الرئيسية | النادي اللغوي | بحوث لغوية | جهود ابن فارس في خدمة القرآن الكريم في كتابه "الصاحبي" : قراءة في الكتاب
 

صفحة شبكة صوت العربية في فيسبوكtwitterقناة شبكة صوت العربية في يوتيوبشبكة صوت العربية في موقع فليكر

جهود ابن فارس في خدمة القرآن الكريم في كتابه "الصاحبي" : قراءة في الكتاب طباعة إرسال إلى صديق
تصنيفات: بحوث لغوية
تقييم المستخدمين: / 6
سيئجيد 
الكاتب سليمان إبراهيم العايد   
الاثنين, 08 أكتوبر 2012 21:34

         ملخّص :

القرآن كتاب خوطبت به الأمة كلها خاصتها وعامّتها، علماؤها ومتعلِّموها ، مفسِّروها وغيرهم، وخوطبت الأمّة كلّها بتدبُّره والنظر فيه ، فكان لفئات كثيرة من العلماء مختلفي الاختصاص ومتنوِّعي الاتجاهات إسهام ما في خدمة هذا القرآن وتدبّره، ومن هؤلاء علماء العربية، ومن علمائها الذين عنوا بالقرآن وعلومه أحمد بن فارس (ت 395هـ) مؤلِّف كتاب "الصاحبي" في فقه اللغة العربية وسنن العرب في كلامها .

وهذه الورقة عرض لجهده في علوم القرآن والتفسير خصوصًا من خلال كتابه "الصاحبي"تناولت فيها : تعريفًا بجهده على العموم، فالمصطلحات والمفاهيم لديه ، وربطه شرف علوم العربية بمدى ارتباطها بالقرآن والسنة ، واللغة التي نزل بها القرآن ، وشيء من رسم القرآن ، وتعويله على التمثيل بآي القرآن في الأمثلة والأبنية الصرفية ومعاني الكلام ، وتوجيه ما جاء من الآي مخالفًا للشائع ، ونماذج للأدوات ، ونماذج من تفسير المفردات ، والحروف المقطّعة في أوائل السور، واستشهاده بآي القرآن والتفسير من خلال الأدوات، وتتبُّعاته لما في القرآن.

 وجوانب استعمالية للكلم في القرآن وتفسيره وتحليله الكلمة القرآنية إلى أجزائها الأولية ، والأساليب والمغاني الطارئة ، وما يحتمله الأمر من المعاني خلاف الظاهر ، والمجاز وربطه بكتاب الله وهو ممأ أجاده وأبدع فيه ، وتأثره بالقيم الشرعية في تفسير بعض الألفاظ وبيان معناها اللغوي والفرق بينها ، وكذا حديثه عن نظوم القرآن ، وحديثه عمّا يقع في لغة العرب ولا يقع في القرآن ، وفي كتابه مباحث لغوية تنطبق على نص الوحي وغيره . وعلى كلٍّ فابن فارس لم يخلِ أبوابه وأفكاره من آي القرآن والتعويل عليها استشهادًا وتمثيلا وتفسيرًا ودرسًا .

وقد انتهى العمل إلى مجموعة من النتائج والتوصيات دوّنتها في آخر العمل .

*****

كلُّ يعرف جهود ابن فارس في خدمة اللغة العربية ، ويخفى على بعض جهوده في خدمة القرآن الكريم ، وقد ترجمه الحافظ شمس الدين محمد بن علي الداوودي (ت945هـ) في كتابه "طبقات المفسِّرين" ، وعزا له من مصنفاته التي تخدم القرآن "جامع التأويل في تفسير القرآن" في أربع مجلَّدات ، وكتاب "غريب إعراب القرآن" (الداوودي / طبقات المفسِّرين (تحقيق علي محمد عمر/ مكتبة وهبة /القاهرة/ ط الأولى 1392هـ 1972م : 1/6 ) وهما كتابان لم يصلا إلينا ، والحديث عنهما عسير ، والظفر بمعلومات وافية عنهما صعب المنال.

وقد خص ابن فارس "كلا وما جاء منها في القرآن" بكتاب صغير ، ومما قاله عنها في الصاحبي اختصارًا من تلك الرسالة : ((كلاَّ : تكون ردّاً ورَدْعاً ونفياً لدعوى مُدَّعٍ إذ قال: لقيتُ زيداً قلتَ: كلاَّ. وربما كان صِلةً ليمين، كقوله جلّ ثناؤه "كَلاَّ والقمر". وهي - وإن كانت صِلةً ليمين - راجعةٌ إلى ما ذكرناهُ. قال الله جلّ ثناؤه: "كَلاَّ لا تُطعِهُ" فهي رَدْعٌ عن طاعةِ من نَهاهُ عن عبادة الله جلّ ثناؤه. ونكتة بابها النفي والنهي. ....)) ص250-251

وما نستطيع الحديث عنه في خدمته للقرآن هو ما كتبه في تصانيفه في اللغة وفقهها ؛ فابن فارسٍ في عمله المعجميِّ لا يرى ضرورةً للإحاطةِ بغرائب الألفاظ ، وشواذّ الأبنية ، ويرى أنْ تتّجه العناية لما هو أكثر دورانًا واستعمالًا في لسان العرب ولغتهم ، خاصَّةً لغة القرآن والسُّنَّة والكلام العالي من شعرٍ ونثر ، ممّا له صلةٌ بلغة القرآن والسنّة ، ويعينُ على تفسيرهما وفهمهما ، وهذا هو منطلق ابن فارس وهمّه وسدمه .

ولم يكن ابن فارس متفرِّدًا بذلك ؛ فله سلف وله خلف من علماء العربية ؛ فقد تقدّمه الفراء ، وأبو عبيدة ، وابن قتيبة ، وان كانت إفادته من ابن قتيبة أظهر وأمكن ؛ لأنه قبس كثيرًا من كلامه وآرائه وعنواناته في كتابه "تأويل مشكل القرآن" وغيره من كتبه . وقد لحقه بهذا النهج علماء آخرون من أمثال الثعالبي في فقه اللغة وسر العربية ، والمرادي في حروف المعاني ، والمالقي في رصف المباني ، وابن هشام في مغني اللبيب . فكان هؤلاء مفسَّرين وإن لم يقصدوا بظاهر فعلهم إلى التفسير .

وقد قرأت الصفحات المائة الأولى من "طبقات المفسِّرين" للداوودي من اسمه "إبراهيم " أو "أحمد" فألفيت فيها نحوًا من سبعة وعشرين علمًا من العلماء المعدودين من علماء العربية ، ولهم مشاركات في التصنيف في علوم القرآن من : قراءات ، ومعنٍ ، وتفسير، وغريب، وإعراب، وأمثال، وترتيب سور، ووقوف وائتناف، ونقط ، وشكل، ومصادر، وموضوعات في القرآن خاصة ، مثل : الاستثناء، وشروط القراءات . وهؤلاء هم : إبراهيم بن يحيى اليزيدي (ت225هـ) ، وإبراهيم بن إسحاق الحربي(ت285هـ) وأبو إسحاق إبراهيم بن السري"الزجاج" (ت321هـ) ، وإبراهيم بن محمد بن عرفة "نفطويه" (ت323هـ) وإبراهيم بن عبد الله بن خلف المقرئ (ت749هـ) وإبراهيم بن موسى بن بلال (ت853هـ) ، وإبراهيم بن قائد (857هـ) . وأحمد بن يحيى "ثعلب" (291هـ) وأحمد بن داود "أبو حنيفة الدينوري" (ت291هـ) ، والقاضي وكيع (ت305هـ) ، والنحّاس (ت337هـ) ، وأبو عبيد أحمد محمد الهروي (ت401هـ) ، وأحمد بن عمّار المهدوي (ت430هـ) وأحمد بن محمد بن رستم الطبري من طبقة (أبي يعلى بن أبي زرعة) ، وأحمد بن الزبير الغرناطي (ت627هـ) ، وابن المنيِّر الإسكندري (683هـ) ،وأحمد بن صدقة الصيرفي (705هـ) ، وأحمد بن محمد القمولي (727هـ) ، وأحمد بن محمد المقدسي (ت728هـ) ، وأحمد بن الفرج النجيبي (ت749هـ) ، وأحمد بن سعد الأندرشي (ت750هـ) ، والسمين الحلبي (ت756هـ) ، وأحمد بن عمر الربيعي (795هـ) ، وأحمد بن محمد القرافي المعروف بابن الهائم (ت815هـ) ، وأحمد بن رسلان (ت844هـ). وهذا غير من يذكر في ترجمته عنايته أو تقدّمه في علم أو علوم من علوم العربية ؛ إذ لا تكاد تخلو ترجمة مفسِّر أو علم في طبقات المفسِّرين للداوودي من مثل هذه العبارة ، وأكثر المفسِّرين يذكر في تراجمهم أنّهم علماء باللغة أو لهم مشاركة في فروع منها. 

وكان علماءُ العربيّة الأوائل يجمعون إلى علم العربيّة علماً أو أكثر من علوم القرآن ، من قراءة ، أو تفسير ، أو غير ذلك ، فقد جاء في ((مراتب النحويين لأبي الطيب اللغوي)) (( أخذ عبد الله ابن أبي إسحاق عن يحيى بن يعمر القراءة ، وأخذها عن نصر بن عاصم )) ص32 . وكان أبو عمرو بن العلاء إماماً في العربيّة والقراءة ، حتّى (( قال شعبة لعليّ بن نصر الجهضمي : خُذِ قراءة أبي عمروٍ ، فيوشِكُ أن تكون إسناداً . قال أبو حاتمٍ : وكان أبو عمروٍ يكتب إلى عكرمة بن خالدٍ في مكّة ، فيسأله عن الحروف )) ص35 .

وممّن فاق في الإقراء والقراءة عاصم بن أبي النّجود وابن محيصن ، وكانا يلمّان بشيءٍ من النحو ص49.

وممّن أجاد النحو من القُرّاء يحيى بن يعمر ، كان أعلم النّاس وأفصحهم ، ومع ذلك لا يذكرونه ؛ لأنَّه استبدَّ بالنّحو غيرُه ص50 .

وكان الأوائل من أهل العلم يَعُدُّون العلم بالعربيّة منقبةً للقارئ ، ومدعاةً لتفضيله على غيره ، حتّى (( قال أبو حاتم ( عن حمزة الزّيّات ) : وإنّما أهل الكوفة يكابرون فيه ، ويباهتون ، فقد صَيَّره الجُهَّال من النّاس شيئاً عظيماً بالمكابرة والبَهْتِ ، وقولُ ذوي اللِّحى العظام منهم : (( كانتِ الجِنُّ تقرأُ على حمزةَ)) . قال : الجنُّ لم تقرأْ على ابن مسعودٍ ، والذين من بعده ، فكيف خصّت حمزة بالقراءة عليه ؟ وكيف يكون رئيساً وهو لا يعرفُ الساكن من المتحرّك ، ولا مواضع الوقف والاستئناف ، ولا مواضِعَ القطع والوصل والهمز ! وإنما يحسن مثل هذا أهل البصرة ، لأنهم علماء بالعربية ، قرّاء رؤساء )) ص52-53. وكان الأصمعيُّ : (( لا يفسِّر شيئاً من القرآن ، ولا شيئاً من اللُّغة له نظير ، أو اشتقاق في القرآنِ ، وكذلك الحديث تحرُّجاً )) ص83. و(( قال أبو حاتمٍ : الكسائيُّ أعلم الكوفيّين بالعربية والقرآن ، وهو قدوتهم )) ص121. و(( قال المازني : قرأت على يعقوب الحضرميِّ القرآن ، فلمّا ختمْتُ رمى إليَّ بخاتمه ، وقال : خُذْ ، ليس لك مثل . وختم أبو حاتم على يعقوب سبع خَتَماتٍ ، ويُقالُ : خمساً وعشرين ختمةً ، فأعطاه خاتمه ، وقال : أقْرئ النّاسَ ص126. (( كان أبو حاتم في نهاية الثقة والإتقان ، والنهوض باللُّغة والقرآن مع علمٍ واسعٍ بالإعراب أيضاً )) ص130 وانظر ص131-132.

هذه شذراتٌ من كتاب ترجم اللغويين ، ولو نقلنا نظرنا إلى كتابٍ في تراجم القُرَّاء نموذجاً لعلوم القرآن ، وقرأنا في كتاب (( معرفة القُرّاء الكبار للذّهبيّ ( ت 748 هـ ) لوجدنا فيه كثيراً من مثل : (( قال اليزيديُّ : كان أبو عمروٍ قد عرف القراءات ، فقرأ من كل قراءة بأحسنها ، وبما يختار العرب ، وممّا بلغه عن لغة النّبيّ ش وجاء تصديقه في كتاب الله ( عزّوجلّ ) )) ص4. ونجد مثل (( أحكم العربية )) ص54، ومثل (( النحويّ )) ص109،55، و(( قرأ العربيّة )) . ومثل (( كان عاصم نحويّاً فصيحاً )) ص75 و(( كان حمزة الزَّيَّاتُ بصيراً بالعربيّة )) ص93 و(( إليه ( الكسائي ) انتهت الإمامةُ في القراءة والعربيّة )) ،101 ومثل (( كان أبو المنذر المُزنيّ فصيحاً نحويّاً )) ص116. ومثل (( كان يحيى بن المبارك اليزيديُّ فصيحاً مُفوَّهاً ، بارعاً في اللُّغاتِ والآداب )) ص125 ومثل (( ثمّ اشتغل ورشٌ بالقرآن والعربيّة فمهر فيهما )) ص126. ((وتبتَّلَ قالونُ لإقراء القرآن والعربيّة )) 129. وقول أبي حاتم السجستاني في يعقوب بن إسحاق الحضرميّ : (( هو أعلم من رأيت بالحروف والاختلافِ في القرآنِ وعلله ومذاهبه ، ومذاهب النحويّين ))ص131،130. (( وكان لا يلحن في كلامه )) ص131و(( برع العبّاس بن الفضل في معرفة الإدغام الكبير ، وورد أنّه ناظر الكِسائيّ في الإمالة )) ص133. (( وكان القاسم بن سلاّم من أعلم أهل زمانه بلغات العرب )) ص141وقالوا في أحمد بن صالح (( كان رجلاً جامعاً يعرفُ الفقه والحديثَ والنحو )) ص153. و(( صنّف محمد ابن سعدان في العربيّة والقرآن )) ص178ومثله ص199. وقالوا عن أبي حاتم السجستانيّ : (( له اليدُ الطُّولى في اللُّغاتِ ، والشّعر ، والأخبار ، والعروض ، واستخراج المعمّى ، ولم يكُ في النّحو بذاك الماهر ، وقد قرأ كتاب سيبويه مرّتين على الأخفش )) ص179. ونجد مثل (( المقرئ الأديب )) ص197، و(( المقرئ المؤدِّب )) 196، وقال أبو عليّ القاليّ عن محمّد بن القاسم الأنباريِّ : (( كان يحفظ ثلثمائة ألف بيتٍ شاهداً في القرآن )) ص225، وفي ترجمة أحمد بن يعقوب التائب : (( له كتابٌ حَسَنٌ في القراءاتِ ، وهو إمام في هذه الصنعةِ ، ضابطٌ ، بصيرٌ بالعربيّة )) ص227. ومثل (( كان محمد بن النّضْرِ عارفاً بعلل القراءاتِ بصيراً بالتفسير والعربيّة )) ص235، وفي ترجمة أبي بكر محمد بن مقسم : (( كان من أحفظ أهل زمانه لنحو الكوفيّين ، وأعرفهم بالقراءات مشهورها وغريبها وشاذّها . قال أبو عمروٍ الدانيُّ : ((هو مشهور بالضبط والإتقانِ، عالمٌ بالعربيّة، حافظ للغة، حَسَنُ التصنيف في علوم القرآن)). وفي ترجمة أحمد بن نصر (( عالم بالقراءة ، بصير بالعربيّة )) ص34ص258ومثله ص275، وفي ترجمة محمد بن عبد الله بن أبي بكر الأصبهاني (( ثقةٌ عالم بالعربيّة )) ص259. وفي ترجمة عبد الله بن عطيّة (( كان يحفظ فيما يقالُ خمسين أَلْفَ بيتٍ للاستشهاد على معاني القرآن )) ص281. وفي ترجمة عبد الباقي بن الحُسَيْنِ: (( كان عالماً بالعربية بصيراً بالمعاني )) ص287. وفي ترجمة أبي عمر الطَّلَمَنْكي : (( كان رأساً في علم القرآن : قراءاته وإعرابه )) ص309. وفي ترجمة مكي (( كان من أهل التبحُّر في علوم القراءات والعربية ... عالماً بمعاني القراءات )) ص217وكان أحمد بن عمّارٍ ( ت 430 هـ ) (( رأساً في القراءات والعربيّة )) ص320. وتصدر إسماعيل بن خلفٍ ( ت 455 هـ ) (( للإقراء زماناً ولتعليم العربية )) ص341 . وكان عبد الرحمن بن أحمد الرّازي العجليّ ( ت 504 هـ ) (( عالماً بالأدب والنحو )) ص337ومثله ص275. (( وكان الهذليُّ يدرس علم النحو ويفهم الكلام منه وكان مقدّماً في النحو والصرف ، عارفاً بالعلل ، وكان القشيريُّ يراجعه في مسائل النحو )) ص349. وكان أبو محمّد التميميّ ( ت 488 هـ ) (( مفسِّراً لُغويّاً )) ص356، و(( تصدّر ابن شعيب لإقراء القرآن والعربية والآداب )) ص359. وفي ترجمة صاحب التجريد (( قرأ العربيّة على ابن بابشاذ )) ص383. وكان عبد الله ابن سعدون ( ت قبل 540 هـ ) (( محققاً للعربيَّة )) ص398. و(( برع عبد الله بن عمرو بن هشام في العربية )) ص419. و(( أخذ عنه أبو عمر بن عيّادٍ القراءات والتجويد )) ص419. (( وكان أبو بكرٍ اللّخميُّ إماماً في صناعةِ الإقراء ، مشاركاً في العربيّة )) ص425. وفي ترجمة يحيى بن سعدون ( ت 567 ) (( المقرئ النحويّ ... برع على الزمخشريِّ وغيره في العربيَّة )) ص429ومثله ص442. وكان الحسن بن أحمد الهمذانيّ ( ت 569 هـ ) إماماً في النحو واللغة )) ص435. وكان لعبد المنعم ابن أبي بكر ( ت 586 هـ ) (( حظٌّ من العربيّة )) ص444. (( وكان زيد بن الحسن ، أبو اليمن الكنديّ شيخَ القُرَّاء والنحاة بدمشق )) ص467. (( وكان شعلةُ ( ت 656 هـ ) ذا معرفةٍ تامّةٍ بالعربية واللُّغة )) ص536. (( وانتهت إلى محمد بن عليّ الشاطبيِّ معرفة اللغة وغريبها )) ص542. و (( كان العماد الأصفهاني ( ت 682 هـ ) فصيحاً مُفَوَّهاً ، جيِّد العربيّة )) ص550. وكان محمد بن أبي العلاء ( ت 569 هـ ) (( جيِّد المعرفة بالأدب )) ص568. وفي ترجمة أبي حيَّانَ (( له مصنّفات في القراءاتِ والنحو )) ص578. وفي ترجمة أبي بكر بن يوسف (( ولي مشيخة القراءة والعربيّة )) ص596. وطلحة بن عبد الله مهر في القراءات والعربية ص597. ووصف إسماعيل بن محمد ( ت715هـ ) بمعرفة القراءة ، والبصر بالعربيّة ص599. و(( محمد بن خالدِ بن بختيار النحويّ .. تخرج به جماعة في العربيّة )). والحسن بن عليّ بن عُبيدة النحويّ أخذ العربيّة عن أبي السعاداتِ بن الشجريّ ص55. وفي ترجمة عبد الرحمن بن هرمز (( أوّل من وضع العربيّة بالمدينة )) ص63.

وقد قيل نحو من هذه العباراتِ في أمثال ابن مالك وغيره من الأئمّة، وفيما أوردناه كفاية ، وهو يُصوِّر مدى الترابط والتلازم بين العربية وعلومها والقرآن وعلومه من قراءاتٍ ، وتفسير ، ورسم ، وغير ذلك .

وأنت لو نظرت تراجم القرّاء ، وتأمَّلْتَ أحوالهم لوجدت أنّ المقدَّم منهم في القراءة متقدّم في علم العربيّة ، والمتوسّط متوسّط ، والضعيف ضعيف ، فلا تكادُ تجدُ متقدِّماً في القراءة، وترى في ترجمته مثلاً ((ونظر في العربيّة)) ص581، أو نحوها من العبارات التي توحي بضعف علمه في العربيّة. ولو نظرت في ترجمة أبي بكر بن محمّد المرسيّ لوجدت فيها (( تصدَّر لتعليم النحو )) ص590، (( ولم يكن من ذلك الوقت يجاريه أحدٌ لا في القراءاتِ ولا في النحو )). و(( تخرّج به جماعة في القراءات والعربية والأصول )). (( ولم أشاهد أحداً في القراءات مثله )) ص590، ومثل هذا في ترجمة محمد بن أحمد بن بضحان ص592، وكان إحكام العربيّة مدعاةً لحذقِ الفَنّ وعلم القراءة، كما جاء في ترجمة محمد بن أيُّوبَ ( ت 705 هـ ) الذي قيل عنه (( أقرأ الناس دهراً ، وأحكم العربية ، وشارك في اللُّغة ... وكان حاذقاً بالفنّ عليماً بالحلّ لحرزالأمانيّ ... )) ص575. وقد وصف يوسفَ بن إبراهيم بإحكام العربيّة ص540.

وكان القرّاء سابقاً يبذلون ما يملكونه في سبيل إتقان العربيّة ، قال خلف بن هشام ( 150 - 229 هـ ): (( أشكل عليّ بابٌ من النحو ، فأنفقت ثمانيةَ آلاف درهمٍ ، حتّى حذفته )) ص172. وكانوا يعنون بمعرفة من أخذ عنهم القارئ علم العربية، النحو ، واللغة ، والأدب ، والمعاني ، وقد مَرَّ ما يشهد لهذا في النصوص المنقولة آنفاً .

والتميُّز في علوم العربية مدعاة الاستقلال والانفراد بقراءة ، ومدعاة للاجتهاد في الاختيار (( قيل : إنّ ورشاً لمّا تعمَّق في النحو اتّخذ لنفسِه مقرأَ ورشٍ ، فلمّا جئت [ القائل أبو يعقوب الأزرق ] لأقرأ عليه قلت له يا أبا سعيد : إنِّي أُحِبُّ أن تقرئني مقرأ نافع خالصاً ، وتدعني ممّا استحسنْتَ لنفسك ،فقلَّدته مقرأ نافع )) ص150. ويظهر ممّا أوردناه من نصوصٍ أنهم ما كانوا يقنعون بإتقان علوم العربيّة صناعةً ، بل كانوا يطلبون الفصاحة،وكانت الفصاحة قبل أن تُدَوَّنَ علوم العربية ص74، وقالوا في عاصم : (( كان نحويّاً فصيحاً )) ص75و(( كان ذا نُسُكٍ وأدبٍ، وفصاحة، وصوت حَسَن )) ص76. (( وكان أحمد بن عبد العزيز من أطيب النّاسِ صوتاً ، وأفصحهم أداءً )) ص254. وقد وصف عبد الوارث التنوُّري بالفصاحة والبلاغة ، قال أبو عمر الجرميُّ : (( ما رأيْتُ فقيهاً أفصح منه )) ص135. وفي ترجمة أحمد بن إبراهيم بن سباع الفزاري ( ت 705 هـ ) (( كان أحسن أهل زمانه قراءةً للحديث ؛ لأنَّه كان فصيحاً مفوَّهاً، عديم اللّحن،عذب العبارة ، طيِّب الصّوت ، خبيراً باللُّغة ، رأساً في العربيّة وعللها )) ص135 .

وكان ممّا ينتقص به المقرئ أو القارئ قصوره في العربية ، كما قال أبو حيّان في حسن بن عبد الله التلمساني ( ت 685 هـ ) كان بربريّاً ، في لسانه شيءٌ من رطانتهم ، وكان مشهوراً بالقراءات ، عنده نزرٌ يسيرٌ جدّاً من العربيّة ، كألفيةِ ابن معط ، ومقدمة ابن بابشاذ ، يحلّ ذلك لمن يقرأ عليه )) ص561. وقد ردَّ الذّهبيّ على أبي حيَّان قوله فيه ، وقال : (( إنّه كان عارفاً بالعربيّة ، بل قويّ المعرفة ، ويكفيه أن يشرح ألفيّة ابن معطٍ للناس ... )) ص560-561. وكان القصور في علم العربيّة مدعاةً إلى القصور في علم القراءاتِ ، كما قيل في محمد بن منصور ( ت 700 هـ ) : إنّه لم يبرع في العربيّة ... وكان متوسِّط المعرفةِ في القراءات )) ص569. وقال عاصمٌ : (( من لم يحسِن من العربيَّةِ إلاّ وجْهاً لم يُحْسِنْ شيئاً )) ص75.

واتّفق القُرّاءُ مع أهل العربيّة على ممارسة صنعة التأديب ؛ إذ كثيراً ما نجد في تراجمهم (( المؤدّب )) ، (( وقام على التأديب )) . وهي أوصافٌ استأثر بها أهل العربية ، رواة الأدب أوّل الأمر .

وبعد ، فلعلّ هذه النظرة العجلى في كتابٍ ترجم للنحاة واللغويين ، وآخر ترجم القرّاء ما يقفنا على صلةٍ وثيقة بين علوم القرآن وعلوم العربية، وكأنّهما توْأمان ، لا ينفكُّ أحدهما عن الآخر . والنوعان من العلوم مختلفان . فأوّلهما غاية ، والعلوم الأخرى خدمٌ له ، والثاني آلةٌ يتوصَّل بها إلى فهم النوع الأوّل ، وخدمته وإتقانه . ولا نغالي إذا قلنا : إنّ علوم العربية على اختلاف أنواعها ، إنّما وُجِدَتْ لخدمة القرآن وعلومه، ولعلّ المسلمين لم يُعْنوا بالعربية وآدابها ، ولم يخدموها إلاّ لأنّها تمسُّ أو تخدم القرآنَ وعلومه ، من قراءةٍ ، ورسم ، وإعراب ، وبلاغة ، وإعجاز ، ومعنى وتفسير .

تلاقت جهود علماء العربيّة ، وجهود خدمة القرآن في ميادين ، يُهمّنا منها ما كان لعلماء اللغة العربية جهدٌ بارزٌ فيها ، وما كان فيه الدافع القرآني جليّاً واضحاً ، ويمكن لنا أن نحصر الموضوع في الأصناف التالية :

- علم الرسم ، ومدى إسهام علماء العربيّة في ذلك .

- ألفاظ القرآن ، ومدى مشاركة اللُّغويين في شرحها ، وتصنيفها ، ودرسها .

- معاني القرآن الكريم ، وتفسيره ، وإسهامهم في ذلك .

- الاحتجاج للقراءات وبها .

- جهود علماء العربية في بيان إعجاز القرآن، وأوجه بلاغة القرآن.

- دراسات عامة حول القرآن .

وقد فصّلنا القول فيها في بحثنا "عناية المسلمين باللغة العربية خدمة للقرآن الكريم"

***************

وقد تنوّع إسهام ابن فارس في علوم القرآن في كتابه "الصاحبي" ما بين حديث عن المصطلح والمفاهيم ، والمفردات وتفسيرها ، وحديث عن حروف المعاني (الأدوات) واستعمالاتها ، وفي التراكيب ومدلولاتها ، وفي آراء وتفرّدات حول لغة القرآن استأثر بها دون غيره .

*******

المصطلح والمفاهيم :

تفريقه بين المعنى والتفسير والتأويل ((باب معاني ألفاظ العبارات التي يعبّر بها عن الأشياء ، ومرجعها إلى ثلاثة وهي: المعنى، والتفسير، والتأويل. وهي وإن اختلفت فإن المقاصد بها متقاربة.

فأما المعنى - فهو القصد والمراد. يقال: عَنَيْتُ بالكلام كذا أي: قَصَدْتُ وعَمَدْت. أنشدني القطّان عن ثعلب عن ابن الأعرابي:

مثلُ البُرام غدا في أُصْدَةٍ خلَـقِ            لم يستَعِن وحوامي الموتِ تَغشاهُ

فَرَّجْتُ عنه بِصِرْعَيْنـا لأرمَـلـــة           وبائس جـــــــــاء معناه كمـعـنـاهُ

يقول في رجل قُدِّم لِيُقتل، وأنه فرج عنه بِصِرْعين، أي فِرْقين من غنم: قد كنتُ أعددتُها لأَرملة تأتيني تسألني أو لبائس مثل هذا المقدَّم ليقتل معنا، أي إن مقصدهما في السؤال والبؤس ومقصد واحد ويجوز أن يكون المعنى الحال أي حالهما واحدة.

وقال قوم اشتقاق المعنى من الإظهار يقال: عَنتِ القِرْبة إذا لم تحفظ الماء بل أظهرته، وعُنوان الكتاب من هذا. وقال آخرون: المعنى مشتق من قول العرب عَنتِ الأرض بنبات حسن إذا أنبتت نباتاً حسناً. قال الفراء: لم تَعْنُ بلادنا بشيء إذا لم تُنبت وحكى ابن السّكِّيت: لم تَعْنِ من عَنَتْ. تعني فإن كان هذا فإنَّ المراد بالمعنى الشيء الذي يفيده اللفظ كما يقال: لم تَعْنِ هذه الأرض أي لم تُفِدْ.

وأما التفسير - فإنه التفصيل كذا قال ابن عباس في قوله جلّ ثناؤه: "وأحْسَنَ تفسيراً" أي: تفصيلاً.

وأما اشتقاقه فمن الفَسر. أخبرني القطّان عن المَعْدَانّي عن أبيه عن معروف عن الليث عن الخليل قال: الفسر البيان، واشتقاقه من فَسرِ الطبيب للماء إذا نظر إليه، ويقال لذلك: التَّفْسِرَة أيضاً.

وأما التَّأْويل - فآخِرُ الأمر وعاقبته. يقال: إلى أي شيء مآل هذا الأمر? أي مَصيرُهُ وآخِره وعقباه. وكذا قالوا في قوله جلّ ثناؤه: "وما يَعلم تأويلَه إلاَّ الله" أي: لا يعلم الآجال والمُدَدَ إلاَّ الله جلّ ثناؤه، لأن القوم قالوا في مدّة هذه الملة ما قالوه، فأُعلموا أن مآل الأمر وعقباه لا يعمله إلا الله جل ثناؤه.

واشتقاق الكلمة من المآل وهو العاقبة والمصير، قال عَبْدَةُ بن الطبيب:

ولِلأَحِبَّة أيام تَـذَكَّـرُهـا         ولِلنّوى قبل يوم البين تأويلُ

وقال الأعشى:

على أنًّها كانَتْ تَأَوُّلُ حُبِّهـا           تَأّوُّلَ رِبِعِيِّ السِّقاب فأَصْحَبَا

يقول: إن حبّها كان صغيراً في قلبه فآلَ إلى العِظَم ولم يزل يَنْبُت حتى أصْحَبَ، فصار كالسَّقب الذي لم يزل يَشِبُّ حتى أصحب، يعني أنه إذا استصحبَتْه أمّه صَحِبَها)) ص312-315 وشرحه المصطلحات الثلاثة ، والتفريق بينها ، على غاية من الأهميّة ؛ نظرًا لقدمه، وصدوره عن عالم لغة ، وإمام فيها.

*****

المفردات وتفسيرها :

كان لأحمد بن فارس إسهام في المفردات وتفسيرها، وفي حروف المعاني (الأدوات) واستعمالاتها ، وفي التراكيب ومدلولاتها ، وفي آراء وتفرّدات حول لغة القرآن استأثر بها دون غيره .

ففي المفردات ألف معجميه "معجم مقاييس اللغة" و"المجمل" ينطلق ابن فارسٍ من منطلقاتٍ جعلها أساسًا وركائز لصنعته المعجميَّة ؛ إذْ يَجْعَلُ هذا العملَ قربةً، وأنّه إنّما يعنى بشيءٍ من علوم الشريعة التي ترفع صاحبَها ، وتكتب له الأجْرَ والمثوبة عند الله .

من مقدمة كتاب ” الجيم “من المجمل؛ إذ فيها:” هذا كتاب الجيم من مجمل اللّغةِ قد ذكرنا فيه الواضح من كلام العرب والصحيح منه دون الوحشيِّ المستنكر، ولم نألُ في اجتناءِ المشهورِ الدَّالِّ على غريب آيةٍ، أو تفسير حديثٍ ، أو شعرٍ، والمتوخَّى في كتابنا هذا من أوّله إلى آخره التقريب والإبانةُ عمّا ائتلف من حروف اللغة، فكان كلامًا، وذكر ما صحَّ من ذلك سماعًا، أو من كتابٍ لا يشكُّ في صحَّةِ نَسبه؛ لأنّ من علم أنّ الله ( جلّ ذكره ) عند مقال كُلِّ قائلٍ فهو حريٌّ بالتحرُّج من تطويل المؤلّفاتِ وتكثيرها بمستنكر الأقاويل، وشنيع الحكاياتِ، وبنيَّات الطريق، فقد كان يقالُ: من تتبَّع غرائب الأحاديث كُذِّبَ، ونحن نعوذ بالله من ذلك، وإيّاه نسأل التوفيق للصّدقِ، وإليه نرغب في الصلاة على محمد وآله (صلوات الله عليهم أجمعين) “([1]) .

وابن فارس يقصد إلى دراسة اللغة التي جاء القرآن عليها ، ولذلك قال : ((باب الخطاب الذي يقع به الإفهام من القائل والفَهم من السامع

يقع ذلك بين المتخاطبيْن من وجهين: أحدهما الإعراب، والآخر التصّريف. هذا فيمن يعرف الوجهين، فأمّا من لا يعرفهما فقد يمكن القائل إفهامُ السامع بوجوه يطول ذِكرها من إشارة وغير ذلك وإنّما المُعَوَّل على ما يقع في كتاب الله جلّ ثناؤه من الخطاب أو في سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أو غيرهما من الكلام المشترك في اللفظ)) ص309

وقد وجدنا ابن فارسٍ يروم من تأليف كتابه ” المجمل “ الآتي :

1 - الاقتصار على الواضح الصحيح من كلام العرب، دون الوحشيِّ المستنكر .

2 - اجتباء واختيار المشهور الدَّالِّ على غريبِ آيةٍ ، أو تفسير حديث أو شعر ، وهذان - باختصار - يعنيان عناية ابن فارسٍ بالدَّوّار كثير الاستعمالِ ، ممّا الحاجةُ إليه قوِيَّةٌ .

3 - اقتصاره على تفسير وشرح ما ائتلف من حروفه كلامٌ صحيحٌ ثابتٌ إمّا بسماعٍ صحيح ، أو قراءةٍ ( وِجادة ) من كتابٍ صحيح لا يشكّ في صحة نسبه ، والصِّحَّةُ عنده تتحقَّقُ بإمكان ائتلاف الحروفِ على مقتضى نظام اللُّغة ، وثبوت ذلك روايةً إمّا بالسّماعِ ، أو من خلالِ الكتب الصحيحة الثابتة ، ممّا رواها الثقات ، أو وجدت معزوَّةً ثابتةً إلى ثقةٍ معروفِ الخط متقنه .

4 - الجانب الدينيّ ، وخشية الله ، والخوف منه يدفعه إلى التحرِّي والاختصار، والكفِّ عمّا لا داعيَ له من التطويل ؛ لأنّه يؤدِّي إلى التكثّر من الرواياتِ والغرائب ، ولا يبعد أن يَكونَ في هذه الروايات والغرائب ما يستنكر من الأقاويل وشنيع الحكاياتِ، وبُنَيَّات الطريق ، وقد كان يقال : من تتبع غرائب الحديث كُذِّبَ ، وقد رُوِيَ ” كفى بالمرء إثمًا أن يُحدِّثَ بكلِّ ما سَمِعَ “ .

وهذا يعكس لنا حرص ابن فارسٍ على الانتقاءِ وغربلة المادّة اللُّغويَّةِ الغزيرة ، ليختار منها ما يراه صحيحًا ثابتًا ، مقبولًا ، تدعو الحاجة إلى تدوينهِ .

5 - تلافي طريقة ” العين “ التي تنصُّ في كُلِّ مادَّةٍ على تقاليبها الممكنة إن كانت ثلاثيَّةً المستعمل منها والمهمل ، والاكتفاء بالإشارة إلى ضوابط كليَّة ، أو الإشارة إلى ما تدعو الحاجةُ إلى بيان إهماله.

**********

وقد جعل ابن فارس الرتبة العليا لطالب علوم العربية أن يعلم بها "خطاب القرآن والسنة, وعليها يعوِّل أهل النظر والفتيا، وذلك أن طالب العلم العلويّ يكتفي من أسماء الطويل باسم الطويل ، ولا يضيره أن يعرف الأشقّ والأمقّ، وإن كان في علم ذلك زيادة فضل،

وإنما لم يضره خفاء ذلك عليه؛ لأنّه لا يكاد يجد منه في كتاب الله (جلّ ثناؤه) شيئًا فيُحْوَجَ إليه؛ ويقلّ مثله أيضًا في ألفاظ رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) ؛ إذْ كانت ألفاظه(صلّى الله عليه وسلّم) هي السهلة العذبة.

ولو أنّه لم يعلم توسُّع العرب في مخاطاباتها لعيَّ بكثير من علم محكم الكتاب والسنّة، ألا تسمع قول الله (جلّ ثناؤه) ﴿ولا تطردِ الذين يدعون ربَّهم بالغداة والعشيِّ يريدون وجهه﴾ إلى آخر الآية . فسرّ هذه الآية في نظمها لا يكون بمعرفة غريب اللغة والوحشيِّ من الكلام، وإنما معرفته بغير ذلك ممّا لعلّ كتابنا هذا يأتي على أكثره (بعون الله تعالى). ([2])

ولابن فارس إشارات إلى ما في كتاب الله "جلّ ثناؤه" من الخطاب العالي ، وما يفوق ما جاءت به الشعراء وأرباب البيان من أهل العربية ، ممّا عدّه اللاحقون أسرارًا بلاغية. قال: ((وَمَا فِي كتاب الله جلّ ثناؤه من الخطاب العالي أكثر وأكثر، قال الله جلّ وعزّ: "ولكم فِي القصاص حياة" و "يحسبون كلَّ صَيْحة عليهم"، و "وأُخرى لم تَقْدروا عَلَيْهَا قَدْ أحاط الله بِهَا" و "إِن يتّبعون إِلاَّ الظَّنَّ وإن الظن لا يُغني من الحقّ شيئاً" و "إنما بَغيكم عَلَى أنفسكم"، "ولا يَحيق المكر السّيّئ إِلاَّ بأهله" وهو أكثر من أن نأتي عَلَيْهِ))ص23-24

اللغة التي نزل بها القرآن :

ونقل ابن فارس ((إجماع العلماء بكلام العرب ، والرُّواةُ لأشعارهم، والعلماءُ بلُغاتهم وأيامهم ومَحالّهم أن قُرَيشاً أفصحُ العرب ألْسنةً وأصْفاهم لغةً. وذلك أن الله جل ثناؤه اختارهم من جميع العرب واصطفاهم واختار منهم نبيَّ الرحمة محمداً صلى الله تعالى عَلَيْهِ وسلم. فجعل قُريشاً قُطَّان حَرَمِه، وجيران بيته الحرام، ووُلاتَهُ. فكانت وُفود العرب من حُجاجها وغيرهم يَفِدون إِلَى مكة للحج، ويتحاكمون إِلَى قريش فِي أُمورهم. وَكَانَتْ قريش نعلّمهم مَناسكَهم وتحكُمُ بَيْنَهم. ولم تزل العرب تَعرِف لقريش فضلها عليهم وتسمّيها أهل الله لأنهم الصَّريح من ولد إسماعيل عَلَيْهِ السلام، لَمْ تَشُبْهم شائبة، وَلَمْ تنقُلْهم عن مناسبهم ناقِلَة، فضيلةً من الله - جلّ ثناؤه - لهم وتشريفاً. إذ جعلهم رَهط نبيّه الأدنَيْنَ، وعِتْرته الصالحين.

وَكَانَتْ قريش، مع فصاحتها وحُسن لغاتها ورِقَّة ألسنتها، إِذَا أتتهُم الوُفود من العرب تخيّروا من كلامهم وأشعارهم أحسنَ لغاتهم وأصفى كلامهم. فاجتمع مَا تخيّروا من تِلْكَ اللغات إِلَى نَحائزهم وسَلائقهم الَّتِي طُبعوا عَلَيْهَا. فصاروا بذلك أفصح العرب)). ص33

وقال ابن فارس: ((ونحن وإن كنا نعلم أن القرآن نزل بأفصح اللغات، فلسنا نُنكر أن يكون لكلّ قوم لغة. مع أن قحطان تذكر أنهم العرَب العارِبة، وأن مَن سواهم العرَب المَتَعَرِّبة، وأن إسماعيل عَلَيْهِ السلام بلسانهم نَطق، ومن لغتِهم أخَذَ، وإنَّما كَانَتْ لغةُ أبيه صلى الله عليه وسلم العِبرية وَلَيْسَ ذا موضوعَ مفاخَرة فنَستَقصي)).ص38-39

وقال ابن فارس في باب القول فِي اللغة الَّتِي بِهَا نزل القرآن وأنه لَيْسَ فِي كتاب الله جلّ ثناؤه شيء بغير لغة العرب :((عن ابن عباس قال: نزل القرآن عَلَى سبعة أحرُف أَوْ قال بسبعِ لغات، منها خمسٌ بلغة العَجْزِ من هَوازن وهم الذين يقال لهم علُيا هَوازن وهي خمس قبائل أَوْ أربع، منها سَعدُ بن بكر وجُشَمُ بن بكر ونَصْر بن مُعاوية و ثَقيف.

قال أبو عُبيد: وأحسب أفصَحَ هؤلاء بني سعد بن بكر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا أفصَح العَرَب مَيْد أني من قريش وأني نشأت فِي بني سعد بن بكر" وَكَانَ مُسْتَرْضَعاً فيهم، وهم الذين قال فيهم أبو عمرو بن العَلاء: أفصح العرب عُليا هَوازِن وسُفْلى تميم.

وعن عبد الله بن مسعود أنه كَانَ يَستَحبُّ أن يكون الذين يكتبون المَصاحف من مُضر.

وقال عمر: لا يُمْلِيَنَّ فِي مَصاحِفِنا إِلاَّ غلمان قريش وثَقيف.

وقال عثمان: اجعلوا المُمليَ من هُذَيل والكاتبَ من ثقيف.

قال أبو عبيد: فهذا مَا جاءَ فِي لغات مُضر وَقَدْ جاءت لغاتٌ لأهل اليَمن فِي القرآن معروفةٌ. منها قوله جلّ ثناؤه "مُتَّكِئين فِيهَا عَلَى الأرائك" فحدّثنا أبو الحسن علي عن علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد قال حدثنا هُشَيْم أخبرنا منصور عن الحسن قال: "كُنا" يقال إنها بالحبشية. وقوله "هَيْتَ لَكَ" يقال إنها بالحوْرانيَّة. قال: فهذا قول أهل العلم من الفُقهاء.

قال: وزعم أهل العَربية أن القرآن لَيْسَ فِيهِ من كلام العجَم شيء وأنه كلَّه بلسانٍ عربيّ، يتأوَّلون قوله جلّ ثناؤه "إنا جعلناه قرآناً عربياً" وقوله "بلسان عربيّ مبين".

قال أبو عبيد: والصواب من ذَلِكَ عندي - والله اعلم - مذهب فِيهِ تصديق القوْلين جميعاً. وذلك أنَّ هَذِهِ الحروف وأصولها عجمية -كما قال الفقهاء -إِلاَّ أنها سقَطَت إِلَى العرب فأعرَبَتها بألسنَتها، وحوَّلتها عن ألفاظ العجم إِلَى ألفاظها فصارت عربيَّة. ثُمَّ نزل القرآن وَقَدْ اختَلَطت هَذِهِ الحروف بكلام العَرَب. فمن قال إنها عَرَبية فهو صادق، ومن قال عجمية فهو صادق.

قال: وإنما فسَّرنا هَذَا لئلا يُقدِمَ أحد عَلَى الفقهاء فَيَنْسَبهم إِلَى الجهل، ويتوهَّم عليهم أنهم أقدموا عَلَى كتاب الله جَلَّ ثناؤه بغير مَا أرداهُ الله جلَّ وعزَّ، وهم كانوا أعلمَ بالتأويل وأشدَّ تعظيماً للقرآن)).ص41-47

قال أحمد بن فارس: لَيْسَ كل من خالف قائلاً فِي مقالته فقد نَسَبه إِلَى الجهل. وذلك أن الصدر الأول اختلفوا فِي تأويل آي من القرآن فخالف بعضهم بعضاً. ثُمَّ خَلَفَ من بعدهم خلف، فأخذ بعضهم بقولٍ وأخذ بعض بقول، حسب اجتهادهم وَمَا دلَّتهم الدَّلالة عَلَيْهِ. فالقول إذن مَا قاله أبو عبيد، وإن كَانَ قوم من الأوائل قَدْ ذهبوا إِلَى غيره ، واستكمل مناقشة : هل في القرآن ألفاظ من غير العربية؟وينظر بقيّة كلامه هناك))..ص41-47

خط القرآن ورسمه :

ومما يتعلّق بالخطِّ قوله: "تكون (النون) للتأكيد مُخَفَّفة ومُثقَّلَة. نحو "اضْرِبَنْ" و "اضْرِبَنَّ" إِلاَّ أنها تقلب عند التخفيف فِي الكتاب ألفاً. نحو "لَنَسْفعاً". ص154 وحديثه عن الخط العربي أهو توقيف أم تفيق؟ وأورد طرفًا من الأحكام ، من ذلك ((ومن الدليل عَلَى عرفان القدماء من الصحابة وغيرهم بالعربية كتابتهم المصحف عَلَى الَّذِي يعلله النحويُّون فِي ذوات الواو والياء والهمز والمدّ والقصر فكتبوا ذوات الياء بالياء وذوات الواو بالواو وَلَمْ يصوّروا الهمزة إذَا كَانَ مَا قبلها ساكناً فِي مثل "الخبء" و "الدفء" و "الملء" فصار ذَلِكَ كلّه حجة، وحتى كَرِهَ من العلماء تركَ اتباع المصحف من كَرِهَ.... قال الفرَّاء: "اتِّباعُ المصحف -إذَا وجدت لَهُ وجهاً من كلام العرب -وقراءةِ القراء أحبّ إليَّ من خلافه" قال وَقَدْ كَانَ أبو عمرو بن العلاء يقرأ "إن هذين لساحران" ولست أجترئ عَلَى ذَلِكَ. وقرأ "فأصَّدَّقَ وأكون" فزاد واواً فِي الكتاب وَلَمْ أستحبّ ذَلِكَ. والذي قاله الفرّاء حَسَن، وَمَا بحَسَنٍ قول ابن قتيبة فِي أحرُف ذكرها، وَقَدْ خالف الكُتَّابُ المصحفَ فِي هَذَا)) ص14-15

ربطه الأمثلة والأبنية الصرفية بما جاء في القرآن :

وهو حين تحدّث عن المعاني الصرفية لم يخل حديثه من سياق أمثلة قرآنية من مثل قوله : "وربّما كَانَتْ هَذِهِ الألف للشيء نفسه، ويكون الفاعل ذلك بلا ألف نحو "أَقْشَعَ الغيمُ" و "قَشَعْته الريحُ"، و "أًَتْرَفَتِ البئرُ" ذهب ماؤها و "تَرَفْناها نحنُ" و "أنْسَلَ رِيشُ الطائر" سقط و "نَسَلته أنا"، و "أكبَّ عَلَى وجهه" قال الله جل ثناؤه: "أفمنْ يمْشي مكِبَّاً عَلَى وجههِ" و "كَبَّهُ اللهُ" قال الله جل ثناؤه: "فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ". ص128

*******

ومما عمله التمثيل لمعاني الكلام من القرآن ، وكذا ما جاء على خلاف ظاهره ((والأمر نحو قوله جلّ ثناؤه: "والمطلَّقات يتربَّصْنَ". والنهي نحو قوله: لا يَمَسُّهُ إلاّ المطهَّرون. والتعظيم نحو سبحان اللهِ. والدُّعاء نحو عفا الله عنه. والوعد نحو قوله جلّ وعزّ: "سنريهم آياتنا في الآفاق". والوعيد نحو قوله: "وسيَعلم الذين ظلموا" والإنكار والتبكيت نحو قوله جلّ ثناؤه: "ذُقْ إنّك أنتَ العزيز الكريم".

وربّما كان اللفظُ خبراً والمعنى شرطٌ وجزاء، نحو قوله: "إنّا كاشفو العذاب قليلاً إنكم عائدون" فظاهره خبر، والمعنى: إنّا إن نكشف عنكم العذاب تعودوا. ومثله "الطلاق مرتان" المعنى: مَن طلّق امرأته مرتين فليُمْسِكها بعدهما بمعروف أو يسرّحها بإحسان.

والذي ذكرناه في قوله جلّ ثناؤه: "ذُقْ إنك أنت العزيز الكريم" فهو تبكيت وقد جاء في الشعر مثله. قال شاعر يهجو جريراً:

أبلغْ جريراً وأبلغ مَن يُبَلّغُـه           أني الأغرُّ وأني زهرةُ اليَمَنِ

فقال جريرٌ مبكّتاً له:

ألم تكن في وُسُوم قد وَسَمْتُ بها       من حَانَ موعظةٌ يا زهرةَ اليَمَنِ

ويكون اللفظ خَبَراً، والمعنى دعاء وطلب مَرّ في الجملة. ونحوه: "إيّاكَ نعبُد وإياكَ نستعين" معناه فأعِنّا على عبادتك. ويقول القائل: أستغفر الله والمعنى: اغْفِرْ. قال الله جلّ ثناؤه: "لا تثريبَ عليكم اليومَ يغفِرُ الله لكم" ويقول الشاعر:

أستغفرُ اللهَ ذنباً لستُ مُحْصِيَهُ     ربَّ العبادِ إليه الوَجهُ والعملُ)). ص290-291

نموذج جيّد : هو الاستثناء ، وقد بحث في قضايا منها تعريفه ومفهومه ، واستثناء القليل من الكثير ، ومجيء أداة الاستثناء بمعنى "الواو" و"بل" و و"لكن" ، واستثناء الشيء من غير جنسه. ص184-188 واستثناء ما زاد على النصف. ص189-191

توجيه ما جاء في الآيات مخالفًا للشائع :

وقد يوجّه الآية أو يخرجها مثل قوله :"فأما الكاف فِي قوله جل ثناؤه: "أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عليّ?" فقال البصريون: هَذِهِ الكاف زائدة، زيدت لمعنى المخاطَبة. قال محمد بن زبد: وكذلك رُوَيْدكَ زيداً. قال: والدليل عَلَى ذَلِكَ أنّك إذَا قلت أرأيتَكَ زيداً? فإنما هي أرأيت زيداً? لأن الكاف لَوْ كَانَتْ اسماً لاستحال أن تُعَدَّى "أرأيت" إِلَى مفعولين إِلاَّ والثاني هو الأول. يريد قولهم "أرأيتَ زيداً قائماً?" لا يتعدى "رأيتَ" إلى مفعولين إِلاَّ إِلَى مفعول هو "زيد" ومفعول آخر هو "قائم" فالأول هو الثاني. قال: و "أرأيتَك زيداً?" الثاني غير الكاف" 145-146

نماذج من كتاب الصاحبي : الأدوات نموذجًا :

وقد أكثر من إيراد الآيات في "باب اللام" ويحسن عرض كلامه عن آية الفتح ""إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبيناً لِيغْفَر لَكَ الله" فقال قائل: لِمَ جاز أن تكون المَغْفِرة جزاءً لِما امُتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ وهو قوله: "إنا فتحنا لَكَ فتحاً"? فالجواب من وجهين: أحدهما أن الفتح وإن كَانَ من الله جلَّ ثناؤه فكل فعل يفعله العبد من خير فالله الموفق لَهُ والمُيَسّر، ثُمَّ يجازي عَلَيْهِ، فتكون الحسنة من العبد مِنةً من الله جلّ وعزّ عَلَيْهِ. وكَذلك جزاؤه لَهُ عنها منّة منه. والوجه الآخر أن يكون قوله جلّ ثناؤه: "إِذَا جاء نَصرُ اللهِ والفتحُ ورأيتَ النَّاس يَدخُلون فِي دين الله أفْواجاً فَسَبّح بحمدِ ربّكَ واسْتَغْفِره" فأمَرَهُ بالاستغفار إِذَا جاء الفتح، فكأنه أعلمه أنه إِذَا جاء الفتح واستغفر غفر لَهُ مَا تقدم من ذنبه وَمَا تأخر، فكأن المعنى عَلَى هَذَا الوجه: إنا فتحنا لَكَ فتحاً مبيناً، فإذا جاء الفتح فاستغفر ربك ليغفر لَكَ الله مَا تقدم من ذنبك وَمَا تأخر. وقال قوم: فتحنا لَكَ فِي الدّين فتحاً مبيناً لتهتدي بِهِ أنت والمسلمون فيكون ذَلِكَ سبباً للغفران" ص251

نموذج جيد ، وهو نص جيِّد لمعاني الأدوات : ((ثُمَّ – يكون لِتَراخي الثاني عن الأول: "جاء زيد ثُمَّ عمرو".

وتكون "ثُمَّ" بمعنى "واو عطف" قال الله جلّ ذِكرهُ: "فإلينا مرْجِعُهم ثُمَّ الله شهيد عَلَى مَا يفعلون" أي وهو شهيد.

وتكون بمعنى التعجّب كقوله جلّ ثناؤه: "ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزيد" و "ثُمَّ الذين كفروا بربهم يعدلون" وأنشد قطرب أن "ثُمَّ" بمعنى "الواو":

سألت ربيعةَ مَن خَيرُها           أباً ثُمَّ أمّاً فقالت لِمَـهْ

ومنه قوله جلّ ثناؤه: "ثُمَّ إنّ علينا بَيانُهُ" فأمّا قوله جلّ وعزّ: "ولقد خلقناكم ثُمَّ صوَّرناكم"فقال قوم معناها: "وصوّرناكم"وقال آخرون: المعنى "ابتدأنا خلقكم" لأنه جلّ ثناؤه ابتدأ خلق آدم عَلَيْهِ السلام من تُراب، ثُمَّ صَوَّره. وابتدأ خلق الإنسان من نُطْفَة ثُمَّ صَوَّره. قالوا: فـ"ثُمَّ" علي بابها. قال الله جلّ ثناؤه: "يُوَلُّوكم الأدبار ثُمَّ لا يُنصَرون".

وزعم ناس أن "ثُمَّ" تكون زائدة. قال الله جلّ ثناؤه: "وَعَلَى الثلاثة الذين خُلِّفُوا، حَتَّى إِذَا ضاقت عليهم الأرضُ بما رَحُبتْ –" إِلَى قوله جلّ ثناؤه – "ثُمَّ تاب عليهم" معناه: "حَتَّى إذا ضاقت عليهم الأرض تاب عليهم" وقوله جل ثناؤه: "خلقكم من طين ثُمَّ قضى أجلاً" وَقَدْ كَانَ قضى الأجل، فمعناه: "أُخْبِرُكم أنّي خلقتُه من طين، ثُمَّ أخبركم أنّي قضَيتُ الأجَل" كما تقول: "كلمتك اليومَ ثُمَّ قَدْ كلمتُك أمسِ" أي إني أخبرك بذاك ثُمَّ أُخبركَ بهذا.

وهذا يكونُ فِي الجُملِ، فأما فِي عطف الاسم عَلَى الاسم، والفعل عَلَى الفعل فلا يكون إِلاَّ مرتّباً أحدُهما بعد الآخر)) ص215-216

ومن كلامه الجيّد عن الأدوات كلامه عن الواو وحديثه عن إضمارها ص156

وحديثه عن مجيئها بمعنى "مَعَ.ص156-157

وقوله :"ومجيئها صِلةً زائدةً وتكون بمعنى "إِذ"{وهي الحالية}.ص157 وينظر بقية كمه عن الواو ص157-158

وحديثه عن "أم". ص168-169و"إنما" ص182-183 و "إذا" ص193-195 و"إذ" ص196-197 وأحيانًا يمحض ابن فارس حديثه للنص القرآني ، ويديره عليه ، مثل : "باب أَنَّى" ص200 " و"أيّان". ص202 و "حَتَّى" ص222

و هذه أدوات جديرة بأن تجعل نماذج: (("في" ص239 و"كَيْفَ" ص241-242 و"كَانَ" ص246-247 و"لَوْ ولَوْلا" ص252-254 و"لا" ص257-263

نموذج من تفسير المفردات غير الأدوات :

تفسيره الحروف المقطّعة يدل على عنايته بالتفسير في كتابه "الصاحبي" وهو كتاب لغة ، ولا يترك المفسِّرون بسط الحديث عن الحروف المقطّعة في أوائل السور ، وابن فارس شاركهم في كتاب لغويٍّ ، قال ابن فارس : ((فأمّا الحروف الَّتِي هي فِي كتاب الله جلّ ثناؤه فواتحَ سور فقال قوم ، فذكر أقوال أهل العلم ، واختلافهم ، وحاورهم ، ورجّح ، واختار ، في كلام طويل يعزّ نظيره في الكتب الممحوضة للتفسير. انظره في .ص161-ص165وهذا العمل قد يستغرب من ابن فارس ؛ إذ كيف يورد مثل هذا في كتاب لغوي ، وحق هذا التفصيل والجمع لا يكون إلا في كتب التفسير .

الألفاظ الدوّارة التي ليست أدواتٍ وحروفَ معنى : وقد يخص ابن فارس بعض الألفاظ الدوّارة الواردة في القرآن بمزيد عناية وتفصيل قول ، مثل "الآن" يقول : ((و "الآن" فِي كتاب الله جلّ ثناؤه: "الآن وفد عَصَيْتَ قَبلُ"، "الآن وَقَدْ كنتم بِهِ تستعجلون" أي فِي هَذَا الوقت وهذا الأوان تتوب وَقَدْ عصيت قبل.

قال الزجاج: "الآن" عند الخليل وسيبويه مبنيٌّ عَلَى الفتح تقول: "نحن من الآنَ نَصِيرُ إِلَيْكَ" فتفتح. لأن الألف واللام إنما تدخل لعهد، و "الآن" تُعْهَد قبلَ هَذَا الوقت، فدخلت الألف واللام للإشارة إِلَى الوقت. المعنى: "نحن من هَذَا الوقت نفعل"فلما تَضَمَّنَتْ معنى هَذَا وجب أن تكون موقوفة ففتحت للالتقاء الساكنين)).ص204 ((و"ثمَّ" بمعنى "هُنالك" قال الله جلّ ثناؤه: "وإذا رأيتَ ثَمَّ رأيتَ نعيماً وملكاً كبيراً". وقرئتْ: "فإلينا مرجعهم ثَمَّ اللهُ شهِيدٌ" أي: هنالك الله شهيد)).217 و "لا جَرَمَ" ص220-221"رويد" ص229 ، و"سِوى" ص230 ومن تفسيره لألفاظ دوّارة وردت في القرآن الكريم "ذو وذات" ص226-227 ومن ألفاظ القرآن "لدْنْ"265

ومن تفسيره لألفاظ القرآن والتعرض لتصريفها "هَاتِ" بمعنى أعْطِ ص281

الاستشهاد بآي القرآن : وقد يستشهد لما يقرره من أحكام تركيبية بالقرآن مثل ((وَقَدْ تكون بمعنى الشرط، والأكثر فِي جوابها نون التوكيد. نحو: "إِمَّا تَرَيِنَّ مِن البَشَرَ أحَداً" و "قُل رَبِّ إِمّا تُرِيَنّي مَا يُوعَدُونَ" وَقَدْ يكون بلا "نون" نحو قوله:

إمّا تَرَى رأسي عَلانِي أغْثَمُهْ)) ص206

وفعل هذا في ""بَلَى"" . ص209 وفي غيرها كثير.

التفسير من خلال الأدوات : وبعض كلامه عن الأدوات يحمل تفسيرًا مثل ((ويقولون: إنها تكون بمعنى "مع" يقال: "هو كريم وهو بعد هَذَا فقيه" أي: "مَعَ هَذَا" ويتأولون قول الله جلّ ثناؤه: "والأرض بعد ذَلِكَ دحاها" عَلَى هذا، بمعنى "مع ذَلِكَ")) ص213

تتبُّعاته لما في القرآن ، مثل "كل ما في القرآن من"عسى" ...إلخ ، مثل : ((عَسَى : للقرب والدُّنوّ، قال الله جلّ ثناؤه: "قُلْ عَسى أن يكونَ رَدِفَ لكم". والأفصح أن يكون بعدها "أَنْ" ورُبّما لَمْ يكن. قال:

عسى فَرَجٌ يأْتي بِهِ الله إنَّهْ             لَـــــــــــهُ كلَّ يوم فِي خَلِقته أمرُ

قال "الكِسَائي": كل مَا فِي القرآن من "عسى" عَلَى وجه الخبر فهو مُوَحَّد: "عسى أنْ يكونوا خيراً منهم" و "عسى أن يكنّ خيراً منهنَّ" و "عسى أنْ تَكرهوا شيئاً" وَوُحِّدَ عَلَى "عسى الأمر أن يكون كذا".

وَمَا كَانَ عَلَى الاستفهام فإنه يُجْمَع كقوله جلّ وعزّ: "فهل عَسَيْتُم" قال أبو عُبَيْدة فِي قوله جلّ ثناؤه: "هَلْ عَسَيْتُم": هل عدوتم ذَاكَ، هل جُزتموه.))ص237

الجوانب الاستعمالية للكلمات : ((مَا: أصلُ مَا أنها تكون لغير الناس. تقول ما مرَّ بك من الإبل?.

فأمّا قوله جلّ ثناؤه: "وما خَلَق الذكر والأنثى" فقال أبو عبيدة: معناه ومَن خَلقَ الذكر والأنثى. وكذلك "والسماء وما بناها" أي من بناها وكذلك "ونفس وما سَوَّاها". قال: وأهل مكَّةَ يقولون إذا سمعوا صوتَ الرعد "سُبحانَ ما سبَحتَ له" وبعضهم يقرأ: "وما خلَقَ الذكرِ والأنثى" أي: وخلقِهِ الذكر والأنثى.

وما تكون صِلةً، كقوله جلّ ثناؤه: "قليلاً مّا تذَكَّرون" المعنى: قليلاً تذكّرون. ولو كانت اسماً لارتفع فقلت: قليلٌ ما تذكرون أي قليلٌ تذكركم.

وما تكون للتفخيم، كقوله جلّ ثناؤه: "الحاقّةُ ما الحاقّة" ومنه:

بَانَتْ لتَحزُننا عَفَـارَهْ             يا جـــــــارتا ما أنتِ جارَهْ

وذكر بعضهم أن ما هذه هي التي تذكر في التعجب إذا قلنا ما أحسنَ زيداً. وقد تكون ما مُضمَرةً، كقوله جلّ ثناؤه: "وإذا رأيتَ ثَمَّ" أراد: ما ثَمّ. وكما قال: "هذا فِراقُ بيني وبينك" أي: ما بيني. و"لقد تقطَّعَ بينَكم" أي ما بينَكم. فإذا قلت: بينُكم فمعناه: وصلُكم.

وتكون للنفي، نحو ما فعلتُ.

وتكون لاستفهام، نحو ما عندك?)) ص269-271

ويعنى ابن فارس باستعمال الكلم أو المفردات في القرآن ، نحو ((مَنْ : اسم لِمَن يعْقل. تقول: لَقِيتُ مَن لقيتَ ومَن مَرّ بِك? في الاستفهام. وهو يكون في الواحد والاثنين والجميع. ويخرج الفعل منه على لفظ الواحد والمعنى تثنيه أو جمع قال:

تعالَ فإن عاهدتَني لا تخوننـي             نكن مثلَ مَن يا ذِئبُ يَصطحبانِ

وكذلك يَكون في المؤنث. قال الله جلّ ثناؤه: "ومَن يقنُتْ مِنكنَّ". ومن تضمَر. قال الله جلّ ثناؤه: "وإن مِن أهل الكتاب إلا يؤمِنَنَّ به" المعنى: إلاَّ مَنْ. ومثله "وما مِنّا إلا له مقامٌ أي إلا مَنْ)) ص274

تفسيره وتحليله للكلمة إلى أجزائها الأولية :

ومن دراسته لتحليل الكلم وتركيبه ما كتبه في "ويكأنَّ" : ((وَيْكأَنَّ : اختلف أهل العلم فيها. قال أبو زَيْد: معنى ويكأنّه ألَمْ تَرَ. وأنشد:

ألا وَيْكَ المســــــــرّةُ لا تـدومُ                   ولا يبقى على الدّهــــــر النعيمُ

وأنشد أبو عبيدة:

سَأْلَتاني الطِّـــلاقَ أن رأتـانِـي          قَلَّ مالي قـد جئتماني بِـنـكـــــــــرِ

وَيْكَانْ مَن يكُنْ لــــه نَـشَـبٌ يُحْ             ببْ ومَنْ يفتِقر يَعِشْ عيشَ ضـــــــرِّ

وحدثني علي بن إبراهيم ، عن محمد بن فرج ، عن سلمة، عن الفراء قال: هو في كلام العرب تقرير كما يقول القائل: أما ترى إلى صنع الله.

وحكى الفراء عن شيخ من البصريين قال: سمعت أعرابية تقول لزوجها: أين ابنُك? فقال زوجها: ويكأَنَّه وراء الباب. معناه: أما تَرَيْنَه وراء البَاب?.

قال الفرّاء ويذهب بها بعض النحويين إلى أنهما كلمتان، يريد: وَيْكَ إنما أراد ويلَكَ فحذف اللام ويجعل أنّ مفتوحة بفعل مضمر كأنه قال: ويلك أعلم أن. وقال: إنما حذفوا اللام من وَيْلَكَ حتى صارت وَيْكَ، فقد تقول العرب ذلك لكثرتها في الكلام واستعمال العرب إياها. قال عنترة:

ولقدْ شفى نفسي وأبرأ سقُمَها          قِيلُ الفوارس وَيكَ عَنْتَرَ أَقْدِمٍ

وقال آخرون: ويكَ وَيْ منفصلة مِن كأنّ كقولك للرجل: أما ترى بين يديك. فقال وَيْ ثم استأنف كأنَّ الله وكأن في معنى الظن والعلم. وفيها معنى تعجب. قال: وهذا وجه مستقيم، ولم تكتبها العرب منفصلة. ويجوز أنّ يكون كثر بها الكلام فُوصلت بما ليس منه، كما اجتمعت العربُ على كتاب يا بْنَؤُمَّ فوصلوها لكثرتها))ص282-283

*******

الأساليب والمعاني الطارئة : خروج الاستفهام عن ظاهره ((باب الاستخبار

الاستخبارُ - طلب خُبْر ما ليس عن المستخبر، وهو الاستفهام.

وذكر ناس أن بين الاستخبار والاستفهام أدنى فرق. قالوا: وذلك أن أولى الحالين الاستخبار لأن تستخبر فتجابُ بشيء، فربّما فهمته وربّما لم تفهمه، فإذا سألت ثانيةً فأنت مستفهم تقول: أفهمْني ما قتله لي. قالوا: والدليل على ذلك أن الباري جل ثناؤه يوصَف بالخُبْر ولا يوصف بالفهم.

وجملة باب الاستخبار أن يكون ظاهره موافقاً لباطنه كسؤالك عنّا لا تعلمه، فتقول: ما عندك? ومَن رأيتَ?.

ويكون استخباراً، في اللفظ، والمعنى تعجب. نحو: "ما أصحاب المَيْمَنَة". وقد يسمى هذا تفخيماً. ومنه وقوله: "ماذا يَستعجِل منه المجرمون" تفخيم للعذاب الذي يستعجلونه.

ويكون استخباراً والمعنى توبيخ. نحو "أذْهبتم طيباتكم". ومنه قوله:

أغَرَرْتني وزَعمت أن         نك لاَبِنٌ بالصيف تَامرْ

ويكون اللفظ استخباراً، والمعنى تفجّع. نحو: "ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة".

ويكون استخباراً، والمعنى تبكيت نحو: "أأنت قلت للناس" تبكيتُ للنصارى فيما ادعوه.

ويكون استخباراً، والمعنى تقرير. نحو قوله جلّ ثناؤه: "ألست بربكم".

ويكون استخباراً، والمعنى تسوية. نحو: "سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم".

ويكون استخباراً، والمعنى استرشاد. نحو: "أتجعل فيها من يُفسد فيها".

ويكون استخباراً، والمعنى إنكار نحو: "أتقولون على الله ما لا تعلمون". ومنه قول القائل:

وتقولُ عَزَّةُ قد مَلِلتَ فقل لها            أيَمَلُّ شيءٌ نفسَه فأمَلَّـهـا

ويكون اللفظ استخباراً، والمعنى عَرْض. كقولك: "ألا تنزل" ويكون استخباراً، والمعنى تحْضيضِ. نحو قولك: هَلاَّ خيراً من ذلك" و:

بني ضَوْطَرَى لولا الكَمِيَّ المـقـنَّـعـا

ويكون استخباراً والمراد به الإفهام. نحو قوله جلّ ثناؤه: "وما تلك بيمينك" قد علم أن لها أمراً قد خفي على موسى عليه السلام، فأعلمه مِن حالها ما لم يعلمه.

ويكون استخباراً، والمعنى تكثير، نحو قوله جلّ ثناؤه: "وكم من قرية أهلكناها" وكأيّنْ من قرية". ومثله:

كَم مِن دَنِيٍّ لها قد صِرتُ أتْبَعُـه         ولو صحا القلب عنها كان لي تبعا

وقال آخر:

وكم مِن غائط من دونِ سلْمى           قليلِ الأُنس ليس به كـتـيعُ

ويَكون استخباراً، والمعنى نفي. قال الله جلّ ثناؤه: "فَمن يَهدي من أضلَّ اللَّهُ" فظاهره استخبار والمعنى: لا هاديَ لمن أضلَّ اللهُ. والدليل على ذلك قوله في العطف عليه: "وما لهم من ناصرين". ومما جاء في الشعر منه قولُ الفرزدق:

أينَ الذين بهم تُسامِي دارِمـاً           أمْ منْ إلى سلفيْ طهيَّة تَجْعلُ

ومنه قوله جلّ ثناؤه: "أفأنت تُنْقِذُ مَن في النار" أي لستَ منقذَهم.

وقد يكونُ اللفظ استخباراً، والمعنى إخباراً وتحقيق. نحو قوله جلّ ثناؤه: "هل أتى على الإنسان حِينٌ من الدّهر" قالوا معناه: قد أتى.

ويكون بلفظ الاستخبار، والمعنى تعجّب. كقوله جلّ ثناؤه: "عمّ يَتَسَاؤلُون" و"لأي يوم أجِّلتْ" ومِن دقيق باب الاستفهام أن يوضَع في الشرط وهو في الحقيقة للجزاء. وذلك قول القائل: إن أكرمتُكَ تُكرِمني المعنى : أتكرمني إن أكرمتُك? قال الله جلّ ثناؤه: "أفإن متَّ فهم الخالدون?" تأويل الكلام: أفهم الخالدون إن متّ? ومثله: "أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم?" تأويله: أفتنقلبون على أعقابكم إنّ مات?.

وربّما حَذفت العربُ ألف الاستفهام. ومن ذلك قول الهُذْلِيّ:

رَفوْنِي وقالوا يا خويلدُ لم ترَعْ          فقلت وأنكرتُ الوجوهَ همُ همُ

أراد: أهم? وقال آخر:

لَعمرُكَ ما أدري وإن كنـتُ دارياً           شُعَيْث بنَ سَهْم أم شُعيث بنَ مِنْقرِ

وقال آخر:

لعمركَ ما أدري وإن كنتُ دارياً            بسبع رَمين الجمر أم بثـمـانِ

وعلى هذا حمل بعض المفسرين قوله جلّ ثناؤه في قصة إبراهيم عليه السلام: "هذا ربي": أي: أهذا ربي?.)) ص292-297

ما يحتمله الأمر من المعاني خلاف ظاهره ، وكذا النهي ، وغيره ((باب الأمر

الأمر عند العرب - ما إذا لم يفعله المأمور به سمي المأمور به عاصياً. ويكن بلفظ افْعلْ وليفْعَلْ نحو "أقيموا الصلاةَ" ونحو قوله: "وَليحكمْ أهلُ الإنجيل".

فأما المعاني التي يحتملها لفظ الأمر فأن يَكون أمراً، المعنى مسألة. نحو قولك: اللهم اغفر لي. قال:

ما مَسَّها من نَقبٍ ولا دَبَـرْ             اغْفِرْ له اللهمَّ إن كان فَجَر

ويكون أمراً، والمعنى وعيد. نحو قوله جلّ ثناؤه: "فتمتعوا فسوف تعلمون". ومثله قوله جلّ ثناؤه: "اعْمَلُوا ما شئتم". ومنه قول عَبِيد:

حَتّى سَقيناهم بكأسٍ مُـرَّةٍ               فيها المُثمَّلُ ناقعاً فليشْرَبوا

ومن الوعيد قوله:

ارْوُوْا عليَّ وأرْضُوا بي رِحالَكُمُ            واسُتَسْمِعوا يا بني مَيْثاءَ إنشادي

ما ظنُّكم ببني مَيْثاءَ إن رَقـدوا         لــيلاً وشَدَّ عليهم حَـيّةُ الــــــــــوادي

وقد جاء في الحديث: "إذا لم تَسْتَحْيِ فاصنَعْ ما شئت" أي: إن الله جل ثناؤه مجازيك، قال الشاعر:

إذا لم تَخْشَ عاقِبةَ الليالـي        ولم تَسْتَحي فاصنع ما تشاءُ

ويكون اللفظ أمراً، والمعنى تسليم. نحو قوله جلّ ثناؤه: "فاقْضِ ما أنتَ قاض".

ويكون أمراً، والمعنى تكوين. نحو قوله جلّ ثناؤه: "كونوا قِرَدَةً خاسِئِين". وهذا لا يجوز أن يكون إلا مِن الله جلّ ثناؤه.

ويكون أمراً، وهو نَدْب نحو قوله جلّ ثناؤه: "فانْتَشِرُوا في الأرض". مثله:

فقلتُ لراعيها انْتَشِرْ وتَبَقَّلِ

ويكون أمراً، وهو تعجيز. نحو قوله جلّ ثناؤه: "فانفُذوا، لا تنفُذون إلا بسلطان". ومثله:

خَلِّ الطريقَ لمن يَبْني المَنَارَ بهـا         وابرُز بِبَرْزَة حيثُ اضْطَرَّكَ الْقَدَرُ

ويكون أمراً، وهو تعجب. نحو قوله جلّ ثناؤه: "أسْمِعْ بهم".

قال:

أحْسِنْ بها خُلَةً لو أنها صدقـتْ           موعودَها ولو انَّ النُّصحَ مقبولُ

ويكون أمراً، وهو تمنٍّ. تقول لِشَخص تراه: "كُنْ فلاناً".

ويكون أمراً، وهو واجب. في أمر الله جلّ ثناؤه: "أقيموا الصلاة".

ويكون اللفظ أمراً، والمعنى تلهيفٌ وتحسير. كقول القائل: "متْ بِغَيْظِكَ" ومُتْ بِدائِكَ" وفي كتاب الله جلّ ثناؤه: "قل موتوا بغَيْظكم" ثم قال جرير:

موتوا من الغَيْظ غَمّاً في جَزِيرَتِكم       لَنْ تقطعوا بطنَ وادٍ دونَهُ مُضَرُ

ويكون أمراً، والمعنى خَبَر. كقوله جلّ ثناؤه: "فليَضْحكوا قليلاً، ولِيبكوا كثيراً" المعنى: انهم سيضحكون قليلاً ويبكون كثيراً.

فإن قال قائل: فما حال الأمر في وجوبه وغير وجوبه? قيل له: أمّا العرب فليس يُحفظُ عنهم في ذلك شيء، غير أن العادة بأنَّ من أمر خادمه بسقيه ماءً فلم يفعل، أنّ خادمه عاصٍ: وأن الآمر مَعْصِيّ. وكذلك إذا نهى خادَمه عن الكلام فتكلّم، لا فرق عندهم في ذلك بين الأمر والنهي.

فأما النهي - فقولك: لا تَفْعَلْ ومنه قوله:

لا تَنِكحي إن فَرَّق الدهر بيننا          أغمَّ القفا والوَجهِ ليس بأنْزعا

وأمّا الدعاء، والطَّلب - فيكون لمن فوقَ الداعي والطالب. نحو: اللهم اغُفرْ ويقال للخليفة: انظُرْ في أمري. قال الشاعر:

إليك أشكو فتقبَّلْ مَـلَـقـي          واغفِرْ خطاياي وثمِّرْ وَرقي

والعَرضُ. والتحضيض - متقاربان. إلا أن العَرْضَ أرفَقُ. والتحضيض أعْزَمُ. وذلك قولك في العَرض ألا تنزِل ألا تأكلُ والإغراء والحثُّ قولك: ألَمْ يأنِ لك أن تطيعَني. وفي كتاب الله جلّ ثناؤه: "ألَمْ يَأنِ للذين آمنوا أن تَخْشَعَ قلوبُهم لذِكر الله". والحثّ والتحضيض كالأمر ومنه قوله عزّ وجلّ: "إنِ ائْتِ القومَ الظالمين، قومَ فِرعَون، ألاّ يتقون" فهذا من الحثّ والتخصيص، معناه: ائْتِهم ومُرْهُم بالاتّقاء.

ولولا يكون لهذا المعنى، وقد مضى ذكرها. وربما كان تأويلها النفي، كقوله جلّ ثناؤه: "لولا يأتُونَ عليهم بسلُطان بَيِّن" المعنى: اتخذوا من دونه آلهة لا يأتونَ عليهم بسلطان بَيِن.

والتمنيّ - وقولك: وَدِدتكَ عندنا وقوله:

وَدِدتُ وما تُغني الوَدَادَةُ أنني         بما في ضمير الحاجِبيَّة عالِمُ

قال قوم: مِن الأخبار، لأن معناه ليس إذا قال القائل: لَيْتَ لي مالاً فمعناه: ليس لي مالٌ. وآخرون يقولون: لو كان خبراً لجاز تصديق قائله أو تكذيبه، وأهل العربية مختلفون فيه على هذين الوجهين.

أما العجب -فتفضيل شخص من الأشخاص أو غيره على أضرابه بوصف. كقولك: ما أحسَنَ زيداً. وفي كتاب الله جلّ ثناؤه: "قُتِلَ الإنسانُ ما أكفره" وكذلك قوله جلّ ثناؤه: "فما أصْبَرَهم على النار" وقد قيل: إنّ معنى هذا: ما الذي صَبَّرهم. وآخرون يقولون: ما أصبرَهم: ما أجرأهم. قال وسمعت أعرابيّاً يقول لآخر: ما أصبرك على الله، أي ما أجرأك عليه)) ص298-304

*******

ومما أجاد فيه وأبدع حديثه عن حقائق الكلام ومجازه ، وربطه بكتاب الله ، وجعل ذلك دليلا من دلائل النبوة ، وفيه بيان لموقفه من المجاز ، وإن كان المجاز عنده يخالف ما عند غيره أو هو أوسع مما لدى المتأخرين من البلاغيين ((باب سنن العرب في حقائق الكلام والمجاز

نقول في معنى الحقيقة والمجاز: إن الحقيقة - من قولنا حَقَّ الشيء إذا وجب. واشتقاقه من الشيء المحقَّق وهو المُحْكَم، تقول: ثوب محقَّق النَّسْج أي مُحْكَمُه. قال الشاعر:

تَسرْبلْ جِلدَ وجهِ أبيك إنّا         كَفيناكَ المحقَّقَةَ الرِّقاقا

وهذا جنس من الكلام يُصدِّق بعضُه بعضاً من قولنا: حَقٌّ وحقيقة. ونصُّ الحِقاق. فالحقيقة: الكلام الموضوع موضِعَه الذي ليس باستعارة ولا تمثيل، ولا تقديم فيه ولا تأخير، كقول القائل أحمدُ اللهَ على نِعَمِهِ وإحسانه. وهذا أكثر الكلام. قال الله جلّ ثناؤه: "والذين يؤمنونَ بما أُنزل إليكَ وما أنزل من قبلك وبالآخِرة هم يوقِنُون" وأكثر ما يأتي من الآي على هذا. ومثله في شعر العرب:

لَمالُ المرءِ يُصْلحِهُ فيَغْنى           مفاقِرَه أعَفُ من القُنوعِ

وقول الآخر:

وفي الشرِّ نَجَــــــــــــاةٌ حيــــــــــــ                 نَ لا يُنْجيــــــــكَ إحْسانُ

وأمّا المجاز - فمأخوذ من جازَ، يَجُوزُ إذا استنَّ ماضياً تقول: جاز بنا فلان. وجازَ علينا فارِس هذا هو الأصل. ثم تقول: يجوز أن تفعلَ كذا أي: يَنْفُذ ولا يُرَدُّ ولا يُمْنَع. وتقول: عندنا دراهم وَضَح وازِنَة وأخرى تَجُوزُ جَوَازَ الوازِنَة أي: إن هذه وإن لم تكن وازِنة فهي تجوز مجازَها وجوازها لِقْربِها منها. فهذا تأويل قولنا: مجاز أي: إن الكلام الحقيقيّ يَمْضي لِسَنَنَهِ لا يُعْتَرض عليه، وقد يكون غيره يجوز جوازه لقُربه منه، إلاِّ أنّ فيه من تشبيهٍ واستعارَة وكفٍّ ما ليس في الأول، وذلك كقولك: عطاءُ فلان مُزْنٌ واكفٌ فهذا تشبيه وقد جاز مجاز قوله: عطاؤه كثير وافٍ ومن هذا في كتاب الله جلّ ثناؤه: سَنَسِمُه على الخُرطوم فهذا استعارة. وقال: " وله الجواري المُنْشآتُ في البحر كالأعلام" فهذا تشبيه ومنه قول الشاعر:

ألَمْ ترَ أنّ الله أعطاكَ سـورَةً             تَرَى كلَّ مَلك دُونها يَتَذَبـذَبُ

بأنّك شمسٌ والملوكُ كواكـبٌ           إذا طَلَـعَتْ لم يبْدُ منهن كوكبُ

فالمجاز هنا عند ذِكر السُّورَة وإنما هي من البناء. ثم قال يتذبذب والتذبذب يكون لِذَباذِب الثوب وهو ما يتدلّى منه فيضطرب ثم شبهه بالشمس وشبههم بالكواكب.

المجاز : وأدار حديثه في طرائق العرب في التعبير عن المعاني على نصوص الوحي مثل حديثه عن الاستعارة ، والحذف والاختصار ، والزيادة ، والتكرار ، والعموم والخصوص ، وإضافة الفعل إلى ما ليس بفاعل في الحقيقة ، والواحد يراد به الجمع ، والجمع يراد به الاثنان ، ووصف الجمع بصفة الواحد ، ومخاطبة الواحد بلفظ الجمع ، والإخبار بلفظ الاثنين عن جماعة وجماعة أو جماعة وواحد ، ومخاطبة الواحد خطاب الجمع ، وتحويل الخطاب من الشاهد إلى الغائب ، وتحويل الخطاب من الغائب إلى الشاهد ، ومخاطبة المخاطب ثم يجعل الخطاب لغيره ، أو يخبر عن شيء ثم يجعل الخبر المتصل به لغيره ، ونسبة الفعل لشيئين وهو لأحدهما ، ونسبة الفعل إلى أحد اثنين وهو لهما ، وأمر الواحد بلفظ أمر الاثنين ، ومجيء الفعل ماضيًا وهو راهن أو مستقبل ومستقبلا وهو ماضٍ ، والمفعول بلفظ الفاعل ، ووصف الشيء بما يقع فيه أو يكون منه . ونكتفي بنموذج ((باب الفعل يأتي بلفظ الماضي : وهو راهنٌ أو مستقبل وبلفظ المستقبل وهو ماضٍ

قال الله جلّ ثناؤه: "كنتم خيرَ أمة" أي: أنتم. وقال جلّ ثناؤه: "أتى أمرُ الله" أي: يأتي. ويجيء بلفظ المستقبل وهو في المعنى ماضٍ. قال الشاعر:

ولقد أمُرُّ على اللئيم يَسبُّنـي         فَمَضيْتُ عنه وقلتُ لا يعنيني

فقال أمُرُّ ثم قال: مضيت. وقال:

وما أضْحِي ولا أمسَيْتُ إلا           رأوْني  منهمُ في  كَوَّفـانِ

وفي كتاب الله جلّ ثناؤه: "فلم تقتلون أنبياءَ الله من قبل وقال: واتَّبَعوا ما تتلو الشياطين" أي ما تَلَتْ. وقال آخر:

وندمان يزيد الكأس طيباً           سقيت إذا تغوَّرت النجوم

ومثله: "وقالت اليهودُ والنصارى: نَحنْ أبناءُ الله وأحباؤه، قل فلِمَ يعذِّبكم?" المعنى: فلم عذَّب آباءكم بالمسخ والقتل? لأن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لم يَؤْمَر بأن يحتجّ عليهم بشيء لم يكن، لأن الجاحد يقول: إني لا أعذَّب. لكن احتج عليهم بما قد كان.

باب المفعول يأتي بلفظ الفاعل : تقول: سِرُّ كاتم أي مكتوم. وفي كتاب الله جلّ ثناؤه: "لا عاصم اليومَ من أمر الله" أي لا معصوم و"من ماءٍ دافِق" و"عِيشَةٍ راضية" أي مَرْضِيٍ بها. و"جعلنا حرماً آمِناً" أي مأموناً فيه ويقول الشاعر:

إنَّ البَغيضَ لَمَنْ يُمَلُ حـديثُـه          فانقَعْ فؤادَكَ من حديث الوامِقِ

أي : المَوْمُوق. ومنه:

أنا شِرَ لا زالَتْ يمينُك أشِرَة

أي: مأشورة.

وزعم ناس أنّ الفاعل يأتي بلفظ المفعول به. ويذكرون قوله جلّ ثناؤه: "إنّه كان وَعْدُه مأتِياً" أي: آتياً. قال ابنُ السِّكيت: ومنه عيْشٌ مغبون يريد أنه غابِن غيرَ صاحبه.

باب آخر : من سُنن العرب وصفُ الشيء بما يقع فيه أو يكون منه، كقولهم:" يومٌ عاصِف " المعنى: عاصفُ الرّيح. قال الله جلّ ثناؤه: "في يوم عاصف" فقيل: عاصف لأنَّ عُصُوفَ ريحه يكون فيه. ومثله: ليلٌ نائم وليلٌ ساهر لأنه يُنام فيه ويُسَهرْ قال أوس:

خُذِلْتُ على ليلةٍ سـاهِـرَهْ             بصحْراء شرْجٍ إلى ناظِرَهْ

وقال ابنُ بَرّاق:

تقولُ سُلَيْمى لا تَعَرَّضْ لِتَلفَةٍ             وليلُك مِن ليل الصعالِيك نائِمُ

ومثله:

لقد لُمْتِنا يا أمّ غيلان في السُّرى           ونِمْتِ وما ليلُ المَطِيّ بـنـائــــــــمِ

ويقولون: لا يَرْقُد وِسادُه وإنما يريدون متوسِّد الوِساد)) ص364-368

*******

ومن تأثر ابن فارس بالقيم الشرعية في تفسيره بعض الألفاظ وبيان معناها والفرق بينها في المعاني مثل : القوم ، والنفر ((باب الخطاب بلفظ المذكر أو لجماعة الذُّكران

إذا جاء الخطاب بلفظ مذكّر ولم يُنَصَّ فيه على ذِكر الرجال فإنّ ذلك الخطاب شامل للذُكران والإناث. كقوله جلّ ثناؤه: "يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وأقيموا الصلاة وآتوا الزَّكاة". كذا تَعْرف العرب هذا. فإن قال القائل: هذا لقوم من بني فلان فقد ذهب أكثرُ أهل اللغة إلى أن القوم للرجال دون النساء، فسمعت عليَّ بن إبراهيم يقول، سمعت ثعلباً يقول: يقال امروءٌ. وأمرآن. وقوم وامْرَأة وامْرأتان ونِسْوَة. وسمعت عليّاً يقول، سمعت المفسّر يقول، سمعت عبد الله بن مُسْلم يقول: القوم للرجال دون النساء، ثم يخالطهم النساء فيقال: هؤلاء القومُ قومُ فلان ولا يجوز للنساء ليس فهين رجل: هؤلاء قوم فلان، ولكن يقال: هؤلاء من قوم فلان، لأن قومه رجال والنساء منهم. قال: وإنّما سمّي الرجل دون النساء قوماً، لأنهم يقومون في الأمور وعند الشدائد يقال قائم وقَوْم، كما يقال: زائر وزَوْر. وصائم وصَوْم. ونائم ونَوْم. ومثله النَّفَر لأنهم ينفِرُون مع الرجال إذا استنفَرَهم. قال امرؤ القيس:

فهو لا تَنمِي رَمِيَّتُـهُ          ما لَهُ لا عُدَّ من نَفَرِهِ

ومما يدلّ على أن القوم للرجال قول زهير:

وما أدري وسوف إخال أدري      أقول آل حصن أم نـسـاءُ)) ص305-306

ومن تأثره بالقيم الشرعية تفسير أقل الجمع ، ((باب أقلِّ العدد الجمعِ :

... إذا قال القائل: عندي دراهمُ. أو أفراسٌ. أو رجال فذلك كله عبارة عن أكثر من اثنين. وإلى ذلك ذهب عبد الله بن عباس - ومكانُه من العلم باللغة مكانُه - في قوله جلّ ثناؤه: "فإن كان له إخْوَةٌ فَلأِمِّهِ السُّدُس" إلى أن الحَجْبَ في هذا الموضع عن الثلث إلى السدس لا يكون إلا بأكثر من اثنين، وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "الاثنان فما فوقَهما جماعة" فإنما أراد أنهما إذا صَلَّيا فقد حازا فضلَ الجماعة، لا أنّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم سمَّي الشخصين جماعة. وقول القائل: إن أقلّ ذلك أن يُجْمع واحد إلى واحد فهذا مجاز، وإنما الحقيقة أن يُقال: كان واحد فثنّي ثم جمع. ولو كان الأمر على ما قالوه لما كان للتثنية ولا للاثنين معنى بوجه، ونحن نقول: خرجا. ويخرجان فلو كان الاثنان جمعاً لَمَا كان لقولنا يخرجان معنىً، وهذا لا يقوله أحد)) 307-308 ومنه ((باب الشيء يكون ذا وصفين فيُعلَّق بحُكْم من الأحكام على أحد وصفَيْه ، أمّا الفقهاء فمختلفون في هذا.

فأمّا مذهب العرب فإنّ العربي قد يذكر الشيء بإحدى صفتيه فيؤَثّر ذلك، وقد يذكره فلا يؤثّر بل يكون الأمر في ذلك وفي غيره سواءً. ألاَ ترى القائل يقول:

مِنْ أُناس ليسَ من أخلاقِـهـم           عاجِلُ الفُحش ولا سوء الطَّمَعْ

فلو كان الأمر على ما يذهب إليه مَن يُخالِف مذهبَ العرب لا سُتُجيز عاجلُ الفُحش إذا كان الشاعرُ إنما ذكر العاجل، وقد قال الله جلّ ثناؤه: "ولا تكونوا أوّلَ كافِرٍ به" والكفر لا يجوز في حال من الأحوال. وحكى ناس عن أبي عُبيدْ إنما سَلك فيما قاله من هذا مَسْلك التَّأوُّل ذاهباً إلى مذهب من يقول بهذه المقالة، ولم يَحْكِ ما قاله عن العرب، ولو حكاه عنهم للزم القولُ به، لأنّ أبا عبيدْ ثِقة أمين فيما يحكيه عن العرب، فأما في الذي تأوَّله فإنّا نحن نُخالفه فيه كما نخالفه في مسألة مُتعة الحج وفي ذوي الأرحام وغير ذلك من المسائل المختلف فيها))ص319-320

*******

وجاء هذان البابان في نُظوم كتاب الله جلّ ثناؤه، وكذلك يجيء بعدهما ما نذكره في سُنَن العرب لتكون حجَّة الله جلّ اسمه عليهم أكَدَ، ولِئَلاَّ يقولوا: إنما عجزنا عن الإتيان بمثله لأنه بغير لغتنا وبغير السُّنن التي نَسْتَنُّها. لا، بل أنزله جل ثناؤه بالحروف التي يعرفونها وبالسُّنن التي يسلكونها في أشعارهم ومخاطباتهم ليكون عجزهم عن الإتيان بمثله أظهرَ وأشهر. ثم جعله تبارك اسمه أحد دلائل نُبوّة نبيّنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. ثم أعلمهم ألاَّ سبيل لهم إلى معارَضته، وقَطَع العُذر بقوله جلّ ثناؤه: "قل لَئن اجتمعت الإنسُ والجِنّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً".

فمن سنن العرب مخالفة ظاهرِ اللفظ معناه، كقولهم عند المدح: قاتله الله ما أشعره فهم يقولون هذا ولا يريدون وقوعه. ومن قول امرئ القيس يصف رامياً:

فهو لا تَنْمِي رَميتَّـه         مالهُ لا عُدَّ من نَفَرِه

يقول: إذا عدَّ نفره لم يعدَّ معهم، كأنه قال: قتله الله، أماته الله، حتى لا يعدَّ.

ومنه قولهم: هوَتْ أمُّه. وهَبِلَتْهُ. وثكلَته قال: كعب بن سعد يرثي أخاه:

هَوَتْ أمُّهُ ما يَبْعَثُ الصبحُ غادياً       وماذا يؤَدّى الليلُ حـينَ يؤوبُ

وهذا يكون عند التعجب من إصابة الرجُل في رميْه أو في فعل يفعله وكان عبد الله بن مسلم بن قتيبة يقول في هذا الباب: من ذلك الدعاءُ على جهة الذم لا يراد به الوقوعُ كقوله الله جلّ ثناؤه: "قُتل الخَرَّاصُون. وقُتل الإنسانُ ما أكْفَره. وقاتلهم الله أنَّى يُؤَفكون" وأشباه ذلك.

قال أحمد بن فارس: وهذا وإن أشبه ما تقدم ذكره فإنه لا يجوز لأحد أن يُطلق فيما ذكره الله جلّ ثناؤه أنه دعاء لا يراد به الوقوع، بل هو دعاء عليهم أراد الله وقوعه بهم فكان كما أراد، لأنهم قُتلوا وأهلكوا وقوتلوا ولُعنوا، وما كان لله جلّ ثناؤه ليدعوَ على أحد فتَحِيدَ الدعوة عنه: قال الله جلّ ثناؤه: "تَبَّتْ يدا أبي لَهَب" -فدعا عليه ثم قال -"وتبَّ" أيّ وقد تبّ وحاق به التبَّاب. وابن قتيبة يُطِلق إطلاقات منكرةً ويروي أشياءَ شنعة، كالذي رواه عن الشَّعْبِيّ أنَّ أبا بكر وعمر وعليّاً توُفوا ولم يجمعوا القرآن. قال: وروى شَريك عن إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت الشَّعبي يقول ويحلف بالله: لقد دخل علي حُفرته وما حِفظ القرآن. وهذا كلام شنع جدّاً في من يقول "سَلُوني قبل أن تَفقِدوني، سلوني فما من آية إلاَّ أعلم أبليلٍ نَزلَت أم بنهار، أم في سَهْل أم في جبل" وروى السُّدّيّ عن عبدِ خيرٍ عن عليَّ رضي الله تعالى عنه أنه رأى من الناس طَيْرَةً عند وفاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فأقسَمَ ألاَّ يضع على ظهره رداءً حتى يجمع القرآن قال: فجلس في بيته حتّى جمع القرآن، فهو أول مصحف جُمع فيه القرآن، جَمعه في قلبه، وكان ند آل جعفر. وحدّثنا علي بن إبراهيم عن علي بن عبد العزيز قال: قال أبو عبيد حدّثني نصر بن بابٍ عن الحجاج عن الحكم عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي أنه قال: ما رأيتُ أحداً أقرى من عليّ صلوات الله عليه، صلّينا خلفه فأسْوأ بَرْزخاً ثم رجَع فقرأه ثم عاد إلى مكانه قال أبو عبيد البرزخ: ما بينَ كل شيئين، ومنه قيل للميت: هو في البرزخ، لأنه بين الدنيا والآخرة، فأراد أبو عبد الرحمن بالبرزخ ما بين الموضع الذي أسقط علي صلوات الله عليه منه ذلك الحرفَ إلى الموضع الذي كان انتهى إليه.)) ص321-326

ولم يخل حديثه في قضايا اللغة من تمثيل بآي من كتاب الله ، كما فعل في حديثه عن المشترك والمترادف والمتضادّ ((باب أجناس الكلام في الاتفاق والافتراق

يكون ذلك على وجوه: فمنه اختلاف اللفظ والمعنى، وهو الأكثر الأشهر، مثل رجل. وفرس وسيف. ورمح ومنه اختلاف اللفظ واتفاق المعنى، كقولنا: سيف وعَضب ولَيْث وأسَد على مذهبنا في أن كل واحد منهما فيه ما ليس في الآخر من معنى وفائدة

ومنه اتفاق اللفظ واختلاف المعنى، كقولنا عين الماء وعين المال وعين الرّكبة وعين الميزان ومنه في كتاب الله جلّ ثناؤه: "قضى" بمعنى: حَتَم كقوله جلّ ثناؤه "قضى عليها الموتَ" وقضى بمعنى: أمرَ كقوله جلّ ثناؤه: "وقضى ربك ألا تعبدوا إلاَّ إيّاه أي أمر. ويكون قضى بمعنى: أعَلَم كقوله جلّ ثناؤه: "وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب أي أعلمناهم. وقضى بمعنى: صَنَع كقوله جلّ ثناؤه: "فاقْضِ ما أنتَ قاضٍ وكقوله جلّ ثناؤه: "ثُمَّ اقْضوا إليَّ" أي اعملوا ما أنتم عاملون. وقضى: فَرَغ. ويقال للميت: قَضَى أي فرغ. وهذه وإن اختلفت ألفاظها فالأصل واحد.

ومنه اتفاق اللفظ وتضادُّ المعنى ك "الظنّ" وقد مضى الكلام عليه.

ومنه تقارب اللفظين والمعنيين ك "الحَزْم" و"الحَزن". فالحَزمُ من الأرض أرفع من الحَزن. وكم الخَضْم وهو بالفم كله. والقَضم وهو بأطراف الأسنان.

ومنه اختلاف اللفظين وتقارب المعنيين كقولهم مدحه إذا كان حيّاً وأبَّنَه إذا كان ميتاً.

ومنه تقارب اللفظين واختلاف المعنيين وذلك قولنا حَرِجَ إذا وقع في الحَرج وتَحرَّج إذا تباعد عن الحرج. وكذلك أثِمَ: وتأثَّمَ. وفَزِعَ إذا أتاه الفَزَع وفُزّعَ عن قلبه إذا نحِّي عنه الفزع قال الله جلّ ثناؤه: "حتّى إذا فُزّعَ عن قلوبهم" أراد والله أعلم: أخرِج منها الفزعُ))ص327-328

كما كان من همِّ ابن فارس بيان ما يقع في لغة العرب ولا يقع في القرآن من الألفاظ والأبنية والتراكيب ، وما يقع فيهما ، مثل القلب ((باب القلب : ومن سنن العرب القلبُ. وذلك يَكون في الكلمة، ويكون في القِصَّة: فأمّا الكلمة - فقولهم: جَذَبَ وجبَذَ وبَكلَ. ولبَكَ وهو كثير وقد صنّفه علماء اللغة، وليس من هذا فيما أظن من كتاب الله جلّ ثناؤه شيءٌ.

وأما الذي في غير الكلمات - فقولهم:

كما عُصِبَ العِلْباءُ بالعودِ

....... و:

حَسَرْتُ كَفِّي عن السِّرْبالِ

وإنما حَسَرَ السِّربالَ عن كفه. ومثله في كتاب الله جلّ ثناؤه: "خُلِق الإنسانُ مِن عَجَلَ" ومنه قوله جلّ ثناؤه: "وحَرَّمْنا عليه المَراضِعَ من قبلُ" ومعلوم أن التحريم لا يقع إلا على مَن يلزَمُه الأمر والنّهي، وإذا كان كذا فالمعنى: وحرَّمنا على المراضع أن يرضِعْنَه. ووجه تحريم إرضاعه عليهن أن لا يقبَل إرضاعهن حتى يُرَد إلى أمّه. قال بعض علمائنا: ومنه قوله جلّ ثناؤه: "فإنهم عدوٌّ لي إلا ربَّ العالمين" والأصنام لا تعادي أحداً، فكأَنَّهُ قال: فإني عدوٌّ لهم. وعداوته لها بغضه إيّاها وبراءته منها))ص329-322

ومثله الإبدال ((باب الإبدال : ومن سنن العرب إبدالُ الحروف وإقامة بعضها مقام بعض، ويقولون مَدَحَه. ومَدَهَه وفَرسٌ رِفلٌّ. ورِفنٌّ وهو كثير مشهور قد ألَّف فيه العلماء. فأمّا ما جاء في كتاب الله جل ثناؤه فقوله جل ثناؤه: "فانْفَلقَ فكان كلُّ فرْق" فاللام والراء يتعاقبان كما تقول العرب: فلقُ الصبح. وفَرَقه. وذُكر عن الخليل ولم أسمعه سماعاً أنه قال في قوله جلّ ثناؤه: "فجاسوا: غنما أراد فحاسوا فقامت الجيم مقام الحاء،وما أحسب الخليل قال هذا ولا أحقُّه عنه)) ص333

*******

وفي الكتاب مباحث لغوية عامة تنطبق على نصِّ الوحي وغيره ، أو على الأقلِّ لا تخص نصّ الوحي أو لا تنصّ إليه بتمثيل أو تخريج، مثل المباحث المتعلِّقة بالأبنية أو الأمثلة أو الأوزان الصرفية، مثل: أبنية الأفعال، والفعل اللازم والمتعدِّي بلفظ واحد، والبناء الدالّ على الكثرة، والأبنية الدالة في الأغلب الأكثر على معانٍ وقد تختلف، والفرق بين الضدّين بحرف أو حركة. ص369-376 ومثله ما أورده تحت عنوان "باب البسط في الأسماء، وباب القبض" يعني بهما الإشباع والحذف، غير أنه ذكر أن الترخيم لا يقع في القرآن . ص380-383 ، وكأنه يلحقه بمباحث لا تنطبق على نص الوحي ، مثل : التوهُّم والإيهام . ص377 ، مما لا تليق نسبته إلى الوحي .

*****

وعنده مباحث تتعلّق بالتحسين اللفظي والإيقاع ووزن الكلام ، والمشاكلة والمزاوجة ، وهذه أنماط تقع في كلام العرب ، وفي كتاب الله ، وقد أورد منه نماذج . ص384-385، وسمّاه المحاذاة ، وهو أن يجعل كلامٌ بحذاء كلام ، فيؤتى به على وزنه لفظًا وإن كانا مختلفين ، وقد سمِّيه غيره بغير هذا الاسم ، وينوِّعه .

******

وقد عقد ابن فارس في آخر كتابه بابًا خصّه بما جاء من النظم في القرآن ، وذكر فيه الاقتصاص ، وأتبعه باب "الأمر المحتاج إلى بيان وبيانه متّصل به ، وباب ما يكون بيانه مضمرًا فيه ، وباب ما يكون بيانه منفصلا منه ، ويجيء في الصورة معها أو غيرها ، ثمّ أتبعه بابًا آخر من "نظوم القرآن" وقصد منه مجيء الكلمة إلى جنب الكلمة كأنّها في الظاهر معها وهي في الحقيقة غير متصلة بها ((قال الله جلّ ثناؤه: "إنّ الملوكَ إذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعِزَّةَ أهلها أذلةً. وكذلك يفعلون" فقوله: "وكذلك يفعلون" ومن قولِ الله جلّ اسمه لا قول المرأة ومنه: "الآنَ حَصْحَصَ الحقّ أنا راودتُه عن نفسه وإنه لمن الصادقين" - انتهى قول المرأة ثم قال يوسف - "ذلك ليعلم المَلِكُ أني لم أخنْه بالغيب". ومنه "يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا من مَرْقَدِنا" - وتمَّ الكلام فقالت الملائكة - "هذا ما وَعَدَ الرحمن" ومنه قوله جلّ ثناؤه: "إن الذين اتَّقَوْا إذا مسَّهم طائفٌ من الشيطان تَذَكَّروا فإذا هم مُبْصِرون" - فهذه صفة الأتقياء المؤمنين ثم قال - "وإخوانُهم يُمِدُّونهم في الغَيّ" فهذا رَجّع على كفّار مكة أنّ كفارَ يُمِدُّهم إخوانُهم من الشياطين في الغّيِّ.)) ص406 ثمّ أورد أبوابًا خلا بعضها وهو القليل من أمثلة القرآن ، وفشا في الكثير إيراد الآيات والاستشهاد بها ، مثل : إضافة الشيء إلى نفسه وإلى نعته ، وجمع شيئين في الابتداء بهما وجمع خبريهما ، ثمّ يردّ إلى كلِّ مبتدأٍ به خبره. وباب التقديم والتأخير ، وهو من أجود ما كتب . وباب الاعتراض ، والإيماء ، وإضافة الفعل إلى من وقع به ذلك الفعل ، وباب ما يجري من غير ابن آدم مجرى بني آدم في الإخبار عنه ، واقتصارهم على ذكر بعض الشيء وهم يريدون كلّه ، والحمل على المعنى. وباب ما يجري من كلامهم مجرى التهكم والهزء ، ومن سنن العرب الكفُّ. وهو أن يكفَّ عن ذِكْر الخَبر اكتفاءً بما يدلّ عليه الكلام. ومنه قوله جلّ وعزّ في قِصة فرعون: "أفلا تبصرون أم" أراد: أم تبصرون. وباب أفعل في الأوصاف لا يراد به التفضيل ، ويقولون: إن من هذا الباب قولَه جلّ ثناؤه: "وهو أهْونُ عليه". وباب نفي الشيء جملة من أجل عدمه كمال صفته ، قال الله جلّ وعزّ في صفة أهل النار: "لا يموت فيها ولا يحيى" فنفى عنه الموتَ لأنه ليس بموت مُرِيح ونفى عنه الحياةَ لأنها ليست بحياة طيبة ولا نافعة. وهذا في كلام العرب كثير ، و((باب الشرط ، وهو على ضربين: شرطٌ واجبٌ إعماله كقول القائل: إن خرج زيدٌ خرجتُ. وفي كتاب الله جلّ ثناؤه: "فإن طِبنَ لكن عن شيء منه نفساً فكُلُوه هَنِيئاً مريئاً" والشرط الآخر مذكور إلا أنه غيرُ مَعْزوم عليه ولا محتوم، مثل قوله: "فال جُناحَ عليهم أن يَتَراجعا إن ظَنّا أن يقيما حدودَ الله" فقوله: "إن ظَنّا" شرط لإطلاق المراجعة. فلو كان محتوماً مفروضاً لما جاز لهما أن يتراجعا إلاّ بعد الظنّ أن يقيما حدود الله. فالشرط ها هنا كالمَجاز غير المعزوم. ومثله قوله جلّ ثناؤه: "فذَكِّرْ إن نَفَعَتِ الذِّكْرى" لأن الأمر بالتذكير واقع في كلّ وقت. وللتذكير واجب نفع أو لم ينفع، فقد يكون بعض الشروط مَجازاً)).ص438

******

ولم تخل مباحثه في آخر الكتاب من تعويل على القرآن تمثيلا ، وشرحًا وتوجيهًا ، مثل باب الكناية ، وباب الشيء يأتي مرّة بلفظ المفعول ومرّة بلفظ الفاعل والمعنى واحد ، وباب الزيادة في حروف الفعل للمبالغة ، وباب الخصائص ، وباب نظم للعرب لا يقوله غيرهم ، وباب نفي في ضمنه إثبات . وأما باب الاشتراك (ص456) فهو غير المشترك اللفظي ، وقد حشر فيه آيات من القرآن ، وكذا باب الاستطراد أورد فيه شعرا وقرآنًا ، وباب الأوصاف التي لم يسمع لها بأفعال والأفعال التي لم يوصف بها ، وباب الفصل بين الفعل والنعت ، وتمثيله هنا من القرآن . ص463-464. ومما يقع في اللغة وكتاب الله الإضمار بأنواعه ص387-393 والتعويض . ص394-397 وهما من سنن العرب التي نزل القرآن موافقًا لها .

ولم يمثِّل في بابي "إخراجهم الشيء المحمود بلفظ يوهم غير ذلك ، وباب الإفراط ، وكذا في الإتباع ، والنحت .

ومحض ما أسماه الإشباع والتوكيد ، وهو غير الإشباع في الكلمة لنصوص القرآن . ص462

وخص ابن فارس الشعر ببابٍ ختم به كتابه .

خاتمـــــــــــة :

أولا: خلاصــــــة ونتائج :

‌أ)       أنّ ابن فارس لم يكن بدعًا في عمله ؛ إذ كان حلقة في سلسلة غير مفصومة ولا مبتورة من علماء قدّموا خدماتٍ جلّى من خلال درسهم اللغة العربية في فنونها المختلفة ، ونصوصها الأدبية ، وما تحويه من مادّةٍ مضمونًا وشكلا .

‌ب)   ظهر من خلال ما تقدّم جهد ابن فارس اللغوي في علوم القرآن سواء بما صنّفه وله اتصال مباشر به ، ككتابيه في التفسير، وكتاب "كلا" أو بما حفل به كتابه "الصاحبي" من مادّة علمية غزيرة تعدّ من علوم القرآن أو من جوامع التفسير التي يحتاج إليها كل من يمتّ إلى علوم القرآن بصلة .

‌ج)    تبيّن لنا ممّا وقفنا عليه من كلام ابن فارس أو نقلناه أو اكتفينا بالإشارة إليه جهد ابن فارس في تأصيل ارتباط القرآن ونصوص الوحي باللغة العربية .

‌د)      لم ينس ابن فارس ، وهو يصنِّف تصانيفه اللغويّة أنّه معنيٌّ بالقرآن ولغة القرآن ، كما لم ينس توظيف متن اللغة ومعجمها وأبنيتها وتراكيبها لخدمة النص القرآنيّ ، بل ظلّ يستحضر هذا في جميع مراحل عمله.

‌ه)      ينظر ابن فارس إلى العربية نظرة فيها تقديس ، إذ لا يفارق مسألة التوقيف في اللغة كلامًا وخطًّا ، وأن اللغة العربية في نظر ابن فارس وحي من الله ، وأنها تمتاز عن غيرها من اللغات ، وحاول تفسير نزول القرآن بها بهذا السبب.

‌و)     لابن فارس أصول أفاد منها في تكوين مادّة كتابه اللغوية والتفسيرية،ولم يأت عمله من دون أن يفيد من جهود سابقيه،الذين عنوا بلغة القرآن،مثل الفرّاء، وأبي عبيدة ، وابن قتيبة،وغيرهم من علماء العربية،وآخرين من علماء علوم الشريعة خاصة التفسير.

‌ز)      لابن فارس تفرّدات واجتهادات خاصة يمكن أن يكون حولها حوار وجدل من ناحية سلامتها وصحّتها ، فضلآ عن قبولها والتسليم بها ، ومخالفته في بعضها لا تعني انتقاصه أو تجهيله أو الإزراء به ، أو جحد فضله ؛ فما من عالم إلا وأُخِذ من كلامه وردَّ عليه ، وهو إمام علم ، صاحب نظرة ، ولديه رؤية وتفكير وإبداع واجتهاد، رحمه الله .

‌ح)    كثير ممّا ورد عن ابن فارس في الصاحبي صالح لأن يكون قواعد مطّردة فيما ورد عليه أو نحوه من آي القرآن ، وهذه الطريقة قد تغني عن كثير من التكرار والإحالات التي تفشو في مصنفات التفسير .

‌ط)   لم يترك ابن فارس قارئه في حيرة إزاء بعض المصطلحات التي هي أشبه بالمخل إلى علم التفسير ، أو هي أصل يبنى عليه غيره ؛ فقد كان لديه رؤية في التفريق بين المعنى والتفسير والتأويل، وقد كان يتعامل مع مصنفات تحمل في عناوينها هذه المفردات : معاني القرآن ، تأويل مشكل القرآن ن تفسير...... .

ثانيـــــًا : توصيات ومقترحات :

vتوصية موجّهة للمعنيين بجمع نصوص التفسير من خلال البرامج الحاسوبية وغيرها أن يوسِّعوا من دائرة عملهم بإدخال إسهامات العلماء من خارج دائرة من صنِّفوا مفسِّرين ؛ ففي أعمالهم الكثير من الإضافات والمادّة التفسيرية ، مثل علماء اللغة والمؤرِّخين وغيرهم.

vمواصلة البحث عمّا أشارت إليه كتب التاريخ والتراجم والكتب الأخرى من مصنّفات في التفسير وعلوم القرآن فيما تحويه مكتبات العالم من مخطوطات للتعريف بها ونشرها ؛ فقد يكون في بعض النصوص المخرومة والناقصة والمجهولة النسبة بعض ما ورد اسمه في كتب التي تؤرِّخ نتاجنا العلمي .

vفي وضوح النزعة الدينية من أجل خدمة نصوص الوحي لدى علمائنا وهم يصنّفون كتبهم اللغوية ؛ إذ لم يكونوا بمعزِل عن القرآن والسنة ، وعلينا أن نعيد هذه النزعة، ونذكيها، بعيدًا عن الشحن العاطفي المبنيّ على غير علم.

vإعادة اللحمة بين علوم العربية وعلوم القرآن ، وتأكيد امتزاجهما وترابطهما ، وقطع الطريق على الذين يحاولون فصل ما بينهما من وشائج .

vأن نؤكِّد في محافلنا العلمية ، ومناشطنا الثقافية ، وأعمالنا الأخرى كلّها ارتباط العربية بالقرآن ، وجريان كثير من أحكامه عليها.

vدراسة التفسير من منطلق الكليّات الموضوعية المتكرِّرة ومن خلال جمع مشركات الآيات في مكان واحد ، مثل طريقة دراسة الأدوات وحروف المعاني في القرآن .

تمّ بحمد الله والصلاة والسلام على رسوله الكريم .............

---------------------------------------

([1]) ابن فارس / مجمل اللغة ص 168 .

[2] الصاحبي ص 3-4

 
Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
Joomla Templates by Joomlashack