الرئيسية | النادي اللغوي | بحوث نحوية | من ملامح التطور اللغوي في العربية -الضميــر- علاء الدين مصطفى البحلوز
 

صفحة شبكة صوت العربية في فيسبوكtwitterقناة شبكة صوت العربية في يوتيوبشبكة صوت العربية في موقع فليكر

من ملامح التطور اللغوي في العربية -الضميــر- علاء الدين مصطفى البحلوز طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: كتببحوث نحوية
تقييم المستخدمين: / 7
سيئجيد 
الكاتب صوت العربية   
السبت, 28 يونيو 2008 18:04

المقدمة
يعد موضوع التطور اللغوي من الموضوعات التي شغلت بال كثير من الدارسين اللغويين بصفة عامة، واستوقفت دارسي اللغة العربية بصفة خاصة، ذلك أن التطور اللغوي ليس من السهولة بمكان ليظهر في لغة كاللغة العربية، والسبب في ذلك يرجع إلى أنها لغة كرمها الله بالحفظ عندما أنزل بها كتابه العزيز، ولهذا نراها ظلت مقيدة وملتزمة قواعدها العامة؛ الصوتية والصرفية والتركيبية وحتى الدلالية أحياناً إلى حد شبه كامل.
غير أن أي دارس لغوي يدرك تماماً أن التطور من أهم سجايا اللغات، واللغة العربية واحدة من هذه اللغات، ولما ثبتت اللغة العربية على شكلها الذي حفظه لها القرآن الكريم وفي الوقت نفسه ظلت حية على الألسنة تطوّرت تطوراً طبيعياً، وهنا بدأت تظهر بعض الفروق بين اللغة المكتوبة في نصوص القرآن واللغة المنطوقة والدارجة على ألسنة أصحابها وليست هذه الفروق غير التطور اللغوي نفسه الذي نتحدث عنه في هذا المقام.
ولهذا جاء البحث ليكشف عن أحد جوانب التطور اللغوي في اللغة العربية في مبحث (الضمير) لنرى تطوره بين اللغة الفصحى واللغة العامية، وقد آثرت أن أتناول باباً واحداً من أبواب الضمير،

وهو المنفصل المرفوع (أنا، نحن، أنتَ، أنتِ، أنتم، أنتنَّ، هو، هما، هم، هي، هنَّ)، ذلك أن صور التطور تظهر فيها واضحة جلية أكثر مما تظهر في بقية الضمائر. وقد قمت بوصف هذا الضمير عرضه كما تستخدمه أكثر المناطق العربية؛ إذ حاولت أن أسجّل نطق الضمير في منطقة المغرب العربي ومصر والسودان وبعض مناطق الخليج العربي كدولة الإمارات العربية المتحدة والعراق واليمن، إلى جانب عدد من بلاد الشام -الأردن وفلسطين وسوريا- ولعل مثل هذا التنوّع في المناطق الجغرافية والتعدد في المناطق العربية يعطينا صورة أوضح أو أقرب إلى ما صار عليه الضمير في أغلب اللهجات المحكية في دولنا العربية.
وكان من أهم ما دفعني لأكتب في هذا الموضوع خلوّ مكتبتنا العربية من الموضوعات التي تتناول اللهجات العامية كصورة حقيقية للغة الفصحى، أو قل كصورة بديلة لها عند مستخدميها في هذا العصر وفي عصور سابقة.
وقد اشتمل البحث على المحاور الآتية:
• مدخل حول التطور اللغوي.
• ضمير الفصل المرفوع وأقسامه.
• الشكل الذي آلت إليه الضمائر العربية في عصرنا.
أما المنهج الذي سرت عليه فقد تراوح بين المنهج الوصفي من جهة وبين المنهج التحليلي من جهة ثانية، إلى جانب المنهج المقارن من جهة ثالثة. ثم إنني رأيت أن أشير إلى صور الضمائر التي تستخدمها اللغات السامية وهي صور تشبه تلك الصور الموجودة في لهجاتنا العامية، وذلك لأقف القارئ الكريم على ذلك التوافق بين اللغات السامية، وهو أمر يسهل علينا تعليل كثير من وجوه التطور التي اتخذتها لهجاتنا العامية.
ولا يفوتني هنا أن أتقدم بجزيل الشكر والامتنان لأستاذي وزميلي العزيز الدكتور عبد الرحمن دركزللي على ما قام به من جهد في قراءة هذا البحث ومراجعته وتصويب أخطائه ليظهر على هذه الصورة.
فإن كنت قد أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي، راجياً من الله التوفيق والسداد، عملاً على خدمة اللغة العربية، لغة القرآن الكريم.
والله ولي التوفيق
التمهيد
يبدو أن موضوع التطور أمر درجت عليه العادات الإنسانية، فمن الملاحظ أن الإنسان آخذ في تطوير نفسه وعاداته يوماً بعد يوم "واللغة شأنها في ذلك شأن الظواهر الاجتماعية الأخرى، عرضة للتطور المطرد في مختلف عناصرها وأصواتها وقواعدها ومتنها ودلالاتها، وتطورها هذا لا يجري تبعاً للأهواء والمصادفات، أو وفقاً لإرادة الأفراد، وإنما يخضع في سيره لقوانين جبرية ثابتة مطّردة النتائج، واضحة المعالم، محققة الآثار، ولا يد لأحد على وقف عملها، أو تغيير ما تؤدي إليه، فليس في قدرة الأفراد أن يعيقوا تطور لغة ما، أو يجعلوها تجمد على وضع خاص، أو يسيروا بها في سبيل غير السبيل التي رسمتها لها سنن التطور الطبيعي، فمهما أجادوا في وضع معجماتها، وتجديد ألفاظها ومدلولاتها وضبط أصواتها وقواعدها، ومهما أجهدوا أنفسهم في إتقان تعليمها للأطفال قراءة وكتابة ونطقاً، وفي وضع طرق ثابتة سليمة يسير عليها المعلمون بهذا الصدد، ومهما بذلوا من قوة في محاربة ما يطرأ عليها من لحن وخطأ وتحريف، فإنها لا تلبث أن تحطم هذه الأغلال، وتفلت من هذه القيود وتسير في السبيل التي تريدها على السير فيها سنن التطوّر" .
ولعل هذا يشير بصورة واضحة إلى أن اللغة لا بد لها أن تأخذ طريقها في التطوّر على الرغم من كل القيود التي يمكن أن نحاول وضعها عليها لضبطها، ونحن نعلم أن اللغة العربية كغيرها من اللغات تخضع لقانون التطور هذا، وإن كانت تختلف عن بقية اللغات بأنها حظيت بالحفظ في أغلب قواعدها وأصواتها عندما نزل بها القرآن الكريم، ولكن على الرغم من ذلك فإننا نجدها قد لحقت بركب غيرها من اللغات حين استمرّت في التطوّر، ولأنها كانت قد حُكمت بالقرآن الكريم -كما أسلفت- فإن تطوّرها جاء مختلفاً عما كان عليه الحال في سائر اللغات، وهنا نستطيع القول: إن العربية قد شهدت نوعين من التطوّر:
- التطوّر الطبيعي: وهو ما تفرضه السنن الطبيعية على اللغات، "وهي عوامل لغوية ترجع إلى طبيعة اللغة نفسها" وهذا أمر تعرضت له اللغة العربية وغيرها، ومن أمثلة ذلك، تطور الأصوات، وتغير البنى الصرفية، وهذه كلها.
- التطوّر الطارئ: وهذا ما نشأ في اللغة العربية بفعل دخول الأعاجم في الإسلام، إذ بدأ كثير منهم باستخدام اللغة العربية كلغة بديلة عن لغته الأم، وكان لا بد للغة العربية أن تتأثر بلغتهم على اعتبار أنهم أصبحوا جزءاً من أبنائها.
وهذا يدفعنا إلى القول بأنه لولا نزول القرآن لوجدنا اللغة العربية الآن قد تحوّلت في كثير من كلماتها وأبنيتها إلى ما يشبه العاميات التي نستخدمها، فلا أحد ينكر أن هناك تطوراً يلحق جميع اللغات، واللغة العربية ليست بعيدة عن هذا القانون " غير أن العربية لها ظرف لم تتوافر لأية لغة من لغات العالم، ذلك أنها ارتبطت بالقرآن منذ أربعة عشر قرناً، ودوِّن بها التراث الضخم الذي كان محوره القرآن الكريم في كثير من مظاهره" ويبدو أن هذا الحفظ للغة العربية قد جعلها على نوعين:
• لغة معيارية أو قياسية: وهي تلك اللغة التي نجدها محفوظة في القرآن الكريم، وبعض كتب التراث العربي.
• لغة دارجة: وهي تلك اللغة التي يستخدمها المتكلمون في حياتهم اليومية، أو اللغة العامية، فلا أحد ينكر أننا الآن لا نستخدم لغتنا القياسية (الفصحى) كلغة أم في حياتنا العامة أو اليومية، ولأن هذا الأمر قد حدث في اللغة العربية –حفظ اللغة عن طريق القرآن- ولأن اللغة العربية كغيرها من اللغات تلحقها قوانين التطور اللغوي؛ فإننا نجد ملامح هذا التطور متمثلة في اللغات المحكية (العاميات)، في الوقت الذي تنعدم في هذه الآثار من اللغة المعيارية (الفصحى) –لغة القرآن-.
ويمكننا أن نضرب هنا مثلاً بسيطاً على هذا، فنحن نعلم أن القرآن الكريم قد حفظ اللغة من كل جوانبها تقريباً، صوتياً وصرفياً ونحوياً، ونقصد بالإعراب تلك العلامات اللاحقة أواخر الكلمات، وبالمقارنة مع اللغات المحكية نرى تلك العلامات الإعرابية قد سقطت بشكل يكاد يكون شبه مطلق، فلا نعلم قوماً من العرب في أيامنا يضبطون كلامهم ضبطاً إعرابياً، وكل ما نراه هو تسكين مطلق أو شبه مطلق لأواخر الكلمات المنطوقة، فهذا تطوّر لغوي كبير وملموس يظهر في لغتنا المحكية، في حين لا يمكن له الظهور بأي حال من الأحوال في لغتنا المعيارية (الفصحى).
وما يدفعنا إلى القول بأن هذا النمط من التغير في اللغة إنما هو تطوّر طبيعي أننا نرى له أمثلة كثيرة له في بعض اللغات السامية كالسريانية والعبرية وغيرها، وهنا يمكننا القول بأن هذا المظهر اللغوي قد بدأ ظهوره في اللغة العربية عند بعض القبائل منذ زمن بعيد ولكنه توقف بعد نزول القرآن واتخذت اللغة شكلاً ثابتاً الأمر الذي منعها من أن تكمل سيرها في هذا الطريق، ويبدو أن هذا الأمر قد ألقى ببعض ظلاله على لغتنا المعيارية، فظهر على شكل أمثلة نراها أحياناً كاختلاف بين القراء في بعض مواضع القرآن الكريم، فنحن نعلم أن القرآن الكريم قد حمل مزيجاً من لغات العرب ويبدو أن بعض هذه اللغات كانت قد بدأت بالجنوح نحو التخلص من الحركات الإعرابية مما أدى إلى ظهر هذا الأمر كظاهرة عند بعض القراء في بعض المواضع من القرآن الكريم، ويتضح هذا الأمر من خلال العديد من المواطن التي قرأها أصحابها بالإدغام بين صوتين متماثلين أو متقاربين في المخرج مع العلم أن الصوت الأول منهما ليس ساكناً ، فالواضح أنه لم يلجأ إلى الإدغام إلا بعد التخلص من الحركة التي كانت على الصوت الأول من صوتي الإدغام. كما في قولنا: (محمدٌ درس) وهي عبارة تظهر مقطعياً على النحو: muhammadun darasa
وهنا لا يوجد ما يسوّغ الإدغام بسبب التباعد بين الصوتين المتماثلين في آخر الكلمة الأولى وبداية الكلمة الثانية (dun da).
و لو كانت على النحو: muhammad darasa لكان الإدغام أمراً طبيعياً إن لم يكن واجباً، وذلك لتوالي صوتين متماثلين: (d d).

الضمائر:
عُرفت الضمائر قديماً باسم الكنايات، والضمير في اللغة العربية على أقسام، فقد جاء في كتاب سيبويه أن "الكنايات على ضربين: متصل بالفعل ومنفصل منه، فالمتصل غير مفارق للفعل، و الفعل غير خالٍ منه" ثم يقول: "واعلم أن أنت ونحن وأخواتهن يكُنَّ فصلاً، ومعنى الفصل أنهن يدخلن زوائد على المبتدأ المعرفة وخبره، وما كان بمنزلة الابتداء والخبر ليؤذن بأن الخبر معرفة أو بمنزلة المعرفة، ولا يكون الفصل إلا ما يصلح أن يكون كناية عن الاسم المذكور" .
والضمائر متنوعة -كما نعلم- بعضها يتناسب وطبيعة المستخدِم لها أو المستَخدَمة له، فهي إما أن تكون للمتكلم أو للمخاطب أو للغائب. وهذا يعني أن " المضمر المرفوع إذا حدّث عن نفسه فإن علامته أنا، وإن حدّث عن نفسه وعن آخر قال نحن، وإن حدّث عن نفسه وعن آخرين قال نحن ... وأما المضمر المخاطب فعلامته إن كان واحداً: أنت، وإن خاطبت اثنين فعلامتهما: أنتما، وإن خاطبت جمعاً فعلامتهم: أنتم، ... وأما المضمر المحدَّث عنه فعلامته: هو، وإن كان مؤنثاً فعلامته: هي، وإن حدّثت عن اثنين فعلامتهما: هما، وإن حدّثت عن جمع فعلامتهم: هم، وإن كان الجمع جمع مؤنث فعلامته: هنّ ." بمعنى أن الضمائر تختلف من حيث الدلالة على المضمر كما تختلف من حيث الاستعمال في التركيب النحوي، إذ إنها تتنقل في التراكيب فتقع في مواقع نحوية مختلفة حالها حال الأسماء الصريحة، فتصلح أن تكون للرفع أو للنصب أو للجر.
والسؤال هنا: هل بقيت هذه الضمائر على حالها؟ أم أن هناك تغيرات طرأت عليها؟
وهنا نرجع لنذكر القارئ الكريم بما أسلفناه من أن اللغة احتفظت لنفسها بقوالب لغوية قياسية، هذه القوالب لا تستخدم اليوم إلا على المستوى الفصيح من الكلام –إلا قليلاً مما نعرف- وأما على مستوى الكلام العام المستخدم بين أصحاب العربية في يومنا هذا فالأمر فيه مختلف تماماً، إذ إننا نجد الضمائر اليوم قد اتخذت شكلاً جديداً في الاستخدام، وكأن الضمائر –في معظمها- قد تطورت ونحت منحى جديداً، وهنا سنقف عند أهم تلك التطورات ونوجزها فيما يأتي:
ضمائر المخاطبة: أنتَ، أنتِ، أنتما، أنتم، أنتُنَّ
أنتَ، أنتِ:
إن المتتبع لهذا الضمير يلحظ أن من أهم ملامح التطور التي لحقت به أنه تحول إلى (إنتَ، إنتِ) -هذا في كثير من اللهجات المحكية العربية- حيث مالت اللغة إلى كسر الهمزة في بدايتها بدلاً من الفتحة (أَنت > إنت)، ولعل هذا يعود إلى قضية قديمة في اللغة العربية وهي التخلص من الهمزة لما فيها من ثقل، فالذي يبدو لي أن اللغة هنا قد تخلصت من همزة الضمير فأصبح (انت)، وهذا يشبه كثيراً ألف الوصل التي نقرؤها بالكسر في بداية الكلام خاصة، ونحن نعلم أن هذا الضمير شائع الاستخدام في لغتنا، الأمر الذي قاد أهل اللغة إلى استخدام هذه الهمزة في هذا الضمير بالكسرة دون الفتحة. غير أن هناك لهجات ارتضت أن تتخلص من صوت الهمزة دون أن تعوض عنه شيئاً حيث نجد بعض مناطق دولة الإمارات يقولون (نْتَ و نْتِ) بنون ساكنة، وهو أمر موجود أيضاً في لهجة أهل الجزائر الذين يقولون (نْتَ و نْتِ و نْتما) بنون ساكنة على ما في ذلك من مخالفة واضحة للقانون اللغوي في العربية التي ترفض البدء بالساكن مطلقاً، وإن كانت بعض اللغات السامية تفعل هذا كما في العبرية والصفاوية .
وبالمقارنة مع بعض اللغات السامية ربما نتوقع أن يتحول هذا الضمير في الأيام القادمة إلى شكل آخر وهو (أتّ ، أتِّ) فهما شكلان موجودان في العديد من اللغات السامية كالعبرية والسريانية، والذي يدعونا إلى هذا أننا بتنا نرى بعض اللهجات تميل إلى التخلص من صوت النون أحياناً كما في لهجة مصر حيث يستخدمون (بت) بدلاً من (بنت) وفي مثل هذه الحالة يتم حذف النون والتعويض عنها بتاء ثانية (أتِّ و أتَّ)، ولعل هذا الأمر ناشئ عما يعرف بقانون إغلاق المقاطع وهو قانون تميل فيه اللغة إلى إغلاق المقطع المفتوح بالتعويض عنه بصوت يناسب المقطع، إذ نشعر بفجوة في الكلام يتم تغطيتها بإغلاق المقطع على النحو الآتي:
الضمير بعد إغلاق المقطع الفجوة الضمير
وهذا من مظاهر ميل اللغة إلى التخلص من الحركة القصيرة في المقطع المفتوح، كما هو الحال في اللغات السامية الأخرى كالسريانية، في قولهم : lissans بدلا من lisana ، وهذا النمط اللغوي موجود في لهجاتنا المحكية، ومنه قولنا : دُخّان، بدلاً من دُخَان (دخان) و(لثة) التي أصبحت (لثّة) بعد إغلاق المقطع في كل منهما. فلن تكون اللغة العربية بدعاً في مثل هذا النوع من التطور لأن شقيقاتها الساميات يستخدمن هذا الضمير نفسه، كما في العبرية والسريانية والآشورية وغيرها حيث جاء الضمير فيها على هذا الشكل: أتّ atta<، أتِّ atti< .
أنتم:
لقد تحول هذا الضمير إلى عدة أشكال منها
1. (إنتِم) وهو شكل خاص نجده في بعض المناطق الفلسطينية.
2. (إنتو) وهو أكثر الأشكال شيوعاً حيث نجده في كثير من اللهجات العربية المعاصرة كما في مصر والسودان وسوريا والأردن وبعض مناطق الخليج كما في العراق وغيرها. وأما لهجة اليمن فقد احتفظت بالهمزة المفتوحة على أصلها (أنتو).
3. (نْتما) وهي خاصة بأهل الجزائر، حيث يستخدمون هذا الضمير للمثنى والجمع المذكر والمؤنث على السواء.
والذي يبدو أن التطور الواقع في لهجة بعض المناطق الفلسطينية (إنتم) لا يتعدى ذلك التغيير بين الكسرة والفتحة في همزة الضمير، (أنتم > إنتِم)، ولعل هذا يتشابه مع ما سبق ذكره عند الحديث عن كسرة (أنت). وأما كسر التاء فلعل مردها إلى التماثل الكلي المدبر المنفصل الواقع بين حركتها وحركة الهمزة قبلها (ntum ntim < ). ونضيف هنا أن هذا الضمير بهذه الصيغة الجديدة يشبه إلى حد بعيد الضمير نفسه المستخدم في اللغة العبرية (attém<) .
أما الشكل الثاني (إنتو) فله وجهان من التطور، الأول منهما ينحصر في انقلاب الميم إلى واو، وهذا أمر بعيد ولم تعرفه العربية –على ما أظن- بسبب ذلك التباعد بين الصوتين (ميم ، واو) ومن الأرجح أن تكون هذه الواو قد جاءت في آخر الضمير بعد التخلص من صوت ميم الجمع في آخره على النحو: antum antu<
وأما الوجه الثاني فمتعلق بالكسرة التي لحقت الهمزة في بداية الكلمة (إنتو)، ويبدو أن حالها هنا يشبه حال كسرة الضمير (أنت) التي أسلفنا الحديث عنها قبل قليل.
وفيما يتعلق بالشكل الثالث (نْتما) فإما أن يكون اهل هذه اللهجة قد حملوا جمع المؤنث وجمع المذكر على المثنى
أنتُنَّ:
تحوّل إلى (إنتو) في معظم اللهجات العربية المعاصرة كما في مصر والسودان وبعض مناطق الخليج العربي إلى جانب العديد من مناطق الشام، غير أن هناك شكلاً آخر انفردت به لهجة فلسطين وهو (إنتِن)، كما أن بعض سكان دولة الإمارات يقولون (انتُم) بدون همز، ولعل هذا الشكل من أقرب أشكال الضمير إلى الأصل الفصيح ذلك أن الضمير هنا إنما تخلص من صوت الهمز ليس إلا.
وأما الشكل الأول (إنتو) فيبدو انه جاء بتأثير من قضية حمل المؤنث على المذكر من باب التغليب، ولعل هذا الباب واسع ومعروف وله في العربية ما يسنده ويدل عليه كتلك الصفات التي يتساوى فيها المذكر والمؤنث على -كما يقرر التصريفيون- ومن ذلك: فَعيل التي بمعنى مفعول كأسير وجريح وحبيب وغيرها الكثير. وهناك مواضع أخرى كثيرة يغلَّب فيها المذكر على المؤنث.
أما الوجه الشائع عند أهل فلسطين (إنتِن) فيبدو أنه تعرض لنمطين من التطور، الأول: كسر الهمزة وقد سبق الحديث عنه في الضميرين (أنت و أنتم) ، والثاني: كسر التاء وهو ما يمكن حمله أيضاً على التماثل الكلي المدبر المنفصل بين حركة التاء وحركة الهمزة ( ntun ntin< ). ونضيف إلى هذا أمراً آخر يلمحه كل من ينظر في اللغات السامية الأخرى، إذ يجد الضمائر في بعض تلك اللغات قد اتخذت شكلاً يشبه إلى -حد بعيد- هذا الشكل ( ntin<). ففي الحبشية (antén< ) وفي العبرية (attén< ) وفي الآرامية (antén< ) وفي السريانية (attén< ) .
نلاحظ مما سبق أن التطور في ضمائر المخاطب (أنتَ، أنتِ، أنتم، أنتنَّ)، قد جاء على صورتين رئيسيتين: الأولى تتمثل في كسر الهمزة في الضمائر كلها، والثانية تتمثل في كسرة التاء في ضميرَي الجمع، وهي صورة اتخذتها الضمائر في بعض الساميات الأخرى غير العربية.
ضمير المتكلم: أنا، نحن
أنا:
لم يتعرض هذا الضمير لتطوّر بارز، إذ نجده قد احتفظ بصيغته الفصحى في معظم اللهجات العربية الحديثة كم في مصر وبعض مناطق المغرب وبعض مناطق الخليج إلى جانب العديد من مناطق الشام، غير أنه أتخذ شكلاً مختلفاً في بعض اللهجات، حيث ينطق في مناطق شمال الأردن ومناطق حوران في سوريا (أني) ولعل هذا التطور يرجع إلى الإمالة في صوت الألف، وهذا النطق يشبه إلى حد بعيد نطق بعض أهل الإمارات حيث ينطقونه (ني) بدون همز، وهو أمر مرده إلى الإمالة من جهة وإلى حذف الهمزة من جهة أخرى. وبالإضافة إلى هذين الشكلين من التطور نجد أن بعض مناطق السودان يستخدمون ضمير الجميع (نِحْنَ) بدلاً من ضمير المفرد (أنا).
نحن:
لقد تطور هذا الضمير إلى أكثر من شكل، ففي سوريا ينطق (نِحنا)، وفي مناطق الأردن، وفلسطين، ومصر والسودان والعديد من مناطق الخليج يستخدمون (إِحنا) غير أن أهل اليمن يفتحون الهمزة (أحنا)، أما في مناطق البادية وبعض مناطق الخليج فيشيع استخدام (حِنَّا).
الشكل الأول: (نِحنا):
لعل هذا الشكل الجديد الذي آل إليه الضمير (نحن) يمكن تلخيصه في أن اللغة قد مالت إلى كسر صوت النون الأولى، ثم عمدت إلى التخلص من ضمة النون الثانية وإطلاق الألف بعدها، ويمكن حمل هذا الأمر على ميل اللغة إلى السهولة، ولما كانت الفتحة أيسر الحركات لجأت إليها اللغة بدلاً من الكسرة والضمة. وهذا الأمر يشبه ما هو مستخدم في الحبشية(nehna)

الشكل الثاني: (إحنا).
وهذه المرحلة تشبه المرحلة السابقة من حيث اللجوء إلى صوت الفتحة الخفيف في الحرف الأخير (na) ثم إن اللغة العربية قد مالت إلى التخلص من صوت النون الأولى (hna)، حيث يبدأ الضمير بصوت الحاء الساكن، ونحن لا نستغرب مثل هذا خاصة إذا علمنا أنه شكل موجود ومستخدم في اللغة السريانية (hnan) ، وهو مستخدم أيضاً عند بعض أهل الإمارات وعند الجزائريين حيث نراهم ينطقون (حْنا) بحاء ساكنة وهو أمر يشيع في لهجاتهم، ومعلوم أن هذه الحالة –البدء بالصوت الساكن- من الحالات التي يرفضها النظام اللغوي العربي؛ لهذا تلجأ اللغة إلى اجتلاب ألف الوصل (*hna)، التي أخذت شكل الهمزة مع النطق بها في بداية الكلام أو وسطه، ذلك أن اللغة تخلصت من العلامات الإعرابية إلى حد شبه كامل، فبات النطق بألف الوصل مماثلاً للنطق بالهمزة العادية.
ولعل هذه المرحلة (hna) كانت وراء الشكل الثالث من تطورات هذا الضمير (حِنّا)، وهو ما تستخدمه بعض مناطق الخليج، والبادية في الأردن وفلسطين. والواضح أن اللغة هنا قد لجأت إلى كسر الصامت الأول (h) للتخلص من السكون، لتصبح (hina)، وهنا نلاحظ ظهور فجوة صوتية بعد هذه الكسر ناتجة عن المقطع المفتوح (hi)، وهذا يستدعي أن تقوم اللغة بالتعويض عن الفجوة بإغلاق المقطع، وهذا يكون بإضافة صوت النون في نهايته، الأمر الذي يستدعي تشديد الصوتين معاً (hinna).
ضمائر الغائب: هو، هي، هما، هم، هنَّ
هو، هي:
تطور الضمير (هو) في العامية إلى (هُوْ ،hû) وهو أمر اشتركت فيه معظم اللهجات العربية كما في مصر والسودان والعديد من دول المغرب وكثير من بلاد الشام إلى جانب أغلب دول الخليج، ولعل الضمير بتطوّره هذا يقترب كثيراً مما هو موجود في اللغة العبرية والآرامية والسريانية، إذ تستخدم هذه اللغات الضمير (hû) ، ويمكننا القول بأن هذا التطور الذي آل إليه شكل الضمير كان بسبب وجود الحركة المزدوجة، تلك حركة التي يتخلص منها النظام اللغوي العربي عن طريق التخلص من شبه الحركة سعياً وراء التخفيف، حيث تلحظ هنا الحركة المزدوجة الصاعدة المتمثلة في آخر الضمير (wa)، فتتخلص اللغة من شبه الحركة (w) ليلتقي الصوتان (u وa) ثم يحدث التماثل الكلي المتصل بينهما، (u وu) وعندها تتشكل الحركة الطويلة (û) في نهاية الضمير (hû).
ويبدو أن هذا ما حدث أيضاً في ضمير المؤنث الغائب للمفرد (هي) الذي تطور هو الآخر إلى الشكل (هِيْ ،hï)، وهذا شكل مستخدم أيضاً في اللغات السامية الأخرى من مثل العبرية والآرامية والسريانية . وقد لحقه ما لحق الضمير (هو) إذ نجد اللغة قد مالت إلى التخلص من الحركة المزدوجة الصاعدة (ya) الموجودة في نهاية الضمير (hiya)، وعند ذلك ستلتقي الحركتان (i و a) الأمر الذي يفرض التماثل بينهما لأن نظام اللغة العربية يرفض مثل هذا الالتقاء بين الحركات، فتتحول إلى ( i و i) وهذا يولد الحركة الطويلة (ï) وهي الحركة التي نجدها في نهاية الضمير (hï).
هم:
تطور هذا الضمير إلى (هِمْ) أو (هُمّ) كما في لهجة فلسطين، وإلى (هِنِّ أو هِنِّنْ) كما في لهجة أهل سوريا، وإلى (هُمَّ) كما في كثير من اللهجات، كالمصرية والسودانية وفي بعض مناطق الخليج وغيرها، ولم تخالف هذا الشكل –فيما أعلم- سوى بعض مناطق المغرب العربي حيث نجد أهل الجزائر يستخدمون (هما) بلاً من (هم) وربما كان هذا مشابها للاستخدام الشائع (همّ) إذا اعتبرنا أن صوت الألف في (هما) ليس إلا امتداداً لصوت حركة الفتح الموجود في (همّ).
أما تلك الأشكال الجديدة التي اتخذتها الضمائر أو مالت إليه اللهجات فهي موجودة ومستخدمة في غير ما لغة من اللغات السامية ففي العبرية نجد (hémma و hém) وفي الآرامية نجد (himmô و himmôn) أما في السريانية فنجد (hennôn) .
يمكن القول بأن الشكلين (هِم وهِمّ) يرجعان إلى ميل النظام اللغوي في العربية إلى الحركة الأسهل (الكسرة) وجعلها في بداية الضمير (هِم)، وفي مرحلة أخرى تم التعويض بصوت الميم لإغلاق المقطع المفتوح (hi) الموجود في بداية الضمير ليصبح (him) وهنا سيظهر صوت الميم المشددة ( himma).
أما الشكل الثاني ( هِنِّ وهِنّن) فالذي يبدو لي أن هذين الصوتين هما الصوتان السابقان، غير أن هناك تغيراً وقع في صوت الميم الذي انقلب إلى صوت النون، ولعل ما سهل له ذلك اقتراب الصوتين في المخرج، فهما يشتركان في المخرج الأنفي.
هُنَّ: تطور إلى (هِنْ) و (هِنّ) في لهجة فلسطين، و(هِنْ وهِنّن) في لهجة أهل سوريا، و(همّ) في كثير من اللهجات العربية الأخرى كالمصرية والسودانية وأكثر مناطق الخليج وغيرها، وهنا أيضاً نجد أهل الجزائر يستخدمون (هما) بدلاً من (هُنّ) وهذا أمر سبقت الإشارة إليه.
والناظر في هذه الصيغ التي تحول إليها هذا الضمير يشعر بأن هذا التطور من أبسط ما تعرضت له الضمائر، حيث نرى أن الشكل (هِن) لم يحدث له سوى استبدال بين الضمة والكسرة، وهو أمر أشرنا إليه فيما سبق، ومثله كذلك (هِنِّ) الذي يزيد عن سابقه بصوت النون الثانية التي تأتي للتعويض من أجل إغلاق المقطع المفتوح. أما (هنِِّن) فلعل هذا الصوت الأخير –النون الثالثة- يرجع إلى تأثر اللغة العربية بالطريق التي سارت فيه غيرها من شقيقاتها الساميات، وخاصة إذا علمنا أن هذه الصور مستخدمة في اللغات السامية الأخرى كما في hénnà في العبرية، وhennén وhén في الآرامية، و hennén في السريانية . ولعل هذا يدل على التماثل في خط السير الذي تتجه في اللغات السامية؛ لتعكس في كثير من الأحيان نمطاً واحداً من الاستخدام المتماثل عند مستخدمي تلك اللغات، ولعل هذه الضمائر قد مثلت بشكل واضح هذه القضية، وبمعنى آخر يبدو أن هذه اللغات تشترك أو تتشابه إلى حد بعيد في نظامها الصوتي والصرفي والتركيبي وحتى الدلالي أحياناً، ولهذا لا نستبعد أن تسلك طريقاً واحداً أو أن تتخذ نمطاً حياتياً متماثلاً عند تطورها، وليس أدل على ذلك من تلك الأنماط اللغوية التي مرت بنا ووقفنا عندها من خلال هذا البحث.


الخاتمة
وبعد فقد مَنَّ الله عَليَّ بأن وصلت إلى نهاية هذا البحث المتواضع الذي حاولت أن أكشف من خلاله –ما استطعت- عن أهم وجوه التطوّر التي لحقت بالضمائر في اللغة العربية، تلك الضمائر التي أصبحت مستخدمة في لغاتنا المعاصرة أو لهجاتنا المحكية العامية.
ونقف عند أهم النتائج التي خلص إليه هذا البحث ونوجزها فيما يأتي:
1. اللغة العربية لغة حية متطوّرة تشبه في ذلك بقية اللغات العالمية.
2. حفظ القرآن الكريم معظم النظام اللغوي للغة العربية، ولولا ذلك لأصبحت اللهجات العربية هي الصورة الحقيقية المستخدمة والتي تطورت عن اللغة الفصحى.
3. اللغة العربية لها شكلان: الأول قياسي (لغة فصيحة)، والثاني محكي (لهجة عامية).
4. الضمائر في اللغة العربية تعكس أحد أشكال التطور في اللغة.
5. تطورت معظم الضمائر لأسباب صوتية، كالتخلص من الثقل، والميل نحو الأيسر، وغير ذلك. وهناك بعض النتائج الأخرى المنثورة بين ثنايا البحث، ويمكننا الوقوف عليها في مواطنها.
6. كثير من اللهجات العربية اشتركت طبيعة التطور اللاحق بالضمير، ومن ذلك أننا نجد عدداً كبيراً من هذه اللهجات استخدمت أشكالاً متشابهاً أو متقاربة من الضمائر على الرغم من التباعد الجغرافي بينها، ومثال ذلك (احنا) و(هُوْ) وغيرها من أشكال تكاد تكون مشتركة بين أغلب اللهجات العربية.
7. أخذت بعض اللهجات تميل إلى البدء بالساكن وهذا موجود عند أهل الجزائر وعند بعض البدو في الإمارات أيضاً.
ولعل تلك التطورات قد نتجت عن العمر الطويل للغة العربية، أو عما كانت تتعرض له من تغييرات في مجالات الحياة، من زمن إلى آخر، زيادة على سعة اللغة العربية.

المصادر والمراجع
1. أسس علم اللغة: ماريو باي، ترجمة أحمد مختار عمر، جامعة طرابلس، ط1، 1973.
2. الأصول في النحو: أبو بكر محمد بن سهل بن السراج، تحقيق عبد المحسن الفتلي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط3، 1996.
3. تاريخ اللغات السامية: إسرائيل ولفنسون، بيروت، دار العلم، ط1، 1980.
4. التطور اللغوي، مظاهره وعلله وقوانينه: رمضان عبد التواب، مكتبة الخانجي، القاهرة، ودار الرفاعي بالرياض، ط1، 1983.
5. فقه اللغات السامية: كارل بروكلمان، ترجمة رمضان عبد التواب، الرياض، جامعة الرياض، ط1، 1977.
6. الكتاب: أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر (سيبويه)، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1988
7. اللغة السريانية-الأدب والنحو: فولوس غبريال وكميل افرام البستاني، بيروت، الجامعة اللبنانية، ط2، 1979.
8. اللغة السريانية-الأصول والقراءة: فولوس غبريال وكميل افرام البستاني، بيروت، الجامعة اللبنانية، 1966 .
9. اللغة العبرية: ربحي كمال، دمشق، جامعة دمشق، ط4، 1989.
10. اللغة والمجتمع: علي عبد الواحد وافي، القاهرة، در النهضة، ط1، 1971.
11. النظام اللغوي للهجة الصفاوية: يحيى عبابنة، الأردن، جامعة مؤتة، ط1، 1997.
------------
علاء الدين مصطفى البحلوز - جامعة الإمارات العربية المتحدة 2003

 
Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
Joomla Templates by Joomlashack