبويه ذلك في الشعر، وإنما أطلت في هذه المسألة الكلام لأنه اللائق بالمقام. وعن الفرّاء: غلط الشيخ في قراءته «الشياطون» ظنّ أنها النون التي على هجاءين، فقال النضر بن شميل: إن جاز أن يحتج بقول العجاج ورؤبة، فهلا جاز أن يحتجّ بقول الحسن وصاحبه- يريد: محمد بن السميفع- مع أنا نعلم أنهما لم يقرءا به إلا وقد سمعا فيه. [تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل 3/ 339] اوقال أبو حيّان: "الشَّيَاطُونَ، وَتَقَدَّمَتْ فِي الْبَقَرَةِ، وَقَدْ رَدَّهَا أَبُو حَاتِمٍ والفرّاء، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هِيَ غَلَطٌ مِنْهُ أَوْ عَلَيْهِ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: هُوَ غَلَطٌ عِنْدَ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ. وَقَالَ الَمَهْدَوِيُّ: هُوَ غَيْرُ جَائِزٍ فِي الْعَرَبِيَّةِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: غَلِطَ الشَّيْخُ، ظَنَّ أَنَّهَا النُّونُ الَّتِي عَلَى هَجَائِنَ. فَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: إنْ جَازَ أَنْ يُحْتَجَّ بِقَوْلِ الْعَجَّاجِ وَرُؤْبَةَ، فَهَلَّا جَازَ أَنْ يُحْتَجَّ بِقَوْلِ الْحَسَنِ وَصَاحِبِهِ، يُرِيدُ مُحَمَّدَ بْنَ السَّمَيْفَعِ، مَعَ أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُمَا لَمْ يَقْرَآ بِهَا إِلَّا وَقَدْ سَمِعَا فِيهِ؟ [البحر المحيط في التفسير 8/ 196] وابن السميفع هو (محمد بن السميفع اليماني أحد القراء، له قراءة شاذة منقطعة السند، قاله أبو عمرو الداني، وَغيره. الداني: لا أعلم لقراءة ابن السميفع قراءة يوصلها وإنما يروى موقوف عليه قال: وَلا أعلم له راويًا غير إسماعيل بن مسلم.) [لسان الميزان ترجمة 6886].

وَفي بعض مسائل الإدغام بين النحاة والقرّاء قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ((وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ نَخْسِفْ بِهِمْ، بِالْإِدْغَامِ، وَلَيْسَتْ بِقَوِيَّةٍ. انْتَهَى. وَالْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، وَيُوجَدُ فِيهَا الْفَصِيحُ وَالْأَفْصَحُ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ تَيْسِيرِهِ تَعَالَى الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَلَا الْتِفَاتَ لِقَوْلِ أَبِي عَلِيٍّ وَلَا الزَّمَخْشَرِيِّ. [البحر المحيط في التفسير 8/ 523] ومراده بـ "ليست بقويّةٍ" أنّها ليست بقويةٍ في قياس النحو، ولم يطعن في سندها وثبوتها قراءةً, وهو لا يزيد على قول أبي عليٍّ وغيره، وينظر في هذا ما أوردنه ص . وتفسير الزمخشريِّ للردِّ واضح، لا يتعارض مع ما قلناه، ممّا لا يدع مجالا لتحميل كلامه ما لا يحتمل.

وَأَدْغَمَ الْكِسَائِيُّ الْفَاءَ فِي الْبَاءِ فِي نَخْسِفْ بِهِمْ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ الْبَاءَ أَضْعَفُ فِي الصَّوْتِ مِنَ الْفَاءِ، فَلَا تُدْغَمُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتِ الْبَاءُ تُدْغَمُ فِي الْفَاءِ، نَحْوُ: اضرب فُلَانًا، وَهَذَا [مثل] مَا تُدْغَمُ الْبَاءُ فِي الْمِيمِ، كَقَوْلِكَ: اضْرِبْ مَالِكًا، وَلَا تُدْغَمُ الْمِيمُ فِي الْبَاءِ، كَقَوْلِكَ: اصمم بِكَ، لِأَنَّ الْبَاءَ انْحَطَّتْ عَنِ الْمِيمِ بِفَقْدِ الْغُنَّةِ الَّتِي فِي الْمِيمِ. [البحر المحيط في التفسير 8/ 523]

قَالَ صَاحِبُ (الْمُمْتِعِ): لَا يُجِيزُ سِيبَوَيْهِ إِسْكَانَ هَذِهِ التَّاءِ فِي تَتَكَلَّمُونَ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّهَا إِذَا سَكَنَتِ احْتِيجَ لَهَا أَلِفُ وَصْلٍ، وَأَلِفُ الْوَصْلِ لَا تَلْحَقُ الْفِعْلَ الْمُضَارِعَ، فَإِذَا اتَّصَلَتْ بِمَا قَبْلَهَا جَازَ، لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى هَمْزَةِ وَصْلٍ. إِلَّا أَنَّ مِثْلَ إِنْ تَوَلَّوْا وإِذْ تَلَقَّوْنَهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ عَلَى حَالٍ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ السَّاكِنَيْنِ، وَلَيْسَ السَّاكِنُ الأول حرفَ مدٍّ ولينٍ. انْتَهَى كَلَامُهُ.

وَقِرَاءَةُ الْبَزِّيِّ ثَابِتَةٌ تَلَقَّتْهَا الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ، وَلَيْسَ الْعِلْمُ مَحْصُورًا وَلَا مَقْصُورًا عَلَى مَا نَقَلَهُ وَقَالَهُ الْبَصْرِيُّونَ، فَلَا تَنْظُرُ إِلَى قَوْلِهِمْ: إِنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ. [البحر المحيط في التفسير 2/ 679]

قلت: ((هذا كلام غير علميّ، لو جاز في القرآن لم يبنَ عليه قاعدة، ولا يلزم من وروده في القرآن جعله قياسًا مطّردًا)). وقول أبي حيّان ((فلا تنظر إلى قولهم)) قولٌ لم يحرَّر؛ فالنحاة يتحدَّثون عن القياس, ولا يتحدّثون عن القراءة من حيث هي قراءة؛ فالقراءة عندهم محفوظة لا تخالف، ويجب اتِّباعها، وإن خالف القواعد والقياس، وهم إنّما يمنعون القياس عليها، ولا يقصِدون إلى تخطئة القراءة، وعدم جواز القراءة بها، أو التشكيك في روايتها، والأمر مختلف، كما بيّنّا في مواضع من هذا العمل.

((فَإِنْ سَكَنَتِ الرَّاءُ أَدْغَمَهَا فِي اللَّامِ بِلَا خِلَافٍ عَنْهُ إِلَّا مَا رَوَى أَحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِلَا خِلَافٍ عَنْهُ، عَنِ الْيَزِيدِيِّ، عَنْهُ: أَنَّهُ أَظْهَرَهَا، وَذَلِكَ إِذَا قَرَأَ بِإِظْهَارِ الْمِثْلَيْنِ، وَالْمُتَقَارِبَيْنِ الْمُتَحَرِّكَيْنِ لَا غَيْرَ، عَلَى أَنَّ الْمَعْمُولَ فِي مَذْهَبِهِ بِالْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا عَلَى الْإِدْغَامِ نَحْوُ: وَيَغْفِرْ لَكُمْ. انْتَهَى. وَأَجَازَ ذَلِكَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ وَحَكَيَاهُ سَمَاعًا، وَوَافَقَهُمَا عَلَى سَمَاعِهِ رِوَايَةً وَإِجَازَةً أَبُو جَعْفَرٍ الرُّؤَاسِيُّ، وَهُوَ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَالْعَرَبِيَّةِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ، وَقَدْ وَافَقَهُمْ أَبُو عَمْرٍو عَلَى الْإِدْغَامِ رِوَايَةً وَإِجَازَةً، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَتَابَعَهُ يَعْقُوبُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ حَسَّانَ. وَالْإِدْغَامُ وَجْهٌ مِنَ الْقِيَاسِ، ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ (التَّكْمِيلِ لِشَرْحِ التَّسْهِيلِ) مِنْ تَأْلِيفِنَا، وَقَدِ اعْتَمَدَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّ مَا رُوِيَ عَنِ الْقُرَّاءِ مِنَ الْإِدْغَامِ الَّذِي مَنَعَهُ الْبَصْرِيُّونَ يَكُونُ ذَلِكَ إِخْفَاءً لَا إِدْغَامًا، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَقِدَ فِي الْقُرَّاءِ أَنَّهُمْ غَلَطُوا، وَمَا ضَبَطُوا، وَلَا فَرَّقُوا بَيْنَ الْإِخْفَاءِ وَالْإِدْغَامِ، وَعَقْدَ هَذَا الرَّجُلُ بَابًا قَالَ: هَذَا بَابٌ يَذْكُرُ فِيهِ مَا أَدْغَمَتِ الْقُرَّاءُ مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِدْغَامُهُ، وَهَذَا لَا يَنْبَغِي، فَإِنَّ لِسَانَ الْعَرَبِ لَيْسَ مَحْصُورًا فِيمَا نَقَلَهُ البصريون فقط، والقراآت لَا تَجِيءُ عَلَى مَا عَلِمَهُ الْبَصْرِيُّونَ وَنَقَلُوهُ، بَلِ الْقُرَّاءُ مِنَ الْكُوفِيِّينَ يَكَادُونَ يَكُونُونَ مِثْلَ قُرَّاءِ الْبَصْرَةِ، وَقَدِ اتَّفَقَ عَلَى نَقْلِ إدغام الراء في اللام كَبِيرُ الْبَصْرِيِّينَ وَرَأْسُهُمْ: أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ، وَيَعْقُوبُ الْحَضْرَمِيُّ. وَكُبَرَاءُ أَهْلِ الْكُوفَةِ: الرُّؤَاسِيُّ، وَالْكِسَائِيُّ، وَالْفَرَّاءُ، وَأَجَازُوهُ وَرَووهُ عَنِ الْعَرَبِ، فَوَجَبَ قَبُولُهُ, وَالرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى عِلْمِهِمْ وَنَقْلِهِمْ؛ إِذْ مَنْ عَلِمَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْلَمْ.

وَأَمَّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: إِنَّ رَاوِي ذَلِكَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو مُخْطِئٌ مَرَّتَيْنِ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ صَوَابٌ، وَالَّذِي رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ الرُّوَاةُ، وَمِنْهُمْ: أَبُو مُحَمَّدٍ الْيَزِيدِيُّ وَهُوَ إِمَامٌ فِي النَّحْوِ, إِمَامٌ في القراءات, إِمَامٌ فِي اللُّغَاتِ)). [البحر المحيط في التفسير 2/ 754] 

قلت: الإدغام صحيح في القراءة, يحفظ ولا يقاس عليه، وكلام النحاة عن تأسيس قياسٍ يطّرِد. وقول أبي حيّان لا يخلو من تحاملٍ وغلوٍّ يجافي الحقيقة؛ فنحاة البصرة لم يدّعوا ولا غيرهم الإحاطة باللغة وكلام العرب، واستعمالاتهم، فإمام أهل البصرة في العربية والقراءة أبو عمرو بن العلاء، هو الذي قال: ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا، ولو جاءكم لجاءكم علم وشعر كثير، غير أنّهم إنّما يهتمّون بما يؤسِّسون عليه قياسهم، وهو الأعمّ, ويطَّرحون ما سواه ممّا يخرج عن قياسهم، ويعدّونه لغاتٍ من لغات العرب، للمتكلّم أن يستعملها كما جاءت، لا يتعدّى ذلك إلى القياس عليها، كما بيّنّا في مواضع من هذا العمل.

وقال أبو حيّان: ((وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: مَعايِشَ بِالْيَاءِ وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّ الْيَاءَ فِي الْمُفْرَدِ هِيَ أَصْلٌ لَا زَائِدَةٌ فَتُهْمَزُ وَإِنَّمَا تُهْمَزُ الزَّائِدَةُ نَحْوُ: صَحَائِفُ فِي صَحِيفَةٍ، وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالْأَعْمَشُ وَخَارِجَةُ عَنْ نَافِعٍ وَابْنُ عَامِرٍ فِي رِوَايَةٍ: مَعَائِشَ بِالْهَمْزَةِ وَلَيْسَ بِالْقِيَاسِ لَكِنَّهُمْ رَوَوْهُ وَهُمْ ثِقَاتٌ فَوَجَبَ قَبُولُهُ وَشَذَّ هَذَا الْهَمْزُ، كَمَا شذ في منائر جَمْعِ مَنَارَةٍ وَأَصْلُهَا مَنْوَرَةٌ وَفِي مَصَائِبَ جَمْعِ مُصِيبَةٍ وَأَصْلُهَا مُصْوِبَةٌ وَكَانَ الْقِيَاسُ مَنَاوِرَ وَمَصَاوِبَ. وَقَدْ قَالُوا: مَصَاوِبَ عَلَى الْأَصْلِ, كَمَا قَالُوا فِي جَمْعِ مَقَامَةٍ مَقَاوِمَ وَمَعُونَةٍ مَعَاوِنَ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: جَمِيعُ نُحَاةِ الْبَصْرَةِ تَزْعُمُ أَنَّ هَمْزَهَا خَطَأٌ، وَلَا أَعْلَمُ لَهَا وَجْهًا إِلَّا التَّشْبِيهَ بِصَحِيفَةٍ وَصَحَائِفَ, وَلَا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ. وَقَالَ الْمَازِنِيُّ: أَصْلُ أَخْذِ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ عَنْ نَافِعٍ وَلَمْ يَكُنْ يَدْرِي مَا الْعَرَبِيَّةُ وَكَلَامُ العرب التصحيح فِي نَحْوِ هَذَا. انْتَهَى. وَلَسْنَا مُتَعَبِّدِينَ بِأَقْوَالِ نُحَاةِ الْبَصْرَةِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: رُبَّمَا هَمَزَتِ الْعَرَبُ هَذَا وَشَبَهَهُ يتوهّمون أنها فعلية فَيُشَبِّهُونَ مُفْعِلَةَ بِفَعِيلَةَ. انْتَهَى. فَهَذَا نَقْلٌ مِنَ الْفَرَّاءِ عَنِ الْعَرَبِ أَنَّهُمْ رُبَّمَا يَهْمِزُونَ هَذَا وَشَبَهَهُ, وَجَاءَ به نقل الْقِرَاءَةِ الثِّقَاتُ، ابْنُ عَامِرٍ وَهُوَ عَرَبِيٌّ صُرَاحٌ وَقَدْ أَخَذَ الْقُرْآنَ عَنْ عُثْمَانَ قَبْلَ ظُهُورِ اللَّحْنِ، وَالْأَعْرَجُ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ قُرَّاءِ التَّابِعِينَ، وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَهُوَ مِنَ الْفَصَاحَةِ وَالْعِلْمِ بِالْمَكَانِ الَّذِي قَلَّ أَنْ يُدَانِيَهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ، وَالْأَعْمَشُ وَهُوَ مِنَ الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ وَالْحِفْظِ وَالثِّقَةِ بِمَكَانٍ، وَنَافِعٌ وَهُوَ قَدْ قَرَأَ عَلَى سَبْعِينَ مِنَ التَّابِعِينَ وَهُمْ مِنَ الْفَصَاحَةِ وَالضَّبْطِ وَالثِّقَةِ بِالْمَحَلِّ الَّذِي لَا يُجْهَلُ، فَوَجَبَ قَبُولُ مَا نَقَلُوهُ إِلَيْنَا وَلَا مُبَالَاةَ بِمُخَالَفَةِ نُحَاةِ الْبَصْرَةِ فِي مِثْلِ هَذَا، وَأَمَّا قَوْلُ المازني أصل أخذ هذه الْقِرَاءَةِ عَنْ نَافِعٍ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهَا نُقِلَتْ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ وَعَنِ الْأَعْرَجِ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالْأَعْمَشُ وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنَّ نَافِعًا لَمْ يَكُنْ يَدْرِي مَا الْعَرَبِيَّةُ فَشَهَادَةٌ عَلَى النَّفْيِ وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا الْعَرَبِيَّةُ, وَهِيَ هَذِهِ الصِّنَاعَةُ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى التَّكَلُّمِ بِلِسَانِ الْعَرَبِ فَهُوَ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ؛ إِذْ هُوَ فَصِيحٌ مُتَكَلِّمٌ بِالْعَرَبِيَّةِ نَاقِلٌ لِلْقِرَاءَةِ عَنِ الْعَرَبِ الْفُصَحَاءِ وَكَثِيرٌ من هؤلاء النُّحَاةِ يُسِيئُونَ الظَّنَّ بِالْقُرَّاءِ ولا يجوز لهم)) [البحر المحيط في التفسير 5/ 15]

وقوله((وَلَسْنَا مُتَعَبِّدِينَ بِأَقْوَالِ نُحَاةِ الْبَصْرَةِ)) إيراد مثل هذه العبارة، من توظيف النصِّ الشرعيِّ ليؤدِّي مهمّة في مسألة علميّة, وهوتوظيف غير مقبول، ولسنا بأتقى وأورع من النحاة الذين يضعون القراءة موضعها الصحيح. وكلام الفرّاء لا يخرج عن كلام النحاة؛ فهو يقول: إنّه قليل في كلام العرب، وهذا لا يلزم منه القياس عليه، وهل قال أحدٌ: إنّ القُرّاء  يقرءون بما يخالف العربية، أو يقرءون بما ليس له مثيلٌ في لغةٍ من لغات العرب، أو نظير؟

وكذا قوله)) فَوَجَبَ قَبُولُ مَا نَقَلُوهُ إِلَيْنَا وَلَا مُبَالَاةَ بِمُخَالَفَةِ نُحَاةِ الْبَصْرَةِ فِي مِثْلِ هَذَا)). لا يلتفت لمثله؛ إذ هو كلام خطابيّ، بعيد عن أصول العلم؛ إذ كيف يهمل كلام أئمّة العربية في شأنٍ من شئونها؟!ومن المرجع إذا لم يكن علماء البصرة هم المرجع؟!

*     *     *

موقف الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة: عرض.

عقد الشيخ عضيمة فصلًا للقراء السبعة ونصيب كل منهم في تلحين قراءته, ثم الطوائف التي لحّنت القراءات من الصحابة والتابعين, كابن عباس، وعائشة, وشريح القاضي, والنحويين القراء, أمثال: أبي عمرو, والكسائي, والنحويين الذين لم يصفهم بالقراء، مثل: سيبويه, وأبي الحسن الأخفش, والفراء, والمازني, والمبرّد, والزجاج, وأبي جعفر النحاس, وأبي علي الفارسي, وأبي الفتح بن جني, والزمخشري, وكمال الدين الأنباري, وأبي البقاء العكبري. ومن اللغويين أمثال الأصمعي, وأبي عبيدٍ القاسم بن سلام, وأبي حاتم السجستاني, وابن قتيبة, وابن خالويه, والجوهريّ. ومن المفسّرين أمثال: ابن جرير الطبري, وابن عطية. ومن مصنفي القراءات والقراء, أمثال: أبي بكر بن مجاهد, وعاصم الجحدري, وهارون الأعور.

أسباب طعن النحاة في القراءات والقرّاء من وجهة نظر الشيخ عضيمة:

رجع الشيخ عضيمة موقف النحاة من بعض القراءات إلى ستة أسباب:

1)         الاحتكام إلى ما وضعوه من قواعد, وسنّوه من قوانين؛ من مثل: الفصل بين المضاف والمضاف إليه, والعطف على الضمير المجرور من غير إعادة الخافض, والعطف على معمولي عاملين مختلفين, وإضافة مائة إلى الجمع, وتسكين لام الأمر مع "ثمّ", وإدغام الراء في اللام, والفاء في الباء، وتسكين الحركة الإعرابية, واجتماع الساكنين على غير حدِّه.

2)         خفاء توجيه القراءة لدى بعضهم ، مثل توهيم الفارسي قارئ "هِئْتَ لك"[يوسف آية 23] بفتح التاء وكسر الهاء. وتلحين المبرّد تشديد "لمّا" , من قوله {وإِن كُلًّا لمّا} [هود آية 111] وذكر أمثلة أخرى في [دراسات لأسلوب القرآن 1/22-23]

3)         أخذهم بالشائع من اللغات وإغفال ما سواه، مثل قراءة ابن عامر{يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} [الأنعام: 52] بالواو {بالغدوة}واتهام أبي عبيدة له أنه إنما قرأ تلك القراءة اتّباعًا لخطِّ المصحف, وليس في إثبات الواو في الكتاب دليل على القراءة بها ....إلخ.  ومثل قراءة الأعمش: وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ [إبراهيم: 22] بكسر الياء، كأنه ظن أن الباء تخفض الحرف كله، واتّبعه على ذلك (حمزة) .[تأويل مشكل القرآن ص: 44]

4)         عدم ورود الوزن عن العرب ، "مثل ميسُرة"{فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ } [البقرة: 280] قراءة ضم العين(السين) وقد أنكرها الأخفش. وقراءة شنآن بإسكان النون.

5)         النظر إلى مناسبة المعنى مثل كسر الهمزة من "أنْ" في قراءة ابن كثير لقوله تعالى {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [المائدة: 2 ] فهذه الآية نزلت عام الفتح سنة ثمانٍ للهجرة, والصدّ في الحديبية سنة ستٍّ، وقد خطّأ قراءة ابن كثيرٍ أبو جعفر النحّاس. .

6)         مخالفة الاستعمال وإن وافق القواعد, مثل قراءة ((أئِمّة)) بالياء ، موافقة للقياس الصرفي، قال الزمخشري: ((وتحقيق الهمزتين قراءة مشهورة، وإن لم تكن بمقبولة عند البصريين. وأما التصريح بالياء فليس بقراءة. ولا يجوز أن تكون قراءة. ومن صرح بها فهو لا حن محرف)). [تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل 2/ 251] والهمز قراءة أبي عمرو وابن كثير ونافع. ومثل قراءة ابن كثير, ونافع, وحمزة {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ} [الزمر: 9]بتخفيف الميم, وضعّفها الأخفش, وأبو حاتم. البحر المحيط 7/418 [ينظر دراسات لعضيمة 1/25]

*******

مناقشة أفكار الشيخ عضيمة, وآرائه

وقد انبرى الشيخ عضيمة للردّ على النحاة فيما ذهبوا إليه بشأن القراءات بكلامٍ خلاصته: أن إنكار عائشة وابن عباس ومن حذا حذوهما لبعض القراءات كان قبل معرفة المتواتر من غيره في القراءات، وقبل التسبيع, وما صحبه من تقسيم القراءة إلى متواترة، ومشهورة، وشاذة، وباطلة. وذهب إلى أنه ليس كل صحابي كان يحفظ جميع روايات القراءة, وأورد في ذلك قصّة عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم، وكلامه على صحته لا يدل على  تخطئة من اجتهد وهو أهل للاجتهاد في ردّه ما لم يبلغه من العلم والرواية، وهو ما يفعله في ردِّ القراءة النحاة واللغويون والقراء وغيرهم في رد ما يستغربونه من القراءة, أو لم يتّسق مع ما لديهم من قوانين العربية وقواعدها المطردة. واستأنس بكلام بعض النحاة قبله في ردِّهم على من اعترض القراءات، من نحو ردِّ أبي حيّان قولَ ابن عطية: ((وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر «يغشي» من أغشى، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي «يغشّي» بالتشديد من غشّى، وهما طريقان في تعدية «غشي» إلى مفعولٍ ثانٍ، وقرأ حميد «يغشى» بفتح الياء والشين ونصب «الليل» ورفع «النهار» ، كذا قال أبو الفتح وقال أبو عمرو الدانيُّ برفع «الليل» قال القاضي أبو محمد: وأبو الفتح أثبت)). [تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 2/ 409]

قال أبوحيّان: ((... يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً التَّغْشِيَةُ التَّغْطِيَةُ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُذْهِبُ اللَّيْلُ نُورَ النَّهَارِ لِيَتِمَّ قِوَامُ الْحَيَاةِ فِي الدُّنْيَا بِمَجِيءِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَاللَّيْلُ لِلسُّكُونِ وَالنَّهَارُ لِلْحَرَكَةِ, وَفَحْوَى الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهَارَ يُغْشِيهِ اللَّهُ اللَّيْلَ, وَهُمَا مَفْعُولَانِ؛ لِأَنَّ التَّضْعِيفَ وَالْهَمْزَةَ مُعَدِّيَانِ، وَقَرَأَ بِالتَّضْعِيفِ الْأَخَوَانِ وَأَبُو بَكْرٍ وَبِإِسْكَانِ الْغَيْنِ بَاقِي السَّبْعَةِ وَبِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ وَفَتْحِ الشِّينِ وَضَمِّ اللَّامِ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ كَذَا قَالَ عَنْهُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ، وَقَالَ أَبُو الْفَتْحِ عُثْمَانُ بْنُ جِنِّي عَنْ حُمَيْدٍ بِنَصْبِ اللَّيْلَ وَرَفْعِ النَّهارَ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَأَبُو الْفَتْحِ أَثْبَتُ. انْتَهَى وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مِنْ أَنَّ أَبَا الْفَتْحِ أَثْبَتُ كَلَامٌ لَا يَصِحُّ؛ إِذْ رُتْبَةُ أَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ فِي الْقِرَاءَاتِ وَمَعْرِفَتِهَا وَضَبْطِ رِوَايَاتِهَا وَاخْتِصَاصُهُ بِذَلِكَ بِالْمَكَانِ الَّذِي لَا يُدَانِيهِ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَاتِ, فَضْلًا عَنِ النحاة الذين ليسوا مقرئين, وَلَا رَوَوُا الْقُرْآنَ عَنْ أَحَدٍ وَلَا رُوِيَ عَنْهُمُ الْقُرْآنُ هَذَا مَعَ الدِّيَانَةِ الزَّائِدَةِ وَالتَّثَبُّتِ فِي النَّقْلِ وعدم التجاسر ووفور الحظِّ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ, فَقَدْ رَأَيْتُ لَهُ كِتَابًا فِي "كَلَّا" وَكِتَابًا فِي إِدْغَامِ أَبِي عَمْرٍو الْكَبِيرِ دَلَّا عَلَى اطِّلَاعِهِ عَلَى مَا لَا يَكَادُ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ النحاة ولا المقرئين، إِلَى سَائِرِ تَصَانِيفِهِ (رَحِمَهُ اللَّهُ) وَالَّذِي نَقَلَهُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ أَمْكَنُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِأَنَّ ذَلِكَ مُوَافِقٌ لِقِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ؛ إِذِ اللَّيْلُ فِي قِرَاءَتِهِمْ وَإِنْ كَانَ مَنْصُوبًا هُوَ الْفَاعِلُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى؛ إِذْ هَمْزَةُ النَّقْلِ أَوِ التَّضْعِيفُ صَيَّرَهُ مَفْعُولًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثَانِيًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِأَنَّ الْمَنْصُوبَيْنِ تَعَدَّى إِلَيْهِمَا الْفِعْلُ وَأَحَدُهُمَا فَاعِلٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا كَمَا لَزِمَ ذَلِكَ فِي مَلَّكْتُ زَيْدًا عَمْرًا؛ إِذْ رُتْبَةُ التَّقْدِيمِ هِيَ الْمُوَضِّحَةُ أَنَّهُ الْفَاعِلُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى كَمَا لَزِمَ ذَلِكَ فِي ضَرَبَ مُوسَى عِيسَى وَالْجُمْلَةُ مِنْ يَطْلُبُهُ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى, وَهُوَ اللَّيْلُ إِذْ هُوَ الْمُحَدَّثُ عَنْهُ قَبْلَ التَّعْدِيَةِ وَتَقْدِيرُهُ حَاثًّا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا من النَّهَارِ وَتَقْدِيرُهُ مَحْثُوثًا, وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: طَلَبًا حَثِيثًا أي: حاثا أَوْ مُحِثًّا وَنِسْبَةُ الطَّلَبِ إِلَى اللَّيْلِ مَجَازِيَّةٌ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ تَعَاقُبِهِ اللَّازِمِ فَكَأَنَّهُ طَالِبٌ لَهُ لَا يُدْرِكُهُ، بَلْ هُوَ فِي إِثْرِهِ بِحَيْثُ يَكَادُ يُدْرِكُهُ, وَقَدَّمَ اللَّيْلَ هُنَا كَمَا قَدَّمَهُ فِي )ُىولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ(  وَفِي )وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ ( وَفِي) وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ( [البحر المحيط في التفسير 5/ 66]

********

أ –  القراء نحاة, والنحاة قرّاء.

الصلة بين علوم العربية وعلوم القرآن منذ نشأة علوم العربية ، بل كان القرآن هو السبب لظهورها ، وتدوينها ، واشتغال الناس بها ، وجعلها أساس العلوم ؛ إذ يحكى أنَّ زيادًا لما ولي العراق لمعاوية t بعث إلى أبي الأسود ( ظالم بن عمرو ) الدُّؤلي وقال له : اعمل شيئًا تكون فيه إمامًا ، تُعْرِبُ به كتابَ الله ( تعالى ) ، وينتفع الناس به ، فاستعفاه من ذلك ، حتّى سمع رجلًا يقرأ (( أنّ الله بريء من المشركين ورسوله )) بكسر اللام ، فقال : ما ظننت أمر الناسِ صار إلى هذا ، أو لا أظن يَسَعُني إلاّ أنْ أضَعَ شيئًا أُصْلِحُ به نحو هذا ، أو كلام هذا معناه، فوضع النحو)). [أبو الطَّيِّب اللّغويّ ( ت 351 هـ ) مراتب النحويين / تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ص8] ((فجاء أبو الأسود إلى زيادٍ ، فقال له : أبْغِني كاتبًا يفهمُ عَنِّي ما أقول، فجيء برجُلٍ من عبد القيس ، فلم يَرْض فهمه، فأُتِيَ بآخر من قريش، فقال له: إذا رأيتني قد فتحتُ فمي بالحرف، فانقط نُقْطةً على أعلاه، وإذا ضَمَمْتُ فمي فانقط نقطةً بين يدي الحرف، وإذا كسَرْتُ فمي فاجْعَلِ النقطة تحت الحرف، فإنْ أتْبعْتُ شيئًا من ذلك غُنَّةً ، فاجْعَلِ النقطة نقطتين ، ففَعَل ، فهذا نقط أبي الأسود )). [مراتب النحويين ص10-ص11 وانظر المعرّي تاريخ العلماء النحويّين ص 167 ] .

وكان علماءُ العربيّة الأوائل يجمعون إلى علم العربيّة علمًا أو أكثر من علوم القرآن ، من قراءة ، أو تفسير ، أو غير ذلك ، فقد (( أخذ عبد الله ابن أبي إسحاق عن يحيى بن يعمر القراءة، وأخذها عن نصر ابن عاصم ))  [مراتب النحويين ص 32].  وكان أبو عمرو بن العلاء إمامًا في العربيّة والقراءة ، حتّى (( قال شعبة لعليّ بن نصر الجهضمي : خُذِ قراءة أبي عمروٍ ، فيوشِكُ أن تكون إسنادًا .  قال أبو حاتمٍ : وكان أبو عمروٍ يكتب إلى عكرمة بن خالدٍ في مكّة ، فيسأله عن الحروف ))  [مراتب النحويين ص 35].

وممّن فاق في الإقراء والقراءة عاصم بن أبي النّجود وابن محيصن ، وكانا يلمّان بشيءٍ من النحو. [مراتب لنحويين ص 49].

وممّن أجاد النحو من القُرّاء يحيى بن يعمر ، كان أعلم النّاس وأفصحهم ، ومع ذلك لا يذكرونه ؛ لأنَّه استبدَّ بالنّحو غيرُه [مراتب لنحويين ص50].

وكان الأوائل من أهل العلم يَعُدُّون العلم بالعربيّة منقبةً للقارئ ، ومدعاةً لتفضيله على غيره ، حتّى (( قال أبو حاتم ( عن حمزة الزّيّات ) : وإنّما أهل الكوفة يكابرون فيه ، ويباهتون ، فقد صَيَّره الجُهَّال من النّاس شيئًا عظيمًا بالمكابرة والبَهْتِ ، وقولُ ذوي اللِّحى العظام منهم : ((كانتِ الجِنُّ تقرأُ على حمزةَ )) .  قال : الجنُّ لم تقرأْ على ابن مسعودٍ ، والذين من  بعده ، فكيف خصّت حمزة بالقراءة عليه ؟ وكيف يكون رئيسًا وهو لا يعرفُ الساكن من المتحرّك ، ولا مواضع الوقف والاستئناف ، ولا مواضِعَ القطع والوصل والهمز ! وإنما يحسن مثل هذا أهل البصرة ، لأنهم علماء بالعربية ، قرّاء رؤساء ))  [مراتب النحويين ص 52 – 53].  وكان الأصمعيُّ : (( لا يفسِّر شيئًا من القرآن ، ولا شيئًا من اللُّغة له نظير ، أو اشتقاق في القرآنِ ، وكذلك الحديث تحرُّجًا )) [مراتب النحويين ص83].

و(( قال أبو حاتمٍ : الكسائيُّ أعلم الكوفيّين بالعربية والقرآن ، وهو قدوتهم ))  [مراتب النحويين ص121].

و(( قال المازني : قرأت على يعقوب الحضرميِّ القرآن ، فلمّا ختمْتُ رمى إليَّ بخاتمه ، وقال : خُذْ ، ليس لك مثل .

وختم أبو حاتم على يعقوب سبع خَتَماتٍ ، ويُقالُ : خمسًا وعشرين ختمةً ، فأعطاه خاتمه ، وقال : أقْرئ النّاسَ [مراتب النحويين ص126].

(( كان أبو حاتم في نهاية الثقة والإتقان ، والنهوض باللُّغة والقرآن مع علمٍ واسعٍ بالإعراب أيضًا )) [مراتب النحويين ص130 وانظر ص131-ص132].

هذه شذراتٌ من كتاب تراجم للغويين ، ولو نقلنا نظرنا إلى كتابٍ في تراجم القُرَّاء نموذجًا لعلوم القرآن ، وقرأنا في كتاب (( معرفة القُرّاء الكبار للذّهبيّ شمس الدين محمد بن أحمد ( ت 748 هـ ) لوجدنا فيه كثيرًا من مثل: (( قال اليزيديُّ: كان أبو عمروٍ قد عرف القراءات، فقرأ من كل قراءة بأحسنها ، وبما يختار العرب ، وممّا بلغه عن لغة النّبيّ × وجاء تصديقه في كتاب الله ( عزّ وجلّ ) )) [معرفة القرّاء الكبار / تحقيق محمد سيد جاد الحق ، ط أولى ، القاهرة ص4]. ونجد مثل (( أحكم العربية ))  [ص54]، ومثل (( النحويّ ))  [ص55، 109]، و(( قرأ العربيّة )) .  ومثل (( كان عاصم نحويًّا فصيحًا ))  [ص75] و(( كان حمزة الزَّيَّاتُ بصيرًا بالعربيّة ))  [ص93] و(( إليه ( الكسائي ) انتهت الإمامةُ في القراءة والعربيّة ))  [ص101]، ومثل (( كان أبو المنذر المُزنيّ فصيحًا نحويًّا ))  [ص110]. ومثل ((كان يحيى بن المبارك اليزيديُّ فصيحًا مُفوَّهًا، بارعًا في اللُّغاتِ والآداب )) [ص125] ومثل (( ثمّ اشتغل ورشٌ بالقرآن والعربيّة فمهر فيهما ))  [ص126] .  (( وتبتَّلَ قالونُ لإقراء القرآن والعربيّة )) [ص129].  وقول أبي حاتم السجستاني في يعقوب بن إسحاق الحضرميّ: (( هو أعلم من رأيت بالحروف والاختلافِ في القرآنِ وعلله ومذاهبه ، ومذاهب النحويّين )) [ص130 وانظر ص131].  (( وكان لا يلحن في كلامه ))  [ص131]و(( برع العبّاس ابن الفضل في معرفة الإدغام الكبير، وورد أنّه ناظر الكِسائيّ في الإمالة ))  [ص133]. (( وكان القاسم بن سلاّم من أعلم أهل زمانه بلغات العرب ))  [ص141] وقالوا في أحمد بن صالح (( كان رجلًا جامعًا يعرفُ الفقه والحديثَ والنحو ))  [ص153].  و(( صنّف محمد ابن سعدان في العربيّة والقرآن ))  [ص178 وانظر ترجمة هارون بن موسى ص199].  وقالوا عن أبي حاتم السجستانيّ : (( له اليدُ الطُّولى في اللُّغاتِ ، والشّعر ، والأخبار ، والعروض ، واستخراج المعمّى ، ولم يكُ في النّحو بذاك الماهر ، وقد قرأ كتاب سيبويه مرّتين على الأخفش ))  [ص179].  ونجد مثل (( المقرئ الأديب )) [ص197]، و((المقرئ المؤدِّب )) [ص196]،  وقال أبو عليّ القاليّ عن محمّد بن القاسم الأنباريِّ : (( كان يحفظ ثلثمائة ألف بيتٍ شاهدًا في القرآن )) [ص225] ، وفي ترجمة أحمد بن يعقوب التائب : (( له كتابٌ حَسَنٌ في القراءاتِ ، وهو إمام في هذه الصنعةِ ، ضابطٌ ، بصيرٌ بالعربيّة )) [ص227].  ومثل (( كان محمد بن النّضْرِ عارفًا بعلل القراءاتِ بصيرًا بالتفسير والعربيّة )) [ص235]، وفي ترجمة أبي بكر محمد بن مقسم : (( كان من أحفظ أهل زمانه لنحو الكوفيّين ، وأعرفهم بالقراءات مشهورها وغريبها وشاذّها .  قال أبو عمروٍ الدانيُّ : (( هو مشهور بالضبط والإتقانِ ، عالمٌ بالعربيّة ، حافظ للغة ، حَسَنُ التصنيف في علوم القرآن )) [ص247].  وفي ترجمة أحمد بن نصر (( عالم بالقراءة ، بصير بالعربيّة )) [ص258] ومثله في ترجمة علي بن محمد الأنطاكي [ص275]، وفي ترجمة محمد بن عبد الله بن أبي بكر الأصبهاني (( ثقةٌ عالم بالعربيّة )) [ص259].  وفي ترجمة عبد الله بن عطيّة (( كان يحفظ فيما يقالُ خمسين أَلْفَ بيتٍ للاستشهاد على معاني القرآن )) [ص281].  وفي ترجمة عبد الباقي ابن الحُسَيْنِ: (( كان عالمًا بالعربية بصيرًا بالمعاني )) [ص287].  وفي ترجمة أبي عمر الطَّلَمَنْكي : (( كان رأسًا في علم القرآن : قراءاته وإعرابه )) [ص309].  وفي ترجمة مكي (( كان من أهل التبحُّر في علوم القراءات والعربية ... عالمًا بمعاني القراءات ))  [ص317] وكان أحمد بن عمّارٍ ( ت 430 هـ ) (( رأسًا في القراءات والعربيّة )) [ص320] وتصدر إسماعيل بن خلفٍ ( ت 455 هـ ) (( للإقراء زمانًا ولتعليم العربية )) [ص341]  وكان عبد الرحمن بن أحمد الرّازي العجليّ ( ت 504 هـ ) (( عالمًا بالأدب والنحو )) [ص337 ]وينظر ترجمة عبد الملك بن سلمة [ص427] (( وكان الهذليُّ يدرس علم النحو ويفهم الكلام منه وكان مقدّمًا في النحو والصرف ، عارفًا بالعلل ، وكان القشيريُّ يراجعه في مسائل النحو )) [ص349 ].  وكان أبو محمّد التميميّ ( ت 488 هـ ) (( مفسِّرًا لُغويًّا )) [ص356 ] ، و(( تصدّر ابن شعيب لإقراء القرآن والعربية والآداب ))  [ص 359].  وفي ترجمة صاحب التجريد (( قرأ العربيّة على ابن بابشاذ ))  [ص383 ] .  وكان عبد الله بن سعدون ( ت قبل 540 هـ ) (( محققًا للعربيَّة )) [ص398 ].  و(( برع عبد الله بن عمرو بن هشام في العربية ))  [ص 419].  و(( أخذ عنه أبو عمر بن عيّادٍ القراءات والتجويد )) [ص 419].  (( وكان أبو بكرٍ اللّخميُّ إمامًا في صناعةِ الإقراء ، مشاركًا في العربيّة ))  [ص 425].  وفي ترجمة يحيى بن سعدون ( ت 567 ) (( المقرئ النحويّ ... برع على الزمخشريِّ وغيره في العربيَّة )) [ص 429 ] وينظر ترجمة محمد بن خلف (ت585هـ) [ص442]. وكان الحسن بن أحمد الهمذانيّ ( ت 569 هـ ) إمامًا في النحو واللغة )) [ص 435]. وكان لعبد المنعم بن أبي بكر (ت 586 هـ) (( حظٌّ من العربيّة ))  [ص 444]  . (( وكان زيد بن الحسن ، أبو اليمن الكنديّ شيخَ القُرَّاء والنحاة بدمشق )). [ص 467] (( وكان شعلةُ ( ت 656 هـ ) ذا معرفةٍ تامّةٍ بالعربية واللُّغة ))  [ص536]. (( وانتهت إلى محمد بن عليّ الشاطبيِّ معرفة اللغة وغريبها )) [ص 542 ].  و(( كان العماد الأصفهاني ( ت 682 هـ ) فصيحًا مُفَوَّهًا، جيِّد العربيّة )) [ص 550].  وكان محمد بن أبي العلاء ( ت 569 هـ ) (( جيِّد المعرفة بالأدب )) [ص 568].  وفي ترجمة أبي حيَّانَ (( له مصنّفات في القراءاتِ والنحو ))  [ص 578].  وفي ترجمة أبي بكر بن يوسف (( ولي مشيخة القراءة والعربيّة )) [ص 596].  وطلحة بن عبد الله مهر في القراءات والعربية [ص 597].  ووصف إسماعيل بن محمد ( ت715هـ ) بمعرفة القراءة ، والبصر بالعربيّة  [ص 599]. و(( محمد بن خالدِ بن بختيار النحويّ .. تخرج به جماعة في العربيّة )) [ص 55].  والحسن بن عليّ بن عُبيدة النحويّ أخذ العربيّة عن أبي السعاداتِ بن الشجريّ [ص 55].  وفي ترجمة عبد الرحمن بن هرمز (( أوّل من وضع العربيّة بالمدينة )) [ص 63].

وقد قيل نحو من هذه العباراتِ في أمثال ابن مالك وغيره من الأئمّة، وفيما أوردناه كفاية، وهو يُصوِّر مدى الترابط والتلازم بين العربية وعلومها والقرآن وعلومه من قراءاتٍ، وتفسير، ورسم، وغير ذلك .

وأنت لو نظرت تراجم القرّاء، وتأمَّلْتَ أحوالهم لوجدت أنّ المقدَّم منهم في القراءة متقدّم في علم العربيّة ، والمتوسّط متوسّط ، والضعيف ضعيف ، فلا تكادُ تجدُ متقدِّمًا في القراءة ، وترى في ترجمته مثلًا (( ونظر في العربيّة )) [ص 581]، أو نحوها من العبارات التي توحي بضعف علمه في العربيّة.  ولو نظرت في ترجمة أبي بكر بن محمّد المرسيّ لوجدت فيها (( تصدَّر لتعليم النحو )) [ص 590]، (( ولم يكن من ذلك الوقت يجاريه أحدٌ لا في القراءاتِ ولا في النحو )) [ص 590].  و(( تخرّج به جماعة في القراءات والعربية والأصول ))  [ص 590].  (( ولم أشاهد أحدًا في القراءات مثله )) [ص 590]، ومثل هذا في ترجمة محمد بن أحمد بن بضحان  [ص 592]، وكان إحكام العربيّة مدعاةً لحذقِ الفَنّ وعلم القراءة ، كما جاء في ترجمة محمد بن أيُّوبَ ( ت 705 هـ ) الذي قيل عنه (( أقرأ الناس دهرًا ، وأحكم العربية ، وشارك في اللُّغة ... وكان حاذقًا بالفنّ عليمًا بالحلّ لحرز الأمانيّ ... )) [ص 575].  وقد وصف يوسفَ بن إبراهيم بإحكام العربيّة.[ص 54]

وكان القرّاء سابقًا يبذلون ما يملكونه في سبيل إتقان العربيّة ، قال خلف بن هشام ( 150 - 229 هـ ) : (( أشكل عليّ بابٌ من النحو ، فأنفقت ثمانيةَ آلاف درهمٍ ، حتّى حذفته )) [ص 172].  وكانوا يعنون بمعرفة من أخذ عنهم القارئ علم العربية، النحو ، واللغة ، والأدب ، والمعاني ، وقد مَرَّ ما يشهد لهذا في النصوص المنقولة آنفًا .

والتميُّز في علوم العربية مدعاة الاستقلال والانفراد بقراءة ، ومدعاة للاجتهاد في الاختيار (( قيل : إنّ ورشًا لمّا تعمَّق في النحو اتّخذ لنفسِه مقرأَ ورشٍ ، فلمّا جئت [ القائل أبو يعقوب الأزرق ] لأقرأ عليه قلت له يا أبا سعيد : إنِّي أُحِبُّ أن تقرئني مقرأ نافع خالصًا ، وتدعني ممّا استحسنْتَ لنفسك ،فقلَّدته مقرأ نافع )) [ص 150].  ويظهر ممّا أوردناه من نصوصٍ أنهم ما كانوا يقنعون بإتقان علوم العربيّة صناعةً ، بل كانوا يطلبون الفصاحة ، وكانت الفصاحة قبل أن تُدَوَّنَ علوم العربية [ص 74]، وقالوا في عاصم : (( كان نحويًّا فصيحًا )) [ص 75] و(( كان ذا نُسُكٍ وأدبٍ، وفصاحة، وصوت حَسَن )) [ص 76].  (( وكان أحمد بن عبد العزيز من أطيب النّاسِ صوتًا ، وأفصحهم أداءً )) [ص 254].  وقد وصف عبد الوارث التنوُّري بالفصاحة والبلاغة ، قال أبو عمر الجرميُّ : (( ما رأيْتُ فقيهًا أفصح منه )) [ص 135].  وفي ترجمة أحمد بن إبراهيم بن سباع الفزاري ( ت 705 هـ ) (( كان أحسن أهل زمانه قراءةً للحديث ؛ لأنَّه كان فصيحًا مفوَّهًا ، عديم اللّحن، عذب العبارة ، طيِّب الصّوت ، خبيرًا باللُّغة ، رأسًا في العربيّة وعللها )) [ص 571].

وكان ممّا ينتقص به المقرئ أو القارئ قصوره في العربية ، كما قال أبو حيّان في حسن بن عبد الله التلمساني ( ت 685 هـ ) كان بربريًّا ، في لسانه شيءٌ من رطانتهم ، وكان مشهورًا بالقراءات ، عنده نزرٌ يسيرٌ جدًّا من العربيّة ، كألفيةِ ابن معط ، ومقدمة ابن بابشاذ ، يحلّ ذلك لمن يقرأ عليه )) [ص 561].  وقد ردَّ الذّهبيّ على أبي حيَّان قوله فيه، وقال : (( إنّه كان عارفًا بالعربيّة، بل قويّ المعرفة، ويكفيه أن يشرح ألفيّة ابن معطٍ للناس... )) [ص 560-561].  وكان القصور في علم العربيّة مدعاةً إلى القصور في علم القراءاتِ ، كما قيل في محمد بن منصور ( ت 700 هـ ) : إنّه لم يبرع في العربيّة ... وكان متوسِّط المعرفةِ في القراءات )) [ص 569].  وقال عاصمٌ : (( من لم يحسِن من العربيَّةِ إلاّ وجْهًا لم يُحْسِنْ شيئًا )) [ص 75].

وبعد ، فلعلّ هذه النظرة العجلى في كتابٍ ترجم للنحاة واللغويين ، وآخر ترجم القرّاء ما يقفنا على الصلة الوثيقة بين علوم القرآن وعلوم العربية، وكأنّهما توْأمان، لا ينفكُّ أحدهما عن الآخر .  والنوعان من العلوم مختلفان.  فأوّلهما غاية ، والعلوم  الأخرى خدمٌ له، والثاني آلةٌ يتوصَّل بها إلى فهم النوع الأوّل، وخدمته وإتقانه. ولا نغالي إذا قلنا : إنّ علوم العربية على اختلاف أنواعها ، إنّما وُجِدَتْ لخدمة القرآن وعلومه، ولعلّ المسلمين لم يُعْنوا بالعربية وآدابها، ولم يخدموها إلاّ لأنّها تمسُّ أو تخدم القرآنَ وعلومه، من قراءةٍ، ورسم ، وإعراب ، وبلاغة، وإعجاز، ومعنى وتفسير .

تلاقت جهود علماء العربيّة، وجهود خدمة القرآن في ميادين: علم الرسم، وألفاظ القرآن، ومعاني القرآن الكريم، وتفسيره، والاحتجاج للقراءات وبها، وإعجاز القرآن، وأوجه بلاغة القرآن, ودراسات عامة حول القرآن .

ب - مبادئ وأوّليّات ومسلَّمات لا بُدَّ من مراعاتها في مناقشة الموضوع:

1-         القراءة سنة متّبعة:   عَنِ الأَصْمَعِيِّ: قَالَ لِي أَبُو عَمْرٍو بنُ العَلاَءِ: لَوْ تَهَيَّأَ أَنْ أُفْرِغَ مَا فِي صَدْرِي مِنَ العِلْمِ فِي صَدْرِكَ، لَفَعلْتُ، وَلَقَدْ حَفِظتُ فِي عِلْمِ القُرْآنِ أَشْيَاءَ، لَوْ كَتَبتُ، مَا قَدَرَ الأَعْمَشُ عَلَى حَمْلِهَا، وَلَوْلاَ أَنْ لَيْسَ لِي أَنْ أَقرَأَ إِلاَّ بِمَا قُرِئَ، لَقَرَأْتُ حَرْفَ كَذَا ... ، وَذَكَرَ حُرُوْفاً. [سير أعلام النبلاء ط الرسالة 6/ 408] عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: انْظُرْ مَا يَقْرَأُ بِهِ أَبُو عَمْرٍو مِمَّا يَختَارُه، فَاكتُبْهُ، فَإِنَّهُ سَيَصِيْرُ لِلنَّاسِ أُسْتَاذًا. [سير أعلام النبلاء ط الرسالة 6/ 408]

قال سيبويه: ((فأما قوله عزّ وجلّ: " إنا كل شيء خَلِقْنَاهُ بِقَدَرٍ "، فإِنّما هو على قوله: زيداً ضربتُه، وهو عربيٌّ كثير. وقد قرأَ بعضهم: "وأما ثمودُ فهديناهُمْ"، إلاَّ أنّ القراءة لا تُخالَفُ؛ لأنّ القراءة السُّنَّةُ. [الكتاب لسيبويه 1/ 148] وقد قرأ أناس: "والسارقَ والسارقةَ"و" الزانيةَ والزانِيَ "، وهو في العربيّة على ما ذكرت لك من القوَّة. ولكن أَبَتِ العامَّةُ إلاّ القراءةَ بالرفع. وإنَّما كان الوجهُ في الأمر والنَّهى النصبَ لأنّ حدَّ الكلام تقديمُ الفعل، وهو فيه أوجبُ، إذ كان ذلك يكون في ألف الاستفهام، لأنّهما لا يكونان إلا بفعل. وقَبُحَ تقديمُ الاسم في سائر الحروف، لأنّها حروفٌ تَحْدُثُ قبل الفعل)). [الكتاب لسيبويه 1/ 144]

هذا الكلام يدلّ على مدى اعتداد النحاة بالقراءة, وإن خالفت قواعدهم، فقد كان القرّاء من النحاة من أمثال أبي عمرٍو بن العلاء يقرءون على خلاف ما تقضي به قواعدهم، وتوجبه ضوابطهم, فلدينا في هذا الموضوع أمران منفصلان: القراءة من حيث هي قراءة ، والقراءة من حيث هي دليل تجري عليها أحكام العربيّة, فالأمر الأوّل موقف النحاة فيه واضح، وهو التلقِّي والاتِّباع, والأخذ بما رُوِيَ ، والثاني: يعامل النحاة فيه القراءة باعتبارها دليلًا سماعيًّا لا يختلف عن غيره، من المأثور عن العرب شعرًا, ونثرًا.

2-         النحو قياس والقراءة رواية:النحو قياس , وهو علم دراية ، قال الكسائيّ: 

إنما النحو قياس يتّبع               وبه في كلِّ   علم   ينتفعْ

فالنحو يعنى بالمطرد المنقاس، والقراءة تعنى بالرواية، والاتباع, ولزوم المرويِّ؛ فلا قياس فيها، ولا اجتهاد إلا في حدود المرويِّ، أمّا النحو فالقياس هو سرّ قيمته؛ حتّى قالوا عن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي: كان أوّل من بعج النحو، ومدّ القياس، وشرح العلل. وليس الأمر في القراءة كذلك، فلو حاول شخصٌ القياس في القراءة لردّ عليه عمله, ولم تقبلْ قراءته، ولو علم  الناس أنّ قارئًا يقرأ بقياسه، لما التفتوا إليه، فالنحوي كلّ همّه أن يتصرّف فيما نقله الرواة، ويقيس عليه، بخلاف القارئ, الذي من شأنه أن يتقن ما سمع، ويؤدّيَه كما سمع بأمانة، وإن خالف ما لديه من قواعد اللغة والصرف والنحو والرسم؛ وفي حين أن ضعف النحويّ في القياس عيبٌ يعاب به، ويخرجه منهم ليلحق بفئاتٍ أخرى لا تجعل للقياس هذه المكانة, ولهذا لا يجوز الاقتصار في أخذ القرآن على المصحف أو الكتاب، من دون سماعٍ قراءةً أو عرضًا, وعلى ضوء هذا الأصل يمكن لنا أن نفسّر مقولة: "إن في القرآن لحنًا ستقيمه العرب بألسنتها"على أن القرآن لا تكفي فيه القراءة من الصحف،وإنما لا بدَّ من تلقّيه من أفواه الرجال مشافهة. ((عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الْقُرَشِيِّ قَالَ: لَمَّا فُرِغَ مِنَ الْمُصْحَفِ أُتِيَ بِهِ عُثْمَانَ فَنَظَرَ فِيهِ فَقَالَ: «قَدْ أَحْسَنْتُمْ، وَأَجْمَلْتُمْ، أَرَى فِيهِ شَيْئًا مِنْ لَحْنٍ سَتُقِيمُهُ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهَا» [المصاحف لابن أبي داود ص:122] وقال ((يَحْيَى [يَعْنِي ابْنَ آدَمَ] ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بِهَذَا، وَقَالَ: «سَتُقِيمُهُ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهَا» [قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: هَذَا عِنْدِي يَعْنِي بِلُغَتِهَا، وَإِلَّا لَوْ كَانَ فِيهِ لَحَنٌّ لَا يَجُوزُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ جَمِيعًا لَمَا اسْتَجَازَ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ إِلَى قَوْمٍ يَقْرَءُونَهُ])). [المصاحف لابن أبي داود ص: 120] ((وعَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا رُفِعَ إِلَيْهِ الْمُصْحَفُ قَالَ: " إِنَّ فِيهِ لَحْنًا، وَسَتُقِيمُهُ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهَا)) [المصاحف لابن أبي داود ص: 122] و((عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ قَالَ: قَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «فِي الْقُرْآنِ لَحَنٌ وَسَتُقِيمُهُ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهَا» وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فُطَيْمَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ قَالَ: قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «إِنَّ فِي الْقُرْآنِ لَحْنًا وَسَتُقِيمُهُ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهَا» [قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فُطَيْمَةَ أَحَدُ كُتَّابِ الْمَصَاحِفِ])). [المصاحف لابن أبي داود ص: 122-123]

وقد دفع بعض أهل العلم ما رُوِيَ من ذلك بإنكار صحّته، ودفع ثبوته, كما في الاقتراح: ((فإن قلت فقد روي عن عثمان أنه قال : لما عرض عليه المصاحف : إن فيه لحنا ستقيمه العرب بألسنتها .

وعن عروة قال : سألت عائشة عن لحن القرآن عن قوله : (إن هذان لسحران) . وعن قوله: (والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة) وعن قوله: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون) فقالت يا ابن أختي , هذا عمل الكتاب, أخطئوا في الكتاب . أخرجهما أبو عبيد , في فضائله فكيف يستقيم الاستدلال بكل ما فيه بعد هذا ؟

قلت: معاذ الله كيف يظن أولا بالصحابة أنهم يلحنون في الكلام, فضلا عن القرآن وهم الفصحاء اللد؟!

فقلت : كيف يظن بهم ثانيا في القرآن الذي تلقوه من النبي صلى الله عليه وسلم كما أنزل وضبطوه وحفظوه وأتقنوه ؟!

ثم كيف يظن بهم ثالثا اجتماعهم كلهم على الخطأ وكتابته ؟!

ثم كيف يظن بهم رابعا عدم تنبههم ورجوعهم عنه ؟!

ثم كيف يظن بعثمان أن يقرأه ولا يغيره ؟!

ثم كيف يظن أن القراءات استمرت على مقتضى ذلك الخطأ , وهو مروي بالتواتر خلف عن سلف ؟!

هذا مما يستحيل عقلا وشرعا وعادة. وقد أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة عديدة , بسطتها في كتابي (الإتقان في علوم القرآن) . وأحسن ما يقال في أثر عثمان _ رضي الله عنه _ بعد تضعيفه بالاضطراب الواقع في إسناده والانقطاع: أنه وقع في روايته تحريف, فإن ابن أشته أخرجه في كتاب (المصاحف) من طريق عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر, قال: "لما فرغ من المصحف, أتي به عثمان , فنظر فيه فقال: أحسنتم وأجملتم , أرى شيئا سنقيمه بألسنتنا " . فهذا الأثر لا إشكال فيه فكأنه لما عرض عليه , عند الفراغ من كتابته , رأى فيه شيئا غير لسان قريش , كما وقع لهم في (التابوت) و (التابوه) , فوعد بأنه سيقيمه على لسان قريش, ثم وفى بذلك , كما ورد من طريق آخر , أوردتها في كتاب (الإتقان) . ولعل من روى ذلك الأثر حرفه, ولم يتقن اللفظ الذي صدر عن عثمان فلزم ما لزم من الإشكال, وأما أثر عائشة فقد أوضحنا الجواب عنه في (الإتقان) أيضا)). [الاقتراح ص82-ص86]

ويمكن أن يقال: إن القرآن يتلقَّى مشافهة, ولا تكفي فيه القراءة من الكتاب، كالكتب السابقة, والقرآن متَّصل الإسناد صوتًا إلى رسول الله  والمشافهة أقوى من الكتابة, وطرق رواية القرآن تختلف عن طرق رواية الحديث, فالحديث يروى  بالمعنى, والوجادة, وبالكتاب، بخلاف القرآن، فلا بدَّ من العرض, أو القراءة، والسماع. وهذا متوافقٌ مع قولِ ابْنِ أُشْتَةَ ((الثَّالِثُ: أنه مؤوَّل عَلَى أَشْيَاءَ خَالَفَ لَفْظُهَا رَسْمَهَا كَمَا كَتَبُوا  {وَلَا أَوْضَعُوا} وَ {لَا أَذْبَحَنَّهُ} بألف بعد لا و {جزاؤا الظالمين} بواو وألف و " بأييد " بِيَاءَيْنِ فَلَوْ قُرِئَ بِظَاهِرِ الْخَطِّ لَكَانَ لَحْنًا وَبِهَذَا الْجَوَابِ وَمَا قَبْلَهُ جَزَمَ ابْنُ أُشْتَةَ فِي كِتَابِ الْمَصَاحِفِ. [الإتقان في علوم القرآن 2/ 321-322]

وقال آخرون بتأويلٍ آخر: قَالَ ابْنُ أُشْتَةَ في تأويل ما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الأعلى بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: ((لَمَّا فُرِغَ مِنَ الْمُصْحَفِ أُتِيَ بِهِ عُثْمَانَ فَنَظَرَ فِيهِ فَقَالَ: أَحْسَنْتُمْ وَأَجْمَلْتُمْ! أَرَى شَيْئًا سَنُقِيمُهُ  بِأَلْسِنَتِنَا)): هَذَا الْأَثَرُ لَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَبِهِ يَتَّضِحُ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ فَكَأَنَّهُ عُرِضَ عَلَيْهِ عَقِبَ الْفَرَاغِ مِنْ كِتَابَتِهِ فَرَأَى فِيهِ شَيْئًا كُتِبَ عَلَى غَيْرِ لِسَانِ قُرَيْشٍ، كَمَا وَقَعَ لَهُمْ فِي " التَّابُوهُ "وَ "التَّابُوتُ" فَوَعَدَ بِأَنَّهُ سَيُقِيمُهُ عَلَى لِسَانِ قُرَيْشٍ ثُمَّ وَفَى بِذَلِكَ عِنْدَ الْعَرْضِ وَالتَّقْوِيمِ وَلَمْ يَتْرُكْ فِيهِ شَيْئًا. وَلَعَلَّ مَنْ رَوَى تِلْكَ الْآثَارَ السَّابِقَةَ عَنْهُ حَرَّفَهَا وَلَمْ يُتْقِنِ اللَّفْظَ الَّذِي صَدَرَ عَنْ عُثْمَانَ فَلَزِمَ مِنْهُ مَا لَزِمَ مِنَ الْإِشْكَالِ، فَهَذَا أَقْوَى مَا يُجَابُ عَنْ ذَلِكَ. [الإتقان في علوم القرآن 2/323 -324]

قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: لَحْنٌ مِنَ الْكَاتِبِ فَيَعْنِي بِاللَّحْنِ الْقِرَاءَةَ وَاللُّغَةَ يَعْنِي أَنَّهَا لُغَةُ الَّذِي كَتَبَهَا وَقِرَاءَتُهُ, وَفِيهَا قِرَاءَةٌ أُخْرَى. 

قَالَ ابْنُ أُشْتَةَ: فَهَذَا الْخَبَرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ يَتَخَيَّرُونَ أَجْمَعَ الْحُرُوفِ لِلْمَعَانِي وَأَسْلَسَهَا عَلَى الْأَلْسِنَةِ وَأَقْرَبَهَا فِي الْمَأْخَذِ وَأَشْهَرَهَا عِنْدَ الْعَرَبِ لِلْكِتَابَةِ فِي الْمَصَاحِفِ وَأَنَّ الْأُخْرَى كَانَتْ قِرَاءَةً مَعْرُوفَةً عِنْدَ كُلِّهِمْ وَكَذَا مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. [الإتقان في علوم القرآن 2/ 329]

3-         الاختيار في القراءة: 

عن ابن قادمٍ عن الكسائي قال: حججت مع الرشيد فقدمت لبعض الصلوات فصليت فقرأت: (ذريةً ضعافاً خافوا عليهم)، فأملت ضعافاً، فلما سلمت ضربوني بالنعال والأيدي وغير ذلك حتى غشي علي، واتصل الخبر بالرشيد فوجه بمن استنقذني، فلما جئته قال لي: ما شأنك؟ فقلت له: قرأت لهم ببعض قراءات حمزة الرديئة ففعلوا بي ما بلغ أمير المؤمنين، فقال: بئس ما صنعت، ثم ترك الكسائي كثيراً من قراءة حمزة ..

وحَدث أَبُو قُرَّة سَمِعت نَافِعًا يَقُول قَرَأت على سبعين من التَّابِعين.

وعَن نَافِع أَنه قَالَ أدْركْت هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة الْخَمْسَة وَغَيرهم مِمَّن سمى فَلم يحفظ أبي أَسْمَاءَهُم, قَالَ نَافِع فَنَظَرت إِلَى مَا اجْتمع عَلَيْهِ اثْنَان مِنْهُم فَأَخَذته وَمَا شَذَّ فِيهِ وَاحِد, فتركته، حَتَّى ألفْتُ هَذِه الْقِرَاءَة فِي هَذِه الْحُرُوف [السبعة في القراءات ص:61- 62]

ويروى عَن مُجَاهِد أَنه كَانَ يَقُول: ابْن مُحَيْصِن يَبْنِي ويرصِّصُ فِي الْعَرَبيَّة, يمدحه بذلك [السبعة في القراءات ص: 65]

ألا يفهم من هذا أن القراءات قائمة على الاختيار من المرويِّ، وأن القارئ يختار ؟وإلا فكيف يسم الكسائي - إن صح الخبر - بعض قراءات حمزة بالرديئة بل يترك القراءة بها؟؟ وهو يعلم أنها مأخوذة بالأثر؟؟ ثم أما كان يكفي حمزة أن يقول للكسائي : هكذا أقرأنيها من قرأت على أيديهم..بدل أن يتلمَّسَ وجهًا لما اختاره من قراءة !!!

4-         تعدّد القراءة للقرّاء وللقارئ الواحد مسلّم به لدى القرّاء، ولا يرفضه أهل العربية, بل يتقبّلونه.وهذا من بدهيّات الإقراء, بل اختار ابن مجاهدٍ لكلِّ قارئٍ راويين يرويان عنه، من بين رواةٍ كثيرٍ، وبين هذين الراويين اختلافٌ ما، فتعدّد القراءات  عند النحاة لا يلغي الاحتجاج بها جميعًا, فلا تردّ قراءة بقراءة، ولا تدفع قراءة قراءةً, وليست قراءة أولى من غيرها في النحو، وتقرير أحكامه، وبناء قواعده. هذا ما عليه العمل عند أهل العربية، وهو يناظر تعدّد الروايات في حال صحّتها وثبوتها, تعدّد الرواية ليس معيبًا  مطلقًا، بل قد يكون التعدّد إضافة أدلّة جديدة، إذِ الروايات لا تتدافع، وتعدّد القراءات عند النحاة لا يلغي الاحتجاج بها جميعًا, فلا تردّ قراءة بقراءة، ولا تدفع قراءة قراءةً, وليست قراءة أولى من غيرها في النحو، وتقرير أحكامه، وبناء قواعده. وفي الاقتراح (( أما القرآن فكل ما ورد أنه قرئ به جاز الاحتجاج به في العربية, سواء كان متواترا, أو آحادا , أم شاذا . وقد أطبق الناس على الاحتجاج بالقراءات الشاذة في العربية إذا لم تخالف قياسا معلوما, بل ولو خالفته يحتج بها في مثل ذلك الحرف بعينه, وإن لم يجز القياس عليه, كما يحتج بالمجمع على وروده ومخالفته القياس في ذلك الوارد بعينه, ولا يقاس عليه, نحو: استحوذ , ويأبى .

وما ذكرته من الاحتجاج بالقراءة الشاذة لا أعلم فيه خلافا بين النحاة , وإن اختلف في الاحتجاج بها في الفقه . [الاقتراح ص21]

وقد أسلفنا شرح المراد بالاحتجاج ، وأنه لا يلزم منه إقامة قاعدة مطردة، بل يعني إثبات اللغة، ولا يلزم منها القياس، فقد يكون تسويغًا لاستعمال ما ورد في القرآن، ولا يلزم منه قياس، كما ذكر ابن جني أن جميع لغات العرب حجة، ولا يلزم من كونها حجة التسوية بينها، ولا القياس عليها.  مع الإيمان بفضل الله ورحمته، الذي يسّر القرآن للذكر والحفظ، فالله أرحم بعباده ، ومن رحمته أنزل القرآن على سبعة أحرف؛ مراعاة للواقع اللغوي للبيئة العربية.

5-         القارئ ليس بمعصوم: هل القرّاء معصومون؟ القرّاء بشر مجتهدون كسائر البشر، يجوز عليهم الخطأ والصواب، وهذا الخطأ يمكن أن يكون في التلقِّي، والاختيار، وهذا من فعلهم, وهم بشر, وهذه مسلَّمة لا أظنّ أحدًا ينازع فيها, أو يخالف. 

6-         الرواية: لنا أن نضرب المثل في اختلاف المناهج في ممارساتها دون مبادئها بالرواية عند المحدِّثين، والقرّاء, وأهل اللغة. إذْ تتفق العربية والقراءة والحديث على الرواية؛ فهذه العلوم مبنيّة عليها, وكلها تعتمد السماع, والنصوص المنقولة، ولا يصحّ علم من هذه العلوم بدون الرواية، غير أن هذه الاتفاق اتّفاق مبادئ مع اختلاف التطبيق والممارسة؛ إذ كل علمٍ له طرائقه الخاصة في الرواية، التي تخالف غيره من العلوم، ففي حين يشترط المحدِّثون شروطًا في الراوي, ويختصّون بمفاهيم للرواية ما بين متواتر وآحاد، ينفرد أهل الإقراء بمفاهيم تختلف، فالتواتر عند المحدِّثين غيره عند القرأة، فحين يرى المحدِّثون أنّ عاصمًا الذي يقرأ بقراءته عامّة العالم الإسلامي صدوق، له أوهام، حجّة في القراءة، وحديثه في الصحيحين مقرون. [التقريب 1/285 وينظر تهذيب التهذيب 5/38-39] أي: أنّ حديثه حسنّ، يكون عند القرّاء النهاية في الإقراء، وتكون قراءته سبعيّة متواترة.

وحين يعنى المحدِّثون بتقسيم الحديث إلى متّصل الإسناد، ومنقطعٍ, ومتواتر وآحاد، ومعضل ومرسل ... إلخ. يخالفهم أهل اللغة فلا تجد هذه الأقسام عندهم، وإن حاول السيوطي (ت911هـ) إلباس اللغة لباس الحديث, وخلع هذه التقسيمات على مرويّات أهل اللغة، وهي محاولة غير رشيدة، فما يصحّ في اللغة لا يصحّ في الحديث, والعكس بالعكس، فأهل اللغة أسانيدهم عالية؛ فمن أخِذت عنه اللغة، وهو مصدر اللغة, التقاه الراوي عالم اللغة وجامعها، فالأصمعيّ يذهب إلى حمى ضريّة, يلتقي رجال البادية ونساءهم، وكبارهم وصبيانهم، عقلاءهم ومجانينهم، ممن لا يجيز أهل الحديث الرواية عنهم، في حين يجيز أهل اللغة الرواية عنهم؛ لسلامة سليقتهم، وصحّة نحائزهم، فيدوِّن عنهم ما سمِع منهم، وما تفوَّهوا به،  ففي السند رجلٌ واحد، هو الأصمعيّ, وما يرويه مقبول عند أهل اللغة, وإن تفرّد به، لا يتطلبون آخر يعضد روايته ويقوِّيها, بخلاف المحدِّثين الذين لديهم أسانيد تنزل وتعلو, ويتعدّد الرواة، والمرويّ عنهم حتّى يتّصل السند إلى رسول الله , وتختلف نصوص, زيادة ونقصًا، معنًى ولفظًا. وللمحدّثين تفاصيل في اختلاف الرواة وزيادة بعضهم على بعض, يختلف عن حديث القرّاء وأهل اللغة، ليس هذا مكان تفصيله.

والخلاصة أن أدلّة الشريعة وإن اتّقت مع أدلّة اللغة النصّيّة: النقل والمسموع، في أشياء، وأصول تختلف عنها في أمورٍ أخرى، خاصّة فيما يتعلّق بالرواية من حيث طرائقها، وما يترتّب عليها من أحكام، وعمل؛ فأحكام الشريعة يكفي فيها الآحاد, واللغة كذلك، وهما يعتمدان المرويّ والنصّ, ولا بدّ فيه من رواية، وللرواية ضوابط، وطرق، وأنواع ودرجات، هذا من ناحية عامّة، وناحيةٍ مبدئيّة. غير أن الموضوع يتعيَّن تنازله بطريقةٍ أخرى: علوّ الإسناد, والاعتداد بالدليل المنقول، وكفايته. لو نظرنا في مرويّات المحدِّثين ومرويّات اللغويّين لوجدنا أنّ مرويّات اللغويّين تمتاز بعلوّ الإسناد، إذ في كثيرٍ من الأحيان يكون اللغويّ الذي يؤسس للدرس اللغويّ, وقياساته هو الراوي عن الأعراب، أو عمّن يحتجّ بلغته. بخلاف المحدّثين الذين يكون عادة بينهم وبين رسول اللهثلاثة رجال، أو أكثر، ولم يكن عند النحاة ما عند المحدّثين من تقسيم المرويِّ إلى متواترٍ وآحاد، بل عندهم الأمر بين مستفيضٍ وخلافه، فالمستفيض - في الغالب -  هو الذي تؤسّس عليه الكلّيّات، والضوابط والقواعد المنقاسة المطِّردة،وخلافه وفيه المفردات أو الوقائع التي تحفظ ولا يقاس عليها، وللمستعمل من بعد أن يستعملها على الوجه الذي استعملته العرب، وفيه ما قد يكون مستفيضًا، لكنّه يبقى في دائرة الظاهرة اللهجيّة، والاستعمال الخاص بقومٍ, وليس لغة عامّة، يتعاورها العموم, وإن ورد عليها شيءٌ من القراءات، وإن كانت بعض الظواهر اللهجيّة مما تعاورها القوم حتّى ارتقت لتكون ظاهرة  عامّة وقانونًا عامًّا لكلٍّ أن ينسج عليه، ويورد عليه كلامه كأهله، ومن نُسِبَ إليهم ذلك.

7-         لغات العرب كلها حجة: وهذا ما ذكره ابن جني في باب (اختلاف اللغات وكلها حجة). يقول في ذلك: "اعلم أن سعة القياس تبيح لهم ذلك ، ولا تحظره عليهم، ألا ترى أن لغة التميميين في ترك إعمال (ما) يقبلها القياس، ولغة الحجازيين في إعمالها كذلك، لأن لكل واحد من القومين ضرباً من القياس يؤخذ به، ويخلد إلى مثله. وليس لك أن ترد إحدى اللغتين بصاحبتها، لأنها ليست أحق بذلك من رسيلتها. لكن غاية مالك في ذلك أن تتخير إحداهما، فتقويها على أختها، وتعتقد أن أقوى القياسين أقبل لها، وأشد أنسًا بها. فأما رد إحداهما بالأخرى فلا. أولا ترى إلى قول النبي: (نزل القرآن بسبع لغات كلها كاف شاف)". [الخصائص2/12] فالله أرحم بعباده، فأنزل القرآن على سبعة أحرف؛ تيسيرًا منه للذكر والتلاوة, ومراعاة للواقع اللغوي للبيئة العربية. وبنظر في هذا ردّ النحاة القراءة ص من هذا العمل.

ومعنى حجّيّة اللغات أن يكون ما صحّ عن العرب حجّةً في إثبات ما رُوِيَ, وأنّه على لغةٍ  من لغات العرب, وأنّه ليس لك أن تردّ ما ثبت ورُوِيَ بقياسٍ تقيسه، ولا أن تردّه بلغةٍ أخرى, وهذا لا يمنع أن تكون بعض اللغات قياسًا, والأخرى تحفظ ولا يقاس عليها، بل لا يمنع من الحكم على بعض ما ورد عن بعض العرب أنّه مذموم، كما نجد في "الصاحبي" بابًا في اللغات المذمومة, وكما منع سيبويه استعمال سبعة من الأصوات في القرآن والشعر، وأجازه في غيرهما.

8-         النحاة ينظرون للقراءات على أساس أنها مادّة لغويّة, لا تختلف عن كلام العرب الآخر, من نثرٍ وشعرٍ, ولذلك يتساوى عندهم القراءة المتواترة, والمشهورة, والشاذّة, والمتروكة, وقراءة الخطأ والباطلة التي يقرأ بها الأعراب ومن يحتجّ بلغته على سجيّتهم وسليقتهم التي طُبِعوا عليها, ما دام إسنادها يصحّ إلى عربيٍّ سليم السليقة, يحتجّ بلسانه, فنجد سيبويه يورد القراءة وكأنها من كلام العرب، دون نصٍّ على أنها قراءة, فيقول مثلًا: ((وأهل الحجاز يقولون: مررت بهو قبل، ولديهو مالٌ، ويقولون: " فخسفنا بهو. وبدارهو الأرض ")). [الكتاب لسيبويه 4/ 195] .

ولو قرأ أعرابيّ شيئًا من القرآن وأخطأ فيه لكانت قراءته وخطؤه في النحو حجّة, ولا يلحَّن لمخالفته الصحيح الثابت من القراءة؛ لأن النحاة لا ينظرون إلى القراءة باعتبارها قراءة, ولا في حال قراءتهم, وفي حال الاحتجاج بها لا ينظرون هذه النظرة، فلو افترضنا مثلًا: أن الفرزدق وضع حديثًا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم, ....إلخ. فكلامه, وما وضعه حجّة في اللغة، وإن كان كذبًا على رسول الله , مقبول لدى أهل اللغة, من حيث هو لغة, وكلام عربيٌّ, مردود عند أهل الشرع من محدِّثين وفقهاء, ومفسِّرين، لما يتضمّنه من كلام باطل, ولأنه كذب على رسول الله  . وكذلك لو قرأ شيئًا من القرآن على سليقته، غير موافقٍ لقراءةٍ من القراءات المرويّة لو قرأ لكان ما فاه به حجّةً عند أهل العربية، وإن لم تكن كذلك عند القرّاء.

وكل ذلك لأن القرآن بقراءته المختلفة من المسموع عن العرب، و المراد بالمسموع عند النحاة كلام العرب كله من نثر وشعر، والقرآن شيءٌ منه.

9-         القراءة مبناها على الترخّص والتسهيل ((أنزِل القرآن على سبعة أحرف)). ومبنى النحو الضبط والإلزام والاطِّراد والقياس, وليس كلّ ما تقوله العرب يقاس عليه, ويلتفت له, في حين أن ما تكلّمت به العرب يمكن أن يرد على لسان القارئ لغلبة الطبع, وقوّة النحيزة, وتمكّن السليقة.

كانت الرخصة والتوسعة في القراءة والإقراء صدر الإسلام,  فأُقْرِئت قبائل العرب على ما تطوعهم به ألسنتهم،  ثمّ جُمِعت الأمّة على حرفٍ واحدٍ من الأحرف السبعة خوف الفتنة، بعد أن انصهرت العرب في قالبٍ واحدٍ، تقاربت فيه ألسنتهم، وتمازجت فيه أعراقهم, واختلط أبناؤهم في جيوش الفاتحين، وكتائبها, وتجاوروا في مساكن البلدان الناشئة، مثل البصرة والكوفة، ومعسكرات الرباط في الثغور الإسلاميّة,  على نحوٍ ممّا ورد في جمع القرآن، ممّا لا داعي لإيراده هنا. وآلت القراءة إلى أن تكون روايةً متقنة في جوانبها الصوتيّة والأدائيّة المختلفة، فضلا عن أبنيتها وألفاظها, وتراكيبها، وما يلزم على ذلك من المعاني.

10-       كلّ ما ورد من أنّ القراء قرءوا كذا لا يعدو الوصف, والإخبار عن سماع، وروايةً عن العرب، الذين نزل القرآن بلغتهم، ولا يعدّ قاعدة يبنى عليها الكلام الطبيعي, لأن لبناء القواعد ضوابط لا تتحقّق مع كلِّ مسموعٍ، وأمّا النحاة فهم يضعون قواعدَ تُلْتَزَم ونظامًا نموذجًا للغة, فالجهة منفكّة،فحين يرد أن القراء قرءوا ((أئمّة)) بهمزتين، فهذا نقل للقراءة, وإخبار عنها، ولا يتضمّن تأسيس حكمٍ مقيسٍ؛ إذِ القياس أن تبدل الهمزة الثانية ميمًا قياسًا مطّردًا، لا يعارض القراءة، ولا يجعلنا نقول: ((الأيمّة)), وإن كانت قياسًا, كما أن لنا أن نؤثِرها في الاستعمال، لأنها المسموع عن العرب، والأخرى قياس لم يشفعْ بسماعٍ.  

11-       ليس كلّ ما جاز في القراءة يجوز في النحو, ونبني عليه القاعدة؛ فلا بدَّ في الدليل الذي نبني عليه القاعدة من الاعتداد به, وكفايته، والقراءة كسائر الكلام العربي, منه ما يبنى عليه ويقاس، ومنه ما يحفظ ولا يقاس, وهذا ليس بِدْعًا في القراءات، ومن ذلك الإدغام, قال سيبويه: «ومن الحروف حروفٌ لا تدغم في المقاربة وتدغم المقاربة فيها. وتلك الحروف: الميم، والراء، والفاء، والشين. فالميم لا تدغم في الباء، وذلك قولك: أكرم به، لأنهم يقلبون النون ميما في قولهم: العنبر؛ ومن بدا لك. فلما وقع مع الباء الحرف الذي يفرون إليه من النون لم يغيروه؛ وجعلوه بمنزلة النون، إذ كانا حرفي غنةٍ. وأما الإدغام في الميم فنحو قولهم: اصحمطرًا، تريد: اصحب مطرًا، مدغم...». [الكتاب لسيبويه 4/447-449]وينظر باقي الكلام عن سائر الحروف المذكورة هناك، ويرد إدغام هذه الحروف في مقارباتها لدى القرّاء، مثل إدغام الراء في اللام في قراءة أبي عمرو{اغفِر لَّنا} آل عمران آية 147 و{اشكر لّي} لقمان آية 14{نخسف بِّهِمْ}سبأ آية 9 فهذا الإدغام ونحوه خاص بالقرآن وقراءاته, ولا يكون في كلام الناس. [وينظر في الإدغام  التذكرة لابن غلبون 1÷72-91]

12-       النحاة يدرسون اللغة الطبيعية, والقرّاء همُّهم لغة الوحي, ويعنون بما تلقّوه وإن خالف الشائع الذائع من لغات العرب, وإن كان من اللغات المذمومة المهجورة. ومن المسلَّم به أن لغة الوحي تختلف عن لغة الناس في الحياة اليوميّة, فلغة الوحي تعنى بأشياء لا يعنى بها أهل العربية, وفي اللغة الطبيعية للبشر خاصّة الشفهيّة ترخّصات ليست في لغة الوحي، كما أن في لغة الوحي ما ليس في اللغة الطبيعية من التيسير، حتّى نزل القرآن على سبعة أحرف, وأخذ الناس بهذه الرخصة، حتّى انتفت الحاجة إليها، وصار من الممكن جمع الناس على حرفٍ واحد، وحتّى استقرّ الإقراء على أصولٍ منضبطة، وصار له قواعده وطرائقه. فصار في القرآن، وهو الوحي المنقول مشافهة بسندٍ متّصل إلى رسول الله ، وحتّى صار في لغة الوحي ما لا يطلب في لغة البشر الطبيعية، من جنس ما يرد في علم التجويد، ولدى القرّاء من أحكام المدود، والغنن، وتمكين الحروف من مخارجها، وإتقان صفاتها. بل مقاصد لغة الوحي تختلف عن مقاصد الأداء القرآني، فاللغة الشفويّة مبناها الوفاء بالمعنى، والاقتصاد في الكلام، في حين أن الأداء القرآني الإيقاع، وتحسين الصوت والتلاوة من مقاصدها.

13-       النحاة اطّرحوا كثيرًا من كلام العرب ولغاتهم, في قياسهم وبناء قواعدهم, وضوابطهم، ومنها ما جاء في بعض القراءات، وهناك فرق بين أن نورد المسموع لنبني عليه قاعدة, وبين أن نورده لنخرِّج عليه أمثلة ونماذج (أو لتخريجه, وتسويغه, أو توجيهه). ((وقيل لعيسى بن عمر يوماً: أخبرني عن هذا الذي وضعت يدخل فيه كلام العرب كله. قال: لا. قلت: فمن تكلم بخلافك واحتذى ما كانت العرب تكلم به أتراه مخطئاً؟ قال: لا. قلت: فما ينفع كتابك؟)). [أخبار النحويين البصريين للسيرافي ص: 27] وقال ابن نوفل:  سمِعْتُ أبي يقول لأبي عمرو بن العلاء: أخبرني عمّا وضعت ممّا سمَّيتَ عربيَّة، أيدخُل فيها كلام العرب كلّه؟ فقال: لا, فقلْتُ: كيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب، وهم حجّة؟ قال: أعمل على الأكثر, وأسمِّي ما خالفني لغاتٍ)). [الزبيدي/طبقات النحويين واللغويين ص39] فأنت ترى كيف أن علماء العربية بنوا قواعدهم على الأعمِّ الأغلب, وما لم يدخل تحت ضوابطهم وقواعدهم جعلوه لغاتٍ تحفظ ولا يقاس عليها.

14-       تعظيم النحاة للقرآن والقرّاء والقراءات؛ ولهذا التقدير والتعظيم ألّفوا في توجيه القراءات, مثل أبي علي الفارسي في الحجة, وابن جني في المحتسب, وابن زنجلة في حجة القرّاء. وهذا النمط من التأليف يدلُّ على تقدير النحاة للقرّاء وقراءاتهم، حتّى كلّفوا أنفسهم تخريجها على ما ورد من كلام العرب, أو تنزيله وتقريب ما فيها إلى قياسات النحويين, وما ارتضوه وفق القوانين اللغويّة لكلام العرب؛ كي يكون نظامًا للعربية, وقواعدها. وليس صحيحًا أن الشعر استبدّ بالنحو، فمن المعلوم أن النحو بني على كلام العرب, فالقواعد الكلية، والقوانين المطّردة، بُنِيَتْ على المستفيض من كلام العرب, ولست بحاجة إلى شاهدٍ على هذه القواعد، وإنّما تحتاج إلى الشاهد من كلام العرب شعرها ونثرها، فيما خرج على هذه القواعد، وفيما كان وقائع، مفردة، أو حوادث ليس لها سمة الاطِّراد, والقياس, أو يكون لها حكمٌ استثنائيّ, من القواعد الكلية، كأن تأتي الحال معرفة، والقاعدة أن تكون نكرة.

15-       الدليل النحوي النصّيّ لا بدّ له كي يصحّ الاستدلال به من الاعتداد به, وكفايته. والقراءات ليست بِدْعًا في هذا الأمر، فهذا حكم في جميع الأدلّة، لا يستثنى منها دليل، والمعتدُّ به من كلام العرب ما ثبت، أو صحّت نسبته لمن يحتجُّ بلغته، ويتكلَّم على سليقته، ولا يهمُّ رفع جهالة العين, ما دام أنّ حال من نسِبتْ إليه اللغة يحتجُّ بلغته، وكان أن اختلف نحاة البصرة والكوفة في الاحتجاج ببعض أقاويل من رووا عنهم, ففي حين نجد الكوفيين يحتجّون بلغة الأعراب الذين سكنوا حواضر العراق، أو أكثروا من الخلطة بمن فسدت لغتهم، ومن جاورهم من الأعاجم، يردّ البصريّون ما رُوِيَ عن هذه الفئة، وينشدون البوادي طلبًا للفصاحة، وبحثًا عن أصجاب السليقة من الأعراب،  وهذا الأمر وحده لا يكفي، فلا بدَّ من كفاية الدليل, كي يقام عليه الحكم، فلا يقبل ما شّذّ عن المطِّرد ليؤسَّس عليه فاعدة، وإنّما يقبَل ليحفظَ ويستعمل بعيته، وفق ضوابط قرّرها أهل العربية، تتعلّق بالكثرة النسبيّة، لا الكثرة العددية، وعامّة الخلاف بين البصريين والكوفيين مردّه إلى هذين الأمرين، وإلا فإنّ كلَّ فريقٍ يعرف أدلّة الفريق الآخر، والأمر هل هذا الفريق يعتدُّ بها؟ أو يرى فيها الكفاية لإقامة حكمٍ نحويٍّ يكون ضابطًا لما كان مثله من التراكيب.

16-       أن النحويين لم يكونوا بِدْعًا في مواقفهم من القراءات،  إذْ وقف الموقف نفسه بعض القرّاء، فردّوا بعض القراءات، ومستندهم اللغة ونحوها, والنحاة شاركوهم هذا الأمر، إلا أنّهم أولى بهذا؛ لأنّهم أفقه باللغة، وأعلم بالنحو، وردّهم على ما سنذكره في المفاهيم بخلاف ردِّ القرّاء على بعضهم، فقد يخرج عن مفهوم ردّ النحاة إلى أن يردّوها على مقتضى أصول القرّاء في الإقراء، وهذا ما لم يفعله النحاة.

 ج -  مفاهيم.

          ادّعاء أن الشعر قد استبدَّ بالنحو غير صحيح، يوضّح : الاستفاضة، المراد بالشاهد. ذلك أن القواعد المطّردة، والضوابط، والقوانين اللغويّة، إذا بنِيت على المستفيض، لم تكن بحاجة إلى شاهدٍ, وإنما تحتاج إلى تمثيلٍ، كما يفعل النحاة في مصنّفاتهم, وإنما يطلَب الشاهد فيما خرج على هذه القواعد, سواء جُعِلت له قاعدة خاصّة، أم جُعِل مما يحفظ، ولا يقاس عليه، من غير أن يسلب المستعمل للغة من استعماله, أو قيل عنه: إنه ضرورة شعريّة، لا تستعمل في سعة الكلام, أو لغة أمثال، لا تصحّ إلا حكاية في أمثالها، ولا يلزم الاستشهاد لكلِّ شيءٍ، فالقواعد الكليّة مبنيّة على الاستفاضة؛ فنحن لسنا بحاجة إذا قلنا: "الحال وصفٌ فضلةٌ منصوب" أن نورد على هذه القاعدة شواهد من كلام العرب، بل يكفينا التمثيل، وحين نقول: إن الحال قد يرد معرفة, وهو مما يجوز تأويلًا، مثل: "جاء وحده، فأرسلها العراك" تحتاج إلى الشاهد للنظر فيه أهو مما يحفظ ولا يقاس عليه أم هو قابل لتبني عليه قاعدة استثنائيّة؟ أم أنّه مما يمكن إجازته بتأويلٍ يسبغه, ويجعله متوافقُا مع القاعدة النظرية, وضوابط النحو المطّردة وقياساته.

ونحن إذا نظرنا هذه النظرة، فمن الطبيعي أن يكون الخروج عن القياس والمطّرد والضوابط والقواعد الكلِّيَّة في الشعر أكثر من القرآن, وسائر كلام العرب؛ لأن الشعر موضع ضرورة، وموضع يضيق به الشاعر حتّى يضطرَّ فيه إلى الخروج على المألوف.

          الردّ ، أي ردّ النص، وليس معنى الردِّ رفض النصِّ، وعدم الأخذ به مطلقًا, وعدم الاعتداد به؛ إذ قد يكون معناه عدم بناء قاعدة مطّردة، قياسًا عليه, فيكتفى بحفظ النص، ويجعل لمستمل اللغة أن يستعمله, ويفوه به على الطريقة التي سلكها العرب, أو بعضهم, وهذا هو ما يجري في الشاذِ الذي يقولون عنه: إنّه يحفظ ولا يقاس عليه, وليس معنى الردِّ الإسقاط بإطلاق، وعدم استعماله, بل للمستعمل أن يستعمله بعينه, كما استعملته العرب، وإن كان مفرداتٍ، أو وقائع، وأحداثًا ليس لها صفة الظاهرة المطّردة, وإن لم يكن له الحقّ في القياس عليه, احتجاجًا بما ثبت ورُوِيَ. ولا يلزم من ردِّ النصِّ عدم الأخذ به، فقد يؤخذ به، لكن الأمر: أيكون قياسًا مطَّرِدًا، أم أنّه يحفظ ولا يقاس عليه، وكلٌّ أخذٌ، والاختلاف اختلاف درجة، وهذا أمر يتّصل بالمفهوم التالي.

          المراد بالاحتجاج إثبات ما تدلّ عليه القراءة, وليس التسوية بين المرويّات؛ فقد  نحتجُّ بالشيء، ونجعله قياسًا, ونحتجّ بالشيء، ونجعله حكمًا خاصًّا بالمرويِّ، لا ينقاس ولا يطّرِد في نظائره، لكن المستعمل له الحقّ في أن يستعمله، كما استعمله العرب، ويؤدّيه كما أدّته، وإن خالف القياس، وخرج على المطَّرد، بل المتعيِّن على مستعمل اللغة أن يقدِّم استعمال العرب، وإن خالف قياس العلم؛ فالمستعمل ملزَمٌ أن يقول: استحْوَذ, وأن يدع استحاذ, وإن كانت القياس والاطِّراد.

وليس معنى الاحتجاج التسوية بين اللغات، وأداء العرب المتنوِّع المختلف؛ فهناك في الأصوات، والأبنية، والتراكيب، والدلالات لغات تروى وتتناقل، وفيها ما يطّرح، وهو المروي عمّن لا يحتجّ بلغته، ومنها ما يقبل، وينعت بأنه لغة ضعيفة، أو مرذولة، أو مذمومة، كما قال ابن فارس، وغيره. وكلّ هذا من الممكن وروده في القراءات, وما عمل من يحتجّ للقراءات إلا تنظير القراءة بشيءٍ من كلام العرب, أو تخريجه على وجهٍ مرويٍّ, أو تأويله على قياسٍ نحويٍّ.

قال ابن جني: في"باب اختلاف اللغات وكلها حجة: ... ليس لك أن تردَّ إحدى اللغتين بصاحبتها؛ لأنها ليست أحق بذلك من رسيلتها. لكن غاية مالك في ذلك أن تتخيّر إحداهما فتقويها على أختها, وتعتقد أن أقوى القياسين أقبل لها وأشد أنسًا بها. فأما ردّ إحداهما بالأخرى فلا. أوَلا ترى إلى قول النبي -صلى الله عليه وسلم: "نزل القرآن بسبع لغات كلها كافٍ شافٍ"[كما في البخاري] هذا حكم اللغتين إذا كانتا في الاستعمال والقياس متدانيتين متراسلتين أو كالمتراسلتين. فأمَّا أن تَقِلَّ إحداهما جدًّا وتكثر الأخرى جدًّا, فإنك تأخذ بأوسعهما رواية وأقواهما قياسًا, ألا تراك لا تقول: أكرمتُكِش ولا "أكرمتكس" قياسًا على لغة من قال: مررت بكش, وعجبت منكِس.... فلو أن إنسانًا استعملها لم يكن مخطئًا لكلام العرب، لكنه كان يكون مخطئًا لأجود اللغتين. فأمَّا إن احتاج إلى ذلك في شعر أو سجع فإنه مقبول منه، غير منعيّ عليه. وكذلك إن قال: يقول على قياس من لغته كذا كذا, ويقول على مذهب من قال كذا كذا. [الخصائص 2/12- 14] ولسيبوبه في كتابه كلام نحو من هذا, سيأتي في موضعه من هذا العمل.

وقد عنِيَ ابن فارس بهذا الموضوع فذكر مواضع الاختلاف أو وجوهه في اللفظ والبنية والتركيب والإعراب والمعاني، وفاضل بين لغات العرب، فجعل أفصحها قريشًا, و بها نزل القرآن, وإن لم يخل من لغات العرب الأخرى, وجعل من اللغات ما هو مذموم، مع أن الاختلاف في اللغات لا يقدح في النسب, ولا المكانة.[الصاحبي 28-47]

وقد أجاز سيبويه في ((باب عدد الحروف العربية، تنوع الأداء الصوتي في ستة أصوات من التسعة والعشرين، فقال بعد أن سرد الأحرف التسعة والعشرين: وتكون خمسةً وثلاثين حرفا بحروفٍ هن فروعٌ، وأصلها من التسعة والعشرين، وهي كثيرةٌ يؤخذ بها وتستحسن في قراءة القرآن والأشعار، وهي: النون الخفيفة، والهمزة التي بين بين، والألف التي تمال إمالةً شديدة، والشين التي كالجيم، والصاد التي تكون كالزاي، وألف التفخيم، يعنى بلغة أهل الحجاز، في قولهم: الصلاة والزكاة والحياة.هذا فيما روِي عن العرب الموثوق بلغتهم، أما من لم توثق بلغته فقال عن أصواتهم: وتكون اثنين وأربعين حرفاً بحروف غير مستحسنةٍ ولا كثيرةٍ في لغة من ترتضي عربيته، ولا تستحسن في قراءة القرآن ولا في الشعر؛ وهي: الكاف التي بين الجيم والكاف، والجيم التي كالكاف، والجيم التي كالشين، والضاد الضعيفة، والصاد التي كالسين، والطاء التي كالتاء، والظاء التي كالثاء، والباء التي كالفاء. [ينظر: الكتاب لسيبويه 4/431- 432] فأنت ترى أن سيبويه أجاز التنوّع الصوتي في الأداء القرآني في ستة أصوات، ولم يستحسن القراءة بسبعة أصوات؛ لأنها لم تروَ عمّن يوثق بعربيّته، وهي داخلة في عداد المذموم.

          مفهوم الاحتجاج: هل كان ابن جنّيّ متناقضًا؟ لم يكن ابن جني ولا غيره ممن صنّف في الاحتجاج للقراءات، حين احتجّوا للقراءات الشاذّة ودافعوا عنها، في حين ردّ بعضَ القراءات التي هي أعلى من الشاذّة؛ إذ الردّ يعني: المنع أن نقيس عليها، وأن نؤسِّس لقاعدةٍ عليها, وأن نجعلها قياسًا مطَّرِدًا وحين احتجّ للقراءات الشاذّة، كان قصده, أن يقول: إنّ هذه القراءة لها وجهٌ, من كلام العرب, فلا تردّ, وهذا هو ديدن النحاة الذين يقولون: القراءة سنة متبعة, وقبولها قراءةً لا يلزم منه أن نجعلها دليلًا نؤسِّس عليه حكمًا, وقاعدة مطّردة، فهذا شيءٌ آخر يختلف عن قبول القراءة قراءةً, وتخريجها، أو توجيهها، على مقتضى كلام العرب. وعلى ضوء هذا المفهوم يسهل علينا فهم قول عضيمة: ومن المفارقات العجيبة أن ابن جني وصف القرّاء عامّة في الخصائص بضعف الدراية؛ كما وصفهم في المنصف بالسهو والغلط، إذ ليس لهم قياس يرجعون إليه. ولكنه في المحتسب يدافع عن القراء, ويرد على من يخطِّئهم في القراءات الشواذّ. [دراسات 1/32-33]. وقوله بعد نقل ((قراءة يحيى وإبراهيم السلمي: "أَفَحُكْمُ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ" بالياء ورفع الميم، وينقل معها قول ابن مجاهد فيها: وهو خطأ، ثم يقول: قول ابن مجاهد إنه خطأ فيه سرف؛ لكن وجه غيره أقوى منه. [المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها 1/ 17] .

قال أبو الفتح: ليس ينبغي أن يُطْلَق على شيء له وجه في العربية قائم -وإن كان غيره أقوى منه- أنه غلط [المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها 1/ 236] 

قلت (سليمان): اختلف المقام؛ فمقام القياس وبناء القواعد، غير مقام التخريج والتوجيه، والتماس نظير من كلام العرب. وأكثر ما يأتي اللبسُ من الخلط بين المقامات والسياقات, وتنزيل الكلام على غير سياقه، ومقصده.

ومن ذلك قراءة أبي عمرو في رواية هارون بن حاتم عن حسين عنه: "بَغْتَة" [المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها 2/ 271] ولا بد من إحسان الظن بأبي عمرو، ولا سيما وهو القرآن، وما أبعده عن الزيغ والبهتان! [المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها 2/ 272] )) وانظر عضيمة 1/32-33

          تقسيم القراءات إلى متواترٍ ..إلخ لم يكن عند النحاة الأوائل, بل يحتجّون بالقراءة, وإن لم تكن متواترة. [تنظر تصانيفهم ، مثل المحتسب ...] وأمّا ما قُصِر على السبعة فهو لمجاراة القرّاء، ولعلّ هذا كان لوعورة أن يخوضوا فيما وراءها، حتّى جاء ابن جنِّيّ فألّف المحتسب, ولم يكن الاقتصار على السبعة مدفوعًا بأنّهم لا يحتجّون إلا بالمتواتر، فلم يكن هذا شرطًا عندهم, ولا أعرف من النحاة المتقدِّمين من اشترطه, لكنّه عمل العصر بعد أن سبّع ابن مجاهدٍ السبعة, وهو من طبقة شيوخ أبي عليٍّ ، إن لم يكن شيخه. فلو قرأ أعرابيٌّ على سجيّته على خلاف القراءة المرويّة, ولم يلزم نقل القرّاء, ولا قراءتهم، لاحتجّ أهل العربية بقراءته، بغضّ النظر عن صحّتها، لأنّ المعتدَّ به هو صحّة رفعها إلى من يحتجّ بلسانه وبيانه, ولو خالف المتواتر, وهذا القبول من النحاة لا يعني أن هذه القراءة صارت حجّة، وارتقت ليعتدّ بها قراءة؛ بل عوملت معاملة كلام الأعرابيِّ الذي تؤخذ عنه اللغة. وحكم مثل هذه حكم مطّرد في قراءات الأعراب؛ فالاعتداد بها دليلا نجويًّا لا يلزم منه الاعتداد بها قراءةً.

          مفهوم الإعراب مما يحسن تحريره, وضبطه، فأكثر النزاع فيه إنما يكون من عدم تحريره، فلدينا إعراب، ولدينا علامة إعراب, ونحن لو نظرنا في كلام لابن قتيبة لوجدنا أنّه يتحدّث عن الإعراب؛ إذ أورد ما لا تظهر فيه علامة الإعراب، وهذا يتعلّق بإدراك النصِّ وفقهه، ولا يستلزم الإلمام أو الإحاطة بما استقرّت عليه صنعة النحو, وهذا موضع حريٌّ أن يقع فيه كبار العلماء في العلوم المختلفة حتّى العربية، وأمّا علامة الإعراب فهي أمر سهل هيِّن؛ لأنها من مقتضيات النظام والتركيب، يقول ابن قتيبة: "ولها الإعراب الذي جعله الله وشيا لكلامها، وحلية لنظامها، وفارقا في بعض الأحوال بين الكلامين المتكافئين، والمعنيين المختلفين كالفاعل والمفعول، لا يفرّق بينهما، إذا تساوت حالاهما في إمكان الفعل أن يكون لكلّ واحد منهما- إلا بالإعراب.

ولو أن قائلا قال: هذا قاتل أخي بالتنوين، وقال آخر: هذا قاتل أخي بالإضافة- لدّل التنوين على أنه لم يقتله، ودلّ حذف التنوين على أنه قد قتله.

ولو أن قارئا قرأ: فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (76) [يس: 76] وترك طريق الابتداء بإنّا، وأعمل القول فيها بالنصب على مذهب من ينصب (أنّ) بالقول كما ينصبها بالظن- لقلب المعنى عن جهته، وأزاله عن طريقته، وجعل النبيّ، عليه السلام، محزونا لقولهم: إنّ الله يعلم ما يسرّون وما يعلنون. وهذا كفر ممن تعمّده، وضرب من اللحن لا تجوز الصلاة به، ولا يجوز للمأموين أن يتجوّزوا فيه. [تأويل مشكل القرآن ص: 18] وانظر [دراسات لعضيمة ففيه زيادة 1/29] وأورد تعقيب ابن خالويه على ابن قتيبة ].

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: فَإِنَّ لَهُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ: بِفَتْحِهَا، وَالتَّقْدِيرُ: فَجَزَاؤُهُ أَنَّ لَهُ. قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: وَسَمِعْتُ ابْنَ مُجَاهِدٍ يَقُولُ: مَا قَرَأَ بِهِ أَحَدٌ وَهُوَ لَحْنٌ، لِأَنَّهُ بَعْدَ فَاءِ الشَّرْطِ.

وَسَمِعْتُ ابْنَ الْأَنْبَارِيِّ يَقُولُ: هُوَ ضِرَابٌ، وَمَعْنَاهُ: فَجَزَاؤُهُ أَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ. انْتَهَى. وَكَانَ ابْنُ مُجَاهِدٍ إِمَامًا فِي الْقِرَاءَاتِ، وَلَمْ يَكُنْ مُتَّسِعَ النَّقْلِ فِيهَا كَابْنِ شَنَبُوذَ، وَكَانَ ضَعِيفًا فِي النَّحْوِ. وَكَيْفَ يَقُولُ مَا قَرَأَ بِهِ أَحَدٌ؟ وَهَذَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ قَرَأَ بِهِ. وَكَيْفَ يَقُولُ وَهُوَ لَحْنٌ؟ وَالنَّحْوِيُّونَ قَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ "أَنَّ" بَعْدَ فَاءِ الشَّرْطِ يَجُوزُ فِيهَا الْفَتْحُ وَالْكَسْرُ. وَجَمَعَ خالِدِينَ حَمْلًا عَلَى مَعْنَى مَنْ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْحَمْلِ عَلَى لَفْظِ مَنْ فِي قَوْلِهِ: يَعْصِ، فَإِنَّ لَهُ. [البحر المحيط في التفسير 10/ 303]

*******

 د – خلاصة وإشارات

إنّنا نؤكِّد هنا ضرورة مراعاة المبادئ التي ذكرناها, وضرورة أن نقف في توظيف المناهج حين ندرس العلوم المختلفة على أنّها تتّفق في المبادئ، كما أسلفنا، وتختلف في الممارسات والتطبيقات, وقد ضربنا أمثلةً لذلك فيم أسلفنا، غلا نعيدها هنا، وإن كان من كلمة, فيمكن إجمالها فيما يأتي:

لا يلزم في النحو الاستشهاد لكلِّ شيءٍ فيه ؛ فالنحو في قواعده الكلّيّة وضوابطه الأساسيّة قائم على الاستفاضة لا على الشواهد المفردة. وقد أوضحناه فيما سلف بما فيه الكفاية.

ثمّ إنّه ليس في حساب النحاة التواتر وعدمه في القراءات، المهمّ هو ثبوت القراءة وصحّة عزوها إلى من يحتجّ بلغته, تتساوى في ذلك مع غيرها من كلام العرب, وتعدّدها لا يضعفها, ولا يجعلنا نردّ قراءة بقراءة؛ فالتعدّد والتنوّع ثراء، واتّساع في النص والمسموع.

إنّ ما قاله بعض النحاة حول بعض القراءات ممارسات لا ترقى إلى الظاهرة, وإنما هي وقائع ليس لها سمة الاطراد والإلزام، بل هي أقرب للخروج على الاطّراد والإلزام.

وكثير ممّا يتوهّمه المعترضون على النحاة لا يثبت عند النظر، تأمّل معي النص التالي من كتاب سيبويه، وهو أقوى ما أورده أحمد مكي في اعتراض سيبويه على النحاة. فكلام سيبويه ليس متّجهًا للآية, بل لكلامٍ آخر.

         ((واعلم أن ما كان في النكرة رفعا غير صفة فإنه رفعٌ في المعرفة. من ذلك قوله جل وعز: "أمْ حَسِبَ الذين اجتَرحوا السّيّئاتِ أن تجعلَهُم [الكتاب لسيبويه 2/ 33] كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءٌ مَحياهُم ومَماتُهُم ".

       وتقول: مررت بعبد الله خيرٌ منه أبوه. فكذلك هذا وما أشبهه. ومن أجرى هذا على الأول فإنه ينبغي له ان ينصبه في المعرفة فيقول: مررتُ بعبد الله خيراً منه أبوه. وهي لغةٌ رديئة. وليست بمنزلة العمل نحو ضارب وملازم، وما ضارعه نحو حَسن الوجه. ألا ترى أن هذا عملٌ يجوز فيه يَضربُ ويلازم وضربَ ولازَمَ. ولو قلت: مررت بخيرٍ منه أبوه كان قبيحا، وكذلك بأبى عشرة أبوه. ولكنه حين خلَص للأول جرى عليه، كأنك قلت: مررتُ برجلٍ خيرٍ منك.

      ومن قال: مررتُ برجلٍ أبى عشرةٍ أبوه، فشبّه بقوله: مررتُ برجل حسنٍ أبوه. فهو ينبغي له أن يقول: مررتُ بعبد الله أبى العشرة أبوه، كما قال: مررتُ بزيدٍ الحسنِ أبوه)). [الكتاب لسيبويه 2/ 34]

          ((فإن أسكنتها وقبلها ضمةٌ قلبتها واواً كما قلبت الواو ياء في ميزان، وذلك نحو: موقنٍ ومُوسِرٍ ومُوئِسٍ وموبٍسٍ، ويا زيدُ وإسْ، وقد قال بعضهم: يا زيدُ يْئَـِسْ، شبهها بقُيْلَ.

     وزعموا أن أبا عمرٍو قرأ: يا صالحُيتِنا جعل الهمزة ياءً ثم لم يقلبها واوًا.

      ولم يقولوا هذا في الحرف الذي ليس منفصلًا. وهذه لغة ضعيفة، لأن قياس هذا أن تقول: يا غُلا مُوجَلْ)). [الكتاب لسيبويه 4/ 338]

         واعلم أن "كفى بنا فضلا على مَن غيرُنا" أجود، وفيه ضعفٌ إلا أن يكون فيه هو، لأن هو من بعض الصلة، وهو نحو مررت بـ "أيُّهم أفضلُ"، [الكتاب لسيبويه 2/ 107] وكما قرأ بعض الناس هذه الآية: " تماما على الذي أحسَنُ ".

         واعلم أنه يقبح أن تقول هذا مَن منطلق إذا جعلتَ المنطلق حشوا أو وصفا، فإن أطلتَ الكلام فقلت مَن خيرٌ منك، حسُن في الوصف والحشو. زعم الخليل (رحمه الله) أنه سمع من العرب رجلا يقول: ما أنا بالذي قائلٌ لك سوءا، وما أنا بالذي قائل لك قبيحا. فالوصف بمنزلة الحشو المَحشو لأنه يَحسن بما بعده كما أن الحشو المحشوَّ إنما يتم بما بعده. [الكتاب لسيبويه 2/ 108]

       وليس في نصوص سيبويه الثلاثة طعن في القراءات، بل فيها تخريج على كلام العرب, وتلمس نظائر.

بين ابن مالك والشاطبي:

ويعدُّ ابن مالك مثالًا للنحاة الذين يتسعون في الاحتجاج بالقراءات، والتوسّع في القياس عليها، وإن كانت شروط كفاية الدليل في تحقُّقها نظر، ((ومن ثم احتج على جواز إدخال لام الأمر على المضارع المبدوء بتاء الخطاب بقراءة (فبذلك فلتفرحوا), كما احتج على إدخالها على المبدوء بالنون بالقراءة المتواترة (ولنحمل خطاياكم ) .

واحتج على صحة قول من قال: إن (الله) أصله (لاه) بما قرِئ شاذًّا {وهو الذي في السماء لاهٌ وفي الأرض لاهٌ}[الزخرف آية 84] .

تنبيه:  كان قوم من النحاة المتقدِّمين يعيبون على عاصم, وحمزة وابن عامر قراءاتٍ بعيدة في العربية, وينسبونهم إلى اللحن, وهم مخطئون في ذلك؛ فإن قراءتهم ثابتة بالأسانيد المتواترة الصحيحة التي لا مطعن فيها, وثبوت ذلك دليل على جوازه في العربية, وقد رد المتأخرون منهم ابن مالك , على من عاب عليهم ذلك بأبلغ رد, واختار جواز ما وردت به قراءاتهم في العربية, وإن منعه الأكثرون مستدلا به من ذلك احتجاجه على جواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار بقراءة حمزة: (تساءلون به والأرحام).

وعلى جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بمفعوله بقراءة ابن عامر: (قتل أولادهم شركائهم ) .

وعلى جواز سكون لام الأمر بعد ( ثم ) بقراءة حمزة : ( ثم ليقطع ))).[الاقتراح للسيوطي/ تحقيق محمود سليمان ياقوت ص76-ص82] وقد يكون الحقّ معه في أشياء، ويخالف في أشياء، وفق ما أوردناه من مبادئ، قد يكون معه الحقّ فيما لم يرد له معارض, ويكون الحقّ ليس معه، فيما ورد له معارض، أو ما يمنع الاحتجاج به لعدم كفايته لعلّةٍ من العلل المانعة الاستدلال به.

ممّا يحسن سطره في هذا أن نشير إلى موقفٍ للشاطبي في مناقشته بعض آراء ابن مالك؛ إذْ يرى ابن مالك أن "تقديم الحال على صاحبه وعامله قليل" المقاصد الشافية 3/456 وعلّق الشاطبي عليه، فقال: والصواب - والله أعلم – مع النحويين دون ابن مالك؛ لأنهم لم يأتوا بوجهِ المنع القياسي إلا بعد استقراء كلام العرب, وأنّهم لم يجدوا التقديم إلا في شعر لا يجعل وحده مأخذ قياس, أو في الآية الكريمة(إلا كافّة للناس) مع احتمالها وعدم نظيرٍ لها في ظاهرها, ومعارضة الاستقراء للقياس في المسألة ، فحينئذٍ جزموا بمنع المسألة, وأوّلوا الآية الكريمة حين لم يجدوا لها في الكلام نظيرًا, ولم يثبت عندهم جواز التقديم في لغة من اللغات, فالحقّ ما ذهبوا إليه.

ومن عادة ابن مالك التعويل على اللفظة الواحدة تأتي في القرآن ظاهرها جواز ما يمنعه النحويّون, فيعوِّل عليها في الجواز, ومخالفة الأئمّة, وربّما رشَّح ذلك بأبيات مشهورة, أو غير مشهورة, ومثل ذلك ليس بإنصاف؛ فإنّ القرآن قد يأتي  بما لا يقاس مثله, وإن كان فصيحًا, وموجَّهًا في القياس لقلّته. [المقاصد الشافية 3/456]

وقال الشاطبي: " ليس كلّ ما تكلّم به الغرب يقاس عليه، وربما يظنّ من لم يطلع على مقاصد النحويين أن قولهم: شاذٌّ, أو لا يقاس عليه, أو بعيد في النظر, القياسي, وما أشبه ذلك ضعيفٌ في نفسه, وغير فصيح, وقد يقع مثل ذلك في القرآن, فيقومون في ذلك بالتشنيع على قائل ذلك, وهم أولى لعمر الله, أن يشنّع عليهم, ويحال نحوهم بالتجهيل والتقبيح؛ فإن النحويين إنما قالوا: ذلك" [المقاصد الشافية 3/456] "لأنهم لمّا استقروا كلام العرب ليقيموا منه قوانين يحذى حذوها وجدوه على قسمين:

قسم سهل عليهم فيه وجه القياس, ولم يعارضه معارض لشياعه في الاستعمال, وكثرة النظائر فيه, فأعملوه بإطلاقٍ علمًا بأنّ العرب كذلك كانت تفعل في قياسه.

وقسم لم يظهر لهم فيه وجه القياس, أو عارضه معارضٌ لقلّتِه, وكثرة ما خالفه, فقالوا: إنّه شاذٌّ, أو موقوف على السماع, أو نحو ذلك, بمعنى أنّا نتّبع العرب فيما تكلّموا به من ذلك, ولا نقيس غيره عليه, لا لأنّه غير فصيح, بل لأنّا نعلم أنّها لم تقصد في ذلك القليل أن يقاس عليه, أو يغلب على الظنِّ ذلك, وترى المعارض له أقوى وأشهر, وأكثر في الاستعمال, هذا الذي يعنون، لا أنّهم يرمون الكلام العربي بالتضعيف والتهجين ، حاش لله, وهم الذين قاموا بغرض الذبِّ عن ألفاظ الكتاب, وعبارات الشريعة, وكلام نبيِّنا محمّدٍ ! فهم أشدُّ توقيرًا لكلام العرب, وأشدّ احتياطًا عليه ممّن يغمز عليهم بما هم منه بُراء, اللهمّ إلا أن يكون في العرب من بعُد عن جمهرتهم, وباين بحبوحة أوطانهم, وقارب مساكن العجم, أو ما أشبه ذلك ممّن يخالف العرب في بعض كلامها, وأنحاء عباراتها, فيقولون: هذه لغة ضعيفة, أو ما أشبه ذلك من العبارات الدالّة على مرتبة تلك اللغة في اللغات". [المقاصد الشافية 3/457]

*******

ختام الكلام:

عامّة ردود من ردَّ على النحاة في هذا الأمر تعتمد طريقًا محفوفة بالمزالق؛ إذ تعتمد على الثقة بصاحب الرأي، وحسن الظنِّ به، وتفضيله عمومًا على من خالفه، كما فعل أبو حيّان في تفضيل أبي عمروٍ الدانيِّ على أبي الفتح. وكما فعل الشيخ عضيمة حين نقل ثناء أهل العلم على بعض القرّاء، ينظر في الثناء على ابن عامر . [دراسات عضيمة 1/30-31] وحمزة [دراسات 1/31-32] وهذا ليس محلّ نزاع فالقرّاء حملة القرآن، وليس الاستدراك على واحدٍ منهم بناقصٍ من مكانته وإمامته، ولا يلزم من تزكيتهم، تصحيح كل ما يأتونه، ولا الطعن في قراءتهم، كما أن نقد بعض أدائهم، لا يلزم منه ردّ جميع ما جاءوا أو انتقاصهم، والطعن في إمامتهم بعلمهم؛ إذ هناك نقد عامّ لحمزة ، كما فعل ابن حنبل، وابن قتيبة، ولم يخرجه هذا النقد من القرّاء، ولا أبطل قراءته، وهم قد انتقدوا بعض أداءاته، كما فعل الكسائي في قصّته بمكّة مع الرشيد.

ولو كان دافعهم الطعن لكان الأخذ بالهمز أولى لأنّه المتوافق مع القاعدة الصرفية. تعليقًا على قراءة أهل المدينة (معايش).

النحاة كانوا مدافعين عن المصاحف ، وكتّابها، والقراءات وقرّائها، وهم في دفاعهم هذا مجتهدون، إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد، وخطؤهم مغفور لهم، إن شاء الله، من مثل ما جاء عند الزمخشري في تفسيره في قراءة ((والْمُقِيمِينَ نصب على المدح لبيان فضل الصلاة، وهو باب واسع، وقد كسره سيبويه على أمثلة وشواهد. ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا في خط المصحف. وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان، وغبي عليه أنّ السابقين الأوّلين الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام وذبّ المطاعن عنه، من أن يتركوا في كتاب اللَّه ثلمة ليسدّها من بعدهم وخرقا يرفوه من يلحق بهم)). [تفسير الزمخشري = الكشاف 1/ 590]

((ويدل عليه أن علياً وابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين قرءوا: أفلم يتبين، وهو تفسير أَفَلَمْ يَيْأَسِ. وقيل: إنما كتبه الكاتب وهو ناعسٌ مُسْتَوِيَ السينات، وهذا ونحوه مما لا يصدق في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكيف يخفى مثل هذا حتى يبقى ثابتا بين دفتي الإمام. وكان متقلبا في أيدي أولئك الأعلام المحتاطين في دين الله المهيمنين عليه لا يغفلون عن جلائله ودقائقه، خصوصًا عن القانون الذي إليه المرجع، والقاعدة التي عليها البناء، وهذه والله فريةٌ ما فيها مرية)). [تفسير الزمخشري = الكشاف 2/530- 531] وانظر عضيمة 1/26-27

قلت: كلام النحاة لا يتضمّن التلحين, وإنما يمكن أن نفسّره بما كان للقرّاء من أحوال, فالقارئ يسمع القرآن من طرقٍ مختلفة, وهذه الطرق تتفاوت وتختلف, وقد تتفرّد بأشياء, وعمل القارئ هو الاختيار من بينها لما هو أولى وأقرب للصحة, وما هو لغة عالية, فإذا اختار غير ذلك فلأهل النحو أن يؤاخذوه على اختياره، لا على إسناده, ولذا جاء التعليل (ولم يكن يدري ما العربية) [دراسات 1/20] والقرّاء أنفسهم كان لهم حظٌّ من التخطئة والتلحين, ورد بعض أوجه القراءة لبعض القراء, وإن كانوا من السبعة. [ينظر في هذا كتاب دراسات لأسلوب القرآن الكريم  1/19فما بعدها]. 

وقد التمس النحاة للقرّاء عُذُرًا بقولهم ((وإنما يجوز مثل هذا الغلط عندهم لما يستهويهم من الشبه؛ لأنهم ليست لهم قياسات يستعصمون بها. وإنما يخلدون إلى طبائعهم، فمن أجل ذلك قرأ الحسن البصري رحمة الله عليه: "وما تنزلت به الشَّيَاطون"؛ لأنه توهم أنه جمع التصحيح نحو "الزيدون" وليس منه.وكذلك قراءته: "ولا أَدْرَأْتُكُم به" جاء به كأنه من "درأته" أي: دفعته وليس منه, وإنما هو من "دريت بالشيء" أي: علمت به, وكذلك قراءة من قرأ "عادَ للُّؤلى", فهمز وهو خطأ منه. قلت (سليمان): الإدغام صحيح في القراءة, يحفظ ولا يقاس عليه، وكلام النحاة عن تأسيس قياسٍ يطّرِد. تعدّد الرواية ليس مطلقًا، والروايات لا تتدافع، ولا يسقط بعضها بعضًا.

فتعدّد القراءات  عند النحاة لا يلغي الاحتجاج بها جميعًا, فلا تردّ قراءة بقراءة، ولا تدفع قراءة قراءةً, وليست قراءة أولى من غيرها في النحو، وتقرير أحكامه، وبناء قواعده. الله أرحم بعباده ، فأنزل القرآن على سبعة أحرف؛ مراعاة للواقع اللغوي للبيئة العربية. [يشرح معنى الاحتجاج ، وأنه لا يلزم منه إقامة قاعدة مطردة، بل يعني إثبات اللغة، ولا يلزم منها القياس، فقد يكون تسويغًا لاستعمال ما ورد في القرآن، ولا يلزم منه قياس، كما ذكر ابن جني أن جميع لغات العرب حجة، ولا يلزم من كونها حجة التسوية بينها، ولا القياس عليها]

*******

ونستطيع بعد هذا أن نقول: إن علاقة الصحّة وعدمها قراءةً ونحوًا، على أربعة أضربٍ، هي:

1          ما يصحّ قراءةً ويصحّ نحوًا، وهو جمهور ما يقرأ به القرآن، وعامّة ما عليه القرّاء.

2          ما يصحّ قراءة، ولا يصحّ نحوًا، ولا تسيغه قواعد العربيّة، بمعنى أنّه لا يقاس عليه، لا بمعنى أن لا يستعمل بعينه في الكلام، مثل بعض مسائل الإدغام، في نحو (شَهْررَمضان) في قراءةٍ لأبي عمروٍ، والتقاء الساكنين، في نحو قراءة (محيايْ) بإسكان الياء، وقراءة من قرأ (فنِعْمّا هي) بإسكان العين، وخلاف النحاة لا يطعن في التمثيل.

3          ما يصحّ ويسوغ بل يستجاد نحوًا، ويمتنع قراءة، مثل الرفع والنصب في "الرحمن الرحيم"  من {بسم اللهِ الرحمنَُ الرحيمَُ}. [الخصائص]

4          ما لا يصحّ لا نحوًا ولا قراءةً، وهو ما لا سندَ له، ولا يوافق قواعد العربيّة، كقراءة العامّة القرآن على ما تطوعهم به ألسنتهم، لا على ما توجبه الرواية، وكامتناع ((التقاء الساكنين :

           إذا كان أوّل الساكنين واوًا أو ياءً، والثاني حرف صحيح، غير مدغَمٍ.

           إذا تقدّم في حشو الكلمة الحرف الصحيح الساكن على أحد حروف العلّة.

           إذا التقى حرفا علّة متفقان في حشو الكلمة)). [التقاء الساكنين بين القرّاء والنحويين/ عبد الرحمن الشنقيطي/ مجلّة معهد الشاطبي/ ع(12) ذو الحجة 1432هـ]

*******

ثمّ إن التشنيع على النحاة في تناولهم للقراءات، أمر يقع في العلوم الأخرى التي بين حملتها وحملة علوم تلتقي معها، وهي نازلة من النوازل التي تستحقُّ الدرسَ، فمهاجمة طائفة علمية لم  تكن بارزة، كما هي الآن في السابق، وكان الهجوم سابقًا وقائع مفردة، والردّ على ممارساتٍ فرديّة، لها أحكام الوقائع والحوادث المفردة، أمّا أن يكون الهجوم على طائفة برمّتها, ووسمها بسمةٍ واحدة، من أجل ممارساتٍ محدودة، قام بها حملة علمٍ آخر، فهذا لم يكن فيما مضى، وقد صار نازلة في عصرنا، ومن هذا ما يقوم به بعض من يحمل همَّ الدِّفاع عن القرآن، وقراءاته, وقرّائه، وما يفهمونه من عباراتٍ تصدر من بعض النحاة يظنّونها هجومًا على القرّاء، وتعدِّيًا على القراءات، ولم يكن علماؤنا فيما مضى يفهمونها على هذا النحو، ولا يحمِّلونها ما تُحمَّله في هذا العصر، ومن هنا جاء هذا العمل، وإن خصَّ بعنوانه التفسيريّ بعلمٍ من أعلام النحو في العصر، إلا أنّ المعالجة تشمله وتشمل غيره، ممّن يشاركه الفعل، ويستخدم الألفاظ ذاتها في حوار النحاة، والفرق بين ما كان أولا، وما يجري الآن هو أنّ ما كان عبارةٌ عن ممارساتٍ وأفعالٍ مفردةٍ، وما يجري صار ظاهرةً، لم تعدْ محصورةً في علمٍ؛ إذ نراها في كلِّ علمٍ يتعصَّب له حاملوه، أو يكون لديهم رغبة فيما يتوهَّمونه تجديدًا، حين يظنّون التجديد في سلق العلماء بألسنةٍ حدادٍ، وتنقُّ أهل كلِّ علمٍ للعلوم الأخرى، وطوائفها.

هذا ما أمكن سطره في كتابة أوّليّة, وهي قابلة للتنقيح في قابل الأيّام. تمّ بحمد الله، والصلاة والســلام على رسوله الكريم. وقد فرغت من كتابته في منزلي بجوار بيت الله الحرام بمكة (حرسها الله من كلِّ سوءٍ) في مساء يوم الجمعة الثالث من جمادى الأولى من عام ألفٍ وأربعمائة وأربعة وثلاثين, الموافق للرابع عشر من شهر مارس من عام ألفين وثلاثة عشر للميلاد.

 

 

 

 
المؤتمر العالمي الثاني للباحثين في القرآن الكريم: توصيات مهمة وعملية تفتح آفاق تطوير خدمة النص والمصطلح في الدراسات القرآنية - د. الطيب بن المختار الوزاني طباعة إرسال إلى صديق
تقييم المستخدمين: / 7
سيئجيد 
الكاتب صوت العربية   
الخميس, 18 أبريل 2013 21:55

   اختتم المؤتمر العالمي الثاني للباحثين في القرآن الكريم  المنعقد بفاس يوم السبت الماضي 02 جمادى الثانية 1434هـ / 13 أبريل 2013  والذي دام ثلاثة أيام ـ أشغاله بجملة من التوصيات والقرارات الهامة التي جسدت خلاصة المدارسات والأشغال وأهم تطلعات المؤتمرين للارتقاء بالدراسات القرآنية خاصة في جانبيها الأساسيين : النص والمصطلح.

   وجدير بالذكر أن المؤتمر كان من تنظيم مؤسسة البحوث والدراسات القرآنية (مبدع) ـ التي يشرف عليها أمينها العام الدكتور الشاهد البوشيخي ـ بتعاون وتنسيق مع شركائها في البحث العلمي والدراسات القرآنية والتراثية خاصة الرابطة المحمدية ومعهد الدراسات المصطلحية ومركز تفسير للدراسات القرآنية كرسي القرآن الكريم وعلومه من المملكة العربية السعودية.

   وقد اشتغل المؤتمرون الذين وفدوا من دول عديدة ( المملكة المغربية ، والمملكة العربية السعودية وسوريا والكويت وقطر، ومصر وتركيا ) بدراسة المحورين الرئيسين اللذين حددهما المؤتمر في برنامجه وهما:

   أولا: محور آفاق الخدمة لنص القرآن الكريم وعلومه: خدمة النص بنوعيه المخطوط والمطبوع؛ فخدمة المخطوط من حيث الفهرسة والتصوير والتوثيق والتحقيق، وخدمة النص المطبوع تكشيفا ونشرا وتوزيعا وما يلزم في تلك الخدمة من توظيف للشابكة وتأسيس مشاريع خادمة لنص القرآن الكريم وعلومه.

  ثانيا: محور آفاق الخدمة لمصطلح القرآن الكريم وعلومه وتناول قضايا الدراسة المصطلحية ومراحلها وإجراءاتها؛ إحصاء وتصنيفا وتعريفا ثم ما يرتبط بذلك من الدراسة الموضوعية والمعجمية والمفهومية والتاريخية للمصطلح إضافة إلى مدارسة أهم المشاريع الخادمة لهذا المصطلح وآفاقها.

  وبعد ثلاثة أيام من العروض والمناقشات وحلقات البحث والورشات خلص المؤتمرون إلى جمع خلاصات المؤتمر في نقطتين: الحصيلة والآفاق:

   فالأولى المتعلقة بالحصيلة: يمكن تركيزها في التوصل إلى تحقيق بعض توصيات المؤتمر الأول: ومنها على الخصوص التمكن من طبع أعمال المؤتمر الأول في خمسة مجلدات ووضعها بين يدي الباحثين ، والتمكن من عقد المؤتمر في موعده كما تم الوعد به في المؤتمر الأول، والاقتراب من تأسيس رابطة عالمية للباحثين في القرآن الكريم . ومنها ما يتعلق بالمؤتمر الثاني الحالي ومن أهمها التوصل من حيث المضمون والمنهج إلى تحديد أسس خدمة النص والمصطلح في معالمها الكبرى مجالا ومنهجا وآفاقا إضافة إلى الوقوف على أهم الجهود المبذولة في ذلك تقويما للمنجز واستشرافا لغير المنجز، والوقوف عمليا على الصعوبات والإشكالات التي لا تزال عالقة ودراسة كيفية تجاوزها.

  أما الثانية وهي المتعلقة بآفاق الخدمة المرتقبة من الباحثين لتطوير الدراسات القرآنية وتجديدها على أساس من الرشد العلمي والمنهجي والإجرائي فتمثلت في الدعوة إلى متابعة توصيات المؤتمر السابق والحالي عبر تشكيل لجان ساهرة على ذلك ومتابعة له، والدعوة أيضا إلى التعجيل بإنجاز فهرس شامل لجميع مخطوطات القرآن الكريم في العالم وتصويرها ووضعها في مركز جامع ومتخصص، كما شددت هذه التوصيات على دعوة الباحثين المتخصصين إلى ضرورة التعاون مع الجهات المتخصصة على إنجاز المعجم المفهومي لمصطلحات القرآن الكريم والجوامع المساعد على ذلك مثل الجامع التاريخي لشروح الألفاظ القرآنية لدى المفسرين ولدى اللغويين، ونحوهما، والتنصيص على أهمية الحوار العلمي مع المفكرين والمهتمين بالدراسات القرآنية خاصة المستشرقين المنصفين وأهمية عقد مؤتمر عالمي لدراسة الطعون والشبهات عن القرآن الكريم ومعالجتها علميا ومنهجيا.

  ويمكن القول في هذا السياق إن أبرز التوصيات التي جسدها البيان الختامي كانت الدعوة إلى إنشاء كرسي بحثي للدراسات المصطلحية في مختلف الكليات والجامعات، وضرورة توسيع دوائر الخدمة للقرآن الكريم في النص والمصطلح في مجالات علمية أخرى عبر عقد مزيد من المؤتمرات والدورات وتوظيف أوسع لإمكانات الشابكة واستثمار مختلف الجهود الخادمة للقرآن الكريم وعلومه ومشروعاته وتأسيس بنك معلومات إلكتروني وقاعدة بيانات في المجال.

  وفي الختام ضرب المؤتمرون موعدا للمؤتمر الثاني في نفس الموعد زمانا ومكانا بعد عامين لاستكمال المسار ومتابعة المشروع العلمي الذي تتشرف مؤسسة مبدع بالسهر عليه وتنفيذه مع شركائها من المؤسسات والمراكز المتخصصة في الدراسات القرآنية والباحثين التراث الإسلامي عامة وفي القرآن الكريم وعلومه خاصة.

 
مقابسة قرآنية ( أيامًا معدوة ـ وأيامًا معدودات ) تعددت الأوصاف والموصوف واحد طباعة إرسال إلى صديق
تقييم المستخدمين: / 261
سيئجيد 
الكاتب د.هدى محمد قزع   
الثلاثاء, 27 سبتمبر 2011 21:38

س: وصف ربنا عز وجل في آياته العظيمة الأيام بأنها معدودة وبأنها معدودات، فأين موضع ذلك الوصف في كتاب الله ، وما الفرق بينهما؟

ج: جاء وصف الأيام في سورة البقرة، الآية رقم 80 ، بأنها معدودة ، وفيها قال ربنا عز وجل:" وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ".

وهذه الآية جاءت حكاية على لسان اليهود ، واتخذ الوصف فيها صيغة المفردة المؤنثة "معدودة" .وأما في الآية رقم 184 ، من سورة البقرة فقد وصفت الأيام على أنها معدودات ، إذ قال أعز قائل:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ "

وفي سورة آل عمران ، الآية رقم 24 ، وصفت الأيام على أنها معدودات أي بصيغة الجمع المؤنث ( جمع قلة) ، إذ جاء فيها:" أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُون "َ (24) سورة آل عمران.

إذن الموصوف واحد  في الآيات الثلاث، ويظل السؤال القائم ما هو الفرق في المعنى بين الوصفين؟

وقبل الإجابة عن هذا السؤال ، أحب  الاستعانة ببعض أقوال المفسرين الذين تنبهوا إلى هذا الفرق وحاولوا إيجاد مخارج تأويلية له،  ومن ثم أجد أنه من الضروري  أن أضعها تحت عين الفحص والتدقيق لأخرج  منها بوجهة يطمئن لها القلب والعقل  معًا.

وأبدأ بتفسير الطبري (310هـ) إذ قال فيه :" وإنما قيل"معدودة" وإن لم يكن مبينا عددها في التنزيل، لأن الله جل ثناؤه أخبر عنهم بذلك وهم عارفون عدد الأيام، التي يوقتونها لمكثهم في النار. فلذلك ترك ذكر تسمية عدد تلك الأيام، وسماها"معدودة". ثم اختلف أهل التأويل في مبلغ الأيام المعدودة التي عينها اليهود، القائلون ما أخبر الله عنهم من ذلك  فقال بعضهم:-عن ابن عباس والسدي وأبي  العالية والضحاك أنها أربعون يوما (1). وعن قتادة والضحاك عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل(2). ، وعن ابن عباس :  أنها الأجل(3) .. وقال آخرون في ذلك : ... عن ابن عباس قال : إنها سبعة أيام(4) ، و عن مجاهد في قول الله:(قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة)، قال: كانت تقول: إنما الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوما(5). ... قال مجاهد: وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة من الدهر. وسموا عدة سبعة آلاف سنة، من كل ألف سنة يوما(6).

ويلاحظ أن الطبري يميل إلى أن وصف الأيام بالمعدودة يشي بأنها غير معينة في نفسها ، وقد كان لعدم التعيين في سياق هذه الآية مدلول فكري ونفسي ، يكشف عن نفسية اليهود المريضة ، واضطرابهم النفسي إذ انهم لا يثبتون على عدد ما  من أيام العذاب فيما كانوا يدعون  ، إذ هي تارة 7 ، وأخرى 40 ...إلخ ، وأحسب أن عدم ثبات  اليهود وكذبهم في هذه الآية ينسحب على مواقف أخرى لليهود ولا يقتصر على سياق هذه الآية .

أما المدلول الفكري فيتجلى بحكمة الرب إذ جعل لسان اليهود ناطقًا بكذبهم وافترائهم على الله ، إذ هم يدعون لفظًا بأن عذابهم غير معين، وهم في أنفسهم يخفون عددًا لأيام العذاب ، من هنا ترك الرب الحكيم تسمية عدد تلك الأيام وسماها معدودة.

فإذا انتقلنا إلى تفسير الطبري للآية 184 من سورة البقرة ، فإننا سنجده يفصل القول بتأويلات المفسرين ، ويختار  رأيًا واحدا وهو أن يكون معنى "أيامًا معدودات" شهر رمضان كله(7) .

ولعل هذا الرأي يبصرنا بأن وصف الأيام بالمعدودات يعني أنها معينة بنفسها ، وتدل على عدد معين.

وفي تفسيره للآية رقم 24 من سورة آل عمران قال :" يعني جل ثناؤه بقوله:"بأنهم قالوا"، بأنّ هؤلاء الذين دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم بالحق فيما نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما أبوا الإجابة إلى حكم التوراة وما فيها من الحق: من أجل قولهم: "لن تمسنا النارُ إلا أيامًا معدودات" = وهي أربعون يومًا، وهن الأيام التي عبدوا فيها العجل  = ثم يخرجنا
منها ربنا، اغترارًا منهم ="بما كانوا يفترون" (8).

وقد أشار إلى أن مذهبه في تفسير هذه الآية يماثل ما قاله أهل التأويل من مثل ما حكي عن قتادة ، والربيع (9).

ويستطيع المرء أن يستبين بأن الطبري لا يقيم فرقًا واضحًا بين وصف الأيام على أنها معدودة أو على أنها غير معدودة ، إلا على سبيل تعيين العدد في نفسه من عدمه ، فالمعدودة لا تدل على عدد معين بنفسه ، أما المعدودات فهي محددة بعدد معين بنفسه .

وما أن ننتقل إلى تأويل آخر حتى يتضح الفرق القائم في فهم كتاب الله عز وجل لدى المفسرين ، فمثلًا لو اطلعنا على ما رآه الراغب الأصفهاني( 502هـ)  ، سنجد أن قول الله حكاية على لسان اليهود:{ إلا أياما معدودة }: يعني أنها : " قليلة لأنهم قالوا نعذب الأيام التي فيها عبدنا العجل" (10).

وهذا يعني أن الراغب يلتفت إلى جانب آخر وهو القلة التي يوحيها وصف الأيام بأنها معدودة، إضافة إلى جانب التعيين وهو أيام عبادتهم للعجل.

أما تفسيره للآية رقم 184 من سورة البقرة فهو يوافق الطبري ، ويزيد على قوله: " وقوله : { واذكروا الله في أيام معدودات } فهي ثلاثة أيام بعد النحر ، والمعلومات عشر ذي الحجة . وعند بعض الفقهاء : المعدودات يوم النحر ويومان بعده ، فعلى هذا يوم النحر يكون من المعدودات والمعلومات "(11).

وهذه الزيادة تقوي أن وصف الأيام بالمعدودات هو معين لها بعدد معين بنفسها. 

وسيأتي الزمخشري(538 هـ) من بعده ليؤكد على كلامه ويقول: "ومعنى ) معدودات (موقتات بعدد معلوم أو قلائل"(12).

فإذا يممنا بحثنا إلى تفسير فخر الدين الرازي( 606هـ)  سنجد رؤية تأويلية جديدة أشد إغراقًا في الجانب اللغوي، إلا أنها لاتفيد في بيان الحدود المائزة بين وصف الأيام بالمعدودة أو بالمعدودات إلا في الإشارة إلى الالتزام بالمشهور الشائع لغويًا وهو ما يعدّه أصلا ( أي الوصف  الذي جاء في سورة  البقرة ) ، وتسويغ النادر على أنه فرع لهذا الأصل ( أي ما جاء في سورة آل عمران ) .

وفي هذا يقول : " ولقائل أن يقول لم كانت الأولى معدودة والثانية معدودات والموصوف في المكانين موصوف واحد وهو (أياماً ) والجواب أن الاسم إن كان مذكراً فالأصل في صفة جمعه التاء يقال كوز وكيزان مكسورة وثياب مقطوعة وإن كان مؤنثاً كان الأصل في صفة جمعه الألف والتاء يقال جرة وجرار مكسورات وخابية وخوابي مكسورات إلا أنه قد يوجد الجمع بالألف والتاء فيما واحده مذكر في بعض الصور نادراً نحو حمام وحمامات وجمل سبطر وسبطرات وعلى هذا ورد قوله تعالى فِى أَيَّامٍ مَّعْدُوداتٍ و فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ فالله تعالى تكلم في سورة البقرة بما هو الأصل وهو قوله أَيَّامًا مَّعْدُودَة وفي آل عمران بما هو الفرع" (13).

هذه هي وجهة الرازي الخاصة  ، ولكنه لا يكتفي بها ، بل يستحضر تأويل الزمخشري من جديد ، وكأني به عليه موافقًا :إذ يقول :" في قوله مَّعْدُوداتٍ وجهان أحدهما مقدرات بعدد معلوم وثانيهما قلائل " (14).

فإذا طالعنا تراث الحرالي(المتوفى: 638هـ) في التفسير ، فسيتضح لنا وجهة أخرى في التأويل قائمة على الفرق بين معدودة ومعدودات بعداد الكثرة والقلة، إذ قال في تفسير إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً: "والعد اعتبار الكثرة بعضها ببعض، واقتصر على الوصف بالمفرد لكفايته في هذا المعنى، بخلاف ما في آل عمران" (15).

وهذا يعني أن معدودة في سورة البقرة  جاء وصفًا مفردًا مؤنث ، وهو يعني الكثرة ، على خلاف معدودات في سورة آل عمران التي جاءت في صيغة الجمع وتعني القلة .

وأحسب أن هذه الوجهة في حاجة إلى رجع النظر والتمحيص لغة ومعنى ، ولا دليل عليها والله اعلم.

ولا يزيد أبو حيان الأندلسي (745هـ ) على أقوال سالفيه إلا القليل ، فهو وإن بدا محورًا للفظ إلا أن المعنى ظل واحدًا إذ قال:" وصفة الجمع الذي لا يعقل تارة يعامل معاملة الواحدة المؤنثة وتارة يعامل معاملة جمع الواحدة المؤنثة . فمن الأول : ( إِلاَّ أَيَّامًا
مَّعْدُودَةً ( ومن الثاني : ) إِلا أَيَّامًا مَّعْدُوداتٍ ( فمعدودات : جمع لمعدودة . وأنت لا تقول : يوم معدودة ، إنما تقول : معدود ، لأنه مذكر ، لكن جاز ذلك في جمعه"(16).

ولا أغالي في الرأي إن قلت إنه يردد صدى مقولة الأصل والفرع التي أيدها فخر الدين الرازي .

وإني وجدته مقلدًا لوجهات المفسرين في ذكره لعدد الأيام المعدودة (17)، ولكنه يضيف عليها قوله: "وكانت اليهود تزعم أنهم لا يعذبون إلا أياماً معدودة ، وبعضهم يقول يوماً واحداً ، وبعضهم عشراً"(18). وهذا يشي بقلة الأيام لا تعيينها.

ولا أغفل عن وجهة لأبي حيان أراها ضرورية في تحديد وجهة تأويلية لوصف معدودة إذ قال: قال : " أراد بقوله : معدودة ، أي قلائل يحصرها العدّ ، لأنها معينة العد في نفسه " (19).

وهذا القول  يضيف تفسيرًا جديدًا لمعدودة ويكشف الحجاب بوضوح ، فمعدودة : تعني القلة وأنها معينة العدد في نفسها ، وهذه وجهة لمسناها عند غيره بشكل غير ظاهر ، ولكنه آثر أن  يبين عنها بجلاء، وهذا ما يسجل له.

ويختار برهان الدين البقاعي (885 هـ) تعبيرًا آخر على وصف الأيام المعدودة بأنها قليلة، وهو الانقضاء، ذلك أن " كل معدود منقض" (20)

وغريبة هي وجهة ابن جماعة ( 790هـ) ،التي ينقلها عنه السيوطي(911هـ)  ، إذ يخالف فيها المألوف عندما يجعل اليهود طائفتين مع أن المتعارف عليه أنهم طائفة واحدة ، ويعد معدودة جمع كثرة :" قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً} وفي آل عمران {مَعْدُودَاتٍ} قال ابن جماعة: لأن قائل ذلك فرقتان من اليهود إحداهما قالت: إنما نعذب بالنار سبعة أيام عدد أيام الدنيا والأخرى قالت إنما نعذب أربعين عدة أيام عبادة آبائهم العجل فآية البقرة تحتمل قصد الفرقة الثانية حيث عبر بجمع الكثرة وآل عمران بالفرقة الأولى حيث أتى بجمع القلة" (21).

ويفجؤنا الألوسي ( 1270 هـ) بوجهته الأسلوبية التي ترى بأن الفرق بين وصف الأيام بالمعدودة تارة وبالمعدودات تارة أخرى هو ضرب من التفنن في التعبير والقول، ولكن هذه الوجهة لا تخلو من الخلل إذ أدت بصاحبها إلى الزلل ، فهو عدّ معدودة مفردة ، ومعدودات صيغة جمع ، ثم قال: "وخص الجمع لمعدودات في آل عمران لما فيه من الدلالة على القلة كموصوفه"، وهذا يعني أن معدودة دلالة على الكثرة ، ومن هنا لا فائدة من قوله " تفننا في التعبير" ، والمفسر وقع في التناقض من حيث لا يدري.

إذ قال:" وجاء هنا معدودات بصيغة الجمع دون ما فى البقرة فإنه معدودة بصيغة المفرد تفننا فى التعبير وذلك لأن جمع التكسير لغيرالعاقل يجوز أن يعامل معاملة الواحدة المؤنثة تارة ومعاملة جمع الإناث أخرى فيقال : هذه جبال راسية وإن شئت قلت راسيات وجمال ماشية وإن شئت ما شيات وخص الجمع هنا لما فيه من الدلالة على القلة كموصوفه وذلك اليق بمقام التعجيب والتشنيع " (22) .

أما ابن عاشور (1393هـ ) فقد سعى  لمجاوزة ما تناقله الكثير من المفسرين من قبله ، إذ قال في تعقيبه على تفسير أبي حيان :" الوجه في الوصف الجاري على جمع مذكر إذا أنثوه أن يكون مؤنثا مفردا، لأن الجمع قد أول بالجماعة والجماعة كلمة مفردة وهذا هو الغالب، غير أنهم إذا أرادوا (23)التنبيه على كثرة ذلك الجمع أجروا وصفه على صيغة جمع المؤنث ليكون في معنى الجماعات وأن الجمع ينحل إلى جماعات كثيرة، ولذلك فأنا أرى أن معدودات أكثر من معدودة ولأجل هذا قال تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً} [البقرة:80] لأنهم يقللونها غرورا أو تعزيرا، وقال هنا:{مَعْدُودَاتٍ} لأنها ثلاثون يوما" (24).

إذن لقد كان ابن عاشور جريئًا في مخالفته للمفسرين حينما قال : "أرى أن معدودات أكثر من معدودة" ، وأما معدودة فهي تدل على القلة ، ولها دلالات متصلة بسياق الحال والقائل ، إذ تدل على غرور اليهود .

وفي قوله كثير من الحق فيما يتصل باليهود وغرورهم ، ولكن من الصعب إيجاد مخرج  له في حكمه الذي خالف فيه المجموع دون وجه حق يذكر.

هذه بعض الوقفات على عتبات المفسرين وآرائهم ، وهي تظهر مدى التناقض الذي وقع فيه بعض المفسرين ، إضافة إلى أنها تقلل من قوة الرأي الذي كثيرًا ما تداوله المفسرون وهو القائل بأن معدودة تدل على الكثرة ، في حين أن معدودات تدل على القلة، ويطمئن قلبي إلى أنه لا فرق بين معدودة ومعدودات من حيث دلالتهما على القلة ، وإنما يفترقان في الاستعمال ، ولهذا الاطمئنان القلبي مدعم عقلي في كتاب الله عز وجل : فكيف يمكن أن نغفل قوله تعالى :" وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ"(يوسف: 20) .وقوله تعالى :"أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ"(البقرة 184)وقوله: وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (سورة هود ، الآية رقم 8).

أما إن قال قائل لي: وكيف نصف الأيام بالكثرة إذن؟
أقول لهم ما قاله الزجاج فيما نقله عنه فخر الدين الرازي :"وقوله سنين عدداً ظرف الزمان وفي قوله عدداً بحثان الأول قال الزجاج ذكر العدد ههنا يفيد كثرة السنين وكذلك كل شيء مما يعد إذا ذكر فيه العدد ووصف به أريد كثرته لأنه إذا قل فهم مقداره بدون (25) التعديد أما إذا أكثر فهناك يحتاج إلى التعديد فإذا قلت أقمت أياماً عدداً أردت به الكثرة (26).

إذن إن أردنا وصف الأيام بالكثرة قلنا : أيامًا عددًا ، هذا ما أميل إليه ، ولكن الأمانة العلمية تقتضي الكشف عن رأي لا يتفق مع هذا الميل وهو رأي القرطبي (671هـ  )الذي قال فيه : و" عَدَداً " نَعْتٌ لِلسِّنِينَ، أَيْ مَعْدُودَةً، وَالْقَصْدُ بِهِ الْعِبَارَةُ عَنِ التَّكْثِيرِ، لِأَنَّ الْقَلِيلَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى عَدَدٍ لِأَنَّهُ قَدْ عُرِفَ. وَالْعَدُّ الْمَصْدَرُ، وَالْعَدَدُ اسْمُ الْمَعْدُودِ كَالنَّفَضِ وَالْخَبَطِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ:" عَدَداً" نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ. ثُمَّ قَالَ قَوْمٌ: بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى عَدَدَ تِلْكَ السِّنِينَ مِنْ بَعْدُ فَقَالَ:" وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً" (27) .

وتظهر مخالفته لي بعدّه معدودة الصفة البديلة  لنعت السنين بعددًا ، وبهذا يستوي عنده قولنا سنين عددا ومعدودة، وهذا ما لم أجده بعد محاولة فهمي للمقصود، إذ وجدت أننا إذا قلنا أيامًا معدودة ، أو معدودات ، أردنا بهما : القلة 

أما الفرق الوحيد القائم فيظهر في الاستعمال : إذ إن ﴿مَّعْدُودَة ﴾ تدل على عدد غير معين ، وهذا ماحكاه الطبري ، أبو حيان ، أما معدودات فإنها تدل على عدد معين، أي أنها معيَّنة العدِّ في نفسها وهذا ما حكاه الزمخشري والرازي والراغب الأصفهاني، والله وحده يعلم السر وما يخفى. 

-----------------------------
الهوامش:

(1)  انظر: أبو جعفر الطبري ، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق :أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط1، 2000 م،ج2:ص274، 275، 276.

  1. (2)  انظر: المصدر السابق ، ج2، ص275/ 276 
  2. (3)  انظر : المصدر نفسه ،ج2، 275/ ج2، ص276 
  3. (4)  انظر : نفسه، ج2 ، ص276./ ج2، ص277. 
  4. (5)  انظر: نفسه، ج2، ص277.، 
  5. (6) انظر : نفسه، ج2، ص277.
  6. (7)  انظر: نفسه، ج3، ص412. 
  7. (8)  نفسه ، ج6، ص292. 
  8. (9)  انظر: ج6، ص293. حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه"، أما"أبناء الله"، فإنهم قالوا: إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدًا من ولدك، أدخلهم النار، فيكونون فيها أربعين يومًا حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم، ثم ينادي منادٍ: أن أخرجوا كل مختون من ولدِ إسرائيل، فأخرجهم. فذلك قوله:( لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ) [سورة آل عمران: 24]  نفسه، ج10، ص151.
  9. (10)  الراغب الأصفهاني،أبو القاسم الحسين بن محمد ، المفردات في غريب القرآن تحقيق :محمد سيد كيلاني، دار المعرفة،
    لبنان، ص324.
  10. (11)   المصدر السابق ،ص325. ومثل ذلك أيضًا قوله تعالى :﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ﴾(البقرة: 197) ، وأشهر الحج معلومة لدى الجميع . 
  11. (12)  الزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمر الخوارزمي ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، تحقيق : عبد الرزاق المهدي،  دار إحياء التراث العربي – بيروت ، ج1، ص251.
  12. (13)  الرازي ، فخر الدين محمد بن عمر التميمي الشافعي، مفاتيح الغيب ، دار الكتب العلمية ،بيروت ، 2000 م، ج3، ص130. 
  13. (14)  المصدر السابق، ج5، ص63.
  14. (15)   الحَرَالِّيُّ، أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ بنِ حَسَنٍ التُّجِيْبِيُّ الأَنْدَلُسِيُّ ،تراث أبي الحسن الْحَرَالِّي المراكشي في التفسير، مستخرجة من: تفسير البقاعي "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور"، تصدير: محمد بن شريفة، تقديم وتحقيق: محمادي بن عبد السلام الخياطي، منشورات المركز الجامعي للبحث العلمي – الرباط ، 1997 م ج1، ص234. 
  15. (16)   أبو حيان الأندلسي ، محمد بن يوسف ،  تفسير البحر المحيط ، دار الكتب العلمية ، لبنان/ بيروت ، 2001 م، ط1، تحقيق :عادل أحمد عبد الموجود و علي محمد معوض، ج2، ص39.
  16. (17)   انظر المصدر السابق: ج1، ص444  ، 445.
  17. (18)   المصدر نفسه ،ج1، ص207.
  18. (19)   نفسه، ج1، ص445. 
  19. (20)  برهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور،  تحقيق : عبد الرزاق غالب المهدي ، دار الكتب العلمية - بيروت - 1995 م: ج1، ص177.
  20. (21)  جلال الدين السيوطي ، عبد الرحمن بن أبي بكر، الإتقان في علوم القرآن ، تحقيق :محمد أبو الفضل إبراهيم ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1974 م ، ج3، ص393.
  21. (22)   الألوسي، محمود أبو الفضل، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، ج3، ص111.
  22. (23)    ابن عاشور ، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر التونسي ، التحرير والتنوير المعروف بتفسير ابن عاشور ،  مؤسسة التاريخ العربي، بيروت/  لبنان، ط1، 2000، ج2 ، ص159.
  23. (24)  المصدر السابق ، ج2، ص160.
  24. (25)  الرازي ، فخر الدين ، مصدر سابق ، ج21، ص70. 
  25. (26) ·· المصدر السابق ،ج21، ص71.
  26. (27)  القرطبي ،أبو عبد الله محمد بن أحمد الجامع لأحكام القرآن ، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش ،دار الكتب المصرية – القاهرة، ط2، 1964، ج10، ص336. 
 
تقرير عن ندوة (ترجمات معاني القرآن الكريم) بمدينة وجدة بالمغرب يومي 27 و28 أبريل 2011م طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب صوت العربية   
الاثنين, 26 سبتمبر 2011 10:55

اختتم مؤتمر " ترجمات معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية " أعماله مؤخرا بمدينه وجده بالمملكة المغربية. وخرجت الجلسة الختامية من المؤتمر – الذي نظمه مركز الدراسات الاجتماعية والإنسانية التابع لكلية الآداب بجامعة محمد الأول بالاشتراك مع المجلس المحلي للمدينة، خلال يومي 27 و28 من شهر إبريل الجاري - بعدد من التوصيات والنتائج المهمة، كان من أبرزها التوصية بضرورة تشجيع إعداد تراجم أجنبية لمعاني القرآن الكريم، تحل محل الترجمات المشوهة وغير الأمينة التي قام بها أجانب من اليهود والمستشرقين الغربيين، إضافة إلى العمل على تشجيع الدراسات العبرية و"الإسرائيلية" للرد على الترجمات العبرية المحرفة لمعاني القرآن الكريم.

وأوصى المؤتمر كذلك بإنشاء مركز علمي وبحثي متخصص في الدراسات القرآنية ولا سيما ما يعني منها بمجال الترجمات الأجنبية لمعاني القرآن الكريم، وما يستتبع ذلك من تشجيع الباحثين والمختصين في هذا المجال على إعداد المزيد من الدراسات والبحوث في مجال نقد الترجمات الأجنبية لمعاني القرآن الكريم والرد عليها، علاوة على إعداد قاعدة بيانات بكل ترجمات القرآن الكريم السابقة.
وأصدر المؤتمر توصية خاصة بضرورة تعاون كافة المختصين من جميع فروع المعرفة على ترجمة القرآن إلى اللغات الأجنبية المختلفة، ومحاولة عقد المزيد من المؤتمرات والملتقيات العلمية الإسلامية المهتمة بمناقشة ونقد الترجمات الأجنبية لمعاني القرآن الكريم، وقبل ذلك العمل على وضع معجم أجنبي لألفاظ القرآن الكريم.

الضرورة والمحظورات :

وكان المؤتمر قد استهل جلسته الافتتاحية بمحاضرة للشيخ الدكتور مصطفى بن حمزة، رئيس المجلس العلمي المحلي بمدينة وجده، بعنوان: "ترجمة القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية بين الضرورة والمحظورات"، أشار خلالها إلى أن القرآن الكريم هو رسالة إلى البشرية وخطاب إلهي، ولابد أن يصل إلى البشر جميعا لإقامة الحجة، ولاشك أن الترجمة وسيلة من وسائل إبلاغ الدعوة.
واستدرك بن حمزة، بالقول بأن عملية الترجمة محفوفة بالمخاطر الكثيرة ويمكن أن تكون مدخل للإساءة للإسلام وإلى القرآن الكريم، فمن قاموا بعملية الترجمة من الغرب هم أناس لهم موقف معاد من الإسلام، مثل بطرس المكرم، الذي أعد ترجمة استخدمت كسخرية من القرآن الكريم، وبالتالي فإن عملية الترجمة هي عملية محفوفة بالمخاطر، ويجب أن تكون محدودة بالضوابط.
من جانبه استعرض الدكتور أحمد شحلان، أستاذ اللغة العبرية والفكر اليهودي بجامعة محمد الخامس بالرباط، تاريخ الترجمات العبرية لمعاني القرآن الكريم، مركزا على فترة العصور الوسطى، ولاسيما الترجمات التي قام بها اليهود إبان الحكم الإسلامي للأندلس، والتي كانوا يستخدمونها من أجل الرد على القرآن الكريم في حججهم ومجادلاتهم المختلفة، وكانوا يعتمدون على المعجم العربي في أحسن الأحوال لإعداد هذه الترجمات.

الترجمات الفرنسية والإسبانية :
وبالنسبة للجلسة العلمية الأولى من المؤتمر التي جاءت تحت عنوان: " نقد الترجمات الأجنبية لمعاني القرآن الكريم"، فقد اُستهلت ببحث للدكتور أحمد جوهري، أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الأول بوجده، أشار فيه إلى الأخطاء الفادحة الموجودة في عدد من الترجمات الفرنسية لمعاني القرآن الكريم، التي تبرز أهمها في الاستخدام الخاطئ لمعاني ألفاظ القرآن الكريم عند ترجمتها إلى الفرنسية، وكذلك الفهم الخاطئ لمفهوم الآيات القرآنية وذلك بسبب عدم فهم الثقافة الإسلامية ومغذى اللفظ العربي الذي نزل به القرآن الكريم.
وتحت عنوان:" ترجمات القرآن الكريم إلى اللغة الإسبانية.. دراسة ونقد"، ألقى الدكتور محمد براده، أستاذ التعليم العالي بكلية طهر المهراز بفاس، بحثا أوضح فيه حجم الأخطاء التي وقعت فيها هذه الترجمات، نظرا لتعاملها مع النص القرآني على أنه نص عادي وليس نصا عاليا، يحتمل الكثير من التأويلات والمعاني.
وأضاف الدكتور براده، أنه من المهم للغاية تدشين مركز ترجمة إسبانية يعمل على إعداد ترجمة إسبانية من وجهة نظر إسلامية لمعاني القرآن الكريم؛ نظرا لخطورة هذا الأمر المتمثل في كون الإسبانية ثاني أكثر لغة انتشارا على مستوى العالم ويعرفها الكثير من البشر، وبالتالي فمن المهم للغاية أن يتم إعداد ترجمة إسبانية تصحح أخطاء الترجمات التي أعدها الأسبان من غير المسلمين لمعاني القرآن الكريم.

الترجمات العبرية :
من جانبه، قدم أحمد البهنسي، الصحفي ومترجم اللغة العبرية بوكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية، بحثا بعنوان: "الترجمات العبرية لمعاني القرآن الكريم.. التاريخ الأهداف والإشكاليات"، ركز فيه على أهداف ودوافع الترجمات العبرية لمعاني القرآن الكريم، التي تمثلت في أهداف ودوافع دينية وأيديولوجية، وذلك في محاولة من اليهود لتشكيك المسلمين في دينهم وعقائدهم الأساسية، إضافة إلى وقف المد الإسلامي على أتباع الديانات الأخرى، ومحاولة الرد على النقد الإسلامي الموجه للانحرافات التي شهدتها الديانات الأخرى على أيدي أصحابها.
واختتم البهنسي بحثه بالتوصية بضرورة الاهتمام على المستوى العلمي والأكاديمي بدراسة ونقد الترجمات العبرية التي تصدر لمعاني القرآن الكريم، والوقوف على ما بها من أخطاء وتشويهات، والرد عليها، إضافة إلى ضرورة الاهتمام على المستوى العلمي والأكاديمي وعلى مستوى الجهات المسؤولة، بإعداد ترجمة عبرية لمعاني القرآن الكريم يقوم بها فريق من علماء المسلمين المتخصصين، لسد النقص في مجال دراسات الترجمة من العبرية للعربية على أساس أن "إسرائيل" تترجم كل منتج في العالم، والعرب يترجمون أقل من 1% مما يترجمه العالم للغات الأخرى، إضافة إلى ضرورة عرض القرآن الكريم بشكل يؤكد صلاحية الكتاب لكل زمان ومكان، وأنه كتاب أصيل، وليس مقتبسا من كتب سابقة عليه مثل التوراة أو الإنجيل.

الترجمات الأمازيغية :
وكان لافتا تركيز المؤتمر على الترجمات الأمازيغية لمعاني القرآن الكريم، التي رأى فيها الدكتور صالح بلعيد، الأستاذ قي جامعة تيزي وزو بالجزائر، انتصارا للغة العربية؛ نظرا لأن هده الترجمات كتبت بالحرف العربي ولم تكتب بالحرف الأمازيغي، كما أنها دليل على اللحمة الوطنية لأبناء المغرب العربي سواء من الأمازيغ أو العرب الدين يجمعهم الإسلام والإيمان بالقرآن الكريم.

إشكاليات الترجمة :
وتحت عنوان: "دراسة تحليلية وموازنة لترجمات معاني بعض الآيات الكونية في القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية"، أشارت الدكتور كريمة اليحياوي، من مدرسة فهد العليا للترجمة بطنجة، إلى صعوبة ترجمة الآيات الكونية لكونها حمالة أوجه ومعاني غزيرة، ضاربة الكثير من الأمثلة من الترجمات الفرنسية لمعاني القرآن الكريم، التي وقعت في أخطاء فادحة حين قامت بترجمة بعض الآيات الكونية.
وبالنسبة لليوم الثاني من أيام المؤتمر فقد ركزت محاوره على الخصائص الفنية والبلاغية التي أثارت إشكاليات في الترجمات الأجنبية لمعاني القرآن الكريم، فعلى سبيل المثال أثار الدكتور أحمد ديداوي - في بحثه بعنوان: "المعادلة في ترجمة القرآن الكريم بين مقتضى الثقافة وإعجاز النظم ونورانية البيان" - إشكالية استحالة نقل المعنى الدلالي للمصطلح القرآني كما هو، فالمصطلح القرآني يحمل الكثير من الدلالات والمعاني غير المتناهية، كما أن القرآن يعد نظما فوق الشعر والنثر يصعب نقل إيقاعه الدلالي في أي ترجمة.
من جانبه أشار الدكتور محمد لغريسي، الأستاذ بالكلية متعدد التخصصات بالراشدية، إلى أن هناك مشكلة معجمية في تراجم القرآن الكريم، تتمثل في صعوبة إلمام المرتجم بالحقل المعجمي للفظ القرآني، نظرا لتشعبه وكثرته.
--------------
المصدر : ملتقى أهل التفسير : http://www.tafsir.net/vb/tafsir26238

 
معاني حروف الجر في القرآن الكريم طباعة إرسال إلى صديق
تقييم المستخدمين: / 77
سيئجيد 
الكاتب شادي مجاي سكر   
الخميس, 09 يونيو 2011 21:09

المقدمة

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..........  وبعد

فهذا بحث في معاني حروف الجر في القرآن الكريم ، وهو متضمن لمعاني حروف الجر في القرآن الكريم  الذي يخرج الحرف من دلالته الأصلية إلى دلالته المجازية  .

واختص هذا البحث في بعض آيات القرآن الكريم التي تحتوى على معاني مختلفة عن معناها الأصلي لزيادة الشواهد القرآنية و توضيح العلاقة بين القرآن الكريم و اللغة العربية و بيان مفهوم التناوب لحروف الجر .

وقد جعلت هذا البحث في بابين :

الباب الأول : حروف الجر و معانيها

الباب الثاني : حروف الجر بين القاعدة و الاستعمال

الباب الأول: حروف الجر و معانيها

وفيه تقسيمات:

أولا : التعريف ، التسميات ، الوظائف الدلالية و النحوية

ثانيا : أقسام الجار و المجرور

ثالثا : معاني حروف الجر

أولا : التعريف ، التسميات ، الوظائف الدلالية و النحوية

-         التعريف

الجر : لغة : هو الجذب و الشد و الاقتياد ، و هي مأخوذة من المادة اللغوية ( جَرَرَ ) [1].

اصطلاحا : نقل أو وصل ما قبل الجار إلى ما بعده ، من فعل أو شبهه ، و بحرف الجر تصل الاسم بالاسم  و الفعل بالاسم  ، و لا يدخل حرف الجر إلا على الأسماء [2] .

-         التسميات :

أطلق النحويون على الجر مسميات متعددة منها ( حرف الخفض ، حرف الجر ، حرف الإضافة ) ، و منهم من رأى أنها أسماء لا غير .

و سماها سيبويه بحروف الجر فقال : هذا باب الجر، و لكنه في غمرة الشرح نراه يطلق عليها حروف الإضافة [3] ، أما ابن السراج فقد سماها حروف الجر[4] ، و أما الزجاجي فقد أطلق عليها مصطلح حروف الخفض [5] ، و سماها الخليل مرة بحروف الخفض و مرة أخرى بحروف الجر[6] .

ومن هنا نرى أن المصطلحات الثلاثة تدور في كتب العلماء النحويين بمصطلح رديف للمصطلح السابق .

و هناك مصطلح آخر يلازم الجر و هو مصطلح الصفات أو حروف الصفات و ذلك لأنها تحدث صفة في الاسم  [7] ، و هو مصطلح غير شائع بالمقارنة مع شيوع المصطلحات الثلاثة ، و يعد مصطلح حرف الجر من أشهر هذه المصطلحات و أشيعها على ألسنتنا ، و قد سميت حروف الجر بأدوات المعاني فمن خلالها نكشف معاني دقيقة في السياق النصي ، و أطلق عليها بعض المحدثين اسم المورفيمات ، لأنها أصغر وحدة لغوية ذات معنى و لا يمكن تقسيمه إلى وحدات لغوية مقارنة بحرف الجر الذي يؤدي وظيفة لغوية و لا يمكن تقسيمه إلى وحدات لغوية متعددة .

وقد اختلف النحاة في عددها ، لكن بعضهم أدخل بعض الحروف و بعضهم لم يدخلها ، فقد زاد بعض النحاة من أمثال سيبويه حرف ( لولا )  و عدها  من حروف الجر لكنه ذكر أنها لا تجر إلا الضمير كما في قولنا : لولاك ، لولا : حرف جر و الكاف ضمير متصل مبني في محل جر اسم مجرور ، و قد ذكر ابن مالك في ألفيته [8] عن حروف الجر ، حيث قال :

هاك حروف الجر ، و هي من إلى                  حتى ، خلا ، حاشا ، عدا ، في ، عن ، على

مذ ، منذ ، رب ، اللام ، كي ، واو ، وتا           و الكاف ، و الباء و لعل ، و متى

-         وظائف حروف الجر :

حروف الجر هي أدوات تستخدم لربط أجزاء الكلام حتى تتضح تفاصيل المعنى لذلك لها قيمة دلالية سياقية نصية تظهر من خلال توظيفها في النصوص فهي تحدد الدلالات السياقية بدقة و تبين معناها و مغزاها في الحديث ، و لحروف الجر وظيفتان دلالية و نحوية .

-         الوظائف الدلالية

1.  إحداث الترابط و التماسك بين عناصر الجملة ، فلا يمكن الاستغناء عنها ، لأنه لو حذفنا حرف الجر يتغير المعنى العام للجملة . 

  1. يضفي على السياق معاني متناهية في التمايز .
  2. الربط بين أجزاء الكلمة كي تتضح تفاصيل المعنى  و مقاصده ، و ليس لها دلالات .

-         الوظائف النحوية :

يؤدي حرف الجر معنى نحويا في الجملة من حيث أن جميع حروف الجر هي حروف مبينة بناء ظاهرا أو مقدرا ، على النحو التالي :

أولا : الحروف المبنية بناءً ظاهرًا ، و تتعدد حروف الجر التي تبنى بناءً ظاهرًا وتتعدد حركاتها الظاهرة كالآتي :

1- حروف مبنية علي السكون الظاهر ، وهي : [ مِنْ – عَنْ – مُذْ – كيْ  ]

ملحوظة : "  مذ  " تأتي في الأكثر اسمًا وظرفًا                       

2- حروف مبنية علي الفتح  ،  وهي : [ رُبَّ -  واو القسم –  تاء القسم –  كاف التشبيه ]  ، و تبنى    ( لام الجر ) على ( الفتح ) في الحالات الآتية                               :   
     -   عند جره ضميراً – غير ياء المتكلم

-         في أسلوب الاستغاثة

-         في أسلوب النداء التعجبي  

3- حرفان مبنيان علي الكسر ، وهما : [ اللام  -  الباء ]
4- حرف يبنى على الضم الظاهر, وهو " منذ ُ " ، و تأتي في الأكثر كاسم وظرف .

 5- تبنى ( مِنْ ) إذا سبقت كلمة تبدأ بساكن علي( الفتح العارض ) .

6- يبنى الحرفان [ عنْ – مُذْ ] إذا سبقا كلمة تبدأ بساكن علي (الكسر العارض ) .
7- يبنى الحرفان ( إلى – على ) إذا جرا " ضميراً " على الفتح الظاهر لانقلاب ألفهما " ياءً " .

ثانيا : الحروف المبنية بناءً مقدرًا ، و تتعدد الحروف التي تبنى بناءً مقدرًا وتتعدد أسباب التقدير  كالتالي :

1 -  حروف مبنية على السكون المقدر للتعذر والثقل ، وهي : ( إلي – علي – خلا – عدا – حاشا / حتى – في ـ متى  )  

2-  مبني على السكون المقدر للتعذر لا محل له من الإعراب .
( ملاحظتان )  :

-         إذا سبقت حروف الجر السابقة كلمة تبدأ بساكن حُذف حرف المد الأخير وتكون حركة البناء مقدرةً عليه .

-          تأتي " متى " كاسم استفهام واسم شرط وظرف , وجر في القليل .

ثانيا :  أقسام الجار والمجرور  : 

يقسم الجار و المجرور من حيث [9] :

1-    الاختصاص ، ثلاثة أقسام هي :

-         ما يختص بالاسم الظاهر و المضمر : ( ربّ ، مذ ، منذ ، حتى ، الكاف ، واو القسم ، تاء القسم ، كي ) .

-         ما يختص بالضمير : ( لولا ) .

-         ما هو مشترك : ( من ، إلى ، عن ، على ، في ، اللام ، الباء ، عدا ، خلا ، حاشا ) .

2-    الأصالة و الزيادة ، ثلاثة أقسام هي :

-    حرف جر أصلي : و هي الحروف التي تؤدي معنى جديدا في الجملة و تصل بين عاملها و الاسم المجرور ، و تتمثل في ما يلي : ( من ، إلى ، عن ، على ، حتى ، مذ ، منذ ، كي ، اللام ، الواو ، التاء ، الكاف )

-    حرف جر زائد : و هي الحروف التي لا متعلق لها و دخولها كخروجها و تعمل على تقوية المعنى في الجملة ، و يكون إعراب الاسم بعدها مجرورا لفظا مرفوعا أو منصوبا محلا ، و تتمثل في ما يلي : ( من ، الباء ، اللام ، الكاف ) .

ثالثا : معاني حروف الجر

لقد أشرنا في مستهل هذا البحث على أنواع حروف الجر وفق أهميتها في السياقات اللغوية ، و تكلمنا عن عددها و اختلاف العلماء في تسميتها ، و سنتحدث هنا عن المعاني الرئيسة التي يؤديها هذا الحرف في سلوكه اللغوي السياقي ، و هذه المعاني تكمن في سياقها الدلالي اللغوي تظهر بمعاني متعددة و هي على النحو التالي  :

  • مِنْ حرف جر يكون زائدا و غير زائد ، إذا كانت زائدة لابد من توفر شرطين فيها [10] :

الأول : أن يكون مجرور بها نكرة

الثاني : أن يسبقها نفي أو استفهام أو نهي

وغير الزائد له أربعة عشر معنى : ابتداء الغاية الغاية المكانية و الزمانية ، التبعيض ، بيان الجنس ، التعليل ، البدل ، المجاوزة بمعنى ( عن ) ، الانتهاء ، الغاية ، الاستعلاء ، الفصل ، بمعنى الباء ، بمعنى في ، بمعنى القسم ، موافقة ( رُب )  .

  • إلى : حرف جر له ثمانية معان [11] : انتهاء الغاية في المكان و الزمان و هو أصل معانيها ، بمعنى ( مع ) ، التبيين ، بمعنى ( اللام ) ، بمعنى ( في ) ، بمعنى ( من ) ، بمعنى ( عند ) ، بمعنى ( من ) ، و قد تكون زائدة [12].
  • عن : لفظ مشترك يكون اسما و حرفا ، و تكون اسما إذا دخل عليها حرف الجر ، و حرف الجر عن له معاني متعددة [13] : المجاوزة ، البدل ، الاستعلاء ، الاستغاثة ، التعليل ، بمعنى ( بعد ) ، بمعنى ( في )
  • على: حرف جر له ثمانية معان [14] : الاستعلاء ، المصاحبة ، المجاوزة ، التعليل ، الظرفية ، بمعنى ( من ) ، بمعنى ( الباء ) ، و قد تكون زائدة للتعويض .
  • في : حرف جر له تسعة معان [15] : الظرفية ، المصاحبة ، التعليل ، المقايسة ، بمعنى ( على ) ، بمعنى       ( الباء ) ، بمعنى(  إلى ) ، و قد تكون زائدة .
  • الكاف: حرف يكون عاملا  غير عامل ، العامل هو حرف الجر و غير العامل هو كاف الخطاب ، و يكون حرف الجر زائد و غير زائد ، فغير الزائد لها معنيان : التشبيه ، التعليل .
  • الباء: حرف مختص بالاسم ، ملازم لعمل الجر ، و هي ضربان : زائدة و غير زائدة ، فأما غير الزائدة فقد ذكر النحويون لها ثلاثة عشر معنى [16]: الإلصاق ، التعدية ، الاستعانة ، التعليل ، المصاحبة ، الظرفية ، البدل ، المجاوزة ، الاستعلاء ، التبعيض ، القسم ، بمعنى ( من ) ، بمعنى ( إلى ) .
  • اللام : حرف كثير المعاني و الأقسام ، و حرف الجراللام له معان كثيرة [17]: الاختصاص ، الاستحقاق ، الملك ، التعليل ، النسب ، التبيين ، القسم ، التعدية ، الصيرورة ، التعجب ، التبليغ ، بمعنى ( إلى ) ، بمعنى     ( في ) ، بمعنى ( عن ) ، بمعنى ( على ) ، بمعنى ( عند ) ، بمعنى ( مع ) ، بمعنى ( بعد ) .
  • رُبّ :حرف جر عند البصريين [18] ، و دليل حرفيتها : مساواتها الحروف في الدلالة على معنى غير مفهوم جنسه بلفظها ، و مما يدل على حرفيتها أنها مبنية ، و اختلف النحويون في معنى ( رب ) و لكنهم أجمعوا على أنها تفيد التقليل و التكثير .
  • الواو :حرف يكون عاملا و غير عامل ، فالعامل يكون قسمان [19]: جار و ناصب ، الجار هو واو القسم ، ولا يجوز ذكر فعل القسم معها ، نحو : قوله تعالى : " و التين و الزيتون " [ التين :1 ]
  • التاء : حرف يكون عاملا و غير عامل ، و أقسامه ثلاثة : تاء القسم ، و تاء التأنيث ، و تاء الخطاب ، و ما سوى ذلك ليس من حروف المعاني كتاء المضارعة ، أما حرف الجر فيها هي تاء القسم و لا تدخل إلا على اسم الله ، نحو : " تاللهِ تـفتـؤ تذكر يوسف " [ يوسف :12]
  • حتى :حرف له عند البصريين ثلاثة أقسام : حرف جر ، حرف عطف ، حرف ابتداء ، و زاد عليه الكوفيون قسما رابعا و هو أن يكون حرف نصب ينصب المضارع ، و تكون حرف جر يفيد انتهاء الغاية و هذا مذهب البصريين أنها جارة بنفسها  .
  • مذ و منذ :ألفاظ مشتركة تكون حرف جر و تكون اسما ، و المشهور أنهما حرفان إذا انجر ما بعدهما و اسمان إذا ارتفع ما بعدهما ، و الصحيح أن ( مذ و منذ ) حرفا جر لا يجران إلا الزمان .
  • كي :  وتكون حرف جر في موضعين هما [20]:

الأول : إذا دخلت على ما الاستفهامية ، نحو : كيْمَهْ ؟ أي لِمَهْ؟ ف ( ما ) الاستفهامية مجرورة  بـ        ( كي ) وحذفت ألفها لدخول جر الجر عليها، والهاء للسكت .

ثانيا : إذا وقعت قبل الفعل المضارع

  • خلا و عدا و حاشا : ألفاظ  مشتركة  تكون حرفا من حروف الجر و فعلا متعديا ، و هي في الحالتين من أدوت الاستثناء ، فإذا كانت حرفا جرت الاسم المستثنى بها ، و إذا كانت فعلا نصب الاسم المستثنى ، و كلا الوجهين – أغنى الجر و النصب – و تتعين فعليتها بعد ( ما ) المصدرية و ذلك لأن ( ما ) المصدرية لا توصل بحرف الجر ، و إنما توصل الفعل [21].
  • لعل :حرف له قسمان :

الأول : أن يكون من أخوات إنّ التي تنصب الاسم و ترفع الخبر ، و هذا مذهب الكثير من النحويين .

الثاني : أن يكون حرف جر في لغة عقيل .

  • متى :المشهور فيها أنها اسم من الظروف ، تكون شرطا و استفهاما ، و قد تكون حرف جر بمعنى ( من ) في لغة هذيل [22].
  • لولا : حرف له قسمان :

الأول : أن يكون حرف امتناع لوجوب .

الثاني : أن يكون حرف جر و الضمير مجرور بها ، كقولك : لولاك ، لولا حرف جر و الكاف ضمير متصل مبني في محل اسم مجرور ، و هذا ما ذهب إليه سيبويه [23].

الباب الثاني

حروف الجر بين القاعدة و الاستعمال

و فيه تقسيمات

أولا : مفهوم التناوب في القرآن الكريم

ثانيا : موقف النحاة من  تناوب حروف الجر

ثالثا : أوجه التناوب في القرآن الكريم

أولا :

       مفهوم التناوب في القرآن الكريم

قبل تحديد ما يشير إليه التناوب من معنى فمن المفيد الإشارة إلى تقسيم الأفعال العربية من حيث اللزوم والتعدي نظرًا لأن التناوب من ضمن هذا المبحث .

المعروف أن الأفعال العربية من حيث لزومها وتعديتها تنقسم إلى قسمين: الفعل اللازم والفعل المتعدي. الفعل اللازم هو " ما يليه فاعل مرفوع فقط، إما على أنه قائم به مثل : حسن زيد – قبح عمرو، وإما على أنه واقع منه مثل :قعد زيد – جلس عمرو " [24]

أو بعبارة أخرى أن الفعل اللازم هو الذي يكتفي بما يليه من الفاعل دون حاجة إلى المفعول به وقد يسمى بالفعل القاصر لاقتصاره على فاعله وعدم تجاوزه إياه للوصول إلى الاسم بعده.

أما الفعل المتعدى فهو " ما يليه فاعل مرفوع ، ومفعول به منصوب أو جار ومجرور " [25]

أو بعبارة أخرى هو الفعل الذي لا يكتفي بمرفوعه ( فاعله ) فقط بل يتعداه ليصل إلى ما بعده من اسم منصوب أو جار ومجرور، وقد يسمى بالفعل المجاوز لتجاوزه فاعله إلى الاسم ما بعده .

ينقسم الفعل المتعدى على هذه المفهوم إلى قسمين : قسم يلي الفاعل المرفوع بعده مفعول به منصوب. مثل : " كتب زيدٌ رسالةً، ظننت زيدًا سافرًا "، وقد يسمى قسم يتعدى بنفسه أو مباشرة . وقسم يلي الفاعل المرفوع بعده جار مجرور، مثل : " مر زيد بالدار، رجع زيد إلى بيته " ، وقد يسمى قسم يتعدى بواسطة حروف الجر، وهو ما يعرف عند النحاة بالفعل المتعدى بحروف الجر ، وهذا الأخير هو الذي سيدور الحديث حوله .

اختلف النحاة في شأن الفعل المتعدى بحرف الجر فبعضهم جعله قسمًا ثانيًا للأفعال المتعدية كما تقدم ذكره، وبعضهم ضمه إلى الأفعال اللازمة. وقد ذهب د. شوقي ضيف إلى أن الرأي الأول هو الأرجح وقال: "لأن الفعل مع الجار والمجرور يقع على المجرور كما يقع على المفعول به، فإذا قلت           مثلا : " لفظ زيد بالكلام – لفظ زيد الكلام , كان اللفظ – أي النطق- في الجملتين واقعا على الكلام .  فمن التحكم أن نسمى الفعل في الجملة الأول لازمًا وفي الثانية متعديًا، والفعلان متساويان في المعنى ، وهو ما جعلني أضم الفعل مع الجار والمجرور إلى الفعل المتعدى ويؤكد ذلك أنه يجوز العطف على الجار والمجرور مع الفعل بالنصب مثل: مررت بزيد وعمرًا, ورغبت فيه و جعفرًا . [26]

وقد ذهب إلى ما يخالف هذا الرأي بعضهم الآخر منهم أحمد عبد الستار الجواري حيث يرى أن الفعل المتعدي بحرف الجر قسم من أقسام الأفعال اللازمة لأنه يتسم بضعف معنى الحدث والزمن فيقل تصرفه في الأزمنة المختلفة وبذلك يضعف تمكنه من الفعلية والحدوث، فلا يتعدى إلا بواسطة . [27]

ويؤكد هذا الرأي د. إبراهيم السامرائي حيث يرى " أن الفعل أصله قاصر لازم ثم يصار من هذا الحالة إلى المتعدى ". [28]

على الرغم من أن بين الرأيين شيئا من التناقض إلا أنهما يشتركان في أن الفعل المتعدى بحرف الجر كان أصله لازمًا ثم يتجاوز فاعله ويتعدى إلى المفعول به بواسطة حرف الجر. فالدكتور شوقي ضيف ضمه مع الأفعال المتعدية لأنه جاء بمثال يجوز فيه تعدية الفعل اللازم بنفسه و بحرف على السواء ، بالإضافة إلى أنه سمى الفعل عند تعديته بالحرف لازماً مما يؤكد أن الأصل فيه هو اللزوم .         فلذلك يمكن تحديد ما يقصد بالفعل المتعدى بحرف الجر بالقول إنه فعل لازم يتعدى فاعله إلى مفعول به بواسطة حرف من حروف الجر لأنه لا يتمكن من إيصال معناه إلى الاسم بعد فاعله بنفسه .

وتناوب حروف الجر كما سبق ذكره من موضوعات تعدية الأفعال اللازمة بحروف الجر .         ويشير التناوب إلى نيابة حرف جر عن آخر أو بدل حرف جر من آخر أو استعمال الحروف بعضها مكان بعض. ومن ذلك – على سبيل المثال - نيابة حرف " اللام " عن حرف " إلى " في قوله تعالي : ( والشمس تجرى لمستقر لها ) [يس : 38] وقوله : ( وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل          مسمى )  . [ الرعد : 2]

وقولك : ( الحمد لله الذي هدانا لهذا ) . فحرف اللام المتعدى به الأفعال هنا لا تأتي في مكانها كما لا تؤدى معناها الحقيقي وإنما تنوب عن حرف " إلى " وتؤدي معناها فتعني تلك التعدية : " تجري إلى مستقر لها "، و" يجري إلى أجل مسمى "، و " هدانا إلى هذا " .

ولم يكن هنالك مصطلح محدد يمكن الاعتماد عليه في الإشارة إلى هذه الظاهرة النحوية في اللغة العربية ، فمن العلماء من يسمونها بالتناوب ومنهم من يسمونها بالتعاقب والإنابة .[29]

إلا أن الباحث يميل إلى تسميتها بالتناوب إذ إن من هذه الظاهرة نوعا من التفاعل بين الحروف كما يتضح من قوله تعالى : ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ) [ الشورى : 25] وقوله : ( فتحسسوا من يوسف ) . [ يوسف : 87]

إن حرف " عن " في الآية الأولي تنوب عن حرف " من " ( أي يقبل التوبة من عباده ) في حين تنوب حرف "من" في الآية الأخيرة عن حرف " عن " ( أي فتحسسوا عن يوسف ) ليتضح من ذلك تناوب بين حرفي " من " و" عن " إحداهما عن الأخرى .

ثانيا :

         موقف النحاة من  تناوب حروف الجر

يعد التناوب من موضوعات الاختلاف بين النحاة إذ إنه أثار جدلا لانهائيا بينهم فيما إذا كان قياسيا أم سماعيا. وقد تخلص هذا الاختلاف في مذهبين :

1. مذهب البصريين

يزعم البصريون أن التناوب ليس قياسيا لأن أحرف الجر لا تنوب بعضها عن بعض بقياس ، وأنه ليس لحرف الجر إلا معنى واحد حقيقي يؤديه على سبيل الحقيقة لا المجاز. فالحرف " في " تؤدي معنى واحدا حقيقيا هو " الظرفية "، والحرف " على " تؤدي معنى واحدا حقيقيا هو " الاستعلاء "، والحرف " من " لا تؤدي حقيقيا إلا معنى          " الابتداء " كما لا تؤدي الحرف " إلى " معنى حقيقيا إلا معنى " الانتهاء "، وهكذا .  فإن أدى الحرف معنى آخر غير معناه الحقيقي الخاص به وجب القول بأن تأديته هذا المعنى الجديد تأدية مجازية لا حقيقية. مثال ذلك قولنا " غرد الطائر في الغصن " ، فالحرف " في " كما هو معروف لا تؤدي حقيقيا إلا معنى " الظرفية " ولكن هذا المعنى عاجز عن تفسير ما أدته في هذه العبارة ، لأن الطائر المغرد ليس في داخل الغصن أو بين جوانبه كما يوحيه معنى الظرفية وإنما الطائر على الغصن وفوقه. فالحرف "في" هنا قد أدت غير معناه الأصلي وهو معنى " الفوقية " أو " الاستعلائية " وهو المعنى الذي تختص به الحرف " على " ، لذلك تعد تأديتها هذا المعنى تأدية مجازية . [30]

2. مذهب الكوفيين

على عكس ما ذهب إليه البصريون يزعم الكوفيون أن التناوب قياسي بحجة أن الحرف بصفته كلمة كسائر الكلمات الاسمية والفعلية يؤدي عدة معان حقيقية لغوية كانت أم عرفية، ومن ثم قصر حرف الجر على معنى حقيقي واحد وإخراجه مما يدخل فيه غيره من المعنى تعسف غير داع . [31]

هم يرون أن تأدية الحرف معنى غيره ليست مجازية لأن التأدية إذا شاعت دلالاتها واشتهر استخدامها لدرجة يفهمها السامع بغير غموض فهي حقيقية، فالمجاز لا مكان له إلا إذا لم يبتدر المعنى إلى ذهن السامع .

وهذا المذهب الأخير هو الذي يكتفي به كثير من المحققين لأنه عمل سهل بغير إساءة لغوية وبعيد عن الالتجاء إلى المجاز والتأويل ونحوهما، وهو فوق كل ذلك يتمشى مع الظواهر اللغوية العربية مثل ظاهرة تأدية الحرف الواحد معاني مختلفة كلها حقيقية         ( لغوية أم عرفية ) وظاهرة اشتراك عدد من الحروف في تأدية معنى واحد أو ما يعرف بالمشترك اللفظي .

ثالثا :

        أوجه التناوب في القرآن الكريم

لا تشير حروف الجر إلى معانيها الأصلية فقط كما تقدم ذكره وإنما تشير أيضا عند سياقات معينة إلى معاني حروف أخرى و تنوب عنها ، وتعرض السطور التالية هذه الظاهرة مع الاستدلال بالآيات القرآنية :

  • مِنْ ، و تنوب عن المعاني التالية :

-  ابتداء الغاية المكانية و الزمانية ، نحو : قوله تعالى : "من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى"       [ الإسراء : 1]

-  التبعيض ، نحو : قوله تعالى : " منهم من كلم الله" [ البقرة : 253 ]

-  بيان الجنس ، نحو : قوله تعالى : " واجتنبوا الرّجس من الأوثان"  [ الحج : 30 ]

-  التعليل ، نحو : قوله تعالى : " و يجعلون أصابعهم في آذانهم من   الصواعق " [ البقرة : 16 ]

-  البدل ، نحو: قوله تعالى : " أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة " [التوبة : 38]

-  زائدة ، ويشترط فيها عدة شروط :

نحو : قوله تعالى : " ما جاءنا من بشير"  [ المائدة : 19]

-  الفصل ، نحو : " حتى يميز الخبيث من الطيب " [ آل عمران : 179]

  • إلى ، و تنوب عن المعاني التالية :

-  ابتداء الغاية المكانية و الزمانية ، نحو : قوله تعالى : " ثم أتموا الصيام إلى الليل " ،  [ البقرة : 19 ]

-  معنى ( عند )، نحو : قوله تعالى : " قال رب السجن أحب إلي ممّا يدعونني إليه " ، [ يوسف : 33 ]

  • عن ، و تنوب عن المعاني التالية :

-  بمعنى بعد ، نحو : قوله تعالى : " لتركبن طبقا عن طبق " [ الانشقاق : 19 ]

-  البدل ، نحو : قوله تعالى : " واتقوا يوماً لا تجزي نفسٌ عن نفس  شيئاً " [ البقرة : 48 ]

-  بمعنى على ، نحو : قوله تعالى : " إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي " [ ص : 32 ]

-  بمعنى من ، نحو : قوله تعالى : " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده  " [ الشورى : 25 ]

  • على ، و تنوب عن المعاني التالية :

-  الاستعلاء ، نحو : قوله تعالى : " الرحمن على العرش استوى"  [ طه : 5 ]

-  المصاحبة بمعنى مع ، نحو : " و آتى المال على حبه " [ البقرة : 176 ]

-  بمعنى في ، نحو : قوله تعالى : " ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها " [ القصص : 15 ]

  • في ، و تنوب عن المعاني التالية :

-  الظرفية ، نحو : قوله تعالى : "غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين" [ الروم : 1-4 ]

-  السببية ، نحو : قوله تعالى : " يمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم"[ النور : 14 ]

-  المصاحبة ، نحو : قوله تعالى : " قال أدخلوا في أمم قد خلت من قبلكم"

-  بمعنى إلى ، نحو : قوله تعالى : " فردوا أيديهم في أفواههم " [ إبراهيم : 9 ]

-  بمعنى الباء ، نحو : قوله تعالى : " ولكم في القصاص حياة" [ البقرة : 179 ]

-  المقايسة ، نحو : قوله تعالى : " فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليلٌ "  [ التوبة : 38 ]

  • الباء ، و تنوب عن المعاني التالية :

-  الاستعانة ، نحو : قوله تعالى : " بسم الله الرحمن الرحيم " ،  [ الفاتحة : 1]

-  التعدية ، نحو : قوله تعالى : " ذهب الله بنورهم" ،  [ البقرة : 17 ]

-  العوض والمقابلة ، نحو : قولة تعالى : " وبدلناهم بجنتيهم جنتين " ،  [ سبأ : 16]

-  التبعيض ، نحو : قوله تعالى : " يشرب بها عباد الله " [ الإنسان : 6 ]

-  الظرفية بمعنى في ، نحو : قوله تعالى : " لقد نصركم الله ببدر" ، [ آل عمران : 123 ]

-  المقابلة ، نحو : قوله تعالى : " ادخلوا الجنة بما كنتم تعلمون " [ النحل : 32 ]

-  زائدة ، تفيد التوكيد ، نحو : قوله تعالى : " كفى بالله شهيدا " [ الرعد : 43 ]

-  الغاية ، نحو : قوله تعالى : " و قد أحسن بي " ، [ يوسف : 100]

-  بمعنى عن ، نحو: قوله تعالى : " سأل سائل بعذاب واقع " ، [ المعارج : 1 ]

-  بمعنى من، نحو: قوله تعالى :  عيناً يشّرب بها عباد الله" ،  [ الإنسان : 6 ]

  • اللام ، و تنوب فيه عن المعاني التالية :

-  الملكية ، نحو: قوله تعالى : " لله ما في السموات والأرض" [ لقمان : 26 ]

أي كل شئ في السماء والارض هو ملك لله وحده خالق كل شئ

-  الاختصاص ، نحو : قوله تعالى : " فان كان له إخوة " [ النساء : 11 ]

-  التعليل ، نحو : قوله تعالى :  "وإنه لحب الخير لشديد" [ العاديات : 8 ]

-  بمعنى على ، نحو : قوله تعالى : " يخرُّون للأذقان سجدا " [ الإسراء : 78 ]

  • الكاف ، و تنوب فيه عن المعاني التالية :

-  التشبيه ، نحو : قوله تعالى : " و حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون "  [ الواقعة : 22 – 23 ]

-  التعليل ، نحو: قوله تعالى : " واذكروه كما هداكم " ، [ البقرة : 198 ]

-  زائدة للتوكيد ، نحو: قوله تعالى : " ليس كمثله شيء " [ الشورى : 11 ]

الخاتمة :

يتضح مما سبق بيانه أن تناوب الحروف قد يكون في غاية التعقيد خاصة إذا كان معنى الحرف الطالع ومعنى نظيره الكامن غير متقاربين ومن ثم تنبع من ذلك صعوبة الفهم لمن لا يدرك ما وراء تبادل الحرفين من تناوب المعنى ، فإذا افترضنا أن تناوب الحروف الواردة في الآيات السابقة لا تمثل كل أوجه هذه الظاهرة اللغوية في القرآن الكريم ، لكن السؤال المطروح هو : كيف نكتشف هذه الظاهرة عينها الواردة في الآيات الكريمة ؟      و من الإجابة عن هذا التساؤل لابد من الإشارة إلى بعض السمات التي يتصف بها التناوب أثناء اكتشاف هذه الظاهرة اللغوية في القرآن الكريم و عدم الاقتصار على ذكر شواهد قرآنية من دون بيان الآلية التي تم اكتشاف التناوب في الآية .

------------------

الحواشي :

[1] - ابن منظور ، لسان العرب

[2] - أحمد فليح ، حروف الجر و معانيها ، ص 15 - 16

[3] - سيبويه ، الكتاب

[4] - ابن السراج ، الأصول ، 1/ 408

[5] - الزجاجي ،  شرح جمل الزجاجي ، ص 60

[6] - الفراهيدي ، الجمل في النحو ، 172

[7] - أحمد فليح ، حروف الجر و معانيها ، ص 21

[8] - ابن هشام  ، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك

[9] - عاطف فضل ، النحو الوظيفي ، ص 186 - 187

[10]- حسن بن قاسم المرادي ، الجنى الداني في حروف المعاني ، ص 314

[11] - المصدر السابق ، ص 373

[12] - معاني القرآن ، 2/ 78 .

[13] - حسن بن قاسم المرادي ، الجنى الداني في حروف المعاني ، ص 260

[14] - المصدر السابق ، ص 441

[15] - المصدر السابق ، ص 266

[16] - المرجع السابق ، ص 102

[17] - المرجع السابق ، ص 143

[18]-  إبراهيم السامرائي ، المسائل و الأجوبة ، ص 137

[19] - حسن بن قاسم المرادي ، الجنى الداني في حروف المعاني ، ص 185

[20] - المصدر السابق ، ص 276

[21] - المصدر السابق ، ص 414 – 433 - 510

[22] - الصاحبي ، 175

[23] - الكتاب ، 1 / 388

[24] - شوقي ضيف ، تيسيرات لغوية، دار المعارف، ص : 11

[25] - المرجع السابق، ص :11

[26] - المرجع السابق، ص : 11

[27] - أحمد عبد الستار ، نحو الفعل ، ص : 72. انظر أيضا : عبد الوهاب الصابوني ، اللباب في النحو ، ص : 183

[28] - إبراهيم السامرائي ، الفعل زمانه وأبنيته ، ص : 84

[29] - هادي الهلالي، نظرية الحروف والعاملة ومبناها وطبيعة استعمالها القرآني بلاغيا

[30] - عباس حسن ، النحو الوافي ، ج-2، ص: 537-538

[31] - المرجع السابق ، ص: 54

------------------

المصادر و المراجع :

1- القرآن الكريم .

2- ابن منظور ، لسان العرب ، بيروت ، 1955 م .

3- ابن السراج ، الأصول في النحو ، تحقيق : محمود محمد الطناحي ، مكتبة الخانجي –

القاهرة ، 1986 م .

4- ابن هشام· الأنصاري ، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك ، تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد ، الطبعة الخامسة ، بيروت ، 1996 م .

5- ابن السيد البطليوسي ، كتاب المسائل و الأجوبة ، تحقيق : إبراهيم السامرائي ، بغداد 1964 م

6- ابن فارس القز ويني ، الصاحبي في فقه اللغة و سنن العرب في كلامها ، تحقيق : مصطفى الشويمي ، مؤسسة بدران – بيروت ، 1963 م .·

7- أحمد فليح ، حروف الجر و معانيها : دراسات نحوية ، المركز القومي – عمان ،···· 2001 م

8- أحمد عبد الستار ، نحو الفعل ، المجمع العلمي العراقي - بغداد ، 1976م .

9- إبراهيم السامرائي ، الفعل زمانه وأبنيته ، الطبعة الثالثة ، مؤسسة الرسالة - بيروت ، 1983 م

10- حسن بن قاسم المرادي ، الجنى الداني في حروف المعاني ، تدقيق طه محسن ، مؤسسة دار الكتب ، جامعة الموصل ، 1976 م .

11- الزجاجي ،· شرح جمل الزجاجي ، تحقيق : الشيخ ابن أبي شنب ، الجزائر ،· ·1926 م

12- سيبويه ، الكتاب ، تحقيق :عبد السلام هارون ،عالم الكتب - بيروت 1966م .

13- شوقي ضيف ، تيسيرات لغوية ، دار المعارف – القاهرة .

14- عباس حسن ، النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة و الحياة اللغوية المتجددة ، الجزء الثاني ، الطبعة الرابعة ، دار المعارف – القاهرة ، 1961- 1966 م

15- عبد الوهاب الصابوني ، اللباب في النحو ، دار المشرق العربي ،

16- الفراء ، معاني القرآن ، تحقيق : أحمد يوسف نجاتي و غيره ، مطبعة دار الكتب المصرية ، 1955 م .

17- عاطف فضل ، النحو الوظيفي ،

18- الفراهيدي ، الجمل في النحو ، تحقيق : فخر الدين فباوة ، مؤسسة الرسالة – بيروت ، 1985 م .

19- هادي الهلالي ، نظرية الحروف والعاملة ومبناها وطبيعة استعمالها القرآني بلاغيا ، الطبعة الأولى ، عالم الكتاب ، 1986م .

 
الألسُنيّات لإحياء الكَفاءة في فهمٍ الإسلام والحَياة: كيف يَرتقي المسلمون من طَور الجُمود إلى طَور الحَركة طباعة إرسال إلى صديق
تقييم المستخدمين: / 10
سيئجيد 
الأربعاء, 08 يونيو 2011 19:20

مِن "الجُمود" إلى "الحركة" و من أجل إعلان" باب الاجتهاد غير مغلق" وابتغاء "نظام عالمي عادل". ذلك ما أكّد عليه علماء الإسلام المجتمعين في صائفة 2009 بجامعة كشمير الهنديّة مُنوّهين بمَوقف كل من  الإمام الغزالي و "شاعر الشرق" محمّد إقبال من "عقيدة الحركة"، مؤكدين أنّ "الحياة لا تتحمّل أن تكون جامدة وأنّ الحركة إنما هي طبيعية" (1) الكلمة كلمةُ حقّ ولكن هل هي كافية لتروي عطش مليارٍ ونصف من  صائمي الحضارة وَ لِتُغنيهم من جوع؟

ما من شك في أنّ "عقيدة الحركة" وسيلة فعّالة لاستنهاض هِمم الأمّة وحَثها على النهوض بنفسها، إلاّ أنّ هنالك إشكالية منهجية يُحدِثها مثل ذلك القول الذي حظي بإجماع مؤتمِرِي جامعة كشمير. إنّ مثل ذلك القول يبقى ناجما عن عقلية "علم الكلام" والتفسير التقليدي للقرآن الكريم. ولئن وضع العلماء المُجتمعون بجامعة كشمير، مَشكورين، الإصبع على واحد من أبرز الروافد اللازمة لارتقاء المسلمين، فالخشية من تواصل "الجمود" الذي أعربوا عن استنفراهم إزاءهُ لا تزال واردة وذلك لسبب بسيط : "ليس الإيمان بالتمنّي بل ما وقّر في القلب وصدّقه العمل" كما يقول الأثر(2). فمَن الذي سيعمل بمبدأ "الحركة" إن كان العلم لم يتمّ بعدُ إدراجُه في صدارة ترتيب أدوات الاجتهاد؟ وهل يتمتّع بعدُ المُجتهد الذي سيضع مفهوم "الحركة" نُصب عينيه بمناخ فكري يولِي عناية مركزية للكفاءة في فهم القرآن خصوصا، وفي فهم الإسلام عموما، ناهيك أنّ مقولة "فهم مُعاصر للإسلام" أضحت واحدة من الشمّاعات التي يبرّر بها العقل العربي والإسلامي فشلَه ويتمادى بواسطتها في الاستبداد الفكري، وذلك بمُحاولاته اليائسة لِلإسقاطِ،على عَقلِ الأُمّة قاطبة، "فَهما" ورُبّما "أفْهاما" لا تزيدُ وُجودَ الأمّة سوى التعقيد تِلْوَ التعقيد؟

إنّ "الحركة" عِلمٌ ولن يَسمح بالخوض فيها وفي أسبابها وظواهرها وفوائدها وطُرق تناوُلها إلاّ العلم.فهل سنبقى قابعين في سدّة "علم الكلام" أم سنعمل بـ"كلام العلم" (3)؟ ولأننا نعتقد أنّ القرآن قد انتهى تفسيرُه بتلك الطرق القديمة، فإننا نقترح استخراج معانٍ خَفيّة من بين معانيه، التي لا تنفذ، بطريقة العلم وبالاستئناس بالتفاسير المُتداوَلة. وفي هذا السياق نَميل إلى الاعتماد على اثنين من العلوم لِما بينهما من شراكة في تبيين أهمية "الحركة" في الحياة المعاصرة وكذلك لِما يشتمل عليه كلاهُما من أدوات ذات صلاحية لاستيعابِ معاني القرآن الكريم في هذا الزمان وفي كل مكان. والعِلمان الاثنان هما أوّلا نظرية "الفوضى" (البنّاءة) لإيليا بريغوجين وأسلافِه وأتباعِه، وثانيا ومن باب أولى وأحرى نظرية "النّحو التوليدي والتحويلي" في علم الألسنيات.

لكن توازيا مع النظَريَّتين العِلميتين، لابُدّ لنا أن نتدبّر القرآن وكذلك الواقع المعيش لكي نقدرَ على إماطة اللثام على ما قد يُفيدنا من ظواهر وخصوصيات "الحركة". ونحن نفترض أن لن تكون الإفادة حقّا مُفيدة في المرحلة الراهنة من النضال الفِكري للمسلمين إذا لم تكُن نتائجُ أيّة دراسة من النوع الذي نَحن بصدد إنجازه مُوظَّفة  خير توظيف في أُنموذجٍ ما أو مثالٍ ما يتّسمُ بإدماج المعرفة من صنف "ما قبل العلم": القرآن الكريم، مع المعرفة من صنف العلم: نظرية "الفوضى البنّاءة" ونظرية "التوليد والتحويل".فإلى أيّ واقع سنتحوّل؟

من النظام تتولّد الفوضَى ومن الفوضَى يتولّد النظام؛ ذلك ما أكدَته نظريات إيليا بريغوجين استنادا إلى ثورة الديناميكا الحرارية في الفيزياء. وبناء عليه، أعتقد أنّه بالإمكان أن نُضفِي على هذا الكلام معنى ينفعُ المؤمنين، قارئي القرآن الكريم ومُريدي تأصيل إيمانهم في واقع حياتهم. أعتقد إجمالا أنّه بالإمكان أن نستخرج من القرآن الكريم (النظام) عناصر متفرقة لم يتمّ تسليط الضوء عليها بعدُ (فوضى بنّاءة) ثمّ نُدمجها في كيان أو بناء أو هيكل أو بنيان أو تركيبة (نظام) يسمح بها العلمُ المستخدَم كوسيلة لهذا الغرض.

وإذا اعتبرنا أنّ"التوليد والتحويل" حركة في حدّ ذاته، نقْدرُ إلحاق هذا المبدأ التشُومسكيّ(4) المستند إلى نظريات كبار الفطريين السابقين في الفلسفة والعلوم الدماغية وخاصة منهم روني ديكارت وبرتران روسل .فالألسنيات هي العلم الذي نقترحه وسيلة للغرض المذكور(5).فماذا يقول تشُومسكي عن "الحركة" سارِدًا برتران رُوسل؟ إنّه يقول إنّ "مِن الدماغ الإنساني تتولّد قواعد النحو والممارسة اللغوية من دون تعلّم سابق"؛ ذلك ما يُصرّ عليه العلاّمة وأنصاره من مدرسة الفطريين والولاديين(6).ويشتمل منظور تشومسكي الفلسفي واللغوي على  صفات عديدة تدْخُل في الحِسبان لمّا يكون الإنسان بصدد ممارسة التكلّم. ومن هذه الصفات نذكر اثنَتين فحسب بناءا على مركزِيتِهما في دراستنا هذه، وهما: أوّلا، أنّ الممارسة الكلامية "عملية" ونسق وسيرورة ومسار، وليست تقليدا أو عادة أو اكتسابا. و ثانيا، أنّ الوسيلة الطبيعية والفطرية التي يستخدمها الدماغ أثناء إجرائه لـ"عملية" التكلّم هي الـ"استقراء" (بالانكليزية "إِندَكْشِنْ" على عكس "دِدَكْشِنْ" وهو الـ"استخراج" أو "الاستنباط").

فحين يغُوص الباحث في الواقع المَعيش بالتوازي مع الواقع اللغوي من جهة، وفي القرآن الكريم بالتوازي مع نظام اللغة من الجهة الثانية، ابتغاءَ إبراز التشابه بين تركيبة (من تركيبات) الإسلام الخفية بين سطور كلام الله العظيم وبين تركيبة اللغة، وهو تشابه بيّنّا بعض أوجُهه في مقالات سابقة (7)، سوف يميلُ إلى افتراض أنّ الشريعة السمحاء هي "نحوُ الإسلام" ثمّ يلتزم بإثبات أنّها قد تكون هي الأخرى، مثل "النحو" في نظرية تشومسكي، حاملة لِصِفة "التوليد والتحويل"، ما يحفِزُه على محاولة بيانِ أنّ، زيادة على أنّ الخير والشر مُتأصّل في نفس البشر( وهذا معروف لدى المُسلم)، فإنّ الجزاء والعقاب قد يكونا هما الآخران مُسجّلان في جينات الإنسان وأصلُهما ثابت في عقل الإنسان وفي نفسِه، تماما مثلما ثبت تجذّرُ أصول قواعد اللغة فيه. وفي هاته الحالة، وباعتبار أنّ الشريعة الإسلامية هي الوَجه الظاهر للجزاء والعقاب، فالباحث مُطالَب بِبَيانِ ما إذا كان الأجدرُ بالمُسلم أن "يستقرأ" قوانيها من داخل عقله و نفسه،مثلما "يستقرأ" طالبُ اللغة قواعد النحو منهما، عوضا عن الاكتفاء بـ "استخراجها" من كتاب الله العزيز مُوصِدا السُّبل الطبيعية والخَلْقية المُؤدّية  إلى أغوار العقل (بما فيه العقل المُتدَين) والنفس (بما فيها النفس المُتديّنة)، أعني أغوار ما ألِفنا تسميَتَه بالمُمارسة الدينية.

من خلال المشهد الأوّل للمُقارنة (بخصوص صفة "الحركة" في اللغة) وعلى سبيل الحَوصلة لِما تقدّمنا به، نستنتج أنّ اللغة مُمارسة، ونُضيف أنّ هذه الممارسة هي التي تَصنع النحو وليس العكس، حسب التقويم التشمسكيّ.وطالما أنّ ذلك كذلك فإنّ التوجّه الذي يُميّز عملية التكلّم سوف يكون كالآتي: أصول قواعد اللغة ثابتة في الدماغ، ومنها تنطلق مُمارسة التكلّم، ومنها يتمّ تكوّن قواعد النحو بعملية الـ"استقراء" . مع العِلم أنّ المُمارس، في المُعادلة التشمسكيّة، لا يجب  أن يَغُرّه وجود كُتب النحو في المكتبات.فذلك لا يجبُ أن يعني أنّ النحو المُبُوّب بصفة أكاديمية مقدّمة لمُمارسة اللغات.

أمّا المشهد التّالي للمُقارنة (وهو يخصّ التديّن) فسيقدّم لنا الإيمان بمثابة الممارسة ("ليس الإيمان بالتمنّي بل ما وقر في القلب وصدّقه العمل")، وكَون أصول المَيل إلى الإيمان ثابتة في التكوين البيولوجي للإنسان(8)، وكَون الشريعة الإسلامية تفوق وتتجاوز وتتعالى عن المُمارسة. والذي يتبقّى عندئذ من المُعادلة هو: ما هي علاقة الممارسة الدينية بالشريعة؟ ألا يمكن أن تكون مُماثلة لعلاقة الممارسة اللغوية بالنحو؟ وإن كان الأمر كذلك، ماذا يجب أن يتغيّر(يتولّد ويتحَوّل) في منظومة التدَيّن؟

بادئ ذي بَدْء، ماذا يقول القرآن عن التوليد والتحويل في خَلق الحياة؟

التوليد والتحويل من سُنن الله في الخلق. فهو تعالى "الذي يُحيي ويُميت" و"يخرج الحيّ من المَيّت"(الروم 30 : 19) و"مُخرج المَيّت من الحيّ (الأنعام 6 : 95) والذي "أحياكم ثم يُميتكُم ثم يُحييكُم"(البقرة 2 : 22).وهو سبحانه الذي ولّد الحياة من الماء: "جَعَل من الماء كلَّ شيءٍ حيّ"(الأنبياء 21 : 30)، والذي  يحوّل نهارنا إلى ليلنا من دون أن يفاجئ سبحانه فطرتَنا بهذا التحويل: "يولجُ الليلَ في النهارِ ويولج النهار في الليلِ"(لقمان 31 : 29)، والذي سخّر لنا تحويل المادّة إلى طاقة: "الذي جَعل لكُم من الشجَرِ الأخضرِ نارًا فإذا أنتُم منه تُوقِدُون"(ياسين 36 : 80)

وماذا يقول القرآن عن التوليد والتحويل بإزاء الإيمان ؟

فلا عَجب إذَن إن اعتبرنا التوليد والتحويل من سُنن الله أيضا في تعويد المسلم على التعامل السليم مع قوانين الشريعة السمحاء وذلك من خلال الممارسة اليومية لمناسك الدين الحنيف والعملِ من أجلِ تثبيت الإيمان. والله عزّ وعلا وعَدَ خَلْقَه بأن يساعدهم على اكتشاف السنن والسبُل الدالة على انّه حقّ :"سنُريهم آياتِنا في الآفاق وفي أنفُسهم – الآية" (فُصّلت 41 : 53). وهو الذي يحثُّ الإنسان عُموما على إعمال العقل ويدُلّه على مَكمَنِ "التفكّر"، ألا وَهوَ داخل النفس : "أوَلَمْ يَتفَكَّرُوا في أَنفُسِهِم ما خَلَقَ اللهُ السّماواتِ والأرضَ إلاَّ بالحَقِّ- الآية." (الروم 30 : 8).كما أنّ سبحانه هو الذي يبدّل السماء من لَون إلى لَون، والتوقيتَ من الليل إلى النهار لِيجعَله مُلائما للإنسان المسلم في حياته ونُسُكه مثل فريضة الصيام وما تَبِعها من سحور وغيره:" وكُلوا واشربوا حتى يَتبَينَ لكُم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ مِن الفَجر"(البقرة 2 : 187). كما أنّه سبحانه يُطَمئِننا بتأكيده على تداول الفرح والترح وتداول الخلاص والعراقيل بحُكمِه جلّ جلالُه: "فإنّ مع العُسر يُسرا"(الشرح 94 : 5) و كذلك بوَعده أن "سيَجعلُ اللهُ بعدَ عُسرٍ يُسرا"(الطلاق 65 : 7). وحتّى الصلاة، فبالإضافة إلى كَوْنِ الخالق يُقدّمها دَوما في صدارة المناسك (عِماد الدّين)، فهوَ يُوَفّر لنا فُرصة رُؤيتها، هي وما يُرافقها من واجبِ فِعل الخَير، في صدارة تمشٍّ مُنقذ من الضلال، له صفات "التحرّك" المُمَيِّزة لكلّ  سيرورة  أو مَسارٍ. وهذا التمشّي الإلهي  نَلمسُه من كلام لُقمان إلى ابنه، إذْ جاء في مُحكَم التنزيل:"يا بُنيّ أقِمِ الصلاة وأمُر بالمعروف وانْهَ عن المُنكر واصْبِر على ما أَصابَك إنّ ذلك من عَزمِ الأُمور"(لقمان 31 : 17)

وما قولُ الحياة  في التوليد والتحويل من منظور التجربة الوجودية لِخَلق الله؟

ماذا عن الممارسة اليومية لمبدأ التوليد والتحويل حتى في صورة افتراض عدم توفّر كتابٍ عظيم اسمُه القرآن لدى الإنسان؟ ألَمْ يتعامل المرء، بدون اعتبار "الشرعة و المنهاج" (وَردت الكلِمتان في سورة المائدة 5 : 48) التي سينزلها له الله، بمبدأ التوليد والتحويل بصفة فطرية وولادية؟

فلمّا يتوجه رجلٌ مهَدَّد، مثلا، في مُمتلكاته إلى رجل يُهدّده بسرقتها منه، قائلا له :"إن تأخذ كذا مني فسوف أقطع يدك"،  لا يقولها فقط مَن تَربَّى على حدّ قطع يد السارق في الإسلام وما جاء معه  من حُدود أخرى في الشريعة الإسلامية السمحاء، بل يقولها أيضا كلّ من ينفعل بالفطرة ضدّ عمل الشرّ فيسنّها كأقصى عقوبة لفائدته ولِرَدع أو عقابِ من هَدّده أو من اعتدى عليه. يقولها زوجٌ غاضب تشنّجت أعصابُه على إثرِ سلوكِ امرئ يُعاكسُ زوجتَه ويُراودها عن نفسها أو رُبّما زنى معها، فيقرّرُ قائلا:"بسبب  فظاعة  صنيعك سأُرسلُ إليكَ من سيُؤدّبك فينهالُ عليك ضرْبا حتّى الموت إن لزم الأمر"، لا يتفوّه بمثل ذلك الكلام فقط من تربّى على معرفة أنّ عقاب الزاني في القرآن هو الجَلد، بل يتفوّه به القاصي والدّاني من خلق الله ممّن غلَبَهم الغيظ فانساقوا إلى أساليب، عنيفة لا محالة، ولكنّها طبيعية وفطرية.

أعتقد أنّ من الطبيعي أن تسمع كلاما مثل كلام  الرجُلَين على لسان الهنديّ والصينيّ والهندوسيّ والكنفوشيوسي والزردُشتي وغيرهم. من المُتأَكّد أنّ وصايا الثأر والانتقام وغيرها مثل تلك الصادرة عن الرجُلَين، على غرار وصايا  فِعل الخير والصدقة ومساعدة ضِعاف الحال، والحِفاظ على علاقات صلة الرحم و القرابة وعلاقات حُسن الجِوار وغيرها، كان مَعمولا بها في الشرائع البشرية القديمة، قبل مجيء التوراة ثم الإنجيل ثم آخر الكتُب، القرآن العظيم، ما يُبَرهنُ على أنّ الإنسان مجبولٌ على سِماتِ التنكيل بنظيره الإنسان لَو مسّ عرضَه أو شرفَه بسُوء مثلما هو مجبُولُ، في المُقابل، على سِمات نُكران الذات والتواضع والاعتراف بالجميل.

وماذا يقول القرآن في التوليد والتحويل من خلال التجربة الوجودية للإنسان، مخلوق الله؟

أعتقد أنّ الإنسان لَو جرّد نفسه تماما، من باب التجربة المخبَريّة، من ثقافة الدين ومن "الشرعة والمنهاج" الذي سيخصّه به الله (لِيُنجيه لا محالة من الاعتباط وإهدار وقته في التخمين والتدبّر في ما ليس فيه تدبّر)، ثم لَو جرّب الإنسان رَصْد ومُساءلَة نَواميس وسُنن الفطرة التي هو مجبولٌ عليها، في المستوى الأزلي، من طرف خالقٍ دارٍٍ: "إنّا خلَقنا الإنسانَ من نُطفة أمشاجٍ نَبتليه فجَعَلناهُ سميعاً بَصيراً- إنّا هَدَيناهُ السَّبيلَ إمّا شاكِراً وَ إمّا كَفوراً"(الإنسان 75 : 2 و 3)، سَوف يتوصّل إلى نتيجة باهرة؛ سوف يكتشف أنّ علاقته بمثيله الإنسان وبالطبيعة وبالبيئة وما في هذه العلاقة من تواصل أصليّ مع الخالق، فاطرِ السماوات والأرض وما بينهما، إنما هي علاقة محكومة، بدرجات متفاوتة لا محالة بمبدأ التوليد والتحويل. وقد تكون استحالة تقريب الدرجات هي التي تُمثّل سنَدا قويّا لفائدة تنزيل الشرائع السماوية عموما والشريعة الإسلامية على وَجه الخُصوص، ولكنّ هذا الأمر لا هُو من مشمولاتنا ولا هُو من أغراض هذه الدراسة.

فالإنسان، بصَرْف النظر عن كونِه مُسلِما، في داخله الخيرُ وكذلك الشرُّ: "ونفسٍ وما سَوّاها، فَألهَمَها فُجورَها وتَقواها"(الشمس 91 : 7 و8 ).كذلك يُرينا سبحانه الشاكلة التي  خلقَ عليها الإنسان.حينئذ ما على الإنسان إلاّ أن يختار: "إمّا شاكِراً و إمّا كَفُوراً". وهو اختيار من الداخل، من داخل الهَدي الذي في دماغه وعقله ونفسه: "وهدَيناه النجدَينِ" (البلد 90 : 10). والاختيار من الداخل هو التوليدُ والتحويلُ. وما سيختارُ الإنسانُ هكذا توليدَهُ هو من هُدى الله؛ إمّا قوانينُ الفطرة الطيّبة: " شاكرا"، وهو ما يَرتضيه له الله؛ وإمّا قوانين الفطرة الرديئة: "كَفُورا"، وهو ما يَحُثه الله على اجتِنابِهِ. كما أنّ صفة التوليد والتحويل وردت في تفسير ابن كثير للآية الكريمة "سنُريهم آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِم- الآية" (فُصّلت 41 : 53) حيث يقول:" أيْ سنُظهرُ لهم دلالاتنا وحُجَجِنا على كَون القرآن حقّا منَزّل من عند الله، على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بدلائل خارجيّة من الفُتوحات... ويُحتملُ أن يكون المُراد ( من "وفي أنفُسِهِم") ما الإنسان مُرَكّبٌ منه، من المواد والأخلاط والهَيئات العجيبة…"(9) (10)

ولكَي نُنَزّل حديثنا إلى واقع العالم اليوم وعمل الإنسان فيه، دَعْنا نرى كيف أنّ طريقة  التوليد والتحويل لتلك القرارات بوَصفِها قائمة على قوانينَ مجبولٌ عليها الإنسانُ إنّما هي نُسخة طبق الأصل لِما أنجزته العلمانية، على أرض الواقع وعلى الميدان، في التاريخ المُعاصر للمسيحيين (واليهود تباعا).فالإنسان الذي افترضناه جدَلا مُجرّدًا من الشرائع وُجدَ فعلا. بل قَلْ هو مازال موجودا. وهو المُواطن المسيحي (واليهودي، ورُبّما أيضا الياباني والكوري والصيني...)، الذي عُرف،و ما زال يُعرَف، بحُسن توظيفه للائيكية/العلمانية. يُمكن أن نُعرّفه الآن، في ضوء تعريفنا للتوليد والتحويل، بأنّه مواطنٌ نَزَع عن طواعِية كِساء الدين والتديّن (كلّ دين) في ممارسته للحياة وللشأن الاجتماعي العام،أو بذَلَ  قُصارى جُهده ليفعل ذلك، ما جعله يفترض نفسه إمّا غيرَ مُسَيّرٍ بالمَرّة من لدُن قوّة خارقة (الماأدريّون والمُلحِدون النُّفاتيّون) وإمّا مُسَيَّرًا بصفة جُزئية ، أي مُحافظا على عذارة خلدِه من الركون إلى التسيير الإلهي في  شؤون السياسة وتسييرالحياة العمومية و دواليب الدّولة. فالذي حَصل بخُصوص نمَط "التَّعَلْمِن" المسيحي اليهودي، كنتيجة لذلك، أنّ العلماني نجَح إلى حدّ بعيد في صيانة قوانين الفطرة الطيبة بالرغم من إذعانِه، بالتحديد الإلهي، لمشيئة خالقٍ دارٍ بأسرار هذا الكون. والذي حصَل أيضاً أنّه لقِي نفسه مجبُولا على توليد وتحويل قرارات اللَّوم أو الاشمئزاز أو الزجر أو العقاب أو الثأر من داخل تركيبته العقلية والنفسية، وكذلك على توليد وتحويل قرارات المكافأة  مثل الشكر أو الاعتراف بالجميل، انطلاقا من وضعية مُعيّنة، سيّئة مثل التعرّض إلى الخيانة أو السرقة أو الإهانة أو الاضطهاد، أو طَيبة مثل إسعاف المريض أو نجدة الغريق أو إطعام المسكين.ومن ثمّة قام هذا الإنسانُ، الذي اختار التجرُّد من الشرائع السماوية (في الإيمان وفي السياسة فقط، أو في السياسة فحَسب) أن يُترجِم ما أسفر عنه استخدامُه للأداة التوليد والتحويل من مشاعرَ وعواطفَ وأفكارٍ وآراءٍ ومواقف و قراراتٍ، على قانون سُمّي بـ"الـقانون الوضعي" وعل مواثيق جدّ هامة وجدّ متطوّرة تخصّ الحريات الأساسية وحقوق الإنسان والحقوق المدنية وحقوق المرأة وغيرها.

هكذا نُدرك أنّ أولئك العلمانيين الأصليّين فرّقوا بين دينهم (المسيحية وتباعا اليهودية  وغيرها ما عدى الإسلام) وبين الدولة والحياة قبلَ أن يَنكبّوا على التفاعل الفطري والولادي مع الحياة ومع إدارة الشأن العام بالسياسة. وقد يَفهم مُعظم المسلمين أنّ ذلك شيء جميل وأنّ هؤلاء قد أنجزوا ذلك بالاحتكام إلى وسائل العلم؛ وأنّ هذا إنجازُ أجمل. وقد يستنتج كثير من المسلمين، ممّن يبغون الإقتداء بهم، أنّ من أعظم إنجازات هؤلاء أنّهم قد قرؤوا الواقع بالعِلم عوضا عن الدين وأنّه ثبت لديهم أنّ العلم وحده يوصل أتباعه إلى أعلى مراتب الرّقيّ والحضارة. ولكن، باعتقادنا، يجب على المُسلمين أن يُدركوا أنّ هذا الأمر الأخير من أخطر التهديدات على المسيرة الفكرية والوجودية لديهم، إذ أنّه جدُّ مَشكوكٍ فيه تاريخيّا وسيكولوجيّا بالخصوص، كما سنرى إجمالا.

"هيهات"، نَسوقها لكل واحد منّا انبهر بما وصل إليه الغرب بلائيكيته (علمانيته) من تقدّم ورُقيّ. فَهُمْ ليسوا نحنُ، ونحنُ لا يمكن أن نكون مثلهم. لا يُمكنُنا استنساخ هذا التمَشي اللائيكي/ العلماني من عند المسيحيين ومن تبِع تمَشّيهم. لماذا؟ لأنّ أنموذجهم غير قابل للاستنساخ من ناحية.فالاستنساخ له قواعد، ومن قواعده التوليد والتحويل انطلاقا من الخلايا الأُم. فهل تَربتُهم الثقافية والعُقدية والتربوية هي تُربتُنا حتى نتفاءل بنجاح استنساخ أنموذج للحياة من لدُنهم؟ ولأنّ، من ناحية ثانية، الفرق بينهم وبيننا في التعامل مع نواميس الفطرة والولادة مثل نواميس التوليد والتحويل هو الآتي: هُم تَحَتمَ عليهم التعامل معها بالعِلم مع التجرّد من الدين، بينما نحن محكومين بالتعامل معها بالعِلم، مثلهم، لكن، وهنا تتنزّل المُفارقة المنهجية الكبرى،مع استحالة التجرّد من الدين.فقد سبق أن رأينا في هذا المقام وفي غيره أنّ دين الإسلام، دون سواه من الأديان السماوية أو غير السماوية هو دين الفطرة بامتياز. ولسائل أن يسأل: ما الذي أحدث هذا التباين الرهيب، أي كيف يكُون دينُنا دين فطرة ونحن لم نقدر على استجلاء واستبيان واستنباط، و( لكي نستعمل "الدّال" الألسني) لماذا لم نقدر على "استقراء" قوانين الفطرة بواسطته،أي لماذا لم نُطبّق الإسلام؟ أذلك مَرَدُّه الإيمان بالعلمانية  كحَل ليس مثله حلّ لأنّها خيارٌ طبيعيّ ومتناسق مع النموّ الثقافي للبشر كافّة؛ مثلما هو سائد في أوساط علمانية عديدة من بين المسلمين؟ أمْ أنّ مرَدّه زوالُ الرغبة في الإسلام كدينٍ صالحٍ للتطوّر؛ مثلما هو سائد لدى البعض الآخر من العلمانيين من بني هذه الأمّة؟ أم أنّ الرغبة في تحيين الإسلام موجودة ولكن تصحبُها قُدرة عجيبة على الحِفاظ على الأوضاع الفكرية والتربوية والعُقدية السائدة، مع العِلم أنّ التُّربة التي يترعرع فيها هذا النوع العجيب من القدرة السالبة ما هي إلاّ تكريرٌ لفقدن الكفاءة في فهم الإسلام والحياة معًا؛ مثلما لا يعتقد أحد ولا يُريدُ أحدٌ أن يعتقد؟

قبل الإجابة المباشرة نقول إنّ ترْك الإسلام في ثقافتنا لا يُعَدّ حلاّ جميلا مثلما هو في ثقافة الآخرين. بل بالعكس، ترْكُ الإسلام لفائدة العلمانية هو إعلان بالفشل للمنظومة الفكرية والعلمية والثقافية عندنا بتمامها وكمالها.و كلامُنا هذا ليس دَحْضا للعلمانية بأيّة صورة من الصور. بل بالعكس، إنّه اعترافٌ بأنّ العلمانية إنّما هي مهارة تُكتَسَب، مثل سائر المَهارات المُبَوّبة تعليميّا وتَربَويّا في خانة "الاكتساب". إنّه نِداء (مَوصولٌ بالعَضُد العِلمي) من أجل العمل على تحصيل المَهارة العِلمانية بواسطة الدخول من بوّابة دون سواها؛ الدخول من بوّابة التأصيل الفكري فالثقافي ثمّ يأتي دَور السياسي، عِوضا عن التمادي في المُخاطرة بولوج بوّابة مُحكمة الغَلق، إن لَم نَقُل تَفتحُ على متاهات لن تسمحَ لِمَن جرّب وُلوجَها الخُروج منها ثمّ العودة إلى قواعده سالِمٍا و مُعافًا: بوّابة الاغتراب والاستِلاب بواسطة الاقتداء الحَرْفي بالغرب العِلماني. إنّ ما نرمي إليه هو بَيانٌ بأنّ الإسلام يَسمح، في مساحات لا تزال عَذراء في ما بين سطور القرآن والحديث، رغم إعلانٍ ضِمني بإتمام تفسيرها من طرف عُلماء الدين والمُفسّرين، بقراءة لِمسائل التقدّم، تكونُ أكثرَ تطوّرا وأكثرَ تلاءُمٍ مع واقع المسلمين وعقلياتِهم من ذلك الشكل من العلمانية الذي نشأ في بيئة غربية (11). نقصُد أنّه قد آنَ الأَوان لأن ينكَبَّ المفكّر العربي والإسلامي على تحويل وِجهة اهتمامه وانشغاله، بل قُل وهَوسه، من وِجهة إلى وِجهة أخرى أكثر تفتّحا وأكثر واقعية.

فعِوضا عن التّهافت على ضمّ العلمانية في شكلها الخارجي ضَمًّا (مثلما يفعل اللائيكيون/ العلمانيون) أو ما يُقابِلها من تهافتٍ معكوس (على إعادة إنتاج أنموذج شبيه بالأنموذج الإسلامي التاريخي، وذلك من طرف الإسلام السياسي)، وجبَ على المثقفين العرب والمسلمين أن يُصوّبوا مهاراتهم في الفهم والإدراك والتمعّن وإعمال العقل نحو الإشكالية الأُم : إنّ الحِرص على توخّي العلمانية من طرف كثير من مثقّفينا صار حِرْصا على اعتناقِها وكأنّها تعويض للدّين. وهذا مرَدُّه حالة مَرَضية من النوع الفُصامي (12) كأنّي بها تجذبُ الشخصية العربية الإسلامية جذبا نحو حُلول الاستلاب وتدفعها دفْعا بعيدا عن أيّة مُحاولة للتطبيق العقلانيّ لِلإسلام، وذلك من دون توفّر سبب منطقي مؤكّدٍ ولا سبب حُقوقي مبيَّنٍ و لا سبب عِلمي مُجَرَّبٍ؛ من دون توفّر أسباب قوية المتن تخدم لفائدة التخلّي عن الإسلام.إذن، إذا توفّرت الإحاطة، هكذا، بلُبّ الإشكالية، فلم يبْقَ إلاّ أن يُحاول مُثقّفو العلمانية من المسلمين وكذلك نُظرائهم من الإسلاميين، طرحَ تلك الإشكالية الأُم من المنظور الآتي: ما الذي يمنعُنا من إنجاز قراءة مُتطوّرة للإسلام تكون، بتلاؤُمها مع عقلياتنا، كفيلةً بتوليد العشرات بل الآلاف من المعاني التي تُضاهي أو تفوت معنى العلمانية بالذات؟ بكلام آخر، كيف نُفسّر عدم جاهزيّتنا لتطبيق الإسلام؟ أليس تطبيق الإسلام مطلبا مركزيّا من مطالب الأمّة؟ وهل سوف لن يكفّ بعضنا على تخويف البعض الآخر بمثل هذا المطلب: بعضُهم بالترهيب بواسطة التنكيل بفَرَضية تطبيقه (العلمانيون) وبعضهم الآخر بتوخّي أساليب في الدعوة والتبليغ لم تعُد صالحة لِمَن يعيش بين المُسلمين، ناهيك لِمَن هو مؤمنٌ مُمارسٌ بَعْدُ، وما ينجرُّ عن هذا الأسلوب اللاّ بيداغوجي من تحوّلٍ لدَعوة الدّاعية وتبليغِ المُبلِّغ، في عُيون المسلمين أوّلا ثم في عُيون غير المسلمين ثانيا، إلى إعلانٍ تَهديد بتطبيق الإسلام (الإسلاميون)؟

لقد توفّر لدَينا بعدُ الشطر الأول من الإجابة لمّا أكدنا أنفا أنّ عملية الاجتهاد لم تتبنَّ بعدُ العِلم كأداة كاشِفة عن أغوار القرآن الحكيم، ما "ولّد" لدينا مرَضًا مُستحدَثا زيادة عن تلك العِلّة الأصلية، وهو التدافع من أجل الاقتداء بالغربيين في الابتعاد عن الدين، وما يقابله من تدافع على التطبيق الفوري لأحكام الشريعة من طرف من يرُدّون عن الاغتراب الخارجي بالاغتراب الداخليّ. هؤلاء يُخْلِطون بين دين لا يقول بأهمية العلم و الفطرة (المسيحية)، ما جعلَ دُعاتَه وأَتباعَه أوّل مَن تجَنّبوه في شأن السياسة وإدارة الحياة العامّة، وبين دين العلم والفطرة (الإسلام)، الذي هُو بطَبعِه مَدعاة للإتباع والصّيانة والتّكرير. وأولئك يُخلطون بين الدين والدولة بما لم يَسمح بِخَلْطهِ الدينُ نفسُه (13).

أمّا الشطر الثاني للإجابة عن سؤال لماذا لم نُفلح في تطبيق الإسلام فهو الآتي: إذا كان المسلمون لا يتعاملون مع الشريعة السمحاء مثلما يتعامل طالب اللغات، أو المولود، مع اللغة، فكيف هُم يتعاملون معها في الوقت الراهن؟ إنّهم يتناولونها إلى يوم الناس هذا، وبسبب انغلاق المجتهدين على أنفسهم في باب علم الكلام (في الدين) وعلوم التفسير والاجتهاد التقليدية، مثلما لا يتناول متكَلّمٌ لغة يتكلّمُها ؛ أو لِنَقُل إنّهم يتناولون الإسلام ككُلّ مثلما كان  متعلّمو اللغات في النصف الأول من القرن المنقضي يتناولون اللغة، أي قبل الثورة الألسنية التي أتى بها نعوم تشمسكي بفضل نظرية النحو التوليدي والتحويلي: جملة من القوانين/ الحُدود، المبوّبة داخل نظام النّحو/الشريعة وجب على المستعمِل أن يحفظها عن ظهر قَلب، بعْد "استخراجها" من كتاب النحو/كتاب الله العزيز، ويطبّقها في كلامه/في تديّنه.والحال أنّ مبدأ التوليد والتحويل يقتضي اعتبار اللغة ،وبالتالي الدين أيضا، في مقاربتنا التشبيهية، نظاما، بالتأكيد، ولكنه نظام يمتاز بصفات "الفطرية" كما أسلفنا، ما يجعل المُتدَيّن مطالبٌ بـ"استقراء" ما يحملُه دماغه وعقلُه وما نفسُه حُبلى به، من أصول القوانين المُسجّلة في جيناته، شريطة أن يكون بصدد ممارسته للدّين أي من خلال تجربة التديّن بالذات وليس من خلال العبادة الدّغمائية ؛ وتلك هي مواصفات "العملية" أو "السيرورة" أو "المسار"("بْرُوسَاسْ " بالانكليزية) التي يعتبرُها تشمسكي ومدرستُه عمودا فقريّا لجسم اللغة بعد أن اعتمدوا مبدأ التوليد والتحويل كمُحَرّك، أو بالأحرى كمجموعة كبيرة وكثيفة من المُحرّكات، لذلك الجسم.

فالمقصود بـ"عملية" هو في الأصل "عمليّات"، وهو بالضبط عكس التقليد والإتباع والتلقين. فبخصوص "العملية" اللغوية يقول رتشرد  وال  إنّ " ما يقصده تشمسكي هو أنّ السبب الرئيس في أن تكون مُهتمّا بالدراسة العلمية للّغة، ومن باب أولى وأحرى بالنّحو التوليدي، هو أنّ لَديها مساهمة ستُضيفها إلى فَهمِنا للعمليات العقلية." (14) سواء في اللغة أو، كما يفرضه علينا غرَضُ المُقارنة، في الدّين؛ سواء في ما يخصّ "التكلّم" أو ما شابهه من "تديّن"، نعتبرُ أنّ تصنيف تشمسكي لـ"فهم العمليات العقلية" كغاية للممارسة اللغوية، فيه من الشمولية العلمية ما يُؤهّله لأن يكون مُدرَجا كغاية للممارسة دين الإسلام. فالعقل البشريّ واحد. سواء أمارَسَ اللغة أم مارَسَ الدّين. إنّه اندماجيّ في كثير من وظائفه، ناهيكَ أنّه قادرٌ على توحيد النحو بالذات(15). وألَيس العقلُ القادرُ على توحيد النحو بقادرٍ على تَوحيدِ كلّ فحوى العقل، بِما فيها على الأقلّ المَيل إلى التديّن، أو الفطرة أو، لِمَ لا، الدّين؟ ونكون حينئذ شاهدين على لحظةٍ رائعة، لحظة تلاقي حُكم العِلم (التوليد والتحويل هي من خصوصيات الدّين،على غرار اللغة) مع حُكم القرآن العظيم:"إنّ الدِّينَ عندَ اللهِ الإسلامُ وَما اخْتَلَفَ الذينَ أُوتُوا الكِتابَ إلاّ مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ- الآية.")( آل عمران 3 : 19)، و"لِيُظهِرَهُ على الدِّينِ كُلِّهِ- الآية." (التوبة 9 : 33).

وإذا كان ذلك كذلك فسَنزْدادُ يقينٍا بأنّ  ما يُفيدُ المسلمين في فهم عمليّات التكلّم سيُفيدهم أيضا في فهم عمليّات التديّن. وسيكون ذلك مَيسورًا طبعا شريطة أن يتّبعوا الرابط الرئيس، أعني استبيان قُدرات العقل البشري على التّأقلم مع قوانين سنَّها شارعٌ عظيم ذو الجلال والإكرام، ما لم نَفعَلْه إلى يوم الناس هذا. أمّا الذي سيترتّب عن التحوّل المنهجيّ في التديّن هو أن يكون المسلم قادرا على تطبيق الدين بواسطة منهجيات التعلّم العصرية الرامية إلى استفزاز مهارات التفاعل لدى المُسلم "البَاث" لـ"المَدلول" الدّيني والمَعرفي، بالمدّ والجزر، مع قوانين الشريعة. وهذه السيرورة لا تحُثّ لا على التطبيق الآلي للشريعة السمحاء ولا، في المُقابل، على تركِها جانِبا والخَوض في التجديد الهدّام. فقط هو مسارٌ يهدف إلى توفير الإمدادات الدماغية والشعورية لدى المسلم لكي يكون قادرا، بنفسه، على إصابة مَرماه حين يُطلب منه اختيار سلوكياته ومواقفه وتحرّكاته: "بَل الإنسانُ على نَفسِهِ بصيرَةٌ- الآية." (القيامة 75 : 14).بكلام آخر،هو مسار يهدف إلى إرساء الركائز العلمية ، انطلاقا من علوم التربية والعلوم الدماغية والعلوم السلوكية وغيرها لِفهمٍ أو لأفهامٍ، لتأويل أو لِتأويلاتٍ مُعاصرة للإسلام.

فإلى حدّ اليوم لم يَكفِنا عِلمُنا (الاجتهاد التقليدي) سوى لإعادة "اكتساب" ما نَعلَمُه بعدُ بفضل تواصُلنا مع أجداد أجدادنا منذ تمّ تعلّمهم الفعلي للدين الحنيف مباشرة من سيّد المُعلّمين محمد صلّى الله عليه وسلّم ، وهو الذي كان"خُلُقُه القرآن" أي استوعَب القرآن حتّى تماهت معه خُلُقه. وهل يتمّ استيعابٌ وتماهٍ من دون "عملية"؟ وهل يجوز اليوم، تربويّا وبيداغوجيا، أن يُرسي المسلم علاقة مع دينه غير علاقة الاستطلاع و الاستكشاف والتمحيص والنظر والـ"استقراء" ؟ ألسنا نعرِفُ ديننا كما لا يَعرِفُ دينَه أحدُ،إلاّ أنّنا نجْهل المسالك التي تقودنا إلى إعادة ربط الأواصر معه؟ رحِم الله مالك  بن نبي وهو الذي صدق قولُه :"فكلّ مُسلم مُقتنع بدِينه من يوم أن أُُنزلت الآية الأولى في غار حراء، ومَن يحاول أن يأتي للمسلمين بوسائل لاقتِناعِهم بدنهم فإنما يُضيع وقتَه وربما يضيعُ وقت المُسلمين أنفسهم" (16).

هكذا نُدرك أن لا بُدّ للمسلمين أن يكُفّوا عن  تناول مسألة تطبيق الإسلام من الخَلف وأن يعكفوا على  مُجابهتها من الصّدر لأنّ الخيار الأوّل لم يُولّد لديهم سوى الالتصاق إلى حدّ الهَوس بالنظام (الشريعة السمحاء) فاقدين السيطرة، في الأثناء على الآليات التي من شأنها أن تشحذَ مهاراتهم في حُسن التعامل مع هذا النظام عبر عملية اسمها ممارسة الدين. وهنا يأتي الفرق بين الدين والتديّن. فمَعشرُ المُسلمين يعرفون دينهم أكثرَ وأفضلَ من عِرفهم لأنفُسهم، أي أنّهم يجهلون آليات التديّن طِبقا لِشروط العصر الراهن. لا يمتلكون جهازا معاصرا للتديّن يُبلور لهم معنى وأبعاد مقولة "الإسلام صالح لكل زمان ومكان".والتديّن هو فنّ العيش بإبداعٍ وابتكارٍ وَلَو تحتّم أن يقع إنجاز ذلك في ظلّ نظام تسنّه قوانين.

وهنا تأتي الأهمية القُصوى للمُفكّر. فهو الذي من المفروض أن يجهّز لعموم المسلمين، مُمارسين للدين و غيرِ مُمارسين، تصميما لمنهج أو مناهج تدرّبهم على استبطان آليات الفهم المتحرّر من قيود التقليد والحَرْفية.وتصميم المنهج ليس تأليفا لفهم معيّن أو لتأويل معيّن للإسلام عن طريق تطوير الفقه مباشرة أو بأية طريقة ظاهرية أخرى أدّت، في ما أدّت إليه، إلى التخبّط في اصطناع فتاوى أقرب للـ "الصندويتش" منه للإفتاء العلمي والمُنظَّم، وفي التقَوقُع داخل أشباه منظومات لإنتاجِ فِقهٍ أقرب لِمَنتوجات المَداجن الكهربائية، أو للزراعات بالأسمِدة الكيميائية، أولِمنتوجات البَاكُورات في البيوت المُكيَّفة منه للقانون المُوَلّد من أرضية فكرية اكتَمَلت نمُوّها الطبيعيّ بواسطة أدوات طبيعية. فعملية تَصميمِ المنهج من طرف مُفكرين جُدد إنّما هي شبيهَة بِعمل الفلاّح الذي يجب أن يُهَيّئ التُّربة المزروعة فيَقلبها حتىّ تُعطي أُكلَها بِأن تُنبت زرْعا، مِن نوع الـ"ـبيو" إن لزِم الأمر، مَرغوبٍا فيه. وما أحوَجَ المُسلمين إليه : فِقهًا و أحكاما شرعيةٍ مُجدَّدة؛ فَهمًا أو أفهامًا مُعاصِرة ؛ تأويلاً أو تأويلاتٍ جديدة؛ تكون كلُّها نتيجةً لعملية تحويلية وتَوليدية تعرِفُ انطلاقتها من داخل العقل العربي والإسلامي المتحرِّك، مَنتوجا طبيعيٍّا لفِكرٍ مُتجَذّرٍ في بيئته وفي عَصره وفي عالَمِه وفي عالميّته (17).

ولن يحظى مثل ذلك التدريب بالقابلية والقَبول من طرف "مُتعلّم" الدين، وهوَ "باث" وليس بـ"مُتقَبّل"، إلاّ في حال يَتوفّر في المنهج المُصمَّم أسلوبٌ يُرغّبه في إعادة رَبط الأواصر مع الدين بتصويره له بطريقة مستَوحاة من الطريقة التي صوّره لنا بواسطتها الخالق البارئ : العبادة "عملية" فيها تداول بين "الكدح" و"السَّكينة". فالكدح ورَد في قوله تعالى "يا أيها الإنسانُ إنكَ كادحٌ إلى ربِّك كَدْحا فمُلاقيهِ" (الانشقاق 84 : 6). وقد جاء في تفسير للآية الكريمة أنّ "أنت يا ابن آدم جاهد ومُجدّ بأعمالك التي عاقِبَتها الموت، والزمان يطير وأنت في كَلّ لحظة تقطع شوطا من عمرك القصير، فكأنّك سائر مُسرِعٌ إلى المَوت..." (18).

و"الكدْح" في رأينا من أهمّ الدلالات القرآنية على "الحركة" الخلاّقة، فهو مسيرة المؤمن وسِباقه نحو الله فاطر السماوات والأرض. والمسيرة هي الزمانُ، و"الزمانُ إمّا أن يكون اختراعا وإمّا أن يكون لاشيءَ" كما يقول هنري برجسن (19). أمّا "السكينة" وهي التي وردت في الآية الكريمة "هُو الذي أنزَل السَّكينةَ في قُلوب المؤمنينَ ليَزدادُوا إيمانا معَ إيمانِهم - الآية" (الفتح 48 : 4) ،فهي الجزاء الدُّنيوي الذي يحصل عليه كل مُؤمن "كادح" قبل نَيله الجزاء الأخروي؛ هذا المؤمن الذي، بالرغم من توفّر الإيمان لديه، إلاّ انّه بفضل"السكينة" تتولّدُ لديه "زيادة" في الإيمان.

 

يتعلّق الأمر إجمالا بالإبحار، لا فقط في ما ظَهر من الإسلام (الشعائر والأحكام الشرعية) وإنّما أيضا في أعماق "المُعاملات" و"الأخلاق". يتعلّق الأمر بانتهاج المُسلم الممارس و المسلم غير الممارس على حدّ سواء لمُقاربة مماثلة تقريبا لمُقاربة  الطالب/المُتكلِّم مع اللّغة، مُولِيان الأهمية القُصوى للخَلق والابتكار والإبداع، باستقراء قواعد التطبيق الصحيح للغة/الدين من داخل النظام الأشمَل: نظام ممارسة التكلّم/ممارسة الدين. فهذا التمشّي من شأنه أن يفتح أمام المسلم فُرصَ الإبحار في مساحات النّص، قرآنا وحديثا، وهي مساحات بالرغم من سَعة قابليتها للإبداع والتدبّر، تخضع عن طواعية إلى أضواء كاشفة تُسَلّطها عليها، بمنتهى الدقّة والرقابة، مَنارة الشريعة السمحاء.

كما يتعلّق إجمالا بإتباع منهجية في التعامل مع النص القرآني والسنة الشريفة يشتَمل على مواصفات "الفوضى البنّاءة" مثلما قَدّمناها أنفا، وبأن تتمَخّضَ عملية التعامل تلك على نظامٍ مُتَحرّر وتحرُّريّ. وذلك لن يُنجَز إلاّ باستخراج ما يلزِمُ من عناصرَ، من القرآن الكريم ومن الحديث الشريف، ثم ضمّها في قالبٍ أو نسق أو نظام أو كيان أو بنيانٍ أو هيكل يقوم مقام وعاءٍ لفكرة أو لثقافة أو لإستراتيجية أو لِدرْسٍ أو لبرنامج. ومن مزايا القالب والفكرة التي يحتوي عليها أن تساعد المسلم "المُتعلّم" على تفعيل كفاءاته الكامنة بِهَدَف فَهْم الإسلام من خلال التجربة الوجودية مع "نظيره في الخلق" ومع "أخيه في الدين" (كما قال عليّ كرّم الله وجهَه في تعريفه للإنسان)، وكذلك من خلال التجربة الميدانية في الطبيعة وفي البيئة. حينئذ يُمكن القول إنّ الغاية النهائية من توظيف الوعاء بواسطة ملئِه بالخيرات، وتباعًا الغاية النهائية من توظيف تلك الخيرات، أن يتَمَكَّن "المتعلّم" من التحرّر المُنَظَّم. ونعني بذلك التفاعلَ الآني مع الواقع، من منظور القرآن والسّنّة، بالتّأكيد، ولكن بآليات الجدَل والشك المُوصلة إلى اليقين والاستقراء والاستشراف وبغيرها من مهارات التدبّر المتعددة التي من شأنها أن تُساعد المسلمين على الارتقاء بأحوالهم من ظُلمة الإتّباع والتبعيّة إلى نُور الإبداع و الاكتفاء؛ كلّ ذلك بواسطة منهجية مُستخرَجة من أعظم نظام عرفته الإنسانية: نظام الإسلام؛ ومُطبَّقة على أضخم مسرحٍ عرَفتْه الإنسانية: مسرح الحياة.

أخيرا وليس آخرا، يُمكن تصوّر الاستعمالات المستقبلية للنسق/الوعاء كما يلي:

1.استنساخ الأنموذج المستخرج من القرآن في التربية العامة والدينية واستقراء أنظمة ومقاربات مولّدة منه تُعنى  بتطوير استيعاب اللغات عوما واللغة العربية خصوصا، لا سيما أنّ من النتائج الطبيعية لهذا التمشّي  تأصيل اللغة في الثقافة من أساسها، طالما أنّ  المدلول (الديني بالخصوص والثقافي بصفة أعمّ) سيتحرّر من العراقيل السُّوسيوألسُنية و السَّيكوألسُنيية التي كانت تعرِضُه حصريّا في وضع صراع متواصل مع "الدّال"، حارمة  "الكلمة" و"الكلام" من إثراء "اللغة" من الارتقاء إلى مستوى الحداثة، أو لنقُل إلى مستوى العَصر.

2. استنساخ الأنموذج في الثقافة وفي الفكر لتوليد مقاربات ومنهجيات وتصاميم ونظريات في الفلسفة ثمّ في السياسة وفي استراتيجيات التقدّم (20).

3. حفز العلماء والباحثين من الاختصاصات العلمية المختلفة والمتعددة، الصحيحة منها والطبيعية والاجتماعية والإنسانية، النظرية منها والتجريبية الميدانية، على الانكباب على إنجاز عملية التوليد والتحويل الأولي ، أي تدبّر القرآن الكريم من منظور اختصاصهم ثمّ استخراج قالب أو نسق أو نظام أو كيان أو بنيان أو هيكل ليكون، بحُكم حُسن تصميمه، أنموذجا من القرآن، يمكن سَحبُه في مرحلة التوليد والتحويل الثانية على مجال من مجالات اهتمامهم ذي طبيعة ملائمة للأنموذج المتولّد.

هكذا رُبّما يكون المفكّر العربي و المسلم قد أَعلن طلاقهُ من دون رِجعة من مُحاولاته اليائسة  لتِكرار مسيرة أثبت العلمُ الحديث، على عكس ما كان مُتعارفا، استحالة تكرارها(21): مسيرة الزمن، ما حتّم عليه رُبّما، أن يُحاول من هنا فصاعِدٍا تَكرير الشريعة السمحاء مثلما يُكرّر المُهندس الذهب الأسود ...

محمد الحمّار 

باحث في تجديد أساليب الفكر الديني بفضل اللغة، وفي تطوير اللغة العربية انطلاقا من معرفة اللغة الأجنبية 

هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته

-------------------------

الحواشي : 

(1) ذُكر في النسخة الالكترونية لـ" كشمير أوبزارفر" بتاريخ 20-7-2009  في مقال " العلماء يقولون إنّ باب الاجتهاد غير مغلق" (ترجمة م.ح) : 

http://www.kashmirobserver.net/index.php?id=2316:scholars-say-door-of-ijtihad-not-closed&option=com_content&catid=2:local-news&Itemid=3

(2) يقول الشيخ عطية صقر إنّ الحديث المذكور أثر عن الحسن البصري. على موقع "كلملت"

http://www.kl28.com/fat1r.php?search=3727

(3) العبارة لأبي يعرب المرزوقي  أستاذ الفلسفة في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا.

(4) نسبة لمكتشفه نعوم تشُمسكي عالم الألسنيات.

(5) وهذا هو ما أنجزناه إلى حدّ بعيد ونشرناه في مقالات متفرّقة، باللغتين العربية (المعذرة إن كان معظمها محررا بلغة عربية وسطى بين الفصحى والعامية) والانكليزية. توجد المقالات العربية (والوسطى) ضمن سلسة مرقّمة تحت عنوان "الإسلام يتكلّم" نشرت على :

http://mohamed-hammar.maktoobblog.com

أمّا المقالات بالانكليزية فمنشورة على

http://islaminfrajtihad.canalblog.com

أو على:

http://www.articlesbase.com

(6) لمزيد التفاصيل: مقال "من يخاف من نعوم تشومسكي؟" لـريتشرد  وال بتاريخ17-8-2004 على:

http://www.chomsky.info/onchomsky/20040817.htm

(7) المرجع رقم 5 .

(8) في العلم:بدأ بإثبات ذلك رائد السوسيوبيولوجيا، الأمريكي أدوارد أوزبورن ويلسن في كتابه "الطبيعة الإنسانية"،1979 (وتُرجم إلى الفرنسية في سنة،منشورات ستوك، 1986).في الدين: سبق أن بيّنّا ذلك من خلال آيات الفطرة في القرآن الكريم وكذلك حديث المولود للرسول صلى الله عليه وسلّم (في مقالات سابقة على مدوّنتَينا)

(9) "مختصر تفسير ابن كثير" لمحمد علي الصابوني، المجلّد الثالث، ص 268، دار القرآن الكريم، بيروت 1981.

(10) تغليظ الكلمات من اختيار كاتب هذا المقال.

(11) * يقول د.حسن حنفي:" النظام الإسلامي نظام مدني خالص، والدولة الإسلامية دولة علمانية" وذلك في مقال "الإسلام العلماني":

http://mm10002.maktoobblog.com/500771/

*صدر مقال هام في الموضوع: " لماذا العلمانية هامة للإسلام" بواسطة فيصل غازي،نُشر بتاريخ 8-8-2009:   

« Why Secularism is Key to Islam”  by Faisal Gazi

http://www.averroespress.com/AverroesPress/Main/Entries/2009/8/8_Why_Secularism_is_Key_to_Islam.html

(12) صدر عن الكاتب السوري غريغوار منصور مرشو كتابا قيّما في هذا الموضوع بعنوان "الفصام في الفكر العربي المعاصر":

www.fikr.com

(13) لمزيد الإطلاع على رأينا بإزاء هذه الإشكالية: كتاب "الاجتهاد الثالث (الاندماجي): رحلة المسلم المريض من الإسلام إلى الإسلام"، محمد الحمّار،(جزء "الإسلام والديمقراطية، نظرة الحاكم إلى المحكوم هي القضية") ص 94:

www.aracicebook.com

(14) المرجع رقم 6.

(15) يؤكد تشمسكي أنّ "النحو" واحد مهما تعددت اللغات ويُسمّيه "النَّحو الكَوني" (بالانكليزية "يونِفرْسل جْرامرْ")

(16) في "دور المسلم ورسالته"، دار الفكر، دمشق، 1989، ص 51.

(17) للمزيد من الإطّلاع على موقفنا من علاقة الفكر بالفقه : المصدر رقم 13 ( جزء"الفكر قبل الفقه وتحيين الوجود أَولى من تعصير الموجود") ص 81 على :

www.aracicebook.com

(18) "صفوة التفاسير" لمحمد علي الصابوني، المجلد الثالث، ص 537، طبعة 4، دار القرآن الكريم، بيروت 1981.

(19) روَتْهُ آتيان كلاين في مقال "زمن الفيزياء" بخصوص الجُملة التي أثرت كثيرا في إيليا بريغوجين :

http://nicol.club.fr/ciret/bulletin/b12/b12c5.htm

(20) وقَد بادرْنا على بركة الله بالقيام بالتجربة لمّا أنجزنا كتابا في نسخة الكترونية في هذا السياق: المرجع رقم 13.وقد أردناه أن يكون استنساخا للفكرة الألسنية/الدينية التي نحن بصدد تصريفها، استنساخا في المجال الأنثروبولوجي والفينومينولوجي. وقد نُشرالكتاب بواسطة :

www.arabicebook.com

(21) يقول إيليا بريقوجين استنادا إلى اكتشافات فيزياء الديناميكا الحرارية: "لا يقدر المرء على قَلب نموّ الكَون" إذ الزمن عند الفيزيائيين الجدد وعنده صار يُعرف بأنّه "لاعكسي" ( أي "إريفرسيبل" بالانكليزبة).قال ذلك في حديث نشر في شهر مايو سنة 1983 تحت عنوان "بيغوجين، "ساحر الزمن" أجراه معه روبرت ب.توكر:

http://www.omni.generalmedia.com

 
<< البداية < السابق 1 2 3 التالي > النهاية >>

الصفحة 1 من 3
Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
Joomla Templates by Joomlashack